مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير

ملاحظة: لتكبير ورؤية أي من الصور بوضوح:

Place mouse on photo, click right and select open image in new tab

والآن لو نظرنا في النقاط التي أثارها المتخصصون على مخطوطة برمنجهام، والتي كنا ذكرناها في الحلقة السابقة:

النقطة الأولى: وهي أن حروف الكلمات عليها نقاط إعجام، وهي النقط التي تميز الأحرف المتشابه رسمها، كالتاء والشين وغيرهما، وبدراسة الصفحات نجد أن بعض الأحرف منقطة والبعض الآخر ليس منقطًا، ولو عددنا كل الأحرف التي تحتاج تنقيط وفق قواعد الكتابة التي نتبعها اليوم، سنجد أن عدد الأحرف التي ليست منقطة يفوق عدد التي عليها نقط، بنسبة قد تصل الى الثلثين دون تنقيط بينما الثلث فقط هي التي عليها تنقيط. وهذا يدعونا الى التساؤل، لماذا نقط الكاتب البعض وترك البعض؟

مبدئيًا نعرف أن القراء والحفظة لم يحتاجوا التنقيط، فهم يتلون القرآن دون الحاجة لقراءته، ونعرف أن الصحابة والتابعين كرهوا أن يُدخلوا على رسم المصحف الإمام أي جديد ومنه نقاط التشكيل ونقاط الإعجام، ولكن هذا تغير بعد أن تبينت الفائدة منه والحاجة إليه، ووصلنا روايات عن مصاحف منقطة في نهاية القرن الأول ومنها ما روي عن مصحف ابن سيرين. ونعرف أن نقاط التشكيل سبقت نقاط الإعجام وكانت بلون أحمر بينما لون الكتابة أسود أو بني.

فلو كان الكاتب أو الناسخ يكتب بعد  تاريخ وضع النقاط على الحروف (بين 75 هـ و 86 هـ)، فلماذا نقط ثلث الأحرف فقط ولم ينقط الباقي. ولماذا لم يضع نقاط التشكيل الحمراء التي كان أبو الأسود الدؤولي قد وضعها قبل ثلاثين سنة.

إما أن الناسخ لم يضع أي من النقاط سواء الإعجام أو التشكيل لأنه كان ينسخ في نصف القرن الهجري الأول أي قبل وضع نقاط التشكيل ونقاط الإعجام. فنستنتج أن التنقيط الموجود على بعض الحروف وضعه ناسخ آخر في زمن لاحق، ليسهَّل على الناس القراءة في المواضع التي يمكن أنهم وجدوا صعوبة فيها.

أو أنه كان ينسخ في نهاية القرن الهجري الأول واتبع مدرسة من كرهوا أن يزاد أي شيء على مصحف سيدنا عثمان. وهذا يدعونا لإفتراض إحتمال أن التنقيط الموجود على ثلث الأحرف التي تتطلب تنقيطها، وترك الثلثين، حدث أيضًا في تاريخ لاحق بعد كتابة الصحف. لأن الناسخ الأول لو أراد أن يطبق قواعد تنقيط الحروف التي وضعها نصر بن عاصم الليثي ويحي بن يعمر، لنقط كل الأحرف وليس الثُلث فقط.

الذي نخرج به أن إحتمال أن التنقيط الجزئي على بعض الكلمات في حدود الثلث، قد يكون لاحقًا. وهذا إحتمال منطقي، لو تصورنا المصاحف المبكرة من القرن الهجري الأول، مكتوبة على رقع الجلد –المكلفة سواء في تكلفة الجلد وفي تكلفة الكتابة- والتى تظل مقروءة لمئات السنين بعد كتابتها، ولو فرضنا مصحفا ليس فيه تنقيط يميز الأحرف المتشابه رسمها، وبعد قرن أو عدة قرون، وقد عمت الكتابة بالنقط والتشكيل، وهذا المصحف المبكر موجود في مسجد يأتي إليه الناس ليقرأوا فيه ومنهم التلاميذ الذين يتعلمون، المصحف موجود وكتابة غيره مكلف للغاية، بينما هذا يصعب على الناس قراءته، أليس من الطبيعي أن يتطوع أحدهم لتنقيطه ليكون ذو فائدة أكثر وأعم. هم لم ينظروا إليه على أنه أثري ونفيس يجب أن يحفظوه لنا حتى نأتي نحن بعد ألف سنة لنضعه في متحف وندرس منه تطور كتابة المصاحف، لا أظن أنهم فكروا في هذا وإلا لحفظوا لنا المصحف الأم أو أحد المصاحف التي أرسلها الخليفة الراشدي عثمان رضي الله عنه الى مختلف الأمصار. هناك مئات الآلاف من هذه الرقوق موزعة على مختلف الهيئات العلمية والمتاحف في العالم اليوم. من الطبيعي أنهم في القرون اللاحقة للقرن الأول كانوا يقرأون في مصاحف القرن الأول الخالية من التنقيط، فاستصعبوا القراءة فنقطوها. ولكن لماذا نقطوا البعض في هذا المصحف ولم ينقطوا جميع الحروف؟ هذا يحتاج الى البحث فيه ليشمل مصاحف أخرى كثيرة، لنرى أي الحروف نقطت وأيها ترك، ولماذا؟

ويجدر الإشارة هنا أن البردية  المؤرخة سنة 22 هجري نقطت فيها بعض الحروف وليس كلها، والكتابة الفسيفساء –الموزاييك- التي كتبت في سنة 72 هجري، فيها بعض الحروف منقطة مع أن التنقيط يندر في النقوش، إذ نجد “تسليما” التاء والياء منقطة  وفي “يستنكف” كل حروفها منقطة، بينما أكثر الكلمات الأخرى ليست منقطة.

وهناك أيضًا عدة نقوش تعود الى القرن الأول ظهر على بعض حروفها نقاط إعجام. الأول نقش في صخرة كانت في سد قديم قرب الطائف بني في عهد معاوية أول الخلفاء الأمويين مؤرخ سنة 58 هجرية والحروف التي نقطت في هذا النقش هي الباء والتاء والياء  والثاء والنون والفاء والخاء. والثاني يعود لسنة 86 هـ تظهر فيه كلمة ثمنية منقطة. وثالث يعود الى سنة 64 هـ وظهرت فيه ثلاثة حروف منقطة. وهناك أقوال تُرجع وضع نقط الإعجام الى ما قبل الإسلام بقليل. وهذا يدلنا أن بعض التنقيط كان مستخدما.

فهل ترك الصحابة والتابعين التنقيط ليسمحوا للناس بالقراءات التي أذن الله بها بما تلقوه عن القرَّاء الذين أرسلهم الخليفة عثمان رضي الله عنه مع كل مصحف، أي ترك رسمها دون تنقيط ليسمح اللفظ الواحد بالقراءتين. ثم قام الناس بعد ذلك بتنقيط الذي لا إختلاف فيه، فنتج عن ذلك تنقيط بعض الحروف وترك بعضها. أو نقطت الحروف التي تبين أو تميز قراءة معينة وفق قراءة هذا البلد. يحتاج هذا للبحث فيه. الذي يهمنا أن تنقيط بعض الحروف وترك البعض الآخر دون تنقيط كان متبعًا في القرن الهجري الأول، وأن إحتمال ان التنقيط حادث في زمان لاحق للكتابة وارد أيضًا.

ونجد أيضًا أن الرسم في مخطوطة برمنجهام هو بالخط الحجازي المائل، وهو أول خط كتب به المصحف وسابق للخط الحجازي القائم وللخط الكوفي. وأن العين التي تجيء في وسط الكلمة رسمت مفتوحة، حيث أنه معروف أن العين الوسطى كانت ترسم مفتوحة طوال العهد الراشدي ثم الأموي، بينما تغيرت في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني، فأصبح معظمها ترسم مغمضة في العهد العباسي الأول حتى اليوم. وكذلك القاف في نهاية الكلمة التي تهبط الى الأسفل.

ويتفق معظم الأكاديميون أن مخطوطة برمنجهام هي جزء من نفس المصحف أو المصدر الذي جاء منه ستة عشر مخطوطة محفوظة في متحف المكتبة الوطنية الفرنسية ( تحت مسمى BNF Arabe 328(c)  ) ويوجد فيها على بعض الحروف نقاط إعجام، وفيها نقط تفصل بين الآيات. وتم تأريخ رقوق هذه المجموعة بناء على رسم الكتابة وأمور أخرى، على أنهم في الأغلب يعودون الى الربع الثالث أو الأخير من القرن الأول. ولهذا يمكن أن نعيد مخطوطة برمنجهام أيضًا الى هذا الزمن على الأقل. حيث أن موضوع تنقيط بعض الحروف ورسم علامات على شكل عدة نقط تفصل بين الآيات  كان مقبولا لدي هؤلاء الخبراء.

وهناك أيضًا رقوق مكتوبة بالخط الحجازي على بعض أحرفها نقط إعجام وبين آياتها فواصل من خمسة أو ستة نقط وأعادها الخبراء الى الربع الثالث من القرن الأول الهجري.

وهذا يأخذنا الى النقطة الثانية وهي وجود فواصل على شكل عدة نقاط تفصل بين الآيات أو تحدد رؤوس الآيات، ويقولون أن المصاحف الأولى الكتابة فيها كانت مرسلة ولا فصل بين الآيات.

روى أبو داود عن أم سلمة: لما سُئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ((كان يقطع قراءته آية آية. وقرأت {بسم الله الرحمن الرحيم} إلى {الذين} تقفُ على كل آية. فمعنى (يقطع قراءته آية إية)    أي يقف على كل آية ، وإنما كانت قراءته صلى الله عليه وسلم ليُعلم رؤوس الإي.

ولهذا فالحفظة والقراء كانوا يعرفون أماكن الوقوف ورؤوس الآيات، فهل ترك الكاتب مسافة بين الآيات. ثم جاء من بعدهم من نقطها في وقت لاحق، ام أن التنقيط كان وقت الكتابة الأولى.

قد يستطيع خبراء الرسم والحبر وسماكة القلم أن يبينوا أيهما أرجح.

وجاء في مجلة البحوث والدراسات الإسلامية العدد العاشر السنة الخامسة عشر بحث للأستاذ دكتور غانم قدوري الحمد ورد فيه في ص 78:  “”ولم تكن في المصاحف العثمانية الأولى علامات تدل على  رؤوس الآيات، وأول ما استُعمِل في المصاحف للدلالة عليها النقاط الثلاث عند رأس الآية، فقد أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام في “فضائل القرآن” وغيره، عن يحي بن أبي كثير (توفي 129 هـ) أنه قال: (ما كانوا يعرفون شيئًا مما أُحدِثَ في هذه المصاحف إلا هذه النُّقطَ الثلاث عند رؤوس الآيات).  فضائل القرآن (ص395) وينظر : كتاب المصاحف: ابن أبي داود (ص575)، والمحكم: الداني (ص16-17)، والبيان في عدّ أي القرآن (ص131). أنتهى.

وما بقى من المصاحف المخطوطة على الرَّق يؤيد ذلك، إذ تظهر عند رؤوس الآيات النقاط الثلاث، على شكل مثلث، أو خطوط صغيرة منضدة بعضها فوق بعض، وقد يزيد عددها فيصل الى خمس أو أكثر.”” أنتهى.

أي أن الثلاث أو الخمس نقط بين الآيات كان معروفا ومستخدما على أقل تقدير في الربع الأخير من القرن الأول وربما قبل ذلك في الربع الثالث. وهذا يؤكده الرقوق المماثلة والتي ذكرنا منها الستة عشر رقا الموجودة في المكتبة الفرنسية والتي قبلها من المجموعة (أ) و (ب) والتي أرخوها في الربع الثالث من القرن الأول.

ويجب الإضافة هنا أن مخطوطة برمنجهام ليس فيها علامات التعشير وهو رسم شكل مربع يوضع بعد كل عشرة آيات، ولا التخميس. وليس فيه أرقام آيات. بينما نجد التعشير في رقوق أرخها المتخصصون في الربع الثالث من القرن الأول.

وعليه فوجود نقط الفصل بين الآيات ليس سببا ليؤخر تاريخ مخطوطة برمنجهام.

النقطة الثالثة التي أثاروها هي  أنه يوجد خطوط مزركشة بلون حبر أحمر تفصل بين السور.

يقول الدكتور غانم قدوري في المرجع السابق ذكره ص67: “كانت المصاحف العثمانية الأولى خالية من فواتح السور، ويفصل بين السورة والتي تليها فراغ مقدار سطر في الكتابة.” و “ولعل أول ما رُسمَ بين السورتين في المصحف خط على طول السطر أو خطين، فقد أخرج ابن الضُّريسِ في كتابه (فضائل القرآن ص42) عن يحي بن عتيق، قال: (كان الحسن يقول: أكتبوا في أول الإمامِ: بسم الله الرحمن الرحيم، واجعلوا بين كل سورتين خطًّا)” أنتهى.

والحسن رضي الله عنه توفي في منتصف القرن الأول.

ولو اعتبرنا إختلاف الحبر في السطر المزركش، ولا بد أن الكاتب الأول ترك السطر المذكور بين السورتين خاليًا، ثم جاء من بعده أضاف الخط والزركشة وأعاد رسم بسم الله الرحمن الرحيم في أول سورة طه بالمداد الأحمر فوق الرسم القديم وربما فوق كلمة طه أيضًا.

أما الخط المنقط الذي في نهاية سورة مريم فقد يكون الكاتب الأول وضعه، حتى لا يضيف أحد بعده أي كلام على القرآن، أو أن هذا التنقيط كان أيضًا في زمن لاحق.

ولهذا فوجود الخط المزركش والرسم بالمداد الأحمر، فهذا في الأرجح إضافة لاحقة لا تأثير لها على تأريخ رسم الكلمات في المخطوطة.

النقطة الرابعة وهي أن ترتيب السور يتبع ترتيب السور في مصحف الإمام، ولا خلاف هنا إذا أعدنا تاريخ الرقين الى الربع الثالث أو الرابع، لأن مصحف الإمام انتهي من جمعه في نهاية الربع الأول من القرن الهجري الأول.

والنقطة الخامسة قالوا أن التنقيط يتبع قراءة ابن عامر الشامي، الذي ولد سنة 21 هـ وتوفي سنة 118 هـ في دمشق. وإسناد قراءة ابن عامر: قرأ ابن عامر على أبي هاشم المغيرة بن أبي شهاب عبد الله بن عمرو بن المغيرة المخزومي بلا خلاف عند المحققين، وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقرأ عثمان وأبو الدرداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبطريق آخر، أخذ ابن عامر القراءة عرضا عن أبو الدرداء الأنصاري وعن المغيرة بن أبي شهاب صاحب عثمان وقيل عرض على عثمان .

وكون الرسم والتنقيط يعودان الى قراءة ابن عامر، فقراءة ابن عامر تعود الى من قرأ عنهم حتى نصل المغيرة وأبو الدرداء ثم الرسول صلى الله عليه وسلم. القراءة تسبق ابن عامر وان سميت باسمه. فان كانت على قراءته فيصح ان تكون كتبت قبله عن طريق من أخذ هو عنهم.

وحتى لو قبلنا أن المصحف أخذ عنه هو، وكما ذكرنا هذا الشرط ليس واجبا، فابن عامر رحمه الله كان تجاوز الثلاثين سنة في منتصف القرن الهجري الأول. وهذا لا يتعارض مع احتمال كتابة الصفحات خلال الربع الثالث من القرن الهجري الأول، وبالطبع الرابع أيضًا.

النقطة السادسة، تذكر أن إختبار الكربون كان على الجلد وليس على الحبر، والجلد قد يكون حفظ وترك فترة طويلة ثم كتب عليه أو أنه كتب عليه ثم غسل جيدًا لإزالة الكتابة السابقة ثم كتب عليه مرة ثانية. وقد أكد الخبراء في جامعة برمنجهام أن الرقين ليسا طروس، والطرس هو الرق الذي يعاد استخدامه بعد غسل ومحو الكتابة الأولى. وهؤلاء أي الطروس بعد مرور مئات السنين، يمكن مشاهدة آثار حبر النص الأصلي، ويمكن إظهار أثره بالضوء فوق البنفسجي، وكما ذكرنا أكد الأكاديميون في جامعة برمنجهام أنهما ليسا طرسين ولا يوجد أثر لنص تحتي.

أما عن الحبر فلا توجد حاليًا طريقة علمية لتحديد عمره، وان كان هناك تباشير جهاز ما زال تحت الفحص في هولنده، ولا يعرف متى سيمكن الإعتماد عليه.

وأختبار الكربون المشع يعطي تقدير تاريخ موت الحيوان الذي منه الجلد، ولهذا قالوا باحتمال أن الجلد بعد معالجته وتحويله الى رقوق تم تخزينه لفترة طويلة تتجاوز عشرات السنين وربما مئات. وهذا الفرض مستبعد جدًا ولا يصح، لسببين أولهما أن هذه الرقوق لا تحتمل التخزين الطويل وتفسد وتنكمش وتتجعد فلا تعود تصلح للكتابة عليها، وثانيهما أن هذه الرقوق المعدة للكتابة باهظة الثمن ولم يكن صانعها أو مشتريها ليتركوها لمدة طويلة دون استخدامها. ولهذا يتفق الجميع على رفض فرضية تخزين الرق لمدة طويلة قبل الكتابة عليه. مع العلم أن كتابة مصحف واحد يحتاج الى جلود مئات الشياة أو الغنم.

ولهذا فالكتابة على الجلد –فيما عدا الطروس- تكون في تاريخ قريب من التاريخ الذي أشار اليه فحص الكربون المشع.

وهذا يأخذنا الى النقطة السابعة، وهي مدى دقة نتائج فحص اختبار الكربون. وهنا نجد أن هذه النتائج قد تخطأ في حدود عشرات السنين، إذا لم يؤخذ في الإعتبار الظروف المناخية في مكان العينة ودرجة تركيز الكربون في الفترات السابقة، وفي العموم، يقول خبراء المخطوطات التي تعود الى أزمان مثل مخطوطة برمنجهام، أن نتائج فحص الكربون المشع، قد تكون أبكر من الذي حددته النتيجة بحوالي خمسين سنة. الإحتمالات التي حددها الأختبار هي 568 الى 645 م، ولو اعتبرنا هذه التواريخ مبكرة بخمسين سنة، تصبح الإحتمالات بعد التصحيح 618 الى 695 م ولو أخذنا أقرب هذه التواريخ، أي 695 م، وحيث أن القرن الهجري الأول بدأ سنة 622م وانتهى سنة 719م سنجد أن سنة 695م تقع في نهاية الربع الثالث وأول الربع الأخير من القرن الهجري الأول.

وهذه الفترة –أي الربع الثالث والربع الأخير من القرن الأول الهجري، تتوافق مع الدلائل الباليوغرافية (أي علم الخطوط، منها الرسم والتنقيط والعلامات وعدد الأسطر وقلة الهوامش المتروكة وغيرهم)، وما يدعمه أن هذه المخطوطة تتطابق مع 16 ورقة أخرى محفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية، والتي يعود عمرها الى الربعين الثالث والرابع من القرن الهجري الأول. وكذلك المجموعة الموجودة في جامعة توبنجين في المانيا والتى يعتقد أنها أبكر وقد تعود الى الربع الثاني من القرن الأول الهجري. 

ويجب توضيح هنا، أن هناك عشرات الآلاف من المخطوطات القرآنية إن لم يكن أكثر بكثير، (في قول ربع مليون مخطوطة تشمل رقوق وبرديات وغيرهما)، الكثير منها يعود الى القرنين الأول والثاني، وكلها؛ مع اعتبار القراءات السبعة؛ تتطابق مع قراءة المصحف الذي بين أيدينا اليوم، ويتبع كل منها أحد مراحل تطور الخط والكتابة والزخرفة بما يدل على تاريخه، ولم يجد أحد حتى الآن أي إختلاف عدا إختلافات بسيطة في الكتابة ليس لها أي تأثير على المعنى، بل وفي معظم الأحوال على القراءة. ومعلوم أن النسخ عمل بشري مضني يحتاج الى صبر وتركيز عاليين، والأخطاء الإملائية وإن كانت قليلة للغاية، إلا أنها تحدث، لأن النسخ عملية بطيئة مرهقة وقد تحتاج الصفحة الواحدة لساعات وربما ليوم. أما عن الطروس التي وجدت في صنعاء فالكتابة الفوقية تتطابق مع المصحف أما الكتابة التحتية، فهذه كانت تستخدم للتعليم وهي كتابة تلاميذ يتعلمون كتابة ما يملى عليهم، حيث كما ذكر بعض المتخصصون أنه في سورة التوبة كتب أحدهم البسملة وكتب بعدها لا تكتب البسملة هنا، بما يدل أن التلميذ كان مستغرقا في التركيز يكتب دون تفكير كل ما يتفوه به الإستاذ. ولهذا نجد جزء من هنا وجزء من هناك، وكلام مضاف وأخطاء إملائية، وهذا ما نتوقعه في كتابة التلاميذ في فصل دراسي، وبقية القصة معروفة.

الذي نخرج به من مخطوطة برمنجهام، وغيرها بما يصل الى آلاف الرقع يعودون الى القرون الإسلامية الأولى، كلها تطابق القرآن الذي بين أيدينا اليوم، نحن لا نحتاج لكل هذا لأننا نعلم ونؤمن أن الله حفظه، لقوله تعالى في سورة الحجر:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} . أما هؤلاء الذين يشككون في قرآننا الكريم، ولا يأتوا إلا بتوافه الأمور، خطء كاتب أو حرف منسي، فليأتوا بآية يختلف معناها عن الذي بين أيدينا. لا تهتموا لو سقط حرف أو حتى كلمة أو حتى سطر في صحيفة (وهذا في الأغلب لم يحدث)، أليس من الطبيعي أن يخطء أو يسهو الناسخ وهو بشر، يتجاهلون آلاف الرقوق الصحيحة، ويشهرون بواحدة فقط وجدوا فيها خطء إملائي أو كلمة منسية أو مبدلة، أخطأ فيها الملقن أو الناسخ. في مخطوطة برمنجهام، نجد ما فيها كلمة كلمة تطابق تماما ما في مصحفنا اليوم، ومثله في المخطوطات الموجودة في فرنسا والمانيا وتركيا والقاهرة وصنعاء وغيرهم في كل أنحاء العالم. إن هذه المخطوطات تبين أن القرآن كان مكتملا قبل زمن العباسيين وقبل الأمويين وقبل الراشدين، ووصلنا نقرأه كما قرأوه.

يقول الدكتور إياد سالم السامرائي عن المصاحف المخطوطة للقرآن الكريم، في مقال نشره موقع الدراسات القرآني (معنية بدراسات وترجمات المخطوطات القرآنية المبكرة) في إجابته على سؤال محاوره الأستاذ أحمد وسام شاكر:  السؤال: “هل هناك اختلاف في النص القرآني بين المصاحف القديمة والمصحف المطبوع اليوم في ضوء دراستكم المقارنة لظواهر الرسم في مصحف جامع الحسين بالقاهرة ومقارنتها بكتب رسم المصحف والمصاحف المخطوطة كمصحف لندن وباريس وسانت بطرسبرغ وغيرها من المصاحف التي اعتمدت عليها الدراسة؟”

يجيب الدكتور: “ليس هناك أي اختلافٍ في النص القرآني إلا ما يرجع إلى اختلاف الهجاء الذي نص عليه علماء الرسم، وهو لا يُشَكِّلُ اختلافاً في النص القرآني فما موجود في المصاحف القديمة يتطابق بصورته ونظمه مع ما موجود في المصاحف المطبوعة اليوم، فجميع المصاحف المخطوطة والمطبوعة في العالم، القديمة والحديثة، متفقة في النص القرآني، ولا يقِّدم أيٌّ منها أي زيادة إلى النص الكريم.” أنتهى الإقتباس.

وأخيرا، نقول الحمد لله ونشكره سبحانه وتعالى إذ أنعم علينا بهذا القرآن العظيم، وحفظه لنا هدى ورحمة من رب العالمين. 

—————————————

تجدون فيما يلي صفحات مصحف برمنجهام يتضح فيهم تطابق القراءة مع المصحف الذي في أيدينا اليوم (مع ملاحظة أن الألف الوسطية لم تكن تكتب، وكذلك عدم كتابة أو رسم الهمزة مع غياب التشكيل وأغلب التنقيط). 


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*