الفصل الثاني

العـمـل

جاء في مقال الدكتور مشعل دخيل المشعل في مجلة البنوك الإسلامية: يعرّف الخطيب العمل بأنه: الجهد الذي يبذله الإنسان لتحوير وتبديل طبيعة أو استخدام شيء ما. هذا العمل قد يكون جسديا ويعتمد على القوة العضلية مثل عمل المزارع في الحقل , أو ذهنيا بالدرجة الأولى مثل عمل مراجع الحسابات أو الكاتب, وقد يكون الجهد خليطا من الاثين الجسدي والعقلي ومثال ذلك عمل الطبيب الجراح.

ويعرف المصري العمل بأنه مجموع الجهد الإنساني عقلي أو بدني أو كلاهما لخلق منفعة اقتصادية أو لزيادة قيمة شيء موجود أصلاً .ويعرف الشرباصي العمل في قاموسه بأنه خلق الشيء . (عدد69ص56)

فالعمل المنتج هو جهد إنساني – عقلي بالدرجة الأولى- وقد يستخدم فيه القوة العضلية وما سبق خلقه بجهد إنساني من امتدادات للقوة العضلية والقوة العقلية – وينتج عنه تبديل لحال الأشياء المخلوقة أو إضافة لموجود.

فالنجار يبدل بعمله الخشب إلى منضدة، والحفار يبدل حال الأرض؛ فيخفض جزءاً منها فيرتفع جزء آخر؛ فالعمل لا ينقص ولا يزيد شيئاً في هذا الكون؛ فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في كونه، لا شيء ينفى وإنماء يتحول من صورة إلى أخرى، إلا أن العمل المنتج يخرج المنافع المكنونة في الأشياء بتبديل حالها أو تبديلها وتجميعها، أو أن يكون العمل ذاته مقصوداً كالخدمات أو الفنون التي تضيف إلى سعادة الآخرين.

وحتى الآلة التي تعمل بالعقل الالكتروني بدون سائق تحتاج إلى من يبرمجها على العمل، ولا يخلو عمل من القدرتين العقلية والبدنية، وإن أمكن تقليل الأخيرة إلى الحد الأدنى لها.

وليس في قدرة العمل أو الفكر الإنساني خلق شيء جديد؛ فالخلق يستوجب أن يوجد الشيء من لا شئ. وهذا من صفات الله سبحانه وتعالى وحده، وما يقصد من الخلق هنا إنما هو تبديل طبيعة الأشياء؛ فيصنع شيئاً جديداً من الطبيعية المخلوقة، والتي سخرها الله للإنسان، والإنسان يقدر على استخراج المنفعة المكنونة أو استخدام الموارد والقوانين الطبيعية لما فيه منفعته، ومن صفات الكون الثبوت الكلي والتغير الجزئي الدائم، فكل زيادة يقابلها نقصان، وأنعم الله على الأرض فكانت تأخذ في هذا الكون ولا تعطي، تأخذ من الشمس طاقة مستمرة بقدر. وكان من صفات الأشياء التغير، منها ما تحسبه جامداً وهو متغيراً بمعدل بطئ، ومنها ما يتغير كل يوم، وله دورة من الوجود إلى النماء إلى الأُفول، ومنها ما يكون نماؤه طبيعي، ومنها ما يحتاج إلى بذل الجهد والعمل، وإنماء الأشياء من عمارة الأرض إلى الزراعة إلى نماء المال بكل صوره وغيرهم، هو ما يتحصل بالعمل المنتج.

وقد حلل الإسلام  لمالك المال الحق في إنماء ماله، سواء كان هذا النماء طبيعياً أو ناتجاً عن العمل، فإن كان النماء طبيعياً… كان له كل نمائه بالضمان، أي بتحمله وحده النتيجة المترتبة عن هذا الإستثمار؛ فإن هلك المال فعليه وإن نما فله، أما إذا كان النماء لا يتحصل إلا بالعمل، فإن عمل الرجل في ماله فنما استحق نماء ماله لقاء المال والعمل الذي قام به بنفسه، وإذا دفع المال لغيره ليعمل فيه مضاربة… اقتسما النماء الذي حصل بالمال والعمل، ويكون كسب كل منهما حلالاً ؛ لأنه نظير عوض، هذا لقاء ماله الذي نما وبالضمان أي بتحمله الخسارة إذا اصاب المال وضيعة؛ وذاك لقاء العمل… فإن دفع له أجراً صار أجيراً، فلا يطيب لمن أخذ الأجر الربح فوق ما أخذ من الأجر إذا كان الربح دون عوض.

والعمل الإنساني قد يصدر عن العامل وحده، وقد يصدر عن العامل وما يملكه فيشمل قدرته الفكرية والبدنية، وقدرة الآلة المضافة إلى قدرته العضلية، أو قدرة الكمبيوتر المضافة إلى قدرته العقلية، أو كل هذه القدرات معاً؛ مما يمكن أن نطلق عليه قدراته الممدتة.

وليس الإنسان وحده الذي يعمل، فالآلة تعمل والكمبيوتر يعمل، وكل منفعة تقاس على العمل إن استحقت الأجر؛ فالعمل والمنفعة يلتقيان في أن كلاً منهما يمكن أن يكون العوض فيه هو الأجر، أو المشاركة في النماء إن اجتمعا في عامل وآلة ونتج عنهما إنماء مال.

فإن ضارب العامل فإنه إما يضارب بفكره فقط، أو بفكره وقوة بدنه، أو بقدراته الممتدة الشاملة لما يملكه من أعيان لها منافع.

عمل المضارب في عقد المضاربة

عامل المضاربة هو من يملك القدرة على القيام بأعمال أغلب الظن أن ينتج عنها نماء رأس المال النقدي، ويكون من أثر هذا العمل تبديل المال من حال إلى حال أكثر من مرة حتى يعود إلى حالته الأولى… فإن كثر عما كان عليه فيكون نما، وإن قل يكون قد أصابته وضيعة، وقد فصل الفقهاء هذه الأعمال – وهم قد حصروا المضاربة في التجارة – كما يلي:

ما يقوم به المضارب من عمل، وما له، وما عليه يكون بما جرت به عادة التجار.

جاء في الفقه الحنفي  في المبسوط: وله أن يستأجر معه الأجراء  يشترون ويبيعون، ويستأجرون البيوت والدواب للأمتعة التي يشتريها، لأن ذلك من صنع التجار، فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح، وللمنافع حكم المال عند العقد، والإجارة والاستئجار تجارة من حيث أنه مبادلة مال بمال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 88): ”وله أن يستأجر من يعمل في المال لأنه من عادة التجارة وضرورات التجارة أيضاً لأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه“.

وجاء مثله الفقه الشافعي في مغني المحتاج من أن العامل يتولى ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه كنشر الثياب وطيها وذرعها، وان ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه،
وما لا يلزمه يستأجر عليه من مال القراض.

وجاء في الفقه المالكي في الدردير الكبير: وعليه أي العامل ما جرت العادة أن يتولاه كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر في ماله ان استأجر على ذلك، لا في مال القراض ولا في ربحه. وإلى هذا ذهب كل من الحنابلة والإمامة والزيدية.

 وجاء عند الحنابلة في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، من نشر الثوب وطيه وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده، وشد الكيس، وختمه وأحرازه في الصندوق ونحو ذلك. ولا أجر له عليه، لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك فالأجر عليه خاصة. لأن العمل عليه فأما ما لا يليه العامل في العادة، مثل النداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل عمله،  وله أن يكتري من يعمله. نص عليه أحمد. لأن العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف. فإن فعل العامل ما لا يلزمه فعله متبرعاً فلا أجر له، وإن فعله ليأخذ عليه أجراً فلا شيء له أيضاً في المنصوص عند أحمد، وخرج أصحابنا وجهاً: أن له الأجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه، هل له أجر لذلك؟ على روايتين. وهذا مثله، والصحيح: أنه لا شيء له في الموضعين. لأنه عمل في مال غيره عملاً لم يجعل له في مقابلته شيء فلم يستحق شيئاً كالأجنبي“.

وجاء في فقه الشيعة الإمامية في شرائع الأسلام (جزء 5 ص137): ”أن العامل إذا أذن له رب المال في التصرف تولى باطلاق الاذن كل ما يتولاه المالك من عرض القماش والنشر والطي وإحراز المال، وقبض ثمنه، كما يقوم بإيداع المال واستئجار من جرت العادة كالدلال والوزان عملا بالعرف“.

وجاء في فقه الشيعة الزيدية في الروض النضير (جزء 3 ص 646): ”أن للعامل أن ينفق من مال القراض ما يحتاج إليه المال من كراء أو جباء وأجرة دلال وغير ذلك مما تتطلبه التجارة ويقضي العرف به“.

فالعامل إذا استلم رأس مال المضاربة… تصرف فيما يتصرف فيه التجار عادة، فله أن يشتري به البضاعة التي يرى الخير في المتاجرة بها، وله أن يستأجر العمال والمخازن ووسائل النقل وكل ما  تحتاجه التجارة وما يتم به نجاحها. أما ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه… فعليه أن يقوم به بنفسه، وليس له أن يستأجر لذلك الأجير، وذلك كاستلام البضاعة وعرضها وتنظيمها وبيعها وتصديرها، وتحرير العقود وإيداع الأموال وغيرها مما جرت عليه العادة. فإذا استأجر لهذه الأعمال عاملا، وكان بوسعه أن يقوم بها بنفسه، لزمته الأجرة من ماله الخاص، أما ما لا يلزمه من العمل… كان له أن يستأجر عليه من مال المضاربة، وقد اتفق الفقهاء السابقون على هذا.

وقد وصف الفقهاء هذه الأعمال من باب التوضيح لا الحصر وحددوها بكل ما جرت العادة عليه، وجاء في وصفهم ما يلي: نشر الثياب وطيها وذرعها وعرضها على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده وشد الكيس وإحرازه في الصندوق وإيداع الأموال ونحو ذلك، وكل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، وأن ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه، وإن استأجر على  ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربح القراض.

ووصف الفقهاء أيضاً ما يحق له أن يستأجر، أو يستأجر عليه من مال المضاربة، من باب التوضيح أيضاً لا من باب الحصر: الإجراء ممن يشترون ويبيعون، والبيوت والدواب والسفن، والدلال والوزان وغير ذلك مما لا يلزمه من العمل، أو لا يمكنه بنفسه، وتتطلبه التجارة ويقضي به العرف.

ومن الواضح أن الأعمال التي على المضارب أن يقوم بها بنفسه، هي ما جرت العادة عليه، و ما يلزمه من العمل، وهذا يعني أن على المضارب أن يقوم بنفسه بالأعمال التي جرى العرف أن يقوم بها التاجر ويقدر أن يقوم بها بنفسه، وأن يقوم بنفسه أيضاً بالأعمال التي اتفقا في العقد على أن يقوم هو بها وربما في حدود هذا العرف. وهو إن استأجر من يقوم على أي من هذه الأعمال … يكون الأجر في ماله وليس في مال المضاربة أو ربحها، أي إن مسؤولية هذه الأعمال تقع على عاتقه وحده والعوض له عليها من ربحه؛ أي من ربح العمل.

ومن عادة التجار العاملين في سوق معينة  أن يكون لهم متجر وربما ناقلة ومخازن، وقد تكون المضاربة مع شركة تجارية تملك متاجر متعددة وسيارات ومخازن، وقد نتج عن امتلاكها هذه الأعيان زيادة قدرتها على التجارة الناجحة فتوجه إليها أرباب الأموال.

وما جاء عن الفقهاء فيما سبق، بما يتعلق بمبادلات بين العامل وطرف أجنبي عن العقد، ولم يصرح إذا كانت الأجرة على العمل أو المحل أو وسيلة النقل تجوز لأحد طرفي المضاربة، من صاحب مال أو عامل، ونعلم من مضاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بمال السيدة خديجة رضي الله عنها، أنها أرسلت معه غلامها ميسرة ليساعده، وقد نجزم أنها لم تأخذ من مال المضاربة أو الربح أجر عمل ميسرة. وكما ورد في المضاربة… فإن رب المال يجوز له المساعدة برضى العامل من قبيل الإعانة، رب المال قد يدفع بآلة أو بمتجر أو بعماله تطوعاً؛ فإن طلب أجر المثل… كان هذا اشتراطاً على المضارب قد تفسد معه المضاربة، وعوض رب المال عما دفع إلى المضارب يكون في الربح، فلهما أن يتفقا على نسب توزيع الربح بينهما، فإن دفع رب المال مساعده أو داراً أو آلة وكانت للمضارب حاجة لها وقبل بها؛ يكون لرب المال من الربح أكثر مما يكون له، لو لم يدفع سوى رأس المال… فإن تطوع فالربح سيكثر على أي حال لتطوعه.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 86): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً، ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال أو يسكن رب المال دار المضارب فهذا لا يجوز، لأنه إذا شرط البيع في أحد  الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان ولم يعقد على منافع الدار“.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه داراً ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز. نص عليه أحمد في رواية صالح، وإن استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته ففيه روايتان. إحداهما الجواز لأن ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز أن يستأجر له الحيوان كمال الأجنبي. والأخرى لا يجوز لأن هذه لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك، لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر، فإذاً لا تجب الأجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيهما إيقاع العمل إنما توجب الأجرة بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه“.

وجاء في نفس المرجع السابق في باب المساقاة ص 404: ”وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الإستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة لم يصح لأن العمل عليه فإذا شرط أجره من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول. ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم، لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كمسألتنا“.

ولو نظرنا إلى العامل الذي يمتلك دابة أو وسيلة نقل أو دكاناً ودور ومخازن، ويريد استعمالها بدلاً من أن يستأجر من طرف أجنبي، فهذه يمكن تصور عوض منافعها كرأس مال مشارك به، أو كأجرة أو كنصيب من النماء.

أولاً – عوض المنافع كرأس مال مشارك به:

ما تقدمه هذه الأشياء إلى المضاربة منافع، والمنافع لا تصلح أن تكون رأس مال، إلا أن تكون مشاركة منافع. والمضاربة فيها رأس مال مدفوع، ولا تصلح مشاركة المال مع المنافع كرأس مال؛ لأن رأس المال يمكن أن ينقص، بينما تبقى أعيان هذه المنافع على حالها، وخسارتها محدودة بما يستهلك منها، وإن قيل إن المشاركة في رأس المال تكون في هذا القدر، يصعب تحديد قيمة هذا القدر وقت التعاقد، إلا أن تحدد بأجر المثل، وأجر المثل فيه ربح ولا تصح لأحدهما أن ينال شيئاً من الربح قبل القمسة.

والأجر لقاء منفعة غير موجودة وقت التعاقد، ويشترط استيفاؤها لتستحق الأجرة، والأجرة لا تملك بعقد الإجارة عند الأحناف، قال أبو حنيفة ومالك رضي الله

عنها: ”أنها تجب جزءاً جزءاً بحسب ما يقبض من المنافع“.

والاجارة عقد يشترط فيه معرفة المنفعة وبيان مدتها أو العمل المطلوب وتكون إما بشرط تجصيل الغاية المقصودة، وإما بضرب الأجل، وهذا لا يتحقق في عقد المضاربة لأن العمل في المضاربة مجهول وقت التعاقد وليس مقصوداً لذاته، والغاية في المضاربة هي نماء المال، وهذا مجهول أيضاً.

والاجارة عقد لازم عند الجمهور – إلا الأحناف – وليس لأحد الطرفين فسخها، والمضاربة عقد غير لازم، وليس من المنطق الصحيح الجمع بين عقد غير لازم وعقد لازم.

ولكل ما سبق… لا يصح أن تكون المنافع رأس مال للمضاربة.

ثانياً- عوض المنافع كأجرة في عقد إجارة:

الإجارة هي عقد بيع منفعة، وقد أشرنا في المضاربة إلى شراء العامل من مال المضاربة، والمضارب وكيل، البيع وجه خأخرأ×رأ×رأخر للشراء، وكما جاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لآن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة وبين الغرضين مضادة“.

وهي إن كانت أجرة، تستوفى من مال المضاربة أثناء العمل، فيكون العقد إما بين المضاربة – ككيان منفصل له شخصية إعتبارية – والعامل، أو بين رب المال والعامل، والأغلب ألا تصح في الحالتين لما يلي:

‌أ-   إذا كان عقد الاجارة بين المضاربة والعامل… فإنه يشترط فيه الايجاب والقبول، وهذا يدور بين الوكيل- له مطلق الحرية في التصرف – ونفسه، فلا يصح، جاء في كتاب ضوابط العقود للدكتور عبد الحميد البعلي (ص107-108):

”الأصل في العقود التي لا تتم إلا بتوافق إرادتين أن يتعدد العاقد. ويضيف الدكتور البعلي: أما ما عدا عقد النكاح من عقود المبادلة التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين فالاًصل فيها كما سبق تعدد العاقدين لأن الحقوق فيها ترجع إلى العاقد سواء أكان يعقد بالأصالة أم بالنيابة وهي حقوق متقابلة في زمان واحد والقول بغير ذلك يؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلما وطالبا ومطالبا وهذا محال، ولذا لا يصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً من الجانبين في البيع وشباهه، ويصلح رسولاً لأن الرسول لا تلزمه الحقوق، وكذلك يصح أن يتناول القاضي العقد من الجانبين لأن الحقوق لا ترجع إليه. ويضيف الدكتور البعلي استثناء الفقهاء شراء الأب مال ولده لنفسه وبيع ماله من ولده، والوصي المختار من الأب أو الجد إذا عقد لنفسه من مال اليتيم إذا كان فيه نفع ظاهر وإلا فلا ومنعه محمد من الحنفية لأن القياس يمنع ذلك“.

‌ب- وبفرض أن الإتفاق على عقد الاجارة يتم بين رب المال والعامل… فمن طبيعة الإتفاق توفر الإرادة الحرة والقدر على المساومة، بينما لا يحق لرب مال المضاربة التدخل في قرار العامل، سواء أكان في وصف العمل أو تحديد المنفعة أو الغاية أو بيان المدة. والعامل له مصلحة في زيادة الأجر كمؤجر، وله أيضاً مصلحة في انقاصه كمضارب ليزيد ربح المضاربة الذي له فيه نصيب، وفي هذا تضاد مصالح. بينما رب المال مصلحته في تقليل الأجر، لزيادة ربح المضاربة من جهة، وخوفاً من هلاك ماله من جهة أخرى، وهو في الأغلب لا يملك خبرة المفاوضة والاستئجار، وبدفعه المال مضاربة… قد أسلم هذه الأمور إلى العامل معترفاً بحذقه ومهارته.

فإن اتفقا على الأجر… فسيكون نظير المدة لأن العمل مجهول، فيكون كذا في الشهر أو في اليوم. وعقد الاجارة وهو عقد بيع منافع، ومن طبيعته تأجيل استيفاء المنفعة لأنها تتحقق خلال مدة العقد، ويشترط لاستحقاق الأجر استيفاء المنفعة أو تسليم العين مشتملة على المنفعة، فيكون على رب المال- الطرف المستأجر- استيفاء المنفعة، وهذا سيعطيه حق الإشراف للتأكد من الحصول على المنافع، وهذا لا يجوز في عقد المضاربة وقد يؤدي إلى النزاع.

وهو إن رأى أن يستأجر غيرها مما هو أقل منها تكلفة يكون هذا تدخلاً في عمل المضارب لا يصح منه في عقد المضاربة، وماذا لو كانت العين المستأحرة مشتركة مع الغير كجزء من متجر، لا ينضبط الأجر فيه إلا بتحقق الغاية، ورب المال لا مقصد له إلا النماء، فإن حددا الغاية… فالعامل من يقرر تحققها إلا أن تكون في النماء.

‌ج- وفي الأجر ربح للعامل، ولا يحق لأحدهما أن ينال ربحاً من المضاربة قبل القسمة، وقد يكثر ما يؤجره العامل للمضاربة ويكثر ربحه منه؛ فيعادل أو تفوق أهميته للعامل أهمية ربح المضاربة عنده، فيقل الدافع لديه لتحقيق أعلى ربح للمضاربة. وهو أن أستأجر من نفسه… فإنه قد يتغاضى عن بعض العيوب التي قد تبطأ العمل والتي قد تظهر فيما استأجر، كوسيلة النقل أو الدابة.

ومنع أو كره الإمام مالك اجتماع القراض والإجارة؛ مما يمكن الاستدلال عليه في ما جاء في كتاب فقه المضاربة(ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الإستذكار، للإمام ابن عبد البر: قال مالك: ”لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحداهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الاجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجرا لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل، لان المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً أجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لانه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة ولا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

ويضيف السرخسي في ص 150: ”ولذلك إذا شرط ذلك الأجر لعبد له يعمل معه في المضاربة أو لبيت يشتري فيه ويبيع، فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ولا لبيته، لان المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا، ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون، وعبد المضارب الذي لا دين عليه كسبه لمولاه فالمشروط  له من الأجر كالمشروط للمضارب. ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين أو كان مكاتب المضارب أو ولده أو والده فهو جائز على ما اشترطا، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا لانه من كسب هؤلاء كالأجنبي وله أن يستأجرهم للعمل معه، ويكون أجرهم في مال المضاربة، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة. وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطاً فاسداً. ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه، فهذا شرط فاسد لان عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه، ولو شرط عمل رب المال معه باجر لم يجز ذلك ولا أجر له فيما عمل فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه والربح بينهما على الشرط، لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال وهنا الشرط لايعدم التخلية فان العبد أجير المضارب ويد الأجير كيده“.

وجاء في مفتاح الكرامة(جزء 7 ص 448): ”ولو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق أجرة“.

جاء في روضة الطالبين للإمام النووي (جزء 5 ص 135): ”ثم ما عليه أن يتولاه، لو استأجر عليه فالأجرة من ماله، وما ليس عليه أن يتولاه له أن يستأجر عليه من مال القراض. ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له“.

وجاء في حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج (جزء 6 ص 97): ”وما لا يلزمه من العمل له الاستئجار عليه من مال القراض لانه من تتمة التجارة ومصالحها، ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له. وما يلزمه عمله إن استؤجر عليه تكون الأجرة من ماله“.

ثالثاً – عوض المنافع كنصيب من النماء:

فكر وعمل عامل المضاربة هو منفعة يقدمها لقاء عوض مجهول، هو نصيبه من ربحها، أي إن منفعة المضارب ومنفعة عمله يقاس عوضهما بجزء من النماء، وليس بالأجر لأن العمل مجهولاً وليس مقصودا في المضاربة وإنما المقصود فيها هو النماء. فإذا قدم أحدهما ألة أو داراً… يمكن أن تقاس قيمتها بمقدار النماء الإضافي الذي تحققه هذه العين في رأس المال، وهذا النماء الإضافي- هو في الحقيقة- قيمة المنفعة مضافاً إليه نسبة نماء رأس المال؛ لأن توفير المنفعة للمضاربة وفر مال المضاربة الذي كان سيدفع للغير لقاء هذ المنفعة فاشترى به بضاعة أكثر ربحت مثل نسبة ربح مال المضاربة؛ أي إن أثر هذه المنفعة كان في شراء أكثر وتبعه ربحه، لآن رب المال لم يدفع أو يضمن هذا الجزء من المال… فلا يجوز له شيئاً منه أو من كسبه، ولأن الشراء تحصل من منافع أعيان العامل وهي مال، والعمل منه… فإن النماء الإضافي كله له.

وهذا يختلف عن بعض مشاركات المنافع التي وردت عند الحنابلة، مثل مشاركة الدابة ومن يعمل عليها والشبكة ومن يصطاد بها، فليس في هذه المشاركات رأس مال نقدي يعاد إلى صاحبه وإنماء يقتسمان الرزق كله بينهما.

ويمكن معرفة نصيب هذه الالة أو الدار من الربح كجزء منه، بإجراء دراسة الجدوى الاقتصادية المقدمة من قبل العامل بعد الاتفاق على بنودها، مرة بإدراج الالة بفرض استئجارها من الغير، ومرة دون احتساب أجر لها، والفرق في الربح يعود لها فيحتسب كجرء من الربح الكلي ويخصص للعامل.

ومما سبق… نجد أن لعقد المضاربة طبيعة خاصة والأسلم أن يكون عوض العامل عن منافع أعيانه كنصيب من الربح لا كأجر ولا كرأس مال. وهذا سيقلل الخلاف لأن محاولة تقدير قيمة منافع هذه الأعيان- بالإضافة إلى ما سبق ذكره- قد يتسبب في كثير من الإختلاف أو الغرر أو الغبن بأحدهما؛ لأن هذا التقدير سواء كان كرأس مال أو كأجر… سيتعين على رب المال دفعه من ماله إن لم تحقق المضاربة ربح، وقد يفوز المضارب من المضاربة بمال بينما يصيب مال المالك وضيعة، وهذا سيدفع رب المال عند التعاقد إلى تخفيض هذا التقدير إلى أقصى حد قد يكون فيه غبن للمضارب المحتاج، وربما قد يعطي الحجة لرب المال أن يمارس نوعاً من الإشراف للتأكد من استيفاء المنافع فتفسد المضاربة أو يلحقها الضرر، وقد يقبل العامل مجبراً هذا الخفض في قيمة منافع أعيانه لحاجته للمال، فإن كان الربح وفيراً… لم يناله العوض الصحيح. أما إذا كان هذا التقدير كجزء من الربح… فلن يتشدد رب المال بنفس الدرجة التي كان سيتشدد بها لو كان سيدفها من ماله، ويتوفر عند العامل الحافز الأقصى لتحقيق الربح والذي منه عوض عمله وعمل أدواته وأعيانه، والحافز من العناصر المهمة التي تقوم عليها فكرة المضاربة.

ونلاحظ أن الفقهاء قد اعتبروا عوض عمل البائع في عقد المرابحة في الربح، جاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، للدكتور عبد الله العبادي(ص190): ”أما ما يرى الفقهاء إضافته إلى رأس المال الأصلي في بيع المرابحة فانهم متفقون على أصل الإضافة لرأس المال من نفقات وإن اختلفو في الشيء الذي يضاف أو لا يضاف.

ويوضح ابن رشد(الحفيد) ذلك. بأن تحصل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائداً الثمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم يعد أصل الثمن ويكون له حظ من الربح، وقسم لا يعد أصل الثمن ولا يعد من الربح. فاما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثراً في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ، وأما الذي يحسبه في رأس المال، ولا يجعل له حظ من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد الى بلد وكراء البيوت التي توضع فيها، وأما ما لا يحتسب فيه الأمران جميعاً فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد.

كما أوضح النووي أن البائع إذا قال بعت بما قام على انه يدخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والدلال والحمال والحارس والقصار والرقاء والصباغ، وقيمة الصبغ وأجرة الختان وتطبين الدار، وسائر المؤن التي تلزم الاسترباح.

وذكر الكاساني ان مما يلحق برأس المال مرابحة أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط، والسمسار وسائق الغنم والكراء“.

ومما سبق نجد أن الفقهاء لم يدرجوا قيمة عمل البائع في رأس المال والذي وفقا لمذهب مالك، يتكون من جزءين:

أصل الثمن؛ وهو ثمن الشراء، وما كان مؤثراً في عين السلعة، ويحسب الربح المتفق عليه على هذا الجزء فقط.

ما لا يؤثر في عين السلعة، ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه؛ أي يستأجره من الغير أو يستأجر عليه كالنقل والبيوت وغيرهم، وهذا لا يجعل له حظاً من الربح.

ولا شك أن الفقهاء لم يخف عليهم أن لعمل البائع قيمة، إلا أنهم – والله أعلم – قد فضلوا أن يكون العوض عن عمله في الربح الذي سيناله على أصل الثمن، فهم لو جعلوا له أجراً عن عمله يضاف إلى رأس المال… يصبح أجيراً عند المشتري، فلا يحق له الربح، فهو إن حق له الأجر عن عمله وفكره فيكون ربحه زيادة بغير عوض، وهذا يعارض قواعد الاقتصاد الإسلامي. أضف إلى هذا أن المرابحة مبادلة مبنية على الثقة وأمانة البائع، وهو يعرف بالتحديد قيمة ما دفعه إلى الغير، أما قيمة عمله… فهذا يعود إلى تقديره هو، وقد تكتنفه الجهالة، وهذا لا يصح في عقد يفترض الاتفاق فيه على نسبة الربح فقط، والغرر من الأمور الواجب الابتعاد عنها في العقود فلا تتعدى الغرر اليسير إذا لم يكن في الإمكان إنتفاؤه كلية.

ومما سبق… نجد أن الفقهاء – ونلاحظ أن النووي والكاساني، لم يذكرا قيمة عمل البائع في المقتبس من قولهما أعلاه –  في الأظهر لم يسمحوا للبائع في عقد المرابحة أن يحسب لنفسه أجرا عن عمله، وجعلوا عوضه عن هذا العمل من الربح.

منافع رب المال:

جاء في المغني (جزء 5 ص 29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه، ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

ويتوقع أن يكون نصيب رب المال الذي يدفع مع ماله غلامه ودابته، أكثر من نصيب من لم يدفع سوى ماله، أما القول بأن الربح سيصبح أوفر في الحالة الأولي؛ فينال رب المال الأول أكثر من نفس الجزء… فهذا قد لا يعبر تعبيراً صحيحاً عن حقيقة المعاملة، التي هي من المقابلات.

فلو دفع رجل بألف دينار إلى من يعمل عليها، فاستأجر عاملاً وبهيمةعلى ما لم يلزمه من العمل بمائة، واشترى بتسعمائة، فباع المشتري بألف وثلاثمائة وخمسين أي ربح النصف على ثمن الشراء، وكان الفائض بينهما بالنصف… يكون لكل منهما مائة وخمسة وسبعين.

ولو دفع إليه ألفاً وغلاماً وبهيمة بدون شرط، وكان العامل ليستأجرهما من المال على ما لم يلزمه من العمل؛ فاشترى بالألف، وباع بألف وخمسمائة يكون لكل منهما مائتين وخمسين؛ فيكون العامل قد نال خمسة وسبعين، لا مال له فيها ولا عمل.

فإن قيل إن رب المال تطوع بهذا فالأولى الجواز؛ فإن لم يكن متطوعاً… فله في النماء أكثر من النصف؛ فإن احتسبا- كمسألتنا- يكون له خمسة وستون من المائة في الربح، وللعامل خمسة وثلاثون في المائة منه، ولهما أن يتفقا كما يشاءا إن رغبا في ذلك.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – أركان عقد المضاربة

عقد المضاربة

ينعقد العقد بالإيجاب والقبول، وذلك بألفاظ تدل عليها بأن يقول رب المال خذ هذا المال مضاربة و الربح بيننا على كذا من نصف أو ربع، أو غير ذلك من أجزاء الربح. ويقول المضارب أخذت أو رضيت أو قبلت. وأركان عقد المضاربة هي أطراف العقد، ومحل العقد، والصيغه وهي مايدل على الأذن في التصرف بمعني المضاربة. وأركانها أيضا كما ذكرها الجمهور خمسة هى رأس المال والعمل، والربح، والصيغه، والعاقدان، وقد اعترض البعض على اعتبار العمل والربح من الأركان لأنهما يوجدان بعد العقد.

أولاً: المتعاقدان

يشترط فى رب المال وصاحب العمل ما يشترط فى العقود عامة؛ فيشترط في رب المال الأهلية والولايه وما يشترط في الموكل، فيكون ممن يملك فعل ما وكل فيه بنفسه، وفي العامل أن يكون صالحاً وأهلاً لأن يكون وكيلاً وصحة مباشرته لنفسه للتصرف الذي وكل فيه.

رب المال:

صاحب المال هو كل من يملك مالاً، ويريد إنماءه بالمضاربة، وصاحب المال – هذا في أغلب الأحيان – غير قادر على إنماء ماله بنفسه بالكفاءة التى قد يمكن تنمية المال بها إذا دفع به إلي من هو أكثر منه خبرة وعلماً في مجال الإستثمار فالذي يعمل في وظيفة تدر عليه دخل يستطيع إنماء الفائض من ماله بدفعه إلى مضارب، بينما يبقي هو في وظيفته، وكذلك المريض العاجز، وقليل الخبرة، وصاحب الأعمال الذي تكون لديه فائض مالي لا يستطيع توظيفه في العمل الذي يديره هو، والنساء اللاتي يردن خوض مجالات الإستثمار، والعجوز والوصى على أموال اليتامي والوقف، وكل من لديه مال يفيض عن حاجته.

ويجوز أن يكون رب المال من أهل الذمة؛ جاء في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي (جزء 5 ص 18): ”ولا يشترط إسلامهما فتصح المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي“.

وكما يكون رب المال في عقد المضاربه شخصًا واحدًا، يجوز أيضا أن يكون عدة أشخاص يشتركون في رأس المال، ويجوز أن يكون شركة، أو حكومة، وكل من لهم أهلية التعاقد والولاية أو مليكة التصرف في المال المعقود عليه.

العـامـل:

العامل هو من لديه الخبرة، ويملك القدرة على القيام بعمل، يتوقع أن ينتج عنه نماء المال، ويشترط فيه الأهلية وما يشترط في الوكيل والشريك؛ فهو موكل ومفوض في التصرف بمال المضاربة؛ فإن تحقق ربح أصبح شريكاً في نماء المال.

ويجوز إعطاء المال إلي عاملين أو أكثر، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه.

وأجاز الأحناف وحدهم للصبي العاقل أن يكون عاملا لرب مال، و لم يشترطوا إذن وليه له بذلك.

وكره جمهور الفقهاء أن يدفع رب المال المسلم ماله مضاربة إلي عامل لا يفقه أمور الحلال والحرام ؛ لأن هذا العامل قد لا يتحرز عن البيع والشراء بالمحرم لعدم علمه وتفقه، وقد لا يعرف الأسباب المفسدة للعقد. وتنتفي الكراهة عند الفقهاء إن كان معه عامل ذو علم ومعرفة، فلا ينفرد بالتصرف دون صاحبه، فلا يقعان في المحرم، ويأمن رب المال إلي حلال ماله وربحه، وأجاز الأحناف أن يدفع المسلم ماله مضاربة إلي الذمي إذا فقه في أمور الحلال والحرام.

ثانياً: شروط المحل أو المعقود عليه

والمعقود عليه هو الربح – وفي رأي اخر هو رأس المال- ويتعين الربح بما يبقي بعد إعادة رأس المال إلي صاحبه، ولهذا كانت لرأس المال شروط، يتعين بها فيعرف الربح وينتفي عنه الجهالة والغرر.

والربح في اللغة معنا النماء فى التجر، وهو الكسب أيضاً وعرف الإمام ابن تيمية النماء الحاصل من عملية المضاربة بأنه ما يولد عن الأصلين (المال والعمل)، والربح هو الزيادة الناتجة عن مبادلة يتقلب فيها المال من حال إلي حال بالعمل.

شروط رأس المال:

أن يكون نقداً معلومًا معينًا ومسلمًا إلي العامل.

1- يشترط في رأس المال أن يكون ذهبا أو فضة مضروبين كالدنانير والدراهيم أو نقداً رائجًا صالحًا للتعامل به، ولا يصح أن يكون عروضاً أو تبراً أو حلياً، ولا يصح أن يكون ديناً أو مالاً غائبًا أو جزافاً.

– وقد أجاز الأحناف، وفي الرأي الأظهر للحنابلة، وفي رأي للزيدية أن يدفع رب المال العروض للعامل على أن يبيعها ويضارب بثمنها،
وقال الظاهرية بمثل هذا،  واشتراطو أن يحدد رب المال ثمن بيع تلك العروض، وإشترط المالكية أن يبيع العروض شخص اخر غير العامل، قالت الزيدية – في رأيهم الآخر – أن يتم العقد على المضاربة بعد بيع وقبض ثمن العروض. أما الشافعية… فقد قالوا بعدم الجواز إن دفع إليه عرضاً وأمره بيبعه والمضاربة بثمنه، وعللوا منعهم بأن ثمن البيع عند العقد مجهول والقراض بالمال المجهول باطل، وبمثل هذا قال الإمامية.

جاء فى بدائع الصنائع (جزء5 ص 82): ”أنه لو دفع إليه عروضاً فقال بعها وأعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز، لأنه لم يضف المضاربة إلي العروض وإنما أضافها إلي الثمن والثمن تصح به المضاربة“.

ويوضح ابن قدامة في المغنى (جزء5 ص 17) سبب عدم جواز
أن تكون العروض رأس مال: ”لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها. ولا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلي أن يشاركه الأخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح. ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلي التنازع وقد يقوّم الشئ بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الأخر في العين المملوكة. ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي أشتراها به، فقد خرج عن مكانه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فأنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك“.

وذهب بعض الحنابلة والأحناف إلي جواز المضاربة بالعروض المثلية، وتجعمل قيمتها وقت العقد ورأس مال له.

– أما الدين … فإن كان على شخص ثالث غير العامل بأن قال رب المال للعامل أقبض المال الذي لي على فلان واعمل به مضاربة فقبضه وعمل به، يجوز هذا عند الحنفية والحنابلة والزيدية، ولا يصح عند المالكية والشافعية والإمامية، واشترطوا قبض العامل للدين بحضرة صاحبه. أما إذا كان الدين على العامل و قال له صاحب المال اعمل بدينى الذي في ذمتك مضاربة والربح بيننا، فالمضاربة فاسدة على رأي جمهور الفقهاء، وللحنابلة رأيان: رأي يمنعها، ورأي اخر يجيزها؛ إستناد على أنها ليس فى تجويزها أية مخالفة شرعية ”الإنصاف (جزء5ص 431) والمقنع (جزء2ص174)“.

-أما المنفعة.. فلا تصلح أن تكون رأس مال مضاربة؛ لأنها معدومة وقت العقد، جاء عند الشافعية عنها في تحفه المحتاج (جزء2ص417): بأنها لا تصح أن تكون رأس مال في المضاربة. وجاء فى روضة الطالبين (جزء5ص119): ولا يجوز جعل رأس المال سكني دار، لأنه إذا لم يجعل العرض رأس مال فالمنفعة أولى.

2- يشترط أن يكون رأس المال معلوم المقدار والصفة والجنس، ومعيناً تعييناً ينفي الجهالة به؛ كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه، والذي يملكه رب المال وحده، من  الربح الذي يشتركان في ملكيته. جاء في مفتاح الكرامة (جزء 7ص 445): ”أن يكون معلوماً فلاتصح على المجهول قدره“.

3- يشترط أن يكون رأس المال حاضرًا وأن يسلم إلي العامل؛ حتي تتحقق التخلية بين العامل والمال. والأصل في المضاربة أن تكون صيغتها منجزة وأن يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم رأس المال إلي العامل. ويصح عند الحنابلة إضافتها إلي زمن مستقبل، كأن يقول: ضاربتك بهذا المال ابتداء من الشهر القادم. أما تعليقها على شرط مستقبلي فالأغلب عند بعض الفقهاء هو عدم الجواز.

والتخلية تعني تمكين العامل من التصرف في رأس المال وفق مشيئته، ولا تتحقق الإ بتسليم المقارض المال إلي العامل و أن تترك له حرية التصرف فيه.

وأجمعت المذاهب على شرطي تسليم المال و التخلية، وعلى فساد المضاربة إذا اشترط رب المال بقاء المال تحت يده هو، وذهب بعض الحنابلة والإمامية – في رأي أخر- إلي أن المضاربة تصح ولو اشترط رب المال بقاء يده على المال يوفي منه ثمن ما يشتريه العامل.

أما عن عدم ترك حرية التصرف للعامل، كاشتراط رب المال العمل مع المضارب.. فقد ذهب أكثر الفقهاء إلي عد صحة هذا الشرط وفساد المضاربة، فهكذا قال المالكية والأحناف والشافعية، وكذلك رأى الحنابلة والزيدية. جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص85): ”ولو شرط في المضاربة عمل رب المال فسدت المضاربة سواء عمل رب المال معه أو لم يعمل، لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال وأنه شرط فاسد، ولو سلم رأس المال ولم يشترط عمله ثم استعان به على العمل أو دفع إليه المال بضاعة جاز لأن الإستعانة لا توجب خروج المال عن يده، وسواء كان المالك عاقداً أو غير عاقد لابد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة“.

وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الإمامية، يقولون فيه بجواز أن يشترط رب المال عمله أو عمل غلامه مع العامل. جاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص446): ”أما لو شرط أن يكون مشاركا في اليد أو يراجعه التصرف أو يراجع مشرفه فالأقرب الجواز. ولو شرط أن يعمل معه غلام المالك جاز“.

والرأي هو جواز ذلك من قبيل الإستعانة والمراجعة، على أن يكون القرار في يد العامل وحده؛ فتتحقق التخلية بين العامل وبين المال، والتي تعتبر من شروط صحة المضاربة.

وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصى عليه تصرفاته، وقد اتفق جمهور الفقهاء على جواز أن ينيب رب المال من يكون بمثابة المساعد للعامل.

شروط الربح

الربح هو الزيادة الحاصلة في رأس المال نتيجة العمل؛ وهو نماء المال بالعمل. والربح هو ما تبقي عند انتهاء المضاربة بعد إعادة رأس المال إلى ربه. وفيه حق للعامل استحقه لقاء عمله، وحق لرب المال لقاء ماله، فيشتركان في ملكه وفق الشرط.

1- يشترط في العقد أن يتفق صاحب المال وصاحب العمل على نصيب كل منهما من الربح كجزء منه، أو يكتفي بذكر نسبة المضارب دون الإشارة إلي نسبة رب المال؛ لأن الربح تابع رأس المال وهذا لربه، أما المضارب فيستحق نصيبه بالشرط ولهذا توجب بيانه.

ولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه دراهم معلومة أو قدراً معيناً من الربح، لأنه لو اشترط فلا ينال الآخر شيئا، وهذا مخالف المقصود من العقد الذي يراد به نفع كل من المتعاقدين.

وأجاز الزيدية، وحدهم في رأي ثان لهم، أن يشترط أحد المتعاقدين لنفسه مبلغاً من المال إن جاوزه الربح، كما جاء في البحر الزخار (جزء4 ص 82): ” فإن قال أحدهما على أن لى عشرة إن ربحنا أكثر منها، أو مما يزيد عليها، صحت ولزم الشرط، إذ لا مقتضي للفساد“.

2- ويشترط أن يكون  إيراد المضاربة نقداً أو مالاً من نفس جنس رأس المال (إلي أقل حد معادل لقدر رأس المال)، فيعرف الربح الذي يتم توزيعه بينهما.

3- قإن كانا قد اتفقا أن كل الربح للعامل، ولم يذكرا لفظ المضاربة أو القراض أو ما يؤدي إليهما، تصبح قرضأ؛ فيضمن العامل رأس المال، ويكون الربح له الوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال، يكون الربح له والوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال… تكون إبضاعاً؛ فيكون العامل قد عمل متبرعاً في المال.

فإن نص العقد على أنها مضاربة أو قراض… يكون العقد فاسداً؛ لأن من الشروط المضاربة أن يكون الربح بينهما. والرأي الأغلب هو أن يكون للعامل أجر المثل عن عمله.

ولا يجوز اشتراط جزء من الربح لطرف ثالث أجنبي عن العقد، إلا أن يشترط قيامه بعمل من أعمال المضاربة؛ فيكون بمثابة ما لو دفع رب المال ماله إلي عاملين. وقد اعتبر الحنفية الشرط باطلاً والمضاربة صحيحة في حالة عدم عمله في المضاربة. جاء في الروضة: ”فلو شرط بعضه لثالث، فقال على أن يكون ثلثه لك، وثلثه لزوجتي، أو لابني، أو لأجنبي لم يصح إلا أن يشرط عليه العمل معه، فيكون قراضا مع رجلين“.

أما المالكية فقد قالوا إن المضاربة صحيحة والشرط صحيح؛ لأن طرفي المضاربة لهما أن يهبا مالهما.

4- ولا يجوز أن يشترط لأحدهما ربح صنف، أو مبلغ، أو سفر، أو عملية معينة، كأن يتفقان على المضاربة في عمليتين ربح الأولى لرب المال و الثانية للعامل.

5- ولا نصيب للمضارب إلا من الربح فقط، فلو شرط له شيء من رأس المال، أو منه ومن الربح فسدت المضاربة، إلا أن تكون نفقة سفر، أو نفقة حضر كما جاء عند الحنابلة بالشرط. ولا يجوز للعامل أن يأخذ شيئاً من ربحه، إلا بحضرة رب المال، وإن أخذ شيئاً فهو ضامن لما أخذ وإن أذن له رب المال حتي يتحاسبا فيستوفي رب المال رأس ماله، ثم يتقاسمان الربح على الشرط، فإن لم يك له في الربح مثل ما أخذ رد الزيادة فيما أخذ.

وإذا تلف أو هلك جزء من رأس المال … فإنه يحسب من الربح أولاً؛ لأن الربح وقاية رأس المال، ولأن الربح تبع ورأس المال أصل؛ فإذا تجاوز التالف الربح وسري إلى رأس المال … كانت الوضيعة على رب المال ما لم يتعد العامل.

ثالثاً: شروط الصيغة

الإيجاب والقبول الصادران ممن لهما أهلية وولاية التعاقد، ولا يشترط لفظ معين، بل يتم العقد بكل ما يؤدي إلى معنى المضاربة، ويشترط توافق الإيجاب والقبول. بمعني أن يرد كل من الإيجاب والقبول على معنى واحد فإن اختلفا لا تنعقد.

وذهب المالكية والحنابلة أن القبول يتم بكل ما يدل على الرضا، واعتبروا الفعل قبولاً، جاء في كشف القناع للحنابلة (جزء3ص508) :” وتكفى مباشرته أى العمل قبولاً“ بينما ذهب الأحناف والشافعية إلى إشتراط القبول لفظاً.

ويجب أن ينص العقد على ما يبيح للعامل أن يتصرف فى المال بما يعتاده التجار من بيع وشراء، ويحمل لفظي المضاربة أو القراض هذا المعنى، وعلى أن ينص على تعيين حصة العامل من الربح بجزء شائع. محدد النسبة، وأن يكون رأس المال معلوماً قدراً وجنسا وصفة.

جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص80): ”وروى عن بشر عن أبي يوسف في رجل دفع إلي رجل ألف درهم ليشتري بها ويبيع، فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف ، لانه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعني المضاربة وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة على وعليك فهذه مضاربة والربح بينهما والوضيعة على رب المال، لان شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط وتبقي المضاربة“.

وأجاز الشافعية والحنابلة إجتماع المضاربة والشركة في عقد واحد، والذى يظهر من كلام الأحناف أنهم لا يمانعون ذلك، بينما كره الإمام مالك أن تجتمع الشركة والمضاربة في عقد واحد.

ويشترط لإنعقاد المضاربة: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وذهب الشافعية والزيدية إلى عدم إشتراط اتحاد المجلس. والقبول قد يكون بالفعل كما سبق ذكره؛ كأن يقول له خذ هذا المال واتجر به والربح بيننا؛ فيأخذه ويتصرف به، ولهذا … لم يشترط اتحاد المجلس عند من قال بالإكتفاء بالفعل الدال على القبول.

ويشترط فى الصيغة أن تكون منجزة يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم المال إلي العامل، سواء كان ذلك في المجلس أم بعد ذلك، كما قال الحنابلة وسبق ذكره، وذهب الأحناف والحنابلة والزيدية إلي جواز تعليق المضاربة وإضافتها إلي زمن مستقبلي، بينما ذهب المالكية والشافعية أن العقد لا يقبل التعليق والإضافة.

<< previous page next page >>

الباب الثاني – المضاربة في الفقه الإسلامي

الفصل الأول

المضاربــة

هي عقد بين شخصين، يقدم أحدهما بموجبه مالاً إلى الآخر ليتجر فيه بنصيب من الربح، فإن لم يك ثمة ربح فالمال لصاحبه، وإن كان فيه وضيعة فمن المال، وليس على الذي اتجر في المال شيئاً من الوضيعة. ويسمى الطرف الذي يقدم المال، صاحب المال أو رب المال أو المالك أو المقارِض. ويسمى الطرف الذي يتولى التجارة والعمل: العامل أو صاحب العمل أو المضارب أو رب العمل أو الأمين أو المقارَض.

وأطلق عليها أهل العراق لفظ مضاربة، والمضارب هو من يضرب في الأرض؛ أي يسافر في الأرض ويسعى فيها ابتغاء الفضل، لقوله سبحانه وتعالى:

(..وأخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..)

                                                                    صدق الله العظيم

                                                                    (المزمل: 20)

بينما عرفها أهل الحجاز بلفظ القراض، والقراض من القرض بمعنى القطع، فكأن رب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها للعامل، واقتطع له جزءا من ربحها. والقراض أيضاً من الموازنة، يقال تقارض الشاعران إذا توازنا، وقد استخدم الحنفية والحنابلة الزيدية كلمة المضاربة بوجه عام، بينما فضل المالكية والشافعية كلمة القراض.

والقراض من عقود المعاوضة غير اللازمة والجائزة بالسنة التقريرية والإجماع، وهي مما كان معمولاً به فى الجاهلية فأقره الإسلام، وروى أبو نعيم وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضارب لخديجة رضي الله عنها قبل أن يتزوجها، بمالها إلى بصرى الشام، وأنفذت معه خادمها ميسرة، وكان هذا قبل النبوة، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم حكى ذلك بعد النبوة مقرراً له، وكذا بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكر عليهم، وذلك تقرير لهم على ذلك والتقرير أحد وجوه السنة. وقد عمل بها المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعملوا بها من بعده، وروي عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم: عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهم أجمعين، ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد ومثله يكون إجماعاً.

وجاء في الموطأ للإمام مالك ( جزء 2 ص 687، 688): ”عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق فلما قفلا، مرا على ابي موسي الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلي أمير المؤمنين، ويكون الربح بينكما، فقالا وددنا ذلك، ففعل وكتب إلي عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلي عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا لا فقال عمر أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه. فقال عمر أدياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال“.

والمضاربة وإن كان تطبيقها فى العهد الإسلامى الأول قد اقتصر على التجارة … إلا أنها قد تصلح للصناعة أيضاً، وكان المجتمع الإسلامي الأول فى المدينة يعتمد على التجارة والزراعة، ولم تتعد الصناعة أنذاك سوى بعض الصناعات البسيطة (الحرف)، وتوجد في قطاع الزراعة عمليتان مشابهتان للمبدأ الذي تقوم عليه المضاربة، وهما: معاملتا المزارعة والمساقاة، وكلهم معاملات تيسر تعاون من يملك المال مع من لديه القدرة على العمل بهدف تحقيق الربح لهما، ويجمعهم أن كل منهم عمل فى شئ ببعض نمائه مع جهالة العوض وقت العقد.

وهي إحدي المعاملات التي وفرها الإسلام للناس لإستثمار أموالهم وإنمائها، وأجازها الشارع تحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس و تلبية لحاجاتهم. وتكمن أهمية المضاربة في أنها من العقود التي تعود بالمنفعة على طرفي العقد وعلى المجتمع عامة، فمن يملك المال قد يكون غير قادر على إستثماره بنفسه، إما لإنشغاله أو لعجزه أو لقلة خبرته في أمور الإستثمار والتجارة، وصاحب العمل قد يكون ماهراً ذا خبرة ودراية في أحد مجالات الإستثمار والتجارة ولا مال له، فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين، فيتعاونا هذا بماله وذاك بعمله، وينتفع كل منهما بما يرزقهما الله به، ويعم الخير على المجتمع من جراء إستثمار المال في مشروعات نافعة تخلق فرص عمل وتدفع بعجلة الإنتاج والنمو.

وهي من العقود الجائزة غير اللازمة، ولكل من رب المال والعامل أن يفسخه ما لم يشرع العامل فى العمل، أما بعد البدء… فللفسخ أحكام فصلها الفقهاء ترد فيما بعد. جاء في بدائع الصنائع (جزء6 ص109 ): ”وأما صفة هذا العقد فهو أنه عقد غير لازم ولكل واحد منهما أعني رب المال والمضارب الفسخ لكن عند وجود شرطه وهو علم صاحبه لما ذكرنا في كتاب الشركه، ويشترط أيضا أن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ دراهم أو دنانير حتي لو نهي رب المال المضارب عن التصرف ورأس عروض وقت النهى لم يصح نهيه وله أن يبيعها لأنه يحتاج إلي بيعها بالدراهم والدنانير ليظهر الربح, فكان النهى والفسخ ابطالاً لحقه فى التصرف فلا يملك ذلك، وإن كان رأس المال دراهم أو دنانير وقت الفسخ والنهي صح الفسخ والنهي“.

تعريف المضاربة فى الفقه:

عرَّفها المالكية بأنها: توكيل على تجر فى نقد مضروب مسلم بجزء من ربحه إن علم قدرهما.

وعرفها الأحناف بأنها: عقد شركة فى الربح بمال من جانب وعمل من جانب.

وعرفها الحنابلة بأنها: دفع ماله إلي أخر يتجر فيه والربح بينهما.

وعرفها الشافعية بقولهم: القراض والمضاربة، أن يدفع إليه مالا ليتجر فيه والربح مشترك بينهما.

وعرفها الإمامية بقولهم: المضاربة هي أن يدفع مالا إلي غيره ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه.

والمضاربة هي شركة في النماء الناتج عن المال والعمل، ويسمى النماء ربحاً، والربح عامة يستحق كما جاء في الفقه الحنفي في قول الكاسانى: ”إما بالمال، إما بالعمل، وإما بالضمان. ويضيف : أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر، لان الربح نماء رأس المال فيكون لمالكه، لهذا استحق رب المال الربح فى المضاربة. وأما بالعمل، فان المضارب يستحق الربح بعمله، فكذا الشريك. وأما بالضمان، فان المال إذا صار مضموناً على المضارب يستحق المضارب جميع الربح، ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجا بضمان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: الخراج بالضمان فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له“.

والمضاربة فى أولها أمانة، لأن رب المال يسلم ماله إلي العامل أمانة فى يده؛ حتي يتصرف فيه، فيكون المال في هذه الفترة أمانة في يد العامل، ويجب عليه حفظه وصونه ورده إن طلب منه المالك ذلك، فإن بدأ العمل وتصرف فيه، تصبح وكالة لأن العامل يتصرف فى المال بإذن صاحبه فهو وكيله في التصرف؛ فإذا تحقق نماء في المال… تكون شركة لاشتراكهما في ملكية النماء، وإن هلك جزء من رأس المال، لا تحصل المشاركة لعدم ظهور الربح الذي يشتركان فى ملكه، ويظل العامل وكيلاً فلا يكون عليه شيء في الخسارة، وإن فسدت المضاربة دون تعد منه يصبح عند الشافعية والحنابلة والحنفية أجيراً، وعند المالكية يكون له قراض المثل في بعض الحالات، وأجر المثل في الحالات الأخرى. وليس على العامل ضمان فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه…فإن تعدى أو خالف إلى ما لم يأذن له فيه ضمن.

<< previous page next page >>