الفصل الثاني – النظر في آيات خلق الكون

تمهيد

          هذا الجزء من البحث، هو اجتهاد القصد من سرده هو عرضه على علماء المسلمين المتخصصين في كلا من العلوم الكونية (Space Time metrics)  والنسبية والفيزياء الكمية (الكوانتم فيزيكس) وخاصة فيما يتعلق بتأثر الزمن بتمدد النسيج الكوني في مرحلة التضخم في أول لحظات البدء. وحيث أن هذه الموضوعات متخصصة للغاية، يجب أن يؤخذ المذكور في هذا البحث على أنه رهنًا بمراجعة العلماء المتخصصين، وتم سردها هنا لعرضها على من يتكرم منهم بمراجعتها والإدلاء والإضافة بما يجدونه في علومهم.  أضف الى ما سبق أن النظريات العلمية المعاصرة، وخاصة الجزء الخاص بمرحلة التضخم في نظرية النشأة المفردة، ونظرية الأوتار الفائقة، ما زالت تتطور وتتعدل وقد تتبدل هذه النظريات أو التصورات، إلا أنها أفضل ما توصل إليه الفكر البشري في هذه المرحلة في الطريق نحو تفسير صفات الكون الذي نحيا فيه، ولهذا فلا بأس أن تُعتمد حيث أن التفسير الذي نحن بصدده له أيضًا صفة المرحلية.

 *************

أيام الخلق الستة ( ستة أم ثمانية ؟)

نبدأ بالنظر في أربعة آيات قرآنية هامة تعرضت للخلق الأول بالتفصيل : 

 (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) سورة فصلت الآيات 9 الى 12

           إن هذه الآيات، التي تناول القرآن فيها كيفية الخلق الأول بشيء من التفصيل، ربما تكون قد حيرت بعض علماء المسلمين، والتي تلقفها بعض المستشرقون بكتاباتهم، لأن مجموع الأيام التي وردت فيها بلغ ثمانية أيام، بينما خلق الكون كما ذكر في عدة آيات قرآنية أخرى لم يستغرق سوى ستة أيام، { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ..} الأعراف 54، وقد وجد هؤلاء المستشرقون في هذا الإختلاف تناقضًا، قفزوا منه بسطحية فأعتبروا أن هذا التناقض لا يكون إلا بشريًا في مصدره، هادفين بذلك الإستدلال به على بشرية مصدر القرآن نفسه.

           وقد أجاب علماء المسلمين على دعوى الإختلاف الزمني أن الأيام الأربعة الخاصة بالأرض في الآية الثانية، هي شاملة لليومين في الآية الأولى؛ وبهذا يكون المجموع الإجمالي ستة آيام، وبهذا لا يوجد إختلاف. وهذا الجواب مما تدل عليه الآيات ويصح لغويًا، وهذه الآيات كونية ينطبق عليها المدلول المرحلي المتغير المتطور، ولهذا قد يفترض فيها أن يحمل النص الثابت معان متطورة، وما يفهمه إنسان القرن السابع ليس بالضرورة ما قد يفهمه منها إنسان القرن العشرين.

           ولو كان من عند البشر لقوموه آنذاك، ولكنه لم يقّوم. إذ لا بد أن هذا الإختلاف قد لوحظ في زمن الإنزال، وحيث أنه ترك على ما هو عليه، فهذا في حد ذاته يشير إلى عدم تدخل البشر فيه من قريب أو بعيد، حتى وإن تعارض المجموع مع ما علموه عن الستة أيام كما ورد في آيات أخرى.

ربما لم يكن هناك إختلاف من الأصل، لأن الفهم العام آنذاك هو ما قال به العلماء حتى الآن، من شمولية الأيام الأربعة لليومين، والسرد يسمح بذلك، وذكر الستة أيام قد ورد في سبعة مواضع، وورد مثله في كتب الدين المسيحي والدين اليهودي، مما يعزز أن الخلق قد حدث في ستة أيام لا ثمانية .

          ولهذا فأجد أن وضعه في هذه الآية هي وضع مقصود، ويشير الإنتباه إليها داعيًا إلى البحث والفحص، جيلا بعد جيل، كلا وفق علمه، وقد تطورت علومنا إلى درجة أعلى قليلا عمن سبقنا، ولهذا يتوجب علينا إعمال الفكر فيها كما عمل من قبلنا، فان وجدنا فيها فهمًا جديدًا فالحمد لله، وإن لم نجد فالتفسير السلفي يمكن الإستناد والركون اليه مؤقتًا، إلى أن يتقدم العلم أكثر، خاصة أننا ما زلنا في مرحلة نحن فيها أقرب إلى الخرص العلمي فيما يتعلق بالنشأة الأولى للكون منا إلى اليقين العلمي، وكل ما نصبو اليه هو فهم الآيات بالنسبة إلى معارفنا المعاصرة، أي الفهم المرحلي، أما الفهم المطلق أو التأويل النهائي لآيات الخلق الكوني ولآيات نهايته، فهذا لن يكون إلا بالمشاهدة والتجربة، أي عندما تقوم الساعة.

          والجمع المباشر يبلغ ثمانية أيام يعارض ما ورد في سبعة مواضع أخرى من الخلق في ستة أيام ، وهذا التعارض من الوضوح مما كان يعرفه كل أهل القرن السابع، ومع هذا فلم ينسخ ولم يبدل، بل أبقى القرآن عليه كما هو ولم يُنسخ أو تنسخه آيات أخرى؛ وهذا ما يصبح معه مقصودًا، لغرض إيصال معلومات معينة، ربما القصد منها قد يكون أحد التفسيرات التالية؛ أو غيرها:

– إن الستة أو الثمانية أيام رمزية، والستة لتتناسب مع إدراككم ومع المعلومات التي وصلتكم من الكتب السابقة، والثمانية لتعلموا أن هذه الستة أيام ليست حقيقة ما حدث، ولا أهمية للعدد في هذه المرحلة، وخاصة للسائلين، وهذا مشابه للأعداد التي وردت في قصة أصحاب الكهف، فالمغزي لا يتأثر إن كانوا خمسة أو ستة أو أي عدد آخر، فالنقاش في هذا الموضوع والمجادلة فيه لغو لا خير منه، والمقصود من القرآن هو الهدى وليس تبليغ علوم الطبيعة التي يترك أمر إكتشافها إليكم لتستفيدوا منها في معاشكم وعمران الأرض.

–         أن الأربعة أيام شاملة اليومين اللذين سبقا من خلق الأرض.

أما بخصوص علومنا المعاصرة، نجد أن الزمان كونه بعدًا رابعًا في كوننا، وليس مطلق، أي ليس هناك زمان واحد لكل مكان ولكل حال، فالزمان نسبي يختلف باختلاف سرعات الراصدين. ولو فرضنا شخصين؛ أحدهما ظل على الأرض بينما أستقل الثاني مركبة فضائية وانطلق في الفضاء بسرعة كبيرة قد تقترب من سرعة الضوء، ولو كانت السفينة تسير بسرعة 0،866 من سرعة الضوء (ثمانمائة وستة وستون من الألف من سرعة الضوء) فعند عودته الى الأرض سنجد أن رائد الفضاء قد مر عليه يومًان فقط وفق الساعة الموجودة في سفينته، بينما زميله على الأرض مر عليه أربعة أيام وفق الساعة الموجودة على الأرض. أي أن الساعة التي توجد في وسط متحرك سوف تبدو بطيئة إذا قيست مع ساعة توجد في وسط ثابت، أو متحرك بسرعة تقل عن الأولى. والسبب أن الزمن ينكمش كلما أقتربت السرعة من سرعة الضوء. وينكمش الزمن أيضًا في المجالات التي تحتوي على مجال جاذبية ضخم الى حد كبير، وهذا ما كان عليه حال الكون آنذاك.

وعليه نجد أن الكون قبل التضخم كان يتوسع بسرعة معينة، وكان قياس الزمن في هذه المرحلة يومان، ثم تضخم فجأة بسرعة تفوق سرعة الضوء عدة مرات، ثم عاد ليتوسع بسرعة قد تكون مماثلة أو قريبة من سرعة التوسع في المرحلة الأولى، وقد نتوقع مع هذا التضخم انكماش الزمان مقارنة بقياس المرحلة الأولى والمراحل اللاحقة. ونحن نعرف أن الذي تضخم هو نسيج الكون وأن الطاقة والجسيمات كانت محمولة عليه، أي أن سرعة الفوتونات والجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، والذي توسع هو الكون نفسه، ولهذا لا يستطيع الباحث البت في هذه الأمور، والتي نتركها لعلماء الطبيعة والكونيات، كل ما نصبو إليه هنا هو بيان إمكانية أن تساوي أربعة أيام مقاسة بساعة ثابتة، يومان وفق ساعة متحركة بسرعة كبيرة أو قريبة من مجال جاذبية ضخمة.

وعليه نرى أن الأربعة أيام الثانية هي بقياس الأيام المستخدم بحساب الفترة الأولي، وفي قوله تعالى أربعة أيام سواء للسائلين، والسواء هو الإعتدال بين شيئين، أي بالقياس المساوي أو المعادل للزمان الذي منه قياس اليومين الأولين، أما القياس الخاص بهذه الفترة الثانية فهما يومين فقط، وحيث أنه لا وجود لشئ في الكون آنذاك لم يشمله حركة التضخم، فالجمع الحقيقي يأخذ باليومين وليس بالأربعة، لأن هذا هو الزمان الكوني الوحيد آنذاك، أما الأربعة فهي للمقارنة ولبيان هذه الحقيقة؛ ولأننا عدنا الى معدل التمدد الأقل في زمن السائلين. وسبق أن بينا أن هذا هو ما يتوقعه العلم عند الإختلافات الكبيرة للسرعات التي يتحرك بها الكون والتي تؤثر على قياسات المكان والزمن   (Space & Time distortion)  (Time Dilation).

          والسواء هو الإعتدال بين شيئين، ولهذا فقد ذكرت الأيام الأربعة المعادلة لليومين في الفترة الثانية وفق معيار القياس عند الفترة الأولى؛ فكانت أربعة أيام نسبية وليست فعلية، وهنا جاء لفظ سواء ليبين هذه الحقيقة.

          وقضية الزمان النسبي، تعود الى موقع المشاهد وسرعته وقوة مجال الجاذبية في محيطه، نحن لا نعرف مدى وكيفية حساب إنكماش الزمن خلال هذه العملية، وإنما نعلم أن الزمن قد انكمش وأن الأيام الأربعة التي استغرقها هذا التضخم بالنسبة لمن هو خارجه ستكون فعليًا أقل لمن هو داخله، والله أعلم.

وبهذا يكون المجموع ستة أيام، يومان في المرحلة الأولى ثم يومان فعليًا وحقيقة (يراهم السائل الذي لم يتحرك أربعة أيام)، ثم اليومين الأخيرين، والمجموع الكوني ستة أيام.

دراسة في الآيات المذكورة:

 { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين}

سبق أن بينا أن الأرض عندما ترد في أول الخلق، فان اللفظ لا يدل على الأرض التي نعرفها والتي نقف عليها، قد يدل عليها وقد يدل على غيرها، والحكم يبنى من تفاعل سياق الجملة مع معارفنا، والعلم يقول لنا أن خلق الأرض التي نقف عليها يكون مرحلة متأخرة من مراحل التكوين وليس أوله .

          والأرض التي ذكرت في الآية قد تعنى الأرض الصلبة مثل الأرض التي نقف عليها، أو النفضة، أو الرعدة؛ أو كلهم، أو بعضهم، ويتحدد المدلول وفق تركيب الجملة ضمن المعنى المناسب، والنفضة هي الحركة التي يمكن أن نعبر عنها مجازًا بالتي تحدث فجأة، وبسرعة، أي حركة بعد عدم حركة، والرعدة هي الحركة أيضًا بإضطراب أي بتكرر وإهتزاز ( وهذا يشبه حركة الموجات الكهرومغناطيسية أو تردد جسيم ذو طاقة عالية)، إن خلق الكون نتج عن حركة منتفضة أو مرتعدة إما من لا وجود، وإما من بعد سكون وإما من بعد حركة منتظمة هادئة، أي بعد إتزان وإنتظام. أي أن ما تبلغنا إياه هذه الآية أن أول خلق الكون كان نفضة ورعدة، أي خلق الحركة؛ وحيث أن الحركة أحدى صور الطاقة، أي خلق الطاقة.

 {وجعل فيها رواسي من فوقها}

 رسى : تدل على ثبات واستقرار والله أرسى الجبال أي أثبتها، قيل أن الرواسي هي الجبال، وقد ورد في القرآن في ذكر الأرض التي نقف عليها أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها وألقي فيها رواسي حتى تثبت وتستقر فلا تميد بنا (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ )  (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)  (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) وقال المفسرون أن الرواسي هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض كالأوتاد، ونحن نعلم ان الجبال تثبت القشرة الأرضية، وهذا ما تصفه الآيات المذكورة والتي اشارت الى الأنهار والمسالك والأودية وكلهم من تضاريس القشرة، أي أن الأرض المذكورة هي ما تحت أقدامنا وهذه هي القشرة. أما الأرض ككل فما يثبتها هو قوة الجاذبية التي تجذب الأشياء نحو مركزها والتي تعادلها قوة الضغط الواقع على الأجسام في اتجاه رأسي معاكس لاتجاه الجاذبية المتجه نحو المركز.

وفي الآية ( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) يقول ابن كثير: ”أَيْ قَرَّرَهَا وَأَثْبَتَهَا وَأَكَّدَهَا فِي أَمَاكِنهَا“. وعليه نجد أن الجبال التي عليها أن تقوم بتثبيت الأرض، يجب أن تثبت أولاً، وهذا يكون بفعل الجاذبية، ومتى ثبتت الجبال، تكون رواسي للقشرة الأرضية، فيما يتعلق بالحركات الأفقية لهذه القشرة.

وفي الآية (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) يقول ابن كثير : ”وَالْقُدُور الرَّاسِيَات أَيْ الثَّابِتَات فِي أَمَاكِنهَا لَا تَتَحَرَّك وَلَا تَتَحَوَّل عَنْ أَمَاكِنهَا لِعِظَمِهَا.“ قدرٌ راسيةٌ قيل لا تبرح مكانها لِعِظمِها. وخاصة لثقلها الكبير، والثقل بمعنى الوزن دليل على الجاذبية التي هي قوة تجمُع بين الأجسام.

وفي الآية {أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} يقول ابن كثير: ”( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْض قَرَارًا ) أَيْ قَارَّة سَاكِنَة ثَابِتَة لَا تَمِيد وَلَا تَتَحَرَّك بِأَهْلِهَا وَلَا تَرْجُف بِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْش وَالْحَيَاة بَلْ جَعَلَهَا مِنْ فَضْله وَرَحْمَته مِهَادًا بِسَاطًا ثَابِتَة لَا تَتَزَلْزَل وَلَا تَتَحَرَّك كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء)“ ثم يقول ابن كثير: (وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ)  أَيْ جِبَالًا شَامِخَة تُرْسِي الْأَرْض وَتُثَبِّتهَا لِئَلَّا تَمِيد بِكُمْ. وهنا نجد أن الأرض ككل جعلت قَرارًا،“ وهذا من أثر الجاذبية، ولكن هذا لا يكفي لتثبيت القشرة الأرضية، والتي قد تتحرك أفقيًا ولهذا جعل لها رواسي تثبتها وأحدها الجبال بأوتادها أو جذورها الممتدة نحو الأسفل.

مما سبق نجد أن لفظ رواسي يعبر عن الشيء أو القوة التي تثبت الأرض أو غيرها من الأجسام الفضائية.

أما الآية {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} فهذه تعود الى البذرة التي سيكون منها السماوات والأرض، والتي معظمها طاقة، والجديد هنا قوله تعالى {من فوقها}، وهذا التعبير لم يرد في أي من الآيات السابقة، بالطبع يمكن الفهم المرحلي أن الله تعالى جعل في الأرض جبالا من فوقها، وان كان حرف (من) زائد ولم يرد مثله في الآيات التي ذكرناها، ولكننا قلنا أنه في هذه المرحلة من الخلق لم تكن الأرض قد أوجدت بعد، ولم يكن هناك سوى التجمع المكون معظمه من الطاقة. الجاذبية التي نعرفها، تجذب كل شيء نحو المركز، ومصدرها مركز مجموع الطاقة والجسيمات، فان كانت تعمل من فوقها، تكون إما من أعلى أو كأنها من أعلى، وهذا قد يحدث إذا كان تأثير الجاذبية طاردًا وليس جاذبًا . ولكن الجاذبية بالضرورة قوة جاذبة  attractive force وليست نافرة  repulsive force، وهي تؤثر من مركز الشئ بجذبه إليها، فلو عملت من فوقه أي من خارجه فإنها تجذبه إلى الأعلى أي تنفره من المركز وتطرده عنه، وهذا ما نراه من أثر جاذبية القمر على الأرض مثل ما نراه من حركات المد في البحار والأنهار، ودوران الأرض حول الشمس من أثر جذب الشمس للأرض، ولكننا نحلل هنا طبيعة قوة جذب على الكون عند بدء خلقه عندما لم يكن شيئًا سواه، ولهذا فأي قوة مؤثرة يجب أن تكون من وفي الكون نفسه، أذ يفترض أنه لا شئ هناك غيره أو خارجه، ولهذا فهل يمكن أن تكون الجاذبية نفسها قوة طاردة في حالات خاصة، ربما يمكن ذلك، ليس لأننا نعلم، ولكن لأننا لا نعلم شئ عن كيفية عمل القوة الموحدة الأولى التي جمعت الأربعة قوى العاملة في الكون الآن، ولم تكن آنذاك أي منهم قد إنفصلت أو تعمل بمفردها، أضف الى هذا أن الأغلب أن الكون كان عبارة عن طاقة هائلة مركزة، وليس لدينا أي علم يستطيع أن يسبغ غور هذه القوة الواحدة لحظة مولد الكون. العلماء توصلوا أن قوة نافرة طاردة (عكس الجاذبية) أثرت على الكون أول لحظات نشأته، وتسببت في تمدده واتساعه، وهذا ما عبر عنه النص في هذه الآية، أما ماهية هذه القوة، أو هل هي قوة أو نتيجة إنكسار التماثل، أو نتيجة الإنتقال بين مستويات الطاقة Phase Transition ، أو نتيجة إنعكاس أثر القوى مع إقتراب الجسيمات الدقيقة الأولية من بعضها، فلنا مثال على ذلك القوة النووية الجاذبة بوجه عام، فهذه تصبح طاردة Repulsive force عندما تقل المسافة بين الجسيمات الى أقل من نصف فيرون، وربما هذا ما يحدث لقوة المجموعة المتحدة، وكلاهما الجاذبية والقوة النووية القوية نصف هذه المجموعة. أو غيرهم، فهذا مما على العلم أن يصل إليه. الذي يعنينا أنها قوة فعلها عكس الجاذبية.

          ولهذا فمصطلح الرواسي من فوقها أهم ما فيه هو هذه الإضافة ”من فوقها“، والتي هي من شروط البدء المؤدي إلى نجاح هذا الكون ليصبح بعد بلايين السنين الى ما هو عليه الآن .

          ووفقًا لعلمنا الحديث، فقد كانت القوى الأربعة متحدة، وقوة الجاذبية كان أول القوى التي انفصلت وكان هذا في هذه المرحلة الأولى.

ولا شيء علمي ثابت هنا، سوى أن البذرة الأولى تمددت وتوسعت، وهذا يدل أن قوة ما فعلها عكس فعل قوة الجاذبية، قد لا نعرف كنهها بعد، أثرت عليها. والكون المتمدد أو المتحرك، يظل يقال عنه راسيًا طالما أن الحركة منتظمة، ونعرف اليوم أن أرضنا دائمة الحركة، ومع ذلك فهي مستقرة وثابتة، والجبال الرواسي تمر مر السحاب، وهذا ما بلغنا به القرآن {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}، وهذا قد يدل على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس.

ولهذا فأقرب صيغة لغوية تعبر عما حدث آخذين في الإعتبار حدود اللغة وقدرات المستمع لفهم الخطاب في القرن السابع وحتى العقد الماضي، وربما حتى اليوم، هي تعبير ”رواسي من فوقها“ لتعبر لنا في هذا العصر عن قوة طاردة منفرة منتظمة (( يميل العلماء في سنة 2015 إلى وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة وهما يكّونان 95% من الكون الذي نحيا فيه، وأن لهما جاذبية طاردة منفرة، وهذا لتفسير ما وجدوه من تمدد الكون  المتسارع (تباعد المجرات عن بعضها بسرعات متزايدة باستمرار)  )) . وقد أعقب هذه القوة الطاردة:

{وبارك فيها}

البركة : قال الخليل البركة من الزيادة والنماء . وبركت السحابة اشتد إنهلالها. .

وقوله سبحانه وتعالى: وبارك فيها، أي وضع الزيادة والنماء فيها، فنمت وزاد حجمها بسرعة هائلة تفوق سرعة الضوء مرات عديدة، وهذا التعبير يناسب مرحلة التضخم، لأن التمدد المنتظم الذي تبعه عبر عنه القرآن بلفظ : (وإنا لموسعون) .

إلا أن الرأي العلمي خلال العقد الماضي، أصبح يميل إلى تفسير التضخم على أنه إنتقال من مستوى طاقة أعلى غير متزن إلى مستوى طاقة أقل أكثر إتزانًا، ويمكن تفسير ذلك بحالات الماء ((يوجد الماء في الطبيعة في ثلاثة حالات، غازي وسائل وصلب، أو بخار وماء وثلج، وهي تتوقف على درجة الطاقة في جزيئات الماء، وأعلاها البخار وأقلها الثلج، واذا تغير الماء من حالة الى أخرى فإنه يفقد طاقة إذا تغير من بخار إلى سائل ومن سائل إلى ثلج، ويحتاج أن يكتسب طاقة إذا كان تغيره عكس الدورة السابقة . ويشبه العلماء تضخم الكون المفاجئ ولفترة قصيرة للغاية بهذه الظاهرة، فإذا حدث في الجزيئات الأولية في أول خلق الكون مثل هذا التغير في الحالة، فان الطاقة الحرارية المفقودة سوف تسرع تمدده كثيرًا في لحظة معينة، وهذا تمثيل وتقريب لما يعتقد العلماء بحدوثه في أول أجزاء الثانية من عمر الكون، عندما تضخم الكون فجأة للحظة زمنية قصيرة ثم عاد إلى معدل تمدده الأول. أي أن الكون قد حول طاقة الى حركة سارعت من تمدده حتى وصل الى مستوى الطاقة الأقل والأكثر إتزانًا، والتي أكملت تمدده المنتظم حتى يومنا هذا.)) .

وهذا التضخم وإن كان قصيرًا إلا أنه يفسر الكثير مما نجده في الكون في زمننا هذا، فهو يفسر حالة الإستواء والكثافة قرب الحرجة، ويفسر كبرحجم الأفق الكوني عن ذلك الذي يمكن للموجات الإشعاعية أن تنتشر بين طرفيه خلال عمر الكون الحالي، ويحل مشكلة المغناطيس المفرد القطب الذي أظهرت النظريات العلمية حتمية توفره في الكون مع انعدام مشاهدته أو رصده، ويفسر التجانس التوزيعي والإنتظام الدقيق لمادة الكون في كل الأفق المرئي .

وأي كان سبب التضخم، فتعبير (وبارك فيها) يدل على الزيادة والنماء الكثيرين، والبركة الصادرة عن الله تعالى، لابد أن تكون أكثر بكثير مما نعتقد أن قوانين الطبيعة الكونية تسمح به، أي تجاوز سرعة الضوء، وقد علل العلماء هذا بأن الذي تمدد بسرعة تجاوزت سرعة الضوء هو نسيج هذا الكون وليس مكوناته من طاقة أو جسيمات أولية، أي أن هؤلاء حُملوا على هذا النسيج.

{وقدر فيها أقواتها}

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ.

القوت: يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشئ، ومن الباب القوت ما يمسك البدن وسمي قوتا لأنه مساك البدن وقوته.

التقدير هو في تحديد مسار نماء وتطور هذا الكون ومبلغه ونهايته، وقياس القوى والأشياء وعددها والنسب بينها، ولفظ القوت هو ما يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشيء، يعبر عن القوى الأربعة التي ستمسك الكون وتطوره وتبنيه وتحفظه ثم تبلغه نهايته.

وهنا، وهذا في نهاية مرحلة التضخم والجزء الضئيل من الثانية بعده؛ نجد ثلاثة أحداث هامة لنجاح كوننا :

الأول: هو السرعة التي أنطلق بها الكون والتي تقترب إلى درجة متناهية من الدقة من السرعة الحرجة، وهذه من العجائب التي تحير علمائنا ولولاها لما كان هذا الكون ولما كنا نحن.

والثاني: في إنفصال قوة الجاذبية أولاً عن القوة الواحدة، ثم تلتها بعد ذلك وعندما أصبح عمر الكون عُشر البليون من الثانية، إنفصلت القوة النووية القوية أيضًا عن المجموعة المتحدة، وأصبح في الكون ثلاث قوى، هم الجاذبية والقوة النووية القوية والقوة المتحدة، والأخيرة إنفصلت (عندما كان عمر الكون جزء من مائة مليون من الثانية) إلى قوتين هما القوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية، وبهذا أصبح في الكون أربعة قوى تؤثر عليه وتضبطه وتحدد مستقبله .

والثالث: في أول لحظات التكوين، ظهرت الجسيمات الأولية من تبدل الطاقة، وأدى تصادم كثير من الجسيمات مع ضد الجسيمات إلى فناءهما وصدور أشعة عن هذه العملية، إلا أن العلماء يقدرون أن عدد الجسيمات كان أكبر قليلا من ضد الجسيمات، مما تبقى وكون بعد ذلك مادة الكون. ويقدر العلماء أنه كان هناك جسيم واحد أكثر في كل بليون جسيم وضد جسيم، نتج عن هؤلاء هذا الكون الذي تقدر جسيماته 10 80 جسيم.

{في أربعة أيام سواء للسائلين}

           اضافة الى ما سبق في هذا الموضوع، نضيف هنا، أن خلق الطاقة في يومين، ثم كان التضخم الفجائي الذي تغير حجم الكون فيه، بمعدل يكبر كثيرًا عن معدل تمدده السابق، وكبر في زمن قصير للغاية من حجم  أصغر من جسيم ذري أولى (Elementary Particle ) إلى حجم كبير نسبيًا قد يوازي حجم كرة متوسطة،  أن هذه الحركة السريعة وتركيز الطاقة والمادة في حيز صغير، يكون لهما الآثر في أن يبطء الزمن وفق النظرية النسبية لأينشتين، فتكون الأربعة أيام بقياس سرعة التمدد المنتظم آنذاك، ليست سوى يومين من الأيام الفعلية في زمن التضخم، أي من الممكن  أن الزمن (الحديث التكوين والذي هو جزء من نسيج الكون يتأثر به ويؤثر عليه) قد تأثر بهذه الحركة الفجائية التي جاوزت سرعتها سرعة الضوء، مسببة   space & Time distortion

 الذي نفهمه من الآية أن التضخم قد غير مقياس الزمن عن ذاك الذي قيس به الفترة التي سبقته، ونعلم أن الزمن يبطء في حالتين، السرعة والقرب من مجال جاذبية كبيرا جدًا (((نعرف أن الزمان يبطء بقرب الثقوب السوداء   Black holes وقد تتجمد اللحظة عند أفقها))) ، وكلاهما كان موجودًا في أول الخلق، وبأرقام لا متناهية في الكبر، ولهذا فالزمان المقارن آنذاك كان بطيئا لدرجة كبيرة، ولا يوجد زمان مطلق في كل هذا الكون حتى نستطيع القياس بالنسبة له.

ليس لدينا ما نستطيع به البت في هذه الأمور، ولكن علومنا تؤيد إمكانية أن تساوي أربعة أيام يومين أو أي عدد آخر، إذا كانت سرعتا الشيئين المقارن بينهما تختلف إختلافًا كبيرًا جدًا، المعنى القرآني يدل على حقيقة أن الزمان له قياس نسبي، أما أن تكون أربعة أيام مساوية ليومين فعلاً، فهذا قد يكون فعليًا أو على سبيل المثال لبيان الفكرة دون الإهتمام بالأعداد الفعلية، والله أعلم.

          ويجدر الإشارة هنا أن الذي تمدد خلال التضخم بسرعة تفوق سرعة الضوء هو النسيج الكوني وليس الفوتونات والجسيمات الأولية، والتي كانت محمولة على هذا النسيج، وبالتالي فان سرعة الجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، وبهذا لا يكون هناك تعارضًا مع النظرية النسبية التي تقول أن لا شيء (شعاع أو جسيم) في كوننا يستطيع أن يتحرك أسرع من سرعة الضوء.

          أما لماذا أيامًا وليس أجزاء متناهية في الصغر من الثانية، فهذا الأمر نسبي أيضًا ويجب أن نتذكر أن الزمن يبطء الى درجة كبيرة بالقرب من مجال جاذبية كبيرة، ولا بد أن الكون الذي كان مركزًا كله في نقطة واحدة، بكل طاقته ومادته التي نراها اليوم والتي لا نراها، لابد أن يكون هذا الكم الهائل له قدر هائل من الجاذبية، تبطء الزمن الى درجة كبيرة.

ويصح أيضًا أن تفسر هذه الأيام على أنها من متطلبات الأسلوب الرمزي، لما ذكرناه أن الأجيال السابقة لن تعي أو تتقبل هذه الفترات الزمنية القصيرة للغاية في أول الخلق، ثم الكبيرة للغاية بعد ذلك وحتى يومنا هذا. الكون الذي خلق وتشكل في أجزاء صغيرة من الثانية، استغرق قرابة أربعة عشر بليون سنة حتى ظهر فيه الإنسان. والله تعالى أعلم .

 {ثم استوى الى السماء }

يقول صاحب القاموس المحيط: ”أستوى إلى السماء تعنى صعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى ((وقد ذهب بعض المفسرين الأوائل الى معنى استولي، ورفض آخرون هذا المعنى لأن الأستيلاء يستوجب الضد وهذا لا يصح.)) ، وسواه تسوية وأسواه جعله سويًا واستوت به الأرض وتسوت وسويت عليه أي هلك فيها“ والاستواء يكون على السطح المستوي، قال الطبري: ”وَقَوْله : {رَفَعَ سَمْكهَا فَسَوَّاهَا} يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَوَّى السَّمَاء , فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل“ . وهذا ما يسميه العلماء Flatness أي استواء الى درجة كبيرة من الدقة، وهذا من أثر التضخم السريع الذي مسح أو فرد إلى درجة كبيرة أية تعاريج كانت بها.

{وهي دخان} 

          وكان هناك فقط ليبتون وكوارك . وعند عُشر المليون من الثانية، كان الكون قد برد بدرجة كافية، (تستطيع معها جسيمات الكوارك أن تجتمع معًا لتكون الجسيمات الأولية . فأصبح الكون حمأ من جسيمات أولية (بروتون ونيوترون وإلكترون وكل بقية الجسيمات الأولية القصيرة العمر)، والبروتون هو نواة غاز الهيدروجين، وبعد هذا كان في الكون ليبتون وبحر من الجسيمات الأولية . وكلما أتحد بروتون ونيوترون لتكوين نواة بفعل القوة النووية القوية، صدمتها الجسيمات الأخرى والأشعة وشتتت مكوناتها.

وبين دقيقة واحدة وثلاثة دقائق : عندما أنخفضت حرارة الكون إلى تحت البليون درجة كلفن، تسارع حدوث التفاعلات النووية بفعل القوة النووية القوية بينما قلت قدرة قوة الصدم على تشتيت النوى، فتكونت نَوًى أو أنوية الغازات الأولية كالهليوم والديوتيرم ثم الليثيوم، إلا أن هذا التفاعل الإتحادي النووي توقف بعد ذلك بفترة قصيرة نتيجة إستمرار تمدد الكون وإنخفاض الكثافة والحرارة بسرعة نحو المائة مليون درجة كلفن،  وإستمر الكون في التمدد بعد ذلك، مع تناقص حرارته وكثافته .      

لاحظ أن الجزء المادي من الكون آنذاك كان عبارة عن نَوًى الغازات الأولية وأقرب تعبير لهذا هو ”وهي دخان“.

{فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين}

عن القرطبي: ” وَقَالَ : ” طَائِعِينَ“  وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ عَلَى اللَّفْظ وَلَا طَائِعَات عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُمَا سَمَوَات وَأَرَضُونَ“

          وهنا الأرض ما زالت هي الطاقة المتمثلة في الفوتونات، والسماء هي المادة المتمثلة في كل الجسيمات الأولية وأنوية الغازات، وكان الكون في هذه المرحلة يتمدد بفعل طاقته بينما تحاول الجاذبية إيقاف هذا التمدد، والأتيان هو الحركة التمددية والطوع هو في الإنقياد في إتجاه الحركة، والكره أي بمشقة من أثر الجاذبية.

{فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها}

 عن ابن كثير ”فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ“ أَيْ فَفَرَغَ مِنْ تَسْوِيَتهنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ أَيْ آخَرَيْنِ“ وعن القرطبي ”أَيْ أَكْمَلَهُنَّ وَفَرَغَ مِنْهُنَّ . وَقِيلَ . أَحْكَمَهُنَّ “

والسماء التي ترد قبل قضائهن ليست هي السماء الدنيا، لأن السماء الدنيا واحدة من السماوات السبع، والسماء التي أحكمها الله وقضاها سبع سماوات، هي كلهن متحدين أو أصلهن، ولهذا جاء لفظ ”طائعين“ للجمع، والمجموع قد يكون أكثر أو أقل من سبع، وقضى تدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته  وجهته هو سبع سماوات لكل سماء منها خصائصها ومقدراتها، أي إنه هنا ربما يكون تم إحكام الفصل بين هذه السماوات السبع وإنفاذ كل منها الى وجهته، بأن جعل لكل سماء صفات وقوانين وثوابت تخصها.

وهذا يبينه قوله تعالى { وأوحى في كل سماء أمرها} وأوحى أي ألقى علمًا في إخفاء، والإخفاء هنا ليس عن حي إذ لم يكن آنذاك غيره سبحانه وتعالى، { وما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} وإنما هو إخفاء بين السماوات، أي أن لكل سماء أمرها، والأمر هنا ما يستوجب الطاعة، ويكون في إطاعة وخضوع كل ما في الكون للقوانين والثوابت الفيزيائية التي تحدد العلاقة بينها وكيفية تصرفها. وعليه فلكل سماء صفاتها التي تختلف عن بقية السماوات، وليس لنا إطلاع إلا على السماء الدنيا والأرض، وهذا واضحًا في قوله تعالى ”يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ“ وأُعتبر ”فَانْفُذُوا“ أَمْر تَعْجِيز. أي أننا لن نستطيع النفاذ خارج سماءنا وارضنا، أي خارج عالمنا ذو الثلاث أبعاد مكانية والبعد الزمني الرابع.

          أي أن السماوات أو السماء جعلت سبع سماوات، وهذا يدخلنا في موضوع السبع سماوات الذي تكرر في القرآن الكريم . وقد ظهر مؤخرًا في العلم الحديث نظريات جديدة مفادها أن كوننا له عشرة أبعاد  (تسعة مكانية وبعد زمني واحد) ويمكن القول أن التسعة المكانية هم أثنين في المستوى الأفقي وسبعة إرتفاعات، ولو مثلنا بالأرض كوكبنا والسماء التي نراها، فالأرض لنا أي للشخص الواقف عليها مستوية لها أحداثين؛ والسماء لها إحداثيا واحدا هو الإرتفاع، وهؤلاء ثلاث إحداثيات، فلو قلنا أن هناك ستة سماوات أخرى غير هذه السماء ( أي مجموع السماوات سبع) فمعنى هذا أن هناك ستة إرتفاعات أخرى، تضاف الى الثلاثة التي نعرفها لتعطينا تسعة أحداثيات مكانية وبعد واحد زمني في الكون ككل، بما مجموعه عشرة احداثيات. وهؤلاء عدد الأبعاد لعالم المكان والزمان الذي يعتقد بعض علماءنا أنه من صفات كوننا.  إلا أننا نحيا في حيز السماء الدنيا فقط، والتي لها ثلاثة إحداثيات مكانية وواحد زمني أي أربعة أحداثيات في السماء الدنيا، وهذه هي دنيانا التي نحيا فيها .

          وفقًا لنظرية الأوتار الفائقة  Superstring Universe  ، التي ظهرت في العقد الماضي وهي نظرية حسابية أي انبثقت من معادلات رياضية بحتة، وتتمتع بقبول عدد لا بأس به من العلماء، وفقًا لهذه النظرية أن الكون كان كثير الأبعاد عند لحظة خلقه، ذو ستة وعشرون بعدًا أو ذو عشرة أبعاد، وعندما تمدد في الجزء الأول من الثانية، المعادل لثابت بلانك، 10-43 من الثانية، وأصبح قطره  10-33 سم، توقف تمدد ستة من الأبعاد العشرة، بينما أستمر أربعة في التمدد حتى اليوم ، وهم الثلاثة أبعاد المسافية (طول وعرض وارتفاع) والبعد الزمني الرابع. ولا يوجد دليل تجريبي على وجود هذه الأبعاد الستة التي توقفت عن النمو، ونظرًا لصغرها فمن المستحيل رصدها أو قياسها.

          وهذا الاستدلال قد يفسر خلق السماوات السبع والأرض، حيث أنها تدلنا أن كوننا خلق ذو عشرة أبعاد، تسعة مكانية وواحد زمني، وأننا نحيا في ونستشعر فقط السماء الدنيا، وهذه ذات أربعة أبعاد فقط، ثلاثة مكانية وواحد زمني.

إلا أنه يجدر التنبيه أن هذه النظرية لها عدة فروع، يختلف أحدهم (نظرية M) في أعداد الأحداثيات المكانية لتصبح عشرة أبعاد مكانية وبعد زمني يصبح معه المجموع أحد عشر. أي أنهم زادوا بعدًا مكانيًا عاشرًا في نظرية (م) حيث يتناسب هذا البعد الإضافي مع نماذجهم، وهذا المستوى الأعلى من السماء السابعة، قد نجده في حديث الإعراج والذي قد يكون فيه سدرة المنتهى، والله أعلم .

من حديث الإعراج في تفسير الطبري: ”……وَمُوسَى فِي السَّابِعَة بِتَفْضِيلِ كَلَامه اللَّه , فَقَالَ مُوسَى : رَبّ لَمْ أَظُنّ أَنْ يُرْفَع عَلَيَّ أَحَد ! ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْق ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى“

           ويدلنا القرآن أن السماء الدنيا، وهي ذات الثلاثة أبعاد مكانية والبعد الرابع الزمني، هي الوحيدة التي تتسع وتتمدد، بينما لا تتسع السماوات الست الأخرى، أو الأبعاد الست الأخرى. في قوله سبحانه وتعالى: { والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون }  51/47  ونلاحظ هنا أن السماء التي وردت هنا بمعنى السماء الدنيا هي الوحيدة التي شملها التوسع أو التمدد المستمر، إذ لم تذكر السماوات الست الأخرى، وإنما السماء وحدها، مفردة، والسماء الدنيا تعبر عن دنيانا التي نحيا فيها، والسماء إذا ذكرت بعد الخلق، فهذه تعبر عن كوننا ذو الأبعاد الثلاثة المكانية والبعد الرابع وهو الزمن، وتوسع البعد الزمني هو في المسافة التي دومًا تتزايد بين البدء والحاضر، بينما لم يشمل التوسع بقية السماوات الست حيث لم يأت ذكرها في هذه الآية، وهي الأبعاد الستة التي طويت على نفسها وتوقفت عن النمو في أول الخلق، إلا أنها موجودة ببعد متناهي في الصغر (ثابت بلانك).

{وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم } 

      وهنا الحديث عن السماء الدنيا دون السماوات الأخرى، وهي التي استمر تمددها واتساعها، والمصابيح جمع مصباح من صبح، ويدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، وسمي المصباح مصباحًا لحمرته، وقد تدل الآية تدل على ظهور اللون في السماء الدنيا وهذا عندما إنفصلت الأشعة عن المادة فأصبح الكون مرئي، فظهرت الألوان والأرجح أن اللون كان يميل إلى الحمرة لإرتفاع حرارته، وحفظًا لأن الأنوية إستطاعت أن تحفظ الإلكترونات في مداراتها وتحتفظ بها لتتكون الذرات وهي لبنة هذا الكون كله.

           إن الكون بدأ كونًا معظمه طاقة في الكون المرئي ((إلا ان العلماء يعتقدون بوجود الجزء الأعظم من الكون في المادة والطاقة المعتمتين))، ثم تدرج ليصبح كونًا معظمه مادة، وقد تكونت ذرات الهيدروجين والغازات البسيطة بتعلق الكترون مع بروتون عندما انخفضت درجة الحرارة الى 4000 – 3000 ْ كلفن . وهذا عندما انفصلت الأشعة عن المادة، وحدث هذا عندما أصبح عمر الكون زهاء 300,000 سنة، وقبل ذلك كانت الجسيمات (إلكترونات وأنوية) في حالة حرة، يسميها العلماء سائل البلازما، وكان كلما أنضم إلكترون حول نواة، صدمه جسيم سريع وأخرجه من مداره، وكان وجود الإلكترونات السالبة الحرة يشتت الأشعة، فلما إجتمع الإلكترون مع النواة الموجبة في ذرة متعادلة، أنفصل الشعاع عن المادة إلى الأبد، ومضى كلا منهما في طريقه. .

وبعد ذلك أنتشرت المادة وقلت الكثافة مع تمدده، وتكونت السحب الفضائية، التي تولد في داخلها النجوم وتكونت المجرات من تجمعات النجوم، ثم تكونت الكواكب من الجيل الثاني، وعلى كوكب نائي منعزل فيها، ظهر الأنسان كآخر سلسلة في العملية التطورية المادية .

          ويحمل معنى المصابيح أيضًا معنى النجوم، وهذه الآية جاءت متأخرة في الترتيب الزمني، فالنص الذي ذكرت فيه، لا يصف أحداثًا حدثت ضمن الأيام الستة، بل أنه يشير الى حدوثها بعد آخر يومين، ولم يحدد النص متى حدثت، سوى أنه كان في مرحلة لاحقة للأيام الستة. والملاحظ هنا تسمية النجوم بالمصابيح، والتي أصلها في اللغة يدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، والمرئي اليوم أن الضوء الصادر عن كل المجرات والنجوم البعيدة والذي يصلنا اليوم، هو ضوءًا له خاصية الإزاحة نحو الحمرة، والتي تدل أن هذه المجرات تبتعد عنا، وهو ما أدى الى أهم الإكتشافات العلمية سنة 1929 واستنبط منه أن الكون في حالة توسع، ومن هذه الظاهرة توصل العلماء الى ظاهرة توسع الكون ومنها خرجت معظم النظريات الحديثة التي تفسر نشأة الكون.

          والحفظ منه تثبيت الشيء وإبقاءه، أي أن الخلق وصل عند هذه المرحلة الى النمو المستقر، والاستقرار الذي نقصده قد نمثله بثبات الذرات بعد تكونها وعدم تفككها مثلما كان الأمر عليه في المراحل الأولى، وقد نفسره ان النجوم هي مطبخ تكوين العناصر الأثقل من الغازات كالكربون والحديد، ومنها تكونت الكواكب، والنجوم هي ما يحفظ الكواكب في مساراتها ويمدها بالطاقة والحرارة اللازمة لنشوء وبقاء الحياة على أرضنا.

{ذلك تقدير العزيز العليم }

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ،

          الكون بدأ بنفضة ورعدة، وكلاهما حركة والحركة تعبر عن طاقة ، أي بدأ الكون كطاقة ومن الطاقة تكونت المادة،  ثم التضخم ، ثم التمدد الذي أستمر حتى يومنا هذا. وهذه هي بالضبط مراحل نظرية النشأة المفردة للكون.  The Big Bang , The Singularity

          وهناك أمر بالغ الأهمية تحتويه هذه الآيات الشريفة ولم يسبقها إليه نص بشري أو سماوي آخر، إذ يجب ملاحظة أن هذه الآيات التي تناولت بشئ من التفصيل الخلق خلال الأيام الست الأولى، لم تشر من قريب أو بعيد إلى خلق الحياة من نباتات وأسماك وطيور وحيوانات برية أو إنسان، بل وتؤكد الآيات التي استعرضناها أن هذا لم يحدث آنذاك، ولا يوجد في أي مكان آخر في القرآن ما يشير الى غير هذا، وهذه الحقيقة أوردها القرآن مخالفا ومصححًا بها ما ورد في العهد القديم في سفر التكوين، من خلق أنواع الحياة كلها في الأيام الستة الأولى، وهذا كما علمنا خلال القرن الماضي فقط، يمثل حقيقة ما حدث، إذ أن الحياة ذاتها لم تظهر في الكون سوى في مراحله وعصوره الأخيرة، والتي يمكن أن نطلق عليها الحديثة نسبيًا، لأنها ظهرت بعد مرور البلايين من السنين بعد الأيام الستة.

وقبل أن نترك هذه الحقبة الأولى من خلق الكون، قد نجد في هذه الآيات معان تدعم ما سبق:{أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها  * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها} النازعات، فقد نجد مرحلة التضخم في ”رفع سمكها فسواها“ – يقول القرطبي: ” رَفَعَ سَمْكَهَا “ أَيْ أَعْلَى سَقْفهَا فِي الْهَوَاء ; يُقَال : سَمَكْت الشَّيْء أَيْ رَفَعْته فِي الْهَوَاء , وَسَمَكَ الشَّيْء سُمُوكًا : اِرْتَفَعَ.  فلو أخذنا معنى لفظ ”سمكها“ تعبيرًا عن قطر نسيج الكرة الكونية الأولى، والذي أرتفع فجأة، فنتج عنه تضخم واتساع سطح الكون، فاختفت منه التجعدات ”فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد“ ويتبين من الآية الكريمة أن القصد من التضخيم هو التسوية، تمامًا كما توصل اليه العلم منذ عقدين قريبين. ثم نجد في ”وأغطش ليلها وأخرج ضحاها“ انفصال الطاقة عن المادة ليغدو الكون مرئيًا ((أصبح الكون مرئيًا ولكن ضبابيًا، ولم يصبح الكون مرئيا صافيًا كما نراه الآن إلا بعد مرور مائتي مليون سنة تقريبًا. )) ، وحدث هذا بعد ثلاثمائة ألف سنة ((هذا الرقم هو ما تداولته الأوساط العلمية منذ عقود، إلا أنهم في السنوات الأخيرة ذكروا أيضًا 380,000 سنة و 400,000 سنة وقد يعود هذا الى أن هذا الحدث ليس لحظيًا وانما استغرق مدة طويلة من بدءه حتى نهايته. ))  تقريبًا.

{ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }، تتعلق هذه الآية بالبعث، وهو إعادة الخلق، وحيث أن اليوم آنذاك سيكون مقداره خمسين ألف سنة، فأننا يمكن أن نستنبط أن الأيام الستة الأولى التي خلق فيها الكون، مقدارها ثلاثمائة ألف سنة، وهي الفترة التي استغرقها الكون ليصبح مرئيًا. ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا.

 ولا يعني هذا الإستنباط المرحلي، سوى أن مدة الستة أيام مجتمعة، قد تعادل ثلاثمائة أو أربعمائة ألف سنة، أما طول كل يوم على حدة فلا يساوي خمسين ألف سنة، ويجب أن ننظر الى هذه الأيام على أنها ثلاثة مراحل، أستغرقت الأولى يومان، والثانية أربعة ولكنها يومان بمعيار الأولى، والمرحلة الثالثة يومان بمعيار لم يبين، وإن كان الأرجح أنه بمعيار اليومين الأولين. وحتى وفقًا لعلومنا الحديثة، نعلم أن هذه الأوقات حدثت في ظروف كانت الحرارة والضغط والجاذبية والسرعة هائلة الى حد كبير جدًا، بما تتغير معه معايير القياس الى درجة قد لا ندري فيها كيف يحسب الزمان، ولهذا نكتفي هنا بالمجموع وليس باليوم الواحد.

أما المرحلة اللاحقة، (والأرض بعد ذلك دحاها) فالأرض هنا هي الكوكب الذي نحيا عليه.

<< previous page next page >>

الباب الرابع – الفصل الأول

 الآيات القرآنية في خلق الكون

أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟

نبدأ هنا بموضوع خلق الأرض والسماء :

{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم} 2/29

جاء في مختصر تفسير ابن كثير (ج1/48) تعقيبًا على تفسير هذه الآية  :

”ففي هذا دلالة على أنه تعالى إبتدأ بخلق الأرض أولاً ثم خلق السماوات سبعاً، وهذا شأن البناء إذ يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره. فأما قوله تعالى { أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها *  والأرض بعد ذلك دحاها } فقد قيل أن ( ثم ) في الآية 2/29  إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:

قل لمن ساد ثم ساد أبوه           ثم قد ساد قبل ذلك جده

وقيل : أن الدحي كان بعد خلق السماوات والأرض رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

وقال مجاهد في قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} قال : خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سماوات} قال: بعضهن فوق بعض وسبع أرضين يعني بعضهن تحت بعض ((لاحظ أن هذه السبع أرضين ووصفهن أنهن بعضهن تحت بعض هي من قول المفسرين وليست من القرآن الكريم ولم يرد مثل هذا في القرآن وكل ما ورد بهذا الشأن { ومن الأرض مثلهن} ويجوز أن تكون مثل السبع سماوات .)) . وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما في آية السجدة { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاع بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى { والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها} قالوا فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض “.

”وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا وقد حررنا ذلك في صورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى : {أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها} ففسر الدحي ((دح : يدل على إتساع وتبسُّط . قال إعرابي : مُطرنا لليلتين بقيتا من الشهر، فاندحت الأرضُ كَلأً . تقول العرب : دححت البيت وغيره ، إذا وسَّعته .))  بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة الى الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية، دحى بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على إختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة والله سبحانه وتعالى أعلم“ .

           مما سبق نجد أن أسبقية خلق الأرض عن خلق السماء كان من الموضوعات التي تعرضت للمناقشة، وبالرغم أن غالبية علماء المسلمين كانوا على إقتناع أن الأرض خلقت قبل السماء إلا أن عددًا منهم – قد لا نعرف منهم سوى قتادة ونقل رأيه ابن جرير، لم يوافقهم على ذلك، وإعتقد هؤلاء أن السماء خلقت أولا ثم خلقت الأرض، والحقيقة أن القرآن يوحي ظاهرًا بالإحتمالين، وباطنًا بخلق السماء قبل الأرض، ففي كل آيات خلق السماوات والأرض، ذكرت السماوات قبل الأرض، أي لم يذكر خلق الأرض والسماوات.

          أما ما فهمه الأوائل من أنها لا تحتوى ترتيبًا زمنيًا وإنما ذكر السماوات والأرض بسياق الخبر لا بسياق الترتيب الزمني، حيث أنهم إعتقدوا بأسبقية خلق الأرض على خلق السماء، فقد كان سماحًا مرحليًا لما كان من منطقهم الذي يرتاحون إليه كما جاء عن ابن كثير : ”وهذا شأن البناء إذ يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك.“، وهذا ما إشتهر عند اليهود والنصاري عن طريقة الخلق، إذ جاء عندهم في سفر التكوين أن الله خلق الأرض ثم السماء . وكان الإسلام في فجره غني عن الدخول في مناقشة ومجادلة علمية مع بشر ليسوا مؤهلين بعد لتقبل هذه الحقائق، وليس لها أي تأثير على غرض الرسالة من هدى وحجة، وبالرغم من هذا فإن القرآن قد حرص على أن يحتوي الحقيقة العلمية التي يستطيع البشر في مراحل لاحقة أن يجدوها فيه عندما يصبحون مؤهلين علميًا لفهمها ، وعندما لا تعارض منطقهم ولا تؤدي إلى بلبلة وإضطراب أفكارهم. ولهذا وبرغم صحة المرحلية لمعنى (ثم) على أنها زمنية، إلا أن الأرض التي وردت في هذه الآية ليست بالضرورة كوكبنا الذي نحيا عليه، فاللفظ يحمل أكثر من معنى، وخاصة أن الآية الأخرى تنبهنا إلى ذلك : {يوم تُبدلُ الأرضُ غير الأرضِ والسماواتُ وبرزوا لله الواحد القهار} 14/48  وهنا في يوم الحساب تبدل الأرض غير الأرضِ.

 ويوم الحساب هو يوم الخلق الأخر { الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون } 30/11  {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الأخرة إن الله على كل شئ قدير} 19/29-20  النشأة الأخرة هي يوم القيامة . {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } . وكل هذا يدل على أن البعث أو النشأة الأخرى هي بمثابة إعادة الخلق، والإعادة هو تكرار ما سبق، أي تكرار الخلق الأول.

 وحيث أن لفظ الأرض اذا ورد في آيات الخلق الآخر (النشأة الأخرة)  يعبر عن أرض غير الإرض التي نحيا عليها، فعليه يمكن الإستدلال أنه إذا ورد لفظ أرض في مرحلة الخلق ألأول فهذه أيضًا غير الأرض التي نعرفها.

           ولو عدنا الى الآية { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم } 2/29، سنجد أن السماء التي استوى الله إليها كانت موجودة قبل أن يستوي إليها، والحدث اللاحق لحرف ”ثم“ هو تسويتهن سبع سماوات.

           ولكن ماذا يقول لنا العلم الحديث، أيهما وجد أولاً ؟ كما سبق عرفنا أن المكونات التي منها تكونت النجوم والأرض والكواكب وكل ما في هذا الوجود خلقت مرة واحدة، في شكل طاقة تحول جزء منها إلى جسيمات أولية تكونت منها البروتونات (وهي أنوية الهيدروجين) والإلكترونات والنيوترونات، ومن هذه الجسيمات تكونت الغازات الخفيفة؛ التي تجمعت لتكون السحب الفضائية، والتي تكونت بها بفعل الجاذبية تكثفات محلية؛ ولدت منها نجوم الجيل الأول، التي إحترقت بدورها لتطبخ في أنويتها ( أفرانها) العناصر الأثقل ومنها الأكسجين والكربون والحديد وبقية العناصر الثقيلة، وما أن انتهى مخزون الطاقة في بعض نجوم الجيل الأول، انفجر بعضها وتناثرت مكوناته فاختلطت المواد الثقيلة مع السحب الفضائية، وفي هذه السحب الفضائية ولدت نجوم الأجيال التالية مثل سابقتها، ونتيجة دورانها حول محورها تسببت القوة الطاردة المركزية بطرد المواد الثقيلة لتخرج من النجم على هيئة ذراع، ثم تكونت من هذه الذراع كواكب تحتوى على هذه العناصر الثقيلة، والأرض أحد هذه الكواكب. ثم ظهرت الحياة ذات الأساس الكربوني على الأرض وأستغرقت زهاء أربعة بلايين ونصف بليون سنة حتى ظهر الأنسان.

           بالطبع، ولأول وهلة سوف نقول أن السماء خلقت قبل الأرض، وفي ذهننا أن السماء هي هذه القبة فوقنا بما فيها من نجوم، فالأرض هي من أواخر ما ظهر في السرد العلمي الذي أوردناه، وهذا ليس صحيحًا، إذ يجب أن نحدد ما هي السماء ((سمو : تدل على العلو، وسما علا . ويقول صاحب القاموس المحيط سما سموا أرتفع والسماء سقف كل شئ، كل بيت ورواق البيت كسماوته ، والسحاب والمطر .))  أولاً، إذا كانت هي القبة التي فوقنا فالأرض جزء لا يتجزء منها، وكلاهما نتج عن عملية تطورية واحدة، نعم في السماء التي نشاهدها ما هو أقدم بكثير من الأرض، ولكن فيها أيضًا ما هو أحدث من الأرض، أي ليست كل السماء أقدم أو أحدث من الأرض، وهذا مبدأيًا ينفي صحة السؤال: من وجد أولاً ؟ لأن كوكب الأرض جزء من كل، وكذلك السماء، جزء من كل، والكل هو الكون بكل ما فيه.

           نحن نعرف أن ما أوجد في البدء هو البذرة الأولى التي ستنمو لتكون السماوات والأرض، أي أن السماوات والأرض لم يكونا منفصلين ليتحدد أيهما سابق للآخر، وهذا صريح في قوله تعالى : { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما ..} الأنبياء 30 . أي أن السماوات والأرض كانتا متحدتين ثم إنفصلتا، وهذه الآية بفرض الأخذ بدلالة لفظ الأرض إلى كوكبنا، تنفي صحة إحتمال خلق الأرض قبل خلق السماوات، أو خلق السماوات قبل خلق الأرض، فهما وجدا معًا، إذ كانتا رتقًا. ولهذا فالآيات التي أشارت الى خلق الأرض قبل السماء، والأخرى التي أشارت الى خلق السماء قبل الأرض، لا بد أن لفظا السماء والأرض فيهما لا يعنيان الأرض التي تحتنا والسماء التي تعلونا. وقد أعلمنا القرآن الكريم وكما جاء سابقًا أن لفظ الأرض إذا ورد في الخلق الآخر، تكون الأرض غير الأرض. أي غير الأرض التي هي كوكبنا الذي نحي عليه، قد تكون الأولى أرضًا أخرى تشبهها ولكنها ليست ذاتها، وقد يكون القصد أن معنى لفظ الأرض لا يشير إلى معنى ما تحتنا وإنما إلى معنً آخر من معاني لفظ الأرض في اللغة العربية، التي نبهنا القرآن الكريم إلى أهمية كونه بلسان عربي أي باللغة العربية.

وحيث أننا نعلم من النص أن السماء والأرض كانتا رتقًا قبل أن يتم الفصل بينهما، وبالتالي فالأرض والسماء كانتا متحدتان، ثم انفصلتا عن بعضهما ((ونعلم من علومنا الحديثة أن الكون في أول لحظاته، كان جسيم ميكرسكوبي غاية في الصغر يحتوى كل طاقة الكون ومادته، كان معظمه طاقة، وأنه كان يرزخ تحت ضغطا هائل وحرارة تبلغ البلايين من الدرجات. ثم بدأ نشأته وبدأ معها الزمن عندما بدأ يتمدد بسرعة كبيرة، وأنه بعد لحظة تضخم فجأة وللحظة قصيرة تمدد بسرعة تفوق سرعة الضوء بمرات عديدة، عاد بعدها الى التمدد بالمعدل السابق، المادة كانت جسيمات أولية ولم تكن أي من ذرات العناصر المعروفة اليوم تستطيع أن تتكون، لأنه كلما تكونت تصدمها وتفرقها الطاقة الكبيرة التي كانت موجودة معها، وبعد مرور زهاء ثلاثمائة ألف عام، عندما تمدد الكون بما يكفي لتقليل كثافته وحرارته، أنفصلت الطاقة عن المادة، وعندها استطاعت ذرات الغازات الأولية أن تتكون، ويسمي العلماء هذه اللحظة أن الكون أصبح مرئيًا.  )) ،  واللفظبن اللذين وردا في النص هما السماوات والأرض، فهل يمكن لهاتين الكلمتين أو أحدهما وفق  اللغة العربية المعروفة قبل نزول القرآن أن يؤديا الى هذا المعنى. خاصة وأننا عرفنا من النص القرآني ”يوم تُبدلُ الأرضُ غير الأرضِ والسماواتُ“ أن الأرض والسماوات في ذلك اليوم غير ما نقف عليه وغير ما يعلونا.

 ولو نظرنا في معاني لفظ ”أرض“ نجد ما يلي:

في القاموس المحيط : ”مؤنثة؛ أسم جنس أو جمع بلا واحد، ومن معانيها كل ما سَفَلَ، وأسفل قوائم الدابة، والنفضة؛ والرعدة، وفي قول العرب هو ابن أرض أي غريب، ولا أرض لك أي لا أم لك.“

ويقول صاحب مقاييس اللغة ”أن أرض ثلاثة أصول : أصل يتفرع وتكثر مسائله، وأصلان لا ينقاسان، فأما هذان الأصلان فالأرض الزُّكمةُ ؛ رجل مأروض أي مزكوم، والآخر الرَّعدة، يقال بفلان أرض أي رعدة . أما الأصل الأول فكل شئٍ يسفل ويقابل السماء، يُقال لأعلى الفرس سماءٌ ولقوائمه أرض، ومنه الأرض التي نحن عليها وتجمع أرَضين.“

 ولو إستثنيا معنى الأرض كوكبنا ومعنى الأرض الزكمة، يتبقى لنا معناها النفضة أو الرعدة، والأولى  من النفض وهو تحريك شئ، ويغلب أن يكون تحريكًا فجائيًا وسريعًا؛ والثانية الرعدة وتدل على حركة وإضطراب، وهذين قريبين في التعبير وكلاهما يعبران عن حركة. والحركة إذا حدثت في شيء ساكن، تدل على طاقة وضعت في هذا الشيء الساكن فأخرجته عن سكونه. إضافة أن معنى لفظ الرعدة يحمل معه تكرار وتردد، وكلاهما الحركة والتردد من صور الطاقة.

 وهذا أحسن ما يمكن أن يعبر عن الطاقة الأولى التي بدأ بها الخلق الكوني، باستخدام ألفاظ اللغة في عصر الإسلام الأول، وخاصة أن نفس اللفظ يعبر أيضًا في معناه الشائع عن الأرض التي نقف عليها وهي ما توقع الناس في ذلك العصر أن تكون قصة الخلق متعلقة بها. وبحيث يؤدي اللفظ معناه المرحلي آنذاك، ومتى تقدمت علومنا، نستطيع أن نجد في نفس اللفظ معناه المرحلي المعاصر لنا، والذي يتوافق مع علومنا.

الألفاظ الأخرى التي كانت موجودة عند العرب زمن التنزيل منها لفظي الطاقة ((الطاقة: القدرة على الشيءِ وقيل هي اسم لمقدار ما يمكن الإنسان أن يفعلهُ بمشقة. وذلك تشبيهٌ بالطوق المحيط بالشيءِ. (لسان العرب) ))  والقدرة ((القُدْرة: القوَّة على الشيءِ والتمكُّن منهُ. أو هي صفةٌ تؤَثّر تأْثيرًا موافق الإرادة. وقال في التعريفات القدرة هي الصفة التي يتمكَّن بها الحيُّ من الفعل وتركهِ بالإرادة. (لسان العرب) )) ،  كلاهما ليس في معانيهما ما يدل أيضًا الى معنى الأرض التي نحيا عليها، ولم تكن علوم العرب أو البشر آنذاك، تعرف الطاقة كما نعرفها اليوم، ولا تعرف أن الطاقة صورة من صور المادة، وأن المادة صورة من صور الطاقة، ولا أن الخلق الكوني بدأ فجأة بنفضة عظيمة، ولم يكن القصد تعليم الناس علوم الطبيعة كما سبق ذكره في الباب الأول.

{يَوْمَ تُبَدّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ}ابراهيم : 48

 تفسير الألوسى: ”وقوله تعالى : ( والسموات ) عطف على المرفوع أي وتبدل السموات غير السموات والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير ومنه قوله تعالى : ( بدلناهم جلودا غيرها ) وقد يكون في الصفات كما في قولك : بدلت الحلقة خاتما إذا غيرت شكلها.“

 والمعنى لو كان تبديل صفات فإن صفة الأرض الكوكب أنها مادة، وتبديل المادة الى شكلها الآخر يكون تبديلاً الى طاقة. ولو كان التبديل لمدلول اللفظ وفق معاني كلمة الأرض في اللغة، فيصبح تبديل معنى ”كل ما سَفَلَ“ أي كوكب الأرض الى معنى النفضة والرعدة (وكلاهما يدل على الطاقة). وقوله تعالى ” والسماوات“ أي تبدل الى مثل ما بدلت إليه الأرض، أي الى طاقة أيضًا.

وعليه يمكن أن يعبر لفظ ”أرض“ اذا ورد في بدء الخلق، الأول والأخر، أنها تدل على الحركة أو النفضة، وكلاهما من التعبيرات التي تدل على وجود الطاقة. أما إذا وردت في غير هذين الحدثين، فينظر الى المعنى المناسب للنص، فقد تعني ما سفل، ومنه الأرض التي نقف عليها. ومن صفاتها أنها مادة، ومن صفاتها أيضًا أنها مسطحة (( هي مسطحة للواقف عليها ”وفق الهندسة الأقليديسية“ للمساحات المحدودة، وكروية للذي يراها من الفضاء.)) ، من قوله تعالى {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} حيث أن ما يسفل ويقابل السماء هو سطح الأرض، إضافة الى معنى الطاقة، ويتحدد أي من هذه المعاني وفق مناسبته لزمان الحدث ولمدلول الجملة.

قلنا منه المسطح لأن الأرض تبدو مستوية في عموميتها، ولأن أصل لفظي الأرض والسماء يعبران عن أبعاد ومستويات، يمكن إعتبار الأرض التي نقف عليها تعبر عن مستوى له بعدين متعامدين، ”س“ و ”ص“، بينما السماء والتي أصل لفظها يعبر عن علو وارتفاع، تكون معبرة عن بعد واحد هو الأرتفاع  ”ع“. فيكون تعبير السماء والأرض، يعبر عن ثلاثة أبعاد مكانية، ولو أضفنا اليهم البعد الزمني الرابع، يكون لدينا أبعاد الكون المشاهد الذي نحيا فيه، وهو الذي يعبر عنه القرآن بالسماء الدنيا، أو كلما ورد اللفظ سماء مفردًا.

معاني لفظ سماء:

”سمو : تدل على العلو، وسما علا ، وسما لي شخصٌ : أرتفع حتى إستثبته أو إستبنته ، والعرب تسمي السحاب سماء والمطر سماءً وجمعه إذا أريد به المطر سُمِىّ ، والسماء : سقف البيت، وكل عال مطلًّ سماء، حتى يقال لظهر الفرس سماء ويتسعون حتى يسموا النبات سماء، يقول الشاعر : (إذا نزل السماءُ بأرضِ قومٍ        رعيناهُ وإن كانوا غضابا) ويقولون : مازلنا نطأُ السماءَ حتى أتيناكم، يريدون الكلأ والمطر. ويقول صاحب القاموس المحيط سما سموا أرتفع والسماء سقف كل شئ، كل بيت ورواق البيت كسماوته ، والسحاب والمطر.“

وذكرنا أيضًا أن صفة الأرض التي نحيا عليها أنها مادة، ويمكن للمادة ان تتبدل الى طاقة، ويمكن أيضًا للطاقة ان تتبدل الى مادة، وفق معادلة أينشتين الشهيرة، وكلاهما وجهان لشيء واحد. قلنا أن الأرض بمعناها اللغوي تعني الأرض التي نحيا عليها وهذه مادة لها كثافة وتشغل حيزًا، واللفظ يعني أيضًا الطاقة قياسًا على الأصلين النفضة والرعدة، وعليه فقوله تعالى {يوم تُبدلُ الأرضُ} أي تبدل الى طاقة فتصبح  {غير الأرضِ}  أي غير الأرض التي نحيا عليها وهي مادة.

ويجب التنبيه هنا أن الأرض والسماوات الآن معظمهم مادة وان كان بهما طاقة، بينما عند بدء الخلق يكون ما في الكون معظمه طاقة وبه القليل القليل من المادة.

وعليه يكون المقصود من لفظ الأرض إذا ورد عند بدء الخلق التعبير عن الطاقة بصورتيها التردد والحركة السريعة، وهي ما بدأ بها الخلق الكوني. والحركة أيضًا تعبر عن الزمان، وأول الحركة بدء الزمان، وبهذا تكون معاني الآيات السابقة تدل أن الأرض بمعنى الطاقة وجدت أولاً ثم تشكل الكون وهو السماوات والتي كانت دخان ثم النجوم والكواكب ومنها الأرض.

وفي قوله عز وجل : {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم} الأرض هنا هي الطاقة، أي الطاقة التي خرج منها كل الكون، بمادته وطاقته واتساعه، بمجراته ونجومه وكواكبه، بالقوى والثوابت التي تعمل فيه، أي هو الذي خلق لكم الطاقة وكل ما فيها، من صفات وقوى وخصائص وكم، ينتج منها كل ما يحتويه هذا الكون.

أما قوله عز وجل  {أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها}  فالأرض هنا تدل على كوكبنا وهو آخر الخلق لورود لفظي  {بعد ذلك} وهذا يفيد مرحلة زمنية لاحقة متأخرة. ويجدر الإشارة الى ما قاله الأولين أن الدحي غير الخلق.

<< previous page next page >>