أيام الخلق الستة (ستة أم ثمانية ؟)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون – الباب الرابع – الفصل الثاني.

علينا أن ننظر في أربعة آيات قرآنية هامة تعرضت للخلق الأول بالتفصيل: 

 (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) سورة فصلت الآيات 9 الى 12

           إن هذه الآيات، التي تناول القرآن فيها كيفية الخلق الأول بشيء من التفصيل، ربما تكون قد حيرت بعض علماء المسلمين، والتي تلقفها بعض المستشرقون بكتاباتهم، لأن مجموع الأيام التي وردت فيها بلغ ثمانية أيام، بينما خلق الكون كما ذكر في عدة آيات قرآنية أخرى لم يستغرق سوى ستة أيام، { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ..} الأعراف 54، وقد وجد هؤلاء المستشرقون في هذا الإختلاف تناقضًا، قفزوا منه بسطحية فأعتبروا أن هذا التناقض لا يكون إلا بشريًا في مصدره، هادفين بذلك الإستدلال به على بشرية مصدر القرآن نفسه.

           وقد أجاب علماء المسلمين على دعوى الإختلاف الزمني أن الأيام الأربعة الخاصة بالأرض في الآية الثانية، هي شاملة لليومين في الآية الأولى؛ وبهذا يكون المجموع الإجمالي ستة آيام، وبهذا لا يوجد إختلاف. وهذا الجواب مما تدل عليه الآيات ويصح لغويًا، وهذه الآيات كونية ينطبق عليها المدلول المرحلي المتغير المتطور، ولهذا قد يفترض فيها أن يحمل النص الثابت معان متطورة، وما يفهمه إنسان القرن السابع ليس بالضرورة ما قد يفهمه منها إنسان القرن العشرين.

           ولو كان من عند البشر لقوموه آنذاك، ولكنه لم يقّوم. إذ لا بد أن هذا الإختلاف قد لوحظ في زمن الإنزال، وحيث أنه ترك على ما هو عليه، فهذا في حد ذاته يشير إلى عدم تدخل البشر فيه من قريب أو بعيد، حتى وإن تعارض المجموع مع ما علموه عن الستة أيام كما ورد في آيات أخرى.

ربما لم يكن هناك إختلاف من الأصل، لأن الفهم العام آنذاك هو ما قال به العلماء حتى الآن، من شمولية الأيام الأربعة لليومين، والسرد يسمح بذلك، وذكر الستة أيام قد ورد في سبعة مواضع، وورد مثله في كتب الدين المسيحي والدين اليهودي، مما يعزز أن الخلق قد حدث في ستة أيام لا ثمانية .

          ولهذا فأجد أن وضعه في هذه الآية هي وضع مقصود، ويشير الإنتباه إليها داعيًا إلى البحث والفحص، جيلا بعد جيل، كلا وفق علمه، وقد تطورت علومنا إلى درجة أعلى قليلا عمن سبقنا، ولهذا يتوجب علينا إعمال الفكر فيها كما عمل من قبلنا، فان وجدنا فيها فهمًا جديدًا فالحمد لله، وإن لم نجد فالتفسير السلفي يمكن الإستناد والركون اليه مؤقتًا، إلى أن يتقدم العلم أكثر، خاصة أننا ما زلنا في مرحلة نحن فيها أقرب إلى الخرص العلمي فيما يتعلق بالنشأة الأولى للكون منا إلى اليقين العلمي، وكل ما نصبو اليه هو فهم الآيات بالنسبة إلى معارفنا المعاصرة، أي الفهم المرحلي، أما الفهم المطلق أو التأويل النهائي لآيات الخلق الكوني ولآيات نهايته، فهذا لن يكون إلا بالمشاهدة والتجربة، أي عندما تقوم الساعة.

          والجمع المباشر يبلغ ثمانية أيام يعارض ما ورد في سبعة مواضع أخرى من الخلق في ستة أيام ، وهذا التعارض من الوضوح مما كان يعرفه كل أهل القرن السابع، ومع هذا فلم ينسخ ولم يبدل، بل أبقى القرآن عليه كما هو ولم يُنسخ أو تنسخه آيات أخرى؛ وهذا ما يصبح معه مقصودًا، لغرض إيصال معلومات معينة، ربما القصد منها قد يكون أحد التفسيرات التالية؛ أو غيرها:

– إن الستة أو الثمانية أيام رمزية، والستة لتتناسب مع إدراككم ومع المعلومات التي وصلتكم من الكتب السابقة، والثمانية لتعلموا أن هذه الستة أيام ليست حقيقة ما حدث، ولا أهمية للعدد في هذه المرحلة، وخاصة للسائلين، وهذا مشابه للأعداد التي وردت في قصة أصحاب الكهف، فالمغزي لا يتأثر إن كانوا خمسة أو ستة أو أي عدد آخر، فالنقاش في هذا الموضوع والمجادلة فيه لغو لا خير منه، والمقصود من القرآن هو الهدى وليس تبليغ علوم الطبيعة التي يترك أمر إكتشافها إليكم لتستفيدوا منها في معاشكم وعمران الأرض.

–         أن الأربعة أيام شاملة اليومين اللذين سبقا من خلق الأرض.

أما بخصوص علومنا المعاصرة، نجد أن الزمان كونه بعدًا رابعًا في كوننا، وليس مطلق، أي ليس هناك زمان واحد لكل مكان ولكل حال، فالزمان نسبي يختلف باختلاف سرعات الراصدين. ولو فرضنا شخصين؛ أحدهما ظل على الأرض بينما أستقل الثاني مركبة فضائية وانطلق في الفضاء بسرعة كبيرة قد تقترب من سرعة الضوء، ولو كانت السفينة تسير بسرعة 0،866 من سرعة الضوء (ثمانمائة وستة وستون من الألف من سرعة الضوء) فعند عودته الى الأرض سنجد أن رائد الفضاء قد مر عليه يومًان فقط وفق الساعة الموجودة في سفينته، بينما زميله على الأرض مر عليه أربعة أيام وفق الساعة الموجودة على الأرض. أي أن الساعة التي توجد في وسط متحرك سوف تبدو بطيئة إذا قيست مع ساعة توجد في وسط ثابت، أو متحرك بسرعة تقل عن الأولى. والسبب أن الزمن ينكمش كلما أقتربت السرعة من سرعة الضوء. وينكمش الزمن أيضًا في المجالات التي تحتوي على مجال جاذبية ضخم الى حد كبير، وهذا ما كان عليه حال الكون آنذاك.

وعليه نجد أن الكون قبل التضخم كان يتوسع بسرعة معينة، وكان قياس الزمن في هذه المرحلة يومان، ثم تضخم فجأة بسرعة تفوق سرعة الضوء عدة مرات، ثم عاد ليتوسع بسرعة قد تكون مماثلة أو قريبة من سرعة التوسع في المرحلة الأولى، وقد نتوقع مع هذا التضخم انكماش الزمان مقارنة بقياس المرحلة الأولى والمراحل اللاحقة. ونحن نعرف أن الذي تضخم هو نسيج الكون وأن الطاقة والجسيمات كانت محمولة عليه، أي أن سرعة الفوتونات والجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، والذي توسع هو الكون نفسه، ولهذا لا يستطيع الباحث البت في هذه الأمور، والتي نتركها لعلماء الطبيعة والكونيات، كل ما نصبو إليه هنا هو بيان إمكانية أن تساوي أربعة أيام مقاسة بساعة ثابتة، يومان وفق ساعة متحركة بسرعة كبيرة وقريبة من مجال جاذبية ضخمة.

وعليه نرى أن الأربعة أيام الثانية هي بقياس الأيام المستخدم بحساب الفترة الأولي، وفي قوله تعالى أربعة أيام سواء للسائلين، والسواء هو الإعتدال بين شيئين، أي بالقياس المساوي أو المعادل للزمان الذي منه قياس اليومين الأولين، أما القياس الخاص بهذه الفترة الثانية فهما يومين فقط، وحيث أنه لا وجود لشئ في الكون آنذاك لم يشمله حركة التضخم، فالجمع الحقيقي يأخذ باليومين وليس بالأربعة، لأن هذا هو الزمان الكوني الوحيد آنذاك، أما الأربعة فهي للمقارنة ولبيان هذه الحقيقة؛ ولأننا عدنا الى معدل التمدد الأقل في زمن السائلين. وسبق أن بينا أن هذا هو ما يتوقعه العلم عند الإختلافات الكبيرة للسرعات التي يتحرك بها الكون والتي تؤثر على قياسات المكان والزمن   (Space & Time distortion)  (Time Dilation).

          والسواء هو الإعتدال بين شيئين، ولهذا فقد ذكرت الأيام الأربعة المعادلة لليومين في الفترة الثانية وفق معيار القياس عند الفترة الأولى؛ فكانت أربعة أيام نسبية وليست فعلية، وهنا جاء لفظ سواء ليبين هذه الحقيقة.

          وقضية الزمان النسبي، تعود الى موقع المشاهد وسرعته وقوة مجال الجاذبية في محيطه، نحن لا نعرف مدى وكيفية حساب إنكماش الزمن خلال هذه العملية، وإنما نعلم أن الزمن قد انكمش وأن الأيام الأربعة التي استغرقها هذا التضخم بالنسبة لمن هو خارجه ستكون فعليًا أقل لمن هو داخله، والله أعلم.

وبهذا يكون المجموع ستة أيام، يومان في المرحلة الأولى ثم يومان فعليًا وحقيقة (يراهم السائل الذي لم يتحرك أربعة أيام)، ثم اليومين الأخيرين، والمجموع الكوني ستة أيام.

دراسة في الآيات المذكورة:

 { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين}

سبق أن بينا أن الأرض عندما ترد في أول الخلق، فان اللفظ لا يدل على الأرض التي نعرفها والتي نقف عليها، قد يدل عليها وقد يدل على غيرها، والحكم يبنى من تفاعل سياق الجملة مع معارفنا، والعلم يقول لنا أن خلق الأرض التي نقف عليها يكون مرحلة متأخرة من مراحل التكوين وليس أوله .

          والأرض التي ذكرت في الآية قد تعنى الأرض الصلبة مثل الأرض التي نقف عليها، أو النفضة، أو الرعدة؛ أو كلهم، أو بعضهم، ويتحدد المدلول وفق تركيب الجملة ضمن المعنى المناسب، والنفضة هي الحركة التي يمكن أن نعبر عنها مجازًا بالتي تحدث فجأة، وبسرعة، أي حركة بعد عدم حركة، والرعدة هي الحركة أيضًا بإضطراب أي بتكرر وإهتزاز ( وهذا يشبه حركة الموجات الكهرومغناطيسية أو تردد جسيم ذو طاقة عالية)، إن خلق الكون نتج عن حركة منتفضة أو مرتعدة إما من لا وجود، وإما من بعد سكون وإما من بعد حركة منتظمة هادئة، أي بعد إتزان وإنتظام. أي أن ما تبلغنا إياه هذه الآية أن أول خلق الكون كان نفضة ورعدة، أي خلق الحركة؛ وحيث أن الحركة أحدى صور الطاقة، أي خلق الطاقة.

 {وجعل فيها رواسي من فوقها}

 رسى : تدل على ثبات واستقرار والله أرسى الجبال أي أثبتها، قيل أن الرواسي هي الجبال، وقد ورد في القرآن في ذكر الأرض التي نقف عليها أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها وألقي فيها رواسي حتى تثبت وتستقر فلا تميد بنا (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ )  (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)  (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) وقال المفسرون أن الرواسي هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض كالأوتاد، ونحن نعلم ان الجبال تثبت القشرة الأرضية، وهذا ما تصفه الآيات المذكورة والتي اشارت الى الأنهار والمسالك والأودية وكلهم من تضاريس القشرة، أي أن الأرض المذكورة هي ما تحت أقدامنا وهذه هي القشرة. أما الأرض ككل فما يثبتها هو قوة الجاذبية التي تجذب الأشياء نحو مركزها والتي تعادلها قوة الضغط الواقع على الأجسام في اتجاه رأسي معاكس لاتجاه الجاذبية المتجه نحو المركز.

وفي الآية ( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) يقول ابن كثير: ”أَيْ قَرَّرَهَا وَأَثْبَتَهَا وَأَكَّدَهَا فِي أَمَاكِنهَا“. وعليه نجد أن الجبال التي عليها أن تقوم بتثبيت الأرض، يجب أن تثبت أولاً، وهذا يكون بفعل الجاذبية، ومتى ثبتت الجبال، تكون رواسي للقشرة الأرضية، فيما يتعلق بالحركات الأفقية لهذه القشرة.

وفي الآية (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) يقول ابن كثير : ”وَالْقُدُور الرَّاسِيَات أَيْ الثَّابِتَات فِي أَمَاكِنهَا لَا تَتَحَرَّك وَلَا تَتَحَوَّل عَنْ أَمَاكِنهَا لِعِظَمِهَا.“ قدرٌ راسيةٌ قيل لا تبرح مكانها لِعِظمِها. وخاصة لثقلها الكبير، والثقل بمعنى الوزن دليل على الجاذبية التي هي قوة تجمُع بين الأجسام.

وفي الآية {أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} يقول ابن كثير: ”( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْض قَرَارًا ) أَيْ قَارَّة سَاكِنَة ثَابِتَة لَا تَمِيد وَلَا تَتَحَرَّك بِأَهْلِهَا وَلَا تَرْجُف بِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْش وَالْحَيَاة بَلْ جَعَلَهَا مِنْ فَضْله وَرَحْمَته مِهَادًا بِسَاطًا ثَابِتَة لَا تَتَزَلْزَل وَلَا تَتَحَرَّك كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء)“ ثم يقول ابن كثير: (وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ)  أَيْ جِبَالًا شَامِخَة تُرْسِي الْأَرْض وَتُثَبِّتهَا لِئَلَّا تَمِيد بِكُمْ. وهنا نجد أن الأرض ككل جعلت قَرارًا،“ وهذا من أثر الجاذبية، ولكن هذا لا يكفي لتثبيت القشرة الأرضية، والتي قد تتحرك أفقيًا ولهذا جعل لها رواسي تثبتها وأحدها الجبال بأوتادها أو جذورها الممتدة نحو الأسفل.

مما سبق نجد أن لفظ رواسي يعبر عن الشيء أو القوة التي تثبت الأرض أو غيرها من الأجسام الفضائية.

أما الآية {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} فهذه تعود الى البذرة التي سيكون منها السماوات والأرض، والتي معظمها طاقة، والجديد هنا قوله تعالى {من فوقها}، وهذا التعبير لم يرد في أي من الآيات السابقة، بالطبع يمكن الفهم المرحلي أن الله تعالى جعل في الأرض جبالا من فوقها، وان كان حرف (من) زائد ولم يرد مثله في الآيات التي ذكرناها، ولكننا قلنا أنه في هذه المرحلة من الخلق لم تكن الأرض قد أوجدت بعد، ولم يكن هناك سوى التجمع المكون معظمه من الطاقة. الجاذبية التي نعرفها، تجذب كل شيء نحو المركز، ومصدرها مركز مجموع الطاقة والجسيمات، فان كانت تعمل من فوقها، تكون إما من أعلى أو كأنها من أعلى، وهذا قد يحدث إذا كان تأثير الجاذبية طاردًا وليس جاذبًا . ولكن الجاذبية بالضرورة قوة جاذبة  attractive force وليست نافرة  repulsive force، وهي تؤثر من مركز الشئ بجذبه إليها، فلو عملت من فوقه أي من خارجه فإنها تجذبه إلى الأعلى أي تنفره من المركز وتطرده عنه، وهذا ما نراه من أثر جاذبية القمر على الأرض مثل ما نراه من حركات المد في البحار والأنهار، ودوران الأرض حول الشمس من أثر جذب الشمس للأرض، ولكننا نحلل هنا طبيعة قوة جذب على الكون عند بدء خلقه عندما لم يكن شيئًا سواه، ولهذا فأي قوة مؤثرة يجب أن تكون من وفي الكون نفسه، أذ يفترض أنه لا شئ هناك غيره أو خارجه، ولهذا فهل يمكن أن تكون الجاذبية نفسها قوة طاردة في حالات خاصة، ربما يمكن ذلك، ليس لأننا نعلم، ولكن لأننا لا نعلم شئ عن كيفية عمل القوة الموحدة الأولى التي جمعت الأربعة قوى العاملة في الكون الآن، ولم تكن آنذاك أي منهم قد إنفصلت أو تعمل بمفردها، أضف الى هذا أن الأغلب أن الكون كان عبارة عن طاقة هائلة مركزة، وليس لدينا أي علم يستطيع أن يسبغ غور هذه القوة الواحدة لحظة مولد الكون. العلماء توصلوا أن قوة نافرة طاردة (عكس الجاذبية) أثرت على الكون أول لحظات نشأته، وتسببت في تمدده واتساعه، وهذا ما عبر عنه النص في هذه الآية، أما ماهية هذه القوة، أو هل هي قوة أو نتيجة إنكسار التماثل، أو نتيجة الإنتقال بين مستويات الطاقة Phase Transition ، أو نتيجة إنعكاس أثر القوى مع إقتراب الجسيمات الدقيقة الأولية من بعضها، فلنا مثال على ذلك القوة النووية الجاذبة بوجه عام، فهذه تصبح طاردة Repulsive force عندما تقل المسافة بين الجسيمات الى أقل من نصف فيرون، وربما هذا ما يحدث لقوة المجموعة المتحدة، وكلاهما الجاذبية والقوة النووية القوية نصف هذه المجموعة. أو غيرهم، فهذا مما على العلم أن يصل إليه. الذي يعنينا أنها قوة فعلها عكس الجاذبية.

          ولهذا فمصطلح الرواسي من فوقها أهم ما فيه هو هذه الإضافة ”من فوقها“، والتي هي من شروط البدء المؤدي إلى نجاح هذا الكون ليصبح بعد بلايين السنين الى ما هو عليه الآن .

          ووفقًا لعلمنا الحديث، فقد كانت القوى الأربعة متحدة، وقوة الجاذبية كان أول القوى التي انفصلت وكان هذا في هذه المرحلة الأولى.

ولا شيء علمي ثابت هنا، سوى أن البذرة الأولى تمددت وتوسعت، وهذا يدل أن قوة ما فعلها عكس فعل قوة الجاذبية، قد لا نعرف كنهها بعد، أثرت عليها. والكون المتمدد أو المتحرك، يظل يقال عنه راسيًا طالما أن الحركة منتظمة، ونعرف اليوم أن أرضنا دائمة الحركة، ومع ذلك فهي مستقرة وثابتة، والجبال الرواسي تمر مر السحاب، وهذا ما بلغنا به القرآن {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}، وهذا قد يدل على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس.

ولهذا فأقرب صيغة لغوية تعبر عما حدث آخذين في الإعتبار حدود اللغة وقدرات المستمع لفهم الخطاب في القرن السابع وحتى العقد الماضي، وربما حتى اليوم، هي تعبير ”رواسي من فوقها“ لتعبر لنا في هذا العصر عن قوة طاردة منفرة منتظمة. وقد أعقب هذه القوة الطاردة:

{وبارك فيها}

البركة : قال الخليل البركة من الزيادة والنماء . وبركت السحابة اشتد إنهلالها. .

وقوله سبحانه وتعالى: وبارك فيها، أي وضع الزيادة والنماء فيها، فنمت وزاد حجمها بسرعة هائلة تفوق سرعة الضوء مرات عديدة، وهذا التعبير يناسب مرحلة التضخم، لأن التمدد المنتظم الذي تبعه عبر عنه القرآن بلفظ : (وإنا لموسعون) .

إلا أن الرأي العلمي خلال العقد الماضي، أصبح يميل إلى تفسير التضخم على أنه إنتقال من مستوى طاقة أعلى غير متزن إلى مستوى طاقة أقل أكثر إتزانًا، ويمكن تفسير ذلك بحالات الماء a .

وهذا التضخم وإن كان قصيرًا إلا أنه يفسر الكثير مما نجده في الكون في زمننا هذا، فهو يفسر حالة الإستواء والكثافة قرب الحرجة، ويفسر كبرحجم الأفق الكوني عن ذلك الذي يمكن للموجات الإشعاعية أن تنتشر بين طرفيه خلال عمر الكون الحالي، ويحل مشكلة المغناطيس المفرد القطب الذي أظهرت النظريات العلمية حتمية توفره في الكون مع انعدام مشاهدته أو رصده، ويفسر التجانس التوزيعي والإنتظام الدقيق لمادة الكون في كل الأفق المرئي .

وأي كان سبب التضخم، فتعبير (وبارك فيها) يدل على الزيادة والنماء الكثيرين، والبركة الصادرة عن الله تعالى، لابد أن تكون أكثر بكثير مما نعتقد أن قوانين الطبيعة الكونية تسمح به، أي تجاوز سرعة الضوء، وقد علل العلماء هذا بأن الذي تمدد بسرعة تجاوزت سرعة الضوء هو نسيج هذا الكون وليس مكوناته من طاقة أو جسيمات أولية، أي أن هؤلاء حُملوا على هذا النسيج.

{وقدر فيها أقواتها}

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ.

القوت: يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشئ، ومن الباب القوت ما يمسك البدن وسمي قوتا لأنه مساك البدن وقوته.

التقدير هو في تحديد مسار نماء وتطور هذا الكون ومبلغه ونهايته، وقياس القوى والأشياء وعددها والنسب بينها، ولفظ القوت هو ما يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشيء، يعبر عن القوى الأربعة التي ستمسك الكون وتطوره وتبنيه وتحفظه ثم تبلغه نهايته.

وهنا، وهذا في نهاية مرحلة التضخم والجزء الضئيل من الثانية بعده؛ نجد ثلاثة أحداث هامة لنجاح كوننا :

الأول: هو السرعة التي أنطلق بها الكون والتي تقترب إلى درجة متناهية من الدقة من السرعة الحرجة، وهذه من العجائب التي تحير علمائنا ولولاها لما كان هذا الكون ولما كنا نحن.

والثاني: في إنفصال قوة الجاذبية أولاً عن القوة الواحدة، ثم تلتها بعد ذلك وعندما أصبح عمر الكون عُشر البليون من الثانية، إنفصلت القوة النووية القوية أيضًا عن المجموعة المتحدة، وأصبح في الكون ثلاث قوى، هم الجاذبية والقوة النووية القوية والقوة المتحدة، والأخيرة إنفصلت (عندما كان عمر الكون جزء من مائة مليون من الثانية) إلى قوتين هما القوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية، وبهذا أصبح في الكون أربعة قوى تؤثر عليه وتضبطه وتحدد مستقبله .

والثالث: في أول لحظات التكوين، ظهرت الجسيمات الأولية من تبدل الطاقة، وأدى تصادم كثير من الجسيمات مع ضد الجسيمات إلى فناءهما وصدور أشعة عن هذه العملية، إلا أن العلماء يقدرون أن عدد الجسيمات كان أكبر قليلا من ضد الجسيمات، مما تبقى وكون بعد ذلك مادة الكون. ويقدر العلماء أنه كان هناك جسيم واحد أكثر في كل بليون جسيم وضد جسيم، نتج عن هؤلاء هذا الكون الذي تقدر جسيماته 10 80 جسيم.

{في أربعة أيام سواء للسائلين}

           اضافة الى ما سبق في هذا الموضوع، نضيف هنا، أن خلق الطاقة في يومين، ثم كان التضخم الفجائي الذي تغير حجم الكون فيه، بمعدل يكبر كثيرًا عن معدل تمدده السابق، وكبر في زمن قصير للغاية من حجم  أصغر من جسيم ذري أولى (Elementary Particle ) إلى حجم كبير نسبيًا قد يوازي حجم كرة متوسطة،  أن هذه الحركة السريعة وتركيز الطاقة والمادة في حيز صغير، يكون لهما الآثر في أن يبطء الزمن وفق النظرية النسبية لأينشتين، فتكون الأربعة أيام بقياس سرعة التمدد المنتظم آنذاك، ليست سوى يومين من الأيام الفعلية في زمن التضخم، أي من الممكن  أن الزمن (الحديث التكوين والذي هو جزء من نسيج الكون يتأثر به ويؤثر عليه) قد تأثر بهذه الحركة الفجائية التي جاوزت سرعتها سرعة الضوء، مسببة   space & Time distortion

 الذي نفهمه من الآية أن التضخم قد غير مقياس الزمن عن ذاك الذي قيس به الفترة التي سبقته، ونعلم أن الزمن يبطء في حالتين، السرعة والقرب من مجال جاذبية كبيرا جدًا b) ، وكلاهما كان موجودًا في أول الخلق، وبأرقام لا متناهية في الكبر، ولهذا فالزمان المقارن آنذاك كان بطيئا لدرجة كبيرة، ولا يوجد زمان مطلق في كل هذا الكون حتى نستطيع القياس بالنسبة له.

ليس لدينا ما نستطيع به البت في هذه الأمور، ولكن علومنا تؤيد إمكانية أن تساوي أربعة أيام يومين أو أي عدد آخر، إذا كانت سرعتا الشيئين المقارن بينهما تختلف إختلافًا كبيرًا جدًا، المعنى القرآني يدل على حقيقة أن الزمان له قياس نسبي، أما أن تكون أربعة أيام مساوية ليومين فعلاً، فهذا قد يكون فعليًا أو على سبيل المثال لبيان الفكرة دون الإهتمام بالأعداد الفعلية، والله أعلم.

          ويجدر الإشارة هنا أن الذي تمدد خلال التضخم بسرعة تفوق سرعة الضوء هو النسيج الكوني وليس الفوتونات والجسيمات الأولية، والتي كانت محمولة على هذا النسيج، وبالتالي فان سرعة الجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، وبهذا لا يكون هناك تعارضًا مع النظرية النسبية التي تقول أن لا شيء (شعاع أو جسيم) في كوننا يستطيع أن يتحرك أسرع من سرعة الضوء.

          أما لماذا أيامًا وليس أجزاء متناهية في الصغر من الثانية، فهذا الأمر نسبي أيضًا ويجب أن نتذكر أن الزمن يبطء الى درجة كبيرة بالقرب من مجال جاذبية كبيرة، ولا بد أن الكون الذي كان مركزًا كله في نقطة واحدة، بكل طاقته ومادته التي نراها اليوم والتي لا نراها، لابد أن يكون هذا الكم الهائل له قدر هائل من الجاذبية، تبطء الزمن الى درجة كبيرة.

ويصح أيضًا أن تفسر هذه الأيام على أنها من متطلبات الأسلوب الرمزي، لما ذكرناه أن الأجيال السابقة لن تعي أو تتقبل هذه الفترات الزمنية القصيرة للغاية في أول الخلق، ثم الكبيرة للغاية بعد ذلك وحتى يومنا هذا. الكون الذي خلق وتشكل في أجزاء صغيرة من الثانية، استغرق قرابة أربعة عشر بليون سنة حتى ظهر فيه الإنسان. والله تعالى أعلم .

 {ثم استوى الى السماء }

يقول صاحب القاموس المحيط: ”أستوى إلى السماء تعنى صعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى c ، وسواه تسوية وأسواه جعله سويًا واستوت به الأرض وتسوت وسويت عليه أي هلك فيها“ والاستواء يكون على السطح المستوي، قال الطبري: ”وَقَوْله : {رَفَعَ سَمْكهَا فَسَوَّاهَا} يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَوَّى السَّمَاء , فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل“ . وهذا ما يسميه العلماء Flatness أي استواء الى درجة كبيرة من الدقة، وهذا من أثر التضخم السريع الذي مسح أو فرد إلى درجة كبيرة أية تعاريج كانت بها.

{وهي دخان} 

          وكان هناك فقط ليبتون وكوارك . وعند عُشر المليون من الثانية، كان الكون قد برد بدرجة كافية، (تستطيع معها جسيمات الكوارك أن تجتمع معًا لتكون الجسيمات الأولية . فأصبح الكون حمأ من جسيمات أولية (بروتون ونيوترون وإلكترون وكل بقية الجسيمات الأولية القصيرة العمر)، والبروتون هو نواة غاز الهيدروجين، وبعد هذا كان في الكون ليبتون وبحر من الجسيمات الأولية . وكلما أتحد بروتون ونيوترون لتكوين نواة بفعل القوة النووية القوية، صدمتها الجسيمات الأخرى والأشعة وشتتت مكوناتها.

وبين دقيقة واحدة وثلاثة دقائق : عندما أنخفضت حرارة الكون إلى تحت البليون درجة كلفن، تسارع حدوث التفاعلات النووية بفعل القوة النووية القوية بينما قلت قدرة قوة الصدم على تشتيت النوى، فتكونت نَوًى أو أنوية الغازات الأولية كالهليوم والديوتيرم ثم الليثيوم، إلا أن هذا التفاعل الإتحادي النووي توقف بعد ذلك بفترة قصيرة نتيجة إستمرار تمدد الكون وإنخفاض الكثافة والحرارة بسرعة نحو المائة مليون درجة كلفن،  وإستمر الكون في التمدد بعد ذلك، مع تناقص حرارته وكثافته .      

لاحظ أن الجزء المادي من الكون آنذاك كان عبارة عن نَوًى الغازات الأولية وأقرب تعبير لهذا هو ”وهي دخان“.

{فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين}

عن القرطبي: ” وَقَالَ : ” طَائِعِينَ“  وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ عَلَى اللَّفْظ وَلَا طَائِعَات عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُمَا سَمَوَات وَأَرَضُونَ“

          وهنا الأرض ما زالت هي الطاقة المتمثلة في الفوتونات، والسماء هي المادة المتمثلة في كل الجسيمات الأولية وأنوية الغازات، وكان الكون في هذه المرحلة يتمدد بفعل طاقته بينما تحاول الجاذبية إيقاف هذا التمدد، والأتيان هو الحركة التمددية والطوع هو في الإنقياد في إتجاه الحركة، والكره أي بمشقة من أثر الجاذبية.

{فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها}

 عن ابن كثير ”فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ“ أَيْ فَفَرَغَ مِنْ تَسْوِيَتهنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ أَيْ آخَرَيْنِ“ وعن القرطبي ”أَيْ أَكْمَلَهُنَّ وَفَرَغَ مِنْهُنَّ . وَقِيلَ . أَحْكَمَهُنَّ “

والسماء التي ترد قبل قضائهن ليست هي السماء الدنيا، لأن السماء الدنيا واحدة من السماوات السبع، والسماء التي أحكمها الله وقضاها سبع سماوات، هي كلهن متحدين أو أصلهن، ولهذا جاء لفظ ”طائعين“ للجمع، والمجموع قد يكون أكثر أو أقل من سبع، وقضى تدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته  وجهته هو سبع سماوات لكل سماء منها خصائصها ومقدراتها، أي إنه هنا ربما يكون تم إحكام الفصل بين هذه السماوات السبع وإنفاذ كل منها الى وجهته، بأن جعل لكل سماء صفات وقوانين وثوابت تخصها.

وهذا يبينه قوله تعالى { وأوحى في كل سماء أمرها} وأوحى أي ألقى علمًا في إخفاء، والإخفاء هنا ليس عن حي إذ لم يكن آنذاك غيره سبحانه وتعالى، { وما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} وإنما هو إخفاء بين السماوات، أي أن لكل سماء أمرها، والأمر هنا ما يستوجب الطاعة، ويكون في إطاعة وخضوع كل ما في الكون للقوانين والثوابت الفيزيائية التي تحدد العلاقة بينها وكيفية تصرفها. وعليه فلكل سماء صفاتها التي تختلف عن بقية السماوات، وليس لنا إطلاع إلا على السماء الدنيا والأرض، وهذا واضحًا في قوله تعالى ”يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ“ وأُعتبر ”فَانْفُذُوا“ أَمْر تَعْجِيز. أي أننا لن نستطيع النفاذ خارج سماءنا وارضنا، أي خارج عالمنا ذو الثلاث أبعاد مكانية والبعد الزمني الرابع.

          أي أن السماوات أو السماء جعلت سبع سماوات، وهذا يدخلنا في موضوع السبع سماوات الذي تكرر في القرآن الكريم . وقد ظهر مؤخرًا في العلم الحديث نظريات جديدة مفادها أن كوننا له عشرة أبعاد  (تسعة مكانية وبعد زمني واحد) ويمكن القول أن التسعة المكانية هم أثنين في المستوى الأفقي وسبعة إرتفاعات، ولو مثلنا بالأرض كوكبنا والسماء التي نراها، فالأرض لنا أي للشخص الواقف عليها مستوية لها أحداثين؛ والسماء لها إحداثيا واحدا هو الإرتفاع، وهؤلاء ثلاث إحداثيات، فلو قلنا أن هناك ستة سماوات أخرى غير هذه السماء ( أي مجموع السماوات سبع) فمعنى هذا أن هناك ستة إرتفاعات أخرى، تضاف الى الثلاثة التي نعرفها لتعطينا تسعة أحداثيات مكانية وبعد واحد زمني في الكون ككل، بما مجموعه عشرة احداثيات. وهؤلاء عدد الأبعاد لعالم المكان والزمان الذي يعتقد بعض علماءنا أنه من صفات كوننا.  إلا أننا نحيا في حيز السماء الدنيا فقط، والتي لها ثلاثة إحداثيات مكانية وواحد زمني أي أربعة أحداثيات في السماء الدنيا، وهذه هي دنيانا التي نحيا فيها .

          وفقًا لنظرية الأوتار الفائقة  Superstring Universe  ، التي ظهرت في العقد الماضي وهي نظرية حسابية أي انبثقت من معادلات رياضية بحتة، وتتمتع بقبول عدد لا بأس به من العلماء، وفقًا لهذه النظرية أن الكون كان كثير الأبعاد عند لحظة خلقه، ذو ستة وعشرون بعدًا أو ذو عشرة أبعاد، وعندما تمدد في الجزء الأول من الثانية، المعادل لثابت بلانك، 10-43 من الثانية، وأصبح قطره  10-33 سم، توقف تمدد ستة من الأبعاد العشرة، بينما أستمر أربعة في التمدد حتى اليوم ، وهم الثلاثة أبعاد المسافية (طول وعرض وارتفاع) والبعد الزمني الرابع. ولا يوجد دليل تجريبي على وجود هذه الأبعاد الستة التي توقفت عن النمو، ونظرًا لصغرها فمن المستحيل رصدها أو قياسها.

          وهذا الاستدلال قد يفسر خلق السماوات السبع والأرض، حيث أنها تدلنا أن كوننا خلق ذو عشرة أبعاد، تسعة مكانية وواحد زمني، وأننا نحيا في ونستشعر فقط السماء الدنيا، وهذه ذات أربعة أبعاد فقط، ثلاثة مكانية وواحد زمني.

إلا أنه يجدر التنبيه أن هذه النظرية لها عدة فروع، يختلف أحدهم (نظرية M) في أعداد الأحداثيات المكانية لتصبح عشرة أبعاد مكانية وبعد زمني يصبح معه المجموع أحد عشر. أي أنهم زادوا بعدًا مكانيًا عاشرًا في نظرية (م) حيث يتناسب هذا البعد الإضافي مع نماذجهم، وهذا المستوى الأعلى من السماء السابعة، قد نجده في حديث الإعراج والذي قد يكون فيه سدرة المنتهى، والله أعلم .

من حديث الإعراج في تفسير الطبري: ”……وَمُوسَى فِي السَّابِعَة بِتَفْضِيلِ كَلَامه اللَّه , فَقَالَ مُوسَى : رَبّ لَمْ أَظُنّ أَنْ يُرْفَع عَلَيَّ أَحَد ! ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْق ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى“

           ويدلنا القرآن أن السماء الدنيا، وهي ذات الثلاثة أبعاد مكانية والبعد الرابع الزمني، هي الوحيدة التي تتسع وتتمدد، بينما لا تتسع السماوات الست الأخرى، أو الأبعاد الست الأخرى. في قوله سبحانه وتعالى: { والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون }  51/47  ونلاحظ هنا أن السماء التي وردت هنا بمعنى السماء الدنيا هي الوحيدة التي شملها التوسع أو التمدد المستمر، إذ لم تذكر السماوات الست الأخرى، وإنما السماء وحدها، مفردة، والسماء الدنيا تعبر عن دنيانا التي نحيا فيها، والسماء إذا ذكرت بعد الخلق، فهذه تعبر عن كوننا ذو الأبعاد الثلاثة المكانية والبعد الرابع وهو الزمن، وتوسع البعد الزمني هو في المسافة التي دومًا تتزايد بين البدء والحاضر، بينما لم يشمل التوسع بقية السماوات الست حيث لم يأت ذكرها في هذه الآية، وهي الأبعاد الستة التي طويت على نفسها وتوقفت عن النمو في أول الخلق، إلا أنها موجودة ببعد متناهي في الصغر (ثابت بلانك).

{وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم } 

      وهنا الحديث عن السماء الدنيا دون السماوات الأخرى، وهي التي استمر تمددها واتساعها، والمصابيح جمع مصباح من صبح، ويدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، وسمي المصباح مصباحًا لحمرته، وقد تدل الآية تدل على ظهور اللون في السماء الدنيا وهذا عندما إنفصلت الأشعة عن المادة فأصبح الكون مرئي، فظهرت الألوان والأرجح أن اللون كان يميل إلى الحمرة لإرتفاع حرارته، وحفظًا لأن الأنوية إستطاعت أن تحفظ الإلكترونات في مداراتها وتحتفظ بها لتتكون الذرات وهي لبنة هذا الكون كله.

           إن الكون بدأ كونًا معظمه طاقة في الكون المرئي d، ثم تدرج ليصبح كونًا معظمه مادة، وقد تكونت ذرات الهيدروجين والغازات البسيطة بتعلق الكترون مع بروتون عندما انخفضت درجة الحرارة الى 4000 – 3000 ْ كلفن . وهذا عندما انفصلت الأشعة عن المادة، وحدث هذا عندما أصبح عمر الكون زهاء 300,000 سنة، وقبل ذلك كانت الجسيمات (إلكترونات وأنوية) في حالة حرة، يسميها العلماء سائل البلازما، وكان كلما أنضم إلكترون حول نواة، صدمه جسيم سريع وأخرجه من مداره، وكان وجود الإلكترونات السالبة الحرة يشتت الأشعة، فلما إجتمع الإلكترون مع النواة الموجبة في ذرة متعادلة، أنفصل الشعاع عن المادة إلى الأبد، ومضى كلا منهما في طريقه. .

وبعد ذلك أنتشرت المادة وقلت الكثافة مع تمدده، وتكونت السحب الفضائية، التي تولد في داخلها النجوم وتكونت المجرات من تجمعات النجوم، ثم تكونت الكواكب من الجيل الثاني، وعلى كوكب نائي منعزل فيها، ظهر الأنسان كآخر سلسلة في العملية التطورية المادية .

          ويحمل معنى المصابيح أيضًا معنى النجوم، وهذه الآية جاءت متأخرة في الترتيب الزمني، فالنص الذي ذكرت فيه، لا يصف أحداثًا حدثت ضمن الأيام الستة، بل أنه يشير الى حدوثها بعد آخر يومين، ولم يحدد النص متى حدثت، سوى أنه كان في مرحلة لاحقة للأيام الستة. والملاحظ هنا تسمية النجوم بالمصابيح، والتي أصلها في اللغة يدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، والمرئي اليوم أن الضوء الصادر عن كل المجرات والنجوم البعيدة والذي يصلنا اليوم، هو ضوءًا له خاصية الإزاحة نحو الحمرة، والتي تدل أن هذه المجرات تبتعد عنا، وهو ما أدى الى أهم الإكتشافات العلمية سنة 1929 واستنبط منه أن الكون في حالة توسع، ومن هذه الظاهرة توصل العلماء الى ظاهرة توسع الكون ومنها خرجت معظم النظريات الحديثة التي تفسر نشأة الكون.

          والحفظ منه تثبيت الشيء وإبقاءه، أي أن الخلق وصل عند هذه المرحلة الى النمو المستقر، والاستقرار الذي نقصده قد نمثله بثبات الذرات بعد تكونها وعدم تفككها مثلما كان الأمر عليه في المراحل الأولى، وقد نفسره ان النجوم هي مطبخ تكوين العناصر الأثقل من الغازات كالكربون والحديد، ومنها تكونت الكواكب، والنجوم هي ما يحفظ الكواكب في مساراتها ويمدها بالطاقة والحرارة اللازمة لنشوء وبقاء الحياة على أرضنا.

{ذلك تقدير العزيز العليم }

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ،

          الكون بدأ بنفضة ورعدة، وكلاهما حركة والحركة تعبر عن طاقة ، أي بدأ الكون كطاقة ومن الطاقة تكونت المادة،  ثم التضخم ، ثم التمدد الذي أستمر حتى يومنا هذا. وهذه هي بالضبط مراحل نظرية النشأة المفردة للكون.  The Big Bang , The Singularity

          وهناك أمر بالغ الأهمية تحتويه هذه الآيات الشريفة ولم يسبقها إليه نص بشري أو سماوي آخر، إذ يجب ملاحظة أن هذه الآيات التي تناولت بشئ من التفصيل الخلق خلال الأيام الست الأولى، لم تشر من قريب أو بعيد إلى خلق الحياة من نباتات وأسماك وطيور وحيوانات برية أو إنسان، بل وتؤكد الآيات التي استعرضناها أن هذا لم يحدث آنذاك، ولا يوجد في أي مكان آخر في القرآن ما يشير الى غير هذا، وهذه الحقيقة أوردها القرآن مخالفا ومصححًا بها ما ورد في العهد القديم في سفر التكوين، من خلق أنواع الحياة كلها في الأيام الستة الأولى، وهذا كما علمنا خلال القرن الماضي فقط، يمثل حقيقة ما حدث، إذ أن الحياة ذاتها لم تظهر في الكون سوى في مراحله وعصوره الأخيرة، والتي يمكن أن نطلق عليها الحديثة نسبيًا، لأنها ظهرت بعد مرور البلايين من السنين بعد الأيام الستة.

وقبل أن نترك هذه الحقبة الأولى من خلق الكون، قد نجد في هذه الآيات معان تدعم ما سبق:{أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها  * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها} النازعات، فقد نجد مرحلة التضخم في ”رفع سمكها فسواها“ – يقول القرطبي: ” رَفَعَ سَمْكَهَا “ أَيْ أَعْلَى سَقْفهَا فِي الْهَوَاء ; يُقَال : سَمَكْت الشَّيْء أَيْ رَفَعْته فِي الْهَوَاء , وَسَمَكَ الشَّيْء سُمُوكًا : اِرْتَفَعَ.  فلو أخذنا معنى لفظ ”سمكها“ تعبيرًا عن قطر نسيج الكرة الكونية الأولى، والذي أرتفع فجأة، فنتج عنه تضخم واتساع سطح الكون، فاختفت منه التجعدات ”فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد“ ويتبين من الآية الكريمة أن القصد من التضخيم هو التسوية، تمامًا كما توصل اليه العلم منذ عقدين قريبين. ثم نجد في ”وأغطش ليلها وأخرج ضحاها“ انفصال الطاقة عن المادة ليغدو الكون مرئيًا e ، وحدث هذا بعد ثلاثمائة ألف سنة f  تقريبًا.

{ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }، تتعلق هذه الآية بالبعث، وهو إعادة الخلق، وحيث أن اليوم آنذاك سيكون مقداره خمسين ألف سنة، فأننا يمكن أن نستنبط أن الأيام الستة الأولى التي خلق فيها الكون، مقدارها ثلاثمائة ألف سنة، وهي الفترة التي استغرقها الكون ليصبح مرئيًا. ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا.

 ولا يعني هذا الإستنباط المرحلي، سوى أن مدة الستة أيام مجتمعة، قد تعادل ثلاثمائة أو أربعمائة ألف سنة، أما طول كل يوم على حدة فلا يساوي خمسين ألف سنة، ويجب أن ننظر الى هذه الأيام على أنها ثلاثة مراحل، أستغرقت الأولى يومان، والثانية أربعة ولكنها يومان بمعيار الأولى، والمرحلة الثالثة يومان بمعيار لم يبين، وإن كان الأرجح أنه بمعيار اليومين الأولين. وحتى وفقًا لعلومنا الحديثة، نعلم أن هذه الأوقات حدثت في ظروف كانت الحرارة والضغط والجاذبية والسرعة هائلة الى حد كبير جدًا، بما تتغير معه معايير القياس الى درجة قد لا ندري فيها كيف يحسب الزمان، ولهذا نكتفي هنا بالمجموع وليس باليوم الواحد.

أما المرحلة اللاحقة، (والأرض بعد ذلك دحاها) فالأرض هنا هي الكوكب الذي نحيا عليه.

  1. يوجد الماء في الطبيعة في ثلاثة حالات، غازي وسائل وصلب، أو بخار وماء وثلج، وهي تتوقف على درجة الطاقة في جزيئات الماء، وأعلاها البخار وأقلها الثلج، واذا تغير الماء من حالة الى أخرى فإنه يفقد طاقة إذا تغير من بخار إلى سائل ومن سائل إلى ثلج، ويحتاج أن يكتسب طاقة إذا كان تغيره عكس الدورة السابقة . ويشبه العلماء تضخم الكون المفاجئ ولفترة قصيرة للغاية بهذه الظاهرة، فإذا حدث في الجزيئات الأولية في أول خلق الكون مثل هذا التغير في الحالة، فان الطاقة الحرارية المفقودة سوف تسرع تمدده كثيرًا في لحظة معينة، وهذا تمثيل وتقريب لما يعتقد العلماء بحدوثه في أول أجزاء الثانية من عمر الكون، عندما تضخم الكون فجأة للحظة زمنية قصيرة ثم عاد إلى معدل تمدده الأول. أي أن الكون قد حول طاقة الى حركة سارعت من تمدده حتى وصل الى مستوى الطاقة الأقل والأكثر إتزانًا، والتي أكملت تمدده المنتظم حتى يومنا هذا.  (back)
  2. (نعرف أن الزمان يبطء بقرب الثقوب السوداء   Black holes وقد تتجمد اللحظة عند أفقها  (back)
  3. وقد ذهب بعض المفسرين الأوائل الى معنى استولي، ورفض آخرون هذا المعنى لأن الأستيلاء يستوجب الضد وهذا لا يصح.  (back)
  4. إلا ان العلماء يعتقدون بوجود الجزء الأعظم من الكون في المادة والطاقة المعتمتين  (back)
  5. أصبح الكون مرئيًا ولكن ضبابيًا، ولم يصبح الكون مرئيا صافيًا كما نراه الآن إلا بعد مرور مائتي مليون سنة تقريبًا.   (back)
  6. هذا الرقم هو ما تداولته الأوساط العلمية منذ عقود، إلا أنهم في السنوات الأخيرة ذكروا أيضًا 380,000 سنة و 400,000 سنة وقد يعود هذا الى أن هذا الحدث ليس لحظيًا وانما استغرق مدة طويلة من بدءه حتى نهايته.   (back)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*