آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (3 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الثالث من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

يقول سبحانه وتعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون }7-8-9 السجدة

وقد ورد في تفاسير السلف:

(وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) قال ابن كثير: ”يَعْنِي خَلَقَ أَبَا الْبَشَر آدَم مِنْ طِين،“ وقال مثله الطبري والقرطبي.

(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) قال أبن كثير: ”أَيْ يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَة تَخْرُج مِنْ بَيْن صُلْب الرَّجُل وَتَرَائِب الْمَرْأَة“. وقال الطبري: ”يَعْنِي ذُرِّيَّته مِنْ سُلَالَة , يَقُول : مِنَ الْمَاء الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ“. وقال القرطبي: ”مِنْ مَاء مَهِين “ ضَعِيف“.

(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)

قال أبن كثير:” ” ثُمَّ سَوَّاهُ“ يَعْنِي آدَم لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ يَعْنِي الْعُقُول.“

 قال الطبري: ” ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا , {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه} فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا.“

قال القرطبي: ” رَجَعَ إِلَى آدَم , أَيْ سَوَّى خَلْقه ” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه “ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذُرِّيَّته فَقَالَ : ”وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ وَقِيلَ : ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَاء الْمَهِين خَلْقًا مُعْتَدِلًا , وَرَكَّبَ فِيهِ الرُّوح وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسه تَشْرِيفًا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْله وَخَلْقه كَمَا أَضَافَ الْعَبْد إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ”عَبْدِي“ . وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ لِأَنَّ الرُّوح فِي جِنْس الرِّيح . وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي ”النِّسَاء“ وَغَيْرهَا .“

مما سبق يقول لنا المفسرون أن بدأ خلق آدم من طين، ثم جعل الله ذريته تتناسل من الماء المهين الذي أنسل منه، ثم سوى الله آدم –أي أكمل خلقه سويًا مستقيما معتدلاً ونفخ فيه من روحه وجعله سميعا مبصرا مفكراً.

ولما وجدوا أن الترتيب غير صحيحا – لأنهم أفترضوا أن بدأ الخلق كان آدم- تجاوزوا معنى ’ثم’ اللغوي وقالوا في التسوية والنفخ والجعل – الأية الثالثة- أن الله بعد أن ذكر نسل آدم وذريته عاد ليخبرنا عن آدم في أحداث تسبق أحداث ذريته المذكورة في الآية الثانية، أي أن “ثم سواه ونفخ فيه من روحه” تتبع الآية الأولي “وبدأ خلق الإنسان من طين”. كان هذا ممكنا لو كان حرف العطف ’و، أو التعقيب ’ف’، أما وقد ورد في السياق حرف التعقيب ’ثم’ فلا يصح أن يبدأ ما بعدها قبل إنتهاء ما قبلها وهذا يمنع أن يكون التسوية والنفخ قبل تناسل ذرية المخلوق الأول.

دعونا ننظر الى الآيات من مفهومنا الحديث، أن النوع الإنساني الحديث أو آدم هو آخر سلسلة الخلق التطورية، أي أنه هو الموصوف في الآية الثالثة وليس الأولى. وعليه يكون دلالة الأيات المذكورة كما يلي:   تدلنا هذه الآيات من سورة السجدة أن الإنسان قد بدأ خلقه من طين عبر سلسلة من الكائنات التي تناسلت من الكائن الأول، حتى إذا أكتملت صورته على هيئة إنسان، سواه الله ونفخ فيه من روحه، وبهذا نكون قد بلغنا المخلوق الجديد وهو البشر.

قلنا هو البشر لأن هذا هو اللفظ الذي ورد في القرآن عن أول مخلوق نفخ الله فيه من روحه، (ولم يذكر نفخًا آخر سوى الذي أدى الى خلق سيدنا عيسى عليه السلام). وهو اللفظ الذي سمي به المخلوق الذي لديه القدرة على تعلم الأسماء والبيان وتسجد له الملائكة، لقوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين}. وهذا المعنى يوافقه المعنى الذي تقول به نظرية التطور، وإن دل على شيء دل على إعجاز القرآن الذي جاء بمعاني علمية صحيحة مخالفًا ومصححًا للعلوم الشائعة في زمان التنزيل فيما يتعلق بخلق النوع الإنساني.

وفي قوله {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون}، إضافة الأفئدة هنا هو كناية عن العقل الذي يعي ويفهم دلالات الصور التي تراها العين والأصوات الذي تسمعها الأذن، لقوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} الفؤاد هنا هو العقل. الإنسان؛ مثل كل المخلوقات الأخرى التي لديها سمع وبصر، ولكن ليس لديها القدرة على التفكير والتحليل وأن تعقل ما تراه وتسمعه، بينما البشر يستطيع التفكير والبيان والتعلم بالعقل الذي ميزه الله به عمن سواه. كما في قوله {خلق الإنسان * علمه البيان} سورة الرحمن، فلما تعلم الإنسان صار بشرا. ومثله قوله تعالى {..وعلم آدم الأسماء كلها..}(31) البقرة .

***

ولو نظرنا الى الآيات { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرٌ منه خلقتنى من نارٍ وخلقته من طين } الأعراف:11-12

أختلف المفسرون المتقدمون في دلالة هذه الآيات، ونورد هنا ما جاء في تفسير الطبري:

” القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: {ولقد خلقناكم} في ظهر آدم أيها الناس، {ثم صورناكم} في أرحام النساء خلقا مخلوقا ومثالا مثلا في صورة آدم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خلقناكم} يعني آدم، {ثم صورناكم} يعني في ظهره. وقال آخرون: معنى ذلك: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: {ولقد خلقناكم} ولقد خلقنا آدم، {ثم صورناكم} بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعني في ذلك سلفه، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63]  وما أشبه ذلك من الخطاب الموجه إلى الحي الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و”ثم “ في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به بـ ”وثم“ على قوله: ”قمت“ إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إن قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا. فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت ”ثم“ في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم:

                              سألت ربيعة من خيرها                     أبا ثم أما فقالت لمه

بمعنى: أبا وأما، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره، فإن ذلك بخلاف ما ظن ; وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف. وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل ”ثم“ في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: قام ثم عبد الله عمرو ; فأما إذا قيل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقا، فقول الله تبارك وتعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا} نظير قول القائل: قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل. .“ أنتهى.

بالرغم إن الأوائل فهموا التصوير على أنه يعود  على الذرية، إذ  جاء في تفسير ابن كثير: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أَيْ خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَا الذُّرِّيَّة وَهَذَا فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَالَ بَعْده { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ آدَم وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَر………… وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين} الْآيَة . فَإِنَّ الْمُرَاد مِنْهُ آدَم الْمَخْلُوق مِنْ السُّلَالَة وَذُرِّيَّته مَخْلُوقُونَ مِنْ نُطْفَة وَصَحَّ هَذَا لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان الْجِنْس لَا مُعَيَّنًا وَاَللَّه أَعْلَم.“.

إلا أن الطبري فقد خلص بعد تفنيد كافة الأراء الى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم.

النص صريح، المخاطب نحن أي الناس أي النوع الإنساني أي البشر (آخر حلقات التطور)، لقد خلقناكم أيها الناس (بدأتم خلية من الطين) ثم صورناكم أي طورناكم (خلقناكم في مراحل وأشكال وصور كما فصّل النص في آيات أخرى سنوردها فيما بعد) حتى بلغتم الصورة التي أنتم عليها، (ثم –كما فصّل القرآن في آيات قرآنية أخرى- فلما أستوى أصطفينا آدم ونفخنا فيه من روحنا وجعلناه خليفة وعلمناه الأسماء  وكل هؤلاء مسكوت عنهم في هذا السياق) – ثم  قلنا للملائكة إسجدوا لآدم …

وهذا المعنى المباشر الذي تدل عليه الآية توافقه نظرية التطور ويعارضه الخلق الآني المباشر من الطين.

***  يتبع في الجزء الرابع  ***

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (2 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الثاني من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

دلالات الآيات القرآنية في خلق الحياة والإنسان

بعد هذه المقدمة، فيما يلي أدعو القارئ للنظر وإعمال الفكر والتدبر في آيات خلق الحياة والإنسان، آخذا في الأعتبار أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وأن الله تعالى يسره للذكر:

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (20) سورة العنكبوت

في هذه الآية الكريمة، يأمرنا الله أن نسير في الأرض لنعرف كيف بدأ الخلق.  ترى لو كان خلق الحياة، أو خلق الإنسان، أو خلق آدم كان أيهم خلقًا آنيًا إعجازيا، فلن يفيد سيرنا في الأرض لأننا لن نجد شيئًا من أثر هذا الخلق الإعجازي، لأن الخلق الإعجازي لا يتكرر. أما لو كان الخلق وفق نظام يخضع لقوانين الطبيعة، فسوف نعرف بالملاحظة والتجربة ودراسة الحفريات وعلوم الأحياء والكيمياء والفلك والعلوم الأخرى الكثيرة التي تتكاتف لتقدم نظريات تساعدنا على فهم هذا الكون الذي نحن فيه ومنه. الأمر الألهي يدل على أن بدء الخلق معقولا يمكن معرفته بالعقل إذا أتبعنا الأسباب، وقد فعل هذا الباحثون أمثال تشارلز داروين الذي أبحر وسار في الأرض ونظر في المخلوقات ودرسها واستنبط فكرة النشوء والإرتقاء والتطور. وتبعه كثيرون درسوا الحفريات وبقايا عظام المخلوقات وأكدوا وطوروا هذه النظرية. نحن لم نطيع أمر الله ففاتنا إكتشاف هذا السبق العلمي والسبيل اليه في كتابنا الكريم.    

وفي قوله سبحانه وتعالى:   {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} سورة الأنعام 133

قوله تعالى {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} نجد هنا معنى هام، إذ نحن – أي النوع البشري – نشأنا من ذرية قوم آخرين، لاحظ هذا الطبري، إذ يقول في تفسيره: “يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} يقول: ويأت بخلق غيركم، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم . {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم” .بينما ذهب ابن كثير الى ان الله تعالى كما أذهب القرون الأولى وأتى بالتي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، ولكنه لم يتعرض لشرح دلالة لفظ من ذرية قوم آخرين.

فان كان هؤلاء الناس نشأوا من ذرية قوم سبقوهم، فالسابقون أجدادهم وقومهم، وليسوا ’قوم آخرون’، والقوم تجوز على الإنسان والملائكة والجن، واصل اللفظ من القيام. وجاء المعنى أيضًا في {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} وخلق جديد يصح أن يدل على نوع جديد، وليس خلق مثلكم.

الجنس أو النوع الإنساني الحديث (هوموسابيان) والذي نحن منه، نشأ من ذرية نوعا آخر يسبقه، في الغالب هو الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف   Homo erectus  وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، بالرغم أننا جئنا من ذريتهم، أي أنهم أجدادنا، إلا أنهم قوم آخرون، والإختلاف هنا في النوع لا في النسب. والإنشاء يستدعي بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا. وهذا يناسب تطور الأنواع من نوع الى نوع بما لهذا التطور من امتداد زمني ونمو وظهور.

وفي قوله سبحانه وتعالى:  {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا} (1) سورة الإنسان

يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه بعد خلقه حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية.

ولو أخذنا معنى لفظ الإنسان هنا على أنه آدم، أول إنسان خلق، كما فعل كل المفسرون الأوائل، فسنقع في إشكالية أن آدم خلق وتعلم وأكرم (بالأمر للملائكة بالسجود له) في وقت قصير، وأن أبناء آدم وسلالته كرموا من بعده لقوله تعالى عن من جاءوا بعد آدم من نسله: { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم.

القول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

وفي قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} آل عمران 33-34

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. 

وفي قوله تعالى:{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …….}(11)  سورة فاطر،

الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية (وحيدة الخلية) تتكاثر بالإنقسام لمثلها، ثم مخلوقات ذات خلايا متعددة مجتمعة مركبة أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

يقول القرطبي في تفسيره:”قوله تعالى : والله خلقكم من تراب ثم من نطفة قال سعيد عن قتادة قال : يعني آدم عليه السلام ، والتقدير على هذا : خلق أصلكم من تراب . ثم من نطفة قال : أي التي أخرجها من ظهور آبائكم . ثم جعلكم أزواجا قال : أي زوج بعضكم بعضا ” وذكر مثله المفسرون الآخرون. وهنا تجاوز المفسرون إشكالية أن النطفة التي يشيرون إليها تأتي من الذكر والأنثى، واللذين لم يُجعلا بعد وفق سرد الآية الكريمة، لقوله {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا}، لأن ثم تستوجب أنتهاء ما قبلها قبل حدوث ما بعدها، ولم يبينوا كيف جاءت النطفة من ظهور الآباء في الوقت الذي لم يُجعل المخلوق بعدٌ أزواجا. ولهذا فالنطفة المذكورة مخلوق حي ليس المني أو البويضة، وإنما خلية تتكاثر بالإنقسام لمثلها، تطورت بعد ذلك الى مخلوق من نوعين؛ ذكر وأنثي يتكاثران بالتزاوج. ونحن نعلم أن أول المخلوقات من التراب كان منذ أكثر من 3 بليون سنة، كائن أولي بسيط ميكروسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. حتى قبل 1,7 بليون سنة عندما ظهرت كائنات أكثر تطورًا وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام. وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن تطورت حتى ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا التي تنوعت ثم ظهر الإنسان منذ بضع مليون سنة.

والسرد المذكور في الآية يدل على الخلق من التراب ثم من خلية تتكاثر بالإتقسام ثم بالتزاوج ونحن من تطور هؤلاء أزواجا. ويسمح السرد في نفس الوقت بتفسيره كما فسره الأوائل وفق علومهم دون أن يسبب لهم إرباكاً وبلبلة.

 

في قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذَّين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون } سورة التين : 4-6

تقويم : من قوم وهى أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم .وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن انتصابه، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، حتى وصل المخلوق الى مرحلة الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف –   Homo-erectus.

وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي وقوف وانتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا كما قلنا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل من جنسه وأفسد في الأرض، وهو يفعل ذلك منذ ان خلق في أحسن تقويم وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان.

وقد يكفى هذا المعنى إلا أن من الباب قوّمت الشىء تقويماً؛ وأصل القيمة الواو؛ وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك . وقد يدل هذا على أن الانسان قام مكان غيره وهو أحسن تركيبًا ممن قام مكانهم، فهو بذلك أحسن ما بلغته هذه العملية التطورية الخلاقة التى بلغت أحسن التصميمات الفيزيولوجية وهو الانسان.

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك } سورة الانفطار:6-8 .

لاحظ قوله سبحانه وتعالى عدلك . وعدل أصلان يدل أحدهما على الاستواء والآخر على اعوجاج. الأول منه العدْل والتساوى والاستقامة ومنه: المعتدلة من النوق؛ وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء، وكل ما تناسب فقد اعتدل. ونقول فى عصرنا قف معتدلاً أى منتصباً. أما سوى فهى تدل على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، والسواء هو ما كان مستوياً، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وسواك سبقت عدلك وهى لذلك قد تكون مرحلية بمعنى أن الانسان كان متساويا مع غيره من المخلوقات ثم اعتدل فوقف منتصباً على قدميه . أو يمكن القول أن الخلق حدث أولاً، وهو تقدير ما منه سيكون الشيء المخلوق وهو الإنسان، وتبع التقدير وإيجاد ما منه وجوده التسوية، وهي تعبر عن تمام خلقه وبلوغه تكوينه وتركيبه، ثم تبع ذلك الاعتدال، وهذا يدل أنه حين استوى لم يكن معتدلا فأصبح كذلك، أو أن التسوية ذاتها كان منها الإعتدال، أي القول سويتك فاعتدلت. فالفاء هنا تعبر عن نتيجة التسوية، وفى كل هذه المعاني نجد الاشارة الى أهمية الاعتدال وتناسب واتفاق الاعضاء فى  خلق الانسان وتميزه بهذا عن بقية المخلوقات، بالطبع كل المخلوقات الأخرى متفقة الاعضاء إلا أن التصميم المتميز للانسان يعطيه قدرات تفوق ما سواه، والذي ميزه في وقوفه وفي قدرته على النطق والبيان.

***  يتبع في الجزء الثالث  ***

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***

القسط في اليتامى والزواج من مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ

القسط في اليتامى والزواج من مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ

في قوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا}(3) سورة النساء

ورد في تفسير الأمام الطبرى ذكر الأقوال المختلفة في تفسير هذه الآية وقمت بترقيم الأقوال للتسهيل والبيان:

مقتبس من تفسير الطبري:

“” القول في تأويل قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

1) فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم، يا معشر أولياء اليتامى، أن لا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنَّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرَهن من الغرائب اللواتي أحلّهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجورو – إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة- فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.

2) وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حِذارًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم  وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا، مال على مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه أو تزوج به. فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها -فلا تعدلوا فيها، من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مُؤن نسائكم، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربعٍ- وإن خفتم أيضًا من الأربع أن لا تعدلوا في أموالهم، فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم.

في 3) وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدِلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك. وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن من واحدة أو ما ملكت أيمانكم.

4) وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتم في اليتامى، فكذلك فتخوفوا في النساء أن تَزْنُوا بهن، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء.

5) وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا أنتم ما حل لكم منهن.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: تأويلها: ” وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء، فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجورُوا فيه منهن، من واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم، فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن “.

وإنما قلنا إنّ ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخَلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى ذكره: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا . ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرّجوا فيه، فالواجب عليهم من اتقاء الله والتحرّج في أمر النساء، مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهن، كما عرّفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم، ما أبحت لكم منهن وحلّلته، مثنى وثُلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة، بأن لا تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها،  ولكن تسرَّوا من المماليك، فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور.

ففي الكلام -إذ كان المعنى ما قلنا- متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزوجوا منهنّ إلا ما أمنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدة. وإن خفتم في الواحدة، فما ملكت أيمانكم- فترك ذكر قوله: ” فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء “، بدلالة ما ظهر من قوله تعالى: ” فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم “.””    

أنتهى الإقتباس من الإمام الطبري.

 

ونعرض هنا قول جديد -لو صح- يضاف الى الأقوال السابقة:

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا} (3) سورة النساء

 المخاطب في هذه الآية هو رجل لديه يتامى (أطفال صبيان وبنات)، وهؤلاء اليتامى ليسوا أولاده (اليتيم هو من فقد الأب، واليُتْمُ واليَتَمُ: فِقْدانُ الأَب) بل هم من تكفل هو بهم من أولاد توفى عنهم أبائهم فأصبحوا في كفالته. اليتامى بالضرورة فقدوا أباهم، وربما فقدوا أيضًا أمهم. فإن لم يفقدوا أمهم، فهم معها إن لم تكن قد تزوجت، أو إن تزوجت يكفلهم في الأغلب زوجها.

فيكون الرجل المخاطب هو الذي لديه يتامى إما 1) توفت أمهم أو تخلت عنهم، أو 2) يكون الرجل تزوج أمهم بعد وفاة والدهم وكفلهم.  3) كفل الأولاد وهم في حجر أمهم الغريبة عنه.

أما الحالة الأولى، وهي تخص يتامى دون أمهم، فإنه إن تزوج زوجة واحدة فقط فقد لا تعطف عليهم أو تحبهم، وخاصة إذا رزقت بأولاد لها فقد تكرههم ولا تعدل ولا تقسط بينهم جميعًا، ولتوفير كل العوامل التي ترجح تمتع هؤلاء اليتامى بحنان وحب زوجة أب تكون لهم بمثابة الأم، سُمح للأب بالزواج بأثنين وثلاث وأربع، فيجد اليتامى الحب عندهن أو على الأقل عند أحداهن. ونلاحظ الآية لم تذكر الواحدة لما ذكرناه، أن الواحدة قد لا تحبهم أو تقسط فيهم.

أما الحالة الثانية، وهي أن اليتامى معهم أمهم، فالسماح بالزواج من أكثر من واحدة يؤدي الى تشجيع الرجال على الزواج من اللاتي فقدن أزواجهن وفي حجرهن أطفال أيتام، فلو كان المُشرع له واحدة فقط لعزف عن الزواج بأرملة وعن كفالة أولادها اليتامى فسمح الشرع لهؤلاء الرجال بأكثر من واحدة. والحالة الثالثة أن سمح له بزواج أمهم لما في هذا من فائدة لليتامى وتيسير للعلاقة بينهما فلا تعود غريبة بما يضع موانع أمام زيارة اليتامى اللذين كفلهم.

وأشتُرط على الرجل أن يعدل بين زوجاته، فإن لم يستطع أن يعدل بينهن وأن ينفق عليهن فواحدة. أي أن القدرة على الإنفاق والعدل بين الزوجات قدم على القسط في اليتامى، لأن الرجل إن لم يعدل أو لم يستطع الإنفاق جعل حياة هذه العائلة تعيسة فلا سعدت الزوجات ولا سعد الإيتام، وقد يدفعه ضيق حاله الى النظر في مال الأيتام اللذين في كفله.

هذا السماح بالزواج من أكثر من واحدة حتى أربعة له علاقة وثيقة بمصلحة اليتامى ومصلحة أمهم، ويؤدي لتشجيع الرجال على كفالة الأيتام والزواج من الأرامل اللاتي يعولن أيتاما، وفي هذا خير وفائدة كبيرة للمجتمع. ولكن هل يدل هذا أن السماح بالزواج من أربعة مرتبط بإما يكون الرجل قد كفل يتامى أو تزوج من أرملة لديها يتامى؟ فان كان متزوجًا من واحدة وليس في حجره أو كفالته يتامى ولم يتزوج الثانية أرملة معها يتامى، هل -وفق هذا القول- لا يرخص له بمثنى وثلاث ورباع؟ الإجابة لا، يرخص له للأقوال التي وردت عن الإمام الطبري وعن غيره من المفسرين. والله تعالى أعلم.

وماذا عن الأرامل اللاتي ليس في حجرهن أيتام، أي مات عنها زوجها ولم تنجب، هؤلاء لا يعولن أطفال ويشملهن الزواج من أولى ومن ثانية إذا كان في حجره أيتام. وهؤلاء قادرات على التصرف في أمورهن ولا يعوقهن مسؤولية رعاية أطفال، وقد يرغب الرجال في الزواج بهن أكثر من رغبتهم في الزواج من أم اليتامى، فجعل الشرع لأم اليتامى ما يشجع الرجال على الإقتران بها، حفظًا لها ولأولادها وللمجتمع. والله تعالى أعلم.

المساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد في السرقة وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليسا من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله، فقد أشار القرآن الكريم فقط الى الأفعال التى ينهى عنها كحدود لا يجب تعديها. ولهذا لا تقاس المواريث (التي هي من حدود الله) على العقوبات، أو على أي شيء آخر، فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة a.

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول الناس عنها فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

  1. اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”  (back)

عدد الصلوات المفروضة خمس كما ورد في القرآن الكريم

يقول البعض أن عدد الصلوات الخمس لم يذكر في القرآن الكريم، وهذا غير صحيح، فقد جاء ذكر الصلوات الخمس في القرآن الكريم، أنظر قوله سبحانه وتعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) آية 238 سورة البقرة

الصلوات جمع، وأقل الجمع ثلاثة، والثلاثة لا يصح أن يكون في وسطها صلاة أخرى لقوله تعالى “الصلوات” وبفرض أنها تعبر عن 3  فتكون “الصلاة الوسطى” أي صلاة رابعة تتوسط الثلاث الأولى، وهذا لا يصح لأن العدد -ثلاثة- لا يُنصف، أي لا يمكن أن نضع صلاة رابعة في وسطه.

فنذهب الى العدد التالي للثلاثة وهو أربعة وهؤلاء الأربعة يقال عنهم جمعًا “صلوات”. هؤلاء الأربع صلوات يصح أن تتوسطهم صلاة أخرى خامسة (2+1+2)، فيكون هذا الترتيب يحتوي على أقل عدد صلوات يتحقق بها شرط أو تعبير “الصلوات والصلاة الوسطى” الذي ذكر في الآية الكريمة. (  ونضيف هنا أن الشرط يتحقق أيضاً في كل الأعداد الفردية أكثر من 5 مثل 7 و 9 و 11 وهكذا). 

وحيث أن الله يريد بنا اليسر لا العسر، أنظر قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ، وقوله عز وجل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقوله تعالى: (يرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) نجد أن أيسر عدد مرات الصلوات الذي يتوافق مع الآية الكريمة هو الخمس صلوات، وعليه فتكون الصلوات المفروضة خمس ونستنبط من الآية أيضًا أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.

لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً

يجب علينا أن نتذكر دائمًا أن القرآن نزل على مسلمي العهد الأول منجمًا، أي متفرقًا على فترة من الزمن امتدت زهاء 20 سنة، (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)  (32) سورة الفرقان. ومما وصلنا من تقسيم الآيات والسور مكي ومدني، نجد أن الأوائل، ولمدة 13 سنة لم يكن لديهم سوى الجزء المكي؛  وتنزلت بعد ذلك السور المدنية تباعًا حتى أكتمل القرآن في السنين الأخيرة. أضف الى هذا أن القرآن لم يوجد ككتاب بين أيديهم طوال سنوات الوحي، ولم يتم جمعه وترتيبه في كتاب إلا في زمان الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وحتى هذا كان في نسخة واحدة أو بضع نسخ على الأكثر.

ما أريد الوصول اليه، أننا في هذا العصر، والعصور التي سبقتنا، نرى القرآن ونتعامل معه على أنه كتابًا كاملاً، نقلب صفحاته ونقرأ منه ما نشاء وننتقل من جزء الى جزء ومن سورة الى سورة كيفما نشاء. ولكن هذا غير الذي عهده الأوائل الذين أسلموا ثم حملوا لواء الدعوة للدين الجديد، وبما خالجهم من إيمان قوي من جهة؛ وأسئلة ربما تكون قد دارت في أذهانهم وهم يتحاورون أو يستمعون الى حجج الكفار الذين يشككون في رسالتهم. في البداية، كان لديهم بضع آيات يحفظونها، ثم كثرت الآيات فأصبحوا بالإضافة الى الحفظ يكتبونها على الرقاع والعسب والجلد وما تسنى لهم، ولكن هذه الرقاع نادرة قليلة وليست متوفرة للجميع للإطلاع عليها، إضافة أن الأكثرية كانت لا تقرأ ولا تكتب.

لهذا نزل القرآن منجمًا، لأنه لو نزل مرة واحدة، في أول الدعوة عندما كان المسلمون بضعة أشخاص، لثقل عليهم الحمل وما استطاعو حفظه أو كتابته أو فهمه، وما كان ليكون له التأثير على المسلمين كالذي ينزل منجمًا يتعامل مع القضايا التي تواجههم كلا في وقته. كان القرآن المنجم كتاب هدى ووعظ وتشريع وتنظيم وبرهان وتوجيه، والتوجيه الذي يأتي في وقت الحدث أوقع من مجموعة توجيهات عامة تأتي مرة واحدة فينساها الناس، أو يحتاجوا في كل موقف أن يجدوا أيهم ينطبق على هذا الموقف فيستحضرونه. القرآن المنجم الذي تتعامل آياته المنزلة مع مستجدات عصرهم وقت التنزيل هو ما أحتاجه المسلمون الأوائل الذين آمنوا وحملوا المسؤولية الكبيرة.

وهذا يفسر لنا موضوع التكرار في القرآن، الذي يحاورنا فيه المشككون. المسلمون الأوائل لم يرونه تكرارًا لأنهم لا يحملون معهم كتابًا يقرأون فيه، بل وجدوا فيه ما يثبَّت أفئدتهم، وتذكرة لهم لما قد يكون قد جاءهم من قبل إلا أن له علاقة بالموقف الجديد الذي يواجهونه اليوم، وحيث أنه ليس من السهل عليهم إستحضار القديم ونشره وشرحه للعامة a، ونحن نتحدث هنا عن عامة المسلمين مع إختلاف ثقافاتهم وأعمارهم وتباعد أماكن تواجدهم، توجب تكرار المعلومة بسرد جديد يناسب الموقف المستجد وقت التنزيل.

كان الأهم للدعوة تذكير الأوائل وتثبيت فؤادهم وهم يواجهون المشركين والمشككين في البعث الذين بالرغم من أن القرآن أجابهم من قبل إلا أنهم يعاودون بعد ذلك بالتشكيك مما يستدعى إعادة الأجابة الأولى فتتكرر، مثال ذلك تكرر قصة خلق الإنسان (آدم) أكثر من مرة بصور أمرارا متشابهة وأخر مختلفة.

والعبرة في النتائج، ولا يوجد لأي عاقل أدنى شك، أن نزول القرآن منجمًا والتكرار كيفما تتطلب الموقف، هو السبيل لتثبيت فؤاد الرسول والذين اتبعوه، ولتوفير أفضل السبل لإنجاح الدعوة وانتصارها على القوى الكثيرة التي واجهتها وهي في مهدها وصباها.


  1. إذ لم يكن هناك مكتبة تضم كل قطع الجلد الذي كتب عليها القرآن الذي سبق، ولا جهة تقوم بالدراسة والبحث في الآيات السابقة المناسبة للموضوع المستجد ثم ربطها بما إستجد والإعلام  (back)

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ

في قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض } آل عمران 33-34 

من سلسلة مقالات خلق الإنسان وخلق الحياة (3)

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن a، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون من بين الناس ومفضلون عليهم، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. ويصح أيضًا أن يكون اصطفاء آدم على العالمين بمعنى الملائكة والجن، إلا أن الآية جمعت مع آدم غيره ممن فضلوا على العالمين بمعنى الأنس والجن.  

وفي قوله تعالى:

{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك ناس غير آدم، فيتوجب تحديدها.

هذا المقال مقتبس من موضوعات الباب الثالث الفصل الثاني من كتاب الفهم المعاصر لآيات الخلق ”الفهم المعاصر لدلالات الآيات  القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون“.


  1. في معنى العالمين ورد في لسان العرب لإبن منظور: في التنزيل : {الحمد لله رب العالمين} قال ابن عباس: رب الجن والأنس، وقال قتادة: رب الخلق كلهم. قال الأزهري: الدليل على صحة ابن عباس قوله عز وجل: {تبارك الذي نزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا } وليس النبي صلعم نذيرًا للبهائم ولا للملائكة وكلهم خلق الله، وإنما بعث محمد صلعم نذيرًا للجن والإنس  (back)

هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا

من سلسلة مقالات خلق الإنسان وخلق الحياة (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إِنّـا هديناه السبيل إمَّـا شاكرًا وإمَّـا كفُورًا}  الإنسان:1-3

في الآية الأولى من سورة الإنسان؛ { هل أتى على الإنسان حينُُ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه – أي بعد خلقه حين من الدهر a لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية، في حين أن آدم فرضًا أو وفق القصة الشائعة خلق وتعلم وأكرم في وقت قصير، في ما قد نسميه نفس المقام والمجلس. نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

قلنا أن آدم عندما خلق كان مكرمًا ومفضلا على كثير من المخلوقات الأخرى، بدليل أمر الله تعالى للملائكة وكان أبليس بينهم بالسجود لآدم، في قوله تعالى { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } وهذا التكريم وما سبق ذكره من التعليم الألهي لآدم يدل على تعظيم وإهتمام بهذا المخلوق لا يتفق مع فرض أن الآية السابقة تعود الى آدم، إلا لو كان الإنسان المقصود في هذه الآية غير آدم أبو البشر. أو لو كان النوع الإنساني بعد آدم عليه السلام قد مر عليه دهرًا لم يك فيه شيئا مذكورا. 

والقول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، لأنه لم يكن مفضلا على بقية المخلوقات الأخرى كالحيوانات، ربما كان مثلها أو أقل منها. لقد أكرم الإنسان عندما أصبح قادرا على التفكير، وهي فترة لاحقة لظهوره في أحسن تقويم، أي منتصبًا واقفًا على قدميه، مما نتج عنه تحرير ذراعيه ويديه لإستخدامهما في عمليات مختلفة، وفي قوله تعالى { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين } التين : 4-5، أي أنه بالرغم من قيامه ووقوفه، رد أسفل سافلين، ثم أصبح تدريجيًا وخلال دهرًا طويلاً من الزمان، قادرًا على التفكير عندما بدأ مخه يتطور حتى وصل الى الحجم الكافي ليستطبع التفوق على غيره من المخلوقات، وقد استغرق هذا النمو عدة ملايين من السنين على أقل تقدير، وفي قوله تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} الرحمن، ما يشير الى أن القدرة على البيان، كانت من الصفات الهامة التي ميزت الإنسان عن غيره من المخلوقات، وبهذا يكون القرآن قد أكد على الصفتين الهامتين اللتين تميز بهما الإنسان عن غيره من المخلوقات وهما أحسن تقويم بمعنى قيام ووقوف، والقدرة على البيان، أي الإيضاح بالنطق واللغة.

كنا قد قلنا يصح معنى الآية إذا مر على نوع الإنسان بعد آدم عليه السلام دهرًا لم يكن فيه شيئا مذكورا. ولكن الأمم التي جاءت بعد آدم ينطبق عليها الآيات : { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. الأمة هنا في آيتي سورتا يونس والنحل، من بني آدم وليس ممن سبقهم من نوع الإنسان، وعليه فالآية التي نحن بصددها؛ تعود على نوع الإنسان في فترة سابقة لخلق آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينُُ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم. وفي قوله تعالى (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) قد يشير الى وجود غيرهم من الناس، حيث أن من تكون للعاقل.

وفي الآية الثانية من سورة الإنسان: { إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا}

أتفق أغلب المفسرون أن الأنسان في الآية الأولى من سورة الأنسان هو آدم، أما الأنسان المذكور في الآية الثانية فهو ذرية آدم، وهذا إستدلال ولا يمكن البت بصحته، بل ولماذا يدل اللفظ مرة على آدم، ومرة ثانية وفي نفس السياق على ذريته، والذي دفعهم الى ذلك، أن آدم لم يخلق وفق اعتقادهم من نطفة أمشاج (تعبر عن مني الرجل وماء المرأة).

المشيج : كل لونين اختلطا، وقيل: هو كل شيئين مختلطين، والجمع أمشاج، وقيل المشيج هو ماء الرجل يختلط بماء المرأة. وفي التنزيل العزيز: {نطفةٍ أمشاج} قال الفراء: “الأمشاج هي الأخلاط: ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة”. ويبدو ان اضافة الدم والعلقة نتج لأن اللفظ القرآني جاء على الجمع، مما يشترط معه الثلاثة فأكثر. أما النطفة فهي القليل من الماء وقد تطلق على الكثير، وهو بالقليل أخص.وبه سمي المنيُّ نطفة لقلته.

وقد ورد لفظ النطفة تعبيرًا  أو كناتج عن المني في قوله تعالى : {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} النجم، وفي قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى  فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة، وهنا تكون النطفة هي ما ينتج عن المني أو ماء الرجل كما سماه الفراء،  ومن المعروف أنه ليس للمرأة ماء له تأثير على الجنين، إذ ليس من المرأة سوى البويضة، أما الدم فلا علاقة له بتكوين الجنين، فتكون النطفة إما البويضة أو الخلية الأولى التي تتكون عند تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، أو ما يسميه العلم الحديث، الفيتا، والأرجح أنها البويضة الملقحة أي الخلية الأولى، والعلقة هي إحد مراحل الحمل. ولهذا فالأصل اللغوي في معنى نطفةٍ أمشاجٍ، هي الماء القليل المحتوي على خليط من المواد أو المركبات الأخرى. ما هي هذه المركبات والمواد، من الممكن ان نفترض أنها عضوية، أو منى الرجل وبويضة المرأة معًا، وهما ان كانا إثنان إلا أنهما يتكونان أيضًا من خليط مركبات عضوية، وهما ما يتكون الجنين من اجتماعهما، وعليه فمعنى نطفة إمشاج يصح كما قال المفسرون، ويصح أيضًا أن يكون ابتداء خلق الحياة – ومنها الإنسان – من ماء وخليط مركبات عضوية أو كربونية أو من أي مواد أخرى، أي هو الخليط الكيميائي الذي يعتقد العلماء أنه الذي نتج منه أول خلية حية. وقد وردت نطفة في الآيتين السابقتين من سورتي النجم والقيامة بالمعنى الذي يخص الحمل وتطور الجنين في الرحم لأنها حددت بأنها نتجت عن المني، ويمكن أن يكون خلق أو جعل الزوجين الذكر والأنثى، هو جعل أو خلق في الرحم، وهذا يبين مرحلة متأخرة في سلسلة الخلق ومستمرة، فمن المني والبويضة نطفة، وهذه الخلية النطفة من صفاتها أنها تنقسم على نفسها مرات عديدة، ثم تتعلق في جدار الرحم، فتكون علقة، فجنين إما ذكر أو أنثي. وعلى هذا المعنى، يكون معنى الآية 46 من سورة النجم : من نطفة إذا تُمنى البويضة. 

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11)} فاطر، الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية أولى من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية تتكاثر بالإنقسام، ثم أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

هذا المقال مقتبس من موضوعات الباب الثالث الفصل الثاني من كتاب الفهم المعاصر لآيات الخلق ”الفهم المعاصر لدلالات الآيات  القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون“.


  1. جاء عند الطبري في تفسيره:ِ “” وَقَوْله : { حِين مِنْ الدَّهْر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر هَذَا الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَرْبَعُونَ سَنَة ; وَقَالُوا : مَكَثَتْ طِينَة آدَم مُصَوَّرَة لَا تُنْفَخ فِيهَا الرُّوح أَرْبَعِينَ عَامًا , فَذَلِكَ قَدْر الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع ; قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } لِأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ وَهُوَ جِسْم مُصَوَّر لَمْ تُنْفَخ فِيهِ الرُّوح أَرْبَعُونَ عَامًا , فَكَانَ شَيْئًا , غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا حَدّ لِلْحِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; وَقَدْ يَدْخُل هَذَا الْقَوْل مِنْ أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر , وَغَيْر مَفْهُوم فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال : أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين قَبْل أَنْ يُوجَد , وَقَبْل أَنْ يَكُون شَيْئًا , وَإِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ : أَتَى حِين قَبْل أَنْ يُخْلَق , وَلَمْ يَقُلْ أَتَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الدَّهْر فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَلَا حَدّ لَهُ يُوقَف عَلَيْهِ .””  (back)

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ

من سلسلة مقالات خلق الإنسان وخلق الحياة (1)

{ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} سورة العنكبوت

والسؤال هنا كيف نسير في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق؟  وأصل نظر عند ابن فارس هو تأمل الشيء ومعاينته، الأمر هنا له وجهان.

الوجه الأول أن نشاهد الأرض الجرداء الميتة حتى يهطل المطر عليها فينبت منها العشب والنبات الحي. في قوله تعالى {ويحيي الأرض بعد موتها} وقوله تعالى {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون…} وقوله تعالى {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ….} وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ولكن هل تكمن  الإجابة عن سؤالنا في هذه الآيات؟ ما نراه في هذه الظواهر يقع في باب كيف يحيي الله الخلق بعد موتهم، وليس كيف بدأ الخلق، فالصحراء الجرداء الميتة يكمن بين ترابها ورمالها بذور النباتات التي ما أن يتوفر لها الماء حتى تنمو نباتا جديدا، وهذا لا يدل على بدأ الحياة من العدم أو من الجماد اللامخلوق اللامسبوق، وانما يدل على استمرار للحياة المخلوقة متى توفرت لها ظروفها ومقوماتها. كان هذا التفسير يكفي السلف في التفسير المرحلي السابق وهذا ما ركنوا اليه.

والوجه الثاني هو في السير في الأرض والبحث فيها ومعاينتها لمعرفة كيف بدأ الخلق، والأمر يدل على قدرة المأمور على التوصل الى هذه المعرفة إذا اتبع المنهج الموضوع لبحثه هذا، والذي حددته الآية بالسير في الأرض والنظر. ولو فرضنا أن بدأ الخلق المقصود به آدم أو أي بدءا آخر للخلق، هو خلقًا إعجازيًا لا يتبع القوانين والثوابت الطبيعية، فلن نتمكن من الوصول إلى معرفته أبدًا، لأن المعجزة حالة واحدة لا تتكرر، ولأصبح بحثنا عن هذه المعرفة مضيعة للوقت، أما لو كان بدء الخلق معقولاً فسوف نتمكن من التوصل الى معرفة كيفية بدءه، وحيث أن الخالق يأمرنا بالبحث، فهذا بالضرورة يعلمنا بقدرتنا عليه، وهذا يدلنا أن بدء الخلق لا بد أن يكون معقولاً a

وقد يقول قائل أن الموجود دليلاً على بدء الخلق، ونقول إن كان كذلك فما الداعي للسير في الأرض. بل أن هذه الآية قد تدل الى أن ما استنبطناه مما وجدناه في الحفريات بدءًا من العظام والجماجم الى مختلف نماذج الحياة البسيطة الأولى هو الطريق السليم لمعرفة كيف بدأ الخلق، بل وربما كانت النظريات العلمية التطورية التي استنبُطت من معاينتنا لطبقات الأرض ولبقايا أنواع الحياة التي اندفنت فيها، ومن دراسة أنواع المخلوقات المعاصرة وخصائصها ومقارنة سلاسلها الإهليجية، ومن تكيف البكتيريا وتغيرها، ما هي إلا نتيجة إتباع هذا الأمر الإلهي، الذي يدعونا الى المنهج العلمي في التأمل والبحث والمعاينة.

ولو قال قائل أن الآيات تشبه بدء الخلق بالبعث، أي كيف يحي الله تعالى الأرض الهامدة، وأن بدء الخلق كان كذلك، أي اذا توفر الماء دبت الحياة في الجماد، أو تظهر الحياة من الجماد، فان هذا أيضًا يتفق مع العلم في أن الحياة ظهرت على الأرض أول مرة متى توفرت لها ظروفها وأهمها الماء والمواد العضوية والطاقة b.  ولفظ خلق يعني عند العرب تقدير أو ابتداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وهذه تتكرر،والأرجح أن الخلق فيها كان أول مرة.

هذا المقال مقتبس من موضوعات الباب الثالث الفصل الثاني من كتاب الفهم المعاصر لآيات الخلق “الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون”.


  1. ويجب أن نلاحظ هنا أن قاعدة معقولية الأمر لا تطبق كلما وجدنا أمراً إلهيًا، فبعض الأوامر تكون تحديًا للمأمور مع العلم بعدم قدرته على التنفيذ، وهذا يكون واضحًا بدلالة النص ومثال ذلك قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(13) هود. أو يكون الأمر مع قدرة المأمور على التنفيذ وعجزه عنه لقصور علمه عن معرفة حدوث الظواهر المنوط بها تنفيذ الأمر وهذا يستدعي أمراً ثانيًا عند حدوث هذه الظواهر، مثل قوله تعالى: :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }، ويكون القصد من هذا الأمر الإعلام بالخلق والإعلام بأهمية المخلوق التي عبر عنها بأمر السجود له. ويجب أن نلاحظ أن معقولية الأمر تطبق على الأوامر الصادرة الى البشر، أما معقولية الأوامر والأحداث التي تجري في عالم الغيب (الميتافيزيقي أو ما وراء الطبيعة) فهذه لا ينطبق عليها الشروط العقلانية التي تحكم عالمنا المشاهد، ولها نظامها الخاص الذي لا نستطيع أن نخوض فيه أو نعقله، وهذه حقيقة علمية يقبلها العلم الحديث ويمتنع لذلك عن الخوض فيها.  (back)

  2. وقد تدل الآية أيضًا، على أن بذرة الحياة التي قد تكون قد هبطت من الفضاء الخارجي، (كما تقول بذلك بعض النظريات العلمية)، نشأت على الأرض متى توفرت لها الظروف المواتية.  (back)