موت مجرة – فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [15] الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [16] سورة التكوير

تتكون المجرة من تجمع عدد هائل من النجوم ( قد يصل الى مائة بليون نجم – الشمس نجم متوسط الحجم) وتوابعها ومن الغبار والغازات التي تكون السحب المنتشرة بين النجوم (السدم المجرية)، والتي تولد منها النجوم الجديدة. ويوجد في الكون المرئي ما يقارب مائة بليون مجرة.   

تتجمع المجرات لتكون تجمعات ثم تكون التجمعات عناقيد، والعناقيد أكبر بكثير من التجمعات، حيث قد يبلغ عدد المجرات فيها الى بضعة آلاف مجرة، ونظرًا للتسارع الكبير للمجرات وحتى تبقى متزنة ومرتبطة في هذا التشكيل العنقودي الهائل، كان لا بد من وجود كتلة إضافية لها جاذبية كبيرة مؤثرة، وهي كميات ضخمة من الغاز تقبع في الوسط الكائن بين المجرات ويسمى الوسط المجري a ، ورغم أنه لا يمكن رؤية هذه السحب الضخمة ولذا تسمى مادة مظلمة، إلا أنه يمكن الكشف عن وجودها بدراسة الأشعة السينية التي تصدرها، والتي تدل أن هذه الغيوم الضخمة (ما بين المجرات) تصل درجات الحرارة فيها الى ملايين الدرجات المئوية. 

وقد تمر أحدى المجرات داخل أو من خلال هذه الغيوم الضخمة، فتشعر المجرة بهذه الغيوم كأنها رياح، وعندما تكون هذه الرياح قوية، فإنها تزيل وتسحب السحب الغازية الخاصة بهذه المجرة Ram Pressure Stripping .

ونقتبس من موضوع نشر في الجزيرة بتاريخ 18/1/2017 ما يلي:

“يقول العلماء في دراستهم إن المجرات عبارة تشكيلات واسعة من النجوم والغازات المرتبطة معا بالجاذبية وتمر داخل هالات من المادة المظلمة، ودون غاز كاف لدعم تَشّكُل نجوم جديدة فإن المجرات تصبح باردة وتموت.

ويوضح العالم المرشح لدرجة الدكتوراة الذي قاد الدراسة توبي براون أنه “يمكن للمجرات خلال حياتها أن تسكن هالات مختلفة الأحجام، تتراوح بين أحجام مماثلة لهالة مجرتنا درب التبانة إلى هالات أضخم بآلاف المرات”.

ويضيف أنه عندما تمر المجرات من خلال هذه الهالات الأكبر فإنها تتعرض لضغط شديد نتيجة البلازما فائقة السخونة التي تتخللها والتي تتسبب بإزالة غازات تلك المجرات في عملية متسارعة تدعى “تجريد ضغط الدفع”.

ويصف براون هذه العملية بأنها أشبه “بمكنسة كونية عملاقة تمر عبر المجرات وتقوم فعليا بكنسها من الغاز”، مضيفا أنه “إذا أزلت الوقود اللازم لتشكل النجوم فإنك تقتل المجرة بشكل فعال وتحولها إلى كائن ميت”.” إنتهى

وللمزيد يمكن الإطلاع أيضًا باللغة الإنجليزية في موقع  The International Centre for Radio Astronomy Research ICRAR   على الرابط        /https://www.icrar.org/galaxy-murder-mystery

أي أن عملية الكنس هذه لها أهمية كونية، لأنها تؤدي الى جعل المجرة عاقر في طريقها الى التحول الى كائن ميت.

في قوله تعالى في سورة التكوير:

{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [15] الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [16] وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [17] وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [18] إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [19]} 

خنس (مقاييس اللغة): الخاء والنون والسين أصلٌ واحد يدلُّ على استخفاءٍ وتستُّر.

والتستر من الستر تدل على الغطاء بمعنى عدم رؤية الشيء الذي سُتر.

قلنا أن الغيوم الضخمة ما بين المجرات تتكون من المادة المظلمة Dark Matter ولا يمكن رؤيتها وأنما تعرف بأثرها الجاذب وبالأشعة السينية التي تصدرها. أي أنها في حالة إستخفاء وتستر، فأطلق عليها القرآن لفظ “الخُنّس”.

الجوارِ : إما من الجوار والجار والجيرة، أي أن هذه السحب الضخمة تجاور المجرة، أو من الجريان كحركة السحاب وحركة السفن في البحر لقوله تعالى { وله الجَواري المُنْشَآتُ في البحر كالأَعْلامِ}، وعليه فهنا لفظ جواري يكون أسم حركة السحب الضخمة (الهالة كما سماها العالم توبي براون) بالنسبة للمجرة التي جاورتها وجرت خلالها.   

كنس (مقاييس اللغة): الكاف والنون والسين أصلانِ صحيحان، أحدهما يدلُّ على سَفْر شيءٍ عن وجهِ شيء، وهو كَشْفُه. والأصل الآخر يدلُّ على استخفاء. فالأوَّل: كَنْس البيتِ، وهو سَفْرُ التُّرَابِ عن وجه أرضه.

(الجوارِ الكُنّس)   الخنس (السحابة الهائلة)، عندما تجاور المجرة، تجري المجرة خلالها، أو كأنها هي تجرى على أو في المجرة مجرى الريح على الأرض، فتكنس غاز المجرة  حتى تخرج المجرة منها وقد فقدت غازها السديمي.

عسعس (الصّحّاح في اللغة): عَسْعَسَ الذئب، أي طاف بالليل. ويقال أيضاً: عَسْعَسَ الليلُ، إذا أقبل ظلامه.

الليل: الليل هو الظلمة ويتبين هذا المعنى في الذي نجده في القرآن الكريم فيما يلي:

{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا  (4)} سورة الشمس

تفسير الطبري: وقوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ) يقول تعالى ذكره: والليل إذا يغشي الشمس، حتى تغيب فَتُظْلِمُ الآفَاقُ.

وفي قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } (1) سورة الليل

تفسير الطبري: القول في تأويل قوله تعالى جل جلاله وتقدست أسماؤه: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)
يقول تعالى ذكره مقسما بالليل إذا غشَّى النهار بظلمته، فأذهب ضوءه، وجاءت ظُلمته.

في الآيتين السابقتين من صفات الليل أنه ظلمة تغشى ما تغشى فتظلم الآفاق. وهذا ما يحدث إذا غشت سحابة المادة المظلمة المجرة فأنها تتركها الى مصير مظلم عندما تنطفئ نجومها وتموت.

وهنا في سورة التكوير لفظ الليل يعبر عن الظلمة التي هي من صفات الهالة الهائلة التي لا تُرى ولهذا سميت المادة المظلمة، ولأنها تغشى المجرة فتطفئ نورها وتظلم ِشموسها (نجومها) مثلما يغشى الليل الشمس فتظلم الأفاق (والليل إذا يغشاها). ويجب التنويه هنا أن الغيمة المظلمة سميت كذلك لأنها لا تُرى (ليس لظلمتها أو لسوادها وإنما لإختفاءها) وهي لا تحجب ما خلفها، بل يمكن الرؤية خلالها دون أي تأثير لها على الضوء الآتي من المجرات والنجوم التي خلفها. الظلمة التى نشير إليها هي تعبير عن أنها لا تُرى، وعن أثرها في إذهاب ضوء المجرة التي تغشاها فتظلم هذه المجرة وتموت عندما تنطفئ كل نجومها.   وعليه قوله تعالى {والليل إذا عسعس} يشير إلى واقعة إقتراب ودنو الليل أي الظلمة أي غيمة المادة المظلمة  Dark Matter في خفة نحو المجرة.

صبح (مقاييس اللغة) هو لونٌ من الألوان قالوا أصله الحُمْرة. قالوا: وسمِّيَ الصُّبْحُ صُبْحاً لحُمْرَته، كما سمِّيَ المِصْباح مِصباحاً لحُمْرَته.

نفس (مقاييس اللغة) النون والفاء والسين أصلٌ واحد يدلُّ على خُروج النَّسيم كيف كان، من ريح أو غيرها، وإليه يرجعُ فروعه. منه التَّنَفُّس: خُروج النَّسِيم من الجوف.

(وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)  ذكرنا أن المجرة التي تسبح عبر السحابة الضخمة المظلمة، تفقد مخزونها الغازي الذي يقبع داخل المجرة في صورة سحب سديمية (مجرية)، والذي تقوم السحابة الضخمة (الهالة) بكنسه وسحبه من جوف المجرة.  ومتى فقدت المجرة كل غازها، تصبح مجرة سلبية (منحازة نحو الطيف الأحمر)، فلا تتشكل فيها نجوم جديدة، ومع مرور الوقت، تحترق نجومها الحية وينطفأ النجم تلو النجم، حتى تموت المجرة. أي أن المجرة التى تمر في أحدى الهالات المظلمة تصبح سالبة، فأطلق عليها أسم الصبح لأنها أصبحت منحازة نحو اللون الأحمر. وحيث أن هذا التحول يستغرق عدة ملايين من السنين، جاء الفعل إذا تنفس ليدل على الخروج المستمر لغازات المجرة.

ونضيف هنا أن المجرات الزرقاء هي مجرات تولد فيها النجوم بشكل مستمر، بينما المجرات الحمراء سلبية لا تولد فيها نجوم جديدة لأنها فقدت الغاز السديمي لديها،  وقد قدم العلماء (بينج وزملاؤه) أدلة على أن تَشَكُّل النجوم في معظم المجرات السلبية انتهى من خلال عملية خنق بطيء للمجرات. وتقول لنا الآية أن المجرة التي تفقد نجومها ببطء ولا تستطيع تكوين نجوم جديدة، هي مجرة سلبية سُميّت صبح (لأنها تنزح نحو الطيف الأحمر)، تتنفس فيخرج من جوفها النسيم أو الغاز أو الروح أي أنها في طريقها الى الموت.  وقد تكتب لها الحياة من جديد إذا اتحدت مع مجرة أخرى لديها مخزون كاف من الغبار والغاز السديمي.

ولو لخصنا ما سبق (الملخص لا يغني عن الشرح المفصّل أعلاه) نجد الآيات الكريمة تدل على ما يلي:

{فلا أقسم بالخنس}: الخُنس هو الغيمة الكونية الهائلة المكونة من المادة المظلمة.

{الجوارِ الكُنّس}   تعبير عن وصف قدرة الخنس (الغيمة الكونية الهائلة) عندما تجاور مجرة فتجري فيها مجرى الريح على الأرض، على أن تكنس غازها عنها، فتخرج منها المجرة وقد فقدت كل غازها السديمي.

{والليل إذا عسعس} يشير إلى واقعة إقتراب ودنو غيمة المادة المظلمة في خفة نحو مجرة.

{والصبح إذا تنفس}: أن المجرة ستصبح سلبية حمراء (صبح) فتموت إذا تنفست أي خرج ما في جوفها من غاز سديمي.، نتيجة مرورها خلال غيمة المادة المظلمة.

ويجب أن ننوه هنا أن هذا الإعلام جاء في سياق قسَّم لتأكيد صدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاءت هذه المعلومات في شكل عناوين (أو رؤوس أقلام) علينا الإستدلال منها لما تدل عليه كما ورد في الشرح أعلاه . وهذا الأسلوب في لغتنا العربية بلاغة يتميز بها هذا القرآن الكريم الذي تحتوى كلماته القليلة المحدودة أخبار وسعت عالمي الغيب والشهادة.

إضافة أن هذه النظرية توصل إليها الإنسان فقط في مطلع هذه السنة الميلادية (2017) بينما الآيات المذكورة التي تدل عليها تجاوز عمرها أربعة عشر قرن. يقول سبحانه وتعالى {سنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} صدق الله العظيم، (وسنريهم تدل أن بيان دلالة هذه الآيات سيكون في زمان مستقبلي).

 image_4546e-ram-pressure-stripping

رسم توضيحي يبين مجرة تمر خلال هالة تتسبب بفقدان المجرة غازها

An artist’s impression showing the increasing effect of ram-pressure stripping in removing gas from the spiral galaxy NGC 4921 and its satellite galaxies. Image credit: ICRAR / NASA / ESA / Hubble Heritage Team / STScI / AURA    


  1. Intracluster medium   (back)

2 thoughts on “موت مجرة – فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [15] الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [16] سورة التكوير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*