حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال

حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال

التالي مقتبس من دراسة للأستاذ علي محمد ونيس نشرها موقع الألوكة :

“”حُكم البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على أصْل الثمن

اختلفَ العلماءُ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

الأول: عدم الجواز، فلا يَصِحُّ زيادة الثَّمَن في مقابل تأجيل قبض الثمن، وأبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، وهو قول قلة من المعاصرين.

الثاني: القول بِجَواز بَيْع التَّقْسيط، وبأن أخذ زيادة في السِّعر مقابل التأجيل أمْرٌ يُقِرُّه الشرع، فهو قول جماهير العلماء منَ الصحابة والتابعين والمذاهب الأربعة: الحنفيَّة ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، ورجحه منهم ابن تيمية، وأكثر المعاصرين، ومنهم: الشيخ/ محمد رشيد رضا، الشيخ/ عبد الوهاب خلاف، الشيخ/ بدر متولي عبد الباسط.

الثالث: الجواز مع الكراهة، وإليه ذهب الأستاذ الدكتور رفيق المصري، كما في كتابه “مصرف التنمية الإسلامي.””   أنتهى الإقتباس

أحد أسباب إختلاف الفقهاء في هذه المعاملة، أنهم أعتبروا أن المُشتري أمتلك العين المشتراة ملكية تامة -حيازة وتملك- عند إستلام العين في الوقت الحال، وأن الثمن يصبح دين يؤدى في الأجل فتكون الزيادة في الثمن نظير الأجل وهذا ربا أو به شبهة الربا، ولنا رأي آخر.

في معاملة البيع المؤجل فيه الثمن والمُسلم فيه المُشترى في الحال، نرى أن عقد البيع لا يكتمل إلا بعد أن يستلم البائع الثمن، ولهذا لا تصبح الملكية تامة إلا بعد تسليم الثمن للبائع، وحتى ذلك الحين تكون الملكية ناقصة (حيازة فقط)، ولا تصبح الملكية تامة حتى يدفع المشتري الثمن كاملا الى البائع. أي تبقى العين المشتراة ملك البائع حتى يدفع المشتري ثمنها في الأجل المحدد.

وفق هذا الإخراج للمعاملة، ينتفي عن هذه المعاملة صفة أنها معاملة أكتمل فيها البيع عند تسليم العين المباعة وأنتقلت الملكية التامة الى المشتري، وأن الثمن المؤجل يصبح دينا على المشتري يدفعه للبائع في الأجل المحدد. وأنما هي معاملة أستلم فيها المشتري العين وأصبحت في حيازته يستفيد بمنفعتها قبل أن يدفع ثمنها وقبل أن يكون مالكًا لها؛

وتكون العين في حيازة المشتري في حكم الوديعة، لأنه لو تخلف عن دفع ثمنها في الأجل عليه أن يعيدها، وعليه فالمُشتري –قبل أن يسدد الثمن- يكون في هذه الحالة أمين، والأمين لا يضمن.

وحيث أن العين تظل ملك البائع، ولو هلكت عند المشتري دون تعدى أو تقصير أو أهمال منه، ليس على المشتري شيء من ثمنها، ويتحمل البائع وحده هلاك العين.

وحيث أن الخراج بالضمان، والخراج هو منفعة العين، فالمنفعة للبائع. فإن أخذها المشترى كان عليه ثمنها يدفعه للبائع. فيكون ثمن هذه المنفعة –التي هي من حق البائع بضمانه العين لو هلكت- هو الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال.

عليه تكون الزيادة على الثمن الحال هي ثمن منفعة العين التي حصل عليها المشترى قبل أن يدفع ثمن العين وقبل أن يملك العين.

وعليه، لا يجوز هذا البيع المؤجل فيه الثمن مع زيادته عن الثمن الحال إلا فيما يصح الإنتفاع به مع بقاء عينه.  أي ما له منفعة، أما فيما يستهلك عينه كالطعام فيصح البيع المؤجل فيه الثمن شرط إن لا يزيد الثمن المؤجل عن الثمن الحال، لأننا لن نجد عوضا للزيادة ويكون ضمان العين المباعة على المشترى من وقت تسلمها أي في الحال، ويكون الثمن دينا –أو قرضا- على المشتري يؤديه عند حلول الأجل، ولهذا لا يصح زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال.

ونعود الى البيع المؤجل فيه الثمن مع زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال، ونكرر ما قلناه أعلاه لأهمية توضيح من يضمن العين قبل تسديد المشتري للثمن المؤجل. قلنا أن الزيادة عوض المنفعة التي سيستفيدها المشترى قبل أن يدفع ثمنها، وحيث أن المنفعة لمن يضمن وفق قاعدة الخراج بالضمان والغُنم بالغرم،ِ يتوجب علينا أن نحدد من يضمن لو تلفت العين عند المشترى قبل أن يدفع ثمنها.

 فلو قلنا أن المشتري هو من يضمن لو تلفت عنده، فالخراج بالضمان أي المنفعة له، ولا يصح عندئذ إخراج الزيادة على أنها منفعة العين المشتراة، لأن الخراج له بضمانه لها لو تلفت عنده.

أما كما قلنا أن العين المشتراة تصبح وديعة عنده، ومازالت ملك البائع له خراجها وعليه ضمانها، يصح هنا أن تكون زيادة الثمن المؤجل عن الحال عوض المنفعة التي استفادها قبل أن يدفع المن ويمتلك العين.

وهذا بالضرورة يجعلنا نضيف بند للبيع المؤجل فيه الثمن أن العين لو تلفت دون تعدي أو إهمال من المشتري (وقد حرص عليها وصانها وحفظها) فليس عليه شيء ويعيدها او ما تبقى منها وليس عليه من ثمنها شيء.  وإن لم يضف هذا البند، وكان ضمان العين المباعة على المُشترى الذي استلمها، لا يصح في هذه الحالة زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال، لأن ثمن المنفعة أي الخراج يكون للمُشترى بضمانه العين المُشتراة لو هلكت وهي في حيازته.

وأضيف أن من تعاريف الربا أنه كسب دون عوض (دون مقابل)، وهنا الزيادة عوضها قيمة المنفعة التي يتحصل عليها المشتري فانتفت عنها –أي الزيادة- صفة الربا.

 

البيع بالثمن المؤجل والدفع على أقساط في أوقات محددة.

وأخيرًا، قال الفقهاء لا يصح النص في العقد على ثمنين، ثمن الحال والثمن المؤجل، مع حرية المشتري في الإختيار، لأن هذين شرطين في بيع واحد وقد نهي عنه. الاتفاق يكون إما البيع الحال أو البيع المؤجل ومتى أتفقا على أحدهما لا يصح بقاء الآخر. ولي رأي مختلف في هذا، حيث حددنا أن زيادة الثمن الآجل عن الحال هو لقاء المنفعة التي سيحصل عليها المشتري قبل أن يتملك العين، وأن العين في يد المشتري أمانة والضامن هو البائع لو هلكت دون تعدي، فلا بأس هنا ببيان الثمنين الحال والمؤجل. وهذا يهمنا في البيع المؤجل فيه الثمن والذي يقسط على دفعات تدفع كل شهر أو كل سنة في مواعيد متفق عليها ومحددة. فان قسط الثمن على عشرة أقساط وكانت الزيادة عن الحال تساوى مجموع المنفعة عن كل فترة، (شرط تناقص المنفعة مع تزايد دفعاته لأنه بعد كل قسط يدفعه المشتري يتملك جزءًا آخر من العين، وهذا يدخل في حساب قيم المنافع المتناقصة عند حساب الزيادة للثمن المؤجل عن الحال).

والرأي أن يصح أن يقرر المشترى في أي وقت مستقبلي تحويل المتبقي عليه من الثمن المؤجل الى ثمن حال آنذاك (أي في الوقت الذي سيقرر فيه) –بعد خصم أثمان المنافع المستقبلية- ليدفعه ويتملك العين ملكا تاما. وهذه المعاوضة بينة عادلة لا يتخللها غرر ولا جهالة، وتعطي المشتري حق تملك العين والمنفعة خلال مدة العقد وقبل نهايته، وفي هذا فائدة للمشتري وللبائع.

وفي البيع بالتقسيط، يجب التنبيه هنا أن الزيادة في الثمن الآجل عن الحال يحدده ثمن المنافع التي سيحصل عليها المشتري قبل دفعه الثمن على أقساط، والمنافع تحسب على أساس منفعة كل العين مخصوما منها منفعة الجزء الذي يملكه، ومنفعة الجزء الذي يملكه متزايدة بتزايد نسبة ملكه من العين بعد كل دفعة يسددها. ومتى حددنا تواريخ سداد الدفعات يمكن حساب قيم المنفعة المستحقة عن كل فترة وتكون متناقصة حتى يمتلك العين كاملة. ومجموع قيم هؤلاء المنافع يكون هو الزيادة عن ثمن الحال. ويراعى في حساب الأقساط أن جزءًا من كل دفعة يذهب لسداد ثمن العين والجزء الآخر لسداد ثمن المنفعة عن الفترة التي سبقت تاريخ سداد هذه الدفعة بدءا من الدفعة التى تسبقها، فيما عدا الدفعة الأولى فتكون بدءًا من تسليم أو قبض العين. وأن نسب التملك تحسب بنسبة الجزء المدفوع لسداد ثمن العين مقسومًا على ثمن العين الحال. وعليه فكل دفعة تزيد ملكية المشتري للعين، فلا يدفع بعدها إلا ثمن المنفعة عن الجزء الذي لم يمتلكه بعد. ويراعى أن ضمان الجزء الذي لم يمتلكه المشتري بعد يكون على البائع –ما لم يتعدى المشتري.

ونود التنبيه هنا أن الثمن الآجل يتحدد من حساب ثمن المنفعة وإضافتها الى الثمن الحال. ولا تصلح المعاملة دون الشروط التي ذكرناها ولا تصحُ إلا بالإلتزام الكامل بكل هذه الشروط والحسابات. وللتوضيح نعرض المثال في الجدول التالي.

والحمد لله.

                                وسيم محمد رفيق


مثال معاملة شراء سيارة تسليم الحال والثمن مؤجل على 24 قسط شهري تستحق أول دفعة عند موعد تسليم السيارة الى المُشتري

  .Reader can see a larger image of the above table by right click on the image and select show image on  new tab

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (8 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأخير – الثامن من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصّل في الكتاب.

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)} الأنعام

{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)} الزمر

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)} النساء

{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(28)} لقمان

في هذه الآيات يشير النص أن الله تعالى خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها، ولا يوجد في الآيات القرآنية التي تسرد قصة آدم وزوجه، ما يدل على أن زوجة آدم قد خلقت من ضلعه، أو خلقت منه، وقول الله تعالى للملائكة اني خالق بشرًا من طين، ثم إخباره تعالى الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وما تلاه من تعليمه الأسماء وسجود الملائكة له، لم يأت في أي منها ذكر خلق زوجة آدم. أما قصة خلقها من ضلع آدم فهذه رواية توراتية، لم يذكرها القرآن بتاتًا، ولم يأت ذكر زوجة آدم إلا بعد انتهاء هذه الأحداث، إذ كان أول ذكر لها في قوله تعالى: {وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(19)} الأعراف، وقوله تعالى : {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (35) البقرة، وهنا نجد ظهور زوجة آدم كان دون مقدمات، وهذا ما نتوقعه لو كانت زوجة آدم موجودة ولم تخلق آنذاك من ضلعه أو من الطين. ولو كانت خلقت من ضلع آدم أو خلقت خلقًا إعجازيا آخر لأشار النص الى هذا الخلق، وحيث أن النص لم يشر الى خلق زوجة آدم، لا بد أن زوجة آدم كان خلقها مثل خلق بقية الناس.

ونود هنا أن نضيف أن النص القرآني –خلافا للقصص الشائعة- لم يحمّل زوجة آدم مسؤولية العصيان والخطيئة الأولى كما ورد في الروايات عند اليهود والنصاري، وأنما أشار إلى أنهما أكلا من الشجرة معاً، بل وفي الآيات من سورة طه، هناك بيان واضح أن آدم هو من حُذر من الشيطان وهو من وسوس إليه الشيطان. ولا وجود في القرآن لحية وحواء تأكل من التفاحة المحرمة ثم تطعم آدم، فيقع في الخطيئة الأولى بسبب المرأة زوجته.

أنظر قوله سبحانه وتعالى (والكلام هنا موجه الى آدم): فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (117)  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (121) } سورة طه

بالرغم من قولنا أن قصة خلق زوجة آدم من ضلعه لم ترد في القرآن، إلا أن الآيات التي نحن بصددها هنا تشير الى خلق نفس واحدة ثم خلق زوجها منها، وقد تكون هذه النفس الواحدة هي آدم وعليه فتكون زوجته قد خلقت منه، وبهذا يمكننا أن نعيد كل هذه الآيات المشيرة الى خلق أو جعل زوجة من النفس الواحدة الى آدم وزوجه، وهذا ما ذهب اليه المفسرون، ويصح هذا التفسير المرحلي في المراحل السابقة، وبفرض أن آدم خلق مباشرة من التراب، فتكون زوجته قد خلقت منه، ولم تخلق مثله مباشرة من التراب. إلا أن النص القرآني لم يذكر هذا الخلق الإعجازي في قصة آدم من خلقه الى خروجه من الجنة، والذي كان يستدعي الوقوف عنده لو كان هذا الخلق الإعجازي هو ما حدث.

أما إذا لم يكن آدم قد خلق مباشرة من التراب، وانه ظهر عبر سلالات تطورية، من أصل الخلية الواحدة الأولى، فلا بد أن زوجه أيضًا كانت من نتاج هذه السلالات التي تعود الى نفس هذه الخلية الواحدة، فاذا كان الأمر كذلك، فلن تعود هذه الآيات على آدم، وأنما ستعود الى أول خلية حية ظهرت على هذا الكوكب، ثم انقسمت الى خليتين، حيث كان التكاثر في المرحلة الأولى بطريق الإنقسام، كما هو حال البكتيريا اليوم، وعندما انقسمت الخلية الأولى الى خليتين، خلق منها زوجها، والزوج في أصل اللغة مطابق للأصل، وهذا بالضبط ما حدث للخلية الأولى، أما الإشارة الى {…خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ….} النساء، فيمكن القول أن ما بين النفس الواحدة وزوجها حتى كثرة الرجال والنساء سلالات كثيرة وزمانا طويلا يقدر ببلايين السنين، كما هو طول الزمان في قوله : {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)} الروم .

والذي يدعونا الى ترجيح هذا المعنى هو ما أشارت إليه الآيات الي درسناها سابقًا، وأن آدم كان قبله ناس على الأرض، أضافة أن الإشارة الى آدم وردت في القرآن بلفظي بشر وآدم، بينما لفظ ”نفس“ يستخدم للتعبير عن أي ذات حية، والجسد، وعين الشيء أي كنهه وجوهره، والروح {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (28) الفجر، وليس ما يمنع أن يشير اللفظ ”نفس واحدة“ الى آدم البشر، أو أن يشير الى أول كائن حي يمكن أن يخلق منه زوجه، ويكون هذا في أول خلية حية خلقت ثم انقسمت فكان منها زوجها، وهذا يعود الى أول خلية بسيطة حية. في قوله تعالى {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يخبرنا الله أن خلقنا وخلق كل الأنواع من حيوانات وطيور وأسماك ونباتات بدءًا من خلية حية واحدة، أنقسمت فخلق منها زوجها، ثم تطورت عبر بلايين السنين الى أن بلغت كل أنواع الحياة التي نعرفها.  

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

كل مخلوق حي يبدأ من خلية واحدة وفي حالة الإنسان تكون هذه الخلية هي البويضة المخصبة، والتي تنقسم على نفسها، أي منها يخلق زوجها، وتتوالى الإنقسامات، ليبدأ بعدها الإنقسامات المتخصصة التي تكون الأعضاء والأجهزة المختلفة في الجسم الحي.

وفيما عدا أول خلية حية، فان أي خلية يجب أن توجد عن ومن خلية أخرى، وكل خلية تأخذ معها من الأولى، نسختين عن شفرة الجينات تقبعان في نواتها، وتتكون الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) من ثلاثة بلايين وحدة توجد فى كل من خلايا الجسم البشري التى يبلغ عددها 100 تريليون خلية ( التريليون يساوى الف بليون ) ويتألف الحمض ( دي ان ايه ) من سلسلة من مركبات الفوسفات والسكر الخماسي على التعاقب من اربع قواعد نيرتوجينية فى صورة تباديل وتوافيق هى الادنين والسيتوزين والجوانين والثايمين وتحمل هذه الوحدات الاربع الاساسية فى الشفرة الجينية وفي الجزء الصغير منها الذي تم فك شفرته، الارشادات الكاملة اللازمة لتكوين الكائن الحي .

ويوجد فى الجسم 20 حمضا امينيا مختلفا تعتبر بمثابة اللبنات الاساسية لبناء جسم الانسان وهى تستخدم فى سلسلة من التكوينات لانتاج مختلف البروتينات من الكيراتين الموجود فى الشعر الى الهيموجلوبين الموجد فى الدم .

لا توجد وظيفة معروفة للغالبية العظمي لنحو 97 % من مجموعة الشيفرات الوراثية للانسان، ويعتقد العلماء أنه لا وظيفة لها، إلا أنه لو تبين غير ذلك، فان هذا الجزء الكبير قد يشتمل على معلومات قد تكون ذات أهمية كبيرة.

ولا يختلف الحمض النووي من انسان الى آخر الا بنسبة لا تتجاوز 0,2 فى المائة (واحد فى كل 500 وحدة) وهو ما يأخذ فى الاعتبار ان الخلايا البشرية تحمل نسختين من الشيفرات الانسانية. ويماثل الحمض النووي البشري الحمض النووي للشمبانزي بنسبة 98 % ويقدر عدد الجينات فى الانسان والفأر بما بين 60 الف و100 الف وفى الدودة الاسطوانية بنحو 19 الف جين وفى فطر الخميرة بنحو ستة الاف جين وفى الميكروب المسبب للدرن بنحو اربعة الاف.

مما سبق فكل مخلوق مركب يبدأ خلقه من خلية واحدة، ويستقر في نواتها الحمض النووي الذي هو بمثابة كتاب مودع فيه كافة معلومات بناء هذا المخلوق وكيفية بناءه، بل أن هذا الكتاب يصبح مصنعًا لإنشاء المخلوق حيث يرسل تعليمات وأوامر بناء الى المواقع المحددة التي يتم فيها بناء كل عضو وجهاز، وفق برنامج زمني محدد. النفس أو الخلية مستقر ومستودع، المستقر هو القرار المكين في نواة الخلية والمحمي بجدار خارجي وآخر داخلي حول المكان الذي تقبع فيه سلسلة الحمض النووي، والمستودع هو المكان الذي تحفظ فيه المعلومات وأوامر البناء. وهذا يكفي لتفسير أننا جميعًا أنشأنا الله سبحانه وتعالى من نفس واحدة هي البويضة المخصبة، والتي انقسمت على نفسها فجعل منها زوجها ثم منهما خلق الكائن.

ولو عدنا الى أول خلية نشأت على الأرض (أو في قاع المحيط)، تكون النفس الواحدة هي أول خلية بسيطة تكونت، ثم انقسمت على نفسها، ثم تطورت إما الى مخلوق ذو خلية وحيدة كالبكتيريا، أو الى مخلوق متعدد الخلايا، تطور وتفرع عنه كافة أنواع الحياة المعقدة التركيب، ويحمل كل موجود حي خلايا تتطورت عبر مراحل كثيرة عن نفس الخلية الأولى، وفي كل من هذه الخلايا توجد نسخ مطابقة عن السلسلة الإهليجية له، تورث نوع بعد نوع، وجيل بعد جيل، وقد تتطور وتتبدل وتتحسن، تحمل في جزء منها كافة المعلومات الموروثة والأوامر اللازمة لتكوين نفس الجسم الحي، ومعلومات تبين تاريخ تطوره، والله أعلم سبحانه يخلق ما يشاء.

{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}(12) الزخرف

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات

في هاتين الآيتين، نجد أن الآية تشير الى خلق الأزواج كلها، وتتعلق بكل شيء، بما يشمل كل الأنواع الحية التي نعرفها، والتي لا نعرفها، وفي قوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون }َ(36) يس ، توحيد لمكونات خلق هذه الأزواج، بما يشتمل أيضًا على الأزواج من النوع الإنساني، والتي وردت في قوله تعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …} (11) فاطر، أي أن الأزواج تخلق مما تنبت الأرض ومن النوع نفسه ومن غيرهما، وبناء على نوع الإنسان الذي ذكر عنه أنه خلق من تراب ثم من نطفة ثم جعل أزواجا، يمكن بالقياس استنتاج أن كل الأنواع الحية مرت بنفس المراحل التي مر بها خلق الإنسان والتي سبقت وجود الأزواج، فهل يكون المخلوق من التراب ثم من النطفة هو ذاته الذي تفرعت منه كل الأنواع والأجناس بما فيها النوع الإنساني، ليس في هذه النصوص ما يعارض هذا المعنى.

ونلاحظ أن الأزواج وردت في القرآن للدلالة على ثلاثة أنواع:

الأول في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات، و”كل شيء“ يدل على كل شيء في هذا الكون، فيشمل الجماد والحي، النجوم والجبال، الصخور والتراب، وهذا يدلنا أن كل شيء في هذا الكون له مماثل، قد يكون مطابقًا له، أو معكوسا عنه كصورة المرآة، وقد توصل العلم الى ذلك، في موضوع ضد المادة Anti-matter .

والثاني في قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ..(98)} الأنعام، وقوله تعالى {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا….} الزمر، والآيات التي كنا بصددها، وتدل على الزوجية التي نشأت عندما انقسمت أول خلية حية فتكون منها زوجها.

والثالث في قوله تعالى:{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا(44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)}النجم، وقوله تعالى {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(39)}القيامة، وقوله تعالى {فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا …(11)} الشورى. وهذه الآيات تدل على زوجية نوع الإنسان خاصة والأنواع الأخرى عامة من ذكر وأنثى. وهنا يتم خلق الزوجين من نطفة إذا تمنى، وهذا غير خلق نفس ثم خلق زوجها منها.

{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ(15)} غافر

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)}الذاريات

في الآيتين من سورة الذاريات، نجد إعلام الناس ان الله خلق من كل شيء زوجين، ففروا الى الله، وحرف الفاء يفيد العطف والإتصال بلا مهلة والتعقيب والسببية، ولهذا نجد علاقة بين خلق الزوجية في الأشياء، والتي بسببها يجب علينا أن نفر الى الله تعالى، بالطبع الزوجية التي هي الذكر والأنثى لا تستدعي الفرار الى الله، ولا ينطبق عليها زوجية كل شيء، كما سبق وذكرنا أنها تشمل الجماد والحي، والتي افترضنا أنها الزوجية التي بين المادة وضد المادة، فهذين الزوجين لو تلامسا لهلكا على الفور، وحيث أنهما موجودان في هذا الكون، فكأنهما السيف المعلق فوق رؤوسنا، والذي منه هلاكنا بل واندثار الكون كله ليصبح هباء في أي لحظة، هذه الزوجية تستدعي الأنذار وتستدعي الفرار الى الله. ويقول الله تعالى : {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)} غافر، ويوم التلاقِ تعبيرًا عن اليوم الذي تزول فيه السماوات والأرض، وربما والله أعلم، سمي يوم التلاقي لأنه اليوم الذي يلتقي فيه الزوجين، أي المادة مع ضدها، فيزولا ويندثرا.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)الله الصمد(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)} الاخلاص

{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11)} الشورى

الله تعالى من صفاته أنه أحدٌ، ليس كمثله شيء، ولهذا فليس في الكون ما هو أحدٌ غيره، أما كل شيء في الكون فله زوج، ونحن نرى الأزواج في كل الأحياء، سواء كان من ذكر وأنثى أو بالإنقسام، ولكننا لا نرى ذلك في الجماد، كالصخور والنجوم، ولهذا فالزوجية هنا يجب أن تعود الى المادة وزوجها من ضد المادة، وهذا يعني بالضرورة أن مصيرهما الفناء، أما الواحد الأحد، فيبقى خالدًا الى الأبد، وفي قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} الرحمن.

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} الفرقان

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} الانبياء

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)} النور

نجد في آية سورة الأنبياء توحيد الخلق من الماء لكل المخلوقات الحية، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، ونجد في آية سورة النور وحدة تكوين كل الدواب من الماء، وهذه الآيات التي جمعت جميع المخلوقات لا تبين بالضرورة أنهم خلقوا جميعًا من نفس الماء، ولكنها أيضًا لا تنفي ذلك. ونحن نعلم أن النوع الإنساني خلق من نفس واحدة {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28) لقمان، والإنسان من هذه الدواب، إذ ورد مع من يمشي على رجلين، ولهذا يمكن ترجيح أنها اتبعت نفس الطريقة.

وفي قوله {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ}(36) يس، وفي هذا توحيد لمواد الخلق الأخرى غير الماء، ونجد في هذا التشابه بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، أي أن كل الأزواج خلقت من نفس المكونات، قد يدل هذا أيضًا أنها خلقت من نفس المكونات ذاتها، أي خلقت عبر عملية واحدة.

والأمثلة على الجمع بين الإنسان والأنواع الأخرى كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)} الأنعام. وفي قوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28)} لقمان، والمخاطب هنا هو الناس. نعرف من النصوص أن البعث هو إعادة الخلق الأول، {..كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.. } الأنبياء 104 

{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} نوح

جاء في تفسير القرطبي: ”أي جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده. قال ابن عباس: ”أطوارا“ يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة; أي طورا بعد طور إلى تمام الخلق, كما ذكر في سورة ”المؤمنون“. والطور في اللغة: المرة; أي من فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. وقيل: ”أطوارا“ صبيانا, ثم شبابا, ثم شيوخا وضعفاء.“

والأطوار من طور، يقول ابن فارس أنها أصل صحيح يدل على معنى واحد وهو الامتداد في شيء من مكان أو زمان، وجاء عن ابن منظور الطور التارة، تقول طورا بعد طور أي تارة بعد تارة، وجمع الطور أطوار، والناس أطوار أي أخياف على حالات شتى، والطور الحال والأطوار الحالات المختلفة والتارات والحدود، واحدها طور أي مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم.

ولهذا فان الله تعالى جعل من صفات خلقنا أنه أطوارًا أي مراحل زمانية متتابعة، وهذه تنطبق على مراحل نمونا في الرحم من نطفة الى علقة الى طفلا الى رجلا، وتنطبق أيضًا على مراحل الخلق التطوري من الطين الى الإنسان.

وفي قوله تعالى: { والله أنبتكم من الأرض نباتًا . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا } نوح 17-18

نباتًا مصدر على غير المصدر – لأن مصدره أنبت إنباتا، وهنا تشبيه خلقنا من الأرض مثل خروج النبات منها، والنبات يخرج ويعلو رويدًا حتى يصل الى حده. وقد تدل الى معنى إضافي، وهي أن أول خلقنا – وخلقنا جاء عبر خلق الحياة ذاتها – مر بمرحلة من المراحل الأولى لخلق الحياة، وهو ظهور الخلية الواحدة التي استمدت غذائها من الطاقة الشمسية، وهذا ما يتميز به النبات عن غيره من المخلوقات الأرضية، أي أن الخلق كان في مراحله الأولى نباتيًا من جهة طريقة الحصول على الطاقة، فالكائن الأول في مراحل تطوره كان يستمد الطاقة من أشعة الشمس، وهذا ما تفعله النباتات.

***

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ   (174)} الأعراف

يخبرنا الله تعالى أنه جعل في الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) للبشر – ذرية آدم – فطرة a  تعرف الناس به b. وذكر في الآية بني آدم لأن هذه الفطرة جعلت للبشر فقط وهم ذرية آدم، لأنهم النوع الوحيد من المخلوقات الذي منح العقل وحمل الأمانة، فكان له حرية الأختيار فكان من رحمة الله به أن يفطره على نزعة معرفة الرب.   

وفي قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم 30

يقول الطبري في تفسيره: “حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَر النَّاسَ عَلَيْها) قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرّون بذلك، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قال: فهذا قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بعد.” أنتهى

أما لماذا لم تشمل الآية آدم، لآنه وفق ما روي عنه كان يعرف الله ولا حاجة لتعريفه بهذه الحقيقة.

ولو نظرنا إلى نص الآية أعلاه، وكل الآيات التي تروي قصة آدم، وأخذنا في الأعتبار أن الأجيال التي تلقت الرسالة في العصر الأول وطوال العصور حتى قرن أو قرنين قبل زماننا، لم يكن من الممكن أن يتصوروا أو حتى يتخيلوا ما وصلت اليه العلوم المعاصرة، بل ولن يقبلوا أن يكون خلق الحياة قد أستغرق ثلاثة بلايين ونصف سنة c؛ وأنه تطور ذاتيًا من خلية واحدة الى كل أنواع الحياة التي نعرفها، كان على النص أن يخاطب هؤلاء بما يفهمونه ويعقلونه، وإلا أصابهم بالبلبلة أو كذبوه، ولم يكن نشر العلم غايته لما شرحناه مفصلا في السابق. فكان لزامًا أن يعتمد النص على التشبيه والمثل لعرض الحقيقة في صورة مشابهة لها توافق معتقدات الناس في تلك العصور مع الحفاظ التام بالدلالات الحقيقية. وقد نجح في ذلك إلى حد فائق، فلا هو بلبل أفكارهم ولا تعارض مع ما صح من علومنا المعاصرة الحديثة. وقد ذكر لنا النص هذا الأسلوب البلاغي في قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } آل عمران

في رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها.

وعليه فالمتشابهات تشمل كل ما يتعلق بالغيبيات d وآيات الخلق الكوني وخلق الحياة والأمثال والقصص.

وهذه الآية الكريمة تعلمنا أن المتشابهات تحمل معلومات صحيحة قد تم عرضها بأسلوب وبكلمات وأسماء مغايرة للحقيقة لتناسب فهم الناس في كل العصور، وأن علينا إعمال الفكر والتدبر والجهد لنتمكن من الوصول الى المعنى الصحيح. وهذا الأسلوب المعجز ما هو إلا رحمة بالناس في العصور التي سبقت العلوم الحديثة.

***

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)} سورة الرحمن

تدلنا هذه الآيات الى خلق أول خلية حية في الفتحات الحرارية في قاع البحار والمحيطات، وكيف أن إلتقاء الماء القلوي النابع من هذه الفتحات مع ماء البحر المالح ينتج عنه تدرج بروتيني تتولد عن تدفقه طاقة كيميائية أدت إلى تكون الخلية الأولى التي هي أصل الحياة على كوكب الأرض. 

أنظر الرابط مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ للإطلاع على الموضوع الذي نشر في المدونة.

***

الواضح مما سبق -في الأجزاء الثمانية- أن دلالة النصوص التى عرضنا لها، لا تدل أو تشير الى أن خلق النوع الإنساني كان خلقًا آنيًا فوريًا مباشرة من الطين. وإنما عبر تدرج مرحلي له بدء واكتمال. ويمكن تفسيرهذه النصوص -دون فرض معنى محدد عليها، مثل خلق آدم مباشرة من الطين- بكل يسر ووفق معانيها الظاهرة الواضحة، لنجد أنها تدل الى الخلق التطوري الذي توصلت إليه علومنا الحديثة.

الأعجاز القرآني في موضوع خلق الإنسان يظهر جليًا في الآيات التي تدل بيسر ووضوح، الى أن خلق الإنسان كان تطوريًا عبر دهرًا من الزمن حتى ظهر آدم أول البشر بما لديه من القدرة على النطق والبيان.

وقلنا أن النص القرآني معجزا لأنه خالف الفكر السائد في زمان التنزيل، وخالف الرسالات التي سبقته، ولوكان من عند غير الله لما خالف الفكر السائد ولا خالف أديان من سبقوه، هو معجزلأنه سبق علوم الإنسان بأكثر من الف ومائتين وخمسين سنة، سبحان الله تعالى عما يصفون.

 يقول سبحانه وتعالى:{سنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} صدق الله العظيم.

وأخيرًا ؛ وللرد على الذين يقولون إذا كان كذلك، فلماذا لا نستخرج نظريات علمية من القرآن. نجيب لأن القرآن ليس كتاب علوم ولا يمكن أن نأت منه بنظرية جديدة، وأنما نتوقع أن دلالة أي نص قرآني يخص عالمنا المشاهد (الكون ضمن الأبعاد التي نحيا فيها) لن يتعارض مع علومنا الصحيحة، لأن هذا النص صدر عن خالق هذا الكون، وهو أعلم به.

***  الشكر والحمد لله إذ أنعم علينا وهدانا الى الدين القيم   ***

  1. جاء في معجم لسان العرب والفِطْرةُ: ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به  (back)
  2. لقوله {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}.  (back)
  3. كانوا يعتقدون أن عمر الإنسان على الأرض منذ خلق آدم أربعة آلاف سنة  (back)
  4. منها البعث والجنة والنار والملائكة والجن وكل ما هو خارج الكون المشاهد  (back)

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (6 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء السادس من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصّل في الكتاب.

{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخرَ فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم أنكم بعد ذلك لميتون * ثم أنكم يوم القيامة تبعثون }المؤمنون:12-16

جاء في تفسير الطبري: ”القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}. أسللناه منه، فالسلالة هي المستلة من كل تربة; ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به آدم. ذكر من قال ذلك: عن قتادة: {من طين} قال: استل آدم من الطين. وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {من سلالة من طين} قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خلق من طين. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس: {من سلالة من طين} قال: صفوة الماء. وعن مجاهد في قول الله: {من سلالة} من مني آدم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وهي صفة مائه وآدم هو الطين، لأنه خلق منه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لدلالة قوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} على أن ذلك كذلك; لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوله من صلبه صار في قرار مكين; والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه; ومن السلالة قول بعضهم:

        حملت به عضب الأديم غضنفرا                     سلالة فرج كان غير حصين

وقول الآخر:   وهل كنت إلا مهرة عربية                  سلالة أفراس تجللها بغل

فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل. وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل; ومنه قول بعضهم: إذا أنتجت منها المهارى تشابهت    على القود إلا بالأنوف سلائله

وقول الراجز:    يقذفن في أسلابها بالسلائل“ إنتهى.

وجاء مثله عند ابن كثير وقال القرطبي: ”الْإِنْسَان هُنَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره , لِأَنَّهُ اِسْتَلَّ مِنْ الطِّين . وَيَجِيء الضَّمِير فِي قَوْله : ” ثُمَّ جَعَلْنَاهُ “ عَائِدًا عَلَى اِبْن آدَم , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ . نَظِير ذَلِكَ ” حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ “ [ ص : 32 ]. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسُّلَالَةِ اِبْن آدَم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره. وَالسُّلَالَة عَلَى هَذَا صَفْوَة الْمَاء , يَعْنِي الْمَنِيّ . وَالسُّلَالَة فُعَالَة مِنْ السَّلّ وَهُوَ اِسْتِخْرَاج الشَّيْء مِنْ الشَّيْء ; يُقَال : سَلَلْت الشَّعْر مِنْ الْعَجِين , وَالسَّيْف مِنْ الْغِمْد فَانْسَلَّ ; وَمِنْهُ قَوْله : فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابك تَنْسُل فَالنُّطْفَة سُلَالَة , وَالْوَلَد سَلِيل وَسُلَالَة ; عَنَى بِهِ الْمَاء يُسَلّ مِنْ الظَّهْر سَلًّا . قَالَ الشَّاعِر : فَجَاءَتْ بِهِ عَضْب الْأَدِيم غَضَنْفَرًا سُلَالَة فَرْج كَانَ غَيْر حَصِين وَقَالَ آخَر : وَمَا هِنْد إِلَّا مُهْرَة عَرَبِيَّة سَلِيلَة أَفْرَاس تَجَلَّلَهَا بَغْل“

وهنا نجد الطبري خلص إلى أن آدم خلق من طين، وأن الإنسان المذكور هو ابن آدم والهاء في ”ثم جعلناه نطفة“ تعود الى ابن آدم. وبهذا تكون معاني الآية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}، الإنسان هو ابن آدم الذي خلق من سلالة من طين، والسلالة هي صفة ماء آدم، وآدم هو الطين؛ لأنه خلق منه فيكون المعنى: ولقد خلقنا آدم من طين، ثم خلقنا أبنه من سلالته، ثم جعلنا الإنسان -أي ابن آدم- نطفة في قرار مكين. أو ولقد خلقنا ابن آدم من ماء آدم، والذي دعا الطبري وابن عباس رضي الله عنهما الى هذا المعنى هو أن الهاء في ”جعلناه نطفة“ لو عادت الى الإنسان بمعنى آدم، لما صلح معنى النطفة التي فسرت أنها مني الرجل وماء الأنثى، ولأن النطفة لا تصح إلا أن تكون نطفة رجل وزوجه، وأول زوجين وفق الشائع هما آدم وزوجه، وعليه جعل لفظ الإنسان يعبر عن ابن آدم. وقال مثله القرطبي ” وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ“

وهذا التفسير كما ذكرنا يبلغنا أن ابن آدم خلق من مني آدم، ويتخطى خلق آدم – وهو إنسان أيضًا- من طين، فلماذا يكون ابن آدم هو الإنسان في حين أن آدم نفسه هو الإنسان، هناك مرحلة هامة تغطي المسافة من طين الى آدم أو بالأحرى إلى إنسان ليست مذكورة وفق تفسيرهم في هذه الآية، أما إعتبار أن لفظ طين يعني آدم، لأنه خلق منه، فهذا تحميل للفظ أكثر مما يحتمل. والأهم فان ملخص ما قيل أن ابن آدم خلق من مني آدم، وهذا المعنى لا يحمل خبرًا.

ولو أعدنا لفظ الإنسان الى آدم في قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} لوقعنا في ما حاول المفسرون تجنبه، لأن آدم – وفق ما يؤدي اليه تفسير الطبري – لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. ولكن من أين جئنا بفرض أن آدم لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. لقد نتج هذا من الإعتقاد بخلق آدم آنيًا ومباشرة من الطين، وهذا فرض ما زال علينا أن نجد عليه دليلا قرآنيا، وليس الإعتماد فقط على القصة الشائعة،.

إن المراحل التي تبدأ بالنطفة حتى كسونا العظام لحمًا، هي وصف تطور الجنين في الرحم، يأتي بعدها مرحلة منفصلة {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، فهل يدل هذا أن إنشاؤه خلق آخر، يحدث في الرحم لكل فرد من هذا النوع، هذا ما ذهب اليه المفسرون، يقول الطبري ”وَقَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } يَقُول : ثُمَّ أَنْشَأْنَا هَذَا الْإِنْسَان خَلْقًا آخَر . وَهَذِهِ الْهَاء الَّتِي فِي : { أَنْشَأْنَاهُ } عَائِدَة عَلَى ” الْإِنْسَان “ فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان } قَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر الْعَظْم وَالنُّطْفَة وَالْمُضْغَة , جُعِلَ ذَلِكَ كُلّه كَالشَّيْءِ الْوَاحِد , فَقِيلَ : ثُمَّ أَنْشَأْنَا ذَلِكَ خَلْقًا آخَر . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنْشَاؤُهُ إِيَّاهُ خَلْقًا آخَر : نَفْخه الرُّوح فِيهِ , فَيَصِير حِينَئِذٍ إِنْسَانًا , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ صُورَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19264 -حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } قَالَ : نَفْخ الرُّوح فِيهِ .“

والخلق الآخر يستدعي تغيير الخلقة، ويمكن أن يكون هذا التغيير هو ما نجده من اختلاف الناس، ولكن هذا الإختلاف الطفيف – بالنسبة للتغييرات والتحولات التي سبقته – لا يستدعي التعبير عنه بكونه ”خلقا آخر“. إذ يدل التعبير على البدء في مرحلة جديدة من مراحل الخلق والإحداث، تميزت بأنها تختلف عن المراحل السابقة بأنها أخذت وجهة أخرى، ونتج عنها خلقًا آخر، أي خلق غير الأوّلِ، والإختلاف الذي يعبر عنه لفظ ”آخر“ قد يكون في النوع أو في الشكل أو في أي شيء، كل ما سبق هذا من نطفة وعلقة وعظامًا، كان حيًا وينمو ويختلف عما سبقه في التكوين والشكل، ومع ذلك لم يعبر عنه أنه خلقًا آخر.

إذا كانت الهاء في لفظ أنشأناه تعود الى الإنسان كنوع، استدعى ذلك تغيير النوع، أما إذا عادت الهاء الى العظام التي كسوناها لحمًا، فقد قال المفسرون في قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي نفخنا الروح فيه، فأصبح إنسانا، غير ذاك الذي كان من عظاما ولحمًا، والذي كان قبل ذلك صورة. ولكننا بدأنا تفسير الآيات بأن كل هؤلاء من نطفة وعلقة ومضغة وعظامًا يعودون الى لفظ الإنسان، فكيف يكون نفخ الروح في هذه الأشياء يجعلها خلقا آخر هو الإنسان ذاته الذي بدأنا منه. إلا أن ما ذكرناه يصح إذا كان معنى ”الإنسان“ لا يعود الى آدم وإنما يعود الى النوع الإنساني، وقد يكون الخلق الآخر هو البشر، الذي هو فرع من الإنسان يختلف عنه وأرقى منه، والذي بدأ بآدم، أي يكون آدم في نهاية الحلقات وليس في أولها، وعليه يصح تفسيرهم أن الخلق الآخر يعني نفخ الروح فيه، فينشأ خلق آخر هو آدم، أول البشر، إلا أن هذا المعنى يخرج الآية من كون جزء منها يصف نمو الجنين في الرحم، ويضعها كلها مع الآيات المتعلقة بالنشأة من الأرض.

الخلق هو تقدير مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، وابداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، ونعود الى معنى {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، هنا لم يرد التعبير على أنه خلق خلقا آخر، وانما أنشأ، الإنشاء حمل معه معنى النمو والسمو والظهور والإمتداد الزمني، وسبق ان قلنا ان الهاء في أنشأناه تعود الى الإنسان أو الى العظام الذي كسي لحمًا، وهذا أيضًا يعود الى الإنسان، أي أن الله تعالى أنشأ الإنسان خلقًا آخر، والخلق هو ما ينتج عن التقدير والإبداع على نحو لم يسبق إليه، أما آخر فتدل على ما هو غير الإنسان، وما لدينا غير الإنسان الا البشر. فيكون دلالة الآية أن الإنسان خلق ثم إنشأ بشرًا. والبشر أسمى من الإنسان وقد ظهر عليه وحل محله. والإنسان لفظ عام يعبر عن المخلوق الذي وقف على قدميه، والبشر نوع منه، سما وارتفع عنه وكان له القدرة على التفكير والكلام والبيان. أي أن كل بشر إنسان، وليس كل إنسان بشر، إلا أنه حيث أن كل إنسان ليس بشرًا قد هلك واندثر، يمكننا اليوم أن نقول أن كل إنسان على هذه الأرض بشر.

من معاني خلق أنه أبداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، وإبداع تدل على إحداث شيء أو أمرًا جديد لم يفعله أحد من قبل، وكل هذه التحولات كانت خلقًا، فان أخذنا بأن معناه ما يحدث لكل جنين، ففيما عدا أول جنين، كل التالين ليسوا خلقُا على نحو ما لم يسبق إليه، وإنما تكرارًا وان اختلفت صفات المولود. وعليه فإما أن تعود الآية الى أول جنين، أو تعود الى النشأة من الأرض، أو كلاهما، فان كان، فهذا يبين قدرة الصيغة وإعجازها.

فرضنا في معرض إستدلالنا السابق أن السلالة مقصود بها ما سل من الأرض، كما ذهب السلف، لأنهم أعتبروا أن الإنسان هو آدم الذي وفق علومهم خلق مباشرة من الطين. أما لو كانت السلالة بمعنى الإنحدار من نسب واحد معين، والسلالة هي جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب واحد،  Lineage  Descent ، كما هو المعنى الشائع لهذا اللفظ في عصرنا، وربما كان هذا المعنى معروفًا في الجاهلية، السلالة والسليل: الولد والأنثى سليلة، إذ قالت هند بنت النعمان:

وما هندُ إلا مهرةٌ عربيةٌ         سليلة أفراس تجلَّـلها بغل        (وقيل نغل)

والسليلة هنا بمعنى أتت من سلالة أفراس، وأفراس هنا بصيغة الجمع تدل أنها تعود الى سلسلة نسب لأكثر من جيل واحد، أي لم يقصد أنها سليلة لأنها خلقت من السلالة بمعنى النطفة أو ما سل من صلب الذكر وماء الأنثى، وانما أنها تنحدر من نسب معين، وهذا يؤدي أيضًا الى نفس المعنى.

فلو أخذنا سلالة بمعنى جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب معين، فانه من الممكن القول أن الإنسان هو الذي جاء من نتاج هذه السلالة التي أولها كان من الطين. لكن في مرحلة محددة تم إنشاؤه خلقًا آخر، وهنا نجد أن الآية لا تتحدث فقط عن خلق الإنسان وإنما عن خلق نوعا آخر جاء منه. أي أن الإنسان خلق من سلالة من طين، حتى أصبح على الشكل الذي نعرفه، وتناسل بالطريقة المذكورة في الرحم، وبعد دهرًا من الزمان، أنشأه الله خلقًا آخر، هو البشر بدءًا بأبوهم آدم. وألا يتفق هذا مع قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}. أنظر قوله تعالى{ ثم أنشأناه خلقًا آخرَ} وقوله تعالى{ كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}.

والآن نعيد النظر في الآيات إذ قد نجد  فيها المعنى المرحلي الذي يصف خطوات تطور خلق الإنسان بدءًا من الطين.

{لقد خلقنا الإنسان..} أي قدرنا ما منه سيكون الإنسان، {من سلالة من طين..} أي أنه سينحدر من سلالة أو سلسلة أولها من الطين المتغير، والمراحل المذكورة بعد ذلك عددت فقط تلك التي تؤدي الى الإنسان، ولهذا لم يأت ذكر الفروع الأخرى كالنباتات.

لقد وجدت أول خلية حية بسيطة تنقسم وتتكاثر من الطين المتغير، وكان لهذه الخلية البدائية النوى، جدار خارجي يحميها ويحمي جزئيها الهيولي وشبيه النواة، ويوجد في منطقة شبيه النواة الشفرة الجينية للحمض النووي والذي كان أولاً (أر ان ايه) ثم تطور الى (دي ان ايه). وليس لنواة هذه الخلية جدار نواة. والبكتيريا من الكائنات وحيدة الخلية من نفس النوع بدائي النوى وكذلك الطحالب الزرقاء المخضرة، وقد وجدت هذه الخلية منذ أكثر من 3,5 بليون سنة.

والخطوة التي تلت الخلية البدائية النوى، هي ظهور الخلية حقيقية النوى، تميزت عن الأولى أن الحمض النووي يستقر في نواة لها جدار مضاعف قوي يحمي النواة، وقد ظهرت هذه الخلية منذ حوالي 2 بليون سنة، وهذه الخلية هي ما ينبني بها أجسام كل الأحياء متعددة الخلايا (مثل الحيوانات والنباتات والفطريات).

اذا كانت الحياة تعرف بأنها آلية التكاثر، فان الحمض النووي هو هذه الآلية، والخلية توفر له غرضين هامين، أولاً توفير الحماية للسلسة الوراثية الضعيفة جدًا (دي ان ايه)، وثانيًا توفير المكان الملائم لتتم عمليات التطور البيولوجي المعقدة. وحيث أن الحمض النووي هو الذي يحمل تعليمات السلسلة الوراثية، وهو الذي يحفظ تطورها، فان الحمض النووي هو الذي قدر له أن يتطور.

{ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} وتدلنا الآية أن النطفة وهي القليل من الماء ويمكن أن تكون تعبيرًا عن الحمض النووي المقدر له أن يتطور حتى يصبح إنسان، قد جعلت في قرار مكين، وهو نواة الخلية حقيقية النوى ذات الجدار المضاعف القوي.

{ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا….}

والعلقة t  هي الكائنات متعددة الخلايا، والتي ظهرت عندما تعلقت الخلايا مع بعضها البعض، وأول ما ظهر من العلقة Lichen هي الكائنات الرخوية مثل الدودية، والأسفنج والمرجان والسمك الهلامي، ثم تطورت عنها المضغة، وقد تكون هي الحيوانات اللافقارية اللاعظمية البدائية، ثم خلقت المضغة عظامًا وقد تكون الكائنات التى لها درع عظمي خارجي مثل الأصداف البحرية والقواقع والمحار ثم الحيوانات البحرية القشرية وذات الأظهر الفقارية والزواحف، وبعدها كسي العظم لحمًا فظهرت الثدييات ذات الدم الدافيء ومنها الحيوانات والإنسان الأول {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ} ثم أنشأ خلقًا آخر هو البشر.

***  يتبع في الجزء السابع  ***

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (5 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الخامس من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

مما سبق في الجزء الرابع؛ نجد أهمية هذه الآيات في فهم دلالة آيات خلق البشر، والعلاقة بين الإنسان والبشر وآدم:

{ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإِ  مسنون * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } الحجر : 25-29 .

قال ابن فارس : بشر فى اللغة تدل على ظهور الشىء مع حسن وجمال وسمى البشر بشرًا لظهورهم، ومنه البشرى وذلك يكون بالخير . أما الانسان فهو ظهور الشيء، وكل من خالف طريقة التوحش، والأنسة ضد الوحشة، واستأنس ذهب توحشه.

وقد خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وخلق تعنى أن الله تعالى قدر ما منه وجود الإنسان، أي أن يصبح الصلصال وهو الطين المتغير في مبلغه وكنهه ونهايته إنسانًا، ثم بشر، وفي قوله تعالى فاذا سويته، أي إذا أبلغته أشده ومنتهاه.

وهنا في آيات سورة الحجر، نجد أن هناك فصلا واضحا بين خلق الإنسان وخلق البشر، لقد اهتم القرآن ببيان حقيقة ان الجان خلق قبل الإنسان، وهذا لأنه قدم موضوع خلق الإنسان عن موضوع خلق الجان في سياق ترتيب الإخبار. وقد أدى تقديم خلق الإنسان على خلق الجان في سياق السرد القرآني، الى الفصل بين آيتي خلق الإنسان وخلق البشر، وهما وأن خلقا من نفس المكونات، أختلفت أسمائهما، فهذا إما أن يكون فصلاً بين خلقين مختلفين وان كانا من نفس المكونات، أو تكرارًا، فان كان تكرارًا فلماذا يختلف الأسم.

ونحن نأخذ بالإختلاف النوعي الذي قد تدل عليه الآيات من إختلاف الأسماء، إذ نفترض أن البشر اختلف عن الإنسان، ربما في الخلق، وربما في التطور، وربما في أن الله علمه الأسماء. إذ ليس في الآية ما يمنع أن نفترض ان الإنسان خلق من خلال عملية تطورية استغرقت بلايين السنين. وقد نفترض أن يكون البشر هو الإنسان الذي تطور الى حد يتمكن معه من تلقي العلم، أي أنه مرحلة لاحقة من مراحل التطور، وقد أخذنا هذا المعنى من قوله سبحانه وتعالى : { الرحمن * علَّم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان} الرحمن : 1-4  يقول ابن كثير: ”يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى ”الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان“ قال الحسن يعني النطق وقال الضحاك وقتادة وغيرهما يعني الخير والشر وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن وهو أداء تلاوته وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها“.

وقد وجد علماء التطور ان ظهور الإنسان الحديث – وهو الذي نحن من سلالته – تزامن مع تغير في جمجمة الإنسان الأول من جهة تكون عظام الفك والحلق بما أدى الى تيسير النطق وتسهيل خروج الحروف، مع وصول حجم المخ الى الحجم الحالي. أي أن البشر هو الإنسان الحديث. وآدم هو أول البشر. وقصة تعلم آدم الأسماء كلها وأسماء الإشياء كناية عن اللغة والتعبير، وآدم هو رمز البشر أي الإنسان المفكر، وان الله نفخ في هذا المخلوق من روحه

القصة التي يرويها القرآن عن ظهور الإنسان الحديث – الهوموسابيان- والذي أطلق الله عليه أسم النوع “بشر” وكان أسم أول بشر “آدم”، تخبرنا أن الإنسان تطورحتى استوى واكتمل فأصبح خلقا آخر هو البشر. وكان هذا بإكتمال نمو العقل والفك بما يمكّنه من التفكير والنطق، فملك بذلك القدرة على  التعلم والإفصاح، فتعلم اللغة، ومنح الشعور بالذات وحرية الإختيار، ثم جُعل خليفة في الأرض فحمل أمانة مسؤولية الحفاظ عليها وإعمارها. 

****

ننظر الآن في بعض الآيات القرآنية التي تعلقت بموضوع خلق آدم :

{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28 . {قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون } 32-33 الحجر

{ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ص 71-76

ما سبق يدل أن الله خلق آدم – البشر من طين، وهذا أيضًا ما يعبَر به في القرآن عند ذكر خلق الناس عامة، مثل الآية 37 من سورة الكهف {قال له صاحبه أتكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً } وبالطبع ليس المقصود هنا أن الله تعالى قد خلق هذا الشخص المخاطب من التراب ثم سواه رجلا، وإنما هي طريقة للتعبير بتبعية الرجل للجنس الإنساني الذي كان أول خلقه من تراب. وأيضًا {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ……..} الأنعام 2 . ولفظ خلق يدل على تقدير ما منه وجود الشيء (قدر : يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، فقوله تعالى {إني خالق بشرا من طين} قد تعني الإيجاد من الطين مباشرة، وتعني أيضًا تقدير الطين ليبلغ في منتهاه بشرا، وتعني أيضًا تقدير بدء نشأة الكون ليبلغ في منتهاه يشرا .

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن في آيات خلق آدم،  {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28  هل القول الأول أعقبه الخلق فورًا أو كان بينهما فترة زمنية؛ قد تكون دهرًا طويل الأمد، إذ وإذا حرفا توقيت، إذ للماضي وإذا للمستقبل، وقد توضع أحدهما موضع الأخرى، والحرف ”ف“ يدل على التعقيب والأرجح التعقيب الفوري، بينما ثم يدل على التعقيب والترتيب والتراخي الزمني كما جاء سابقًا، إذ –وهذا في زمان ماض –  يقول الله للملائكة إني خالق بشر من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، التعقيب الفوري بالفاء في ”فإذا“ هو تعقيب كلامي، أي أن الجملتين قيلتا في تعاقب فوري وفي الزمان الماضي. بينما ”إذا“ تعبر عن توقيت مستقبلي، قد يكون قريبًا وقد يكون بعيدًا، والفاء في فقعوا له ساجدين هي تعقيب فوري أو قريب، أي ان السجود يكون فور –أو بعد فترة يسيرة من – تسوية هذا البشر والنفخ فيه من الروح، (ويجب ملاحظة أن ما نسميه فترة يسيرة هو أمر نسبي). من هنا نجد أن الخلق كان سابقًا للتسوية، وأن الجملة الخاصة بالتسوية والنفخ مستقبلية تحتمل المستقبل القريب وتحتمل المستقبل البعيد.

{ واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون} البقرة :30

وهنا الحديث كله بإذ للدلالة على الماضي، والقول إني جاعل في الأرض خليفة (هو آدم)، والجعل لا تعني بالضرورة اني خالق في الأرض خليفة، بل تعني أن الله صيَّره خليفة، جعله خليفة بعد ان لم يكن كذلك، كقوله تعالى: {وجعلني نبيًا..}، وفي قوله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } تكون جعلنا بمعنى خلقنا، ولكن جاعل هنا ليست لشيء وإنما لمكانة ولمهمة ومسؤولية، وهؤلاء الجعل فيهم يكون مثل قولنا: جعل الناس أبو بكر أميرا عليهم أي صيروه أميرًا عليهم. وبهذا المعنى يكون استعمال إذ في حال الجعل وفي حال السجود أيضًا يبين أن الحادثتين وقعتا في الزمان الماضي. ولا تدل هذه الآيات أن آدم قد خلق من الطين في ذلك الوقت.

إن قول الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} يوحي بعلمهم بأمر واقع أو سبق وقوعه، وقد تحير المفسرون في كيفية معرفة الملائكة أن هذا المخلوق الجديد -أو ذريته- سوف يفسد في الأرض في زمان مستقبلي، إذ لا يعلم الغيب المستقبلي إلا الله سبحانه، وقد نحا بعض المفسرون علم الملائكة بأنهم قد سألوا الله تعالى: ما صفة هذا المخلوق الجديد. فقال لهم أنه -أو نوعه- سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء، فقالوا لله جل جلاله أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. لكن هذا التفسير على ضعفه لا يصح، حيث أن الله قد خلق البشر ليعمروا الأرض ومنهم الصالح ومنهم المفسد؛ ولم يكن الله تعالى ليقول عن البشر جميعًا مثل ذلك، وهو سبحانه وتعالى يعلم أنه سيكون منهم أنبياء ورسل وأتقياء وأمم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

بل أن قوله تعالى  {إني أعلم ما لا تعلمون} يدل أنه لم يعلمهم بشيء من أمر هذا الخليفة، لأنهم لو كانوا سألوه وأجابهم، لكانت { إني أعلم ما لا تعلمون } تدل أن إجابته سبحانه وتعالى عما يصفون كانت غير كاملة، فهم أي الملائكة ظلوا على حيرتهم وتعجبهم حتى بعد سماع الجواب، أي أن الجواب لم يكن كاملا، وهذا مما يتنزه الله تعالى عنه، وبناء على ما سبق يمكن الجزم أنهم لم يسألوا، وبالتالي نعود الى مسئلة كيف عرف الملائكة أن هذا الخليفة -الذي ما زالت تصرفاته وأعماله في الغيب المستقبلي- سيفسد في الأرض ويسفك الدماء.

ولماذا تقول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ وليس : أتجعل فيها من سيفسد أو من سوف يفسد فيها، يمكن تفسير ذلك بفرض أن الإنسان كان موجودًا ومفسدًا في الأرض، ولهذا لم يحتاج الملائكة للسؤال وإنما كان قولهم الفوري كما جاء عنهم، وهذا رد طبيعي بناء على علمهم بما هو واقع في ذاك الزمان، ولهذا كان الفعل يفسد مضارع وليس فعل مستقبلي.

وعليه فسياق الحديث الذي تم قد يكون كما يلي: واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً، وكان آدم حاضرًا أمامهم، وقد اصطفاه الله، فعرف الملائكة من هيئته وصورته أنه يشبه الإنسان، وكان الإنسان موجودًا آنذاك على الأرض، كان مفسدًا وكان يسفك الدماء ويقتل من غير جنسه أكثر مما يحتاج لغذائه، ويقتل من جنسه مع سعة الأرض، ولم يكن يعبد الله ولا يسبح له، وبهذا يكون من أسوأ المخلوقات قاطبة، فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وكان قولهم من باب السؤال عن الحكمة الإلهية. قال إنى أعلم ما لا تعلمون. حيث أن هذا هو البشر الذي جاء ذكره من قبل، قد منح القدرة على البيان، وأنه من سيحمل الأمانة.

والخليفة هنا لا تعني كما نحى اليه البعض، من أنها نظام الخلائف وهو ما يتبعه النوع البشري من خلافة الجيل لما قبله، أي نظام الخلف والتوالد، فكافة المخلوقات من الحيوانات والطيور والإسماك وحتى الأشجار والنباتات، تتبع هذا النظام، وليس فيه ما يجعل النوع الإنساني أفضل من غيره، ولا يستدعي هذا المعنى تعجب الملائكة بقولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فالمعنى لا بد أن يحمل شيئًا من التفضيل والعلو والمسؤولية بل والولاية . ولا شك إن إعمار الأرض وظيفة منوطة بالبشر فقط دون غيرهم من المخلوقات. ولا يجب أن ننسى في هذا المقام أن المحافظة على الطبيعة والمخلوقات من حيوانات وغيرها من المسؤوليات المناطة وفقًا لمتطلبات الخلافة والأمانة التي عُهد بها إلى الإنسان الحديث.

والخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.“  وقد يكون معناه إضافة الى الولاية، أن آدم وذريته سوف يقومون مقام الإنسان ويسدون مسده.

لماذا يريد الملائكة أن يكونوا خلفاء في الأرض ؟ لماذا المقارنة بينهم وبين ذلك الخليفة ؟ ما العلاقة بين الملائكة والإنسان. الملائكة درجات، منهم من يصطفي الله ويميزهم عن غيرهم، {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(75)} الحج، وهذا يوضح أن هناك درجات عند الملائكة، والدرجات تستدعي التنافس بينهم لإرضاء الله تعالى، والتنافس يستدعي المقارنة، ومع علمهم المسبق بأمر السجود لكائن مخلوق من طين، لا عجب أن يقارنوا أنفسهم بهذه المخلوقات.

والتساؤل الأخير لدينا، هو لماذا أمتنع إبليس عن السجود لآدم، إذا كان أُخبر من قبل بأن عليه أن  يسجد لبشر يخلقه الله من طين؛ ولم يعترض في حينه. الأرجح أن إبليس لم يكن حاضرًا عند الإخبار الأول وإنما كان حاضراً عندما أخبر الله الملائكة بجعل آدم خليفة على الأرض، وما تبعه من تفوق آدم على الملائكة بمعرفة الأسماء، وما تلى ذلك من الأمر بالسجود، ورجحنا هذا لأن إبليس بنى إعترضاه أن آدم خلق من طين، ولو علم ذلك قبلا لما صح إعتراضه آنذاك.

***  يتبع في الجزء السادس  ***

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (4 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الرابع من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصّل في الكتاب.

في قصة خلق آدم، تتضمن النصوص الأمر الألهي للملائكة بالسجود لآدم، في مرتين، الأولى في إخبار الله الملائكة أنه سيخلق بشرًا وأن عليهم أن يسجدوا له عند إتمام خلقه، والثاني أمرا مباشرًا للملائكة بالسجود لآدم بعد أن إكتمل خلقه.

ورد الأمر الأول –قبل الخلق- في سورة الحجر الآيتين 28 و 29 :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)}سورة الحجر. a

وجاء الأمر الثاني في سورة البقرة في قوله تعالى : { واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32)  قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (32) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (33) } سورة البقرة.

مقدمة مختصرة:

قد نفهم من هذه الآيات، أن الله تعالى أخبر الملائكة أنه خالق بشرا من طين، b وأن عليهم أن يسجدوا له إذا سواه الله ونفخ فيه من روحه. كما سنرى فيما بعد، الملائكة لا تعرف الأشياء بأسمائها، ولهذا نستنتج أنهم يعرفون الأشياء بصورها وشكلها. ولا بد أنهم تصوروا البشر الذي أخبرهم الله تعالى عنه، وأنه شبه الأنسان إلا أنه يختلف عن الإنسان في التسوية وأن الله تعالى ينفخ فيه من روحه، فتوقعوه خلقا آخر وإن كان شبه الإنسان.

ثم بعد ذلك بزمن طال أو قصر، والأغلب طال، قال لهم الله تعالى أنه سيجعل في الأرض خليفة، وحيث أنه لم يحدد في الكلام من هو الخليفة أو جنسه، وحيث أن الملائكة عرفوا من هو الخليفة، نستنتج أن آدم كان حاضرًا وأنه هو الخليفة. وحيث أن آدم من نوع الإنسان، والناس كانوا يعيشون على الأرض ويفسدون ويسفكون الدماء، تعجب الملائكة وقالوا {أتجعل فيها من …..} فأجابهم الله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون.

الملائكة لم يعرفوا أن آدم – الذي سيجعله الله خليفة – هو أول البشر لأنهم لم يشهدوا الخلق والتسوية والنفخ، ولو عرفوه لسجدوا.

وبعد أن علّم الله تعالى آدم الأسماء وتفوق آدم في معرفتها على الملائكة، أمرهم الله أن يسجدوا له فعرف الملائكة أن هذا هو البشر، لأن الله لم يأمرهم أن يسجدوا لأحد غيره. 

نعود الى الآيات التى أوردناها، لنتبينها بشيء من التفصيل لنستدل منها على ما ذكرناه، وقد نضطر الى بعض التكرار والإعادة لأهمية الوصول الى دلالات هذه النصوص:

الواضح أن الملائكة سجدوا لآدم مرة واحدة فقط. ولهذا فالسجود الذي ورد في آية (30) من سورة الحجر c هو نفسه السجود الذي ورد في الآية 33 من سورة البقرة، وأن بين الإخبار بالخلق والأمر بالسجود في الآيات (28) و (29) من سورة البقرة والسجود في الآية (30) من سورة الحجر ومثله في سورة ص؛ زمنا طويلا هو على أقل تقدير ما أستغرقته أحداث الآيات (30-32) من سورة البقرة.

وهذا يضعنا أمام تساؤلان نجيب عليهما كما يلي:

الأول: لماذا لم يسجد الملائكة فور أن أتم الله خلق البشر؟ الإجابة أنهم لم يشهدوا خلق البشر. لأنهم لو شهدوه لسجدوا. وفي قوله تعالى { مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(51)} الكهف. وإن كان “ما أشهدتهم” تعود الى أبليس والكفار كما ذكر المفسرون، إلا أنها قد تشمل الملائكة أيضًا. 

الخلق كان يوم خلق الله السماوات والأرض، ولفظ خلق يدل على تقدير ما منه وجود الشيء (قدر: يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، فقوله تعالى {إني خالق بشرا من طين} قد تعني الإيجاد من الطين مباشرة، وتعني أيضًا تقدير الخلق الكوني ليكون منه خلق خلية حية من الطين ليبلغ الخلق في منتهاه بشرا. ولهذا فالملائكة لم يشهدوا خلق البشر.  

الثاني: لماذا لم يسجد الملائكة فور رؤيتهم آدم في أول المناظرة التي وردت في سورة البقرة؟

الإجابة أنهم لم يعرفوا أن هذا هو البشر الذي أمروا أن يسجدوا له. ولننظر بشيء من التفصيل:

لو عرفت الملائكة أن هذا الخليفة هو البشر الذي أمروا بالسجود له، فهل كانوا ليتأخرون عن السجود فور ظهوره أمامهم، وهل كان قولهم فيه ما جاء عنهم من كونه مفسدا في الأرض وسافكا للدماء. وأما كانوا – لو علموا أن هذا هو البشر قد اكتمل خلقه من الطين- ليسجدون له حين مثل أمامهم إمتثالاً للأمر الإلهي السابق في سورة الحجر وسورة ص، وهم يفعلون ما يؤمرون، لقوله تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(50) النحل.

من الظاهر من آيات سورة البقرة أن الملائكة لا تعرف الأشياء بأسماءها، وانما تعرفها بالصورة والشكل وربما بالرؤية وربما بالأفكار، كيف قال لهم الله تعالى فهذا من الغيبيات التي لا يمكن لعلومنا الخوض فيها، ونكتفى أن الله تعالى أخبرنا أنه أعلمهم بالقول –قولاً أو مجازًا– أنه تعالى سوف يخلق بشرا. فعرفوه صورة وشكلا، وكان يشبه الإنسان الذي يحيا على الأرض، (إما في زمان القول أو ظهر فيما بعد)، وحيث أنهم لم يشهدوا الشرط الثاني وهو {فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين (29)} لهذا لم يأت عليهم أوان السجود.

كانوا على يقين أن المخلوق الجديد ليس هو الإنسان الموجود على الأرض وإن كان يشبهه. توقعوا أن البشر سيكون مكرّما ومتفوقا لأن فيه نفخة من روح الله ولأن عليهم أن يسجدوا له. بينما الناس الذين يسكنون الأرض ينطبق عليهم قوله تعالى { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)} سورة التين.

نستطيع أن نستنتج من تصرفهم هذا أن الملائكة لم يعرفوا آدم ولحكمة إلهية لم يخبرهم الله أنه البشر، فلما أنبأهم آدم بالأسماء وتبين لهم ما خصه الله به من العلم والبيان، أمرهم الله بالسجود له في قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} البقرة:34  والأمر هنا بالسجود لآدم، عندئذ فقط عرفوا أنه البشر الذي أُمروا بالسجود له في زمان سابق، حيث أنهم لم يؤمروا بالسجود لأحد غير الله إلا في ذاك الأمر السابق.

ولكن لماذا قال الله للملائكة بمشيئة الخلق والسجود أول مرة مع علمه أنهم لن يعرفوا البشر ليسجدوا له، أما كان يكفي أن يقول لهم بعد خلقه اسجدوا له، كما أمرهم بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء.

خلق الله الحياة الدنيا، وهي المخلوقات التي نشأت من الماء والتراب، (المخلوقات الكربونية) وكانت أقل بدرجات كثيرة عن الملائكة وربما عن الجن أيضًا، وكان منهم النوع الإنساني، الذي كان مفسدًا في الأرض سافكا للدماء.

كانوا يعرفون بما أخبرهم الله به، أن من هذا النوع من الخلق من الطين، سيخلق الله بشرًا سيكون أفضل منهم، لأن عليهم أن يسجدوا له.

وأصطفى الله آدم من بين الناس وسواه أي أتم خلقه بمعنى طوره في الجسم فكبرت الجمجة لتوفر حجم أكبر لمخ يمكنه من التفكير والتحليل والإستنياط وتعدل تركيب الفك بما يسمح بالنطق وإصدار الأصوات والبيان والتواصل، ثم أكرمه بأن نفخ فيه من روح الله، وهذا قد يكون تعبير عن منحه الوعي والشعور بالذات conscious   وقدرة المشيئة وحرية الإختيار. فحمل آدم الأمانة وهي مسؤولية الحفاظ على الأرض وإعمارها. فأصبح بذلك خلقًا آخر غير الإنسان هو البشر، ولو أنه من ذرية الإنسان. أنظر قوله تعالى: {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }.

ثم جاء به أمام الملائكة وقال لهم أنه سيجعله خليفة في الأرض.

لم تعرف الملائكة أن آدم هو البشر الذي أخبرهم الله عنه من قبل، وأنما عرفوه أنه من جنس الإنسان الذي يعيش في الأرض ويفسد فيها ويسفك الدماء. فتعجبوا أن يُفضل عليهم ويُجعل هذا المفسد خليفة يحمل مسؤولية حفظ مصالح الرعية من ناس وحيوانات وطيور وزواحف وأسماك ونباتات، وقومه يقتلون ويسلبون ويفسدون في الأرض. اعتبر الملائكة الخلافة تكريم لآدم يرفعه الى مصافهم وربما أعلى بينما هم أولى بالتكريم لأنهم يسبحون بحمد الله ويقدسونه.  لهذا تعجبوا فقالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}.

وفي تعجبهم هذا عرفنا أن آدم ليس أول إنسان، وأن الناس كانوا قبله يعيشون ويتزاوجون ويتكاثرون، وأنه أول البشر،  الذين منحهم الله القدرة على التفكير والنطق والتواصل بلغة الكلام.

وأجابهم الله تعالى: {قال إنى أعلم ما لا تعلمون (30)} فهذا الخليفة هو البشر الذي رفعته والذي له ستسجدون. وأن من ذريته أنبياء ورسل وعابدون أمم تحمل أمانة إعمار الأرض.

وأنه تعالى ميز آدم بالعقل والنطق والبيان، ومنحه حرية الإختيار والأرادة وحمله مسؤولية  أمانة أعمار الأرض والحفاظ عليها.

***  يتبع في الجزء الخامس  ***

  1. ومثلهما في سورة ص الآيتين 71 و 72 { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)} سورة ص  (back)
  2. ومن صلصال من حمأ مسنون  (back)
  3. و (73) من سورة ص   (back)

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (3 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الثالث من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

يقول سبحانه وتعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون }7-8-9 السجدة

وقد ورد في تفاسير السلف:

(وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) قال ابن كثير: ”يَعْنِي خَلَقَ أَبَا الْبَشَر آدَم مِنْ طِين،“ وقال مثله الطبري والقرطبي.

(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) قال أبن كثير: ”أَيْ يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَة تَخْرُج مِنْ بَيْن صُلْب الرَّجُل وَتَرَائِب الْمَرْأَة“. وقال الطبري: ”يَعْنِي ذُرِّيَّته مِنْ سُلَالَة , يَقُول : مِنَ الْمَاء الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ“. وقال القرطبي: ”مِنْ مَاء مَهِين “ ضَعِيف“.

(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)

قال أبن كثير:” ” ثُمَّ سَوَّاهُ“ يَعْنِي آدَم لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ يَعْنِي الْعُقُول.“

 قال الطبري: ” ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا , {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه} فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا.“

قال القرطبي: ” رَجَعَ إِلَى آدَم , أَيْ سَوَّى خَلْقه ” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه “ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذُرِّيَّته فَقَالَ : ”وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ وَقِيلَ : ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَاء الْمَهِين خَلْقًا مُعْتَدِلًا , وَرَكَّبَ فِيهِ الرُّوح وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسه تَشْرِيفًا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْله وَخَلْقه كَمَا أَضَافَ الْعَبْد إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ”عَبْدِي“ . وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ لِأَنَّ الرُّوح فِي جِنْس الرِّيح . وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي ”النِّسَاء“ وَغَيْرهَا .“

مما سبق يقول لنا المفسرون أن بدأ خلق آدم من طين، ثم جعل الله ذريته تتناسل من الماء المهين الذي أنسل منه، ثم سوى الله آدم –أي أكمل خلقه سويًا مستقيما معتدلاً ونفخ فيه من روحه وجعله سميعا مبصرا مفكراً.

ولما وجدوا أن الترتيب غير صحيحا – لأنهم أفترضوا أن بدأ الخلق كان آدم- تجاوزوا معنى ’ثم’ اللغوي وقالوا في التسوية والنفخ والجعل – الأية الثالثة- أن الله بعد أن ذكر نسل آدم وذريته عاد ليخبرنا عن آدم في أحداث تسبق أحداث ذريته المذكورة في الآية الثانية، أي أن “ثم سواه ونفخ فيه من روحه” تتبع الآية الأولي “وبدأ خلق الإنسان من طين”. كان هذا ممكنا لو كان حرف العطف ’و، أو التعقيب ’ف’، أما وقد ورد في السياق حرف التعقيب ’ثم’ فلا يصح أن يبدأ ما بعدها قبل إنتهاء ما قبلها وهذا يمنع أن يكون التسوية والنفخ قبل تناسل ذرية المخلوق الأول.

دعونا ننظر الى الآيات من مفهومنا الحديث، أن النوع الإنساني الحديث أو آدم هو آخر سلسلة الخلق التطورية، أي أنه هو الموصوف في الآية الثالثة وليس الأولى. وعليه يكون دلالة الأيات المذكورة كما يلي:   تدلنا هذه الآيات من سورة السجدة أن الإنسان قد بدأ خلقه من طين عبر سلسلة من الكائنات التي تناسلت من الكائن الأول، حتى إذا أكتملت صورته على هيئة إنسان، سواه الله ونفخ فيه من روحه، وبهذا نكون قد بلغنا المخلوق الجديد وهو البشر.

قلنا هو البشر لأن هذا هو اللفظ الذي ورد في القرآن عن أول مخلوق نفخ الله فيه من روحه، (ولم يذكر نفخًا آخر سوى الذي أدى الى خلق سيدنا عيسى عليه السلام). وهو اللفظ الذي سمي به المخلوق الذي لديه القدرة على تعلم الأسماء والبيان وتسجد له الملائكة، لقوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين}. وهذا المعنى يوافقه المعنى الذي تقول به نظرية التطور، وإن دل على شيء دل على إعجاز القرآن الذي جاء بمعاني علمية صحيحة مخالفًا ومصححًا للعلوم الشائعة في زمان التنزيل فيما يتعلق بخلق النوع الإنساني.

وفي قوله {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون}، إضافة الأفئدة هنا هو كناية عن العقل الذي يعي ويفهم دلالات الصور التي تراها العين والأصوات الذي تسمعها الأذن، لقوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ} الفؤاد هنا هو العقل. الإنسان؛ مثل كل المخلوقات الأخرى التي لديها سمع وبصر، ولكن ليس لديها القدرة على التفكير والتحليل وأن تعقل ما تراه وتسمعه، بينما البشر يستطيع التفكير والبيان والتعلم بالعقل الذي ميزه الله به عمن سواه. كما في قوله {خلق الإنسان * علمه البيان} سورة الرحمن، فلما تعلم الإنسان صار بشرا. ومثله قوله تعالى {..وعلم آدم الأسماء كلها..}(31) البقرة .

***

ولو نظرنا الى الآيات { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرٌ منه خلقتنى من نارٍ وخلقته من طين } الأعراف:11-12

أختلف المفسرون المتقدمون في دلالة هذه الآيات، ونورد هنا ما جاء في تفسير الطبري:

” القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: {ولقد خلقناكم} في ظهر آدم أيها الناس، {ثم صورناكم} في أرحام النساء خلقا مخلوقا ومثالا مثلا في صورة آدم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خلقناكم} يعني آدم، {ثم صورناكم} يعني في ظهره. وقال آخرون: معنى ذلك: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: {ولقد خلقناكم} ولقد خلقنا آدم، {ثم صورناكم} بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعني في ذلك سلفه، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63]  وما أشبه ذلك من الخطاب الموجه إلى الحي الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و”ثم “ في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به بـ ”وثم“ على قوله: ”قمت“ إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إن قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا. فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت ”ثم“ في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم:

                              سألت ربيعة من خيرها                     أبا ثم أما فقالت لمه

بمعنى: أبا وأما، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره، فإن ذلك بخلاف ما ظن ; وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف. وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل ”ثم“ في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: قام ثم عبد الله عمرو ; فأما إذا قيل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقا، فقول الله تبارك وتعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا} نظير قول القائل: قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل. .“ أنتهى.

بالرغم إن الأوائل فهموا التصوير على أنه يعود  على الذرية، إذ  جاء في تفسير ابن كثير: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أَيْ خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَا الذُّرِّيَّة وَهَذَا فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَالَ بَعْده { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ آدَم وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَر………… وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين} الْآيَة . فَإِنَّ الْمُرَاد مِنْهُ آدَم الْمَخْلُوق مِنْ السُّلَالَة وَذُرِّيَّته مَخْلُوقُونَ مِنْ نُطْفَة وَصَحَّ هَذَا لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان الْجِنْس لَا مُعَيَّنًا وَاَللَّه أَعْلَم.“.

إلا أن الطبري فقد خلص بعد تفنيد كافة الأراء الى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم.

النص صريح، المخاطب نحن أي الناس أي النوع الإنساني أي البشر (آخر حلقات التطور)، لقد خلقناكم أيها الناس (بدأتم خلية من الطين) ثم صورناكم أي طورناكم (خلقناكم في مراحل وأشكال وصور كما فصّل النص في آيات أخرى سنوردها فيما بعد) حتى بلغتم الصورة التي أنتم عليها، (ثم –كما فصّل القرآن في آيات قرآنية أخرى- فلما أستوى أصطفينا آدم ونفخنا فيه من روحنا وجعلناه خليفة وعلمناه الأسماء  وكل هؤلاء مسكوت عنهم في هذا السياق) – ثم  قلنا للملائكة إسجدوا لآدم …

وهذا المعنى المباشر الذي تدل عليه الآية توافقه نظرية التطور ويعارضه الخلق الآني المباشر من الطين.

***  يتبع في الجزء الرابع  ***

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (2 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الثاني من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

دلالات الآيات القرآنية في خلق الحياة والإنسان

بعد هذه المقدمة، فيما يلي أدعو القارئ للنظر وإعمال الفكر والتدبر في آيات خلق الحياة والإنسان، آخذا في الأعتبار أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وأن الله تعالى يسره للذكر:

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (20) سورة العنكبوت

في هذه الآية الكريمة، يأمرنا الله أن نسير في الأرض لنعرف كيف بدأ الخلق.  ترى لو كان خلق الحياة، أو خلق الإنسان، أو خلق آدم كان أيهم خلقًا آنيًا إعجازيا، فلن يفيد سيرنا في الأرض لأننا لن نجد شيئًا من أثر هذا الخلق الإعجازي، لأن الخلق الإعجازي لا يتكرر. أما لو كان الخلق وفق نظام يخضع لقوانين الطبيعة، فسوف نعرف بالملاحظة والتجربة ودراسة الحفريات وعلوم الأحياء والكيمياء والفلك والعلوم الأخرى الكثيرة التي تتكاتف لتقدم نظريات تساعدنا على فهم هذا الكون الذي نحن فيه ومنه. الأمر الألهي يدل على أن بدء الخلق معقولا يمكن معرفته بالعقل إذا أتبعنا الأسباب، وقد فعل هذا الباحثون أمثال تشارلز داروين الذي أبحر وسار في الأرض ونظر في المخلوقات ودرسها واستنبط فكرة النشوء والإرتقاء والتطور. وتبعه كثيرون درسوا الحفريات وبقايا عظام المخلوقات وأكدوا وطوروا هذه النظرية. نحن لم نطيع أمر الله ففاتنا إكتشاف هذا السبق العلمي والسبيل اليه في كتابنا الكريم.    

وفي قوله سبحانه وتعالى:   {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} سورة الأنعام 133

قوله تعالى {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} نجد هنا معنى هام، إذ نحن – أي النوع البشري – نشأنا من ذرية قوم آخرين، لاحظ هذا الطبري، إذ يقول في تفسيره: “يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} يقول: ويأت بخلق غيركم، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم . {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم” .بينما ذهب ابن كثير الى ان الله تعالى كما أذهب القرون الأولى وأتى بالتي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، ولكنه لم يتعرض لشرح دلالة لفظ من ذرية قوم آخرين.

فان كان هؤلاء الناس نشأوا من ذرية قوم سبقوهم، فالسابقون أجدادهم وقومهم، وليسوا ’قوم آخرون’، والقوم تجوز على الإنسان والملائكة والجن، واصل اللفظ من القيام. وجاء المعنى أيضًا في {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} وخلق جديد يصح أن يدل على نوع جديد، وليس خلق مثلكم.

الجنس أو النوع الإنساني الحديث (هوموسابيان) والذي نحن منه، نشأ من ذرية نوعا آخر يسبقه، في الغالب هو الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف   Homo erectus  وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، بالرغم أننا جئنا من ذريتهم، أي أنهم أجدادنا، إلا أنهم قوم آخرون، والإختلاف هنا في النوع لا في النسب. والإنشاء يستدعي بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا. وهذا يناسب تطور الأنواع من نوع الى نوع بما لهذا التطور من امتداد زمني ونمو وظهور.

وفي قوله سبحانه وتعالى:  {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا} (1) سورة الإنسان

يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه بعد خلقه حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية.

ولو أخذنا معنى لفظ الإنسان هنا على أنه آدم، أول إنسان خلق، كما فعل كل المفسرون الأوائل، فسنقع في إشكالية أن آدم خلق وتعلم وأكرم (بالأمر للملائكة بالسجود له) في وقت قصير، وأن أبناء آدم وسلالته كرموا من بعده لقوله تعالى عن من جاءوا بعد آدم من نسله: { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم.

القول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

وفي قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} آل عمران 33-34

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. 

وفي قوله تعالى:{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …….}(11)  سورة فاطر،

الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية (وحيدة الخلية) تتكاثر بالإنقسام لمثلها، ثم مخلوقات ذات خلايا متعددة مجتمعة مركبة أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

يقول القرطبي في تفسيره:”قوله تعالى : والله خلقكم من تراب ثم من نطفة قال سعيد عن قتادة قال : يعني آدم عليه السلام ، والتقدير على هذا : خلق أصلكم من تراب . ثم من نطفة قال : أي التي أخرجها من ظهور آبائكم . ثم جعلكم أزواجا قال : أي زوج بعضكم بعضا ” وذكر مثله المفسرون الآخرون. وهنا تجاوز المفسرون إشكالية أن النطفة التي يشيرون إليها تأتي من الذكر والأنثى، واللذين لم يُجعلا بعد وفق سرد الآية الكريمة، لقوله {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا}، لأن ثم تستوجب أنتهاء ما قبلها قبل حدوث ما بعدها، ولم يبينوا كيف جاءت النطفة من ظهور الآباء في الوقت الذي لم يُجعل المخلوق بعدٌ أزواجا. ولهذا فالنطفة المذكورة مخلوق حي ليس المني أو البويضة، وإنما خلية تتكاثر بالإنقسام لمثلها، تطورت بعد ذلك الى مخلوق من نوعين؛ ذكر وأنثي يتكاثران بالتزاوج. ونحن نعلم أن أول المخلوقات من التراب كان منذ أكثر من 3 بليون سنة، كائن أولي بسيط ميكروسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. حتى قبل 1,7 بليون سنة عندما ظهرت كائنات أكثر تطورًا وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام. وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن تطورت حتى ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا التي تنوعت ثم ظهر الإنسان منذ بضع مليون سنة.

والسرد المذكور في الآية يدل على الخلق من التراب ثم من خلية تتكاثر بالإتقسام ثم بالتزاوج ونحن من تطور هؤلاء أزواجا. ويسمح السرد في نفس الوقت بتفسيره كما فسره الأوائل وفق علومهم دون أن يسبب لهم إرباكاً وبلبلة.

 

في قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذَّين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون } سورة التين : 4-6

تقويم : من قوم وهى أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم .وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن انتصابه، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، حتى وصل المخلوق الى مرحلة الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف –   Homo-erectus.

وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي وقوف وانتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا كما قلنا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل من جنسه وأفسد في الأرض، وهو يفعل ذلك منذ ان خلق في أحسن تقويم وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان.

وقد يكفى هذا المعنى إلا أن من الباب قوّمت الشىء تقويماً؛ وأصل القيمة الواو؛ وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك . وقد يدل هذا على أن الانسان قام مكان غيره وهو أحسن تركيبًا ممن قام مكانهم، فهو بذلك أحسن ما بلغته هذه العملية التطورية الخلاقة التى بلغت أحسن التصميمات الفيزيولوجية وهو الانسان.

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك } سورة الانفطار:6-8 .

لاحظ قوله سبحانه وتعالى عدلك . وعدل أصلان يدل أحدهما على الاستواء والآخر على اعوجاج. الأول منه العدْل والتساوى والاستقامة ومنه: المعتدلة من النوق؛ وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء، وكل ما تناسب فقد اعتدل. ونقول فى عصرنا قف معتدلاً أى منتصباً. أما سوى فهى تدل على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، والسواء هو ما كان مستوياً، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وسواك سبقت عدلك وهى لذلك قد تكون مرحلية بمعنى أن الانسان كان متساويا مع غيره من المخلوقات ثم اعتدل فوقف منتصباً على قدميه . أو يمكن القول أن الخلق حدث أولاً، وهو تقدير ما منه سيكون الشيء المخلوق وهو الإنسان، وتبع التقدير وإيجاد ما منه وجوده التسوية، وهي تعبر عن تمام خلقه وبلوغه تكوينه وتركيبه، ثم تبع ذلك الاعتدال، وهذا يدل أنه حين استوى لم يكن معتدلا فأصبح كذلك، أو أن التسوية ذاتها كان منها الإعتدال، أي القول سويتك فاعتدلت. فالفاء هنا تعبر عن نتيجة التسوية، وفى كل هذه المعاني نجد الاشارة الى أهمية الاعتدال وتناسب واتفاق الاعضاء فى  خلق الانسان وتميزه بهذا عن بقية المخلوقات، بالطبع كل المخلوقات الأخرى متفقة الاعضاء إلا أن التصميم المتميز للانسان يعطيه قدرات تفوق ما سواه، والذي ميزه في وقوفه وفي قدرته على النطق والبيان.

***  يتبع في الجزء الثالث  ***

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***

القسط في اليتامى والزواج من مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ

القسط في اليتامى والزواج من مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ

في قوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا}(3) سورة النساء

ورد في تفسير الأمام الطبرى ذكر الأقوال المختلفة في تفسير هذه الآية وقمت بترقيم الأقوال للتسهيل والبيان:

مقتبس من تفسير الطبري:

“” القول في تأويل قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

1) فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم، يا معشر أولياء اليتامى، أن لا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنَّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرَهن من الغرائب اللواتي أحلّهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجورو – إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة- فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.

2) وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي عن نكاح ما فوق الأربع، حِذارًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم  وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا، مال على مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه أو تزوج به. فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها -فلا تعدلوا فيها، من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مُؤن نسائكم، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربعٍ- وإن خفتم أيضًا من الأربع أن لا تعدلوا في أموالهم، فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم.

في 3) وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم كانوا يتحوّبون في أموال اليتامى أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدِلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك. وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الزيادة على الواحدة، فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن من واحدة أو ما ملكت أيمانكم.

4) وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتم في اليتامى، فكذلك فتخوفوا في النساء أن تَزْنُوا بهن، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء.

5) وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا أنتم ما حل لكم منهن.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: تأويلها: ” وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساء، فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجورُوا فيه منهن، من واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم، فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن “.

وإنما قلنا إنّ ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخَلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى ذكره: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا . ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرّجوا فيه، فالواجب عليهم من اتقاء الله والتحرّج في أمر النساء، مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهن، كما عرّفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم، ما أبحت لكم منهن وحلّلته، مثنى وثُلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة، بأن لا تقدروا على إنصافها، فلا تنكحوها،  ولكن تسرَّوا من المماليك، فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهن، لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور.

ففي الكلام -إذ كان المعنى ما قلنا- متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزوجوا منهنّ إلا ما أمنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدة. وإن خفتم في الواحدة، فما ملكت أيمانكم- فترك ذكر قوله: ” فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء “، بدلالة ما ظهر من قوله تعالى: ” فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم “.””    

أنتهى الإقتباس من الإمام الطبري.

 

ونعرض هنا قول جديد -لو صح- يضاف الى الأقوال السابقة:

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا} (3) سورة النساء

 المخاطب في هذه الآية هو رجل لديه يتامى (أطفال صبيان وبنات)، وهؤلاء اليتامى ليسوا أولاده (اليتيم هو من فقد الأب، واليُتْمُ واليَتَمُ: فِقْدانُ الأَب) بل هم من تكفل هو بهم من أولاد توفى عنهم أبائهم فأصبحوا في كفالته. اليتامى بالضرورة فقدوا أباهم، وربما فقدوا أيضًا أمهم. فإن لم يفقدوا أمهم، فهم معها إن لم تكن قد تزوجت، أو إن تزوجت يكفلهم في الأغلب زوجها.

فيكون الرجل المخاطب هو الذي لديه يتامى إما 1) توفت أمهم أو تخلت عنهم، أو 2) يكون الرجل تزوج أمهم بعد وفاة والدهم وكفلهم.  3) كفل الأولاد وهم في حجر أمهم الغريبة عنه.

أما الحالة الأولى، وهي تخص يتامى دون أمهم، فإنه إن تزوج زوجة واحدة فقط فقد لا تعطف عليهم أو تحبهم، وخاصة إذا رزقت بأولاد لها فقد تكرههم ولا تعدل ولا تقسط بينهم جميعًا، ولتوفير كل العوامل التي ترجح تمتع هؤلاء اليتامى بحنان وحب زوجة أب تكون لهم بمثابة الأم، سُمح للأب بالزواج بأثنين وثلاث وأربع، فيجد اليتامى الحب عندهن أو على الأقل عند أحداهن. ونلاحظ الآية لم تذكر الواحدة لما ذكرناه، أن الواحدة قد لا تحبهم أو تقسط فيهم.

أما الحالة الثانية، وهي أن اليتامى معهم أمهم، فالسماح بالزواج من أكثر من واحدة يؤدي الى تشجيع الرجال على الزواج من اللاتي فقدن أزواجهن وفي حجرهن أطفال أيتام، فلو كان المُشرع له واحدة فقط لعزف عن الزواج بأرملة وعن كفالة أولادها اليتامى فسمح الشرع لهؤلاء الرجال بأكثر من واحدة. والحالة الثالثة أن سمح له بزواج أمهم لما في هذا من فائدة لليتامى وتيسير للعلاقة بينهما فلا تعود غريبة بما يضع موانع أمام زيارة اليتامى اللذين كفلهم.

وأشتُرط على الرجل أن يعدل بين زوجاته، فإن لم يستطع أن يعدل بينهن وأن ينفق عليهن فواحدة. أي أن القدرة على الإنفاق والعدل بين الزوجات قدم على القسط في اليتامى، لأن الرجل إن لم يعدل أو لم يستطع الإنفاق جعل حياة هذه العائلة تعيسة فلا سعدت الزوجات ولا سعد الإيتام، وقد يدفعه ضيق حاله الى النظر في مال الأيتام اللذين في كفله.

هذا السماح بالزواج من أكثر من واحدة حتى أربعة له علاقة وثيقة بمصلحة اليتامى ومصلحة أمهم، ويؤدي لتشجيع الرجال على كفالة الأيتام والزواج من الأرامل اللاتي يعولن أيتاما، وفي هذا خير وفائدة كبيرة للمجتمع. ولكن هل يدل هذا أن السماح بالزواج من أربعة مرتبط بإما يكون الرجل قد كفل يتامى أو تزوج من أرملة لديها يتامى؟ فان كان متزوجًا من واحدة وليس في حجره أو كفالته يتامى ولم يتزوج الثانية أرملة معها يتامى، هل -وفق هذا القول- لا يرخص له بمثنى وثلاث ورباع؟ الإجابة لا، يرخص له للأقوال التي وردت عن الإمام الطبري وعن غيره من المفسرين. والله تعالى أعلم.

وماذا عن الأرامل اللاتي ليس في حجرهن أيتام، أي مات عنها زوجها ولم تنجب، هؤلاء لا يعولن أطفال ويشملهن الزواج من أولى ومن ثانية إذا كان في حجره أيتام. وهؤلاء قادرات على التصرف في أمورهن ولا يعوقهن مسؤولية رعاية أطفال، وقد يرغب الرجال في الزواج بهن أكثر من رغبتهم في الزواج من أم اليتامى، فجعل الشرع لأم اليتامى ما يشجع الرجال على الإقتران بها، حفظًا لها ولأولادها وللمجتمع. والله تعالى أعلم.

المساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد في السرقة وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليسا من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله، فقد أشار القرآن الكريم فقط الى الأفعال التى ينهى عنها كحدود لا يجب تعديها. ولهذا لا تقاس المواريث (التي هي من حدود الله) على العقوبات، أو على أي شيء آخر، فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة a.

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول الناس عنها فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

  1. اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”  (back)