آدم عليه السلام أول البشر؛ هل خُلِقَ من التراب مُباشرة؟ أم من ذُرَّيةِ قومٍ آخرين
تجدون رابط الفيديو في نهاية هذه الصفحة
الجزء الأول
العجيب، أنني وبعد دراسات جادة إستغرقت بضعة عقود، تبين منها أن دلالات الآيات القرآنية المتعلقة بخلق الحياة تشير إلى خلق تطوري موجه بمشيئة وقدرة الله تعالى، عندما نشرت هذه الدراسات، جوبهت بالرفض من الملحدين، وهذا متوقع لأن فرضية التطور هي أقوى سلاح لديهم يهاجمون به كل الأديان السماوية التي تقول بالخلق المباشر. أما الذي لم أكن أتوقعه، هو الإستنكار والرفض من قبل كثير من المسلمين، الذين ما زالوا يرون أن الخلق كان آنيًا إعجازيًا مباشرة من الطين. يدعمهم في هذا الرفض بعض أصحاب القنوات الناجحة والمؤثرة من المفكرين المسلمين منهم الدكتور إياد القنيبي صاحب حلقات رحلة اليقين، والدكتور هيثم طلعت، وكذلك ما كان نشره هارون يحي وغيرهم.
هؤلاء نظروا في نظريات التطور الدارويني القديم منها والحديث، فرفضوها وعرضوا الأسباب التي تدل على عدم حدوث التطور وعدم إمكانية حدوثه. وهم على صواب في هذا، فالتطور الدارويني الحديث، الذي يقوم على الطفرات والإنتخاب الطبيعي، يستحيل أن يفسر ظهور وتنوع المخلوقات في المدة الزمنية التي توفرت، حتى لو أعتبرنا عمر الكون كله. إلا أن بعضهم أنكر مصداقية الأحافير وصحة تأريخها بالنظائر المشعة وبالطبقات الرسوبية الجيولوجية.
وذهب آخرون إلى أن هذه المشاهدات والحفريات والإستنتاجات العلمية ما هي إلا مؤامرة عالمية أتفق عليها علماء الغرب والشرق. وادعوا أن هناك ضغوطًا على العلماء وتخويفهم بأن يفقدوا وظائفهم إن هم صرحوا بفشل النظرية. وقد يكون بعض هذا -وليس كله- صحيح، فالنظرية وفق الآليات التطورية التي إعتمدتها كالطفرات والإنتخاب الطبيعي، لا تستطيع تفسير ظهور هذا العدد الهائل من الأنواع الناجحة المستقرة. أما أن نرفض كل المشاهدات والأحافير التي نجد عظامها في المختبرات العلمية والمتاحف والتي تعود الى ملايين السنين، وما توصل إليه العلماء من أدلة سلسلة الحمض النووي والموروثات والتشريح، ونعتبر أنها كلها مزيفة ومصطنعة ومركبة، فهذا ما لا يقبله عقل سليم.
بصورة عامة، يعتقد العلماء أن الحياة بدأت على الأرض منذ حوالي أربعة بليون سنة، كخلية واحدة تتكاثر بالإنقسام ثم تطورت ببطء حتى قبل بليون سنة عندما ظهرت الكائنات متعددة الخلايا، والتي تكاثرت بالتزاوج، ثم ظهرت قبل خمسمائة مليون سنة حيوانات معقدة تطورت الى أنواع مختلفة، حتى إنقراض الديناصورات قبل 65 مليون سنة، ثم بدأ ظهور الإنسان الأول منذ مليون سنة وتطور تدريجيا حتى ظهر الإنسان الحديث أي البشر.
الحيوانات والأسماك والنباتات، كلهم موجودون على الأرض وفي البحر منذ ملايين السنين، هناك أكثر من ثمانية مليون نوع، أغلبهم لم يتم تصنيفهم حتى الآن. ثم إن هناك الأنواع التي إنقرضت والذين يزيد عددهم أضعاف من تبقى. والإنسان موجود منذ مئات الآلاف من السنين، رسم على جدران الكهوف منذ أكثر من أربعين ألف سنة. هذه كلها حقائق لا يصح إنكارها أو رفضها. الذي يمكن أن نرفضه هو تفسير هذه المشاهدات والمخلوقات على أنها تطورت بعضها عن بعض، أي يصح أن نرفض تفسير فرضية التطور لهذه الظواهر والإكتشافات، ولكن لا يصح أن نرفض ما حدده العلم بطريق المشاهدات والأحافير وعلم الوراثة والجينوم، وأن علينا أن نأت بتفسير آخر يفسر هذه الظواهر والإكتشافات وبالترتيب الزمني الذي حددته علومنا.
هؤلاء الذين يتمسكون بالخلق المباشر من الطين، أتهموا القائلين بالتطور الموجه بأنهم مؤسلموا نظرية الشيطان، وأنهم يتبعون الغرب لشعورهم بالنقص، وأنهم ينكرون ما هو معروف في الدين من خلق آدم مباشرة من الطين، وأنهم يخالفون الأوائل من مفسري القرون الأولى، وإدعى بعضهم أن من يقول بالتطور حتى الموجه منه؛ إنما يدعوا الناس إلى الإلحاد. فأصبح عامة الناس يخافون حتى إعمال الفكر وركنوا إلى أن فرضية التطور خاطئة وأن الله تعالى خلق آدم أول الناس مباشرة من الطين، وخلق الأنواع كلها على صورتها فلا تطور أعمى ولا موجه.
ويجب التوضيح هنا، أن التطور الموجه الذي نقصده، ليس هو التطور وفق خطة واضحة بينة، لا تنتج إلا أنواع ناجحة طول الوقت، لأن هذا سيدل على الخطة والتصميم، وهذا ما لا يُسمح به في دنيا الإختبار الذي يخوضه كل إنسان في هذه الحياة الدنيا. وفي قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)} سورة الأنعام 6 ، ومثلها آيات كثيرة تبين أن الله تعالى منع عنا الأدلة المادية الواضحة ومنها المعجزات، ومنها كذلك وضوح التصميم الدال قطعًا على الخالق سبحانه وتعالى، فأخفى سبحانه الدليل القاطع وترك الأدلة الظنية التي يستدل بها المؤمن بعقلهِ، وبما أخبرنا الله تعالى به في القرآن الكريم. وترك حرية الإختيار للإنسان، كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} سورة الكهف.
لهذا سنجد أن التطور الموجه وفق تصميم وهدف، ليس هو التطور المستقيم الحتمي ذي الخطوات المحددة الناجحة دومًا، وإنما هو تطورًا -ويمكن القول مجازًا- في معظمه عشوائي بما يخفي الخطوات النادرة البطيئة الناجحة الموجهة نحو هدف، لا يَستدلُ عليه إلا من آمن فيزداد إيمانًا[1].
وخلقَ الإنسان من الطين إنما يدل أن بدء خلق النوع الإنساني كان من الطين، ولا يفهم منه أن الخلق كان مباشرة من الطين[2]. وأنوه هنا أن هذا الموضوع وغيره مما سنتطرق إليهم في هذه الدراسة، قد سبق دراستها وعرضها بالتفصيل، ومنعًا للتكرار ولأن المجال لا يتسع هنا لإعادة شرح كل هذه الموضوعات، سأضع عناوينها وروابطها ويستطيع المشاهد مراجعتها للتأكد من صحة ما نبينه هنا بإيجاز.
نعود إلى موضوعنا، نحن الذين نقول بالتطور الموجه، لسنا على نزاع مع الرافضين له، وإنما نختلف معهم في الرأي، هم لهم أسبابهم وأدلتهم، ونحن كذلك. وكلانا يسعى الى معرفة الصواب. ونعود لمقولة الإمام الشافعي رحمه الله: “رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب”.
المشكلة التي تواجهني إن أردت الركون إلى الراحة وقبول الخلق المباشر من التراب، والإكتفاء بما قال به السلف الصالح في تفسيرهم لآيات خلق الإنسان، المشكلة أن هذه الآيات ذاتها لا تدل إلى خلق مباشر. والإختلاف في الفهم مع ما ذهب إليه السلف، لا يدل على خطء أحدنا وصواب الآخر، وإنما يدل على أن كلانا فهم المعنى المرادُ له أن يفهمه. ماذا أعني من أن كلانا فهم المعنى المرادُ له أن يفهمه؟ هذا ما سأبينه بإختصار هنا، بينما الشرح المفصل تجدونه في دراسة نشرت في فيديو بعنوان: “التأويل والتفسير المرحلي لآيات خلق الكون وخلق الحياة في ضوء معارفنا وعلومنا الحديثة”. (وقد ضعت رابط هذه الدراسة في صفحة الوصف أسفل هذا الفيديو).
القرآن هو الرسالة السماوية الأخيرة إلى كل الناس، والتي أحتوت علوم الأولين وعلوم المتأخرين، وعلوم من يأتون بعدنا. نقول أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، ولذلك لا يصح أن نجمد معانيه ودلالاته عند علوم ومدارك أهل القرون الأولى، معطلين واحدة من عجائبه التي لا تنقضي، وهي أن دلالات نصوصه، وأختص هنا بالكلام على النصوص المتعلقة بعلوم الحياة الدنيا، أي خلق الكون وصفاته وخلق الحياة، أقول أن دلالات نصوصه، أي المعنى المراد، هو ما يتأتَ من تفاعل النص الثابت مع المعارف والعلوم المعاصرة التي في ذهن المتلقي، الفكرة المسبقة الموجودة في ذهن المتلقي لها تأثير على ما يفهمه من دلالة النصوص والكلمات، وحيث أن النص ثابت بينما المعارف والعلوم متغيرة، ينتج عن هذا تغير المعاني. نحن لا نتحدث هنا عن معاني باطنية، وإنما نتحدث عن المعنى المباشر الذي يتأتى من معاني الكلمات المستقاة من معاجم اللغة ومن تراكيب الجمل، وهذا بعد تجميع كافة الآيات المتعلقة بالموضوع الذي ندرسه، سواء كان خلق الحياة، خلق الكون، أو صفات الكون وظواهر الطبيعة.
تفاسير الأوائل، الأئمة الطبري والقرطبي وابن كثير رضي الله عنهم، كلهم أصابوا في فهم المعنى المرادُ لهم أن يفهموه، ونحن علينا أن نتدبر القرآن حتى نفهم المعنى المرادُ لنا أن نفهمه، أي أن كلا التفسيرين صحيح في زمانه .
قلت أن المعنى المراد، هو ما يتأتَ من تفاعل النص الثابت مع المعارف والعلوم المعاصرة التي في ذهن المتلقي. لو أخذنا خلق آدم مثالاً، المعروف لديهم في القرون الأولى أن آدم خُلق من الطين مباشرة، إذ كان هذا الشائع وفق إعتقاد الناس وحتى قرون قليلة مضت، أن الله تعالى خلق آدم مباشرة من الطين أو التراب، كما ورد في كتب اليهود في سفر التكوين: (وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً) (تكوين 2 : 7)
نجد في هذه النصوص التوراتية، خلق آدم مباشرة من تراب الأرض. ولا يسمح النص التوراتي بأي معنى آخر. ونعلم أنه يوجد في التراث وفي كتب التفسير الإسلامية الكثير من الإسرائيليات، إذ كانت هذه هي معارف وعلوم الأوائل. فصيغت آيات خلق الإنسان في القرآن، بحيث تسمح بفهمها وفق هذه المعارف التي كانت مقبولة ومجمع عليها في زمانهم، وصيغت هذه الآيات أيضًا بحيث تسمح بفهمها وفق العلوم والمعارف التي ستتقدم وتتغير في القرون اللاحقة وفق مسيرة تقدم المعارف البشرية. أي أن النص الثابت، وضع بصيغة تسمح بتغير دلالاته مع تغير وتقدم العلوم والمعارف البشرية. وهذا ما نجده في آيات الخلق إذ نجد فيها المعنى التطوري الموجه كما تبين في الدراسات المفصلة التي عرضناها من قبل، بل وسيصعب علينا التفسير لو أصررنا على معاني الخلق المباشر، الذي ولى زمانه.
وقد بينت هذا في دراسات طويلة مفصلة تناولت كل آيات خلق الحياة، ومثلها دراسة تناولت كل آيات خلق الكون. وتجدون روابط هذه الدراسات في الصفحة أسفل هذا الفيديو. وسأتناول هنا بعض آيات خلق الحياة.
القصد من هذه الحلقة، أنني لم أستقي فرضية التطور الموجه إتباعًا للغرب أو لنظرية التطور الدارويني القديمة أو الحديثة، والتي أرفضها في صورتها العشوائية، وإنما مما فهمت من آيات القرآن الحكيم، تعالوا ننظر معًا وندقق في الآيات الكريمة.
سأبدأ أولاً بالآية التي يستدل بها أخواننا أصحاب الخلق الآني المباشر، الآية 75 من سورة ص، إذ يقول الدكتور سلطان العميري:
“هناك أدلة شرعية عديدة تدل دلالة ظاهرة قوية على أن الله خلق آدم – أبا البشر والإنسان – خلقاً خاصاً، وأن وجوده في الأرض لم يكن نتيجة تطور بيولوجي من أنواع حيوانية أخرى سابقة عليه، ومن أهم تلك النصوص الشرعية:
الدليل الأول: قوله تعالى مخاطباً إبليس: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِين}[ص:75]. وهناك نصوص أخرى تدل على المعنى نفسه، ومنها: حديث الشفاعة الطويل، وفيه أن الناس يأتون إلى آدم فيقولون له: «يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده [14].
فهذه النصوص تدل بوضوح على أن الله خلق آدم – أبا البشر والإنسان – خلقاً خاصاً؛ حيث إنه خلقه بيديه مباشرة، وميزه على غيره من المخلوقات بهذه الطريقة في الخلق، ولو لم يكن لخلق آدم بيد الله ميزة لما ذكره الله في سياق الإنكار على إبليس في بيان فضل آدم، ولما كان لذكر الناس له يوم القيامة أي معنى.” إنتهى الإقتباس
أتفق مع الدكتور أن هذه الآية تدل على أن لإدم مكانة خاصة وأنه مكرما ومفضلا على كثير من المخلوقات، وأن الله تعالى خلقه بيديه، ولكن هل يدل الخلق بيدي الله تعالى أنه خلقه مباشرة من التراب، الجواب أننا لا نستطيع تأكيد هذه الدلالة، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء. ولا يصح لنا أن نتصور كيف كان هذا الخلق، فقط نفهم من الآية أن لخلق آدم مكانة خاصة، تسمو به على الجن، فهذا هو المعنى المراد وفق سياق الآية. أما الكيفية التي خُلق بها آدم، فهذا ما لا يمكن الإستدلال عليه من هذه الآية، لأن معرفة الكيفية يتوجب تصور وتخيل كيف كان خلق الله لآدم بيديه، وهذا يستدعي تشبيه الله تعالى بخلقه، وهذا قطعًا منهي عنه.
لأن تشبيه الله تعالى بخلقه من القضايا التي نهى عنها السلف بشدة، ونرى ذلك من إجابة “الإمام مالِك -رحمه الله- لمَّا جاءه رجُلٌ في مجلسهِ، فقال:﴿الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾[طه: ٥] ، كيف استوى؟
فقال له الإمام مالِك: ”الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمانُ به واجِب، والسؤالُ عنه بدعة“،[3] وهذا أيضًا مرويٌّ عن شيخه ربيعة، ”الاستواء غيرُ مجهول، والكيفُ غيرُ معقول“، إنتهى الإقتباس. وقوله الكيفُ غيرُ معقول، أي لا يمكن عقله، أي لا يمكن تصوره ولا يصح تخيله.
وقال نعيم بن حماد[4] رحمه الله: “من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه تشبيها“. إنتهى.
لهذا لا يصح لنا أن نتصور كيفية الخلق باليدين. الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، والفقهاء الذين قالوا إن لله يدين على الحقيقة لا المجاز، “يثبتون من الأسماء والصفات ما أثبته الله تعالى لنفسه من غير تأويل ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل”. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ومذهب السلف بين مذهبين، وهدي بين ضلالتين، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات، فقوله تعالى:لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]. رد على أهل التشبيه والتمثيل، وقوله:وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]. رد على أهل النفي والتعطيل.” إنتهى الإقتباس.
لهذا لا نستطيع -ولا يجدر بنا- أن نتصور اليدين وأن نتخيل طريقة الخلق لنرى هل كان هذا الخلق مباشرًا آنيًا أو مرحليًا. عليه، لا يصح الإستنتاج والبت من هذه الآية الكريمة أن آدم خلق مباشرة من التراب، وقد بين لنا القرآن الكريم كيفية هذا الخلق في آيات تفصّل ما ورد في هذه الآية مجملاً، والتي لم تتعرض لكيفية الخلق ولم يكن هذا المراد منها، وإنما بينت أهمية آدم وعلوه على الجان.[5] خاصة أن لدينا آيات أخرى فصّلت في بيانها لهذا الخلق. وقول الدكتور سلطان العميري: “حيث إنه خلقه بيديه مباشرة” نجد أن كلمة “مباشرة” التي أضافها الدكتور لا دليل عليها من هذه الآية.
أما الآية الأخرى التي يقول البعض أنها تبين أننا لا ولن نستطيع أن نعرف كيف كان خلق الإنسان، وهي في قوله تعالى: { مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)} سورة الكهف. وهذه الآية تعود على إبليس وذريته ولا تعود على البشر. وحتى لو عادت على المشركين كما ورد عند بعض المفسرين، فعدم حضور ومشاهدة كيف كان الخلق لا يدل على عدم قدرة المخلوق على معرفة كيفية الخلق إذا كان هذا الخلق معقولاً، أي يمكن معرفته بالنظر والدراسة والإستنباط العقلي، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في الآية الكريمة: { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ…..(20)} سورة العنكبوت. وسنأتي على تفصيل هذه الآية لاحقًا.
بعد هذه المقدمة، سننظر في الحلقات القادمة بالتفصيل في بعض الآيات المتعلقة بخلق الإنسان، لأن المشكلة أن الذين يصرون على الخلق المباشر، أنهم حين يتناولون هذه الآيات يأتون بشروح وكلام إنشائي كثير مهملين كلمة أو حرفًا في الآية يمرون عليهم مر الكرام، فيقتنع المشاهد الذي يأخذ بالفكرة العامة، بينما الحقيقة تكمن في التفاصيل. القصد من دراسة أي آية أن نجد المعنى المباشر الذي تدل عليه منها أي من الآية ذاتها، وليس المعنى الذي نفرضه عليها حتى يوافق تصوراتنا المسبقة.
- وعلي أن أوضح هنا نقطة هامة، سبق وقلت أن علومنا المعاصرة وتصوراتنا المسبقة لها تأثير على ما تدل إليه الآيات الكريمة، وأن المعنى يتأتي من تفاعل النص الثابت مع معارفنا وعلومنا، ولا يجب أن يُفهم هذا أنه يعني فرض تصوراتنا على دلالة الآية الكريمة، وإنما ما قصدته، أننا لو وجدنا الدلالة المباشرة للآية الكريمة، كمثال تشير إلى أن آدم لم يخلق من التراب مباشرة، لن نرفض هذا المعنى، لأن علومنا تجده معقولا وممكناً، بينما لم يقبل السلف هذا المعنى لأن معارفهم لم تتقبله، فكما سبق؛ بينا ما ورد في كتب اليهود، عن الخلق المباشر. أي أن معارفنا وتصوراتنا المسبقة تسمح لنا بقبول المعنى المباشر، الذي لم يقبله السلف كما سنرى في الحلقات القادمة عند النظر في دلالات آيات خلق الإنسان. وأكرر هنا أن كلانا أصاب في فهم المعنى المرادُ له أن يفهمه.
أعود الى حديثي عن هذه الحلقات. إنها رحلة طويلة، لا يصح إختصارها وإيجازها، لهذا أرجو من المشاهدين التكرم بالصبر والتركيز في ما نناقشه، فقد تجدونه مفصَّلا إلى درجة الملل، إلا أن الأمر جلل ويستحق أن نفرد له كل ما يحتاجه لنتبين حقيقة الأمر، سواء كان هذا الخلق مباشرة من التراب أو عبر مراحل متعددة، وعلينا أن ننظر في كل كلمة وكل حرف ورد في الآيات التي نحن بصددها، وإلا نترك أي منها أو نهمل أثرها في المعنى، هذا القرآن رسالة من الله تعالى أداها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وأبلغنا إياها؛ وحفظها الله تعالى لنا، وعلينا أن نفهم هذه الرسالة كما أراد الله في قوله تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)} سورة فصّلت.
أي أن علماءنا سيرون أولاً الآيات بما يكتشفونه في الآفاق أي في الكون المنظور وفي أنفسنا أي في الأحياء، وكلما تقدمت علومنا ومعارفنا سنجد أن هذا القرآن يوافق ما نجده من العلوم والمعارف، فيتبين لنا أنه أي القرآن هو الحق.
القرآن، الذي حفظه الله تعالى لقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} سورة الحجر، والذي سيبينه الله تعالى لقوله {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} سورة القيامة، يتضمن بين كلماته وأحرفه هذا الإعجاز الذي يتميز به عن سائر الرسالات والكتب السماوية التي سبقته، لهذا توجب علينا الإستمرار دائمًا في النظر في دلالات ومعاني آياته الكريمة في ضوء أحدث العلوم والإكتشافات. ويجب علينا أن نبذل أقصى جهدنا لفهم معانيه، وبيانه سيأتينا من عند الله تعالى.
وحيث أن أكثرية الذين يقولون بالخلق المباشر، يعتمدون على تفاسير السلف، سأعرض هنا بعض أجزاء من هذه التفاسير، لبيان أنها وإن صلحت في زمانهم، لم تعد كذلك في زماننا. بل ونجد في شروحهم أن هناك ممن عاصرهم، من قال برأي مخالف في معاني الآيات التي نحن بصددها، فعرضوا جزاهم الله خيرا كل الأقوال على إختلافها. ولأننا نعرض هذه التفاسير، ستكون الدراسة أطول وأعمق، وهذا ما تتطلبه دراسة مثل هذا الموضوع الهام.
الجزء الثاني
نأتي إلى الجزء الثاني حيث ننظر في الآيات المتعلقة بخلق الإنسان. في الآية الأولى من سورة الإنسان، في قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا(1)}
سأبدأ بسرد ما قاله السلف في تفسير هذه الآية، جاء في تفسير الأمام الطبري:
“يعني جلّ ثناؤه بقوله: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ ) قد أتى على الإنسان، و’هل’ في هذا الموضع خبر لا جحد، وذلك كقول القائل لآخر يقرّره: هل أكرمتك؟ وقد أكرمه؛ أو هل زرتك؟ وقد زاره، ……… والإنسان الذي قال جل ثناؤه في هذا الموضع: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ): هو آدم صلى الله عليه وسلم كذلك.
وقوله: ( حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ) اختلف أهل التأويل في قدر هذا الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو أربعون سنة، وقالوا: مكثت طينة آدم مصوّرة لا تنفخ فيها الرّوح أربعين عامًا، فذلك قدر الحين الذي ذكره الله في هذا الموضع، قالوا: ولذلك قيل: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) لأنه أتى عليه وهو جسم مصوّر لم تنفخ فيه الروح أربعون عاما، فكان شيئا، غير أنه لم يكن شيئا مذكورا، قالوا: ومعنى قوله: ( لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) لم يكن شيئا له نباهة ولا رفعة، ولا شرف، إنما كان طينا لازبًا وحمأ مسنونا.
وقال آخرون: لا حدّ للحين في هذا الموضع؛ وقد يدخل هذا القول من أن الله أخبر أنه أتى على الإنسان حين من الدهر، وغير مفهوم في الكلام أن يقال: أتى على الإنسان حين قبل أن يوجد، وقبل أن يكون شيئا، وإذا أُريد ذلك قيل: أتى حين قبل أن يُخلق، ولم يقل أتى عليه. وأما الدهر في هذا الموضع، فلا حدّ له يوقف عليه.” إنتهى كلام الإمام الطبري.
أتفق الجميع أن “هل” ليست سؤالا ينفي أن يكون قد مر على الإنسان حين من الدهر، بل هي إخبارًا بحقيقة، أي أن هل أتى تعنى قد أتى على الإنسانِ حينٌ من الدهر لم يكن شيئَا مذكورا.
لاحظ ما ذكره الإمام الطبري -في آخر فقرة- من قول الآخرين: “وغير مفهوم في الكلام أن يقال: أتى على الإنسان حين قبل أن يوجد، وقبل أن يكون شيئا، وإذا أُريد ذلك قيل: أتى حين قبل أن يُخلق، ولم يقل أتى عليه.”
هذا الإعتراض الصحيح الذي يعود إلى السلف الأوائل، ينفى صحة ما سبق ذكره عن طينة آدم المصورة والتي لم يُنفخ فيها الروح لأربعين سنة، لأنها أي طينة آدم المصورة وإن كانت شيئًا إلا أنها لم تكن إنسانا بعد، والآية حددت أنه أتى على الإنسان؛ أي كان الإنسان حيًا موجودًا عندما مر عليه حينٌ من الدهر. ولهذا فالتفسير المذكور من أن هذه الآية تعود على طينة آدم المصورة قبل أن ينفخ فيها الروح؛ لا يصح.
“الدّهْرُ: هو الزمان الطويل وقيل الدهرُ مدّةُ الحياة الدّنيا كلها. وحينٌ من الدهرِ؛ الحِينُ : وقْتٌ من الدّهر مُبْهَمٌ، طال أَو قَصرُ. “
ومدة الحياة الدنيا كلها، إما تبدأ من خلق الأرض، أو من خلق الكون كله. والأولى أربعة ونصف مليار سنة، والثانية 13,8 مليار سنة. وعليه فالحين من الدهر قد يكون مئات الآلاف أو الملايين من السنين.
يبين الله تعالى لنا أن الإنسانِ -ولفظ الإنسان يدل أنه موجود- قد مضى عليه بعد خلقهِ حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا.
ولو أخذنا معنى لفظ الإنسان هنا على أنه آدم، أول البشر، كما فعل كل المفسرون الأوائل، فسنقع في إشكالية أن آدم خلق وتعلم وأكرم، ودليل تكريمه أن الملائكة سجدت له، ولهذا فآدم ليس هو الإنسان المذكور في الآية، لأن آدم عليه السلام لم يمضي عليه حين من الدهر لم يكن فيه شيئَا مذكورا. ولو نظرنا إلى أبناء آدم وسلالته، فكل هؤلاء شملتهم الآية الكريمة: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)} سورة الإسراء. ولهذا فكل الناس من نسل آدم كرموا، وبهذا التكريم يصبحون شيئًا مذكورا. وعليه فإن تكريم آدم وكل ذريته يحتم بالضرورة أن تعود الآية {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم.
والإنسان هنا يصعب أن نعتقد أنه يعود الى شخص واحد، لأن أعمار الناس لا تقاس بإجزاء من الدهر، لأن هذه الإجزاء تكون أطول من عمر الإنسان. ولهذا فالأغلب أنها تعود على النوع الإنساني، أي جنس الإنسان.
القول هل أتى على الإنسان حين من الدهر، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا يستحق الذكر، نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه حينٌ من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا. إذ أنه منذ أن وقف المخلوق على قدميه، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة قبل أن يظهر الإنسان الحديث – الهوموسابيان – والذي مضى عليه قرابة الثلاثمائة ألف سنة قبل أن يترك لنا آثارًا نستطيع من خلالها أن نذكره، أي حتى أصبح شيئًا مذكورا.
أي أن الإنسان الذي تشير إليه هذه الآية ليس آدم، وإنما سابق له، وليس شخصًا واحدًا، وإنما هو النوع الإنساني. أضف إلى ما سبق، أن القرآن الكريم أشار إلى آدم بإسم بشر، ولم يشر إليه بإسم إنسان، وهذا ما سنبينه لاحقًا.
والسؤال الذي أسئله إذا أخذت بفرضية الخلق المباشر من التراب، ما هو تفسير هذه الآية في ضوء ذلك الخلق المباشر، والذي لم يكن قبله بشر ولا إنسان. من هو الإنسان الذي مضى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورا. هنا أجد صعوبة لا يحلها إلا فرضية الخلق التطوري الموجه. وقد لا يعني هذا أن آدم نتاج هذا التطور، فقد يكون آدم خلق خلقًا منفصلاً عن النوع الذي ظهر نتيجة التطور الموجه، ولمعرفة أيهما ننظر في بقية الآيات.
وفي قوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ………..(11)} سورة الأعراف
يقول الإمام الطبري: “القول في تأويل قوله : {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ(11)}
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
……………….
فقال بعضهم: تأويل ذلك: (ولقد خلقناكم)، في ظهر آدم، أيها الناس، (ثم صورناكم)، في أرحام النساء. خلقًا مخلوقًا ومثالا ممثلا في صورة آدم.
عن ابن عباس قوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) الآية، قال: أمّا ” خلقناكم “، فآدم. وأمّا ” صورناكم “، فذرية آدم من بعده.
عن الربيع بن أنس في قوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم)، يقول: خلقناكم خلق آدم، ثم صَوَّرناكم في بطون أمهاتكم.
عن الضحاك: (خلقناكم ثم صورناكم)، قال: ذريته. علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم كسا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر.
عن عكرمة: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم)، قال: خلقناكم في أصلاب الرجال، وصوّرناكم في أرحام النساء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: (خلقناكم)، يعني آدم، (ثم صورناكم)، يعني في ظهره.
وقال آخرون: معنى ذلك: ” ولقد خلقناكم “، في بطون أمهاتكم ” ثم صورناكم “، فيها.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ)، ولقد خلقنا آدم (صَوَّرْنَاكُمْ)، بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجلَ بالأفعال تضيفها إليه، والمعنيُّ في ذلك سلفه، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ، [سورة البقرة: 63]. وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحيّ الموجود، والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناه.
وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ)، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم، قبل أن يصوِّر ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلُق أمهاتهم.
و ” ثم ” في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: ” قمت ثم قعدت “، لا يكون ” القعود ” إذ عطف به بـ” ثم ” على قوله: ” قمت ” إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو، جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: ” قمت وقعدت “، فجائز أن يكون ” القعود ” في هذا الكلام قد كان قبل ” القيام “، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفًا، لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها، من غير دلالة منها بنفسها على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين، أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إنّ قوله: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم)، لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا.”
“فإن ظن ظانّ أن العربَ، إذ كانت ربما نطقت بـ” ثم ” في موضع ” الواو ” في ضرورة شعره، …………… فإن ذلك بخلاف ما ظن . وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نـزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذّ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهومٌ ووجه معروف.”
وأضاف الإمام الطبري لاحقًا: ” في أنه غير جائز أن يكون أمرُ الله الملائكةَ بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير، لما وصفنا قبل.” إنتهى كلام الإمام الطبري.
أي أن الإمام الطبري ومن عاصره إختلفوا في فهم هذه الآيات الكريمة، عرفوا المعنى المباشر من أن هناك من كان قبل آدم ولكنهم رفضوا هذا المعنى لإعتقادهم المسبق أن آدم أول الناس وأن كل من هم غير آدم هم من ذريته ولهذا لا يمكن أن يسبقوه. فتُرك المعنى المباشر لما عرفوا من إستحالته حيث قال الإمام: “ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم، قبل أن يصوِّر ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلُق أمهاتهم.”
الإمام الطبري والمفسرون الأوائل لم يكن لديهم علم سوى ذاك المقتبس من كتب اليهود والتي دلت الى الخلق المباشر من الطين، إذ جاء فيها: (وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً) (سفر التكوين 2 : 7) ومعنى جَبَلَ؛ جبل الله الخلق : خلقهم، وجَبَلَ البَنَّاءُ التُّرَابَ :- : صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَخَلَطَهُ لِيَصِيرَ طِيناً. وهنا نجد في كتاب اليهود وصفًا صريحًا لطريقة خلق آدم من التراب مباشرة لا يحتمل إلا هذا المعنى وهو الخلق المباشر من الطين. فرسخ في معارف الناس في تلك الأزمنة أن آدم أول الناس خلق مباشرة من الطين، ثم خلقت زوجته حواء من ضلعه كما ورد في كتاب اليهود، ومنهما جاء كل الناس. وكان هذا هو الشائع في تلك الأزمنة. إلا أننا لا نجد في القرآن الكريم مثل ما ورد في كتب اليهود، والذي دل بوضوح إلى خلق آدم مباشرة من التراب، ولا نجد في القرآن خلق حواء من ضلع آدم، بل ولا نجد أسم حواء[6]، وسنرى هذا بأنفسنا حيث سننظر في كل آية تتعلق بخلق الإنسان.
القرآن صيغ بحيث يسمح بهذا الفهم ليناسب معارفهم في تلك العصور، فلا يبلبل أفكارهم ويأت بما يتعارض مع علومهم، وكما قلت في دراسات سابقة أن القرآن حرص على أن لا يؤثر على التقدم الطبيعي للمسيرة المعرفية للإنسان، وكل ما أحتواه من علوم صحيحة، لا يتبين للناس إلا بعد أن يصلوا إلى هذه المعرفة، فيعلموا أن هذا القرآن هو الحق من عند ربنا. أي أن دلالة هذه الآيات تتغير مع تطور معارفنا. وقد تبين لنا من خلال الحفريات والعظام التي وجدناها، أن نوع الإنسان[7] ظهر منذ مليون أو بضع مليون سنة، وأن نوعنا ظهر قبل ثلاثمائة ألف سنة، وأنه لم يكن شيئًا مذكورا معظم هذه المدة، حتى أصطفى الله تعالى آدم وسواه أي أتم خلقه ونفخ فيه من روحه فأصبح خلقًا آخر هو البشر، وعلمه البيان وعرضه على الملائكة ثم كان ما كان من تكبر أبليس ومعصية آدم[8] وما تلاها من الهبوط من الجنة.
ولو عدنا الى الآية الكريمة لنفهمها في ضوء معارفنا الحديثة: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ….. (11)} نجد أن المعنى المباشر دون أي تكلف أو تحميل الألفاظ معانٍ ليست منها: المخاطب هو عامة الناس {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ}: أي خلقنا نوعكم الإنساني، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}، أي جعلنا نوعكم على الصورة والهيئة والشكل الذي أنتم عليه. لأنه إذا كان المقصود آدم وكان المعنى ما قال به الأوائل، فسيكون السرد: ولقد خلقنا الإنسان ثم صورناه ثم قلنا للملائكة إسجدوا لآدم. أو ولقد خلقنا آدم ثم صورناه ثم قلنا للملائكة إسجدوا له، وهذا ليس ما ورد في الآية الكريمة.
أي أن المعنى المباشر من الوضوح بما لا يحتاج لإي مما قلناه ومما قاله الأوائل. خلقناكم وصورناكم أيها الناس قبل أن يسجد الملائكة لآدم. أي خلقنا النوع الإنساني ثم صورناه {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وهنا أصطفى الله آدم من النوع الإنساني الذي خلقه وصوره. ونلاحظ أن الخلق سبق التصوير، أي أن المخلوق لم يكن على الشكل الذي نحن عليه عندما خلق. وهذا في حد ذاته ينفي الخلق الآني المباشر لأن الخلق المباشرالمفترض فيه أن يكون خلقًا مباشرا على صورة آدم. لا أن يُخلق أولاً ثم يصور في مرحلة لاحقة.
النص صريح، المخاطب نحن أي الناس أي النوع الإنساني أي البشر (والبشر آخر حلقات التطور)، لقد خلقناكم أيها الناس (بدأتم خلية من الطين) ثم صورناكم أي غيرنا خلقتكم (خلقناكم في مراحل وأشكال وصور كما فصّل النص في آيات أخرى سنوردها فيما بعد) حتى بلغتم الصورة التي أنتم عليها، (ثم –كما فصّل القرآن في آيات قرآنية أخرى- فلما أستوى أي أنتهت عمليات تصويره وتطوره وإكتمل. أصطفينا آدم (ونفخنا فيه من روحنا وجعلناه خليفة وعلمناه الأسماء وكل هؤلاء نجدهم في آيات أخرى مفصلة مكملة لهذه الآيات التي نحن بصددها) – ثم قلنا للملائكة إسجدوا لآدم.
وهذا المعنى المباشر الذي تدل عليه الآية يدلنا أن خلق النوع سابق لخلق آدم.
أسأل نفسك؛ لو كان آدم أول الناس، فلماذا يقول الله تعالى لنا : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ………..(11)} والقرآن الكريم كتاب مبين، كما أخبرنا الله تعالى[9] {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)} سورة الزخرف. يقول إبن كثير في شرح والكتاب المبين: “أي : البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ؛ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس.”
والمعنى البين الواضح الظاهر الذي يفهمه كل الناس، هو خلقناكم أي خلقنا نوعكم، ثم صورناكم أي صورنا نوعكم على الصورة التي أنتم عليها، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة إسجدوا لآدم. أليس هذا هو المعنى “البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ”.
هل هذا ينفي الخلق المباشر لآدم من الطين، نعم ولا، لأنه من الممكن أن الله خلق كل الأنواع بما فيهم النوع الإنساني ثم خلق الله آدم خلقًا مباشرًا وسواه بالإنسان المخلوق سابقًا ونفخ فيه من روحه ومنحه الوعي بذاته واللغة والقدرات العقلية. وهذا قد لا ينفي خلق آدم من الطين مباشرة.
ويجدر أن أضيف هنا أن من الممكن أن نقول أن التطور حدث لكل الأنواع الحية بما فيها الإنسان عدا البشر ذرية أباهم آدم، وأن آدم خلق مباشرة من التراب، أو أن الله خلق كل الأنواع كل نوع على حدة (علمًا أن هناك أكثر من ثمانية مليون نوع)، وأن كل نوع خضع للتطور الأصغر أي التكيف مع بيئته، بما فيهم الإنسان، وأن الله إما أصطفى آدم من نوع الإنسان أو خلق آدم من التراب مباشرة وسواه مع الإنسان الموجود، ونفخ في آدم من روحه. حتى الآن كل هذه الإحتمالات ممكنة، وما علينا إلا الإستمرار في دراسة آيات الخلق، حتى نجد ما يرجح إحتمال وينفي آخر.
الجزء الثالث
نأتي هنا إلى الحلقة الثالثة؛ في قوله تعالى: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9)} سورة السجدة
أستشكلت هذه الآية على أصحاب الخلق المباشر. فلو قلنا أن آدم أول الخلق هو المذكور في الأية الأولى، ثم نجد أن له نسل من سلالة من ماء مهين، ثم نجد في الآية التاسعة أن الله سواه ونفخ فيه من روحه، أي عدنا إلى آدم لأنه هو من سواه الله وهو من نفخ فيه من روحه. هنا نقع في مشكلة أن آدم كان له نسل قبل أن يستوي وينفخ فيه الروح. وهذا طبعًا لا يصح.
ننظر أولاً إلى ما ذهب إليه المفسرون الآوائل،
(وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) (7)
قال ابن كثير: ”يَعْنِي خَلَقَ أَبَا الْبَشَر آدَم مِنْ طِين،“ وقال مثله الطبري والقرطبي.
(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (8)
قال أبن كثير: ”أَيْ يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَة تَخْرُج مِنْ بَيْن صُلْب الرَّجُل وَتَرَائِب الْمَرْأَة“. وقال الطبري: ”يَعْنِي ذُرِّيَّته مِنْ سُلَالَة ، يَقُول : مِنَ الْمَاء الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ“. وقال القرطبي: ”مِنْ مَاء مَهِين “ ضَعِيف“.
(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَة) (9)
قال أبن كثير:” ” ثُمَّ سَوَّاهُ“ يَعْنِي آدَم لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ يَعْنِي الْعُقُول.“
قال الطبري: ” ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا ، {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه} فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا.“
قال القرطبي: ” رَجَعَ إِلَى آدَم ، أَيْ سَوَّى خَلْقه ” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه “ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذُرِّيَّته فَقَالَ : ”وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “
أتفق أغلب المفسرون أن {..وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7)} تعود الى آدم؛ وأن {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8)} لفظ نسله يعود الى ذرية آدم؛ وأن { ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ …} تعود الى آدم. وأن {… وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9)} تعود علينا أي على جميع الناس.
والمراحل المذكورة في الآية تبدأ كل منها بحرف “ثم”، وكما سبق وبينا بالتفصيل ما قاله الإمام الطبري، أن “ثم” تحتم التتابع والترتيب الزمني، أي أن ما قبلها حدث زمنيًا قبل حدوث ما ورد بعدها. فسنجد أن الله سوى آدم ونفخ فيه من روحه، بعد أن كان لآدم ذرية ونسل.
أي لو عدنا إلى المعاني التي ذهب إليها المفسرون، بأن ”بدأ خلق الإنسان من طين“ تعود الى آدم، فالسؤال الذي سيراودنا هو كيف كان آدم وذريته يتزاوجون ويتناسلون كجنس مكتمل يعي ويسمع ويرى، ولم يكن آدم قد استوى، ولم يكن قد نفخت فيه الروح بعد.
أما في زمننا هذا، تدارك بعض المعاصرون هذه المشكلة، إذ يقول الدكتور إياد قنيبي في حلقته “رحلة اليقين ٥٦: فانظروا كيف بدأ الخلق-هل أشار القرآن لتطور الإنسان؟” في تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُون (9)}
يقول الدكتور إياد “آدم هو الذي ظهر في الآية 7 {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7)} أي بدأ خلق جنس الإنسان في خلق آدم من الطين. ثم تناسل الإنسان من بعد آدم من الماء المهين أي النطفة، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، أي سوى كل إنسان في رحم أمه ونفخ فيه من روحه.” إنتهى الإقتباس عن الدكتور إياد.
ولم يبين الدكتور إياد كيف أن آدم الذي خُلق في الآية 7 وفق قوله، لم يأت فيها ذكر التسوية والنفخ في آدم من روح الله، والمعروف حسب الآيات الأخرى في القرآن، أن الله خلق آدم وسواه ونفخ فيه من روحه، ، لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)} سورة الحجر ومثلها في سورة ص[10].
ثم نذهب الى الآية الثامنة، {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ}، هنا أيضًا يوجد نسل لآدم من سلالة من ماء مهين قال لنا أنها النطفة، هؤلاء النسل أبناء وأحفاد آدم، لماذا لم يُنفخ فيهم من روحه، إذا كان وفق ما قاله الدكتور، أن الله تعالى يسوى كل إنسان في رحم أمه وينفخ فيه من روحه، فلماذا هؤلاء نسل آدم المذكورين في الآية 8 لم يتم تسويتهم والنفخ فيهم من روحه.
ثم نأتي إلى الآية التاسعة، ونسأل لماذا فقط الذي في الآية 9 وحده هو الذي سواه الله تعالى ونفخ فيه من روحه، لماذا تميز هذا عمن سبقه من أبناء ونسل آدم المذكورين في الآية 8 وكلهم من أبناء وحفدة وذرية آدم.
ثم إلى من تعود الهاء في لفظ سواه في الآية 9. لو كانت تعود إلى كل إنسان في رحم أمه كما يقول لنا الدكتور، لما كان القول سيكون ثم سواه، كان سيكون ثم سواكم، لأنه في نفس الآية ۖ {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ}، القول هنا “لكم”. فكيف في نفس الآية “سواه” “وجعل لكم”، لهما نفس الدلالة ويشيران إلى نفس الشيء؟ سواه مفرد وجعل لكم جمع. المعنى الذي وضعه الدكتورلا يتأتى إلا بالقول ثم سواكم ونفخ فيكم من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة. إلا أن هذه الآية تقول ثم سواه وليس ثم سواكم، ولا يصح أن نتغاضى عن المعنى الذي حدده لفظ سواه والذي يعود الى الإنسان الذي بدأ خلقه في الآية 7 من الطين.
الآية واضحة بينة، لأن حرف الهاء في سواه لا تعود إلا الى الإنسان المذكور في الآية 7 أو الى نسله المذكور في الآية 8، ولا يوجد أي دلالة لغوية أو منطقية أو أي إستدلال آخر في أنها تعود إلى كل الناس كما يقول الدكتور إياد.
أضف إلى ما سبق أنه لا توجد آية واحدة في القرآن تدل أن الله تعالى يسوي وينفخ من روحه في كل إنسان وهو في رحم أمه. جاء في القرآن أن الله تعالى نفخ من روحه في خلق آدم، وفي السيدة مريم في خلق عيسى، ولا أحد ذُكر في القرآن غيرهما نفخ الله تعالى فيه من روحه. أما النفخ في كل إنسان وهو في رحم أمه فهذا مذكور في حديث[11] ذُكر فيه أن الملاك هو الذي ينفخ الروح في كل إنسان وهو جنين في بطن أمه، بينما هذه الآية تقول أن الله تعالى هو الذي نفخ فيه من روحه. أضف أن الآية تقول ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ، والحديث الشريف لا يذكر أن الملاك يسوى كل جنين وهو في بطن أمه.
إن الذي سواه الله ونفخ فيه من روحه هو آدم أول البشر، لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)} سورة الحجر ومثلها في سورة ص.
ولفظ سواه يعني أبلغه أشده ومنتهاه، تقول العرب للفتى الذي بلغ أشده أستوى، جاء في لسان العرب لابن منظور عن الليث: “الاستواءُ فعلٌ لازمٌ من قولك سوَّيته فاستوى، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وأيضًا استوى الشيء اعتدل، واستوى الرجل: بلغ اشده، وقوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ.”
ومن آيتي سورة الحجر، نجد أن الخلق يبدأ مِّن {صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُون}، ويكتمل في {سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}
لهذا نجد لفظ “بدأ” في الآية السابعة من سورة السجدة، و “ثم سواه” في الآية التاسعة. بما يدل أن ما بدأ خلقه في الآية 7 قد أستوى وإكتمل في الآية 9
وعليه فالإنسان الذي بدأ خلقه في الآية 7 ونسله الذين ذكروا في الآية 8 لم يكونوا قد تمت تسويتهم بعد. وآدم تمت تسويته ونفخ الروح فيه قبل أن يكون له نسل. وهذا لا يترك مجالا إلا أن يكون آدم هو المذكور في الآية 9.
أي أن التفسير المعاصر الذي قال به الدكتور إياد قنيبي لا يصح أيضًا. لأنه لو كانت التسوية والنفخ من روح الله تعالى تحدث لكل الناس كما يقول الدكتور، فلماذا آدم في الآية 7 ونسله في الآية 8 لم يتم تسويتهم والنفخ فيهم من روحه! أليس هؤلاء من كل الناس. فلماذا خلق آدم هنا دون ذكر التسوية والنفخ من روحه؟ وخلق نسله المذكورين في الآية الثامنة ولم تُذكر التسوية والنفخ من روحه تعالى، بينما ذكرا فقط في المتأخرين من ذريته.
بالطبع الإجابة أن التسوية ونفخ الله تعالى من روحه ذكرا في الآية 9 لأنها تختص بإتمام خلق الإنسان بشرًا هو آدم عليه السلام. ولهذا آدم هو المذكور في الآية التاسعة، أي عندما أستوى المخلوق الذي بدأ خلقه من الطين في الآية 7، والذي تناسل في الآية 8، حتى سواه الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه، وجعل لنا (أي للنوع الإنساني) السمع والأبصار والأفئدة، وذكر هذا الجعل تذكيرًا لنا بنعم الله علينا، لقوله سبحانه وتعالى بعد ذلك {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ}.
لو تركنا فرضية أن آدم خلق من التراب مباشرة، ونظرنا إلى الآيات الكريمة، فسنفهم مرادها بكل سهولة ويسر، ولن نحتاج الى التعقيد والدوران وتقويل الآيات ما لم تقله. لو ننظر في الآيات من سورة السجدة في ضوء معارفنا الحديثة، أن النوع الإنساني الحديث، أي البشر، أول ظهور له كان في آدم، فيكون آدم هو آخر سلسلة الخلق وليس أولها، أي أنه هو الموصوف في الآية 9 وليس الآية 7.
وعليه تكون دلالة الآيات المذكورة كما يلي:
{ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9)} سورة السجدة
تدلنا هذه الآيات من سورة السجدة أن الإنسان قد بدأ خلقه من طين، وضع خطًا تحت كلمة بدأ فهي لها معنى ودلالة ولا يصح التغاضي عنها أو إهمالها، فالبدء يدل على مرحلة تسبق الإكتمال والتسوية، الإنسان بدء خلقه من طين، ثم تخّلق عبر سلسلة من الكائنات التي تناسلت بدءًا من الكائن الأول، حتى إذا سواه الله فاكتملت صورته على هيئة إنسان، نفخ الله فيه من روحه، وبهذا نكون قد بلغنا المخلوق الجديد وهو آدم عليه السلام أبو البشر.
ويتضح لنا هنا أن آدم عليه السلام خلق عبر سلالة بدأ خلقها من الطين، وهذا ينفي الخلق المنفصل لآدم.
والآن ننظر في الآية (11) من سورة فاطر في قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …….}
والنطفة هي الماء قل أو كثر، جاء في لسان العرب: “قال أَبو منصور: والعرب تقول للمُويْهة القليلة نُطفة، وللماء الكثير نُطفة، وهو بالقليل أَخص”. وقوله عز وجل: خُلِقَ من ماءٍ مَهينٍ؛ أَي من ماء قليل ضعيف. ولو عدنا للآية من سورة السجدة {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8)} نجد أن الماء المهين هو النطفة.
جعلكم أزواجًا أي صيركم أزواجًا ، لم تكونوا أزواجا فجعلكم أزواجًا.
وهنا نجد أن النطفة سبقت الجعل أزواجًا، بما يدل أن النطفة في هذا السياق، ليست هي المني والبويضة –كما هي عليه في آيات أخرى تتعلق بالأجنة في الأرحام- نقول ليست هي المني أوالبويضة المخصبة، لأن الأزواج لم يكونوا جعلوا ووجدوا بعد. ولهذا فالنطفة المذكورة لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة التي بدأ خلقها من تراب، ولأنها كانت تتناسل لقوله (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، فان لم تكن تتناسل بالتزاوج، لأن الأزواج لم يكونوا قد جعلوا بعد، يبقى لدينا التناسل بالإنقسام، ونستنتج هذا أيضًا من قوله تعالى { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} سورة الزمر، وهنا خلقت أول خلية حية ثم أنقسمت على نفسها ليصبحا زوجين متماثلين متقابلين، وتكاثرا بعد ذلك بالإنقسام.
ولهذا فالدلالة المباشرة للآية يدل على الخلق من التراب ثم من خلية -نطفة- تتكاثر بالإنقسام أولا ثم بعد ذلك تتكثر بالتزاوج ذكر وأنثى.
ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية (وحيدة الخلية) تتكاثر بالإنقسام لمثلها، ثم مخلوقات ذات خلايا متعددة مجتمعة مركبة أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.
ونحن نعلم أن أول المخلوقات من التراب كان منذ قرابة 4 بليون سنة، كائن أولي بسيط ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. حتى قبل 1,7 بليون سنة عندما ظهرت كائنات أكثر تطورًا وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وبدأت قبل 1,2 بليون سنة تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام. وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن تطورت حتى ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا التي تنوعت ثم ظهر الإنسان منذ بضع مليون سنة.
والسرد المذكور في الآية يدل على الخلق من التراب ثم من خلية تتكاثر بالإنقسام ثم بالتزاوج. ويسمح السرد في نفس الوقت بتفسيره كما فسره الأوائل وفق علومهم دون أن يسبب لهم إرباكاً وبلبلة.
الجزء الرابع
نبدأ هنا الجزء الرابع، بقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } سورة آل عمران:59
نعرف أن سيدنا عيسى لم يخلق مباشرة من التراب، وإنما أصل خلقه من التراب، وكما تبين من الآيات التي درسناها، أن آدم أيضًا لم يخلق مباشرة من التراب، ولهذا نجد أن عيسى مثله مثل آدم خلقهما الله تعالى من تراب، بمعنى أن أصل خلق النوع من التراب، والمعنى هنا يبين ويؤكد بشرية سيدنا عيسى كونه من النوع الإنساني الذي بدأ خلقه من التراب. وهذا يرد على النصارى الذين أدعوا أن عيسى إله أو أبن إله ويبين لهم أنه بشر مثل آدم.
لو كان معنى الآية كما يقولون، أي لا تستعجبوا أن عيسى خلق من غير أب فقد خلق آدم من غير أب ومن غير أم، المثل هو الشبه، وهنا شبه عيسى بآدم، فتوجب بيان أوجه الشبه. وخلق عيسى في رحم أمه من غير أب، لا يشبه خلق آدم من الطين ثم بقوله تعالى كن فيكون. فإن كان القصد بيان أن خلق عيسى أقل وأسهل من خلق آدم، فهذا تفاضل وليس تماثل. الآية ذكرت المثل، والمثل يستدعي التماثل، ولا تماثل بين من خلق من أم دون أب ومن خلق من التراب دون أب ودون أم. أما لو قلنا أن كلاهما خلق من التراب بمعنى أصل خلق نوعهما من التراب، فهذا تأكيدًا أنهما من نفس جنس البشر، فإن كان عيسى مثل آدم من جنس البشر، فهذا ينفي قطعًا أن يكون عيسى إلهًا والعياذ بالله من هذا القول، وكون عيسى من جنس البشر، يعد أقوى حُجة يُرد بها على من أدعوا إنه إبن إله، لأن السؤال هنا هل عيسى إله أم بشر، فيكون الرد القاطع أنه من جنس البشر، لأن أصل خلقه من التراب.
وحتى لا نكرر هنا ما ذكرناه من قبل، فقد ذكرت هذه الآية والآية 30 من سورة البقرة بالتفصيل في حلقة “مناقشة حلقة الدكتور إياد قنيبي: فانظروا كيف بدأ الخلق، هل أشار القرآن لتطور الإنسان” ويستطيع المشاهد العودة إليها بخصوص هاتين الآيتين، وتجدون هذه الآية في الدقيقة 1:35 من الجزء (2) {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)} سورة آل عمران
وكذلك الآية 30 من سورة البقرة وتجدونها تبدأ من الدقيقة 5:03 من نفس الجزء (2)، في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} لبيان كيف علم الملائكة أن من هم من جنس آدم من يفسد في الإرض ويسفك الدماء.
وكذلك الآية الكريمة { قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} سورة العنكبوت، والتي بينت أن الخلق كان معقولاً بمعنى أننا لو سرنا في الأرض وبحثنا ودرسنا فسوف نعرف كيف بدأ الخلق، لأن الله تعالى لا يأمرنا إلا بما نقدر عليه، ولأن هذه الآية تنفي الخلق الآني الإعجازي، الذي مهما سرنا في الأرض فلن نعرف كيف كان. لهذا قد فصلت لهذه الآية دراسة مطولة إستغرقت معظم الجزء الأول من حلقات “مناقشة حلقة الدكتور إياد قنيبي: فانظروا كيف بدأ الخلق……”. وقد وضعت الروابط في صفحة الوصف أسفل هذا الفيديو.
في قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)} سورة التين.
ذكر الإمام القرطبي ضمن أقوال كثيرة في شرح “في أحسن تقويم”: “لأنه خلق كل شيء منكبا على وجهه ، وخلقه هو مستويا”
وذكر الإمام الطبري ضمن أقوال كثيرة في شرح “في أحسن تقويم”: “وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيء من الحيوان إلا وهو منكبّ على وجهه غير الإنسان.”
تقويم : من قوم وهي أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم . وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وقيام، وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن إنتصابه، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، حين وصل المخلوق الى مرحلة الإنسان ذو القامة المنتصبة. Homo-erectus.
وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي أحسن وقوف وانتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، فليس في كل المخلوقات الأخرى من هو أحسن من الأنسان وقوفًا على قدمين. إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل وخاض الحروب وأفسد في الأرض. وهو يفعل ذلك منذ ان بلغ أحسن تقويم أي منذ أن وقف على قدميه وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان .
وفي قوله سبحانه وتعالى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ(133)} سورة الأنعام
الجنس أو النوع الإنساني الحديث (الهوموسابيان) والذي نحن منه، نشأ من ذرية نوعا آخر يسبقه، فقد سبقنا وتزامن معنا أنواع أخرى كثيرة منها الإنسان ذو القامة المنتصبة Homo erectus والنيانديرثال Neanderthal وغيرهما وقد أنقرضوا جميعًا ولم يبقي غيرنا، ونحن وهم فروعا عن أصل إنساني قبلنا، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، إذ بالرغم أننا جئنا من ذريتهم، أي أنهم أجدادنا، إلا أنهم قوم آخرين، والإختلاف هنا في النوع لا في النسب. والإنشاء يستدعي بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا. وهذا يناسب تطور الأنواع؛ بما لهذا التطور من امتداد زمني ونمو وظهور.
يقول الإمام الطبري: ” وأما قوله: (إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء)، فإنه يقول: إن يشأ ربُّك، يا محمد، الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه (يذهبكم)، يقول: يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم (ويستخلف من بعدكم ما يشاء)، يقول: ويأت بخلق غيركم وأمم سواكم، يخلفونكم في الأرض “من بعدكم “، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم، (كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)، كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلَكم .
ومعنى ” مِنْ” في هذا الموضع التعقيب، كما يقال في الكلام: ” أعطيتك من دينارك ثوبًا “، بمعنى: مكانَ الدينار ثوبًا، لا أن الثوب من الدينار بعضٌ، كذلك الذين خوطبوا بقوله: (كما أنشأكم)، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلَف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم .” إنتهى كلام الإمام الطبري
يقول الإمام الطبري من بمعنى مكان، ولو أخذنا بقوله، وإستبدلنا “من” ب “مكان” فتصبح الجملة : كما أنشأكم مكان ذرية قوم آخرين. وهو نفس المعنى كما لو قلنا: كما أنشأكم مكان قوم آخرين. أي أن لفظ ذرية أصبح زائدًا لا دلالة له، لأن ذرية القوم مشمولون في لفظ القوم، ولا يصح أن نقول أن هناك لفظ زائد لا فائدة منه.
وقد أشار الدكتور العميري إلى ما أقتبسناه من تفسير الإمام ابن جرير الطبري، ثم أضاف الدكتور: “فابن جرير يحمل الآية على أن الله يخبر أنه خلق بني آدم من ذرية قوم آخرين، لكن ذلك على جهة الإبدال في المكان والحال وليس على جهة التولد والتطور البيولوجي كما يقول أتباع التطور الموجه.”
ونقول للدكتور كيف يكن من جهة الإبدال في المكان والحال وليس على جهة التولد، وقد ذكرت الآية من ذرية قوم آخرين، اليست الذرية تعني التولد والنسل. قال ابن كثير: “وقال محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة قال : سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية : (كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) الذرية : الأصل ، والذرية : النسل.”
وقال الدكتور سلطان العميري “لكن الاستدلال بهذه الآية على أن آدم تطور عن مخلوقات سابقة عليه، غير صحيح؛ لأن الصحيح أن المراد بالقوم الآخرين في الآية هم الأجداد الذين كانوا سابقين على كفار قريش، وهذا القول ذهب إليه كثير من المفسرين، اعتماداً منهم على السياق الذي جاءت فيه؛ وذلك أن الآية جاءت في سياق تهديد الله المشركين الذين كانوا يستخفون بعذابه ويستعجلونه، فبيّن الله لهم أنه متصف بالرحمة، وأنه لو شاء لأهلكهم واستخلف من بعدهم قوماً آخرين لا يكونون مثلهم في العناد والعصيان، كما أنه سبحانه أنشأهم من قوم كانوا سابقين عليهم.”
الأجداد ليسوا قومًا آخرين، وإنما هم نفس القوم. ولا عذر أن الأوائل ذهبوا إلى هذه المعاني فهذا مبلغهم من العلم، أما نحن فقد تقدمت علومنا وعلينا تدبر كل كلمة وكل حرف في القرآن الكريم. والآيات التي أوردها الدكتور لتبين أن لفظ آخرين أطلقه القرآن على من هم من بنو الإنسان، إذ قال: “وأما الاعتماد على أن أجدادنا لا يوصفون بالآخرين، فهو مخالف لاستعمال كلمة الآخرين في القرآن نفسه، فإنها كثيراً ما تستعمل في التعبير عن الأصناف المختلفة من بني آدم أنفسهم، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } [المائدة: 41]، وكما في قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِين} [الأنبياء: 11]، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِين} [الدخان: 28].” إنتهى
كل هذه الآيات التي أوردها الدكتور ليس فيها “من ذرية” قوم آخرين. والذي نناقشه هنا هل الأجداد -الذين نحن من ذريتهم- يطلق عليهم قوم آخرين أم لا؟ فما علاقة هذه الآيات بما نتحدث عنه، بالطبع قوم آخرين -بدون لفظ ذرية- تستخدم كثيرًا في لغتنا. أما من ذرية قوم آخرين، فلن نجدها إلا في هذه الآية.
من كلام الإمام الطبري الآية تعود على كل بني آدم[12] وليس فقط المشركين. وهذا يتبين أيضًا في المعاني المباشرة للآيات التالية:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19)} سورة إبراهيم. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)} سورة فاطر. ترى هل تفهم خلق جديد على أنه ناس آخرين من نفس الخلق. بالطبع لا، خلق جديد تعني خلق من نوع جديد. وفي الآيتين، حتى وإن كانوا ناس آخرين من نفس النوع، فهؤلاء الجدد لم يرد عنهم أنهم من ذريتنا، هم آخرين ولا علاقة لنا بهم.
الأهم أن لدينا في الآية التي نحن بصددها من سورة الأنعام إضافة كلمة “ذرية” ولا يصح أن نهمل هذه الكلمة ونفسر دون إعتبار لوجودها. كل هذه التفاسير التي أتوا بها من أنهم قوم آخرين أبادهم الله ثم أخذنا مكانهم، نفهم هذا المعنى لو أخرجنا من الآية لفظ “ذرية”. أي لو قلنا “كما أنشأكم من قوم آخرين” أي مكان قوم آخرين كما قال الإمام الطبري. ولهذا فنفس الدلالة والمعنى لا يمكن أن يبقى نفسه بعد إعادة لفظ ذرية الى مكانه في الآية. اللفظ ليس زائدًا لا داع له، بل يحمل معاني هامة نفهمها وفق علومنا المعاصرة.
ولو عدنا إلى قول الإمام الطبري أن ’من‘ تعني ’مكان‘، حين قال: ” ومعنى ’مِن‘ في هذا الموضع التعقيب، كما يقال في الكلام: ” أعطيتك من دينارك ثوبًا “، بمعنى: مكانَ الدينار ثوبًا، لا أن الثوب من الدينار بعضٌ، كذلك الذين خوطبوا بقوله: (كما أنشأكم)، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلَف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم .” إنتهى كلام الإمام الطبري في هذه الآية.
ولكننا إذا عدنا إيضًا إلى ما قاله الإمام الطبري في تفسيره للآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ………..(11)} سورة الأعراف. إذ قال الإمام الطبري: “فإن ظن ظانّ أن العربَ، إذ كانت ربما نطقت بـ’ثم‘ في موضع ’الواو‘ في ضرورة شعره، …………… فإن ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نـزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذّ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهومٌ ووجه معروف.”
نقول هنا أيضًا، أنه لا يصح توجيه معنى “من” هنا الى معناها الشاذ “مكان” والآية لها “في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف”. إذ أنه وفق علوم زمن الإمام الطبري، آدم خلق مباشرة من التراب، لهذا ذهب الإمام وغيره من المفسرين إلى معناها الشاذ، بعد أن أستصعب عليهم دلالة الآية وفق معنى “من” الأفصح والأشهر. بينما علوم زمننا – لو أخذنا بالحفريات والعظام التي وجدناها- خلق آدم من التراب لم يكن مباشرة على الأرجح. وهذا ما تبينه الآية الكريمة وفق معنى “من” الأفصح والأشهر والمعروف، حيث أن للآية معنى مفهوم في عصرنا هذا.
وعليه، فمعنى الآية الكريمة المباشر هو ما نقرأه دون حاجة الى تفسير. الجنس أو النوع الإنساني الحديث[13]، والذي نحن منه، نشأ من ذرية نوعا آخر يسبقه، فقد سبقنا وتزامن معنا أنواع أخرى كثيرة[14] وقد أنقرضوا جميعًا ولم يبقى غيرنا، ونحن وهم فروعا عن أصل إنساني قبلنا، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، إذ بالرغم أننا جئنا من ذريتهم، أي أنهم أجدادنا، إلا أنهم قوم آخرين، والإختلاف هنا في النوع لا في النسب.
كنت قد ذكرت من قبل الإحتمالات المختلفة لكيفية الخلق، وكان أحدهم أن خلق النوع الإنساني كان سابقًا لآدم، وأن آدم أبو البشرخلق خلقًا منفصلا مباشرة من الطين، ولكن هذه الآية ترجح أن آدم خلق من النوع الإنساني الذي سبقه ولم يكن خلقه منفصلاً.
الجزء الخامس والأخير
وفي قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} سورة آل عمران
الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، أو كما قال البعض: إصطفاء آدم كان على الجن والمخلوقات الأخرى، ويصح المعنى بأي من هؤلاء، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمان آدم، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم.
وفي قوله تعالى:{ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)} سورة مريم
هنا نجد “من ذرية آدم”، وبفرض ان آدم كان الأول ولم يكن هناك غيره، فكل الناس حتى يومنا هذا يكونون من ذرية آدم، ولن توجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داع لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)} سورة الحجر
قال ابن فارس : الإنسان : ’’أنس أصل واحد هو ظهور الشيء، وكل شيء خالف طريقة التوحش.‘‘ وجاء في القاموس المحيط: “واسْتأْنَسَ: ذَهَبَ تَوَحُّشُهُ”
أما بشر فى اللغة تدل على “ظهور الشىء مع حسن وجمال وسمى البشر بشرًا لظهورهم، ومنه البشرى وذلك يكون بالخير “.
ولقد خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وخلق تعنى أن الله تعالى قدر ما منه وجود الإنسان، أي أن يصبح الصلصال وهو الطين المتغير في مبلغه وكنهه ونهايته إنسانًا، ثم بشر، وفي قوله تعالى فاذا سويته، أي إذا أبلغته أشده ومنتهاه.
وهنا في آيات سورة الحجر، نجد أن هناك فصلا واضحا بين خلق الإنسان وخلق البشر، لقد اهتم القرآن ببيان حقيقة أن الجان خلق قبل الإنسان، وهذا لأنه قدم موضوع خلق الإنسان عن موضوع خلق الجان في سياق ترتيب الأخبار. وقد أدى تقديم خلق الإنسان على خلق الجان في سياق السرد القرآني، الى الفصل بين آيتي خلق الإنسان وخلق البشر، وهما وأن خلقا من نفس المكونات، أختلفت أسمائهما، فهذا إما أن يكون فصلاً بين خلقين مختلفين وان كانا من نفس المكونات، أو تكرارًا، فان كان تكرارًا فلماذا يختلف الأسم.
ونحن نأخذ بالإختلاف النوعي الذي قد تدل عليه الآيات من إختلاف الأسماء، إذ نفترض أن البشر اختلف عن الإنسان، ربما في الخلق، وربما في التطور، وربما في أن الله علمه الأسماء. إذ ليس في الآية ما يمنع أن نفترض ان الإنسان خلق من خلال عملية تطورية استغرقت بلايين السنين. وقد نفترض أن يكون البشر هو الإنسان الذي تطور الى حد يتمكن معه من تلقي العلم، أي أنه مرحلة لاحقة من مراحل التطور، وقد أخذنا هذا المعنى من قوله سبحانه وتعالى : { الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) } سورة الرحمن . يقول ابن كثير: ”يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى ”الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان“ قال الحسن يعني النطق وقال الضحاك وقتادة وغيرهما يعني الخير والشر وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن وهو أداء تلاوته إنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها“. إنتهى
وقد وجد علماء التطور ان ظهور الإنسان الحديث – وهو الذي نحن من سلالته – تزامن مع تغير في جمجمة الإنسان الأول من جهة تكون عظام الفك والحلق بما أدى الى تيسير النطق وتسهيل خروج الحروف، مع وصول حجم المخ الى الحجم الحالي. أي أن البشر هو الإنسان الحديث. وآدم هو أول البشر. وقد تعلم آدم الأسماء كلها؛ وأسماء الإشياء كناية عن اللغة والتعبير، وآدم هو أول البشر أي الإنسان المفكر الواعي بذاته، وان الله نفخ في هذا المخلوق من روحه.
المعلومة التي يرويها القرآن عن ظهور الإنسان الحديث – الهوموسابيان- والذي أطلق القرآن عليه أسم النوع “بشر” وكان أسم أول بشر “آدم”، تخبرنا أن الإنسان تطورحتى استوى واكتمل فأصبح خلقا آخر هو البشر. وكان هذا بإكتمال نمو العقل والفك بما يمكّنه من التفكير والنطق، فملك بذلك القدرة على التعلم والإفصاح، فتعلم اللغة، ومنح الشعور والوعي بالذات، ثم جُعل خليفة في الأرض فحمل أمانة ومسؤولية الحفاظ عليها وإعمارها، ومنح حرية التصرف والإختيار، وحُمل المسؤولية الكاملة عن أفعاله.
ونفهم من هذه الآيات أن الإنسان كان حلقة قبل الأخيرة من حلقات التطور وأن البشر هم الحلقة الأخيرة، وهذا واضح لأن الذي أُمر الملائكة أن يسجدوا له هو البشر وليس الإنسان. وهذا غير الذي يقول به البعض في هذا العصر، والذي أختلف معهم فيه، لأن الأدلة واضحة في هذه الآيات التي تناولتها هنا وفي غيرها. فيكون الإنسان هو من تطور عنه البشر وأول البشر آدم ونحن من بني آدم أي من البشر. وبالتالي فكل بشر إنسان، ولكن ليس كل إنسان بشر.
في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} سورة المؤمنون
لو إعتبرنا سلالة بمعنى جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب معين، فانه من الممكن القول أن الإنسان هو الذي جاء من نتاج هذه السلالة التي أولها كان من الطين. لكن في مرحلة محددة لاحقة تم إنشاؤه خلقًا آخر، وهنا نجد أن الآيات لا تتحدث فقط عن خلق الإنسان وإنما عن خلق نوعا آخر جاء منه. أي أن الإنسان خلق من سلالة من طين، حتى أصبح على الشكل الذي نعرفه، ثم تناسل بالطريقة المذكورة في الرحم، وبعد دهرًا من الزمان، أنشأه الله خلقًا آخر، هو البشر بدءًا بأبيهم آدم. أنظر قوله تعالى { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } ، ألا يتفق هذا مع قوله تعالى {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}.
والآن نعيد النظر في الآيات إذ قد نجد فيها المعنى المرحلي الذي يصف خطوات تطور خلق الإنسان بدءًا من الطين.
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ..} أي قدرنا ما منه سيكون الإنسان، { مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ..} أي أنه ينحدر من سلالة أو سلسلة أولها من الطين المتغير. نعلم من علومنا الحديثة، وجدت أول خلية حية من عملية كيميائية من المواد الموجودة في الطبيعة، كانت هذه الخلية بسيطة لها القدرة على الإنقسام، أي تصنع خلية ثانية مثلها، أنظر قوله تعالى {…. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا…(6)} سورة الزمر، وهكذا كانت هذه الخلايا تتكاثر بالإنقسام، وكان لهذه الخلية البدائية النوى، جدار خارجي يحميها ويحمي جزئيها الهيولي وشبيه النواة، ويوجد في منطقة شبيه النواة الشفرة الجينية للحمض النووي والذي كان أولاً (أر ان ايه) ثم تطور الى (دي ان ايه). وليس لنواة هذه الخلية جدار نواة. والبكتيريا من الكائنات وحيدة الخلية من نفس النوع بدائي النوى وكذلك الطحالب الزرقاء المخضرة، وقد وجدت هذه الخلية منذ أكثر من 3,5 بليون سنة.
والخطوة التي تلت الخلية البدائية النوى، هي ظهور الخلية حقيقية النوى، تميزت عن الأولى أن الحمض النووي يستقر في نواة لها جدار مضاعف قوي يحمي النواة، وقد ظهرت هذه الخلية منذ حوالي 2 بليون سنة، وهذه الخلية هي ما ينبني بها أجسام كل الأحياء متعددة الخلايا (مثل الحيوانات والنباتات والفطريات).
اذا كانت الحياة تُعرّف بأنها آلية التكاثر، فان الحمض النووي هو هذه الآلية، والخلية توفر له غرضين هامين، أولاً توفير الحماية للسلسة الوراثية الضعيفة جدًا (دي ان ايه)، وثانيًا توفير المكان الملائم لتتم عمليات التطور البيولوجي المعقدة. وحيث أن الحمض النووي هو الذي يحمل تعليمات السلسلة الوراثية، وهو الذي يحفظ تطورها، فان الحمض النووي هو الذي قدر له أن يتطور.
{ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } وتدلنا الآية أن النطفة وهي القليل من الماء ويمكن أن تكون تعبيرًا عن الحمض النووي المقدر له أن يتطور حتى يصبح إنسان، قد جعلت في قرار مكين، وهو نواة الخلية حقيقية النوى ذات الجدار المضاعف القوي.
{ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ….}
والعلقة هي الكائنات متعددة الخلايا، والتي ظهرت عندما تعلقت الخلايا مع بعضها البعض، وأول ما ظهر من العلقة الكائنات الرخوية مثل الدودية، والأسفنج والمرجان والسمك الهلامي، ثم تطورت عنها المضغة، وهي الحيوانات اللافقارية اللاعظمية البدائية، ثم خلقت المضغة عظامًا وهي الكائنات التى لها درع عظمي خارجي مثل الأصداف البحرية والقواقع والمحار ثم الحيوانات البحرية القشرية وذات الأظهر الفقارية والزواحف، وبعدها كسي العظم لحمًا فظهرت الثدييات ذات الدم الدافيء ومنها الحيوانات والإنسان الأول {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ثم أنشأ خلقًا آخر هو البشر.
في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)} سورة الأنعام
{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)} سورة الزمر
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)} سورة النساء
{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(28)} سورة لقمان
تعود النفس الواحدة الى أول خلية حية ظهرت على هذا الكوكب، ثم انقسمت الى خليتين، حيث كان التكاثر في المرحلة الأولى بطريق الإنقسام، كما هو حال البكتيريا اليوم، وعندما انقسمت الخلية الأولى الى خليتين، خلق منها زوجها، والزوج في اللغة مطابق للأصل، وهذا بالضبط ما حدث للخلية الأولى، أما الإشارة الى {…خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ….}سورة النساء، فإن ما بين النفس الواحدة وزوجها حتى كثرة الرجال والنساء سلالات كثيرة وزمانا طويلا يقدر ببلايين السنين، كما هو طول الزمان في قوله تعالى : {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)} سورة الروم .
والذي يدعونا الى ترجيح هذا المعنى هو ما أشارت إليه الآيات التي درسناها سابقًا، وأن آدم كان قبله ناس على الأرض، أضافة أن الإشارة الى آدم وردت في القرآن بلفظي بشر وآدم، بينما لفظ ”نفس“ يستخدم للتعبير عن أي ذات حية، والجسد، وعين الشيء أي كنهه وجوهره، والروح {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)} سورة الفجر، وليس ما يمنع أن يشير اللفظ ”نفس واحدة“ الى آدم البشر، أو أن يشير الى أول كائن حي يمكن أن يخلق منه زوجه، ويعرف الكائن الحي بالذي لديه القدرة على التكاثر. ويكون هذا في أول خلية حية بسيطة ظهرت ثم انقسمت فكان منها زوجها. في قوله تعالى {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يخبرنا الله أن خلقنا[15] بدءا من خلية حية واحدة، أنقسمت فخلق منها زوجها، ثم تطورت عبر بلايين السنين الى أن بلغت كل أنواع الحياة التي نعرفها.
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} سورة الأنعام
كل مخلوق حي يبدأ من خلية واحدة وفي حالة الإنسان تكون هذه الخلية هي البويضة المخصبة، والتي تنقسم على نفسها، أي منها يخلق زوجها، وتتوالى الإنقسامات، ليبدأ بعدها الإنقسامات المتخصصة التي تكون الأعضاء والأجهزة المختلفة في الجسم الحي.
أي أن كل مخلوق يبدأ خلقه من خلية واحدة، ويستقر في نواتها الحمض النووي الذي هو بمثابة كتاب مودع فيه كافة معلومات بناء هذا المخلوق وكيفية بناءه، بل أن هذا الكتاب يصبح مصنعًا لإنشاء المخلوق حيث يرسل تعليمات وأوامر بناء الى المواقع المحددة التي يتم فيها بناء كل عضو وجهاز، وفق برنامج زمني محدد. النفس أو الخلية مستقر ومستودع، المستقر هو القرار المكين في نواة الخلية والمحمي بجدار خارجي وآخر داخلي حول المكان الذي تقبع فيه سلسلة الحمض النووي، والمستودع هو المكان الذي تحفظ فيه المعلومات وأوامر البناء. وهذا يكفي لتفسير أننا جميعًا أنشأنا الله سبحانه وتعالى من نفس واحدة هي البويضة المخصبة، والتي انقسمت على نفسها فجعل منها زوجها ثم منهما خلق الكائن.
ولو عدنا الى أول خلية نشأت على الأرض (أو في قاع المحيط)، تكون النفس الواحدة هي أول خلية بسيطة تكونت، ثم انقسمت على نفسها، ثم تطورت إما الى مخلوق ذو خلية وحيدة كالبكتيريا، أو الى مخلوق متعدد الخلايا، تطور وتفرع عنه كافة أنواع الحياة المعقدة التركيب، ويحمل كل موجود حي خلايا تتطورت عبر مراحل كثيرة عن نفس الخلية الأولى، وفي كل من هذه الخلايا توجد نسخ مطابقة عن سلسلة الحمض النووي، تورث نوع بعد نوع، وجيل بعد جيل، وقد تتطور وتتبدل وتتحسن، تحمل في جزء منها كافة المعلومات الموروثة والأوامر اللازمة لتكوين نفس الجسم الحي، ومعلومات تبين تاريخ تطوره، وربما تاريخه هو وسجل إعماله، والله أعلم سبحانه يخلق ما يشاء.
يقول سبحانه وتعالى:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} صدق الله العظيم.
وقد بينت دلالات الآيات القرآنية الى ما توصل اليه العلم الحديث، وبهذا تتوافق التصورات العامة للعلوم الحديثه ولا تتعارض مع أي من نصوص القرآن الكريم، شاملاً تصورات العلم فيما يتعلق بخلق الكون وخلق الحياة وتطورها حتى ظهر الإنسان ثم تطور حتى اكتمل ثم أصطفى الله تعالى آدم وجعله خليفة في الأرض.
القرآن الكريم هو الكتاب المقدس الوحيد الذي تدل آياته دلالة واضحة مباشرة على الفكرة العامة لما توصل إليه العلم الحديث وفق التصورات العامة لنشأة وتطور الكون والحياة، بما فيها أصل الأنواع ومرحلة التضخم وتعدد الأبعاد. الأبحاث المفصلة التي نظرت في دلالات كل الآيات المتعلقة بخلق الكون وخلق الحياة تجدونها في في هذه القناة وفي موقع المضاربة.
وإن شاء الله أكون قد إستطعت أن أبين لإخواننا السبب الذي دعاني للإخذ بفرضية التطور الموجه، ليس إتباعًا للغرب
وإنما لأنها توافق ما ورد في آيات الخلق.
وصلنا هنا إلى نهاية هذه الحلقات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
رابط الفيديو في قناة المضاربة على الفيس بوك:
الخلق التطوري الموجه بقدرة الله تعالى . دلالات آيات خلق الإنسان في ضوء علومنا الحديثة
آدم عليه السلام أول البشر؛ هل خُلِقَ من التراب مُباشرة؟ أم من ذُرَّيةِ قومٍ آخرين
الجزء الأول
https://www.facebook.com/Wassim.M.Rafiq/videos/1423966798339651/
لروابط كافة الدراسات على الفيسبوك نرجو التوجه الى صفحة الفهرس
الدراسة الكاملة في موضوع خلق الإنسان وخلق الحياة، يمكن الإطلاع عليها في الدراسات التالية وينصح بالترتيب التالي، والروابط في صفحة الوصف أسفل الشاشة:
- التأويل والتفسير المرحلي لآيات خلق الكون وخلق الحياة في ضوء معارفنا وعلومنا الحديثة.
- هل كان الخلق إعجازيا آنيًا أم تطوريا؟ القرآن الكريم ودلالات الخلق التطوري الموجه بمشيئة وقدرة الله تعالى.
- مناقشة حلقة الدكتور إياد قنيبي: فانظروا كيف بدأ الخلق، هل أشار القرآن لتطور الإنسان؟
- هل كان التطور عشوائي أم تطور موّجه وفق تصميم وغاية؟
ثم نتبعهم بهذه الحلقات: آدم أول البشر؛ هل خُلق من التراب مباشرة؟ أم من ذرية قوم آخرين.
[1] الدراسة منشورة في فيديو بعنوان: “هل كان التطور عشوائي أم تطور موّجه وفق تصميم وغاية؟” وضعت رابطه في صفحة الوصف.
[2] الدراسة المفصّلة التي تبين أن الخلق من الطين يدل أن بدء خلق النوع من الطين، تجدها في فيديو بعنوان “هل كان الخلق إعجازيا أم تطوريا؟ القرآن الكريم ودلالات الخلق التطوري” بدءًا من أول الجزء 3 من 8 وقد ضعت رابطه في صفحة الوصف.
[3]” إذًا لمَّا قال في الأوَّل، ماذا قال؟، ما هي العبارة الأولى؟، “الاستواء معلوم”، هذا ردُّ على من؟, على المُفوِّضة، والمُعطِّلة، الذين يُنكِرُون الاستواء، طيب، قال ثم بعد ذلك قال: “والكيف مجهول”، هذا رد على من؟، على من يُكيِّف، وقال: “الإيمانُ به واجب”، وهذا رد أيضًا على المُعطِّلة، ثم قال: “والسؤال عنه بدعة”، يدُل على أن هذا من الأُمُور التي لا تجُوز، وهي من المُبتدعات،”
[4] من أشهر المحدثين، توفي سنة ثماني وعشرين ومائتين هجرية.
[5] ونلاحظ هنا أن أبليس الذي لم يشهد خلق آدم، ولم يكن يعرف أن الله تعالى خلق آدم بيديه، حتى أعلمه الله بهذا في هذه الآية، نلاحظ أنه أي أبليس أجاب: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. أبليس لم يعقب على خلق الله تعالى آدم بيديه، وإنما قارن خلقه من النار بخلق آدم من الطين ورأى أنه خير منه ربما لأن النار في رأيه أفضل من الطين. كيف عرف أبليس أن آدم خلق من الطين، لقوله تعالى في الآية السابقة: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) ، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، عرف إبليس أن آدم هو البشر وأنه خلق من طين
[6] بل وورد في كتاب اليهود، “وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. 27 فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ” (تك1: 26،27)”. ما ورد هنا أن الله خلق الإنسان على صورة الله، ليس صحيحًا، إذ يصححه القرآن الذي أعلمنا أن الله تعالى {..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..(11)} سورة الشورى.
[7] قال ابن فارس : بشر فى اللغة تدل على ظهور الشىء مع حسن وجمال وسمى البشر بشرًا لظهورهم، ومنه البشرى وذلك يكون بالخير .أما الإنسان، فقد قال ابن فارس : “أنس أصل واحد هو ظهور الشيء، وكل شيء خالف طريقة التوحش. وجاء في القاموس المحيط: “واسْتأْنَسَ: ذَهَبَ تَوَحُّشُهُ”.
[8] {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (121)} سورة طه وهذا كناية على أن الإنسان خالف طريقة التوحش واسْتأْنَسَ أي ذَهَبَ تَوَحُّشُهُ فأصبح له وعي أي أصبح واعيًا بذاته، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ.
[9] {طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)} سورة الشعراء، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} سورة الشعراء. {طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1)} سورة النمل. {طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)} القصص. {الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1)} يوسف. {الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1)} سورة الحجر. {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)} سورة الدخان. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} سورة النحل. {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)} سورة النور. {……..قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)} سورة المائدة.
[10] { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} سورة ص
والملاحظ أيضًا من الآيات الأخرى أنها أشارت إلى آدم الذي نُفخ فيه من الروح وسجدت له الملائكة بإسم بشر وليس بإسم إنسان.
[11] وروى البخاري (3208) ، ومسلم (2643) عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : بِكَتْبِ رِزْقِهِ ، وَأَجَلِهِ ، وَعَمَلِهِ ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ) .
[12] المخاطب في الآية 30 التي تسبق هذه الآية هم الجن والأنس، في قوله تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)}
[13] الهوموسابيان
[14] منها الإنسان ذو القامة المنتصبة Homo erectus والنيانديرتال Neanderthal وغيرهما
[15] وخلق كل الأنواع من حيوانات وطيور وأسماك ونباتات.