عدد الصلوات المفروضة خمس كما ورد في القرآن الكريم

يقول البعض أن عدد الصلوات الخمس لم يذكر في القرآن الكريم، وهذا غير صحيح، فقد جاء ذكر الصلوات الخمس في القرآن الكريم، أنظر قوله سبحانه وتعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) آية 238 سورة البقرة

الصلوات جمع، وأقل الجمع ثلاثة، والثلاثة لا يصح أن يكون في وسطها صلاة أخرى لقوله تعالى “الصلوات” وبفرض أنها تعبر عن 3  فتكون “الصلاة الوسطى” أي صلاة رابعة تتوسط الثلاث الأولى، وهذا لا يصح لأن العدد -ثلاثة- لا يُنصف، أي لا يمكن أن نضع صلاة رابعة في وسطه.

فنذهب الى العدد التالي للثلاثة وهو أربعة وهؤلاء الأربعة يقال عنهم جمعًا “صلوات”. هؤلاء الأربع صلوات يصح أن تتوسطهم صلاة أخرى خامسة (2+1+2)، فيكون هذا الترتيب يحتوي على أقل عدد صلوات يتحقق بها شرط أو تعبير “الصلوات والصلاة الوسطى” الذي ذكر في الآية الكريمة. (  ونضيف هنا أن الشرط يتحقق أيضاً في كل الأعداد الفردية أكثر من 5 مثل 7 و 9 و 11 وهكذا). 

وحيث أن الله يريد بنا اليسر لا العسر، أنظر قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ، وقوله عز وجل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقوله تعالى: (يرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا) نجد أن أيسر عدد مرات الصلوات الذي يتوافق مع الآية الكريمة هو الخمس صلوات، وعليه فتكون الصلوات المفروضة خمس ونستنبط من الآية أيضًا أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.

لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً

يجب علينا أن نتذكر دائمًا أن القرآن نزل على مسلمي العهد الأول منجمًا، أي متفرقًا على فترة من الزمن امتدت زهاء 20 سنة، (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)  (32) سورة الفرقان. ومما وصلنا من تقسيم الآيات والسور مكي ومدني، نجد أن الأوائل، ولمدة 13 سنة لم يكن لديهم سوى الجزء المكي؛  وتنزلت بعد ذلك السور المدنية تباعًا حتى أكتمل القرآن في السنين الأخيرة. أضف الى هذا أن القرآن لم يوجد ككتاب بين أيديهم طوال سنوات الوحي، ولم يتم جمعه وترتيبه في كتاب إلا في زمان الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وحتى هذا كان في نسخة واحدة أو بضع نسخ على الأكثر.

ما أريد الوصول اليه، أننا في هذا العصر، والعصور التي سبقتنا، نرى القرآن ونتعامل معه على أنه كتابًا كاملاً، نقلب صفحاته ونقرأ منه ما نشاء وننتقل من جزء الى جزء ومن سورة الى سورة كيفما نشاء. ولكن هذا غير الذي عهده الأوائل الذين أسلموا ثم حملوا لواء الدعوة للدين الجديد، وبما خالجهم من إيمان قوي من جهة؛ وأسئلة ربما تكون قد دارت في أذهانهم وهم يتحاورون أو يستمعون الى حجج الكفار الذين يشككون في رسالتهم. في البداية، كان لديهم بضع آيات يحفظونها، ثم كثرت الآيات فأصبحوا بالإضافة الى الحفظ يكتبونها على الرقاع والعسب والجلد وما تسنى لهم، ولكن هذه الرقاع نادرة قليلة وليست متوفرة للجميع للإطلاع عليها، إضافة أن الأكثرية كانت لا تقرأ ولا تكتب.

لهذا نزل القرآن منجمًا، لأنه لو نزل مرة واحدة، في أول الدعوة عندما كان المسلمون بضعة أشخاص، لثقل عليهم الحمل وما استطاعو حفظه أو كتابته أو فهمه، وما كان ليكون له التأثير على المسلمين كالذي ينزل منجمًا يتعامل مع القضايا التي تواجههم كلا في وقته. كان القرآن المنجم كتاب هدى ووعظ وتشريع وتنظيم وبرهان وتوجيه، والتوجيه الذي يأتي في وقت الحدث أوقع من مجموعة توجيهات عامة تأتي مرة واحدة فينساها الناس، أو يحتاجوا في كل موقف أن يجدوا أيهم ينطبق على هذا الموقف فيستحضرونه. القرآن المنجم الذي تتعامل آياته المنزلة مع مستجدات عصرهم وقت التنزيل هو ما أحتاجه المسلمون الأوائل الذين آمنوا وحملوا المسؤولية الكبيرة.

وهذا يفسر لنا موضوع التكرار في القرآن، الذي يحاورنا فيه المشككون. المسلمون الأوائل لم يرونه تكرارًا لأنهم لا يحملون معهم كتابًا يقرأون فيه، بل وجدوا فيه ما يثبَّت أفئدتهم، وتذكرة لهم لما قد يكون قد جاءهم من قبل إلا أن له علاقة بالموقف الجديد الذي يواجهونه اليوم، وحيث أنه ليس من السهل عليهم إستحضار القديم ونشره وشرحه للعامة a، ونحن نتحدث هنا عن عامة المسلمين مع إختلاف ثقافاتهم وأعمارهم وتباعد أماكن تواجدهم، توجب تكرار المعلومة بسرد جديد يناسب الموقف المستجد وقت التنزيل.

كان الأهم للدعوة تذكير الأوائل وتثبيت فؤادهم وهم يواجهون المشركين والمشككين في البعث الذين بالرغم من أن القرآن أجابهم من قبل إلا أنهم يعاودون بعد ذلك بالتشكيك مما يستدعى إعادة الأجابة الأولى فتتكرر، مثال ذلك تكرر قصة خلق الإنسان (آدم) أكثر من مرة بصور أمرارا متشابهة وأخر مختلفة.

والعبرة في النتائج، ولا يوجد لأي عاقل أدنى شك، أن نزول القرآن منجمًا والتكرار كيفما تتطلب الموقف، هو السبيل لتثبيت فؤاد الرسول والذين اتبعوه، ولتوفير أفضل السبل لإنجاح الدعوة وانتصارها على القوى الكثيرة التي واجهتها وهي في مهدها وصباها.


  1. إذ لم يكن هناك مكتبة تضم كل قطع الجلد الذي كتب عليها القرآن الذي سبق، ولا جهة تقوم بالدراسة والبحث في الآيات السابقة المناسبة للموضوع المستجد ثم ربطها بما إستجد والإعلام  (back)

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ

في قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض } آل عمران 33-34 

من سلسلة مقالات خلق الإنسان وخلق الحياة (3)

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن a، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون من بين الناس ومفضلون عليهم، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. ويصح أيضًا أن يكون اصطفاء آدم على العالمين بمعنى الملائكة والجن، إلا أن الآية جمعت مع آدم غيره ممن فضلوا على العالمين بمعنى الأنس والجن.  

وفي قوله تعالى:

{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك ناس غير آدم، فيتوجب تحديدها.

هذا المقال مقتبس من موضوعات الباب الثالث الفصل الثاني من كتاب الفهم المعاصر لآيات الخلق ”الفهم المعاصر لدلالات الآيات  القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون“.


  1. في معنى العالمين ورد في لسان العرب لإبن منظور: في التنزيل : {الحمد لله رب العالمين} قال ابن عباس: رب الجن والأنس، وقال قتادة: رب الخلق كلهم. قال الأزهري: الدليل على صحة ابن عباس قوله عز وجل: {تبارك الذي نزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا } وليس النبي صلعم نذيرًا للبهائم ولا للملائكة وكلهم خلق الله، وإنما بعث محمد صلعم نذيرًا للجن والإنس  (back)

هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا

من سلسلة مقالات خلق الإنسان وخلق الحياة (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

{ هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إِنّـا هديناه السبيل إمَّـا شاكرًا وإمَّـا كفُورًا}  الإنسان:1-3

في الآية الأولى من سورة الإنسان؛ { هل أتى على الإنسان حينُُ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه – أي بعد خلقه حين من الدهر a لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية، في حين أن آدم فرضًا أو وفق القصة الشائعة خلق وتعلم وأكرم في وقت قصير، في ما قد نسميه نفس المقام والمجلس. نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

قلنا أن آدم عندما خلق كان مكرمًا ومفضلا على كثير من المخلوقات الأخرى، بدليل أمر الله تعالى للملائكة وكان أبليس بينهم بالسجود لآدم، في قوله تعالى { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } وهذا التكريم وما سبق ذكره من التعليم الألهي لآدم يدل على تعظيم وإهتمام بهذا المخلوق لا يتفق مع فرض أن الآية السابقة تعود الى آدم، إلا لو كان الإنسان المقصود في هذه الآية غير آدم أبو البشر. أو لو كان النوع الإنساني بعد آدم عليه السلام قد مر عليه دهرًا لم يك فيه شيئا مذكورا. 

والقول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، لأنه لم يكن مفضلا على بقية المخلوقات الأخرى كالحيوانات، ربما كان مثلها أو أقل منها. لقد أكرم الإنسان عندما أصبح قادرا على التفكير، وهي فترة لاحقة لظهوره في أحسن تقويم، أي منتصبًا واقفًا على قدميه، مما نتج عنه تحرير ذراعيه ويديه لإستخدامهما في عمليات مختلفة، وفي قوله تعالى { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين } التين : 4-5، أي أنه بالرغم من قيامه ووقوفه، رد أسفل سافلين، ثم أصبح تدريجيًا وخلال دهرًا طويلاً من الزمان، قادرًا على التفكير عندما بدأ مخه يتطور حتى وصل الى الحجم الكافي ليستطبع التفوق على غيره من المخلوقات، وقد استغرق هذا النمو عدة ملايين من السنين على أقل تقدير، وفي قوله تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} الرحمن، ما يشير الى أن القدرة على البيان، كانت من الصفات الهامة التي ميزت الإنسان عن غيره من المخلوقات، وبهذا يكون القرآن قد أكد على الصفتين الهامتين اللتين تميز بهما الإنسان عن غيره من المخلوقات وهما أحسن تقويم بمعنى قيام ووقوف، والقدرة على البيان، أي الإيضاح بالنطق واللغة.

كنا قد قلنا يصح معنى الآية إذا مر على نوع الإنسان بعد آدم عليه السلام دهرًا لم يكن فيه شيئا مذكورا. ولكن الأمم التي جاءت بعد آدم ينطبق عليها الآيات : { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. الأمة هنا في آيتي سورتا يونس والنحل، من بني آدم وليس ممن سبقهم من نوع الإنسان، وعليه فالآية التي نحن بصددها؛ تعود على نوع الإنسان في فترة سابقة لخلق آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينُُ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم. وفي قوله تعالى (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) قد يشير الى وجود غيرهم من الناس، حيث أن من تكون للعاقل.

وفي الآية الثانية من سورة الإنسان: { إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا}

أتفق أغلب المفسرون أن الأنسان في الآية الأولى من سورة الأنسان هو آدم، أما الأنسان المذكور في الآية الثانية فهو ذرية آدم، وهذا إستدلال ولا يمكن البت بصحته، بل ولماذا يدل اللفظ مرة على آدم، ومرة ثانية وفي نفس السياق على ذريته، والذي دفعهم الى ذلك، أن آدم لم يخلق وفق اعتقادهم من نطفة أمشاج (تعبر عن مني الرجل وماء المرأة).

المشيج : كل لونين اختلطا، وقيل: هو كل شيئين مختلطين، والجمع أمشاج، وقيل المشيج هو ماء الرجل يختلط بماء المرأة. وفي التنزيل العزيز: {نطفةٍ أمشاج} قال الفراء: “الأمشاج هي الأخلاط: ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة”. ويبدو ان اضافة الدم والعلقة نتج لأن اللفظ القرآني جاء على الجمع، مما يشترط معه الثلاثة فأكثر. أما النطفة فهي القليل من الماء وقد تطلق على الكثير، وهو بالقليل أخص.وبه سمي المنيُّ نطفة لقلته.

وقد ورد لفظ النطفة تعبيرًا  أو كناتج عن المني في قوله تعالى : {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} النجم، وفي قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى  فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة، وهنا تكون النطفة هي ما ينتج عن المني أو ماء الرجل كما سماه الفراء،  ومن المعروف أنه ليس للمرأة ماء له تأثير على الجنين، إذ ليس من المرأة سوى البويضة، أما الدم فلا علاقة له بتكوين الجنين، فتكون النطفة إما البويضة أو الخلية الأولى التي تتكون عند تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، أو ما يسميه العلم الحديث، الفيتا، والأرجح أنها البويضة الملقحة أي الخلية الأولى، والعلقة هي إحد مراحل الحمل. ولهذا فالأصل اللغوي في معنى نطفةٍ أمشاجٍ، هي الماء القليل المحتوي على خليط من المواد أو المركبات الأخرى. ما هي هذه المركبات والمواد، من الممكن ان نفترض أنها عضوية، أو منى الرجل وبويضة المرأة معًا، وهما ان كانا إثنان إلا أنهما يتكونان أيضًا من خليط مركبات عضوية، وهما ما يتكون الجنين من اجتماعهما، وعليه فمعنى نطفة إمشاج يصح كما قال المفسرون، ويصح أيضًا أن يكون ابتداء خلق الحياة – ومنها الإنسان – من ماء وخليط مركبات عضوية أو كربونية أو من أي مواد أخرى، أي هو الخليط الكيميائي الذي يعتقد العلماء أنه الذي نتج منه أول خلية حية. وقد وردت نطفة في الآيتين السابقتين من سورتي النجم والقيامة بالمعنى الذي يخص الحمل وتطور الجنين في الرحم لأنها حددت بأنها نتجت عن المني، ويمكن أن يكون خلق أو جعل الزوجين الذكر والأنثى، هو جعل أو خلق في الرحم، وهذا يبين مرحلة متأخرة في سلسلة الخلق ومستمرة، فمن المني والبويضة نطفة، وهذه الخلية النطفة من صفاتها أنها تنقسم على نفسها مرات عديدة، ثم تتعلق في جدار الرحم، فتكون علقة، فجنين إما ذكر أو أنثي. وعلى هذا المعنى، يكون معنى الآية 46 من سورة النجم : من نطفة إذا تُمنى البويضة. 

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11)} فاطر، الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية أولى من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية تتكاثر بالإنقسام، ثم أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

هذا المقال مقتبس من موضوعات الباب الثالث الفصل الثاني من كتاب الفهم المعاصر لآيات الخلق ”الفهم المعاصر لدلالات الآيات  القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون“.


  1. جاء عند الطبري في تفسيره:ِ “” وَقَوْله : { حِين مِنْ الدَّهْر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر هَذَا الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَرْبَعُونَ سَنَة ; وَقَالُوا : مَكَثَتْ طِينَة آدَم مُصَوَّرَة لَا تُنْفَخ فِيهَا الرُّوح أَرْبَعِينَ عَامًا , فَذَلِكَ قَدْر الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع ; قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } لِأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ وَهُوَ جِسْم مُصَوَّر لَمْ تُنْفَخ فِيهِ الرُّوح أَرْبَعُونَ عَامًا , فَكَانَ شَيْئًا , غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا حَدّ لِلْحِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; وَقَدْ يَدْخُل هَذَا الْقَوْل مِنْ أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر , وَغَيْر مَفْهُوم فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال : أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين قَبْل أَنْ يُوجَد , وَقَبْل أَنْ يَكُون شَيْئًا , وَإِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ : أَتَى حِين قَبْل أَنْ يُخْلَق , وَلَمْ يَقُلْ أَتَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الدَّهْر فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَلَا حَدّ لَهُ يُوقَف عَلَيْهِ .””  (back)

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ

من سلسلة مقالات خلق الإنسان وخلق الحياة (1)

{ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} سورة العنكبوت

والسؤال هنا كيف نسير في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق؟  وأصل نظر عند ابن فارس هو تأمل الشيء ومعاينته، الأمر هنا له وجهان.

الوجه الأول أن نشاهد الأرض الجرداء الميتة حتى يهطل المطر عليها فينبت منها العشب والنبات الحي. في قوله تعالى {ويحيي الأرض بعد موتها} وقوله تعالى {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون…} وقوله تعالى {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ….} وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ولكن هل تكمن  الإجابة عن سؤالنا في هذه الآيات؟ ما نراه في هذه الظواهر يقع في باب كيف يحيي الله الخلق بعد موتهم، وليس كيف بدأ الخلق، فالصحراء الجرداء الميتة يكمن بين ترابها ورمالها بذور النباتات التي ما أن يتوفر لها الماء حتى تنمو نباتا جديدا، وهذا لا يدل على بدأ الحياة من العدم أو من الجماد اللامخلوق اللامسبوق، وانما يدل على استمرار للحياة المخلوقة متى توفرت لها ظروفها ومقوماتها. كان هذا التفسير يكفي السلف في التفسير المرحلي السابق وهذا ما ركنوا اليه.

والوجه الثاني هو في السير في الأرض والبحث فيها ومعاينتها لمعرفة كيف بدأ الخلق، والأمر يدل على قدرة المأمور على التوصل الى هذه المعرفة إذا اتبع المنهج الموضوع لبحثه هذا، والذي حددته الآية بالسير في الأرض والنظر. ولو فرضنا أن بدأ الخلق المقصود به آدم أو أي بدءا آخر للخلق، هو خلقًا إعجازيًا لا يتبع القوانين والثوابت الطبيعية، فلن نتمكن من الوصول إلى معرفته أبدًا، لأن المعجزة حالة واحدة لا تتكرر، ولأصبح بحثنا عن هذه المعرفة مضيعة للوقت، أما لو كان بدء الخلق معقولاً فسوف نتمكن من التوصل الى معرفة كيفية بدءه، وحيث أن الخالق يأمرنا بالبحث، فهذا بالضرورة يعلمنا بقدرتنا عليه، وهذا يدلنا أن بدء الخلق لا بد أن يكون معقولاً a

وقد يقول قائل أن الموجود دليلاً على بدء الخلق، ونقول إن كان كذلك فما الداعي للسير في الأرض. بل أن هذه الآية قد تدل الى أن ما استنبطناه مما وجدناه في الحفريات بدءًا من العظام والجماجم الى مختلف نماذج الحياة البسيطة الأولى هو الطريق السليم لمعرفة كيف بدأ الخلق، بل وربما كانت النظريات العلمية التطورية التي استنبُطت من معاينتنا لطبقات الأرض ولبقايا أنواع الحياة التي اندفنت فيها، ومن دراسة أنواع المخلوقات المعاصرة وخصائصها ومقارنة سلاسلها الإهليجية، ومن تكيف البكتيريا وتغيرها، ما هي إلا نتيجة إتباع هذا الأمر الإلهي، الذي يدعونا الى المنهج العلمي في التأمل والبحث والمعاينة.

ولو قال قائل أن الآيات تشبه بدء الخلق بالبعث، أي كيف يحي الله تعالى الأرض الهامدة، وأن بدء الخلق كان كذلك، أي اذا توفر الماء دبت الحياة في الجماد، أو تظهر الحياة من الجماد، فان هذا أيضًا يتفق مع العلم في أن الحياة ظهرت على الأرض أول مرة متى توفرت لها ظروفها وأهمها الماء والمواد العضوية والطاقة b.  ولفظ خلق يعني عند العرب تقدير أو ابتداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وهذه تتكرر،والأرجح أن الخلق فيها كان أول مرة.

هذا المقال مقتبس من موضوعات الباب الثالث الفصل الثاني من كتاب الفهم المعاصر لآيات الخلق “الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون”.


  1. ويجب أن نلاحظ هنا أن قاعدة معقولية الأمر لا تطبق كلما وجدنا أمراً إلهيًا، فبعض الأوامر تكون تحديًا للمأمور مع العلم بعدم قدرته على التنفيذ، وهذا يكون واضحًا بدلالة النص ومثال ذلك قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(13) هود. أو يكون الأمر مع قدرة المأمور على التنفيذ وعجزه عنه لقصور علمه عن معرفة حدوث الظواهر المنوط بها تنفيذ الأمر وهذا يستدعي أمراً ثانيًا عند حدوث هذه الظواهر، مثل قوله تعالى: :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }، ويكون القصد من هذا الأمر الإعلام بالخلق والإعلام بأهمية المخلوق التي عبر عنها بأمر السجود له. ويجب أن نلاحظ أن معقولية الأمر تطبق على الأوامر الصادرة الى البشر، أما معقولية الأوامر والأحداث التي تجري في عالم الغيب (الميتافيزيقي أو ما وراء الطبيعة) فهذه لا ينطبق عليها الشروط العقلانية التي تحكم عالمنا المشاهد، ولها نظامها الخاص الذي لا نستطيع أن نخوض فيه أو نعقله، وهذه حقيقة علمية يقبلها العلم الحديث ويمتنع لذلك عن الخوض فيها.  (back)

  2. وقد تدل الآية أيضًا، على أن بذرة الحياة التي قد تكون قد هبطت من الفضاء الخارجي، (كما تقول بذلك بعض النظريات العلمية)، نشأت على الأرض متى توفرت لها الظروف المواتية.  (back)

صيام رمضان في البلاد الشمالية القريبة من القطب الشمالي فوق خط عرض 60

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ البقرة: 183 – 187.

(…وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)

قال الأولون أن هذه الآية قد نسخت وحلت محلها الآية التي بعدها، إلا أنها لم تنسخ  للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، قال ابن عباس : ليست منسوخة ، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا .  وفي الهامش من تفسير ابن كثير ما يوضح هذا الأمر a

مما سبق ومما جاء في تفسير ابن كثير، سواء أعتبرنا  هذه الآية منسوخة أم لا، فقد أجمعوا أنها لم تنسخ للشيخ الكبير الهرم والمرأة الكبيرة   ويضيف ابن عاشور في تفسيره: (والمطيق هو الذي أطاق الفعل أي كان في طوقه أن يفعله ، والطاقة أقرب درجات القدرة إلى مرتبة العجز ، ولذلك يقولون فيما فوق الطاقة : هذا ما لا يطاق ، وفسرها الفراء بالجَهد بفتح الجيم وهو المشقة ، وفي بعض روايات «صحيح البخاري» عن ابن عباس قرأ : ( وعلى الذين يُطَوَّقونه فلا يطيقونه ) . وهي تفسير فيما أحسب ، وقد صدر منه نظائر من هذه القراءة ، وقيل الطاقة القدرة مطلقاً . فعلى تفسير الإطاقة بالجَهد فالآية مراد منها الرخصة على من تشتد به مشقة الصوم في الإفطار والفِدْية) .

ثم أضاف ابن عاشور في تفسيره: (ونلحق بالهرم والمرضع والحامل كلَّ من تلحقه مشقة أو توقُّع ضر مثلهم وذلك يختلف باختلاف الأمزجة واختلاف أزمان الصوم من اعتدال أو شدة برد أو حَر ، وباختلاف أعمال الصائم التي يعملها لاكتسابه من الصنائع كالصائغ والحدَّاد والحمامي وخدمة الأرض وسير البريد وحَمْل الأمتعة وتعبيد الطرقات والظِّئْرِ b .)

ونحن هنا لسنا في مجال مناقشة هل نسخت أم لا، وإنما يهمنا إجماع الفقهاء في ثبوت الآية وحكمها لكل من تلحقه مشقة بالغة في الصيام. وفي قوله تعالى لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، ما يؤكد هذا.

ولو نظرنا الى المسلمين الذين يقيمون في بلاد شمالية وجنوبية تقترب من القطبين الشمالي والجنوبي، فسنجد أن ساعات ضوء النهار في الصيف تتجاوز العشرين ساعة وتزيد كلما أقتربنا من القطب، حتى تصل عند خط عرض 67 وما فوقه الى أن النهار يمتد ليبلغ أربعة وعشرون ساعة لمدة تتجاوز الشهر وتزيد كلما أرتفعنا مقتربين من القطب الشمالي c

ولو نظرنا الى خطوط العرض التي يزيد فيها ساعات ضوء النهار Daylight Hours  في بعض أشهر الصيف عن عشرين ساعة، نجد أنها تنطبق على كل المدن التي تقع فوق خط عرض 60 وكلما أرتفعنا يزيد عدد ساعات النهار.

وساعات النهار (الضوء) غالبًا تكون من الصبح (الشروق) حتى الغروب، في حين أن الصيام يكون من الفجر حتى المغرب وهذا يزيد ما بين نصف الى ساعة تضاف على الساعات التي ذكرناها.

ولا شك أن صيام هذا العدد من الساعات الطويلة، يُعرض بعض الناس لمشقة وجهد بالغين، ولهذا وبالإضافة الى الفتاوي الأخرى التى صدرت بهذا الخصوص من إتباع مواقيت أقرب بلد إسلامي، أو إتباع مواقيت مكة، أو أية فتاوي أصدرها مفتيون مرخص لهم بالإفتاء، فربما من الحكمة التفكير في إلحاق بعض هؤلاء ممن يصعب عليهم الصوم بالذين أستثناهم من النسخ الفقهاء الذين قالوا بالنسخ، والذين قالوا لم تنسخ فقد يكون والله أعلم هذا محل تطبيق الآية، وندعو الفقهاء الى تحري ومراجعة هذا الإجتهاد ولو صح أن يقوموا بإصدار الفتوى اللازمة ليستطيع سكان هذه المناطق الذين يصعب ويشق عليهم الصوم لهذه الساعات الطويلة جدًا أن يفطروا ويُطعموا مسكينًا؛ وهذا فقط عندما يكون رمضان في فصل الصيف وفي الأشهر التي يطول فيها النهار كما بيّنا، فإن أفطروا وأطعموا مسكين فلا يكون إن شاء الله عليهم أثم، وأن قدروا على الصيام وصاموا كان خيرًا لهم. أما بقية السنة فيصومون النهار وان قصر في الشتاء طالما تميز وتعين الفجر وتعين المغرب.

وما ورد عن سكان المناطق القريبة من القطب الشمالي، ينطبق على سكان المناطق القريبة من القطب الجنوبي في فصل الصيف الجنوبي.

fasting-hours-3

تم تصغير الخريطة من الجانبين لتيسير القراءة. (الخريطة من إعداد: مركز الفلك الدولي).


  1. يقول أبن كثير في تفسيره: وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : كان عاشوراء يصام ، فلما نزل فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر . وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود ، مثله .وقوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كما قال معاذ : كان في ابتداء الأمر : من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا . وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال : لما نزلت : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كان من أراد أن يفطر يفتدي ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها .

     وروي أيضا من حديث عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : هي منسوخة . وقال السدي ، عن مرة ، عن عبد الله ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) قال : يقول : ( وعلى الذين يطيقونه ) أي : يتجشمونه ، قال عبد الله : فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ( فمن تطوع ) قال : يقول : أطعم مسكينا آخر ( فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ) فكانوا كذلك حتى نسختها : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وقال البخاري أيضا : حدثنا إسحاق ، أخبرنا روح ، حدثنا زكريا بن إسحاق ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ : ” وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ” . قال ابن عباس : ليست منسوخة ، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، نحوه . وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الرحيم ، عن أشعث بن سوار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ قال ] نزلت هذه الآية : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف ، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينا . وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد ، حدثنا الحسين بن محمد بن بهرام المحرمي ، حدثنا وهب بن بقية ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن ابن أبي ليلى ، قال : دخلت على عطاء في رمضان ، وهو يأكل ، فقال : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا  ، ثم نزلت هذه الآية فنسخت الأولى ، إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر . فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه ، بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وأما الشيخ الفاني [ الهرم ] الذي لا يستطيع الصيام فله أن يفطر ولا قضاء عليه ، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء ، ولكن هل يجب عليه [ إذا أفطر ] أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة ؟ فيه قولان للعلماء ، أحدهما : لا يجب عليه إطعام ; لأنه ضعيف عنه لسنه ، فلم يجب عليه  فدية كالصبي ; لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وهو أحد قولي الشافعي . والثاني وهو الصحيح ، وعليه أكثر العلماء : أنه يجب عليه فدية عن كل يوم ، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ : ( وعلى الذين يطيقونه ) أي : يتجشمونه ، كما قاله ابن مسعود وغيره ، وهو اختيار البخاري فإنه قال : وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام ، فقد أطعم أنس بعد أن كبر عاما أو عامين كل يوم مسكينا خبزا ولحما ، وأفطر .

     وهذا الذي علقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده ، فقال : حدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا عمران ، عن أيوب بن أبي تميمة قال : ضعف أنس [ بن مالك ] عن الصوم ، فصنع جفنة من ثريد ، فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم .

     ورواه عبد بن حميد ، عن روح بن عبادة ، عن عمران وهو ابن حدير عن أيوب ، به . ورواه عبد أيضا ، من حديث ستة من أصحاب أنس ، عن أنس بمعناه . ومما يلتحق بهذا المعنى : الحامل والمرضع ، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ، ففيهما خلاف كثير بين العلماء ، فمنهم من قال : يفطران ويفديان ويقضيان . وقيل : يفديان فقط ، ولا قضاء . وقيل : يجب القضاء بلا فدية . وقيل : يفطران ، ولا فدية ولا قضاء . وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه . ولله الحمد والمنة) أنتهى تفسير ابن كثير .  (back)

  2.   العاطفةُ على غير ولدها المرْضِعةُ له  (back)
  3. ينتظر المسلمون في السويد فتوى تيسر لهم مواجهة ما يسمى الانقلاب الشمسي الذي يبدأ بعد رمضان بأيام قليلة ولا تغرب الشمس فيها لمدة 24 ساعة وفقا لموقع الإذاعة السويدية.

    ووقال محمد كركي، الناطق باسم جميعة مسلمي السويد لا تغيب الشمس في مناطق الدائرة القطبية إلا لبضع ساعات فقط.

    يواجه المسلمون القاطنون في المناطق الواقعة شمال السويد ايام صوم طويلة جدا ً في منطقة تعتبر الاطول نهارا والاقصر ليلاً خلال فصل الصيف، بل تكاد الشمس لا تغيب سوى دقائق معدودة في ما يسمى بشمس منتصف الليل. مع بداية كل رمضان يبدأ المسلمون في هذه المناطق بالنقاش في موضوع عدد ساعات الصيام، ولكنهم يصومون كل تلك الساعات الطويلة ويعتادون عليها بمرور ايام الشهر.  

    نقلاً عن    arabic.arabianbusiness.com   (back)

موت مجرة – فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [15] الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [16] سورة التكوير

تتكون المجرة من تجمع عدد هائل من النجوم ( قد يصل الى مائة بليون نجم – الشمس نجم متوسط) وتوابعها ومن الغبار والغازات المنتشرة بين النجوم (السدم المجرية)، والتي تولد منها النجوم الجديدة.

تتجمع المجرات لتكون تجمعات وعناقيد، والعناقيد أكبر بكثير من التجمعات، حيث قد يبلغ عدد المجرات فيها الى بضعة آلاف مجرة، ونظرًا للتسارع الكبير للمجرات وحتى تبقى متزنة ومرتبطة في هذا التشكيل العنقودي الهائل، كان لا بد من وجود كتلة إضافية لها جاذبية مؤثرة، وهي كميات ضخمة من الغاز تقبع في الوسط الكائن بين المجرات ويسمى الوسط المجري a ، ورغم أنه لا يمكن رؤية هذه السحب الضخمة ولذا تسمى مادة مظلمة، إلا أنه يمكن الكشف عن وجودها بدراسة الأشعة السينية التي تصدرها، والتي تدل أن هذه الغيوم الضخمة (ما بين المجرات) تصل درجات الحرارة فيها الى ملايين الدرجات المئوية. 

وقد تمر أحدى المجرات داخل أو من خلال هذه الغيوم الضخمة، فتشعر المجرة بهذه الغيوم كأنها رياح، وعندما تكون هذه الرياح قوية، فإنها تزيل وتسحب السحب الغازية الخاصة بهذه المجرة Ram Pressure Stripping .

ونقتبس من موضوع نشر في الجزيرة بتاريخ 18/1/2017 ما يلي:

“يقول العلماء في دراستهم إن المجرات عبارة تشكيلات واسعة من النجوم والغازات المرتبطة معا بالجاذبية وتمر داخل هالات من المادة المظلمة، ودون غاز كاف لدعم تشكل نجوم جديدة فإن المجرات تصبح باردة وتموت.

ويوضح العالم المرشح لدرجة الدكتوراة الذي قاد الدراسة توبي براون أنه “يمكن للمجرات خلال حياتها أن تسكن هالات مختلفة الأحجام، تتراوح بين أحجام مماثلة لهالة مجرتنا درب التبانة إلى هالات أضخم بآلاف المرات”.

ويضيف أنه عندما تمر المجرات من خلال هذه الهالات الأكبر فإنها تتعرض لضغط شديد نتيجة البلازما فائقة السخونة التي تتخللها والتي تتسبب بإزالة غازات تلك المجرات في عملية متسارعة تدعى “تجريد ضغط الدفع”.

ويصف براون هذه العملية بأنها أشبه “بمكنسة كونية عملاقة تمر عبر المجرات وتقوم فعليا بكنسها من الغاز”، مضيفا أنه “إذا أزلت الوقود اللازم لتشكل النجوم فإنك تقتل المجرة بشكل فعال وتحولها إلى كائن ميت”.” إنتهى

أي أن عملية الكنس هذه من الأهمية الكونية، لأنها تؤدي الى جعل المجرة عاقر في طريقها الى التحول الى كائن ميت.

والآن لننظر في قوله تعالى في سورة التكوير:

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [15] الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [16] وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [17] وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [18]

خنس (مقاييس اللغة): الخاء والنون والسين أصلٌ واحد يدلُّ على استخفاءٍ وتستُّر.  

قلنا أن الغيوم الضخمة ما بين المجرات تتكون من المادة المظلمة ولا يمكن رؤيتها وأنما تعرف بأثرها الجاذب وبالأشعة السينية التي تصدرها. أي أنها في حالة إستخفاء وتستر، وأطلق عليها القرآن لفظ الخُنّس.

كنس (مقاييس اللغة): الكاف والنون والسين أصلانِ صحيحان، أحدهما يدلُّ على سَفْر شيءٍ عن وجهِ شيء، وهو كَشْفُه. والأصل الآخر يدلُّ على استخفاء. فالأوَّل: كَنْس البيتِ، وهو سَفْرُ التُّرَابِ عن وجه أرضه.

(الجوارِ الكُنّس)   ماذا تفعل هذه الخنس (السحابة الهائلة)، فإنها عندما تجاور المجرة، تجري المجرة خلالها، أو كأنها هي تجرى على أو في المجرة مجرى الريح، فتكنس غاز المجرة  حتى تفقد المجرة غازها، ومتى فقدت المجرة كل غازها، وتصبح المجرة سلبية (منحازة نحو الطيف الأحمر)، لا تتشكل فيها نجوم جديدة ، (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) وتدريجيًا يقترب الظلام حين تنطفأ النجوم وتموت واحدة تلو الأخرى، ولا يولد غيرها لعدم توفر الغاز السديمي.

صبح (مقاييس اللغة) هو لونٌ من الألوان قالوا أصله الحُمْرة.

نفس (مقاييس اللغة) النون والفاء والسين أصلٌ واحد يدلُّ على خُروج النَّسيم كيف كان، من ريح أو غيرها، وإليه يرجعُ فروعه. منه التَّنَفُّس: خُروج النَّسِيم من الجوف.

(وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)   المجرات الزرقاء هي مجرات تولد فيها النجوم بشكل مستمر، بينما المجرات الحمراء سلبية لا تولد فيها نجوم جديدة لأنها فقدت الغاز السديمي لديها،  وقد قدم العلماء (بينج وزملاؤه) أدلة على أن تَشَكُّل النجوم في معظم المجرات السلبية انتهى من خلال عملية خنق بطيء للمجرات. وتقول لنا الآية أن المجرة التي تفقد نجومها ببطء ولا تستطيع تكوين نجوم جديدة، هي مجرة سلبية (تنزح نحو الطيف الأحمر) يخرج من جوفها النسيم أو الروح أي أنها في طريقها الى الموت.

وقد يكتب لها الحياة إذا اتحدت مع مجرة أخرى لديها مخزون كافي من الغبار والغاز السديمي.

 image_4546e-ram-pressure-stripping

رسم توضيحي يبين مجرة تمر خلال هالة تتسبب بفقدان المجرة غازها

An artist’s impression showing the increasing effect of ram-pressure stripping in removing gas from the spiral galaxy NGC 4921 and its satellite galaxies. Image credit: ICRAR / NASA / ESA / Hubble Heritage Team / STScI / AURA    


  1. Intracluster medium   (back)

وَانشَقَّ الْقَمَرُ

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) سورة القمر

قد لا تدل هذه الآية أن القمر أنشق في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما قد تدل على أن القمر سوف ينشق في زمان مستقبلي. وهذا ليس إنشقاقا بمعنى أن يصبح نصفين أو أكثر، وأنما ينشق عن الأرض أي يبتعد عنها ويتحرر من جاذبيتها. وهذا ما فعلا نتوقع حدوثه، فقد أكتشف العلماء مؤخرًا أن القمر يبتعد عن الأرض بمعدل 3,78 سم كل سنة، وأنه سوف يأتي وقت في المستقبل قد يتحرر فيه القمر من جاذبية الأرض وينطلق مبتعًدًا عنها. أي أنه سوف ينشق عن الأرض في المستقبل أي ينفصل عنها. وقد ينشق أيضًا إذا تغيرت القوى المؤثرة عليه كإرتطام نيزك كبير به فيخرجه عن مداره أو يبعده قليلاً.

من معاني لفظ ينشق أن ينفصل ويبتعد، مثل قولنا أنشق الرجل عن قبيلته أو جماعته، أو إنشق عن الحزب بمعنى تركهم وابتعد عنهم . ومثلهما “كانا لاَ يَفْتَرِقانِ فانْشَقَّ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ” : اِنْفَصَلَ عَنْهُ، وَابْتَعَدَ، وقولنا “اِنْشَقَّ عَنْ جَماعَةٍ وَانْضَمَّ إلى جَماعَةٍ أُخْرَى” وهذا ما سوف يحدث للقمر حيث أنه سوف ينشق عن الأرض في زمان مستقبلي.

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ

بسم الله الرحمن الرحيم

 مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) سورة الرحمن

۞ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) سورة الفرقان

أستوقفتني هذه الآيات كثيرًا، وغيرها مما تشابه معها من الآيات التي ذكرت البحرين، وبالرغم من إحساسي انهم من الآيات الكونية العلمية، وقد كتب فيهم كثير من كتاب الإعجاز العلمي، إلا إنني لم أدرجهم في كتاب الخلق قبل الآن، لأنني لم أجد فيما فسر به هؤلاء الكُتاب الإعجاز الذي أتوقعه، حتى شاهدت برنامجًا تليفزيونيًا علميًا يقدمه الدكتور البريطاني براين كوكس، ودهشت حين تطرق الى موضوع الفتحات الحرارية في قاع البحار والمحيطات، وكيف أن إلتقاء الماء القلوي النابع من هذه الفتحات مع ماء البحر المالح ينتج عنه تدرج بروتيني تتولد عن تدفقه طاقة كيميائية أدت إلى تكون الخلية الأولى التي هي أصل الحياة على كوكب الأرض. أعدت هذا الجزء من البرنامج عدة مرات لأستوعب هذه النظرية الحديثة جدًا، تتردد في عقلي هذه الآيات التي أشارت منذ زمان قديم الى العلاقة بين المخلوقات البحرية وهذه الظاهرة، في قوله سبحانه وتعالى:   

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) سورة الرحمن)

مرج تدل على مجيء وذهاب وإضطراب. والبرزخ هو ما بين كل شيئين.

merj-al-bahran-1

الماء الذي يخرج من الفتحات له تركيز منخفض من البروتونات بينما ماء المحيط الأكثر حموضة يوجد فيه بروتونات أكثر من الذي في ماء الفتحات، وبهذا يتوفر التدرج البروتيني. وحتى يصبح التدرج البروتيني مفيدًا، يشترط وجود فاصل بين السائلين الحمضي والقلوي، ليستمر التدفق البروتوني عبره، يقول نيك لين  Nick Lane  وهو عالم كيمياء أرضية في جامعة لندن وكاتب  Life Ascending الذي يتحدث عن أصل تطور الحياة: ”كل ما تفعله الحياة هو إنتاج البروتونات ومن ثم استخدام تدفقها لتوليد طاقة كيميائية”. وقد أثبت ذلك فيما يخص تشكل الميكروكوندريا، وهي المولدات الجزيئية التي تشغل خلايانا، كما في جميع الميكروبات الحية.

يتصرف هذا النظام كسد كهرمائي، وفق شرح لين. مضخة أحيائية، على شكل بروتين، يحرك الأمور بما يؤدي إلى نقص البروتونات في أحد طرفي الدارة. ثم يسمح للبروتونات بالتدفق عائدة إلى الطرف الآخر عبر بروتين آخر يلعب دور التوربين. يولد هذا التوربين مركب الـ ATP، أو الأدينوسين تريفوسفات Adenosine Triphosphate، وهو الجزيء الذي يحمل الطاقة الكيميائية التي تشغل الخلايا وتتحكم بنشاطها.

merj-al-bahran-2

الرسم أعلاه مقتبس من موقع “هنداوي”  

http://www.hindawi.org/safahat/24179183/

لاحظ أهمية الغشاء الخلوي المنفذ للسوائل وكيف يصبح بعد ذلك غير منفذ للسوائل.

وقرأت في مكان آخر أن السوائل المندفعة من باطن الأرض ينتج عنها عمود قد يصل أرتفاعه عشرات الأمتار يشبه المدخنة وأن الفرق البروتوني بين داخل حائط المدخنة وخارجه هو المكان الذي تكون عنده الخلية وهو ما يكون حاجز المضخة البروتونية.

المهم مما سبق، أهمية الفاصل بين السائلين وأهمية الحاجز أو الغشاء أو السد أو الحائط وكلهم برزخا بين السائلين كما ورد في الآية الكريمة. أي أن فرق القلوية بين البحرين يوفر التدرج البروتيني وأن الغشاء الخلوي أو الحاجز يوفر عمل المضخة الأحيائية، لتتوفر الطاقة الكيميائية التي تولد الخلية الحية ومنها يخرج تنوع الأحياء المتواجدة حول هذه الفتحات المائية الحارة.  

أخبرنا الله تعالى أن هذا المرج بين البحرين يخرج منه اللؤلؤ والمرجان، واللؤلؤ يخرج من المحار وهو والمرجان من المواد العضوية أي من الأحياء وهما من أنواع الحياة المتقدمة في سلسلة تطور الأحياء، وكلاهما يتواجدان مع غيرهما من الأحياء والبكتيريا حول هذه الفتحات الحرارية في قاع المحيطات. 

العلماء يفضلون هذه النظرية لتفسير كيفية بدء تكون الخلية الأولى عن النظريات التي كانوا يقولون بها في الستين سنة الماضية؛ وإحداهم أن الخلية الأولى تكونت في مستنقع دافئ على سطح الأرض، والأخرى أن الخلية الأولى تكونت في الفضاء الخارجي ووصلت الى كوكبنا مع المذنبات أو الشهب. ولكنهم لم يبتوا بعد إيهم الأصح أو أن الحقيقة تكمن في تفسير آخر لا نعرفه بعد. وحتى يتم التحقق من صحة نظرية الفتحات المائية في قاع المحيطات، ومع كونها تظل أفضل النظريات العلمية المقبولة في هذا العصر، لهذا فالفهم الذي أوردناه للآيات الكريمة عن أنها تشير الى بدء خلق الحياة على كوكبنا، سنعتبره فهما مرحليا يناسب علمنا المعاصر، ولكنه ليس بالضرورة التأويل المطلق.

وبغض النظر عن كون هذه الظاهرة مكان نشوء أول خليه، فإنها -إن تبين أنها ليست كذلك- فهي ظاهرة علمية هامة في حد ذاتها، إذ أنها وفرت الطاقة في الأعماق ذات الضغط الهائل والحرارة المرتفعة والتي لم يكن يظن أحدًا من العلماء أنه من الممكن أن توجد أو تصمد فيها أي من أنواع الحياة التي نعرفها، إلا أننا إكتشفنا أنها تزخر بتنوع كبير من البكتيريا والمخلوقات العضوية ومنها المحار والمرجان. وهذا ما تشير إليه الآيات الكريمة.

الآتي مقتبس من مقالات على الشبكة العنكبوتية:

اذا كيف وجدت الحياة طريقها عبر هذه الفتحات في قعر المحيط؟ أحد السيناريوهات المحتملة هو التفاعلات بين بعض المركبات الكيميائية البسيطة في إحدى تلك الفتحات – كثاني أوكسيد الكربون والهيدروجين – شكلت جزيئات عضوية، والتي أصبحت معقدة مع الوقت. كانت الفتحات لتتصرف كمفاعل مائي حراري طبيعي بشكل رئيسي. مثلاً، التفاعلات بين ثاني أوكسيد الكربون والهيدروجين مع المعادن الموجودة في الفتحات، يمكنها أن تشكل جزيئاً معروفاً باسم بيروفيت Pyruvate. يعد البيروفيت مركباً أساسيا في الكثيرمن الأحماض الأمينية والتي ترتبط مع بعضها البعض لتشكل البروتينات يمكن لثاني أوكسيد الكربون والهيدروجين أن تشكل الفورم ألدهيد، الذي يتفاعل مع نفسه ليشكل الريبوز، وهو نوع من السكريات التي تشكل الـ RNA. كما وجد سيانيد الهيدروجين في الفتحات أيضاً، والذي يملك القدرة على التفاعل مع نفسه أيضاً ليشكل بنى حلقية تعرف باسم الأساسات Bases، وهي مكون آخر من مكونات الـ RNA. الريبوز وهو أساس، ومجموعة فوسفات ( وموجودة أيضاً في الفتحات) يرتبط مع بعضه لتشكيل جزيء يسمى نيوكلوتيد Nucleotide. وإذا ما ارتبطت عدة نيكليوتيدات مع بعضها نحصل على سلسلة RNA.

أخيراً يبدأ الـ RNA باستنساخ نفسه، وهي عملية يتحكم بها الانتقاء الطبيعي. وفي مرحلة من المراحل، قبل أربع بلايين عام، تمكنت الحياة النموذجية التي قطنت هذه الفتحات من تركيب الحمض النووي DNA، عن طريق بعض التعديل الطفيف على الـ RNA. ( إزالة ذرة أوكسجين يحول الريبوز إلى ديوكسيد الريبوز Deoxyribose، وبإضافة مجموعة ميثيل يحول الأساس الذي يفرق بين الـDNA والـRNA). من هناك، ستحتاج الحياة إلى تركيب وتجميع مجموعات كيميائية خاصة بها يمكن أن تستخدم لإنتاج الطاقة وتوليد تدرج الأيونات الخاص بها الذي يستطيع إنتاج الطاقة من الـ ATP.

وفي تلك النقطة يمكننا أن نقول أن الخلية الأولى تشكلت.

This has lead biochemist Nick Lane of University College, London, UK to propose that LUCA a did not have a semi-permeable membrane; in fact it must have had a leaky one.

merj-al-bahran-3

For this to work, Lane argues that living cells must have evolved the proton pump/ATP solution around alkaline hydrothermal vents on the sea floor. This had earlier been proposed to explain why living cells use the proton pump and ATP in the first place. As well as being rich in catalysts like iron and sulphides capable of catalysing the formation of large organic molecules like lipids, proteins and, critically, RNA, there would have been natural proton gradients between the acid sea water and the alkaline water flowing up from the vents and out through the porous ‘chimneys’ which formed as the minerals precipitated out when the hot solution met the cold sea water.

Lane, and his colleagues Andrew Pomiankowski and Victor Sojo have worked out a scenario and modelled it to show that a leaky membrane in just such an environment could be capable of producing enough energy continuously by exploiting the proton gradient across the cell even IF the cell membrane was leaky. This would mean there was plenty of time for these cells to gradually evolve proton pumps and then impermeable membranes, once in archaea and again in bacteria.

  1. The last universal common ancestor (LUCA), also called the last universal ancestor (LUA), cenancestor, or progenote, is the most recent organism from which all organisms now living on Earth have a common descent.  (back)

مقدمة المدونة

بسم الله الرحمن الرحيم،

سوف أبدأ بعد بضعة أشهر كتابة موضوعات جديدة في هذه المدوَّنة إن شاء الله، وأرجو منكم المعذرة حتى يتسنى لي بعض الوقت والتفرغ، آملاً مشاركتكم معي في هذا العمل من أجل خدمة ديننا وأمتنا، وفقنا الله جميعًا الى ما فيه الخير والصلاح.      وسيم محمد