الفصل الثالث – آيات كونية

ونورد هنا بعض الدلائل القرآنية الأخرى التي قد تشير إلى تفسير الأرض بمعنى النفضة أو الرعدة:

{ أولم يروا إنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب } 13/41

إختلف المفسرون الأوائل في معنى هذه فقال ابن عباس : أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض، وقال الحسن والضحاك : هو ظهور المسلمين على المشركين، وقال نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض، وقال الشعبي : لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات . وقال ابن عباس في رواية : خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضًا : هو موت العلماء .

 { .. أفلا يرون أنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } 21/44

وقد تحير المفسرون الأوائل في تفسير هاتين الآيتين، وقيل أن معناها الظاهري لا يؤخذ لأن الأرض لو تناقصت وضاقت لأطبق جدران البيت على أهله، ووصلوا إلى أن المعنى الأرجح أن تضيق معايش الناس.

ولو نظرنا الى لفظ الأرض بمعنى طاقة، والطاقة الكونية كانت أقصاها عند بدء الخليقة، وأخذت تتناقص في صورتيها الحرارية والترددية منذ ذلك الوقت حتى يومنا، نتيجة تحول بعضها الى مادة ونتيجة ما يستنفذ منها في تمدد الكون ومقاومة الجاذبية التي تحاول إيقاف هذا التمدد، ويتضح هذا من التناقص المستمر لمعدل حرارة الكون منذ البدأ، وستستمر الطاقة في التناقص حتى إما يصل التمدد الى أقصاه وهذا في حالة الكون المغلق، أو تستمر في التناقص حتى يصبح الكون كله باردًا لا حياة فيه في حالة الكون المفتوح، وكلا الحالتين يدلان على انتهاء حياة كوننا.

ونقصان الطاقة لا يعنى زوالها، وانما تحولها الى صورها الأخرى من مادة مرئية وربما أيضًا معتمة، وطاقة غير مفيدة أنتروبي.

وفقًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فان اتجاه انتقال الحرارة يكون دائمًا من الجسم الساخن الى البارد. وأنها لا يمكن أن تنتقل من الجسم البارد الى الحار. وإن الإنتروبي لأي نظام فيزيائي مغلق وغير متزن حراريًا، سوف يتجه دائمًا نحو الإزدياد مع مرور الوقت، حتى يصل هذا النظام الى حالة الإتزان الحراري، حين تصبح الإختلافات بين الطاقات الحرة لأجزاءه معدومة أو تقترب من المعدومة. أي أن الطاقة الحرة المفيدة للقيام بعمل ما ستظل تقل باستمرار في أي نظام مغلق، بينما ترتفع الطاقة الغير مفيدة (إنتروبي) حتى تتلاشى الطاقة المفيدة تمامًا ويصبح النظام مستقرًا أو ساكنًا. ولا يمكن مطلقًا عكس هذا الإتجاه (وهذا يمنع عكس إتجاه الزمن). وعليه يكون الإنتروبي يمثل قياسًا لمقدار الطاقة التي لا يمكن استخدامها، في نظام فيزيائي مغلق، أي أنها تمثل قياسًا لمدى العشوائية ومقياسا لمقدار الطاقة الحرارية التي لا يمكن تحويلها الى عمل.

لا يخفى على العلماء الراسخين في العلم أهمية القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يعتبر واحدا من أهم ما توصل إليه العلم الحديث.

بدأ الكون معظمه طاقة حرة مفيدة، وسينتهى معظمه طاقة عشوائية لا يمكن إستخدامها، وما بين البدء والنهاية، تتناقص الطاقة المفيدة باستمرار، ولا يمكن عكس هذه العملية.

ذكرنا أن لفظ الأرض إذا ورد في بدء خلق الكون، فأنه يدل على الطاقة آنذاك، وهي الطاقة المفيدة الحرة، والمقدر لها أن تتناقص دومًا الى أن يؤول الكون الى نهايته.

ألا تتضح دلالات الآيتين، ثم أنظر الى قوله تعالى : ”وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ” أي لا راد لحكمه، يقول القرطبي : أَيْ لَيْسَ يَتَعَقَّب حُكْمه أَحَد بِنَقْصٍ وَلَا تَغْيِير.

 

{ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا } 20/107

 العوج هو الميل والأمت هو الإنثناء. والآية تصف نهاية الكون، والأرض بمعنى الطاقة ونمثلها هنا بموجات الطاقة، فانها تفقد تحدبها وتصبح خطًا مستقيمًا، أي يصبح معدل ترددها صفرًا.

إن شرط وجود النجوم والمجرات والكواكب والأرض والحياة هو عوج بسيط جدًا في سطح الكون، أو إختلافًا بسيطًا في درجة حرارة أجزاءه أو اختلافًا يسيرًا في توزيع الطاقة فيه، يهيأ الفرصة لتكاثف بعض الغاز مع بعضه لتظهر جاذبية محلية ينتج عنها تكون النجوم، فاذا انتظم توزيع الطاقة بكل صورها وتساوى في كل نقاط الكون، يتوقف كل شيء، فلا تبادل حراري ولا جاذبية ولا تمدد. فيكون قوله سبحانه وتعالى (لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا) اشارة علمية الى إنتهاء الحياة والطاقة في الكون، أو إنتظام توزيعها دون أي إختلافات.

 

{ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } ق 38

الستة أيام كانت في بدء الخلق، وذكر في عدة آيات أن الله كما بدء الخلق يعيده، وفي يوم القيامة عندما يعيد الله تعالى الخلق، فإن اليوم يكون مقداره 50,000 سنة، { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } 70/4  وتشير هذه الآية إلى يوم القيامة وهو إعادة الخلق المماثل للخلق الأول، أي أن الفترة الكلية للستة أيام الأولى من خلق السماوات والأرض، تعادل 300,000 سنة، وهي الفترة الزمنية الأولى التي يعتقد العلماء المعاصرون أنها ما إستغرقها الكون في تكوينه الأوّلي والتي عندها أنفصل الإشعاع عن المادة وأصبح الكون مرئي ((وكما بينا في الفصل السابق: ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا))، وأهمية هذه اللحظة، أنه عندها بدأ تكون أنوية ذرات العناصر الخفيفة وثباتها، والتي منها تكونت النجوم ثم الكواكب والحياة.  ولا يجب في زماننا هذا إعتبار أن الأيام الستة تعبر عن ستة فترات متساوية، وانما هي ستة أوقات (ثلاثة مراحل) غير متساوية، مجموعها هو الذي يساوي ما بين الثلاثمائة الى الأربعمائة ألف سنة.

 

{الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}   الأنبياء

إن هذا التمثيل الرائع يبين أن الكون يطوى مرة أخرى، وهذا أقرب تشبيه ممكن لوصف الكون المغلق أي الذي يتمدد حتى يتوازن عندما توقف الجاذبية التمدد ثم تعيده في حالة إنكماش كما تنطوي الصحيفة وينطوي غلاف الكتاب فيعود كما بدأ منغلقًا على الصفحات، وكان العرب في القرن السابع لا يعرفون سوف الصحف التي تطوى في شكل إسطواني بعد الإنتهاء من مطالعتها، والتمثيل العلمي لهذه العمليه هي ان الكون مثل سطح البالون يتمدد عندما ينتفخ ثم ينكمش عندما يسمح للهواء بالخروج منه بانتظام . وقد يكون إسطواني مفتوح مثل سرج الحصان ولكن هذا يتمدد الى الأبد حتى تصل حرارته الى نقطة الصفر أي تنتهى طاقته. إلا أن التشبيه بلفظ مطويات بيمينه يشير الى الأنغلاق والكروية أكثر من غيرهم من الأشكال.

          وحتى يومنا هذا لا يعرف العلماء أي كون كوننا، منغلق أو مفتوح، وكلاهما ينتهي بهلاك الكون وموته بعد عشرات أو مئات البلايين من السنين، إلا أن الفهم المرحلي القرآني، يشير الى الكون المنغلق، والأدلة القليلة التي تتجمع لدى العلماء في السنوات القليلة الماضية، تشير الى أن الكون حتى يكون مغلقًا يجب أن تكون مادته أكثر بكثير مما نرى، أي أن ما لا نراه من مادة الكون أكثر من تسعة أعشاره، وأطلقوا أسم المادة المعتمة على هذا الكم من الكون الغير مرئي، وهو مادة لأنه يجب أن يكون له جاذبية تضاف الى جاذبية الكون المرئي فتتمكن من إيقاف تمدد الكون ثم جذبه لينقلب التمدد الى إنكماش.

          ولاحظ في الآية أن عملية الطوي ذاتها لم تشمل السماوات السبع، والتي أبعادها لم تتمدد من الأصل أكثر من ثابت بلانك، والذي يشمله فعل الطوي هو السماء الدنيا في قوله تعالى {نطوي السماء كطي السجل للكتب} ، وهي فقط التي تمددت، بينما ذكرت كل السماوات في وصف الحالة التي ستكون عليها يوم القيامة بأنها مطويات بيمينه، وهذا بعد أن تنطوي السماء الدنيا وتجمع مع بقية السماوات الست التي لم تتمدد من الأصل ولهذا لم يشملها الطوي الأخير.

         

{ والسماء ذات الـحُبُكِ } 51/7

الحبك : يقول صاحب مقاييس اللغة أن حبك هو إحكام الشئ في امتداد واطراد. والسماء الدنيا فقط هي التي تتمدد وتتسع.

 

{ ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا الى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر إني لكم منه نذير مبين }الذاريات 49 – 51

{ لينذر يوم التلاقِ } 40/15

{.. ليس كمثله شيء ..}الشورى 11

 الله تعالى وحده الواحد الأحد، وكل شئ في الكون يوجد في صورة زوجين، وكل شيء يشمل الحي وغير الحي كالحجر، والزوجين هنا هما  المادة وضد المادة، وهذان أحدهما موجب الشحنة والآخر سالب الشحنة، ، وعليه لو ألتقيا يفنيان، وقد حدث فصل بينهما في بدء التكوين. لاحظ قوله سبحانه وتعالى: ففروا الى الله، بعد تذكير الناس أنهم خلقوا من زوجين مما يستدعي خوفهم، ولاحظ قوله تعالى: لينذر يوم التلاقِ.

أما حدوث الخلق من العدم لجسيم موجب وجسيم سالب ثم إلتقاءهما وفناءهما خلال جزء صغير من الثانية، فهذا يحدث في فضاء كوننا كل الوقت.

 

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ..}

{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا…}

العمد هي جمع عمود وهو ما يستند ويرفع عليه السقف، والسماوات بما فيها من مجرات وما في المجرات من نجوم وكواكب وأقمارا وغيرهم من ما نعلمه ومن ما لا نعلمه، مستقرة بتعادل قوة الجاذبية مع قوة الطرد، وهما أعمدة هذا الكون التي تحفظ استقراره وتوازنه بالرغم من توسعه المستمر المنتظم، ونحن لا نرى هذه القوى العاملة في الكون وانما نعرف وجودها من آثارها. 

 

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}   (الطلاق 12)

 سبق أن ذكرنا أن تعبير السبع سماوات يدل على أبعاد الكون فتكون سبعة أرتفاعات، تمدد منها واحد فقط هو السماء الدنيا، بينما بقيت الستة إرتفاعات الأخرى بمسافة ”ثابت بلانك”. ولكن كل نقطة في هذا الكون ذو التسعة أبعاد مكانية، وبعد واحد زمني، لها كل هذه الأبعاد، وكل نقطة على الأرض الكوكب المادة، لها مثل هذه الأبعاد، وهذا قد يفسر قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن).

 

{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاك مَا الطَّارِق * النَّجْم الثَّاقِب * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}الطارق.

الطارق الذي بينه الله تعالى أنه النجم الثاقب، أقسم به وقال لنبيه ما أدراك به، أي هو نجم لا تدري عنه، ثم تبع الآيات أن كل نفس لعليها حافظ، أو إلا عليها حافظ.

ولو أخذنا لفظ ثاقب بمعناه المؤدي الى الخرق، والطارق بمعناه المؤدي الى دق وطرق الأشياء فوق بعضها البعض بقوة، يكون لدينا نجم مضغوط ذو جاذبية هائلة، إذا وقع شيء عليه فكأنه ضربه  بمطرقة وصكه وأطبقه بعضه فوق بعضه، نجد لدينا وصف النجم الذي يسميه علماء العصر الحديث، الثقب الأسود،  Black Hole . وأطلقوا عليه أسود لأنه لا يُرى أبدًا لأن الضوء الذي يسقط عليه لا يستطيع أن يهرب من شدة جاذبيته، أما لماذا أطلقوا عليه أنه ثقب، ففي أول الأمر، لأن ما يسقط عليه لا يعود أبدُا فشبهوه بالثقب الذي أن سقطت الأشياء فيه تعتبر في حكم المفقودة، ثم وجدوا أنه من شدة إنضغاطه وعظم كتلته وكثافته، فأنه يقعر النسيج الكوني حتى يثقبه. وهذا النجم كان ضخمًا منيرًا حتى استهلك كل الغاز فيه فانهار على نفسه مكونًا كتلة مضغوطة ذات كثافة هائلة.

الآية الكريمة أطلقت على نجم لا يدري الناس شيء عنه في ذلك العصر ولا يستطيع أحد أن يراه حتى اليوم، أنه الطارق الثاقب، الطارق تدل على الضغط والكثافة الهائلة التى هو عليها، ولأن له تأثير المطرقة على كل ما يسقط عليه فينضغط كإنما دق وطرق، والثاقب لأنه يثقب النسيج الكوني ولأن ما يسقط عليه يُفقد.

وقد أطلق عليه العلماء أيضًا أنه مقبرة لكل ما يقترب منه، أي أنه خطرًا محدق، والآية التي تبعت الآيات التي ذكر فيها النجم الثاقب، بينت أن كل نفس لعليها حافظ.

إن في هذه الآيات إشارة الى نوع من النجوم، لم يعرفه البشر إلا في القرن العشرين، وهو من أهم إكتشافاتهم، إذ توقعوا وجوده ثم عرفوه بتأثيره وليس بذاته، وعندما عرفه علماء الغرب الذين لم يقرأوا هذه الآيات، أطلقوا عليه أسم الثقب الأسود. ليس لأنه ثقب وإنما لأنه ثاقب.

 

{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56

من معاني لفظ العبادة الطاعة، والمشيئة الإلهية نافذة مقضية، فإذا خلق الله الجن والإنس ليعبدون، بمعنى العبادات والإيمان والتسليم، فهذا ما يجب أن نجدهما عليه في كل الأوقات، ولكن منهم العاصي والجاحد والكافر والملحد، أما لو أخذنا بمعنى العبادة على أنها الطاعة، فسنجد أنهما يطيعان ويخضعان للقوى التي وضعها الله في الكون، كالجاذبية في حالة الإنسان، والتي لا نملك كلنا إلا أن نطيعها ونرضخ لها، حتى عندما نتمكن من السفر في السماء الدنيا، فأننا لا نتحرك إلا وفق قوانينها. وقد نجد مثل هذا في تعبير (وشددنا أسرهم) أي في هذا الكون المغلق عليهم.

 

{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ….} الأعراف

يقول القرطبي في معرض تفسيره للآية: ” ” قَبِيله ” جُنُوده . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . اِبْن زَيْد : ” قَبِيله ” نَسْله . وَقِيلَ : جِيله .  قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ ; لِقَوْلِهِ ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” قِيلَ : جَائِز أَنْ يُرَوْا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَشَفَ أَجْسَامهمْ حَتَّى تُرَى . قَالَ النَّحَّاس : ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ إِلَّا فِي وَقْت نَبِيّ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى نُبُوَّته ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ . وَذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا فِي وَقْت الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّ بَنِي آدَم لَا يَرَوْنَ الشَّيَاطِين الْيَوْم .“ وجاء عنه أيضًا: ” وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ” الْبَقَرَة “ وَقَدْ جَاءَ فِي رُؤْيَتِهِمْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ.“

الشيطان وقبيله من الجن يستطيعون أن يرونا بينما لا نستطيع أن نراهم، والأغلب وفق دلالة المعنى أننا لا نراهم لأن المكان الذي هم فيه لا يمكن لنا رؤيته ورؤية من فيه، وهذا بدلالة ”من حيث“ والتي تدل على مكان. ولا تبين الأية أننا لا نراهم لأنهم في صور غير مرئية، كما ورد مثله في قول النحاس المذكور أعلاه: ” لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ.“ لأن السبب الذي تبينه الآية أن المكان الذي يعيشون فيه، يستطيع أهله رؤيتنا بينما لا نستطيع رؤيتهم. ووفقًا للإستدلال العلمي، يمكن أن يكون هذا المكان هو الذي يقع في بعد أعلى من الأبعاد التي نحيا فيها، أي في أحد السماوات الست غير سماءنا.

ولنبين المعنى الذي نقصده، نورد المثال التخيلي التالي: نحن نحيا في كون ثلاثي الأبعاد المكانية((ما تعلمناه هو الأحداثيات: طول وعرض وارتفاع، أي: س، ص ، ع))، لو تخيلنا كائنًا يحيا في عالم له بعدين مكانيين فقط، أي يحيا في كون مسطح مستوي، ليس فيه أي إرتفاعات، فقط طول وعرض. وستكون قياسات هذا الكائن طول وعرض فقط، أي مبطط، ولن يستطيع أن يرى البعد الثالث، أي الإرتفاع، ولأنه لا يراه، يعتقد أنه لا وجود له.

إلا أن هذا العالم الثنائي الأبعاد موجود ضمن عالم ثلاثي الأبعاد، يحيا فيه كائنات مثلنا، ولا يرانا هذا الكائن إلا عندما تتقاطع أجسامنا مع المستوى الأفقي الذي يعيش فيه، فلا يرى سوى المقطع، والذي لن يستطيع أن يكون منه صورة معقولة لأي منا. بينما يمكن لنا أن نراه ونرى كل شيء في عالمه.

هذا لو كان الفرق بين العالمين بعدًا إضافيًا واحدًا، وكلما زاد الفرق، كلما تلاشى المشاهد .

وما سبق ينطبق على سكان العالم ذو الثلاثة أبعاد إذا كانوا ضمن عالما ذو أربعة أبعاد، فنحن لن نستطيع رؤية البعد المكاني الرابع. وهكذا ينطبق على البعدين الخامس والسادس.

وعليه فلو كان الجن يعيشون في أحد السماوات الست الأخرى، والتي لها أبعاد أعلى من أبعاد عالمنا الثلاث، فسيستطيعون رؤيتنا بينما لا نستطيع نحن رؤيتهم.

والآيات الأخرى التي تناولت الجن مثل الجن الذين عملوا لسليمان وذاك الذي عرض أن يأتي بعرش ملكة سبأ، تدخل في باب المعجزات، وعلميًا يصح أن يقوم كائن من بعد مكاني أعلى بأعمال في بعد مكاني أدنى، إذ أنه موجود فعلاً وليس خيالا. أما قوله تعالى في سورة الجن (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) فالسماء التي حاولوا الإستماع خلالها هي سماءهم، أحدى السماوات الست الأخرى وليست السماء التي نعرفها. وعلميًا فان أي كائنات تسكن أحد السماوات أو الأبعاد الأعلى، تلمس وتحس وتستشعر كل ما في السماوات الأدنى منها، بما فيها السماء الدنيا، أي عالم الثلاثة أبعاد، بما فيها من كواكب ونجوم وشهب. بينما لا تستطيع الكائنات التي في الأبعاد الأدني أن ترى أو تستشعر سوى إسقاطات أو مقاطع هذه العوالم الأعلى.

 

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بسلطان} الرحمن 33

 المنع هنا من النفاذ من السماء الدنيا الى السماء الأعلى منها، والأعلى بعد ذلك، وعليه فان السفر في فضاء سماءنا، ممكنًا وليس ممتنعًا علينا، وهذا يغطى كل كوننا المقصود به كون الثلاثة أبعاد. وفي حالة الجن المنع من النفاذ الى السماء الأعلى من سماءهم مباشرة، ومن ما بعدها، وسماءهم أعلى من سماءنا ولا ندري أي سماء هي.

لقد ذكرت في الباب الأول عدم الخوض في موضوع الغيبيات والجن منها، إلا أن هذه الآيات تعلقت بمكانهم وهذا فقط يتعلق بالكون المشاهد والذي يعتقد بعض العلماء في هذه المرحلة من تطور المعرفة أنه متعدد الأبعاد، ولهذا يمكن أن يشمله التفسير المرحلي الذي قد يتطور مع تقدم معارفنا.

 

 

تم هذا الباب بحمد الله  في يناير 1999  

وقد تم إضافات وتعديلات عليه بعد ذلك وحتى نهاية 2006

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – النظر في آيات خلق الكون

تمهيد

          هذا الجزء من البحث، هو اجتهاد القصد من سرده هو عرضه على علماء المسلمين المتخصصين في كلا من العلوم الكونية (Space Time metrics)  والنسبية والفيزياء الكمية (الكوانتم فيزيكس) وخاصة فيما يتعلق بتأثر الزمن بتمدد النسيج الكوني في مرحلة التضخم في أول لحظات البدء. وحيث أن هذه الموضوعات متخصصة للغاية، يجب أن يؤخذ المذكور في هذا البحث على أنه رهنًا بمراجعة العلماء المتخصصين، وتم سردها هنا لعرضها على من يتكرم منهم بمراجعتها والإدلاء والإضافة بما يجدونه في علومهم.  أضف الى ما سبق أن النظريات العلمية المعاصرة، وخاصة الجزء الخاص بمرحلة التضخم في نظرية النشأة المفردة، ونظرية الأوتار الفائقة، ما زالت تتطور وتتعدل وقد تتبدل هذه النظريات أو التصورات، إلا أنها أفضل ما توصل إليه الفكر البشري في هذه المرحلة في الطريق نحو تفسير صفات الكون الذي نحيا فيه، ولهذا فلا بأس أن تُعتمد حيث أن التفسير الذي نحن بصدده له أيضًا صفة المرحلية.

 *************

أيام الخلق الستة ( ستة أم ثمانية ؟)

نبدأ بالنظر في أربعة آيات قرآنية هامة تعرضت للخلق الأول بالتفصيل : 

 (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) سورة فصلت الآيات 9 الى 12

           إن هذه الآيات، التي تناول القرآن فيها كيفية الخلق الأول بشيء من التفصيل، ربما تكون قد حيرت بعض علماء المسلمين، والتي تلقفها بعض المستشرقون بكتاباتهم، لأن مجموع الأيام التي وردت فيها بلغ ثمانية أيام، بينما خلق الكون كما ذكر في عدة آيات قرآنية أخرى لم يستغرق سوى ستة أيام، { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ..} الأعراف 54، وقد وجد هؤلاء المستشرقون في هذا الإختلاف تناقضًا، قفزوا منه بسطحية فأعتبروا أن هذا التناقض لا يكون إلا بشريًا في مصدره، هادفين بذلك الإستدلال به على بشرية مصدر القرآن نفسه.

           وقد أجاب علماء المسلمين على دعوى الإختلاف الزمني أن الأيام الأربعة الخاصة بالأرض في الآية الثانية، هي شاملة لليومين في الآية الأولى؛ وبهذا يكون المجموع الإجمالي ستة آيام، وبهذا لا يوجد إختلاف. وهذا الجواب مما تدل عليه الآيات ويصح لغويًا، وهذه الآيات كونية ينطبق عليها المدلول المرحلي المتغير المتطور، ولهذا قد يفترض فيها أن يحمل النص الثابت معان متطورة، وما يفهمه إنسان القرن السابع ليس بالضرورة ما قد يفهمه منها إنسان القرن العشرين.

           ولو كان من عند البشر لقوموه آنذاك، ولكنه لم يقّوم. إذ لا بد أن هذا الإختلاف قد لوحظ في زمن الإنزال، وحيث أنه ترك على ما هو عليه، فهذا في حد ذاته يشير إلى عدم تدخل البشر فيه من قريب أو بعيد، حتى وإن تعارض المجموع مع ما علموه عن الستة أيام كما ورد في آيات أخرى.

ربما لم يكن هناك إختلاف من الأصل، لأن الفهم العام آنذاك هو ما قال به العلماء حتى الآن، من شمولية الأيام الأربعة لليومين، والسرد يسمح بذلك، وذكر الستة أيام قد ورد في سبعة مواضع، وورد مثله في كتب الدين المسيحي والدين اليهودي، مما يعزز أن الخلق قد حدث في ستة أيام لا ثمانية .

          ولهذا فأجد أن وضعه في هذه الآية هي وضع مقصود، ويشير الإنتباه إليها داعيًا إلى البحث والفحص، جيلا بعد جيل، كلا وفق علمه، وقد تطورت علومنا إلى درجة أعلى قليلا عمن سبقنا، ولهذا يتوجب علينا إعمال الفكر فيها كما عمل من قبلنا، فان وجدنا فيها فهمًا جديدًا فالحمد لله، وإن لم نجد فالتفسير السلفي يمكن الإستناد والركون اليه مؤقتًا، إلى أن يتقدم العلم أكثر، خاصة أننا ما زلنا في مرحلة نحن فيها أقرب إلى الخرص العلمي فيما يتعلق بالنشأة الأولى للكون منا إلى اليقين العلمي، وكل ما نصبو اليه هو فهم الآيات بالنسبة إلى معارفنا المعاصرة، أي الفهم المرحلي، أما الفهم المطلق أو التأويل النهائي لآيات الخلق الكوني ولآيات نهايته، فهذا لن يكون إلا بالمشاهدة والتجربة، أي عندما تقوم الساعة.

          والجمع المباشر يبلغ ثمانية أيام يعارض ما ورد في سبعة مواضع أخرى من الخلق في ستة أيام ، وهذا التعارض من الوضوح مما كان يعرفه كل أهل القرن السابع، ومع هذا فلم ينسخ ولم يبدل، بل أبقى القرآن عليه كما هو ولم يُنسخ أو تنسخه آيات أخرى؛ وهذا ما يصبح معه مقصودًا، لغرض إيصال معلومات معينة، ربما القصد منها قد يكون أحد التفسيرات التالية؛ أو غيرها:

– إن الستة أو الثمانية أيام رمزية، والستة لتتناسب مع إدراككم ومع المعلومات التي وصلتكم من الكتب السابقة، والثمانية لتعلموا أن هذه الستة أيام ليست حقيقة ما حدث، ولا أهمية للعدد في هذه المرحلة، وخاصة للسائلين، وهذا مشابه للأعداد التي وردت في قصة أصحاب الكهف، فالمغزي لا يتأثر إن كانوا خمسة أو ستة أو أي عدد آخر، فالنقاش في هذا الموضوع والمجادلة فيه لغو لا خير منه، والمقصود من القرآن هو الهدى وليس تبليغ علوم الطبيعة التي يترك أمر إكتشافها إليكم لتستفيدوا منها في معاشكم وعمران الأرض.

–         أن الأربعة أيام شاملة اليومين اللذين سبقا من خلق الأرض.

أما بخصوص علومنا المعاصرة، نجد أن الزمان كونه بعدًا رابعًا في كوننا، وليس مطلق، أي ليس هناك زمان واحد لكل مكان ولكل حال، فالزمان نسبي يختلف باختلاف سرعات الراصدين. ولو فرضنا شخصين؛ أحدهما ظل على الأرض بينما أستقل الثاني مركبة فضائية وانطلق في الفضاء بسرعة كبيرة قد تقترب من سرعة الضوء، ولو كانت السفينة تسير بسرعة 0،866 من سرعة الضوء (ثمانمائة وستة وستون من الألف من سرعة الضوء) فعند عودته الى الأرض سنجد أن رائد الفضاء قد مر عليه يومًان فقط وفق الساعة الموجودة في سفينته، بينما زميله على الأرض مر عليه أربعة أيام وفق الساعة الموجودة على الأرض. أي أن الساعة التي توجد في وسط متحرك سوف تبدو بطيئة إذا قيست مع ساعة توجد في وسط ثابت، أو متحرك بسرعة تقل عن الأولى. والسبب أن الزمن ينكمش كلما أقتربت السرعة من سرعة الضوء. وينكمش الزمن أيضًا في المجالات التي تحتوي على مجال جاذبية ضخم الى حد كبير، وهذا ما كان عليه حال الكون آنذاك.

وعليه نجد أن الكون قبل التضخم كان يتوسع بسرعة معينة، وكان قياس الزمن في هذه المرحلة يومان، ثم تضخم فجأة بسرعة تفوق سرعة الضوء عدة مرات، ثم عاد ليتوسع بسرعة قد تكون مماثلة أو قريبة من سرعة التوسع في المرحلة الأولى، وقد نتوقع مع هذا التضخم انكماش الزمان مقارنة بقياس المرحلة الأولى والمراحل اللاحقة. ونحن نعرف أن الذي تضخم هو نسيج الكون وأن الطاقة والجسيمات كانت محمولة عليه، أي أن سرعة الفوتونات والجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، والذي توسع هو الكون نفسه، ولهذا لا يستطيع الباحث البت في هذه الأمور، والتي نتركها لعلماء الطبيعة والكونيات، كل ما نصبو إليه هنا هو بيان إمكانية أن تساوي أربعة أيام مقاسة بساعة ثابتة، يومان وفق ساعة متحركة بسرعة كبيرة أو قريبة من مجال جاذبية ضخمة.

وعليه نرى أن الأربعة أيام الثانية هي بقياس الأيام المستخدم بحساب الفترة الأولي، وفي قوله تعالى أربعة أيام سواء للسائلين، والسواء هو الإعتدال بين شيئين، أي بالقياس المساوي أو المعادل للزمان الذي منه قياس اليومين الأولين، أما القياس الخاص بهذه الفترة الثانية فهما يومين فقط، وحيث أنه لا وجود لشئ في الكون آنذاك لم يشمله حركة التضخم، فالجمع الحقيقي يأخذ باليومين وليس بالأربعة، لأن هذا هو الزمان الكوني الوحيد آنذاك، أما الأربعة فهي للمقارنة ولبيان هذه الحقيقة؛ ولأننا عدنا الى معدل التمدد الأقل في زمن السائلين. وسبق أن بينا أن هذا هو ما يتوقعه العلم عند الإختلافات الكبيرة للسرعات التي يتحرك بها الكون والتي تؤثر على قياسات المكان والزمن   (Space & Time distortion)  (Time Dilation).

          والسواء هو الإعتدال بين شيئين، ولهذا فقد ذكرت الأيام الأربعة المعادلة لليومين في الفترة الثانية وفق معيار القياس عند الفترة الأولى؛ فكانت أربعة أيام نسبية وليست فعلية، وهنا جاء لفظ سواء ليبين هذه الحقيقة.

          وقضية الزمان النسبي، تعود الى موقع المشاهد وسرعته وقوة مجال الجاذبية في محيطه، نحن لا نعرف مدى وكيفية حساب إنكماش الزمن خلال هذه العملية، وإنما نعلم أن الزمن قد انكمش وأن الأيام الأربعة التي استغرقها هذا التضخم بالنسبة لمن هو خارجه ستكون فعليًا أقل لمن هو داخله، والله أعلم.

وبهذا يكون المجموع ستة أيام، يومان في المرحلة الأولى ثم يومان فعليًا وحقيقة (يراهم السائل الذي لم يتحرك أربعة أيام)، ثم اليومين الأخيرين، والمجموع الكوني ستة أيام.

دراسة في الآيات المذكورة:

 { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين}

سبق أن بينا أن الأرض عندما ترد في أول الخلق، فان اللفظ لا يدل على الأرض التي نعرفها والتي نقف عليها، قد يدل عليها وقد يدل على غيرها، والحكم يبنى من تفاعل سياق الجملة مع معارفنا، والعلم يقول لنا أن خلق الأرض التي نقف عليها يكون مرحلة متأخرة من مراحل التكوين وليس أوله .

          والأرض التي ذكرت في الآية قد تعنى الأرض الصلبة مثل الأرض التي نقف عليها، أو النفضة، أو الرعدة؛ أو كلهم، أو بعضهم، ويتحدد المدلول وفق تركيب الجملة ضمن المعنى المناسب، والنفضة هي الحركة التي يمكن أن نعبر عنها مجازًا بالتي تحدث فجأة، وبسرعة، أي حركة بعد عدم حركة، والرعدة هي الحركة أيضًا بإضطراب أي بتكرر وإهتزاز ( وهذا يشبه حركة الموجات الكهرومغناطيسية أو تردد جسيم ذو طاقة عالية)، إن خلق الكون نتج عن حركة منتفضة أو مرتعدة إما من لا وجود، وإما من بعد سكون وإما من بعد حركة منتظمة هادئة، أي بعد إتزان وإنتظام. أي أن ما تبلغنا إياه هذه الآية أن أول خلق الكون كان نفضة ورعدة، أي خلق الحركة؛ وحيث أن الحركة أحدى صور الطاقة، أي خلق الطاقة.

 {وجعل فيها رواسي من فوقها}

 رسى : تدل على ثبات واستقرار والله أرسى الجبال أي أثبتها، قيل أن الرواسي هي الجبال، وقد ورد في القرآن في ذكر الأرض التي نقف عليها أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها وألقي فيها رواسي حتى تثبت وتستقر فلا تميد بنا (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ )  (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)  (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) وقال المفسرون أن الرواسي هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض كالأوتاد، ونحن نعلم ان الجبال تثبت القشرة الأرضية، وهذا ما تصفه الآيات المذكورة والتي اشارت الى الأنهار والمسالك والأودية وكلهم من تضاريس القشرة، أي أن الأرض المذكورة هي ما تحت أقدامنا وهذه هي القشرة. أما الأرض ككل فما يثبتها هو قوة الجاذبية التي تجذب الأشياء نحو مركزها والتي تعادلها قوة الضغط الواقع على الأجسام في اتجاه رأسي معاكس لاتجاه الجاذبية المتجه نحو المركز.

وفي الآية ( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) يقول ابن كثير: ”أَيْ قَرَّرَهَا وَأَثْبَتَهَا وَأَكَّدَهَا فِي أَمَاكِنهَا“. وعليه نجد أن الجبال التي عليها أن تقوم بتثبيت الأرض، يجب أن تثبت أولاً، وهذا يكون بفعل الجاذبية، ومتى ثبتت الجبال، تكون رواسي للقشرة الأرضية، فيما يتعلق بالحركات الأفقية لهذه القشرة.

وفي الآية (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) يقول ابن كثير : ”وَالْقُدُور الرَّاسِيَات أَيْ الثَّابِتَات فِي أَمَاكِنهَا لَا تَتَحَرَّك وَلَا تَتَحَوَّل عَنْ أَمَاكِنهَا لِعِظَمِهَا.“ قدرٌ راسيةٌ قيل لا تبرح مكانها لِعِظمِها. وخاصة لثقلها الكبير، والثقل بمعنى الوزن دليل على الجاذبية التي هي قوة تجمُع بين الأجسام.

وفي الآية {أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} يقول ابن كثير: ”( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْض قَرَارًا ) أَيْ قَارَّة سَاكِنَة ثَابِتَة لَا تَمِيد وَلَا تَتَحَرَّك بِأَهْلِهَا وَلَا تَرْجُف بِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْش وَالْحَيَاة بَلْ جَعَلَهَا مِنْ فَضْله وَرَحْمَته مِهَادًا بِسَاطًا ثَابِتَة لَا تَتَزَلْزَل وَلَا تَتَحَرَّك كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء)“ ثم يقول ابن كثير: (وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ)  أَيْ جِبَالًا شَامِخَة تُرْسِي الْأَرْض وَتُثَبِّتهَا لِئَلَّا تَمِيد بِكُمْ. وهنا نجد أن الأرض ككل جعلت قَرارًا،“ وهذا من أثر الجاذبية، ولكن هذا لا يكفي لتثبيت القشرة الأرضية، والتي قد تتحرك أفقيًا ولهذا جعل لها رواسي تثبتها وأحدها الجبال بأوتادها أو جذورها الممتدة نحو الأسفل.

مما سبق نجد أن لفظ رواسي يعبر عن الشيء أو القوة التي تثبت الأرض أو غيرها من الأجسام الفضائية.

أما الآية {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} فهذه تعود الى البذرة التي سيكون منها السماوات والأرض، والتي معظمها طاقة، والجديد هنا قوله تعالى {من فوقها}، وهذا التعبير لم يرد في أي من الآيات السابقة، بالطبع يمكن الفهم المرحلي أن الله تعالى جعل في الأرض جبالا من فوقها، وان كان حرف (من) زائد ولم يرد مثله في الآيات التي ذكرناها، ولكننا قلنا أنه في هذه المرحلة من الخلق لم تكن الأرض قد أوجدت بعد، ولم يكن هناك سوى التجمع المكون معظمه من الطاقة. الجاذبية التي نعرفها، تجذب كل شيء نحو المركز، ومصدرها مركز مجموع الطاقة والجسيمات، فان كانت تعمل من فوقها، تكون إما من أعلى أو كأنها من أعلى، وهذا قد يحدث إذا كان تأثير الجاذبية طاردًا وليس جاذبًا . ولكن الجاذبية بالضرورة قوة جاذبة  attractive force وليست نافرة  repulsive force، وهي تؤثر من مركز الشئ بجذبه إليها، فلو عملت من فوقه أي من خارجه فإنها تجذبه إلى الأعلى أي تنفره من المركز وتطرده عنه، وهذا ما نراه من أثر جاذبية القمر على الأرض مثل ما نراه من حركات المد في البحار والأنهار، ودوران الأرض حول الشمس من أثر جذب الشمس للأرض، ولكننا نحلل هنا طبيعة قوة جذب على الكون عند بدء خلقه عندما لم يكن شيئًا سواه، ولهذا فأي قوة مؤثرة يجب أن تكون من وفي الكون نفسه، أذ يفترض أنه لا شئ هناك غيره أو خارجه، ولهذا فهل يمكن أن تكون الجاذبية نفسها قوة طاردة في حالات خاصة، ربما يمكن ذلك، ليس لأننا نعلم، ولكن لأننا لا نعلم شئ عن كيفية عمل القوة الموحدة الأولى التي جمعت الأربعة قوى العاملة في الكون الآن، ولم تكن آنذاك أي منهم قد إنفصلت أو تعمل بمفردها، أضف الى هذا أن الأغلب أن الكون كان عبارة عن طاقة هائلة مركزة، وليس لدينا أي علم يستطيع أن يسبغ غور هذه القوة الواحدة لحظة مولد الكون. العلماء توصلوا أن قوة نافرة طاردة (عكس الجاذبية) أثرت على الكون أول لحظات نشأته، وتسببت في تمدده واتساعه، وهذا ما عبر عنه النص في هذه الآية، أما ماهية هذه القوة، أو هل هي قوة أو نتيجة إنكسار التماثل، أو نتيجة الإنتقال بين مستويات الطاقة Phase Transition ، أو نتيجة إنعكاس أثر القوى مع إقتراب الجسيمات الدقيقة الأولية من بعضها، فلنا مثال على ذلك القوة النووية الجاذبة بوجه عام، فهذه تصبح طاردة Repulsive force عندما تقل المسافة بين الجسيمات الى أقل من نصف فيرون، وربما هذا ما يحدث لقوة المجموعة المتحدة، وكلاهما الجاذبية والقوة النووية القوية نصف هذه المجموعة. أو غيرهم، فهذا مما على العلم أن يصل إليه. الذي يعنينا أنها قوة فعلها عكس الجاذبية.

          ولهذا فمصطلح الرواسي من فوقها أهم ما فيه هو هذه الإضافة ”من فوقها“، والتي هي من شروط البدء المؤدي إلى نجاح هذا الكون ليصبح بعد بلايين السنين الى ما هو عليه الآن .

          ووفقًا لعلمنا الحديث، فقد كانت القوى الأربعة متحدة، وقوة الجاذبية كان أول القوى التي انفصلت وكان هذا في هذه المرحلة الأولى.

ولا شيء علمي ثابت هنا، سوى أن البذرة الأولى تمددت وتوسعت، وهذا يدل أن قوة ما فعلها عكس فعل قوة الجاذبية، قد لا نعرف كنهها بعد، أثرت عليها. والكون المتمدد أو المتحرك، يظل يقال عنه راسيًا طالما أن الحركة منتظمة، ونعرف اليوم أن أرضنا دائمة الحركة، ومع ذلك فهي مستقرة وثابتة، والجبال الرواسي تمر مر السحاب، وهذا ما بلغنا به القرآن {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}، وهذا قد يدل على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس.

ولهذا فأقرب صيغة لغوية تعبر عما حدث آخذين في الإعتبار حدود اللغة وقدرات المستمع لفهم الخطاب في القرن السابع وحتى العقد الماضي، وربما حتى اليوم، هي تعبير ”رواسي من فوقها“ لتعبر لنا في هذا العصر عن قوة طاردة منفرة منتظمة (( يميل العلماء في سنة 2015 إلى وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة وهما يكّونان 95% من الكون الذي نحيا فيه، وأن لهما جاذبية طاردة منفرة، وهذا لتفسير ما وجدوه من تمدد الكون  المتسارع (تباعد المجرات عن بعضها بسرعات متزايدة باستمرار)  )) . وقد أعقب هذه القوة الطاردة:

{وبارك فيها}

البركة : قال الخليل البركة من الزيادة والنماء . وبركت السحابة اشتد إنهلالها. .

وقوله سبحانه وتعالى: وبارك فيها، أي وضع الزيادة والنماء فيها، فنمت وزاد حجمها بسرعة هائلة تفوق سرعة الضوء مرات عديدة، وهذا التعبير يناسب مرحلة التضخم، لأن التمدد المنتظم الذي تبعه عبر عنه القرآن بلفظ : (وإنا لموسعون) .

إلا أن الرأي العلمي خلال العقد الماضي، أصبح يميل إلى تفسير التضخم على أنه إنتقال من مستوى طاقة أعلى غير متزن إلى مستوى طاقة أقل أكثر إتزانًا، ويمكن تفسير ذلك بحالات الماء ((يوجد الماء في الطبيعة في ثلاثة حالات، غازي وسائل وصلب، أو بخار وماء وثلج، وهي تتوقف على درجة الطاقة في جزيئات الماء، وأعلاها البخار وأقلها الثلج، واذا تغير الماء من حالة الى أخرى فإنه يفقد طاقة إذا تغير من بخار إلى سائل ومن سائل إلى ثلج، ويحتاج أن يكتسب طاقة إذا كان تغيره عكس الدورة السابقة . ويشبه العلماء تضخم الكون المفاجئ ولفترة قصيرة للغاية بهذه الظاهرة، فإذا حدث في الجزيئات الأولية في أول خلق الكون مثل هذا التغير في الحالة، فان الطاقة الحرارية المفقودة سوف تسرع تمدده كثيرًا في لحظة معينة، وهذا تمثيل وتقريب لما يعتقد العلماء بحدوثه في أول أجزاء الثانية من عمر الكون، عندما تضخم الكون فجأة للحظة زمنية قصيرة ثم عاد إلى معدل تمدده الأول. أي أن الكون قد حول طاقة الى حركة سارعت من تمدده حتى وصل الى مستوى الطاقة الأقل والأكثر إتزانًا، والتي أكملت تمدده المنتظم حتى يومنا هذا.)) .

وهذا التضخم وإن كان قصيرًا إلا أنه يفسر الكثير مما نجده في الكون في زمننا هذا، فهو يفسر حالة الإستواء والكثافة قرب الحرجة، ويفسر كبرحجم الأفق الكوني عن ذلك الذي يمكن للموجات الإشعاعية أن تنتشر بين طرفيه خلال عمر الكون الحالي، ويحل مشكلة المغناطيس المفرد القطب الذي أظهرت النظريات العلمية حتمية توفره في الكون مع انعدام مشاهدته أو رصده، ويفسر التجانس التوزيعي والإنتظام الدقيق لمادة الكون في كل الأفق المرئي .

وأي كان سبب التضخم، فتعبير (وبارك فيها) يدل على الزيادة والنماء الكثيرين، والبركة الصادرة عن الله تعالى، لابد أن تكون أكثر بكثير مما نعتقد أن قوانين الطبيعة الكونية تسمح به، أي تجاوز سرعة الضوء، وقد علل العلماء هذا بأن الذي تمدد بسرعة تجاوزت سرعة الضوء هو نسيج هذا الكون وليس مكوناته من طاقة أو جسيمات أولية، أي أن هؤلاء حُملوا على هذا النسيج.

{وقدر فيها أقواتها}

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ.

القوت: يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشئ، ومن الباب القوت ما يمسك البدن وسمي قوتا لأنه مساك البدن وقوته.

التقدير هو في تحديد مسار نماء وتطور هذا الكون ومبلغه ونهايته، وقياس القوى والأشياء وعددها والنسب بينها، ولفظ القوت هو ما يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشيء، يعبر عن القوى الأربعة التي ستمسك الكون وتطوره وتبنيه وتحفظه ثم تبلغه نهايته.

وهنا، وهذا في نهاية مرحلة التضخم والجزء الضئيل من الثانية بعده؛ نجد ثلاثة أحداث هامة لنجاح كوننا :

الأول: هو السرعة التي أنطلق بها الكون والتي تقترب إلى درجة متناهية من الدقة من السرعة الحرجة، وهذه من العجائب التي تحير علمائنا ولولاها لما كان هذا الكون ولما كنا نحن.

والثاني: في إنفصال قوة الجاذبية أولاً عن القوة الواحدة، ثم تلتها بعد ذلك وعندما أصبح عمر الكون عُشر البليون من الثانية، إنفصلت القوة النووية القوية أيضًا عن المجموعة المتحدة، وأصبح في الكون ثلاث قوى، هم الجاذبية والقوة النووية القوية والقوة المتحدة، والأخيرة إنفصلت (عندما كان عمر الكون جزء من مائة مليون من الثانية) إلى قوتين هما القوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية، وبهذا أصبح في الكون أربعة قوى تؤثر عليه وتضبطه وتحدد مستقبله .

والثالث: في أول لحظات التكوين، ظهرت الجسيمات الأولية من تبدل الطاقة، وأدى تصادم كثير من الجسيمات مع ضد الجسيمات إلى فناءهما وصدور أشعة عن هذه العملية، إلا أن العلماء يقدرون أن عدد الجسيمات كان أكبر قليلا من ضد الجسيمات، مما تبقى وكون بعد ذلك مادة الكون. ويقدر العلماء أنه كان هناك جسيم واحد أكثر في كل بليون جسيم وضد جسيم، نتج عن هؤلاء هذا الكون الذي تقدر جسيماته 10 80 جسيم.

{في أربعة أيام سواء للسائلين}

           اضافة الى ما سبق في هذا الموضوع، نضيف هنا، أن خلق الطاقة في يومين، ثم كان التضخم الفجائي الذي تغير حجم الكون فيه، بمعدل يكبر كثيرًا عن معدل تمدده السابق، وكبر في زمن قصير للغاية من حجم  أصغر من جسيم ذري أولى (Elementary Particle ) إلى حجم كبير نسبيًا قد يوازي حجم كرة متوسطة،  أن هذه الحركة السريعة وتركيز الطاقة والمادة في حيز صغير، يكون لهما الآثر في أن يبطء الزمن وفق النظرية النسبية لأينشتين، فتكون الأربعة أيام بقياس سرعة التمدد المنتظم آنذاك، ليست سوى يومين من الأيام الفعلية في زمن التضخم، أي من الممكن  أن الزمن (الحديث التكوين والذي هو جزء من نسيج الكون يتأثر به ويؤثر عليه) قد تأثر بهذه الحركة الفجائية التي جاوزت سرعتها سرعة الضوء، مسببة   space & Time distortion

 الذي نفهمه من الآية أن التضخم قد غير مقياس الزمن عن ذاك الذي قيس به الفترة التي سبقته، ونعلم أن الزمن يبطء في حالتين، السرعة والقرب من مجال جاذبية كبيرا جدًا (((نعرف أن الزمان يبطء بقرب الثقوب السوداء   Black holes وقد تتجمد اللحظة عند أفقها))) ، وكلاهما كان موجودًا في أول الخلق، وبأرقام لا متناهية في الكبر، ولهذا فالزمان المقارن آنذاك كان بطيئا لدرجة كبيرة، ولا يوجد زمان مطلق في كل هذا الكون حتى نستطيع القياس بالنسبة له.

ليس لدينا ما نستطيع به البت في هذه الأمور، ولكن علومنا تؤيد إمكانية أن تساوي أربعة أيام يومين أو أي عدد آخر، إذا كانت سرعتا الشيئين المقارن بينهما تختلف إختلافًا كبيرًا جدًا، المعنى القرآني يدل على حقيقة أن الزمان له قياس نسبي، أما أن تكون أربعة أيام مساوية ليومين فعلاً، فهذا قد يكون فعليًا أو على سبيل المثال لبيان الفكرة دون الإهتمام بالأعداد الفعلية، والله أعلم.

          ويجدر الإشارة هنا أن الذي تمدد خلال التضخم بسرعة تفوق سرعة الضوء هو النسيج الكوني وليس الفوتونات والجسيمات الأولية، والتي كانت محمولة على هذا النسيج، وبالتالي فان سرعة الجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، وبهذا لا يكون هناك تعارضًا مع النظرية النسبية التي تقول أن لا شيء (شعاع أو جسيم) في كوننا يستطيع أن يتحرك أسرع من سرعة الضوء.

          أما لماذا أيامًا وليس أجزاء متناهية في الصغر من الثانية، فهذا الأمر نسبي أيضًا ويجب أن نتذكر أن الزمن يبطء الى درجة كبيرة بالقرب من مجال جاذبية كبيرة، ولا بد أن الكون الذي كان مركزًا كله في نقطة واحدة، بكل طاقته ومادته التي نراها اليوم والتي لا نراها، لابد أن يكون هذا الكم الهائل له قدر هائل من الجاذبية، تبطء الزمن الى درجة كبيرة.

ويصح أيضًا أن تفسر هذه الأيام على أنها من متطلبات الأسلوب الرمزي، لما ذكرناه أن الأجيال السابقة لن تعي أو تتقبل هذه الفترات الزمنية القصيرة للغاية في أول الخلق، ثم الكبيرة للغاية بعد ذلك وحتى يومنا هذا. الكون الذي خلق وتشكل في أجزاء صغيرة من الثانية، استغرق قرابة أربعة عشر بليون سنة حتى ظهر فيه الإنسان. والله تعالى أعلم .

 {ثم استوى الى السماء }

يقول صاحب القاموس المحيط: ”أستوى إلى السماء تعنى صعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى ((وقد ذهب بعض المفسرين الأوائل الى معنى استولي، ورفض آخرون هذا المعنى لأن الأستيلاء يستوجب الضد وهذا لا يصح.)) ، وسواه تسوية وأسواه جعله سويًا واستوت به الأرض وتسوت وسويت عليه أي هلك فيها“ والاستواء يكون على السطح المستوي، قال الطبري: ”وَقَوْله : {رَفَعَ سَمْكهَا فَسَوَّاهَا} يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَوَّى السَّمَاء , فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل“ . وهذا ما يسميه العلماء Flatness أي استواء الى درجة كبيرة من الدقة، وهذا من أثر التضخم السريع الذي مسح أو فرد إلى درجة كبيرة أية تعاريج كانت بها.

{وهي دخان} 

          وكان هناك فقط ليبتون وكوارك . وعند عُشر المليون من الثانية، كان الكون قد برد بدرجة كافية، (تستطيع معها جسيمات الكوارك أن تجتمع معًا لتكون الجسيمات الأولية . فأصبح الكون حمأ من جسيمات أولية (بروتون ونيوترون وإلكترون وكل بقية الجسيمات الأولية القصيرة العمر)، والبروتون هو نواة غاز الهيدروجين، وبعد هذا كان في الكون ليبتون وبحر من الجسيمات الأولية . وكلما أتحد بروتون ونيوترون لتكوين نواة بفعل القوة النووية القوية، صدمتها الجسيمات الأخرى والأشعة وشتتت مكوناتها.

وبين دقيقة واحدة وثلاثة دقائق : عندما أنخفضت حرارة الكون إلى تحت البليون درجة كلفن، تسارع حدوث التفاعلات النووية بفعل القوة النووية القوية بينما قلت قدرة قوة الصدم على تشتيت النوى، فتكونت نَوًى أو أنوية الغازات الأولية كالهليوم والديوتيرم ثم الليثيوم، إلا أن هذا التفاعل الإتحادي النووي توقف بعد ذلك بفترة قصيرة نتيجة إستمرار تمدد الكون وإنخفاض الكثافة والحرارة بسرعة نحو المائة مليون درجة كلفن،  وإستمر الكون في التمدد بعد ذلك، مع تناقص حرارته وكثافته .      

لاحظ أن الجزء المادي من الكون آنذاك كان عبارة عن نَوًى الغازات الأولية وأقرب تعبير لهذا هو ”وهي دخان“.

{فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين}

عن القرطبي: ” وَقَالَ : ” طَائِعِينَ“  وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ عَلَى اللَّفْظ وَلَا طَائِعَات عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُمَا سَمَوَات وَأَرَضُونَ“

          وهنا الأرض ما زالت هي الطاقة المتمثلة في الفوتونات، والسماء هي المادة المتمثلة في كل الجسيمات الأولية وأنوية الغازات، وكان الكون في هذه المرحلة يتمدد بفعل طاقته بينما تحاول الجاذبية إيقاف هذا التمدد، والأتيان هو الحركة التمددية والطوع هو في الإنقياد في إتجاه الحركة، والكره أي بمشقة من أثر الجاذبية.

{فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها}

 عن ابن كثير ”فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ“ أَيْ فَفَرَغَ مِنْ تَسْوِيَتهنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ أَيْ آخَرَيْنِ“ وعن القرطبي ”أَيْ أَكْمَلَهُنَّ وَفَرَغَ مِنْهُنَّ . وَقِيلَ . أَحْكَمَهُنَّ “

والسماء التي ترد قبل قضائهن ليست هي السماء الدنيا، لأن السماء الدنيا واحدة من السماوات السبع، والسماء التي أحكمها الله وقضاها سبع سماوات، هي كلهن متحدين أو أصلهن، ولهذا جاء لفظ ”طائعين“ للجمع، والمجموع قد يكون أكثر أو أقل من سبع، وقضى تدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته  وجهته هو سبع سماوات لكل سماء منها خصائصها ومقدراتها، أي إنه هنا ربما يكون تم إحكام الفصل بين هذه السماوات السبع وإنفاذ كل منها الى وجهته، بأن جعل لكل سماء صفات وقوانين وثوابت تخصها.

وهذا يبينه قوله تعالى { وأوحى في كل سماء أمرها} وأوحى أي ألقى علمًا في إخفاء، والإخفاء هنا ليس عن حي إذ لم يكن آنذاك غيره سبحانه وتعالى، { وما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} وإنما هو إخفاء بين السماوات، أي أن لكل سماء أمرها، والأمر هنا ما يستوجب الطاعة، ويكون في إطاعة وخضوع كل ما في الكون للقوانين والثوابت الفيزيائية التي تحدد العلاقة بينها وكيفية تصرفها. وعليه فلكل سماء صفاتها التي تختلف عن بقية السماوات، وليس لنا إطلاع إلا على السماء الدنيا والأرض، وهذا واضحًا في قوله تعالى ”يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ“ وأُعتبر ”فَانْفُذُوا“ أَمْر تَعْجِيز. أي أننا لن نستطيع النفاذ خارج سماءنا وارضنا، أي خارج عالمنا ذو الثلاث أبعاد مكانية والبعد الزمني الرابع.

          أي أن السماوات أو السماء جعلت سبع سماوات، وهذا يدخلنا في موضوع السبع سماوات الذي تكرر في القرآن الكريم . وقد ظهر مؤخرًا في العلم الحديث نظريات جديدة مفادها أن كوننا له عشرة أبعاد  (تسعة مكانية وبعد زمني واحد) ويمكن القول أن التسعة المكانية هم أثنين في المستوى الأفقي وسبعة إرتفاعات، ولو مثلنا بالأرض كوكبنا والسماء التي نراها، فالأرض لنا أي للشخص الواقف عليها مستوية لها أحداثين؛ والسماء لها إحداثيا واحدا هو الإرتفاع، وهؤلاء ثلاث إحداثيات، فلو قلنا أن هناك ستة سماوات أخرى غير هذه السماء ( أي مجموع السماوات سبع) فمعنى هذا أن هناك ستة إرتفاعات أخرى، تضاف الى الثلاثة التي نعرفها لتعطينا تسعة أحداثيات مكانية وبعد واحد زمني في الكون ككل، بما مجموعه عشرة احداثيات. وهؤلاء عدد الأبعاد لعالم المكان والزمان الذي يعتقد بعض علماءنا أنه من صفات كوننا.  إلا أننا نحيا في حيز السماء الدنيا فقط، والتي لها ثلاثة إحداثيات مكانية وواحد زمني أي أربعة أحداثيات في السماء الدنيا، وهذه هي دنيانا التي نحيا فيها .

          وفقًا لنظرية الأوتار الفائقة  Superstring Universe  ، التي ظهرت في العقد الماضي وهي نظرية حسابية أي انبثقت من معادلات رياضية بحتة، وتتمتع بقبول عدد لا بأس به من العلماء، وفقًا لهذه النظرية أن الكون كان كثير الأبعاد عند لحظة خلقه، ذو ستة وعشرون بعدًا أو ذو عشرة أبعاد، وعندما تمدد في الجزء الأول من الثانية، المعادل لثابت بلانك، 10-43 من الثانية، وأصبح قطره  10-33 سم، توقف تمدد ستة من الأبعاد العشرة، بينما أستمر أربعة في التمدد حتى اليوم ، وهم الثلاثة أبعاد المسافية (طول وعرض وارتفاع) والبعد الزمني الرابع. ولا يوجد دليل تجريبي على وجود هذه الأبعاد الستة التي توقفت عن النمو، ونظرًا لصغرها فمن المستحيل رصدها أو قياسها.

          وهذا الاستدلال قد يفسر خلق السماوات السبع والأرض، حيث أنها تدلنا أن كوننا خلق ذو عشرة أبعاد، تسعة مكانية وواحد زمني، وأننا نحيا في ونستشعر فقط السماء الدنيا، وهذه ذات أربعة أبعاد فقط، ثلاثة مكانية وواحد زمني.

إلا أنه يجدر التنبيه أن هذه النظرية لها عدة فروع، يختلف أحدهم (نظرية M) في أعداد الأحداثيات المكانية لتصبح عشرة أبعاد مكانية وبعد زمني يصبح معه المجموع أحد عشر. أي أنهم زادوا بعدًا مكانيًا عاشرًا في نظرية (م) حيث يتناسب هذا البعد الإضافي مع نماذجهم، وهذا المستوى الأعلى من السماء السابعة، قد نجده في حديث الإعراج والذي قد يكون فيه سدرة المنتهى، والله أعلم .

من حديث الإعراج في تفسير الطبري: ”……وَمُوسَى فِي السَّابِعَة بِتَفْضِيلِ كَلَامه اللَّه , فَقَالَ مُوسَى : رَبّ لَمْ أَظُنّ أَنْ يُرْفَع عَلَيَّ أَحَد ! ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْق ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى“

           ويدلنا القرآن أن السماء الدنيا، وهي ذات الثلاثة أبعاد مكانية والبعد الرابع الزمني، هي الوحيدة التي تتسع وتتمدد، بينما لا تتسع السماوات الست الأخرى، أو الأبعاد الست الأخرى. في قوله سبحانه وتعالى: { والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون }  51/47  ونلاحظ هنا أن السماء التي وردت هنا بمعنى السماء الدنيا هي الوحيدة التي شملها التوسع أو التمدد المستمر، إذ لم تذكر السماوات الست الأخرى، وإنما السماء وحدها، مفردة، والسماء الدنيا تعبر عن دنيانا التي نحيا فيها، والسماء إذا ذكرت بعد الخلق، فهذه تعبر عن كوننا ذو الأبعاد الثلاثة المكانية والبعد الرابع وهو الزمن، وتوسع البعد الزمني هو في المسافة التي دومًا تتزايد بين البدء والحاضر، بينما لم يشمل التوسع بقية السماوات الست حيث لم يأت ذكرها في هذه الآية، وهي الأبعاد الستة التي طويت على نفسها وتوقفت عن النمو في أول الخلق، إلا أنها موجودة ببعد متناهي في الصغر (ثابت بلانك).

{وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم } 

      وهنا الحديث عن السماء الدنيا دون السماوات الأخرى، وهي التي استمر تمددها واتساعها، والمصابيح جمع مصباح من صبح، ويدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، وسمي المصباح مصباحًا لحمرته، وقد تدل الآية تدل على ظهور اللون في السماء الدنيا وهذا عندما إنفصلت الأشعة عن المادة فأصبح الكون مرئي، فظهرت الألوان والأرجح أن اللون كان يميل إلى الحمرة لإرتفاع حرارته، وحفظًا لأن الأنوية إستطاعت أن تحفظ الإلكترونات في مداراتها وتحتفظ بها لتتكون الذرات وهي لبنة هذا الكون كله.

           إن الكون بدأ كونًا معظمه طاقة في الكون المرئي ((إلا ان العلماء يعتقدون بوجود الجزء الأعظم من الكون في المادة والطاقة المعتمتين))، ثم تدرج ليصبح كونًا معظمه مادة، وقد تكونت ذرات الهيدروجين والغازات البسيطة بتعلق الكترون مع بروتون عندما انخفضت درجة الحرارة الى 4000 – 3000 ْ كلفن . وهذا عندما انفصلت الأشعة عن المادة، وحدث هذا عندما أصبح عمر الكون زهاء 300,000 سنة، وقبل ذلك كانت الجسيمات (إلكترونات وأنوية) في حالة حرة، يسميها العلماء سائل البلازما، وكان كلما أنضم إلكترون حول نواة، صدمه جسيم سريع وأخرجه من مداره، وكان وجود الإلكترونات السالبة الحرة يشتت الأشعة، فلما إجتمع الإلكترون مع النواة الموجبة في ذرة متعادلة، أنفصل الشعاع عن المادة إلى الأبد، ومضى كلا منهما في طريقه. .

وبعد ذلك أنتشرت المادة وقلت الكثافة مع تمدده، وتكونت السحب الفضائية، التي تولد في داخلها النجوم وتكونت المجرات من تجمعات النجوم، ثم تكونت الكواكب من الجيل الثاني، وعلى كوكب نائي منعزل فيها، ظهر الأنسان كآخر سلسلة في العملية التطورية المادية .

          ويحمل معنى المصابيح أيضًا معنى النجوم، وهذه الآية جاءت متأخرة في الترتيب الزمني، فالنص الذي ذكرت فيه، لا يصف أحداثًا حدثت ضمن الأيام الستة، بل أنه يشير الى حدوثها بعد آخر يومين، ولم يحدد النص متى حدثت، سوى أنه كان في مرحلة لاحقة للأيام الستة. والملاحظ هنا تسمية النجوم بالمصابيح، والتي أصلها في اللغة يدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، والمرئي اليوم أن الضوء الصادر عن كل المجرات والنجوم البعيدة والذي يصلنا اليوم، هو ضوءًا له خاصية الإزاحة نحو الحمرة، والتي تدل أن هذه المجرات تبتعد عنا، وهو ما أدى الى أهم الإكتشافات العلمية سنة 1929 واستنبط منه أن الكون في حالة توسع، ومن هذه الظاهرة توصل العلماء الى ظاهرة توسع الكون ومنها خرجت معظم النظريات الحديثة التي تفسر نشأة الكون.

          والحفظ منه تثبيت الشيء وإبقاءه، أي أن الخلق وصل عند هذه المرحلة الى النمو المستقر، والاستقرار الذي نقصده قد نمثله بثبات الذرات بعد تكونها وعدم تفككها مثلما كان الأمر عليه في المراحل الأولى، وقد نفسره ان النجوم هي مطبخ تكوين العناصر الأثقل من الغازات كالكربون والحديد، ومنها تكونت الكواكب، والنجوم هي ما يحفظ الكواكب في مساراتها ويمدها بالطاقة والحرارة اللازمة لنشوء وبقاء الحياة على أرضنا.

{ذلك تقدير العزيز العليم }

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ،

          الكون بدأ بنفضة ورعدة، وكلاهما حركة والحركة تعبر عن طاقة ، أي بدأ الكون كطاقة ومن الطاقة تكونت المادة،  ثم التضخم ، ثم التمدد الذي أستمر حتى يومنا هذا. وهذه هي بالضبط مراحل نظرية النشأة المفردة للكون.  The Big Bang , The Singularity

          وهناك أمر بالغ الأهمية تحتويه هذه الآيات الشريفة ولم يسبقها إليه نص بشري أو سماوي آخر، إذ يجب ملاحظة أن هذه الآيات التي تناولت بشئ من التفصيل الخلق خلال الأيام الست الأولى، لم تشر من قريب أو بعيد إلى خلق الحياة من نباتات وأسماك وطيور وحيوانات برية أو إنسان، بل وتؤكد الآيات التي استعرضناها أن هذا لم يحدث آنذاك، ولا يوجد في أي مكان آخر في القرآن ما يشير الى غير هذا، وهذه الحقيقة أوردها القرآن مخالفا ومصححًا بها ما ورد في العهد القديم في سفر التكوين، من خلق أنواع الحياة كلها في الأيام الستة الأولى، وهذا كما علمنا خلال القرن الماضي فقط، يمثل حقيقة ما حدث، إذ أن الحياة ذاتها لم تظهر في الكون سوى في مراحله وعصوره الأخيرة، والتي يمكن أن نطلق عليها الحديثة نسبيًا، لأنها ظهرت بعد مرور البلايين من السنين بعد الأيام الستة.

وقبل أن نترك هذه الحقبة الأولى من خلق الكون، قد نجد في هذه الآيات معان تدعم ما سبق:{أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها  * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها} النازعات، فقد نجد مرحلة التضخم في ”رفع سمكها فسواها“ – يقول القرطبي: ” رَفَعَ سَمْكَهَا “ أَيْ أَعْلَى سَقْفهَا فِي الْهَوَاء ; يُقَال : سَمَكْت الشَّيْء أَيْ رَفَعْته فِي الْهَوَاء , وَسَمَكَ الشَّيْء سُمُوكًا : اِرْتَفَعَ.  فلو أخذنا معنى لفظ ”سمكها“ تعبيرًا عن قطر نسيج الكرة الكونية الأولى، والذي أرتفع فجأة، فنتج عنه تضخم واتساع سطح الكون، فاختفت منه التجعدات ”فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد“ ويتبين من الآية الكريمة أن القصد من التضخيم هو التسوية، تمامًا كما توصل اليه العلم منذ عقدين قريبين. ثم نجد في ”وأغطش ليلها وأخرج ضحاها“ انفصال الطاقة عن المادة ليغدو الكون مرئيًا ((أصبح الكون مرئيًا ولكن ضبابيًا، ولم يصبح الكون مرئيا صافيًا كما نراه الآن إلا بعد مرور مائتي مليون سنة تقريبًا. )) ، وحدث هذا بعد ثلاثمائة ألف سنة ((هذا الرقم هو ما تداولته الأوساط العلمية منذ عقود، إلا أنهم في السنوات الأخيرة ذكروا أيضًا 380,000 سنة و 400,000 سنة وقد يعود هذا الى أن هذا الحدث ليس لحظيًا وانما استغرق مدة طويلة من بدءه حتى نهايته. ))  تقريبًا.

{ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }، تتعلق هذه الآية بالبعث، وهو إعادة الخلق، وحيث أن اليوم آنذاك سيكون مقداره خمسين ألف سنة، فأننا يمكن أن نستنبط أن الأيام الستة الأولى التي خلق فيها الكون، مقدارها ثلاثمائة ألف سنة، وهي الفترة التي استغرقها الكون ليصبح مرئيًا. ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا.

 ولا يعني هذا الإستنباط المرحلي، سوى أن مدة الستة أيام مجتمعة، قد تعادل ثلاثمائة أو أربعمائة ألف سنة، أما طول كل يوم على حدة فلا يساوي خمسين ألف سنة، ويجب أن ننظر الى هذه الأيام على أنها ثلاثة مراحل، أستغرقت الأولى يومان، والثانية أربعة ولكنها يومان بمعيار الأولى، والمرحلة الثالثة يومان بمعيار لم يبين، وإن كان الأرجح أنه بمعيار اليومين الأولين. وحتى وفقًا لعلومنا الحديثة، نعلم أن هذه الأوقات حدثت في ظروف كانت الحرارة والضغط والجاذبية والسرعة هائلة الى حد كبير جدًا، بما تتغير معه معايير القياس الى درجة قد لا ندري فيها كيف يحسب الزمان، ولهذا نكتفي هنا بالمجموع وليس باليوم الواحد.

أما المرحلة اللاحقة، (والأرض بعد ذلك دحاها) فالأرض هنا هي الكوكب الذي نحيا عليه.

<< previous page next page >>

» الفهرس

كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون

يمكنكم الذهاب الى أي فصل من فصول الكتاب عبر الضغط على عنوانهِ في الفهرس :

» المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الأنسان وفي خلق الكون

Contemporary Interpretation of the Quranic Verses related to the Creation of Life & the Universe.

تمهيد

           قد يتخلف تفسير النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف الإنسانية، كما هو حاصل في عصرنا هذا. إذ تعود معظم التفاسير المعتمدة والمجمع عليها، بما فيها تفاسير هذه النصوص العلمية، الى عصور تختلف فيها المعارف الإنسانية عما وصلت إليه في عصرنا هذا، ولا بد أن المفسرين المتقدمين قد تأثروا بتلك المعارف في معرض تفسيرهم هذه الآيات، ومن الطبيعي أن يكونوا قد حمَّلوها بعض المعاني التي تتوافق مع العلوم التي كانت شائعة في زمانهم. وقد نتج عن هذا وجود بعض التعارض بين تفسير السلف الصالح لهذه الآيات وما تدل عليه علومنا الحديثة، بما يتطلب إعادة النظر في معاني هذه النصوص.

 الجهد الكبير الذي بذله المخلصون من مفكري هذه الأمة خلال العقود الماضية، قد قطع شوطًا نحو تحقيق هذا الهدف. إلا أن الكثير منهم، ما زال يرفض بعض النظريات العلمية الحديثة، كما هو الحال عند بعض الهيئات المسيحية التي ما زالت ترفض هذه النظريات وتسعى نحو منع تدريسها في بعض المحافل التعليمية الغربية. إلا إن الرسالة التي بين أيدينا تختلف عن الرسالات التي قبلها، حيث أنها جاءت مصححة ومتممة وخاتمة، وتحتوي نصوصها على كثير من المعاني التي عرفها الإنسان المعاصر، عندما أنعكست ألفاظها وتراكيب جملها على مرآة معارفه الحديثة، ومثال ذلك قوله تعالى {والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون}، الجميع فهم منها معنى تمدد الكون واتساعه المستمر، هذا المعنى الذي لم يتوصل العلماء إلى معرفته إلا منذ ثمانية عقود، وهناك مثلها الكثير من الآيات، نذكر منها النصوص التي تصف مراحل تطور الجنين في الرحم.

أديان من سبقنا لم تُفصَّل أو تحتوي نصوصها مثل الكم الكبير الموجود بين أيدينا من الآيات التى أصطلح أن يطلق عليها الآيات العلمية، فلا يصح لنا أن نحذو حذوهم، لهم أن يرفضوا النظريات الحديثة لأنها تتعارض مع نصوصهم التي ربما تدخل البشر فيها بالإضافة أو الحذف، أما نحن فلو أمعنا النظر في النصوص التي حفظها الله لنا، وبذلنا الجهد الذي أمرنا به، والذي يتطلبه البحث الجاد المتعمق في كل لفظ وجملة، فلن نجد إن شاء الله إلا ما وعدنا به سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

لو أمعنا النظر في تفسيرات السلف الصالح لهذه النصوص العلمية، لوجدنا أنهم قد واجهوا شيئًا من الصعوبة عند تفسير بعض الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، والتي يتيسر بيان مرادها وفق علومنا المعاصرة. ولهذا نجد أن علينا مسؤولية كبيرة، وواجب لا يصح أن نمتنع عنه، قانعين بما لدينا من تفاسير مرحلية لهذه الآيات مضى زمانها، راضين بالتفسيرات العصرية المتجزأة، آية من هنا وآية من هناك، التفسير الموضوعي المكتمل يجب أن يشتمل على كل النصوص المتعلقة بالموضوع الجاري بحثه.  

 إن واجبنا نحو الرسالة القرآنية، هو أن نبذل كل الجهد يحدونا إيماننا أن هذه الرسالة هي القول الحق، المشتمل على كل المعارف التي توصَلنا إليها، والتي قد نتوصل إليها في المستقبل، ويشتمل أيضًا على المعارف التي لن نتوصل إليها في هذه الدنيا. {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

***********

 

 البحث:

يتطلب التفسير أن يكون المفسر ملمًا بعلوم اللغة والقرآن والسنة وأصول الفقه والقياس والمقاصد والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغيرهم، فإذا تطرق الى موضوعات الكون والطبيعة والحياة، فسيتطلب التفسير الإلمام أيضًا بكافة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. ولا يستطيع شخص بمفرده أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قال البعض بتوجب أن يتصدى لهذا العمل السامي هيئة منتقاة من العلماء والفقهاء الراسخين والمتخصصين كلا في مجاله المحدد.

المحاولات الفردية في هذا العصر، هي محاولات يقوم بها أصحابها من الذين لديهم معلومات عامة تغطي معظم أو بعض هذه العلوم، ولكن ينقصهم التخصص والتعمق فيها، ولهذا يجب أن تؤخذ نتائجهم على أنها إجتهادات إبتدائية، بقصد عرضها للبحث والتدقيق والمراجعة، على أن يقوم بهذه المراجعة أكثر من عالم وفقيه، من الراسخين في علومهم، كلا ينظر في هذه الإجتهادات من زاوية العلم الذي يتخصص فيه، حتى يرتقي هذا العمل درجة بعد درجة، ليصل الى مستوى التفسير المرحلى الذي قد تجتمع عليه الأمة.

هذا البحث هو اجتهاد، يضاف إلى سلسلة طويلة من اجتهادات المخلصين لهذا الدين القيم، هو محاولة لفهم النصوص وفق المعارف الحديثة. كنت قبله كلما قرأت القرآن الكريم، أمر على الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، فأستشعر منها معانٍ تدور في نفس الإطار الذي يشير إليه التصور العلمي المعاصر. وهذا ما يتوقعه المؤمن، فالقرآن من عند الله تعالى، والنظريات تُستنبط من الكون الذي أوجده الله سبحانه وتعالي، كلا من عند الله.

إلا أنني وجدت غير تلك المعاني التي وردت في كتب تفاسير السلف الصالح، الذين فسروا هذه الآيات العلمية وفق معارف عصرهم، فأحسنوا جزاهم الله خيرًا في الوصول الى التفسير المرحلي الذي اطمئن الناس اليه إذ وافق علومهم. أما وقد تغيرت المعارف والعلوم، توجب علينا النظر فيها.

فتوكلت على الله وعزمت على أن أخوض في هذا الأمر الجلل، فكان هذا البحث الذي توخيت فيه الخشية والإتقاء والحذر. لقد ترددت كثيرًا قبل عرضه، بين أن أتركه فأكون قد منعت علمًا قد يكون نافعًا، أو أعرضه فأكون قد تجاوزت قدري، وليس لي في الأمر إلا غيرتي على هذا الدين القيم، وأخيرًا توكلت على الله تعالى راجيًا أن يوفقنا ,ان يغفر لي إن جانبني الصواب.

وعليه، فهذا البحث هو اجتهاد، ينحصر في محاولة فهم دلالات النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في الكون المشاهد، وما وضعه هنا إلا لعرضه على علماء الأمة، وما التوفيق إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

                                                           وسيم محمد رفيق

1427هـ – 2006م

*********

 

مقدمة الكتاب

 يُفضل أن يُجرى البحث في موضوع ما، بمعزل عن ودون التأثر بالمعاني المسبقة في الذهن، إلا أن هذا قد يستحيل علينا، لأننا نبحث في معاني ألفاظ وتراكيب لغوية، وينبثق معني الكلام من توافق الألفاظ مع الصور الذهنية الموجودة في العقل، والتي تتكون من نتاج المعارف المكتسبة من قبل. ولهذا فلا مفر من البحث في معاني هذه النصوص ولدينا فكرة مسبقة لما يفترض أن تدل عليه ((أما البحث بمعزل من الأفكار المسبقة، فهذا يفترض فيه أن نتمكن من استخراج المعلومات العلمية من النصوص، قبل أن تتوصل اليها المعارف البشرية، ولا نعتقد أن هذا هو المقصود من وجودها ضمن الرسالة السماوية. )) ، وبهذا فنحن معنيين بالمقارنة، وسيقتصر بحثنا على المقارنة وبالتالي بيان مدى وجود أو عدم وجود أي تعارض.

وقد لاحظنا أن النص ذاته لم يتعارض مع المعارف الشائعة في العصور السابقة، والتي اتفق علماء تلك العصور على صحتها آنذاك، حيث أنهم فسروه الى حد ما وفقًا لتلك المعارف واطمئنوا إلي هذه التفسيرات، وما عصى عليهم – مثل أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء – أرجعوه الى المتشابهات وقالوا آمنا به كلا من عند ربنا، إلا أن معظمه وافق تصوراتهم في خلق آدم مباشرة من الطين وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وما ساعدهم وطمأنهم أن مثله كان قد ورد في شرع من قبلهم. 

إلا أننا في بحثنا هذا، سنفترض أن نفس النص الثابت سوف لن يتعارض مع معارفنا العلمية الحديثة، ولا مع المعارف المستقبلية، أي أننا نفترض أن النص القرآني الثابت قد صيغ ليكون قادرًا على عدم التعارض مع المعارف المرحلية -المتفق عليها بين العلماء- في أي من عصور التطور المعرفي الإنساني. فإن صح هذا الفرض، وتبين عدم التعارض مع معارفنا الحديثة، يكون في هذا النص إعجازًا أكبر من إعجاز النص الذي يستدل منه فقط على الحقيقة العلمية المطلقة، فلا يصلح إلا في عصر اكتشافها، ويسبب بلبلة فكرية في كل العصور التي تسبقه.

ويقوم منهج البحث على الإطلاع –بصورة عامة- على أحدث المعارف الإنسانية والنظريات العلمية المقبولة والمجمع على صحتها من قبل معظم الأوساط العلمية. والإطلاع على المعارف والعلوم التي كانت معروفة زمن التنـزيل. ثم تجميع الآيات القرآنية المتعلقة بموضوعي خلق الحياة وخلق الكون، كلاً على حدة، واعتماد معاني الألفاظ كما وردت في معاجم اللغة المتقدمة، ثم الإطلاع على تفاسير السلف الصالح لهذه الآيات، ثم الإستدلال الى المعنى المباشر الذي يتأتى من معاني الألفاظ وتراكيب الجمل، وبيان مدى توافقه أو تعارضه مع المعارف العلمية الحديثة.

والنتيجة التي يبينها هذا البحث، أن النص الثابت، فيما يتعلق بموضوعي خلق الكون وخلق الحياة، لا يتعارض مع المعارف العلمية الحديثة، وهذا ما يدل عليه البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب.

 

تناول الباب الأول موضوع الرسالة والعلم. وناقش الفصل الأول بعض الأسس المنهجية للفكرين الديني والعلمي ومناطق إتفاقهما حتى ينحصر فيها التحاور بينهما. وتناول الفصل الثاني المعرفة البشرية وقضية الإستدلال بالتصميم، والثالث محددات الخطابين الديني والعلمي ومدى يقينية العلم.

يقدم الباب الثاني موجزًا لما توصل اليه العلم المعاصر من نظريات ثبت صحتها بالتجربة ومن تصورات نظرية وافقت توقعاتها صفات الكون المشاهد. ثم يوجز الباب تاريخ قصة الخلق في مسيرة المعرفة الإنسانية (( وليتبين ما كانت عليه  معارف الناس في عصر التنزيل.)) .

وخصص الباب الثالث لموضوع خلق الحياة والإنسان، والباب الرابع لموضوع خلق الكون وصفاته، ودُرس الموضوعين (في الحدود التي قدرنا الله عليها) كما وردا في الآيات القرآنية الكريمة. مع بيان تفاسير السلف الصالح لهذه النصوص، واعتماد معاني الألفاظ من معاجم اللغة المعتمدة.

                                                           وسيم محمد رفيق

 

 تعريفات:

ونشير هنا إلى أنه كلما ورد في هذا الكتاب أي من الألفاظ التالية فأنها يقصد منها المعاني المبينة هنا:

النص؛ النصوص؛ الآيات؛ الآيات العلمية أو الآيات الكونية: القصد منها يكون الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بالكون المشاهد والموضوعات العلمية والطبيعة وخلق الكون والحياة والإنسان. وقد بينا ذلك قدر الإمكان في بعض الكتاب، واكتفينا بلفظ النص أو الآيات الكريمة في البعض الآخر تجنبًا للتكرار وحيث أن السياق يشير إلى التخصيص.

الكون؛ العالم : الكون المشاهد هو عالم المكان والزمان، وهو كل ما ندركه وما يمكن أن ندركه بحواسنا وعلومنا التجريبية، وهو كل ما يخضع للقوانين الكونية والثوابت الطبيعية.

العلم، العلوم، العلمي، العلم الحديث، علوم الطبيعة، الفكر العلمي: هي طريقة التفكير والعلوم التي تقوم على مبدأ السببية وتعتمد التجربة ما أمكن.

<< Index الفهرس next page >>