الفصل السابع

القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد أن يسلم رأس المال إلى صاحبه، وما تبقى من المال يكون ربح المضاربة فيقسماه على الشرط الذي اتفقا عليه، والخسارة هي النقص في رأس المال، والخسارة التي تحدث في المال تجبر بالربح، فلا يكون ربحاً إلا بعد كمال رأس المال.

وقد يهلك جزء من رأس المال قبل أن يتصرف فيه العامل، وقد يهلك جزء بعد التصرف فيه؛ فهلاك جزء المال قبل التصرف فيه لا علاقة له بتصرف العامل وتجارته، وعليه … فإن المضاربة تنفسخ في القدر الهالك من رأس المال؛ فيكون رأس المال هو الجزء الباقي، ولا يجيز ربحه الجزء الهالك. وإلى هذا … ذهب الحنابلة والشافعية في رأي لهم، أما المالكية فقالوا بجبر كل خسر يحدث في المال بربح ما يبقى من المال، سواء حصل الخسر قبل التصرف أو بعده. وما يهلك بعد التصرف … يجبر من الربح عند أغلب الفقهاء. وإن انفسخت المضاربة أو انتهت وتمت القسمة … كان ما بعدها عقداً جديداً فإن خسرا لا يجبر به ما حصل من ربح سابق.

وقال الحنابلة إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وأضافوا بأن المتعاقدين إذا اتفقا على قسمة الربح وإبقاء رأس المال فلهما ذلك … فإن امتنع أحدهما فله أن يمنع. وفي مذهب الزيدية والإمامية ما يوافق رأي الحنابلة، وذكر الشافعية في رأي عندهم أن العامل يملك سهمه من الربح عند ظهوره.

وذهب المالكية والأحناف إلى أن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وقالوا إن قسمة الربح تعتبر غير صحيحة قبل قبض رأس المال، وهذا هو الرأي الأظهر عند الشافعية والرأي الثاني للإمامية، وحكى أبو الخطاب مثل ذلك في رواية عن الحنابلة.

وللإمامية رأي ثالث، يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند انضاض المال.

وقال الحنابلة والإمامية والزيدية إنه إذا ظهر في المال ربح … لم يجز للمضارب أن يأخذ شيئاً منه بغير إذن رب المال.

أما عن أخذ رب المال شيئاً من الربح قبل القسمة … رأى الحنابلة والشافعية والزيدية والإمامية، أنه يجوز لرب المال أن يأخذ من ربح القراض قبل القسمة إذا وافق العامل على ذلك، بينما رأى المالكية والحنفية عدم جواز ذلك قبل أن يقبض رأس المال، وقال الكاساني (جزء 6 ص 107): ”لأن الربح زيادة والزيادة على الشئ لا تكون إلا بعد سلامة الأصل، ولأن المال إذا بقى في يد المضارب، فحكم المضاربة بحالها، فلو صححنا قسمة الربح، لثبتت قسمة الفرع قبل الأصل، فهذا لا يجوز“.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة

المضارب متصرف بالأذن فلا يتصرف في غير ما إذن له فيه كالوكيل.

ما يملكه المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف. والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضاً من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: اعمل برأيك أو كما شئت، وأخيراً هناك تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها صراحة أو يأذن بها.

أما الذي ليس للمضارب أن يعمله، فشراء ما لا يملك بالقبض ولا يجوز بيعه فيه إذا قبضه، مثل: الخمر والخنزير والميتة والدم والخبائث والمحرمات والمغصوب.

1- الشراء:

وله أن يشتري بثمن المثل أو بأقل أو بما يتغابن الناس في مثله، فإن اشترى بأكثر من ثمن المثل وبغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. ويجوز له شراء المعيب إذا رأى المصلحة فيه، ويجوز له أن يرد المشتري إذا وجد فيه عيباً، وليس له أن يشتري في الذمة دون إذن رب المال.

2- البيع:

وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير … فإن باع بغبن فاحش، فإما: يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص في الحالتين أن تعذر رد المبيع أو الرجوع على المشتري بالفرق. وهذا ما قال به الجمهور وذهب إليه الإمامان أبو يوسف ومحمد من الأحناف، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة؛ إذ جاء في الدر المختار (جزء 8 ص 288): ”ولو باع مال المضاربة بما لا يتغابن فيه أو بأجل غير متعارف جاز عند الإمام“.

ولم يجز المالكية والشافعية والإمامية للعامل أن يبيع بالنسيئة إلا أن يأذن له رب المال بذلك، وأجاز الحنابلة له ذلك إن فوَّض رب المال أمر المضاربة إليه، كقوله له: أعمل برأيك أو تصرف في المال كيف شئت. وأجاز الإمام أبو حنيفة للمضارب أن يبيع مال المضاربة نسيئة دون حاجة إلى إذن من رب المال، وإلى هذا ذهب الزيدية أيضاً.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 39): ”وفي البيع نسيئة روايتان: أحداهما: ليس له ذلك. وهو قول مالك وابن أبى ليلى والشافعي لأنه نائب في البيع لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والإحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال، وقرينة الحال تقيد مطلق الكلام فيصير كأنه قال: بعه حالاً. والثانية: أنه يجوز له البيع نساء وهو قول أبى حنيفة وإختيار ابن عقيل؛ لأنه أذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر“.

وجاء في فقه السنة في باب الوكالة (جزء 3 ص 230): ”قال الإمام أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء نقداً أو نسيئة، وبدون ثمن المثل وبما لا يتغابن الناس بمثله وبنقد
البلد وبغير نقده، لأن هذا هو معنى الإطلاق. وقد يرغب الإنسان في التخلص من بعض ما يملك ببيعه ولو بغبن فاحش“.

ويضيف المرجع السابق: ”هذا إذا كانت الوكالة مطلقة، فإذا كانت مقيدة فإنه يجب على الوكيل أن يتقيد بما قيده به الموكل ولا يجوز مخالفته إلا إذا خالفه إلى ما هو خير للموكل، فإذا قيده بثمن معين فباعه بأزيد أو قال بعه مؤجلاً فباعه حالاً صح هذا البيع. فإذا لم تكن المخالفة إلى ما هو خير للموكل كان تصرفه باطلاً عند الشافعي، ويرى الأحناف أن هذا التصرف يتوقف على رضا الموكل فإن أجازه صح وإلا فلا. وعند الحنابلة أن الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو الثمن الذي قدره له الموكل بما لا يتغابن الناس فيه عادة صح الشراء للموكل وضمن الوكيل الزيادة، والبيع كالشراء في صحته، وضمان الوكيل النقص في الثمن، أما ما يتغابن فيه الناس عادة فعفو لا يضمنه“.

وجاء في رأي في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 458): ”أن فعل العامل شيئاً مما ذكر من التصرف بالغبن أو بالنسيئة لا مع الأذن وقف على الأجازة ولا يقع باطلاً عند القائلين بجواز عقد الفضولي فإن أجازه المالك نفذ وإلا بطل“.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك كما جاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 231)، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال
ربح … فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول: ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة، سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

أما عن شراء الوكيل، جاء في المغني (جزء 5 ص 117): ”شراء الوكيل من نفسه غير جائز وكذلك الوصى. وجملة ذلك: أن من وكل في بيع شئ لم يجز له أن يشتريه من نفسه في إحدى الروايتين نقلها ههنا. وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئاً لنفسه في إحدى الروايتين. وهو مذهب الشافعي، وحكى عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما.

والرواية الثانية: عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين.

أحدهما: أن يزيدا على مبلغ مثله في النداء.

والثاني: أن يتولى النداء غيره. قال القاضي: يحتمل أن يكون إشتراط تولى غيره النداء واجباً. ويحتمل أن يكون مستحباً. والأول أشبه بظاهر كلامه. وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني: أن يولى من يبيبع ويكون هو أحد المشترين.

ويضيف نفس المرجع: وقد روي ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك فرساً فقال الوصي: أشتره؟ قال: لا“.

وجاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شئ هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لأن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الإجتهاد في الزيادة، وبين الغرضين مضادة“.

والمضارب حتى يتحقق الربح وكيل؛ فإن ظهر ربح يصبح شريكاً في المال بقدر نصيبه من الربح.

4- استدانته للمضاربة:

اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فلو اشترى سلعة برأس المال كله، ثم اشترى أكثر بثمن مؤجل أو استدان لنقلها … يكون هذا من قبيل الإستدانة، وليس من حقه أن يستدين على المضاربة دون إذن رب المال؛ فرب المال لم يضمن سوى رأس المال الذي دفع به إلى المضارب، ولا يجوز إلزام رب المال ضمان الزيادة، التي لم يرض بها أصلاً، ولأن المالك لم يضمن الزيادة … فلا يحق له شيئاً من ربحها، وليس عليه غرمها.

أما لو أذن له المالك أو فوضه أمر المضاربة بما يخول له القيام بذلك … فإن الرأي كما يلي:

أجاز الشافعية للمضارب، إذا أذن له المالك أن يشتري بضاعة، ويدفع جزءاً من الثمن والباقي دين على المضاربة، جاء في الرملي (جزء 5 ص 231): ”ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال إلا بإذن المالك“.

أما لو لم يأذن رب المال فلا يقع الزائد على مال المضاربة، ويلزمه الثمن من ماله.

ويرى الحنابلة أن رب المال لو أذن للمضارب بالإستدانة … جاز له ذلك وكان ديناً على المضاربة. أما لو استدان المضارب من غير إذن أو تفويض مسبق … فإن الشراء الزائد يكون كما يشتريه لنفسه، وكان ربح البضاعة – التي اشتراها بثمن مؤجل – له وخسارتها عليه.

وذهب الأحناف إلى عدم جواز الإستدانة إن لم يأذن المالك … فإن أذن المالك للمضارب جاز له، إلا أنهم قالوا إن ما يستدينه المضارب يكون بينهما شركة وجوه، وعلى هذا … يكون المشتري بثمن مؤجل بين المالك والمضارب نصفين، إلا إذا اشترطا غير ذلك من التفاضل في الضمان … فإن شرطاً التفاضل في الضمان … كان الربح كذلك، ويصير الثمن ديناً عليهما من غير مضاربة، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ومنع المالكية العامل أن يشتري للقراض بالدين وإن أذن له رب المال، إلا أن يأذن له أن يشتري على القراض على أنه إن ضاع مال القراض كان – أي رب المال – ضامناً لذلك في ذمته … فإن ضمن رب المال يجوز وتكون السلعة من مال القراض. وذكروا بأن المضارب لو اشترى بأكثر من رأس المال … فإن اشترى بمؤجل في ذمته لنفسه يصبح شريكاً لرب المال بما زاده على مال المضاربة، ولأن رب المال لم يضمن هذا المال، ولأن العمل من المضارب … يختص المُضارب عندئذ بربح الزيادة وخسرها.

وأجاز الإمامية للمضارب أن يشتري بثمن مؤجل إن أذن له المالك، فإن لم يأذن واشتراه لنفسه صح شراءه لنفسه … أما إن اشتراه وذكر المالك، ولم يجزه المالك بعد ذلك … بطل شراؤه، سواء كان في حق المضاربة أو لنفسه، وبطلان الشراء في حق المضاربة لعدم إجازة المالك، وبطلان الشراء لنفسه فلأنه لم يكن قاصد الشراء لها.

وأجاز الزيدية إستدانة المضارب إذا أذن المالك، وأضافوا الدين إلى رأس مال المضاربة السابقة.

5- الرهن والإرتهان:

قالت الأحناف بجواز أن يرهن المضارب بدين على المضاربة من مالها، وأن يرتهن بدين له منها، ورأى ذلك المالكية والإمامية والزيدية – في أظهر القول – قياساً على أن هذه الأمور من متطلبات التجارة، وله أن يفعل كل ما كان عملاً من أعمالها.

ورأى الحنابلة قياساً على الشركة عندهم أن للشريك أن يرهن وأن يرتهن إذا دعت الحاجة، وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الشافعية الذي يمنعون فيه الشريك من ذلك؛ لأن فيه خطرًا ومجازفة.

6- التوكيل:

رأى الأحناف والزيدية بجواز أن يوكل المضارب غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، ورأى المالكية عدم جواز أن يوكل غيره … فإن فعل وتصرف وكيله … كان عليه ضمان ما يهلك أو يتلف من المال، ورأى الحنابلة في رأي لهم عدم الجواز، إلا إذا عجز المضارب عن القيام بالأمر والذي وكل فيه، وفي رأي آخر لهم … قالوا بجواز التوكيل في الشركة، والمضاربة نوع من الشركة.

7- الإبضاع:

اشترط المالكية موافقة المالك لإبضاع العامل للغير … فإن فعل دون الرجوع إلى المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترط الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف أن الإبضاع من عادة التجار، ولهذا فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة … فلهم رايان: رأي يجيز له ذلك، ورأي يشترط موافقة رب المال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87): ”وله أن يدفع المال بضاعة لأن الإبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح والإبضاع طريق إلى ذلك، ولأنه يملك الإستئجار فالإبضاع أولى لأن الإستئجار استعمال في المال بعوض والإبضاع استعمال فيه بغير عوض فكان أولى، وله أن يودع لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة“.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك.

9- الحوالة:

وهي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وتكون هنا في بيعه من مال المضاربة بثمن مؤجل إلى من يريد نقل الدين من ذمته إلى ذمة رجل آخر، والرأي عند الحنفية هو أن الحوالة من عادة التجار وله ذلك، وأجاز الحنابلة للشريك في الشركة أن يتعامل بها، بينما اشترط المالكية موافقة رب المال … فإن فعل دون إذنه ضمن.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العمل:

ذهب الحنابلة والأحناف والزيدية والإمامية – في رأي لهم- إلى جواز خلط المضارب ماله بمال المضاربة، بإذن رب المال وقبل بدء العمل، وأعتبروا تفويض رب المال أمر المضاربة إليه كافياً، جاء في بدائع الصنائع عند الأحناف: ”القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له أعمل برأيك وإن لم ينص عليه، فالمضاربة والشركة والخلط“.

بينما ذهب الشافعية –في الرأي الأظهر- إلى منع الخلط، وفي رأي آخر إلى إشتراط الأذن الصريح الواضح بالخلط، وإلا فسد القراض. وقال المالكية بجواز الخلط إذا كان العامل قادراً على التجر بالمالين، ومنعه إن لم يكن قادراً … فإن تجر في ماله وعطل مال رب المال، فيكون عليه رأس المال في أظهر القول عندهم، ويكون عليه ما حرمه من الربح في قول آخر.

أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل، فقد منعه الفقهاء عن ذلك لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح، جاء في الروضة عند الأحناف (جزء 5 ص 148): ”إن خلط العامل مال المضاربة بماله صار ضامناً، وكذا لو قارضه واحد على مالين بعقدين فخالطهما ضمن، فلو دفع إليه الفا قراضاً ثم ألفا وقال ضمه إلى الأول، فإن لم يكن تصرف بعد في الأول جاز“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله، فإن فعل ولم يتميز ضمنه، لأنه أمانة فهي كالوديعة. فإن قال له أعمل برأيك جاز له ذلك. وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضمان أن فعله لأن ذلك ليس من التجارة. ولنا: أنه قد يرى الخلط أصلح له. فيدخل في قوله أعمل برأيك“.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

يجوز ذلك إذا كان مال المضاربة الأولي مازال ناضاً، أما إذا كان المال الأول قد أصبح عروضاً … قال الحنابلة لا يجوز الخلط؛ لأن ضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، ولو شرط رب المال ذلك في العقد الثاني يفسد العقد الثاني. جاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”إذا دفع إليه ألفاً آخر، لم يجز له ضم أحدهما إلى الآخر، لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم، فلم يملك تغييره، فإن أمره بضمهما قبل التصرف فيهما أو بعد أن نضا جاز، وصار مضاربة واحدة، وإن كان بعد التصرف وقبل أن ينضا لم يجز“. وذهب الإمامية في الرأي إلى مثل ما ذهب إليه الحنابلة.

أما المالكية فقد قالوا بجواز الضم إذا اشترطا ذلك في العقد الثاني وكان العامل لم يبدأ العمل في المال الأول سواء كان نصيب العامل في الربح متفقاً في العقدين أو مختلفاً، أما إذا لم يشترطا خلط المالين أجازوا للعامل أن يخلطهما من تلقاء نفسه لو كان نصيبه في الربح بنسبة واحدة في المالين وكان المال الأول لم يزل ناضاً (التاج والإكليل جز 5 ص 264).

أما إذا كان المال الأول عروضاً … أجازوا له الخلط، لو كان نصيبه من الربح في المالين متفقاً، وعلى ألا يشترط رب المال الخلط في العقد؛ لأن الإشتراط يكون زيادة يشترطها رب المال على العامل فلا يجوز، ولرب المال أن يشترط خلط المالين بعد نضوض الأول؛ بشرط أن يكون القراض الأول لا ربح فيه ولا خسارة، وأن يكون ما شرط للعامل في المال الثاني مثل ما شرط له في المال الأول.

والأغلب أن الشافعية يمنعون الخلط، سواء كان المال ناضاً أو عروضاً.

والمقصود عند من منع العامل من الخلط من تلقاء نفسه، إذا اختلفت نسب الربح في المضاربتين وكان المال الأول ناضاً لم يتصرف فيه بعد، هو أن العامل إذا خلطهما وتاجر في عدة سلع، يؤدي هذا إلى جَهالة الربح الناتج عن كل منهما على حدة، وقد يخصص العامل الجزء الأكبر من الربح إلى المضاربة، التي نصيبه فيها أكبر. أما إذا قلنا يقسم الربح بين المضاربتين بنسب رأس المالين، ففي هذا جهالة قدر نصيب كل مضاربة من الربح، وهو إن خلط وخسرت تجارة سلعة من السلع التي تاجر بها وكانت بقدر أحد المالين … صعب عليه اقناع المالك بأن أحد المالين خسر،؛ فينجبر خسران مضاربة من ربح الأخرى فينقص ربحه المتوجب له من المضاربة الرابحة، وإن أصر على حقه قد يظن المالك أنه لم ينصفه، فيؤدي هذا كله إلى النزاع.

والأولى أن تنفسخ الأولى من البداية؛ حيث إنه لم يباشر العمل بعد، ويدفع رب المال المالين إلى العامل في مضاربة جديدة تكون نسبة العامل فيها من الربح متوسط النسبتين، فإن كان له نصف الربح في الألف الأولى؛ والربع في الألفين الثانية؛ يكون له الثلث من ربح المضاربة الجديدة ذات الثلاثة آلاف رأس مال.

فإن كانت النسب واحدة، وكان المال الأول لم يزل ناضاً، جاز له الخلط من تلقاء نفسه إذا كان هذا ما يرغب به ويرى فيه المصلحة، ولا يشترط قبول رب المال؛ لأن الضرر إن حدث سيصيبه هو ولن يصيب رب المال، لأنه إن لم يخلط لا يجبر ربح واحدة الأخرى … فإن خلط صار المال كله مضاربة واحدة، وهذا لمصلحة رب المال، فكان الإختيار فيه للعامل إن لم يشترط ذلك رب المال، وجاز لأنه لا يؤدى إلى النزاع، وليس فيه جَهالة في الربح لأن المضارب متى خلطهما صارا مضاربة واحدة.

والمقصود عند من منع الخلط، وكان العامل قد باشر في العمل:

أ‌-   إن للعامل في الربح وليس عليه في الخسارة، فإن ربح أحد المالين وخسر الآخر، فللعامل ربح الأول ولا شيء عليه في الثانية. أما لو خلط المالين جبر ربح الأول خسارة الثاني … فلم يظهر ربح فيها، فيصبح لا شئ للعامل في مجموعهما، فيخسر من جراء ذلك.

ب‌- إن رب المال إن اشترط هذا، ففيه زيادة وفائدة له؛ فلم يجيزوا له
هذا الشرط، ولأن المنع كان لحماية العامل فقد جوز المالكية الخلط للعامل إذا كان هذا رأيه ودون شرط عليه.

12- مضاربته للغير:

ذهب المالكية والحنابلة والإمامية إلى أن المضارب ليس له أن يأخذ من آخر مالا مضاربة إن كان في ذلك ضرر على رب المال الأول، إلا أن يأذن له.

وقال الحنابلة في الإنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”إن دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فأنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الإستحباب وإن فعل فلا شئ عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

أما لو ضارب مع غير رب المال دون إذنه، وكان في أخذه المال الثاني ضرر على المضاربة الأولى … ذهب أكثر فقهاء الحنابلة إلى أن ربح المضارب من المضاربة الثانية، يرد إلى المضاربة الأولى كربح للمال الأول.

وقال الشافعية بالجواز إذا كان ذلك في وقت واحد، جاء في مغني المحتاج (جزء 2 ص 315): ”ويجوز أن يقارض الإثنان عاملاً واحداً، لأن ذلك كعقد واحد ثم إن تساويا فيما شرط فذاك وإن تفاوتا كأن شرط أحدهما النصف والآخر الربع؛ فإن أبهما لم يجز، أو عينا جاز إن علم بقدر ما لكل منهما“.

وقال الأحناف في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 315): ”ولو سافر بماله ومالها أو خلط بإذن أو بمالين لرجلين أنفق بالحصة“.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

قال المالكية في المدونة (جزء 4 ص 55): ”لا يجوز للعامل أن يشارك بالقراض إلا بأمر رب المال“.

أما الأحناف والحنابلة … فقد اعتبروا أن تفويض رب المال أمر المضاربة للعامل بمثابة إذن له في المشاركة مع غيره، قال الكاساني (جزء 6 ص 95): ”فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، وأن يشارك غيره في مال المضاربة شركة عنان، وأن يخلط مال المضاربة بمال نفسه، إذا قال له رب المال أعمل برأيك، وليس له أن يعمل شيئاً من ذلك إذا لم يقل له ذلك“.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

أ-  أجمع الفقهاء على عدم جواز إعطاء العامل رأس المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال. جاء في شرح الخرشي لمختصر خليل في الفقه المالكي: ”يضمن العامل إذا قارض في مال القراض بغير إذن ربه، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال ولا ربح للعامل الأول، لما علمت أن القراض جعل لا يستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل فلا ربح له“.

واعتبروا ذلك تعدياً منه إن فعل ذلك، جاء في بداية المجتهد: ”ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأنصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر فإنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حظه مما بقى من المال“.

”ويرى أبو قلابة ونافع وأحمد واسحاق: أن المضارب إذا خالف فهو ضامن والربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب ويتصدق به، والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معاً“.

وذهب المالكية والأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية إلى أن للعامل أن يدفع بمال المضاربة مضاربة إلى عامل آخر لو أذن له رب المال بذلك، وخالف الشافعية وحدهم في القول الأصح عندهم، وقالوا بعدم جواز ذلك، فجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 227): ”ولو قارض العامل شخصاً آخر بإذن المالك، ليشاركه ذلك الآخر في العمل والربح لم يجز في الأصح. وقالوا في تعليل منعهم: لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملاً ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح“.

ب- أما عن صيغة إذن رب المال … فقد رأى الأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية أن تفويض رب المال أمر المضاربة إلى العامل يكفي لدفعه المال مضاربة إلى غيره، كقول رب المال له أعمل برأيك أو بما أراك الله. جاء في بدائع الصنائع: ”فأما إذا قال له أعمل برأيك، فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، لأنه فوض الرأي إليه، وقد رأى أن يدفعه مضاربة فكان له ذلك“.

وذهب الحنابلة والإمامية في رأي آخر لهما إلى ما ذهب إليه المالكية أن التفويض لا يكفي، واشترطوا إذن رب المال في ذلك صراحة.

جـ- وإذا حصل ربح في المضاربة الثانية عند صحتها وفق ما اشترط كل فقيه عن صورة إذن المالك … ذهب الحنابلة والمالكية والإمامية إلى أن العامل الأول ليس له شيئاً من الربح، وعللوا ذلك لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح يستحق بأحدهما.

جاء في المغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي: ”وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً، ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك، فإذا دفعه إلى آخر، ولم يشترط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً، وأن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح، لأنه ليس من جهته مال ولا عمل والربح يستحق بواحد منهما“.

            بينما رأى الأحناف أن الربح بين الثلاثة كما يلي:

إذا أطلق رب المال الربح في عقد المضاربة أي لم يضفه إلى المضارب، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزق الله فهو بيننا نصفان، جاء في البدائع (جزء 6 ص 97): ”فإن أطلق الربح ولم يضفه إلى المضارب، ثم دفع المضارب الأول المال إلى غيره مضاربة بالثلث، فربح الثاني؛ فثلث جميع الربح للثاني، لأن شرط الأول للثاني قد صح، لأنه يملك نصف الربح، فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول فجاز شرطه للثاني؛ فكان ثلث جميع الربح للثاني ونصفه لرب المال، لأن الأول لا يملك من نصيب رب المال شيئاً، فانصرف شرطه إلى نصيبه لا نصيب رب المال، فبقى نصيب رب المال على حاله وهو النصف وسدس الربح للمضارب الأول، لأنه لم يجعله للثاني فبقى له بالعقد الأول، ويطيب له ذلك، لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه“.

أما لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزقك الله تعالى من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح؛ فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزقه الله للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي.

وذهب الزيدية إلى رأي الأحناف الأخير حيث جاء في البحر الزخار (جزء 4 ص 83): ”فإن قال رب المال للعامل ما ربحت أو كسبت فهو بيننا نصفان، فضارب العامل غيره بالنصف، كان لرب المال الربع“.

د-  اتفق المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة والزيدية، عن عدم جواز أن يدفع المضارب مال المضاربة، مضاربة إلى عامل آخر من غير إذن رب المال، وعللوا ذلك بأن رب المال قد دفع المال إليه ليضارب به هو، وإن دفع المضارب بالمال لغيره يوجب فيه حقاً للغير، ولو فعل العامل ذلك دون إذن رب المال … فتصرف العامل الثاني في المال وخسر، اختلفت آراء الفقهاء فيمن يكون عليه الضمان.

قالت المالكية بضمان العامل الأول، ورأى الأحناف إن الضمان على العامل الأول ولرب المال أن يضمّن أيهما يشاء، ولو ضمن العامل الأول لا يرجع بما ضمن على الثاني، وإن ضمّن العامل الثاني … رجع بما ضمن على الأول، وصار حاصل الضمان على الأول؛ لأن الأول غرَّه بالعقد، فصار مغروراً من جهته، فكان له أن يرجع عليه بما ضمن.

وقال الشافعية إن تَلفَ في يد العامل الثاني وعلم بالحال فغاصب؛ فقرار الضمان عليه، وإن جَهلَ فعلى العامل الأول.

وقال الحنابلة والإمامية إن لرب المال أن يطالب من يشاء من العاملين برد المال … فإن ضمن العامل الأول … فله أن يرجع على العامل الثاني، إن كان الثاني يعرف حقيقة الأمر، وإلا … فعليه الضمان. وإن ضمن رب المال العامل الثاني، لم يرجع الثاني على العامل الأول إذا كان يعرف حقيقة الأمر … فإن لم يكن يعرف فلهم رأيان: أحدهما يرجع عليه لأنه غره، والثاني لا يرجع، لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه. وقال  العاملي في مفتاح الكرامة في الفقه الإمامي عن الرأي الأخير؛ بتضمين العامل الثاني وإن لم يكن عالمًا بالحال، أنه رأي ضعيف جداً.

وأتفق المالكية والشافعية والحنابلة والإمامية، وبعض الأحناف، بإلزام الضمان بمجرد دفع المضارب الأول المال للمضارب الثاني، سواء كانت المضاربة الأولى أو الثانية صحيحة أو فاسدة، وسواء باشر المضارب الثاني بالعمل أو لم يباشر.

أما من الأحناف … فقد قال الأئمة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن لضمان المال على المضارب الأول شرطين، الأول صحة المضاربتين، والثاني أن يتصرف المضارب الثاني بالمال في أمر من أمور التجارة، وعللوا ذلك أن فساد الثانية يجعل العامل الثاني أجيراً وللأول أن يستأجر من يعمل في المال، وفساد الأولى يوجب فساد الثانية، لأن الأولى لما فسدت صارت إجارة، فلا تصح الثانية؛ لأن الأجير ليس له أن يشارك غيره، فتفسد الثانية بالضرورة، ويصبحا أجيرين، وكذا إذا كانتا فاسدتين، وإذا كانا أجيرين … لا يضمن واحد منهما. أما إذا هلك المال ولم يكن المضارب الثاني قد تصرف فيه فأنه يهلك أمانة، ولا ضمان إلا مع العدوان أو التقصير، ولو غصب المال من المضارب الثاني … يجب الضمان على الغاصب فقط، وكذلك لو استهلك المضارب الثاني المال في غير أعمال المضاربة كتصدقه به أو كهبته المال فالضمان يلزم المضارب الثاني فقط.

هـ- أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح، فالرأي في من يختص بالربح يكون كما يلي:

قال المالكية إن الربح يكون بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للعامل الأول لتعديه.

وقال الشافعية إن تصرف العامل الثاني تصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه؛ لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل، وإن اشترى بعين المال فباطل شراؤه، وإن اشترى في الذمة وسلم ما أخذه من مال القراض فيما اشتراه وربح، فالربح نصفه للمالك، ونصفه بين العاملين سواء. وعلى القول الجديد للإمام الشافعي الربح كله للغاصب، ويكون في هذه الحالة للعامل الأول، وعليه أن يدفع للعامل الثاني أجرة عمله، وللشافعية رأي آخر أن يكون الربح في المسألة المذكورة للثاني من العاملين.

وذهب الأحناف إلى أن المضارب الأول إذا ضمن … صحت المضاربة الثانية والربح بينهما على ما إتفقا, وكذلك لو ضمن المضارب الثاني فرجع على المضارب الأول بما ضمن, فيصير حاصل الضمان على الأول, ولما تقرر عليه الضمان, كان له ربح ما ضمن, بشرط أن تكون المضاربتين صحيحتين. أما لو فسدت المضاربتان, كان الربح كله لرب المال, وللمضارب الأول أجر عمله على المالك, وللمضارب الثاني أجر عمله على الأول. ولو كانت فاسدة والثانية صحيحة؛ فالربح لرب المال وللمضارب الأول أجر المثل على رب المال, وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح. وإن كانت الأولى صحيحة والثانية فاسدة … كان للمضارب الأول ما شرط من الربح وللمضارب الثاني أجر مثل عمله على المضارب الأول.

وقال الحنابلة إن الربح كله لرب المال, ولا شيء منه لأحد العاملين, فالمضارب الأول لم يوجد منه مال ولا عمل, ويستحق الربح في المضاربة بأحدهما, والمضارب الثاني قد عمل في مال غيره بغير إذن منه ولا شرط, فلا شيء له من الربح قياساً على عدم إستحقاق العامل شيئاً من الربح في المضاربة الفاسدة.

15- سفره للمضاربة:

إن لم يشترط المالك ألاَّ يسافر العامل بالمال ولم ينهه عنه, أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين, ورأي المضارب المصلحة في السفر, قال المالكية له ذلك دون الرجوع إلى الرب المال, وكذلك قال الأحناف والزيدية والحنابلة في أظهر القول عندهم, وأشترطوا أن يكون سفره إلى جهة آمنة لا يتعرض فيها أو في الطريق إليها للأخطار وفق ظنه.

وقال الشافعية لا يجوز أن يسافر بالمال إلاَّ بإذن رب المال, وبهذا قال الإمامية والحنابلة في رأي لهم.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

اتفق جمهور الفقهاء على عدم جواز إقراضه وتبرعه ووهبه شيئاً من المال إلا بإذن رب المال.

17- أخذه وإعطاؤه سفَتجة:

السفَتجة من المعاملات التي كانت تستخدم ليأمن بها التجار مخاطر الطريق، فيأخذ الرجل مالاً أو بضاعة من آخر, ويعطيه صكاً بثمنها يصرفه عند وكيل له في بلد آخر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 92) :” ولا يأخذ سفتجة لأن أخذها إستدانة وهو لا يملك الإستدانة, وكذا لا يعطي سفتجة لأن إعطاء السفتجة إقراض, وهو لا يملك الإقراض إلا بالتنصيص عليه, هكذا قال محمد عن أبي حنيفة أنه قال: ليس له أن يقرض ولا أن يأخذ سفتجة حتى يأمره بذلك بعينه فيقول له خذ السفاتج وأقرض“.

وإلى هذا … ذهبت الزيدية والحنابلة, إلا أن الحنابلة –في رأي لهم – أجازوا له أخذه سفتجة دون أن يشترطوا موافقة رب المال, بينما اشترطوا الإذن في حالة الإعطاء.

18- المخاصمة والمقاضاة:

للفقهاء رأيان عند الأعتداء على مال المضاربة من قبل شخص آخر، أولهما: أن للعامل أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير, ولو كان للغير حق عليها فللغير أن يخاصم العامل من أجل حقه, هذا هو رأي الأحناف وأحد الرأيين عند الشافعية والحنابلة والزيدية, والرأي الثاني عندهم أن المضاربة عقد على التجارة ولا تدخل الخصومة فيه.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – الإشتراط في المضاربة

والإشتراط قصد به الشروط التى قد يضعها صاحب رأس المال على صاحب العمل، والأساس فى المضاربة – وفقاً لمذهب الإمام مالك ومذهب الإمام الشافعي – أن تكون مطلقة، فلا يقيد رب المال العامل بشروط تمنعه من الاتجار فى بلد معين، أو تحدد له وقتاً معيناً، أو يشترط عليه ألا يتاجر إلا فى سلعة معينة، أو مع جهة معينة ونحو ذلك من الشروط، وعلة ذلك أن إشتراط التقييد يفسد العقد لما فيه من التحجير الخارج عن سنة القراض؛ لأنه يحد من قدرة العامل – وهو صاحب الخبرة – على تحقيق الربح، فلا يتحقق المقصود من عقد المضاربة.

أما الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد … فلم يشترطا أن تكون المضاربة مطلقة؛ فقالا إن المضاربة كما تصح مطلقة … فإنها تجوز مقيدة. وفى حالة التقييد … لا يجوز للعامل أن يتجاوز الشروط التى اشترطها رب المال؛ فإن تعداها خالف وضمن رأس المال.

روى عن حكيم بن حزام رضى الله عنه: أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة يضرب له به، أن لا يجعل مالى فى كبد رطبة، ولا يحمله فى بحر، ولا ينزل به بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من هذا ضمنت مالى. وقيل رفع شرطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجازه. كذلك روي عن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه بمثل هذا.

وهذه الشروط التى سردت فيما روي عن حكيم بن حزام، شروط تحدد درجة المخاطرة التى يود تعريض ماله لها، وكل استثمار معرض للمخاطرة، ولكن يمكن لصاحب المال تحديد درجة هذه المخاطرة وهذا ما يحدث فى عقودنا المعاصرة.

وعلى هذا … فإن المضاربة قد تكون مطلقة أو مقيدة، والمضاربة المطلقة هي التي يدفع بها المقارض ماله إلى العامل، ويقول له: اعمل برأيك، أو فوضتك هذا المال لتعمل فيه مضاربة، على أن يكون الربح بيننا كذا وكذا. فلا يضع رب المال قيوداً أو شروطاً على العامل، وتكون تفويضاً كاملاً مفتوحاً، يعطي العامل الحق في التصرف في كل الأمور التي تتطلبها أعمال المضاربة فيما جرت به العادة.

أما المضاربة المقيدة، والتي أجازها الأحناف والحنابلة … فهي التي يجوز فيها أن يشترط رب المال على المضارب ما يرى فيه المصلحة، كالمكان والزمان والجهة التي يتعامل معها، ونوع التجارة والسلع التي يتاجر بها، على ألا تكون هذه السلع نادرة أو معدومة من الأسواق.

ولا يجوز – في كل الأحوال – أن يشترط رب المال شرطاً قد يتنافى مع مقتضى العقد، مثل ما قد يحول بين المضارب والتصرف الذي يتطلبه العمل التجاري المعتاد، أو ما قد يؤدي إلى إلزام العامل بشئ من خسارة رأس المال، أو يؤدي إلى عدم التخلية، أو غيرها من الشروط التي تفسد العقد أو تضر بالمقصود منه. أما التقييد بغير المفيد … فلا يثبت ويلغي؛ لأنه لا فائدة فيه، ولا يتقيد به العامل.

ويجوز لرب المال أن يشترط على المضارب قبل أن يبدأ العمل وقبل أن يصبح المال عروضاً، فإن تصرف بالمال لا يملك إبطال حقه في التصرف كمنعه من البيع، الذي منه ربحه. جاء في المبسوط (جزء 22 ص 68): ”فإن حق المضارب يثبت بالتصرف حين يصير المال عرضاً لأن ربحه لا يظهر إلا بالتصرف ورب المال لا يملك إبطال حقه“.

1- أجل المضاربة:

ليس من شروط المضاربة بيان مدتها، أما لو رغب رب المال تحديد أجل أو مدة للمضاربة، ففي رأي المالكية والشافعية والظاهرية وأحمد أن تحديد أجل للمضاربة يفسد العقد، بينما رأى الحنفية – وفي الرأي الأظهر عند الحنابلة – جواز ذلك، وذهب الإمامية إلى صحة العقد وبطلان الشرط. وتنتهي المضاربة عند القسمة، وهذه تكون عند نضوض المال؛ أي رجوعه إلى نوعه الأصلي من ذهب أو فضة أو نقد رائج فيعاد إلى ربه، ويقتسمان الربح وفق الشرط.

وللشافعية رأي في توقيت المضاربة، فهي لا تصح إن حدد رب المال مدة ينتهي القراض بانتهائها، وتصح إن حدد رب المال مدة ينتهي الشراء بانتهائها؛ أي إنهم أطلقوا مدة البيع الذي منه الإسترباح، والذي إن قيد بوقت يكون منافياً لمقصود العقد، ولأن رب المال له حق منع العامل من الشراء متى أراد ذلك بخلاف المنع من البيع فإن فيه ضرراً على العامل (اسنى المطالب جزء 2 ص 283).

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 122): ”وإن قال : على أن لا تشتري بعد السنة ولك البيع، صح على الأصح لأن المالك يتمكن من منعه من الشراء متى شاء بخلاف البيع“.

2 – تقييد العامل بالإتجار بسلعة معينة، أو مع جهة معينة، أو بمكان معين:

ورأى المالكية والشافعية أن تقييد العامل بالإتجار بسلعة معينة، أو بالتعامل أو بعدم التعامل مع جهة معينة يفسد العقد، بينما رأى الحنفية والحنابلة والإمامية خلاف ذلك. أما التقييد الذي فيه تضييقاً على المضارب كاشتراط رب المال أن يتاجر في ما يندر وجوده كالياقوت الأحمر والخيل البلق، وكل ما يصعب الحصول عليه؛ فالغالب أن اجتماع الرأي على أن هذا ينافي المقصود من عقد المضاربة.

واتفق جمهور الفقهاء على أن لرب المال حق تعيين مكان أعمال المضاربة، وعلى صحة إشتراط رب المال على العامل المتاجرة في بلد معين، وأن من حقه أن ينهاه عن السفر بالمال، وإن سمح له بالسفر إلى جهة معينة … فليس للعامل أن يسافر لغيرها.

ولو خالف المضارب ما إتفق عليه، فتلف شيء من المال، كان غاصباً، وضمن لمخالفته الشرط.

3- اشتراط رب المال على العامل ضمان مال المضاربة:

لا يجوز لرب المال أن يشترط على العامل ضمان ماله؛ فإذا اشترط ذلك في العقد … كانت المضاربة فاسدة، وقالت المالكية للعامل قَراض المثل إذا عمل، والشرط باطل ولا ضمان عليه.

وكذلك يرى الحنفية والشافعية والإمامية والزيدية بفساد الشرط، وبعضهم أفسد المضاربة. وقال الحنابلة إن العقد صحيح والشرط باطل، كما جاء عندهم في مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 522): ”متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة، فالشرط باطل والعقد صحيح، لأنه شرط لا يؤثر في جهالة الربح، فلم يفسد به العقد“.

وجاء في بدائع الصنائع (جزء 5 ص 80): ”وروى بشر عن أبى يوسف فى رجل دفع إلى رجل ألف درهم ليشتري بها ويبيع فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة، ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف لأنه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعنى المضاربة، وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة علىّ وعليك فهذه مضاربة والربح بينهما والوضيعة على رب المال، لأن شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط وتبقى المضاربة“.

4- نفقة العامل:

أ- ذهب جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة – إلى أن المضارب لا يستحق شيئاً من النفقة عند عمله في المصر الذي تم فيه إبرام عقد المضاربة، سواء كان المصر المذكور وطناً للمضارب أم دار سفر؛ حيث إن إقامته في ذلك المصر لم تكن من أجل المضاربة، لأنه كان مقيماً قبل ذلك، فلا يستحق النفقة مالم يخرج من ذلك المصر ولا فرق بين ان يكون خروجه بالمال مدة سفر أو أقل من ذلك، حتى لو خرج من المصر يوماً أو يومين فله أن ينفق من مال المضاربة، فإذا انتهى إلى بلد آخر … فإن كان له فيه أهل سقطت نفقته بدخوله البلد. (البدائع جزء 6 ص 106، مفتاح  الكرامة جزء 7 ص 476، البحر الزخار جزء 4 ص 88).

وقال الإمام مالك: ”وجه القراض المعروف الجائز، أن يأخذ الرجل المال من صاحبه على أن يعمل فيه ولا ضمان عليه، ونفقة العامل في المال في سفره من طعامه وكسوته وما يصلحه بالمعروف، فإن كان مقيماً في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة“.

وجاء أيضاً في الفقه المالكي في المدوّنة (جزء 4 ص 49): ”إنما يأكل العامل من مال القراض إذا شخص في المال من بلده، وليس حين يشتري ويتجهز في بلده، ولكن حين يخرج إذا توجه، وقال: للعامل إذا سافر النفقة ذاهباً وراجعاً وإن لم يشتر عند مالك، وله أن يرد ما بقى بعد النفقة إلى صاحبه“.

وقال الأحناف والزيدية بمثل هذا؛ فقد أجازوا للعامل أن ينفق من مال المضاربة على نفسه بالمعروف حال سفره. جاء في بدائع الصنائع عند الأحناف: ”الربح في باب المضاربة يحتمل الوجود والعدم، والعامل لا يسافر بمال غيره لفائدة تحتمل الوجود والعدم، مع تعجيل النفقة من مال نفسه، فلو لم يعجل بنفقته من مال المضاربة، لامتنع الناس من قبول المضاربات مع مساس الحاجة إليها“.

وجاء في المبسوط (جزء 22 ص62): ”وإذا دفع الرجل إلى رجل مالاً مضاربة بالنصف، فعمل به في مصره أو في أهله فلا نفقة له في مال المضاربة ولا على رب المال. لأن القياس أن لا يستحق المضارب النفقة في مال المضاربة بحال، فإنه بمنزله الوكيل أو المستبضع عامل لغيره بأمره، أو بمنزلة الأجير لما شرط لنفسه من بعض الربح، وواحد من هؤلاء لا يستحق النفقة في المال الذي يعمل فيه، إلا أنا تركنا القياس فيما إذا سافر بالمال لأجل الصرف فبقي ما قبل السفر على أصل القياس، وهذا لأن مقامه في مصره أو في أهله لكونه متوطناً فيه لا لأجل مال المضاربة. ألا ترى أنه قبل عقد المضاربة كان متوطناً في هذا الموضع وكانت نفقته في مال نفسه، فكذلك بعد المضاربة، فاما إذا خرج بالمال إلى مصر يتجر فيه كانت نفقته في مال المضاربة“.

وقال الشافعية في أظهر القولين عندهم بعدم جواز أن ينفق العامل على نفسه من مال المضاربة: لأن له نصيباً من الربح فلا يستحق شيئاً آخر، ولأن النفقة قد تكون قدر الربح فيؤدي إلى إنفراده به، وقد تكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال وهو ينافي مقتضاه. وأضافوا بأنه لو اشترط المضارب النفقة لنفسه في العقد لفسد. (الخطيب الشربيني جزء 2 ص 317، وراجع المهذب جزء 1 ص387). وللشافعية رأي آخر، أجازوا فيه للمضارب أن ينفق على نفسه أثناء سفره. (الرملي في نهاية المحتاج جزء 5 ص 223).

وأجاز الحنابلة أن يستحق العامل نفقته لو اشترط العامل ذلك ووافق رب المال راضياً، فقال الحنابلة: ”وإذا اشتراط المضارب نفقة نفسه صح، سواء كان في الحضر أو السفر. وقالوا: أن التجارة في الحضر إحدى حالتي المضاربة، فصح اشتراط النفقة فيها كالسفر، ولأن النفقة في مقابلة عمله فصح“ (المغني جزء 5 ص 50).

فإن عقد المضاربة، ولم ينص فيها على نفقة للمضارب فلا نفقة له، جاء في الإنصاف في الفقه الحنبلي (جزء 2 ص 440): ”وليس للمضارب نفقة إلا بشرط. ثم ذكر إن كان المعتاد أن ينفق المضارب على نفسه من مال المضاربة عند سفره من أجل المضاربة فله النفقة في هذه الحالة“.

وجاء في مطالب أولى النهى للرحيباني الحنبلي (جزء 3 ص 528): ”ولا نفقة لعامل من مال المضاربة ولو مع السفر به، لأنه دخل على العمل بجزء فلا يستحق غيره، ولو استحقه لأفضى إلى اختصاصه بالربح إذا لم يربح غيرها، إلا بشرط كوكيل“.

أما الظاهرية فقد ذهبوا إلى عدم جواز أن تكون نفقة العامل من مال المضاربة، جاء في المحلى لابن حزم (جزء 8 ص 248): ”لا يحل للعامل أن يأكل من المال شيئاً ولا أن يلبس منه شيئاً لا في سفر ولا في حضر … ولا يجوز اشتراطه؛ فإن لم يشترط فهو أكل مال بالباطل، ثم أيضاً يعود المال إلى الجهالة؛ فلا يدري ما يخرج منه ولا ما يبقى وقليل الحرام حرام ولو أنه مقدار ذرة؛ وكثير الحلال حلال ولو أنه الدنيا وما فيها، فإن قالوا هو ساع في مصلحة المال قلنا نعم … فكان ماذا؟ وإنما هو ساع لربح يرجوه فإنما يسعى في حظ نفسه“.

وعليه … فالرأي عند الجمهور هو أن العامل المقيم تكون نفقته من ماله مادام مقيماً، أما في حالة السفر … فالرأي أن تكون نفقة العامل من مال المضاربة أو من ربحها، لأنه لم يسافر إلا من أجلها، وخالف الظاهرية والشافعية في أظهر القول عندهم فقالوا تكون من مال المضارب في السفر والحضر.

ب- والمقصود من النفقة في المضاربة هي كل ما يحتاجه المضارب من : طعام وشراب وكسوة، وأجرة المنزل، وأجرة الحمام، وغسل ملابسه، ومؤن العامل، وخادمه في السفر، وعلف دابته التي يركبها في سفره ويتصرف عليها في حوائجه، ودهن السراج والحطب، وما شابه ذلك مما يعتاد الإنسان صرفه على نفسه في الأحوال الاعتيادية، أما مصاريف الحالات الطارئة مثل مصاريف العلاج والطبيب في حالة المرض … فمن مال المضارب.

جـ- أما هل تكون النفقة من رأس المال، أو من الربح؟ فقد ذهب الأحناف والزيدية والإمامية – في قول عندهم – إلى أن النفقة تحتسب من الربح أولاً؛ فإن لم يكن ثمة ربح تحتسب من رأس المال، وقال الأحناف معللين ذلك : لأن النفقة جزء هالك من المال، والأصل أن الهلاك ينصرف إلى الربح، ولأنا لو جعلناها من رأس المال خاصة أو في نصيب رب المال من الربح، لإزداد نصيب المضارب في الربح على نصيب رب المال.

وقال المالكية إن النفقة تكون من رأس المال؛ إذ جاء في المدونة (جزء 4 ص 50): ”وقال مالك : إذا كان المال كثيراً فإنما يكون طعام العامل وكسوته ونفقته من المال في غير سرف إذا كان المال يحمل ذلك، ولا يحسب في ربح العامل“.

وجاء عند الإمامية في قواعد العلامة (جزء 7 ص 476) : ”ونفقته في الحضر على نفسه وفي السفر من أصل مال القراض“.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – أركان عقد المضاربة

عقد المضاربة

ينعقد العقد بالإيجاب والقبول، وذلك بألفاظ تدل عليها بأن يقول رب المال خذ هذا المال مضاربة و الربح بيننا على كذا من نصف أو ربع، أو غير ذلك من أجزاء الربح. ويقول المضارب أخذت أو رضيت أو قبلت. وأركان عقد المضاربة هي أطراف العقد، ومحل العقد، والصيغه وهي مايدل على الأذن في التصرف بمعني المضاربة. وأركانها أيضا كما ذكرها الجمهور خمسة هى رأس المال والعمل، والربح، والصيغه، والعاقدان، وقد اعترض البعض على اعتبار العمل والربح من الأركان لأنهما يوجدان بعد العقد.

أولاً: المتعاقدان

يشترط فى رب المال وصاحب العمل ما يشترط فى العقود عامة؛ فيشترط في رب المال الأهلية والولايه وما يشترط في الموكل، فيكون ممن يملك فعل ما وكل فيه بنفسه، وفي العامل أن يكون صالحاً وأهلاً لأن يكون وكيلاً وصحة مباشرته لنفسه للتصرف الذي وكل فيه.

رب المال:

صاحب المال هو كل من يملك مالاً، ويريد إنماءه بالمضاربة، وصاحب المال – هذا في أغلب الأحيان – غير قادر على إنماء ماله بنفسه بالكفاءة التى قد يمكن تنمية المال بها إذا دفع به إلي من هو أكثر منه خبرة وعلماً في مجال الإستثمار فالذي يعمل في وظيفة تدر عليه دخل يستطيع إنماء الفائض من ماله بدفعه إلى مضارب، بينما يبقي هو في وظيفته، وكذلك المريض العاجز، وقليل الخبرة، وصاحب الأعمال الذي تكون لديه فائض مالي لا يستطيع توظيفه في العمل الذي يديره هو، والنساء اللاتي يردن خوض مجالات الإستثمار، والعجوز والوصى على أموال اليتامي والوقف، وكل من لديه مال يفيض عن حاجته.

ويجوز أن يكون رب المال من أهل الذمة؛ جاء في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي (جزء 5 ص 18): ”ولا يشترط إسلامهما فتصح المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي“.

وكما يكون رب المال في عقد المضاربه شخصًا واحدًا، يجوز أيضا أن يكون عدة أشخاص يشتركون في رأس المال، ويجوز أن يكون شركة، أو حكومة، وكل من لهم أهلية التعاقد والولاية أو مليكة التصرف في المال المعقود عليه.

العـامـل:

العامل هو من لديه الخبرة، ويملك القدرة على القيام بعمل، يتوقع أن ينتج عنه نماء المال، ويشترط فيه الأهلية وما يشترط في الوكيل والشريك؛ فهو موكل ومفوض في التصرف بمال المضاربة؛ فإن تحقق ربح أصبح شريكاً في نماء المال.

ويجوز إعطاء المال إلي عاملين أو أكثر، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه.

وأجاز الأحناف وحدهم للصبي العاقل أن يكون عاملا لرب مال، و لم يشترطوا إذن وليه له بذلك.

وكره جمهور الفقهاء أن يدفع رب المال المسلم ماله مضاربة إلي عامل لا يفقه أمور الحلال والحرام ؛ لأن هذا العامل قد لا يتحرز عن البيع والشراء بالمحرم لعدم علمه وتفقه، وقد لا يعرف الأسباب المفسدة للعقد. وتنتفي الكراهة عند الفقهاء إن كان معه عامل ذو علم ومعرفة، فلا ينفرد بالتصرف دون صاحبه، فلا يقعان في المحرم، ويأمن رب المال إلي حلال ماله وربحه، وأجاز الأحناف أن يدفع المسلم ماله مضاربة إلي الذمي إذا فقه في أمور الحلال والحرام.

ثانياً: شروط المحل أو المعقود عليه

والمعقود عليه هو الربح – وفي رأي اخر هو رأس المال- ويتعين الربح بما يبقي بعد إعادة رأس المال إلي صاحبه، ولهذا كانت لرأس المال شروط، يتعين بها فيعرف الربح وينتفي عنه الجهالة والغرر.

والربح في اللغة معنا النماء فى التجر، وهو الكسب أيضاً وعرف الإمام ابن تيمية النماء الحاصل من عملية المضاربة بأنه ما يولد عن الأصلين (المال والعمل)، والربح هو الزيادة الناتجة عن مبادلة يتقلب فيها المال من حال إلي حال بالعمل.

شروط رأس المال:

أن يكون نقداً معلومًا معينًا ومسلمًا إلي العامل.

1- يشترط في رأس المال أن يكون ذهبا أو فضة مضروبين كالدنانير والدراهيم أو نقداً رائجًا صالحًا للتعامل به، ولا يصح أن يكون عروضاً أو تبراً أو حلياً، ولا يصح أن يكون ديناً أو مالاً غائبًا أو جزافاً.

– وقد أجاز الأحناف، وفي الرأي الأظهر للحنابلة، وفي رأي للزيدية أن يدفع رب المال العروض للعامل على أن يبيعها ويضارب بثمنها،
وقال الظاهرية بمثل هذا،  واشتراطو أن يحدد رب المال ثمن بيع تلك العروض، وإشترط المالكية أن يبيع العروض شخص اخر غير العامل، قالت الزيدية – في رأيهم الآخر – أن يتم العقد على المضاربة بعد بيع وقبض ثمن العروض. أما الشافعية… فقد قالوا بعدم الجواز إن دفع إليه عرضاً وأمره بيبعه والمضاربة بثمنه، وعللوا منعهم بأن ثمن البيع عند العقد مجهول والقراض بالمال المجهول باطل، وبمثل هذا قال الإمامية.

جاء فى بدائع الصنائع (جزء5 ص 82): ”أنه لو دفع إليه عروضاً فقال بعها وأعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز، لأنه لم يضف المضاربة إلي العروض وإنما أضافها إلي الثمن والثمن تصح به المضاربة“.

ويوضح ابن قدامة في المغنى (جزء5 ص 17) سبب عدم جواز
أن تكون العروض رأس مال: ”لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها. ولا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلي أن يشاركه الأخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح. ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلي التنازع وقد يقوّم الشئ بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الأخر في العين المملوكة. ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي أشتراها به، فقد خرج عن مكانه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فأنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك“.

وذهب بعض الحنابلة والأحناف إلي جواز المضاربة بالعروض المثلية، وتجعمل قيمتها وقت العقد ورأس مال له.

– أما الدين … فإن كان على شخص ثالث غير العامل بأن قال رب المال للعامل أقبض المال الذي لي على فلان واعمل به مضاربة فقبضه وعمل به، يجوز هذا عند الحنفية والحنابلة والزيدية، ولا يصح عند المالكية والشافعية والإمامية، واشترطوا قبض العامل للدين بحضرة صاحبه. أما إذا كان الدين على العامل و قال له صاحب المال اعمل بدينى الذي في ذمتك مضاربة والربح بيننا، فالمضاربة فاسدة على رأي جمهور الفقهاء، وللحنابلة رأيان: رأي يمنعها، ورأي اخر يجيزها؛ إستناد على أنها ليس فى تجويزها أية مخالفة شرعية ”الإنصاف (جزء5ص 431) والمقنع (جزء2ص174)“.

-أما المنفعة.. فلا تصلح أن تكون رأس مال مضاربة؛ لأنها معدومة وقت العقد، جاء عند الشافعية عنها في تحفه المحتاج (جزء2ص417): بأنها لا تصح أن تكون رأس مال في المضاربة. وجاء فى روضة الطالبين (جزء5ص119): ولا يجوز جعل رأس المال سكني دار، لأنه إذا لم يجعل العرض رأس مال فالمنفعة أولى.

2- يشترط أن يكون رأس المال معلوم المقدار والصفة والجنس، ومعيناً تعييناً ينفي الجهالة به؛ كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه، والذي يملكه رب المال وحده، من  الربح الذي يشتركان في ملكيته. جاء في مفتاح الكرامة (جزء 7ص 445): ”أن يكون معلوماً فلاتصح على المجهول قدره“.

3- يشترط أن يكون رأس المال حاضرًا وأن يسلم إلي العامل؛ حتي تتحقق التخلية بين العامل والمال. والأصل في المضاربة أن تكون صيغتها منجزة وأن يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم رأس المال إلي العامل. ويصح عند الحنابلة إضافتها إلي زمن مستقبل، كأن يقول: ضاربتك بهذا المال ابتداء من الشهر القادم. أما تعليقها على شرط مستقبلي فالأغلب عند بعض الفقهاء هو عدم الجواز.

والتخلية تعني تمكين العامل من التصرف في رأس المال وفق مشيئته، ولا تتحقق الإ بتسليم المقارض المال إلي العامل و أن تترك له حرية التصرف فيه.

وأجمعت المذاهب على شرطي تسليم المال و التخلية، وعلى فساد المضاربة إذا اشترط رب المال بقاء المال تحت يده هو، وذهب بعض الحنابلة والإمامية – في رأي أخر- إلي أن المضاربة تصح ولو اشترط رب المال بقاء يده على المال يوفي منه ثمن ما يشتريه العامل.

أما عن عدم ترك حرية التصرف للعامل، كاشتراط رب المال العمل مع المضارب.. فقد ذهب أكثر الفقهاء إلي عد صحة هذا الشرط وفساد المضاربة، فهكذا قال المالكية والأحناف والشافعية، وكذلك رأى الحنابلة والزيدية. جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص85): ”ولو شرط في المضاربة عمل رب المال فسدت المضاربة سواء عمل رب المال معه أو لم يعمل، لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال وأنه شرط فاسد، ولو سلم رأس المال ولم يشترط عمله ثم استعان به على العمل أو دفع إليه المال بضاعة جاز لأن الإستعانة لا توجب خروج المال عن يده، وسواء كان المالك عاقداً أو غير عاقد لابد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة“.

وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الإمامية، يقولون فيه بجواز أن يشترط رب المال عمله أو عمل غلامه مع العامل. جاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص446): ”أما لو شرط أن يكون مشاركا في اليد أو يراجعه التصرف أو يراجع مشرفه فالأقرب الجواز. ولو شرط أن يعمل معه غلام المالك جاز“.

والرأي هو جواز ذلك من قبيل الإستعانة والمراجعة، على أن يكون القرار في يد العامل وحده؛ فتتحقق التخلية بين العامل وبين المال، والتي تعتبر من شروط صحة المضاربة.

وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصى عليه تصرفاته، وقد اتفق جمهور الفقهاء على جواز أن ينيب رب المال من يكون بمثابة المساعد للعامل.

شروط الربح

الربح هو الزيادة الحاصلة في رأس المال نتيجة العمل؛ وهو نماء المال بالعمل. والربح هو ما تبقي عند انتهاء المضاربة بعد إعادة رأس المال إلى ربه. وفيه حق للعامل استحقه لقاء عمله، وحق لرب المال لقاء ماله، فيشتركان في ملكه وفق الشرط.

1- يشترط في العقد أن يتفق صاحب المال وصاحب العمل على نصيب كل منهما من الربح كجزء منه، أو يكتفي بذكر نسبة المضارب دون الإشارة إلي نسبة رب المال؛ لأن الربح تابع رأس المال وهذا لربه، أما المضارب فيستحق نصيبه بالشرط ولهذا توجب بيانه.

ولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه دراهم معلومة أو قدراً معيناً من الربح، لأنه لو اشترط فلا ينال الآخر شيئا، وهذا مخالف المقصود من العقد الذي يراد به نفع كل من المتعاقدين.

وأجاز الزيدية، وحدهم في رأي ثان لهم، أن يشترط أحد المتعاقدين لنفسه مبلغاً من المال إن جاوزه الربح، كما جاء في البحر الزخار (جزء4 ص 82): ” فإن قال أحدهما على أن لى عشرة إن ربحنا أكثر منها، أو مما يزيد عليها، صحت ولزم الشرط، إذ لا مقتضي للفساد“.

2- ويشترط أن يكون  إيراد المضاربة نقداً أو مالاً من نفس جنس رأس المال (إلي أقل حد معادل لقدر رأس المال)، فيعرف الربح الذي يتم توزيعه بينهما.

3- قإن كانا قد اتفقا أن كل الربح للعامل، ولم يذكرا لفظ المضاربة أو القراض أو ما يؤدي إليهما، تصبح قرضأ؛ فيضمن العامل رأس المال، ويكون الربح له الوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال، يكون الربح له والوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال… تكون إبضاعاً؛ فيكون العامل قد عمل متبرعاً في المال.

فإن نص العقد على أنها مضاربة أو قراض… يكون العقد فاسداً؛ لأن من الشروط المضاربة أن يكون الربح بينهما. والرأي الأغلب هو أن يكون للعامل أجر المثل عن عمله.

ولا يجوز اشتراط جزء من الربح لطرف ثالث أجنبي عن العقد، إلا أن يشترط قيامه بعمل من أعمال المضاربة؛ فيكون بمثابة ما لو دفع رب المال ماله إلي عاملين. وقد اعتبر الحنفية الشرط باطلاً والمضاربة صحيحة في حالة عدم عمله في المضاربة. جاء في الروضة: ”فلو شرط بعضه لثالث، فقال على أن يكون ثلثه لك، وثلثه لزوجتي، أو لابني، أو لأجنبي لم يصح إلا أن يشرط عليه العمل معه، فيكون قراضا مع رجلين“.

أما المالكية فقد قالوا إن المضاربة صحيحة والشرط صحيح؛ لأن طرفي المضاربة لهما أن يهبا مالهما.

4- ولا يجوز أن يشترط لأحدهما ربح صنف، أو مبلغ، أو سفر، أو عملية معينة، كأن يتفقان على المضاربة في عمليتين ربح الأولى لرب المال و الثانية للعامل.

5- ولا نصيب للمضارب إلا من الربح فقط، فلو شرط له شيء من رأس المال، أو منه ومن الربح فسدت المضاربة، إلا أن تكون نفقة سفر، أو نفقة حضر كما جاء عند الحنابلة بالشرط. ولا يجوز للعامل أن يأخذ شيئاً من ربحه، إلا بحضرة رب المال، وإن أخذ شيئاً فهو ضامن لما أخذ وإن أذن له رب المال حتي يتحاسبا فيستوفي رب المال رأس ماله، ثم يتقاسمان الربح على الشرط، فإن لم يك له في الربح مثل ما أخذ رد الزيادة فيما أخذ.

وإذا تلف أو هلك جزء من رأس المال … فإنه يحسب من الربح أولاً؛ لأن الربح وقاية رأس المال، ولأن الربح تبع ورأس المال أصل؛ فإذا تجاوز التالف الربح وسري إلى رأس المال … كانت الوضيعة على رب المال ما لم يتعد العامل.

ثالثاً: شروط الصيغة

الإيجاب والقبول الصادران ممن لهما أهلية وولاية التعاقد، ولا يشترط لفظ معين، بل يتم العقد بكل ما يؤدي إلى معنى المضاربة، ويشترط توافق الإيجاب والقبول. بمعني أن يرد كل من الإيجاب والقبول على معنى واحد فإن اختلفا لا تنعقد.

وذهب المالكية والحنابلة أن القبول يتم بكل ما يدل على الرضا، واعتبروا الفعل قبولاً، جاء في كشف القناع للحنابلة (جزء3ص508) :” وتكفى مباشرته أى العمل قبولاً“ بينما ذهب الأحناف والشافعية إلى إشتراط القبول لفظاً.

ويجب أن ينص العقد على ما يبيح للعامل أن يتصرف فى المال بما يعتاده التجار من بيع وشراء، ويحمل لفظي المضاربة أو القراض هذا المعنى، وعلى أن ينص على تعيين حصة العامل من الربح بجزء شائع. محدد النسبة، وأن يكون رأس المال معلوماً قدراً وجنسا وصفة.

جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص80): ”وروى عن بشر عن أبي يوسف في رجل دفع إلي رجل ألف درهم ليشتري بها ويبيع، فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف ، لانه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعني المضاربة وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة على وعليك فهذه مضاربة والربح بينهما والوضيعة على رب المال، لان شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط وتبقي المضاربة“.

وأجاز الشافعية والحنابلة إجتماع المضاربة والشركة في عقد واحد، والذى يظهر من كلام الأحناف أنهم لا يمانعون ذلك، بينما كره الإمام مالك أن تجتمع الشركة والمضاربة في عقد واحد.

ويشترط لإنعقاد المضاربة: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وذهب الشافعية والزيدية إلى عدم إشتراط اتحاد المجلس. والقبول قد يكون بالفعل كما سبق ذكره؛ كأن يقول له خذ هذا المال واتجر به والربح بيننا؛ فيأخذه ويتصرف به، ولهذا … لم يشترط اتحاد المجلس عند من قال بالإكتفاء بالفعل الدال على القبول.

ويشترط فى الصيغة أن تكون منجزة يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم المال إلي العامل، سواء كان ذلك في المجلس أم بعد ذلك، كما قال الحنابلة وسبق ذكره، وذهب الأحناف والحنابلة والزيدية إلي جواز تعليق المضاربة وإضافتها إلي زمن مستقبلي، بينما ذهب المالكية والشافعية أن العقد لا يقبل التعليق والإضافة.

<< previous page next page >>

الباب الثاني – المضاربة في الفقه الإسلامي

الفصل الأول

المضاربــة

هي عقد بين شخصين، يقدم أحدهما بموجبه مالاً إلى الآخر ليتجر فيه بنصيب من الربح، فإن لم يك ثمة ربح فالمال لصاحبه، وإن كان فيه وضيعة فمن المال، وليس على الذي اتجر في المال شيئاً من الوضيعة. ويسمى الطرف الذي يقدم المال، صاحب المال أو رب المال أو المالك أو المقارِض. ويسمى الطرف الذي يتولى التجارة والعمل: العامل أو صاحب العمل أو المضارب أو رب العمل أو الأمين أو المقارَض.

وأطلق عليها أهل العراق لفظ مضاربة، والمضارب هو من يضرب في الأرض؛ أي يسافر في الأرض ويسعى فيها ابتغاء الفضل، لقوله سبحانه وتعالى:

(..وأخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..)

                                                                    صدق الله العظيم

                                                                    (المزمل: 20)

بينما عرفها أهل الحجاز بلفظ القراض، والقراض من القرض بمعنى القطع، فكأن رب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها للعامل، واقتطع له جزءا من ربحها. والقراض أيضاً من الموازنة، يقال تقارض الشاعران إذا توازنا، وقد استخدم الحنفية والحنابلة الزيدية كلمة المضاربة بوجه عام، بينما فضل المالكية والشافعية كلمة القراض.

والقراض من عقود المعاوضة غير اللازمة والجائزة بالسنة التقريرية والإجماع، وهي مما كان معمولاً به فى الجاهلية فأقره الإسلام، وروى أبو نعيم وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضارب لخديجة رضي الله عنها قبل أن يتزوجها، بمالها إلى بصرى الشام، وأنفذت معه خادمها ميسرة، وكان هذا قبل النبوة، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم حكى ذلك بعد النبوة مقرراً له، وكذا بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكر عليهم، وذلك تقرير لهم على ذلك والتقرير أحد وجوه السنة. وقد عمل بها المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعملوا بها من بعده، وروي عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم: عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهم أجمعين، ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد ومثله يكون إجماعاً.

وجاء في الموطأ للإمام مالك ( جزء 2 ص 687، 688): ”عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق فلما قفلا، مرا على ابي موسي الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلي أمير المؤمنين، ويكون الربح بينكما، فقالا وددنا ذلك، ففعل وكتب إلي عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلي عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا لا فقال عمر أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه. فقال عمر أدياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال“.

والمضاربة وإن كان تطبيقها فى العهد الإسلامى الأول قد اقتصر على التجارة … إلا أنها قد تصلح للصناعة أيضاً، وكان المجتمع الإسلامي الأول فى المدينة يعتمد على التجارة والزراعة، ولم تتعد الصناعة أنذاك سوى بعض الصناعات البسيطة (الحرف)، وتوجد في قطاع الزراعة عمليتان مشابهتان للمبدأ الذي تقوم عليه المضاربة، وهما: معاملتا المزارعة والمساقاة، وكلهم معاملات تيسر تعاون من يملك المال مع من لديه القدرة على العمل بهدف تحقيق الربح لهما، ويجمعهم أن كل منهم عمل فى شئ ببعض نمائه مع جهالة العوض وقت العقد.

وهي إحدي المعاملات التي وفرها الإسلام للناس لإستثمار أموالهم وإنمائها، وأجازها الشارع تحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس و تلبية لحاجاتهم. وتكمن أهمية المضاربة في أنها من العقود التي تعود بالمنفعة على طرفي العقد وعلى المجتمع عامة، فمن يملك المال قد يكون غير قادر على إستثماره بنفسه، إما لإنشغاله أو لعجزه أو لقلة خبرته في أمور الإستثمار والتجارة، وصاحب العمل قد يكون ماهراً ذا خبرة ودراية في أحد مجالات الإستثمار والتجارة ولا مال له، فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين، فيتعاونا هذا بماله وذاك بعمله، وينتفع كل منهما بما يرزقهما الله به، ويعم الخير على المجتمع من جراء إستثمار المال في مشروعات نافعة تخلق فرص عمل وتدفع بعجلة الإنتاج والنمو.

وهي من العقود الجائزة غير اللازمة، ولكل من رب المال والعامل أن يفسخه ما لم يشرع العامل فى العمل، أما بعد البدء… فللفسخ أحكام فصلها الفقهاء ترد فيما بعد. جاء في بدائع الصنائع (جزء6 ص109 ): ”وأما صفة هذا العقد فهو أنه عقد غير لازم ولكل واحد منهما أعني رب المال والمضارب الفسخ لكن عند وجود شرطه وهو علم صاحبه لما ذكرنا في كتاب الشركه، ويشترط أيضا أن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ دراهم أو دنانير حتي لو نهي رب المال المضارب عن التصرف ورأس عروض وقت النهى لم يصح نهيه وله أن يبيعها لأنه يحتاج إلي بيعها بالدراهم والدنانير ليظهر الربح, فكان النهى والفسخ ابطالاً لحقه فى التصرف فلا يملك ذلك، وإن كان رأس المال دراهم أو دنانير وقت الفسخ والنهي صح الفسخ والنهي“.

تعريف المضاربة فى الفقه:

عرَّفها المالكية بأنها: توكيل على تجر فى نقد مضروب مسلم بجزء من ربحه إن علم قدرهما.

وعرفها الأحناف بأنها: عقد شركة فى الربح بمال من جانب وعمل من جانب.

وعرفها الحنابلة بأنها: دفع ماله إلي أخر يتجر فيه والربح بينهما.

وعرفها الشافعية بقولهم: القراض والمضاربة، أن يدفع إليه مالا ليتجر فيه والربح مشترك بينهما.

وعرفها الإمامية بقولهم: المضاربة هي أن يدفع مالا إلي غيره ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه.

والمضاربة هي شركة في النماء الناتج عن المال والعمل، ويسمى النماء ربحاً، والربح عامة يستحق كما جاء في الفقه الحنفي في قول الكاسانى: ”إما بالمال، إما بالعمل، وإما بالضمان. ويضيف : أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر، لان الربح نماء رأس المال فيكون لمالكه، لهذا استحق رب المال الربح فى المضاربة. وأما بالعمل، فان المضارب يستحق الربح بعمله، فكذا الشريك. وأما بالضمان، فان المال إذا صار مضموناً على المضارب يستحق المضارب جميع الربح، ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجا بضمان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: الخراج بالضمان فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له“.

والمضاربة فى أولها أمانة، لأن رب المال يسلم ماله إلي العامل أمانة فى يده؛ حتي يتصرف فيه، فيكون المال في هذه الفترة أمانة في يد العامل، ويجب عليه حفظه وصونه ورده إن طلب منه المالك ذلك، فإن بدأ العمل وتصرف فيه، تصبح وكالة لأن العامل يتصرف فى المال بإذن صاحبه فهو وكيله في التصرف؛ فإذا تحقق نماء في المال… تكون شركة لاشتراكهما في ملكية النماء، وإن هلك جزء من رأس المال، لا تحصل المشاركة لعدم ظهور الربح الذي يشتركان فى ملكه، ويظل العامل وكيلاً فلا يكون عليه شيء في الخسارة، وإن فسدت المضاربة دون تعد منه يصبح عند الشافعية والحنابلة والحنفية أجيراً، وعند المالكية يكون له قراض المثل في بعض الحالات، وأجر المثل في الحالات الأخرى. وليس على العامل ضمان فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه…فإن تعدى أو خالف إلى ما لم يأذن له فيه ضمن.

<< previous page next page >>

الباب الأول – الفصل الأول

المــال

المال في اللغة هو ما ملكه الإنسان من جميع الأشياء، وسمي مالا لأنه يميل إليه الطبع.

ويعرَّف في الفقة الإسلامي بأنه : كل ما يمكن تملكه مع قابلية الانتفاع به على الوجه المأذون شرعاً عند السعة والاختيار . (منهج الإسلام في المعاملات المالية د. أحمد عثمان).

عَرَّفَه المالكية بأنه ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه. وعرفه الأَحْناف بأنه : ما يميل إليه الطبع، ويمكن إدخاره لوقت الحاجة. وعرفه الحنابلة بأنه هو ما فيه منفعة مباحة لغير صاحبه أو ضرورة. وعرفه الشافعية بأنه ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه، وإن قلت وما يطرحه الناس مثل الفَلَس وما شابه ذلك.

ويشمل كل شئ يمكن تملكه وإن لم يكن مملوكاً بالفعل ، كالأسماك في البحر والماء في الأنهار وغيرها مما يمكن أن يتملك.

وليكون الشئ مالاً يجب أن يكون له نفع، والأشياء التي ينتفع بها الإنسان هي الأعيان والمنافع والحقوق.

والأعيان هي ما لها جرم ومادة كالدار والطعام وغير ذلك، والمنافع هي الفائدة المقصودة من الأعيان كسكنى الدار وركوب السفينة والدابة وغير ذلك، والحقوق هي المصالح المتعلقة بمال.

وذهب الجمهور إلى أن المنفعة مال، لإمكان حيازتها بحيازة أصلها، ولأنها هي المقصودة من العين ، ولولاها ما طلبت العين. أما الحنفية فقالوا إنها ليست بمال لعدم إمكان حيازتها بذاتها ؛ لأنها معدومة ، وإذا وجدت فإنها تفنى شيئاً فشيئاً.

والأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، لأنه يتحقق فيها البذل والمنع، وتحاز تبعاً لحيازة أصلها وهذا يتفق والعرف العام في المعاملات المالية.

وينقسم المال إلى مُتَقَوَّم وهو المال الذي يقر الشارع بملكيته، ويبيح الانتفاع به فى حالة السعة والاختيار ويمكن إحرازه، والذي حِيزَ بالفعل ويُضْمن عند التعدي، وغير المتقوم وهو مالم يحز بالفعل ، ولم يُتملك كالأسماك في البحر، أو حِيزَ وكان غير مباح للمسلم إقتناؤه أو الانتفاع به كالخمر والخنزير، ولا يضمن مُتْلِفه لصاحبه المسلم شيئًا.

وينقسم المال أيضاً إلى عقار ومَنْقول، فالعقار هو الأرض فقط كما ذهب إليه الجمهور عدا المالكية، والمنقول هو كل ما عدا الأرض فيشمل الدور والشجر والحيوان والآلات والحبوب وغيرهم من الأموال. أما المالكية فعرَّفوا العقار بأنه كل ما له أصل ثابت، لا يمكن نقله، وتحويله من مكان إلى آخر مع بقاء هيئته وشكله، كالدار والشجر والأرض. والمنقول عندهم هو ما أمكن نقله من مكان لآخر، مع بقاء حالته وشكله، وكل مستقل بذاته، غير متصل بالأرض اتصال استقرار ودوام.

وينقسم المال أيضاً إلى مِثُّلي وقيمي، والمثلي هو المعين بالنوع، وهو ما له مثل ونظير في الأسواق من غير تفاوت في أجزائه أو وحداته تفاوتًا، يعتد به من كل ما يقدر بالكيل أو الوزن أو العد أو المقاس. والقيمي هو ما ليس له نظير في الأسواق أو ما له نظير ولكن بين وحداته تفاوتًا يعتد به فلا يمكن مقارنته بمثله.

ويمكن تقسيم المال إلى نُقود وعروض، والنقود هي الأشياء التي جرت العادة أن يجعلها الناس وسيطًا للتبادل ومعيارًا ومخزنًا للقيمة ووحدة للقياس، وكان العرب قبل الإسلام يتعاملون بنقود كسرى وقيصر وهي الدراهم والدنانير، وكانت الدراهم نقوداً فضية والدنانير نقوداً ذهبية وكانوا يعبرون أحياناً عن الفضة بالورق وعن الذهب بالعين، وكان الدينار في أول عهد المسلمين يساوي عشرة دراهم، ولما جاء الإسلام أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التعامل، واستمر هذا الوضع حتى ضرب عبد الملك بن مروان دراهم ودنانير على طراز إسلامي في عامي 76 هـ و 77 هـ، وسَكَّ المسلمون في أواخر العهد العباسي بجانب الذهب والفضة نقوداً من معادن أخرى أهمها النحاس ومنها الحبة والدانق وسُمِّيَتِ الفلوس.

أما العروض فهي كل ما هو غير الثمنين – الدراهم والدنانير – من متاع الدنيا. وعرَّفها ابن قدامة في فقه الحنابلة بقوله في المُغْني (جزء 3 ص 58) : ”العَروض، جمع عَرَض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعها، من النبات والحيوان والعقار وسائر المال“.

والملك هو الاختصاص بالشئ، يمنع الغير عنه ، ويمكِّن صاحبه من الانتفاع والتصرف فيه، إلا إذا وجد مانع شرعي يمنعه التصرف كالجنون أو العتْه أو السفه ، والملك قد يكون ملكاً تاماً أو ملكاً ناقصاً . والملك التام هو ما يثبت على عين الشيء ومنفعته معاً بحيث يثبت معه للمالك فيهما جميع الحقوق المشروعة. والملك الناقص هو ما يثبت بتملك العين وحدها دون المنفعة، أو بتملك المنفعة وحدها دون العين.

وتملك المنفعة وحدها هو حق الانتفاع، وقد يتعلق بالمنتفع فيكون حقاً شخصياً له، أو يتعلق بالعين فيمكله كل من ملك العين .

وينقسم الملك أيضاً إلى ملك متميز وهو المتعين والمحدد غير المختلط بملك الغير، وملك غير المتميز وهو الملك الشائع أو المشاع، وهو ما اختلط بملك الغير وشاع فيه دون أن يتعلق بجزء معين مميز . كأن يمتلك عدة أشخاص عمارة دون تقسيمها بينهم.

أسباب التملك :

المال هو مال الله، فهو سبحانه وتعالى الخالق والواهب والوارث، وقد استخلف الناس في الأرض ، وأنعم عليهم بالإسلام ، فجاء الإسلام بالمنهاج الذي يحدد لهم سبل استعمال ما استخلفهم الله فيه ، وشرع ما يكفل لهم ولأموالهم  الحماية، وحق الدفاع عنه، ومنعهم من الاعتداء على أموال وحقوق الغير، وأوجب فيه حق الزكاة والصدقة، وحثهم على انمائه والمحافظة عليه فلا تبذير ولا تقتير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور. رواه أحمد والبزار، ورواه الطبراني عن ابن عمر بسند رواته ثقات.

وقال السبكي في الكفاية : ”أسباب التملك الأساسية : المعاوضات والميراث والهِبات والوصايا والوَقْف والغنيمة والاحياء والصدَّقات“.

والأصل في الحصول على المال وامتلاكه هو العمل، ويكون العمل إما بعمل الرجل في ماله أو لغيره لقاء الأجر، أو عن طريق المشاركة أو المبادلات والمعاوضات، أو بالتحصل على شئ لم يسبقه أحد إليه كإحياء المَوات مثل إصلاح الأراضي البور . ويحصل أيضاً على المال بطريق الانتقال بغير عوض مثل الوصية والميراث والصدقة والوهب والهدية.

ويوجب الإسلام على مالك المال أن يستثمره في الأوجه المشروعة، وألا يكنزه ويعطله، وعليه أن يمتنع عن استعمال ماله – أو ألا يستعمل ماله – على نحو يلحق الضرر بغيره أو بالمجتمع عامة. وحرم على الناس الربا ونهاهم عن الغش والاستغلال والاحتكار والإكراه وكل ما يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل كالربا والميسر والغرر، ونظَّم قواعد المبادلات وعيَّن الواجبات والحقوق وبيَّن الحلال والحرام، وحث على الوفاء بالعقود والأمانة في التعامل.

وربط الإسلام بين فرض الزكاة وتحريم الربا والحث على الاستثمار والنهي عن الاكتناز، فالمال إن كُنز ولم ينمَّي تأكله الزكاة، فكان استثمار المال واجباً على المسلم، والمال لا يلد المال كما هو الحال في النظم الربوية، فلا خَراج إلا بالضمان ، ولا ينمو المال إلا بالعمل أو بالمخاطرة به بدفعه في مجالات العمل ، وكل ربح أو زيادة على مال مضمون ربا.

ووضع الإسلام أسس المعاملات بين الناس، فوضع الميزان ، فتوجَّب تساوي العوض والمعوض في عقود المعاوضات، وتكافئ نصيب الربح مع نسبة المال المشارك به في عقود المشاركات. وأوجب التراضي المبني على العلم، فالتعادل هو أساس المعاملات التجارية في المقام الأول، وعندما يستحيل معرفة التعادل، يؤخذ التراضي المشروع والناتج عن إرادة حرة واعية على أنه تعادل، لأن رضى طرفي المعاوضة المشروعة دليل تعادلها.

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 20 ص 353) : ”الكسب الذي هو معاملة الناس نوعان : معاوضة ومشاركة . فالمبايعة والمؤاجرة ونحو ذلك هي المعاوضة. وأما المشاركة فمثل مشاركة العنان وغيرها من المشاركات“.

والسبل الشرعية لاستثمار المال تكون إما في عقود المعاوضات كالبيع والشراء والإجارة والجعالة، أو في المشاركات كالشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة.

<< previous page next page >>