الفصل الرابع – المشاركة

جاء عن ابن تيمية في القواعد النورانية عن المساقاة والمزارعة:” من المعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، والمساقاة والمزارعة لا يأكل أحدهما مال الآخر“.

والشركة من المشاركات وكذلك المضاربة والمساقاة والمزارعة، والمشاركة هي إما: مشاركة عقد أو مشاركة ملك، ومشاركة الملك أو شركة الأملاك وهي ما ليس المقصود منها الكسب ولا تتعرض أموالها للمخاطرة، وقد تكون قد حصلت باختيار المتعاقدين أو بغير اختيارهم كالأرث أو اختلاط الأموال دون قصد أو رغبة. أما شركة العقد فهي عقد بين اثنين أو أكثر لتحصيل الكسب الحلال لهما من أطراف أجنبية عن العقد. والكسب الحلال لا يتحصل إلا عن طريق المعاوضات كالبيع ولهذا وجب أن تكون الشركة قائمة على مال، والمال هو كل ما أمكن مبادلته وفق السبل الشرعية بأصل الأثمان، فيشمل الأعيان والعروض والمنافع والنقود الرائجة. فإن قامت على أموال عينية تكون شركة عنان، وإن قامت على الضمان والضمان يستحق به الربح كالمال… كانت شركة وجوه أو شركة ديون. وإن قامت على أموال منافع… تكون شركة أعمال أو أبدان أو قد نعبر عنها قامت على الضمان المتوجب بتقبل العمل الذي سيتقبلاه فنسميها شركة تقبل الأعمال.

وتقوم الشركة على اتفاق بينهما بأن يقدم كل منهما مالا أو التزاما بتقديم منفعة عمل أو التزاما بضمان دين. فيتوجب ضبط هذه الحصص حتى لا يأكل إحدهما من مال ليس له.

فإن كان المال والعمل منهما بالتساوى… كانت شركة عنان، أما لو كانت مالاً من كل منهما بالتساوي والعمل بينهما ليس متساوياً ويكون الكسب بينهما بالتساوى… ففيه ظلم لمن عمل أكثر لا يصح معه العقد الذي يشترط فيه العدالة في توزيع منافعة.

وحيث إن قيمة العمل مجهولة وقت التعاقد… فإنه يكتفى بمعرفة نسب التفاضل لأن العمل وإن كان مجهولاً إلا أنه واحد، لهذا… وجب تحديد نسب تفاضل الأعمال من جهة، وتفاضل نصيب المال من الربح إلى نصيب العمل.

أي إن الإيراد سوف يكون رأس المال العيني ومال المنفعة والربح، ويعاد منه رأس المال وما يتبقى هو قيمة المنفعة والربح المقدرين بجزء من المتبقى.

المقصود من رأس المال هو تحديد الربح وهو المال الذي يتبقى بعد إعادة رأس المال، وتحديد نصيب كل من المتعاقدين في رأس المال، وفي الربح.

والمال العيني معروف ومعين القيمة وقت العقد، فإن كان مما تتغير قيمته خلال مدة العقد اكتنفته الجهالة فلم يصلح أن يكون رأس مال كما هو الحال في العروض. ولهذا وجب أن تكون من أصول الأثمان كالذهب والفضة والنقود الرائجة.

ومال المنافع – مثل العمل – لا قيمة له وقت العقد، إلا أنه مال يتحصل عليه بالإجارة، وإن لم يوجد خلال العقد يستهلك جزء من مال الشركة في شرائه، فبوجوده توفر  مال الشركة لشيء أخر مثل الشراء وغيره مما يتحصل به على الربح. ويمكن تجاوزاً القول لأنه معدوم وقت العقد فهو معدوم وقت القسمة أيضاً فلا يعود لصاحبه، إلا ان له أثر في الربح يظهر في قيمة هذه المنفعة بزيادة الربح عما كان ليكون عليه لو استؤجر أجنبي أو من أجنبي على هذا العمل، أو بتقليل الوضيعة عنها كما سبق. وهذا قد يعنى أن صاحب المال قد استفاد من مال غيره بما قلّت به وضيعته، وهذا معنى المشاركة فهذا ليس ربا أو غرر فهو لم يأخذ مال غيره بل نقص ماله، وهو مثل المضاربة لو لم يضارب معه لاستأجره فإن خسر زادت الوضيعة عما كانت لتكون عليه في المضاربة. ولأن الوضيعة إن حصلت فتكون لأن هذه المنفعة لم يكن لها أثر وليس لها قيمة، ومن صفاتها أنها توجد وتنعدم، فلا يخسر صاحبها سوى قيمتها وهي معدومة في هذه الحالة لأنها تقاس بمعيار الربح وهذا معدوم. ولا يستحق شيء في حالة الخسارة لأنه خاطر بها على نصيب من الربح لا على قيمتها لأن هذه القيمة مجهولة ومعدومة عند العقد.

منفعة العمل المشارك بها

رأس المال هو المال المستثمر من أجل الربح والمعرض للمخاطرة فيحل لصاحبه كسبه بناء على قاعدة الغنم بالغرم. والربح هو الذي يتحصل عليه بالعمل في مال مع احتمال كونه موجباً أو سالباً فإذا كان سالباً يخسر المستثمر جزء أو كل رأس ماله. والإستثمار هو توظيف المال بقصد الحصول على ربح أو نماء مع تعرضه للمخاطرة، أما توظيف الأموال في الاجارة فهذا شراء ثم بيع منافع وقد يطلق عليه إستثمار أيضاً لأنه يعود على صاحب العين بعائد مستقبلي والمخاطرة ههنا في احتمال هلاك العين أو تغير السوق.

ورأس المال المشارك يشترط فيه تعيينه بوحدة لا تتغير بقدر يعتد به في مدة الإستثمار أو في الأمصار المتوقع التعامل فيها. ولهذا لا يجوز أن يكون إلا من أصل الأثمان. وهذا لأن رأس المال يعود إلى صاحبه وما يتبقى من المال هو الربح فإن جهل رأس المال جهل الربح وهو المعقود عليه في المشاركة وتفسد المشاركة بكل ما يؤدي إلى جهالة الربح.

والمال قد يكون نقداً رائجاً أو ذهباً وفضة أو عروضا وأعياناً أو منافع وحقوقاً. ولا يصلح من أن يكون رأس مال إلا النقد الرائج والذهب والفضة لثبات قيمها النسبي ولأنها معيار الأثمان. أما الأنواع الأخرى من الأموال فإنها لا تصلح لتغير قيمها مما يؤدي إلى الغرر الذي لا يسمح به إلا لو كان يسيراً وكانت للمعاملة حاجة وضرورة، فإن وجدت أصول الأثمان أو النقد الرائج فلا ضرورة لغيرها.

والذي يهمنا هنا هو المنافع، منفعة العامل والآلة والدور وغيرها. وهذه المنافع تستأجر وعوضها مال. ومن صفة المنفعة أنها معدومة وقت العقد وتنوجد خلال مدة العقد ثم تنعدم عند الانضاض ولو قدرت قيمتها المستقبلية وقت التعاقد يكتنف هذا التقدير غرر لأنه تقدير أجرتها وتقدير استيفاء منفعتها سواء بني التقدير على أساس المدة أو العمل. وعقد الاجارة على خلاف القياس لأن المنافع وقت العقد معدومة ولأنها من بيع ما لم يخلق، وإنما جوز الشارع هذا العقد استحسانا للحاجة إليها ولدفع الحرج ولمنفعة الناس. إلا أن التقدير فيه وقت التعاقد لا يتعدى تقدير الأجرة وتحديد المنفعة أو العمل ويشترط استيفاء المنفعة في المدة أو إتمام العمل المنوط إليها لاستحقاق الأجر، وتكون المنفعة ذاتها أو العمل مقصوداً في عقد الاجارة.

أما في المشاركة… فالعمل ليس مقصوداً، وهو مجهول وقت التعاقد، وإن عين بالوصف أو بالمدة لا يعرف أيستوفى أم لا، ومساواة المال المعلوم بتقدير مالية المنفعة قد يؤدي إلى الغرر، لهذا لا تصلح المنافع أن تكون رأس مال.

وللمنافع أثر لا ينكر على الربح، وهو لا يقل عن أهمية رأس المال، ولهذا … فقد جرت العادة على الاتفاق بين الناس أن يدفع الرجلان مالهما على أن يعملا معاً والربح بينهما… فإن تساويا في المال والعمل تناصفا الربح وهذه شركة العنان المجازة بالإجماع.

فإن تساوى المالين واختلف العمل… فمن الفقهاء من قال الربح بينهما ومنهم من قال للذي عمل أكثر نصيب أكثر ومنهم من قال يقتسمان الربح بينهما ثم يعود نو الفضل على صاحبه بنصف الفرق في أجري مثلهما. فمن ساوى بينهما قال العمل الأكثر تطوعاً؛ ومن قال للذي عمل أكثر نصيباً أكثر؛ قال هذا لأن الكسب يتحصل بالمال وبالعمل وبالضمان، ومن قال بالأجر جعلها على الاجارة.

وبالطبع كان الاختلاف لصعوبة تحديد نصيب العمل الإضافي من الربح، وهذا أيضاً يظهر في شركة الابدان جاء في المدونة(ص42) ما معناه أنه يجوز بين الصناع من نفس الصنعة في نفس الحانوت إذا تساوى أو تفاضل المال والعمل والربح بنسب واحدة:

فلا يجوز أن يقتسما الربح مناصفة أو أثلاثاً، إذا كان من أحدهما ثلث المال وعليه نصف العمل، وتجوز إن كان منه ثلث المال وعليه ثلث العمل وله ثلث الربح.

وجاء في صحفة  45 من المدونة:” أرأيت أن أشتركنا ثلاثة نفر لي بيت ولصاحبي الرحا ولصاحبي الآخر البغل على أن ما أصبنا من شيء فهو بيننا سواء وجهلنا أن يكون هذا غير جائز فعملنا على هذا فأصبنا مالا. فقال يقسم المال بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والدابة والرحا معتدلاً، فقلت فإن كان مختلفاً قال يقسم المال بينهم أثلاثاً لأن روؤس أموالهم عمل أيديهم فقد تكافؤا فيه ويرجع من له فضل كراء في متاعه على أصحابه. قلت فإن لم يصيبوا شيئاً قال يترادون ذلك فيما بينهم يرجع بذلك بعضهم على بعض إن لم يصيبوا شيئاً بفضل الكراء“.

وهذه الشركة قائمة على الاجارة بينهم، وهكذا ذهب أكثر الفقهاء عدا الحنابلة في مثل هذه المشاركات التي تجتمع فيها الأعيان مع العمل، واستحق فيها من كان له الأجر هذا الأجر سواء كان في المشاركة ربحاً أو وضيعة، وهذا صحيح لو أخرجت هذه المشاركات على الاجارة، إلا أنها لم تكن المقصودة ممن عملها، فمن دفع دابته إلى من يعمل عليها قصد الربح وليس الأجر، ومن عمل على الدابة كذلك، فيكون العمل أو المنفعة غير مقصودين كما هو الحال في الاجارة، ولن يعملها أيهما إذا كان سيغرم الأجر من ماله إذا لم يحصل الرزق. ولا فائدة للدابة عند من يريد نقل متاعاً بدون من يعمل عليها وكذلك لا فائدة من العامل بدون الدابة فاجتمعا على المصلحة وعدمها.

واستحقاق الأجر صحيح لو لم يكن له في الربح، فإن دفع دابته أو عمل بقصد الربح فقد بطل حقه في الأجر فهما لا يجتمعان، فإن قال خذ دابتي واعمل عليها والرزق بيننا فليس له الأجر بعد ذلك. وهما لو دفع كل منهما دابته وعملا معاً يكون الرزق بينهما جائزاً عند أغلب الفقهاء فيكون عدم الجواز للإختلاف ولاحتمال حدوث الغرر في توزيع الربح بينهما وليس لعدم جواز المعاملة ذاتها ولله أعلم.

حا في المدونة ص 49: ”أرأيت إن كان لي بغل ولصاحبي بغل فاشتركنا على الحمولة التي تحمل على البغلين، قال ما أرى بأساً إذا كانا يحملان جميعاً فيحملان على دابتهما لأن هذين يصير عملهما في موضع واحد وهذا مثل أن يتقبلا الشيء يحملانه إلى موضع واحد، وإن كان يعمل كل واحد منهما على حدته فلا خير فيه“.

ولهذا … فإن أمكن تحديد أنصبة الربح بتحديد التفاضل الصحيح في هذه الشركات فإنها – في رأينا – تكتون ملتزمة بالقواعد الصحيحة.

فلو فرضنا في شركة عنان يدفع أحدهما مائة ألف والثاني مائتي ألف رأس مال على أن يعمل الأول كل الوقت ويعمل الثاني نصفه فاتفقا – بناء على أجور مثلهم على العمل الذي سيقوم به كل منهما – أن أجر الأول في العام تسعة آلاف والثاني ستة آلاف وقررا أن يتركا أجرهما في المال مخاطرين به حتى يقتسما. فإن ربحا ثلاثين ألفا فالربح يعود إلى المال والعمل.

فإن قلنا يقتسما الربح بينهما ثلثا للأول أي عشرة آلاف وثلثين للثانى؛ أي عشرين ألفا، ثم يعود الأول على الثاني بثلثي الفرق بين أجور مثلهما وهو الثلاثة الآف فيكون له على صاحبه ألفان، فيكون للأول اثنا عشر، وللثاني ثمانية تكون القمسة خطأ، لأن أجر عمل الأول في مال الثاني ثلثي أجر مثله أي ستة الآف وأجر عمل الثاني في مال الأول ثلث أجر مثله وهي ألفين فيكون للأول على الثاني أربعة الآف فيكون حق الأول من القسمة أربعة عشر ألفا والثاني له ستة عشر ألفا، لهذا… لا يصح الرجوع بالفرق وإنما بالكل.

وهذا تقسيم صحيح لو قصدا إستثمار المال واستئجار كل منهما الآخر في ماله، وهذا ليس قصدهما وإنما قصدا إستثمار المال بالعمل فكان للمال ربح وللعمل ربح، فعندما خاطرا بالأجر… قصدا أكثر منه؛ فإن جاز لهما الأكثر… سقط حقهما في الأجر فيتحملا الخسارة في حدود الأجر، وهذه المشاركة لم يجزها الفقهاء عدا الحنابلة. إلا أن مشاركة العمل هي شركة أبدان يجوز لهما ما تكسبه لقاء العمل أو لقاء الضمان بتقبل العمل، ولم يقال فيها أن عليهما أن يعودا على بعضهما بأجر المثل وإن عادا… كانت النتيجة واحدة إذا كانت نسب توزيع الكسب بينهما هي نسب أجر مثليهما في العمل الذي قاما به، وليس صحيحاً إذا كان نصيب أحدهما لقاء الضمان حين تقبل العمل والآخر لقاء عمله وفي هذه الحالة نجد في مشاركة الأبدان اجتماع الضمان- كالمال- مع العمل.

وحيث أنهما قصدا المخاطرة بمنفعة عملهما… فلكل منهما نصيب من الربح أو كسب العمل بقدر تفاضلهما في المنافع المخاطر بها، فإن أخذنا المثال السابق… يكون للأول ثلثا ربح العمل وللثاني ثلثه، وربح العمل هو الجزء من ربح المشاركة العائد إلى العمل ويشمل قيمة منفعة العمل بمعيار نجاح المشاركة وربحها أو قيمة منفعة العمل كما تحددت بالنماء الحاصل في المشاركة ككل.

وهذا سيستدعي الاتفاق على نصيب المال ونصيب العمل من الربح، فإن قلنا نصيب المال من الربح هو ربح الفرصة المضاعة تحت ظروف إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة إلى أقل حد كالاجارة فنفترض شراء عقار بكل المال يكون عائده8% في السنة، فيكون عائد رأس المال أربعة وعشرين ألفا، وأجور مثل العاملين خمسة عشر ألفاً فيكون العائد عن العمل والمال إحدى وأربعين ألف نصيب المال منهم 61.5% ونصيب العمل 38.5% فإن ربحت مشاركتهم ثلاثين ألفاً كان ربح المال 18,461,5 وربح العمل11,538.5 فيكون للأول ثلث ربح المال وثلثا ربح العمل فيأخذ 13,077 وللثاني ثلثي ربح المال وثلث ربح العمل فيأخذ 16,923.

وإذا كانت في المال وضيعة تكون قيمة العمل معدومة، ويتحمل رأس المال الوضيعة بالحصص.

إذن… هناك طريقتان ولمقارنة النتائج… نعرض هذا الجدول:

 

الربح الحاصل

تقسيم الأرباح

مشــــــــاركـــة

على المـال والعمـل

الأول               الثاني

اجـــــــــــــــارة

على المـال والأجـور

الأول              الثاني

90,000

60,000

30,000

15,000

3000

(15,000)

39,231

26,154

13,077

6,538.5

1,308

(5,000)

50,769

33,846

16,923

8,461.5

1,692

(10,000)

34,000

24,000

14,000

9,000

5,000

(1,000)

56,000

36,000

16,000

6,000

(2,000)

(14,000)

         

وفي رأينا أن التوزيع الأول – مشاركة – يعدل بينهما في الربح والخسارة بنسب المال والعمل، فإن لم ينم المال لم تكن لعملهما قيمة فتقاسما الخسارة وفقاً لحصص المال، فلا يأخذ أحدهما من مال صاحبه. وتدخل عموم المنافع من منفعة العمل إلى منفعة الآلة والدار في حصة العمل بينما تبقى حصة المال وفق رؤوس المال.

وفي حالة ان اتخاذ القرار الذي يعول عليه نجاح الشركة أو فشلها يعود إلى أحدهما، فإما أن أجر المثل المقدر له سوف يعكس هذه القيمة أو أن يتفق له على معامل إضافة لتوفير حافز أكثر له.

وقد يقال إن الآلة تختلف عن الشخص لأن الآلة لا قدرة لها في زيادة الربح أو تقليله وإنماء يعود هذا إلى العامل، إلا أن الآلة لو دفعت أجرتها من المال يغرمها أصحاب المال إذا لم يكن ثمة ربح فإن قبل صاحبها أن يخاطر بأجرها استحق أكثر منه إذا وفر الربح. فهي في الحقيقة مال منفعة لا يصح أن تكون رأس مال لان رأس المال يجب إعادته وهذه تستهلك ولا تبقى إلا أن أثرها على الربح لا يختلف عن أثر المال فكانت مشاركة في الربح لا في رأس المال، عوضاً لصاحبها المخاطر بالأجر ولمصلحة الآخرين الذين لا يريدون أن يغرموا أجرها من مالهم.

وما سبق ليس مضاربة لعملهما معاً ولعدم توفر شرط التخلية – وإن كانت هناك تخلية بأن وكل كل منهما الآخر حق التصرف في المال – وإنما هو مشاركة ولا تتحقق المشاركة إلا بتحقق النماء عندما تكون لهذه المنافع قيمة لأنها تقاس بمعيار النماء. وليس في ما جاء شبهة ربا أو أكل مال بالباطل أو غرر أو جهالة أو غبن بأحدهما بل إنه تطبيق لمبدأ الغنم بالغرم.

وأهمية هذه المعاملات أنها تشجع الناس على التعاون والإستثمار بدون أن يتحمل أحدهما الخطر كله وحده إن جُبر أن يدفع أجر المثل لصاحبه سواء كسب أم لم يكسب.

وقد جاء في قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار- طبعة بولاق- القاهرة عام1299 هـ (جزء2ص258): ” وكذا في شركة البزاز حيث قال وإن لاحدهما ألف ولآخر ألفان واشتركا واشترطا العمل على صاحب الألف والربح انصافا جاز وكذا لو شرطا الربح والوضيعة على قدر المال والعمل من أحدهما بعينه جاز ولو شرطا العمل على صاحب الألفين والربح نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما اثلاثاً لأن ذا الألف شرط لنفسه بعض ربح الآخر بغير عمل ولا مال والربح إنما يستحق بالعمل أو المال أو بالضمان. لكن في مسئلة الشارح العمل على كل منهما لا على صاحب الأكثر فقط وهو صحيح سالم من الفساد كما سيصرح به. والحاصل أن المفهوم من كلامهم أن الأصل في الربح أن يكون على قدر المال كما قدمناه عن البحر إلا إذا كان لأحدهما عمل فيصح أن يكون أكثر ربحاً بمقابلة عمله وكذا لو كان العمل منهما يصح التفاوت أيضاً. تأمل قوله ثم يعقد شركة عنان وهي لا يلزمها أن يكون الربح فيها على قدر المال فلهما أن يتفقا على مناصفة الربح. قوله ثم يعمل المستقرض فقط أي بطيب نفس منه لا بشرط عليه لأن شرط الشركة أن يكون العمل عليهما كما قال على أن يعملا لكن الشرط إنما هو اشتراط العمل عليهما لا وجوده منهما، فإن العمل لايتأتى من اثنين فيصح أن ينفرد أحدهما به بعد أن شرط عليهما كما هو مقتضى عقد الشركة ويكون الربح بينهما على حسب الشرط لأن كلا منهما وكيل بما يعمله عن صاحبه فيقع شراء كل منهما بالأصالة عن نفس المباشر وبالوكالة عن شريكه لأن الشركة تتضمنها ويكون الربح على حسب الشرط كما تقدم في بابها“.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – من كتاب مفتاح الكرامة

في شرح قواعد العلامة (الجزء السابع)

1- جاء في مفتاح الكرامة ص415-416:” لو دفع إلى آخر دابة ليحمل عليها والحاصل لهما فالشركة باطلة …

فإن العامل قد أجر الدابة فالأجرة لمالكها وعليه أجرة مثل العامل …

أما الأول فلأنه عوض منفعة ماله. وأما الثاني فلأنه بذل عمل في مقابلة الحصة من الحاصل الذي كان يعتقد حصولها وقد فاتت بفساد الشركة فوجبت له أجرة مثله لأنه لم يتبرع بعمله وهذا هو الموافق للضوابط ولا أثر لسؤال المالك ولا العامل… وللعامل أجرة مثله إن رضي المالك وإلا اقتسما الحاصل على قدر أجرة المثل لهما لا على ما اشترطاه…

فإن قصر الحاصل عنهما تحاصا إن كان بسؤال العامل وإلا فالجميع، يريد أنه إذا كانت الشركة باطلة وقد أجر عين الدابة فأجرتها لمالكها وعليه للعامل أجرة مثله إن وفي الحاصل من أجرة الدابة باجرة مثله وأجرة مثلها أو زاد، أنه يدفع حينئذ إليه أجرة مثله ويختص هو بالباقي والصورتان تدخلان في صورة عدم القصور لكنهما نادرتا الوقوع، وإن قصر الحاصل عن الأجرتين تحاصا بمعنى أن الحاصل إذا قسط على أجرة مثل الدابة وأجرة مثل العامل قصر عن ذلك فان العامل يأخذ حصة من الحاصل بنسبة أجرة مثلة ان كان دفع المالك الدابة على هذا الوجه بسؤال العامل لانه قد رضى بأن يكون له حصة من الحاصل وإن نقصت عن أجرة المثل. ويندرج في ذلك ما إذا كان الدفع بسؤالهما لانه بسؤال العامل أيضا وإن لم يكن ذلك بسؤال المالك فالواجب للعامل جميع أجرة مثله وإن زادت على الحاصل.

هذا التفصيل من متفردات هذا الكتاب لانه لم يذكره في التذكرة ولا في التحرير ولا حكاه عن أحد من العامة. على أنا نجد فرقا وإما أن نقول أن المسئلتين تستويان في التحاص لان المفروض حصول رضاهما بذلك سواء كان بسؤالهما أو سؤال أحدهما، أو نقول أنه يجب للعامل أجرة المثل كائنة ما كانت لمكان فوات ما عين له ولا أثر في ذلك لسؤال أحدهما كما تقدم وهو الاشبه باصول المذهب وعن الشهيد انه احتمل وجوب أقل الأمرين من الحصة المشروطة والحاصل بالتحاص، أما الأول فلأنه رضى بها وأما الثاني فلمعارضة حق المالك ولا ترجيح واحتمل وجوب الأقل إن كان الدفع بسؤال العامل لأنه ألزم نفسه بذلك بسؤاله ووجوب الأكثر إن كان بسؤال المالك لأن المشروط إن كان أكثر فقد رضى به المالك وإن كان الحاصل بالتحاص أكثر فلفساد المشروط والحق إن هذا كله بعيد عن التحقيق كما جاء في جامع المقاصد“.

2- وجاء في صفحة 417: ”ولو دفع دابة إلى سقاء وآخر راوية على الشركة لم تنعقد وإن الحاصل للسقاء وعليه أجرة الدابة والراوية…

الاجماع على عدم انعقادها شركة لفقد أركانها لان هذه مركبة من شركة الابدان وشركة الأموال مع عدم المزج وصرح في المبسوط وغيره بعدم كونها مضاربة ولا اجارة فالحاصل للسقاء وعليه للأخرين أجرة مثل ما لهما لذلك العمل. وقد حكى في المبسوط والتذكرة والتحرير والإرشاد وشروحه والمختلف والروض والمسالك القول بأن الحاصل يقسم بينهم اثلاثا ويرجع كل منهما على صاحبه بثلث أجرته…

صحفة418: وإيضاح هذا القول وبيانه أنه يقسم الحاصل بينهم اثلاثا فإن كانت أجرة مثلهم متساوية فلا بحث، وإن كانت متفاضلة رجع كل واحد منهم بثلث أجرة مثله على الآخرين مضافا إلى الثلث الذي حصل له. فلو فرض أن الحاصل أثنا عشر درهما فانها تقسم على ثلاثة لكل منهم أربعة، فلو فرضنا أن أجرة المثل للسقا ستة دراهم وللدابة ثلاثة وللراوية ثلاثة، رجع السقا بثلث أجرته وهو أثنان على كل واحد من صاحب الدابة وصاحب الراوية، فيأخذ من كل منهما درهمين فيحصل عنده ثمانية ويبقى عند كل منهما درهمان، ورجع صاحب الدابة على السقا وصاحب الراوية بثلث أجرته وهو درهم فيحصل له أربعة، ويبقى عند صاحبه الراواية درهم واحد وعند السقا سبعة، ويرجع صاحب الراواية على كل من السقا وصاحب الدابة بثلث أجرته وهو درهم فيحصل له ثلاثة ولصاحب الدابة ثلاثة وللسقا ستة“.

3- وجاء في ص418: ”ولو كان من واحد دكان ومن آخر رحى ومن ثالث بغل ومن رابع عمل فلا شركة. يريد أنهم اشتراكوا على أن الحاصل بينهم على نهج مخصوص فالشركة فاسدة“.

وفي صحفة 419: ”ثم إن كان عقد أجرة الطحن من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فله الأجروأجمع وعليه لاصحابه أجرة المثل …

وإن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كل واحد منفرداً …

ولو استأجر من الجميع فقال استأجرتكم لطحن هذا الطعام بكذا فالأجر بينهم ارباعاً لان كلا منهم لزمه طحن ربعه ويرجع كل واحد منهم على كل واحد من أصحابه بربع أجرة مثله.

ولو كان قال استأجرت هذا الدكان والبغل والرحى والرجل بكذا لطحن كذا فالأجر بينهم على قدر أجرة مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته“.

وما سبق … يمكن حسابه بنسب تفاضل أو تساوي المنافع؛ فلو أخذنا المثال الثاني وقلنا أن العمل مجهول إلا أننا نعرف أن أجر العامل في مدة معينة ولتكن يوم هو ستة دراهم، وأجر الدابة هو ثلاثة دراهم في اليوم وأجر الراوية هو ثلاثة دراهم في اليوم، فأنهم ان استخدموا في عمل واحد فنسب تفاضل منافعهم هي 1:1:2 بالترتيب.

فإن تقبل العامل فهو يتقبل عمل قصد منه منافع الثلاثة معاً، فطالب العمل ليس له قصد في العامل أو في الراوية أو في الدابة وإنما يطلب الماء مسلماً في مكان معين، لإإن لم يشتركا معًا فلا فائدة في كل واحد منهم على حدة, والعامل ليس له غرض في استئجار دابة وراوية فيعملا نصف النهار ويغرم هو أجر النهار كله وهو لن يفعل هذا، وصاحب الدابة وكذلك، فكان اشتراكهم لمصلحة لهم لا تحدث إلا باجازة اتفاقهم. وفي هذا معنى شركة الابدان والامامية والشافعية لم يجيزوا هذا النوع من الشركات.

فلو قال استأجرت العامل والدابة والراوية بعشرة دراهم لنقل الماء إلى مكان كذا فنقل العامل الماء في الراوية على ظهر الدابة فالأجر بينهم على قدر أجرة مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته، فللعامل خمسة، ولكل من صاحب الدابة وصاحب الراوية درهمين ونصف.

فلو اشترطنا عليهم أن يتفقوا على أن يكون نصيب كل منهم من الكسب بقدر تفاضل أجور المثل فاتفقوا أن يقتسموا الكسب بينهم النصف للعامل والربع لصاحب الدابة والربع للراوية، كان هذا صحيحا عند الحنابلة وكان هو ما يشير به صاحب مفتاح الكرامة والعبرة بالنتائج.

والتقسيم الوارد في مفتاح الكرامة هو التقسيم الدقيق الذي يعيد لكل واحد عوض منفعته، فالعمل إن كان نصف نهار فقط نال كل منهم نصف أجر يوم، فلا ينال أحدهم من صاحبه شيئاً ويكون كسب كل منهم بعوض منفعة العين التي دفع بها أو العمل الذي قام به فعلاً. وقد قال يكون لرب الدابة ولرب الراوية أقل الأمرين من الأجرة والحصة أي ثلث الحاصل، ولأنه كان لهم الأقل فإن وفر الرزق فلهم الأكثر لأن الغنم بالغرم وكذلك العامل.

فإن عدنا إلى المشاركات التي قال بها الحنابلة… فالأولى أن يشترط في التقسيم على أن يكون بتفاضل حصص المنافع بعضها على البعض، وذلك أدعى للتعبير عن العوض الحقيقي فلا ينال أحدهم من مال صاحبه.

فإن قلنا إن الرزق بضمان تقبل العمل، فإن ضمن صاحب الدابة وصاحب الراوية للعامل منفعتها وتقبل العامل العمل بضمانه المبني على ضمان نفسه وضمانهما كان كسب كل منهما لقاء ضمان نصيبه؛ فيقتسم الكسب بالنصف للعامل والربع لكل من صاحب الدابه وصاحب الرواية؛ لأنه إذا هلكت الدابة… كان على صاحبها أن يبدلها وكذلك الراوية. والضمان يقع عليهم جميعاً؛ لأنه إذا لم يبدلها صاحب الدابة يستأجر العامل غيرها ويتم العمل ويقع الأجر من مال الكسب؛ أولاً من حصة صاحب الدابة فإن نقص… كان في حصص العامل وصاحب الراوية بنسبهما؛ فيكون الضمان بنفس النسب التي اتفقوا عليها، والله أعلم.

وإن أخذ باجازة الحنابلة لهذه المعاملة، لحاجة الناس لها فهي لا تتيسر بالاجارة بدون غرم أحدهم إلا أن تكون كما قال صاحب مفتاح الكرامة.

فيطلق عليها مشاركة كسب المنافع؛ لأن الحقيقة أن هذا يشارك بمنفعة عمله، وهذان بمنفعة أعيانها والشركة في الرزق وهو مال يمكن أن يشتركوا فيه؛ فإن لم يحصل رزق فلا شركة.

<< previous page next page >>

الفصل السابع – القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد ان يسلم رأس المال إلى صاحبه، فلا يكون ربح إلا بعد كمال رأس المال وما تبقى من المال بعد إعادة رأس المال يكون ربح المضاربة فيقسمانه على الشرط الذي اتفقا عليه.

ومن الأمور المهمة في المضاربة هو متى يملك ومتى يستحق أو يأخذ العامل نصيبه من الربح، والملك يقصد به هنا هو الملك الذي يعطي لصاحبه  الحق في المال ونمائه ولا يعطيه الحق في التصرف به خارج نطاق المضاربة، أي أن المال ماله الا أن تصرفه فيه مقيد بشروط عقد المضاربة فلا يجوز له أخذه من مال المضاربة إلا بعد القسمة، والاستحقاق هو الملك التام الذي يمنحه الحق في أخذ المال والتصرف فيه كما يشاء. والسؤال هو هل يملك المال بالظهور أم بالقسمة وتسليم رأس المال إلى صاحبه؟

قال ابن رشد (جزء 2 ص 237): ”ولا خلاص بينهم ان المقارض انما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال وانه ان خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح“.

ويقول ابن حزم في المحلى (جزء 8 ص 248): ”وما ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه. فإن لم يفعلا وتركا الأمر بحسبه ثم خسر في المال فلا ربح للعامل، وأما اذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه، فإن لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما وذلك مباح“.

ويقول ابن قدامة (جزء 5 ص 41): ”وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال، يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران وربح جبرت الوضيعة من الربح، وسواء كان الخسران والربح في مرة واحدة أو الخسران في صفقه والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى، لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح“.

وقد اتفق الفقهاء في كل المذاهب أن الخسارة في المال بعد تصرف العامل فيه تجبر بربح ما بعدها، إلا أن ينضض المال ويعاد ما بقى منه إلى صاحبه، فإن دفعه إلى العامل… كانت مضاربة جديدة لا يجبر ربحها خسارة السابقة. أما إذا كان التلف قد أصاب بعض المال قبل أن يتصرف العامل فيه… فإن المضاربة تفسد عند بعض الفقهاء في الجزء الذي هلك فقط، وتصح فيما سلم وبقى من رأس المال، فلا يجبر ربحه ما تلف قبل التصرف. وقال المالكية- وفي رأي عند الشافعية والإمامية- إن الربح يجبر ما تلف، إلا إذا أعاد العامل الباقي إلى رب المال فدفعه إليه رب المال مضاربة جديدة.

وقد قالت الحنابلة والزيدية والإمامية والشافعية في رأي لهم، إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وقالت المالكية والأحناف والشافعية في الرأي الأظهر عندهم، وفي رأي ثان عند الإمامية إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وللإمامية رأي ثالث… يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند إنضاض المال.

ومنع الأحناف والمالكية، وفي الرأي الأظهر عند الشافعية أن يأخذ أحد المتعاقدين شيئاً من الربح قبل القسمة، قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل فيه فربح، فأراد أن يأخذ حصته من الربح وصاحب المال غائب، قال: لا ينبغي له أن يأخذ منه شيئاً إلا بحضرة صاحب المال؛ وإن أخذ شيئاً… فهو له ضامن حتى يتحاسبا ويتفاصلا والمال غائب عنهما، حتى يحضر المال فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على شرطهما.

واتفق الفقهاء أن العامل لو أخذ نصيبه من الربح بعد القسمة بإذن رب المال والمضاربة مازالت بحالها، وحدث بعد ذلك خسر في المال لزمه رد ما أخذ من ربح؛ أي إن القسمة ليست انتهاء مضاربة وبدء مضاربة جديدة، ولا يكون هذا إلا برد المال إلى ربه واقتسام الربح بينهما وقبضه فتنتهي المضاربة. بينما قال الزيدية والظاهرية إن القسمة مانعة من استرداد الربح، وقالت الأحناف والمالكية بعدم جواز أخذ أحدهما شيئاً من الربح قبل القسمة وسلامة رأس المال.

مما سبق… نجد أن الصورة العامة لما تتفق عليه المذاهب هي كما يلي(والمذاهب التي أجازت ملك العامل للربح عند ظهوره تجيز بالطبع ذلك عند القسمة):

1- يجبر الربح خسارة ما سبقه، وتنجبر الخسارة من ربح ما سبقها، ما دامت المضاربة مستمرة ولم يقتسما المال، إلا أن تكون الخسارة قبل التصرف لسبب قاهري خارج عن إرادة العامل.

2- إن الربح لا يجب اعتبار تقديره والمال عروض، ولا يعرف إلا عندما يكون المال ناضا، فإذا أصبح المال ناضا وظهر فيه ربح، فإما أن يعاد رأس المال إلى ربه ويقتسمان الربح بينهما فيأخذ كل منهما نصيبه من الربح  وتنتهي المضاربة، أو أن يستمر العامل في المضاربة فيشتري ويبيع… فإن خسر يجبر ربح البيع الأول خسارة البيع الثاني.

وإن أصبح المال ناضا وظهرت فيه وضيعة، فإما أن يعيد العامل ما بقى من مال إلى ربه وتنتهي المضاربة، وإما أن يستمر العامل في المضاربة… فإن ربح جبر ربح التجارة الثانية خسارة الأولى.

3- يمتلك العامل ورب المال نصيبهما من الربح عند القسمة ورد رأس المال.

4- إذا أخذ العامل جزءاً من ربحه قبل القسمة وإن إذن له رب المال… كان هذا المال الذي أخذه بمثابة دين في ذمته وكان ضامنا له، حتى تتم القسمة ويرد رأس المال إلى صاحبه… فإن كان نصيبه من الربح أقل مما أخذ… فعليه أن يرد الفرق، وإن أصابت رأس المال وضعية رد كل ما أخذه.

5- إن المضاربة التي يتاجر فيها العامل عدة مرات, تعتبر مضاربة واحدة يجبر ربح تجارة فيها خسارة الأخرى.

6- تختلف النتيجة كليةًً إذا أعاد المضارب المال- سواء كان فيه ربح
أو خسارة- بعد كل تجارة وعند كل نضوض للمال فاقتسم مع رب المال, ثم دفع رب المال المال إليه قراض جديد ليتجر به, لا تنجبر خسارة تجارة بربح أخر، فيكون للعامل نصيبه من ربح كل المضاربات التي ربحت، ولا شيء عليه من وضيعة المضاربات التي خسرت.

ولو أخذنا بما سبق … نجد أن مصلحة العامل في إجراء القسمة لإنهاء كل مضاربة سواء كان فيها ربح أو خسارة، ومصلحة رب المال في الاستمرار إلى أن يحتاج المال، وللعامل حق إنهاء المضاربة كلما نض المال، فما الذي يدعوه إلى الاستمرار؟ قد يكون السبب خوف العامل ألا يدفع إليه رب المال المال مرة أخرى, فيستمر في العمل آملاً في تحقيق الربح إن كان خسر أول مرة أو زيادته لعدم ظنه الخسارة في التجارة الثانية. لكن رب المال له نفس الحق في إنهاء المضاربة وعند المالكية متى نض المال، وهو لن ينه المضاربة إن كان ينوي الاستمرار، فمصلحته أن يبقي كل الربح لتعويض ما قد يحدث في المستقبل من خسارة، ولا يعني هذا ظنه الخسارة لأنه إن ظن هذا… فلن يترك المال في يد المضارب، وإنماء لكون الربح الأول بمثابة عامل أمان ووقاية لرأس المال ومقصده… لم يزل في تحقيق الربح.

ورأى الحنابلة والإمامية وغيرهم أن العامل يملك الربح عند ظهوره أو عند إنضاض المال، والأغلب أن الحنابلة قصدوا بالظهور ظهوره عند إنضاض المال؛ لأنه إن لم ينض المال يكون الربح تقديراً جزافياً وهذا لا يعتد به لما يكتنفه من جهالة، هذا الرأي قد لا يتعارض مع الآراء الأخرى إن قصد غيرهم استحقاقه بمعنى أخذه من المال وهذا لا يحق له إلا بعد القسمة وإعادة رأس المال إلى صاحبه.

يقول ابن قدامة في المغني * (جزء 5 ص 57): ”لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح ولا نعلم في هذا خلافا، وأما ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرد الظهور قبل القسمة فظاهر المذهب أنه يثبت. هذا الذي ذكره القاضي مذهباً، وبه قال أبو حنيفة. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يملكه إلا بالقسمة، وهذا مذهب مالك. وللشافعي قولان كالمذهبين. واحتج من لم يملكه بأنه لو ملكه لاختص بربحه، ولوجب أن يكون شريكاً لرب المال كشريكي العنان“.

والربح مال حقيقي وقد جد فعلاً بعد التجارة الأولى، وهو مال يجب أن يكون له صاحب، والمضاربة هي عقد مشاركة في النماء، ومتى تحقق النماء … تحققت المشاركة فأصبح النماء مملوكاً بالشرط. أما استحقاق العامل حق التصرف فيه فيكون وفق شروط العقد، وهو بعد تسليم رأس المال إلى صاحبه، أما إذا قلنا أن المال مال المضاربة، وشركة المضاربة بشخصيتها الاعتبارية تملكه حتى تنفسخ أو تنتهي… لوجب إعادة صياغة أحكامها؛ لأنها مبنية على أن المال ملك رب المال، وأن العامل وكيل عنه في التصرف، فإن تحقق ربح فهي مشاركة في الربح، وهذا ما يجب أن يكون لطبيعتها الخاصة ولا يصح تغييره، وقال الحنابلة في المغني* (جزء 5 ص 57): ”أن هذا الربح مملوك فلا بد له من مالك، ورب المال لايملكه اتفاقاً، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يملكه للمضارب، ولأنه يملك المطالبة بالقسمة فكان مالكاً كأحد شريكي العنان. ولا يمنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب رأس المال من الربح، وبهذا امتنع اختصاصه بربحه. ولأنه لو أختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر مما شرط له ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه“.

جاء في كتاب الأم – المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، الطبعة الأولى 1321هـ (جزء 2 ص 235): ”قال الشافعي رحمه الله لا يجوز أن أقارضك بالشيء جزافا لا أعرفه ولا تعرفه. فلما كان هكذا، لم يجز أن أقارضك إلى مدة من المدد وذلك أني لو دفعت إليك ألف درهم على أن تعمل بها سنة، فبعت بها وأشتريت في شهر بيعا فربحت ألف درهم، ثم اشتريت بها كنت قد اشتريت بمالي ومالك غير مفرق، ولعلي لا أرضى بشركتك فيه، واشتريت برأس مال لي لا أعرفه، لعلي لو نض لي لم آمنك عليه أو لا أريد أن يغيب عني كله“.

فإن سلمنا بأن نصيب العامل من الربح مملوك له، وليس لأحد غيره ملك فيه، فإن له حقاً في نماء هذا المال إذا نما، فإن عمل بعد ذلك… كان هذا الجزء من المال منه والعمل منه، فكان له كل ربحه وعليه كل خسارته، فإن لم يكن له ذلك، فلمن يكون ورب المال لا مال له فيه ولا عمل؟ وقد يقال إن رب المال لن يصيب منه شيء أبداً، لأنه في حال الربح سيأخذه العامل، وفي حالة الخسارة … سيأخذ رب المال رأس ماله منقوصاً. وهذا ليس صحيحاً في حالة الربح؛ لأن الشرط في المضاربة التي عقداها أن العامل نصيبه من نسبة الربح العائدة إلى العمل، ورب المال يأخذ نسبة الربح العائدة إلى كل المال؛ فتشمل الجزء المخصص للمال من نماء الربح السابق للعامل، فيأخذ رب المال ما لا حق له فيه.

وبالطبع … لو اشترى العامل سلعة بنصف المال، وسلعة أخرى بنصف المال الثاني، تنجبر خسارة الأولى بربح الثانية، ولا حق أو ملك في ربح الأولى لأن المال لم يصبح كله ناضاً بعد، وكذلك لو أخر الثانية فاشترى بها بعد تنضيض الأولى وكذا؛ أي إن المال كله لم ينضض في وقت واحد، فنضوض كل المال شرط من شروط معرفة الربح، وهو لا يملك الربح إلا بظهوره ناضاً ومنفصلاً عن رأس المال.

فإن نض كل المال وظهر فيه ربح… فيمكن للعامل أن يقوم بإعلام رب المال باجتماعهما أو بالكتابة إليه بذلك، بحضور المال ل أو بحضور ما يفيد وجوده كوديعة في بنك وخلافه، فيقتسمان وإن اختارا استمرا وكان حكم الاستمرار حكم مضاربة جديدة… فإن أبقيا المال كما كان، يكون العامل شريكاً بربحه السابق ومشاركاً بعمله، وإن وزعا الربح فلرب المال أن يدفع رأس مال جديد إلى العامل في مضاربة جديدة، وللعامل أن يشارك في رأس مالها إن أراد ذلك دون شرط عليه.

جاء في كتاب الأم (جزء 2 ص 237): ”المحاسبة في القراض: قال الشافعي رحمه الله: وهذا كله كما قال مالك إلا قوله يحضر المال حتى يحاسبه فإن كان صادقا فلا يضره يحضر المال أو لا يحضره“.

ولا يوجد سبب يوجب عليهما- إن كان ما رغبا فيه هو مضاربة  جديدة – أن يتم تحويل المال من البنك إلى رب المال ثم إعادة تحويله مرة أخرى من حساب رب المال إلى العامل، وهذه تكاليف لا داع لها والعقود بالنيات والمقاصد، وطالما أنه ليست هناك شبهة في عدم وجود المال وأظهرته المستندات الثبوتية البنكية، وطالما أن الحساب النهائي والقسمة تم تثبيتها كتابياً، ثم عقدت المضاربة الثانية وفق الشروط الصحيحة، ولم يتخلل القسمة أو الحساب أو الاتفاق جهالة أو غرر أو ما قد يوشبها… فالأولى الاعتبار بها وإن لم يتم التسليم باليد، فهو قد تم حقيقة بالاتفاق والكتابة.

أما إذا وجد المضارب الخير في الاستمرار لعدم قدرته الاتصال برب المال، أو لأي سبب وجيه آخر يمنعه من ذلك… فله أن يستمر في المضاربة؛ فإن فعل تنجبر خسارة تجارة من ربح غيرها… إلا أنه يجب التنويه هنا أن من العدل اشتراط أن يعلم المضارب رب المال كلما نض المال إذا تيسر ذلك؛ وخاصة وإن المالكية قد قالوا إن العقد ملزم إذا كان المال عروضاً؛ فرب المال له حق في المال وقد يحتاجه، أو قد يعجل العامل بشراء العروض؛ ليبقى المال في يده إن هو خسر في أول تجارة. وإن كان العقد غير ملزم عند جمهور… إلا أن فسخه أصعب والمال عروض عن فسخه وهو ناض.

وموضع توزيع الأرباح بصورة دورية له بالغ الأهمية عند البنوك الإسلامية، لأهميته في إرضاء المودعين ولما جرت عليه العادة في هذا الزمان، والمودع وهو رب المال قد يحتاج الربح ولكنه يرغب في إعادة إستثمار ماله، والعامل من مصلحته إنهاء المضاربة عند كل إنضاض لحفظ حقه في الربح… إلا أنه يرغب أيضاً في الاستمرار، ومن طبيعة البنوك أنها تحبذ توزيع أرباح دورية لتجذب مودعين جدداً، ومتى اتفقت وصلحت النيات، يمكن الاتفاق بينهم- والمال ناضا في حساب البنك- على القسمة وبدء مضاربة جديدة، دون الرجوع إلى الشكليات كتسليم المال إلى المودع؛ لأن المال في الحساب البنكي هو أصلاً ملك المودع والبنك  وكيلا عنه في التصرف.

ولا يجوز بأي حال توزيع أرباح مضاربة  على المودعين أو العامل والمال أو بعض المال عروض، لما سيكتنف هذه التقديرات من جهالة ولأن الربح قد تعقبه خسارة… فإن أراد البنك توزيع أرباح تقديرية دورية إلى أرباب الأموال، فإما أن يكون هذا المال الموزع من احتياطي البنك كقرض من البنك يُسترد عند إعادة رأس المال، أو من رأس المال لأن رب المال له أن يسترد جزءاً من رأس المال برضى العامل في الرأي الأظهر، فينقص رأس مال المضاربة بهذا القدر، ولا يعاد إلا المتبقي منه عند إنضاض المشروع والقسمة، فيحتسب الربح بما يتبقى من مال المضاربة بعد إعادة رأس المال المنقوص. ولا يجوز توزيع أرباحاً تقديرية إلى البنك أو العامل؛ لأن لا مال لهما لأخذ ما دفع لهم إذا خسرت المضاربة في النهاية، ولأن المال الذي أخذاه ينقص رأس المال المضارب به وتقدير الربح لا يمكن الاعتبار به وبعض المال عروض.

وقد ذهب البعض- في عصرنا هذا- إلى الأخذ بتقدير الربح في الاستثمار الجماعي، ونحن إن كنا نتفق معهم في هذا فيما يتعلق برب المال، إما: بانقاص ماله أو بتضمينه لما أخذ والأصح إنقاص ماله، نجد أن تطبيقه فيما يتعلق بالمضارب لا يصح ولو بضمان منه برده إن كان في المال وضيعة فيما بعد؛ لأن المال يكون قد نقص فتقل التجارة ويقل الربح عما كان يجب أن يكون، إلا بالأذن الصريح من رب المال ويكون قرضاً للمضارب؛ فرب المال وحده له حق انقاص المال.

وأخيراً … تجدر الإشارة هنا إلى مسألتين لهما علاقة بهذا الموضوع، الأولى: أن الفقهاء قد منعوا خلط الأموال بعد بدء العمل؛ خاصة إذا اشترط رب المال هذا الخلط، حتى لا تنجبر خسارة مال من ربح الآخر فيصيب العامل ضرراً من جراء ذلك، وهذا مثل ما يحدث في المضاربات التي تتعدد فيها التجارة والأسفار دون قسمة.

والثانية: إن المضاربة منذ العصر الجاهلي حتى القرن الماضي، والتي تعلقت بسفر، مثل مضاربات قوافل الشام واليمن في الجاهلية والعصر الإسلامي ألاول… كان التاجر يأخذ المال في مكة؛ فيشتري بضاعة يتجه بها إلى الشام فيبيعها وينضض المال، فيستحيل عليه أن يقتسم وصاحبه في مكه، فيشتري بضاعة من الشام يحملها إلى مكة فيبيعها فينضض المال ثم يذهب إلى صاحبه فيعيد له رأس ماله، ويقتسمان الربح على شرطهما. وهو إن ربح في تجارة الذهاب، وخسر في تجارة الإياب جبر ربحه الأول الخسارة التالية، فليس هناك سبيل آخر للقسمة إلا أن تكون كلمة المضارب مصدقة، وهذا قد يؤدي إلى النزاع والخصام، وقد يستغله بعض النفوس الضعيفة من أصحاب العمل، ولو نظرنا إلى المصلحة العامة… لوجدنا أن اعتبارها مضاربة واحدة هو الصحيح في هذه الظروف، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء، فالمصلحة تفوق احتمال الضرر والذي قد يندر حدوثه لما سبق ذكره عن ربح هذه المضاربات شبه المؤكد، وفي حالة الربح… فإن الفرق متناه في الصغر ولا يعتد به إذا كان في تجارتين أو ثلاث.

أما… وقد تيسر الاتصال الهاتفي والبرقي وقربت المسافات بوسائل السفر الحديثة، فلا سبب يدعو لعدم حساب كل تجارة على حدة، إذا كان هذا ما يرغبه العامل عند كل إنضاض، ولم يمنعه أحد من الفقهاء عن هذا وإنما اشترطوا عليه أن يعيد رأس المال أو ما تبقى منه.

والمقصود من إعادة رأس المال في الأغلب، هو التأكد من وجوده، وإعطاء رب المال كامل الحرية في أخذه أو دفعه مرة أخرى إلى العامل في مضاربة جديدة، وربما بشروط جديدة أيضاً، وهذا يمكن إثباته فالمال الناض سيكون في حساب البنك.

جاء في المغني لابن قدامة * (جزء 5 ص 61 – 62): ”قال يقاسمه ما فوق الألف، يعني إذا كانت الألف ناضة حاضرة إن شاء صاحبها قبضها، فهذا الحساب الذي كالقبض. فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية. كما لو قبضها منه ثم ردها إليه“.

ورب المال متى أُعلم بنضوض المال له أن يعزل العامل أو يتفق معه من جديد. وهذا يمكن في المضاربة الثنائية أو الثلاثية، أما المضاربة التي يكون فيها أرباب المال هو مودعو البنك… فسيتصل العامل بالبنك ثم على البنك أن يتصل بعدد كبير من مودعيه، وهذا غير عملي، ولهذا… يتوجب على البنك أن يحصل على هذا التفويض عند العقد معهم؛ فيصنفهم وفقاً لأقل المدد التي يرغبون فيها استثمار أموالهم بناء على حاجتهم المستقبلية لها، فيجمع كل من استثمر لمدة واحدة في مضاربة واحدة، ويجب التنويه أن العقد غير ملزم ولهم فسخ المضاربة في أي وقت، إلا لو أخذنا برأي المالكية.

ولو قلنا إن اجتماع المودعين كرب مال المضاربة هو – في الحقيقة – شركة الغرض منها توظيف المال في المضاربة؛ إن المودعين يمكن أن يعقدوا شركة بينهم يكون البنك شريكاً فيها بسهم من رأس مالها، ويكون له التصرف والإدارة لقاء نصيب من الربح، فيدفع المال مضاربة إلى العامل ويكون تصرفه في المضاربة تصرف رب المال، وتكون هذه الشركة- والممثلة بالبنك- هي رب مال المضاربة وليس المودعين. وقد كره المالكية اجتماع شركة مع المضاربة بينما أجازها غيرهم من الفقهاء، جاء في المدونة (جزء 4 ص 58): ”وقال مالك لا يصلح أن يقول: أقارضك بألف على أن تخرج من عندك ألف درهم أو أقل أو أكثر على أن تخلطهما بألفي هذه تعمل بها جميعاً، فكره مالك هذا“. وقد علل المالكية ذلك بأن الشراء يكون أكثر، فيزداد الربح والفضل، فيصير رب المال الذي دفع المال قراضا قد جر إلى نفسه منفعة غيره، ونرى فيه اشتراط من قبل رب المال تفسد معه المضاربة.

وهذا يدور بين رب مال وعامل، ومنفعة الشراء الأكثر تعود على المالين، وفيه اشتراط من رب المال على العامل الذي رخصت المضاربة معه لعمله لا لماله. ولم يمانع الأحناف والشافعية والحنابلة اجتماع الشركة والمضاربة في عقد واحد، وقصدوا بذلك في الأغلب أن يكون المال من رب المال ومن المضارب، أو بين أرباب مال.

إلا أن الشركة هذه قد تعطي البنك تفويضاً أكثر مما تحتمله طبيعة علاقة المودع بالبنك، ويتم التعاقد بين أطراف الشركة باجتماعهم وهذا لا يحدث هنا، ولهذا… فالحل الوسط المناسب يكمن في الاكتفاء بتفويض البنك بالدخول في مضاربات متعددة متتالية، ويشمل التفويض تصرف البنك بإنهاء المضاربة والبدء بمضاربة أخرى جديدة، ومتى تم هذا يمكن للبنك توزيع أرباح المضاربة الأولى على مودعيه أو دفعها مع رأس المال كرأس مال جديد في المضاربة الجديدة، وهذا يتوقف على اتفاق البنك مع المودع في عقد الإيداع الأصلي.

أما عن عادة البنوك توزيع أرباح دورية بمعدل ربح واحد إلى كل مودعيها … فهذا يتنافى مع مفهوم المضاربة… فإن كان لابد منه… فيكون إنقاصاً للمال؛ حتى يثبت الربح ويتحقق بالتنضيض، وتوزيع معدل ربح واحد لكل مودعيه يعني بالضرورة أن هذه الأموال قد استثمرت في نفس المضاربات، وهذا لا يصح إلا لو كان الإيداع في وقت واحد، وهذا لا يقبله المنطق السليم، ولهذا… يجب أن يكون توزيع الربح عند انتهاء المضاربة ووفقاً لنصيب أرباب المال من المضاربات التي وزع عليها البنك أموالهم وليس من معدل نتائج استثمارات البنك ككل. فإن نتج عن هذا أن ربح بعضهم أكثر من بعض… فهذه هي المضاربة، ولا يصح تكييفها لإرضاء الناس، وعلى البنك أن يصدر كشف حساب بنكي لكل مودع يظهر فيه حسابه في صورة تبين أسماء المشروعات التي دفع ماله مضاربة فيها ونسبة ماله إلى رأس مال كل مضاربة، والتاريخ الذي دفع بالمال إليها، ونسبة نصيب رب المال من ربح كل مضاربة، فإن انتهت إحدى هذه المضاربات… بين في الكشف الذي يلي تاريخ انتهائها والربح الذي تحقق ونصيبه منها. ويجب إعلام المودع  صفة ما يوزع عليه بصورة دورية؛ فيبين الربح الذي تحقق فعلاً من الجزء الذي أُنقصَ به رأس ماله.

النماء الطبيعي والربح في المضاربة:

قال الظاهرية وكثير من غيرهم من الفقهاء إن النماء الذي يشارك فيه بين رب المال والعامل هو النماء الناتج عن العمل في المال، أما النماء الطبيعي فهو تبع للملك وهذا للمالك، كولد الماشية وثمر الشجر؛ لأنه شيء حدث في ماله، وإنما للعامل من حظه من الربح فقط، ولا يسمى ربحاً إلا ما نمى بالعمل فقط.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

العـمـل

جاء في مقال الدكتور مشعل دخيل المشعل في مجلة البنوك الإسلامية: يعرّف الخطيب العمل بأنه: الجهد الذي يبذله الإنسان لتحوير وتبديل طبيعة أو استخدام شيء ما. هذا العمل قد يكون جسديا ويعتمد على القوة العضلية مثل عمل المزارع في الحقل , أو ذهنيا بالدرجة الأولى مثل عمل مراجع الحسابات أو الكاتب, وقد يكون الجهد خليطا من الاثين الجسدي والعقلي ومثال ذلك عمل الطبيب الجراح.

ويعرف المصري العمل بأنه مجموع الجهد الإنساني عقلي أو بدني أو كلاهما لخلق منفعة اقتصادية أو لزيادة قيمة شيء موجود أصلاً .ويعرف الشرباصي العمل في قاموسه بأنه خلق الشيء . (عدد69ص56)

فالعمل المنتج هو جهد إنساني – عقلي بالدرجة الأولى- وقد يستخدم فيه القوة العضلية وما سبق خلقه بجهد إنساني من امتدادات للقوة العضلية والقوة العقلية – وينتج عنه تبديل لحال الأشياء المخلوقة أو إضافة لموجود.

فالنجار يبدل بعمله الخشب إلى منضدة، والحفار يبدل حال الأرض؛ فيخفض جزءاً منها فيرتفع جزء آخر؛ فالعمل لا ينقص ولا يزيد شيئاً في هذا الكون؛ فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في كونه، لا شيء ينفى وإنماء يتحول من صورة إلى أخرى، إلا أن العمل المنتج يخرج المنافع المكنونة في الأشياء بتبديل حالها أو تبديلها وتجميعها، أو أن يكون العمل ذاته مقصوداً كالخدمات أو الفنون التي تضيف إلى سعادة الآخرين.

وحتى الآلة التي تعمل بالعقل الالكتروني بدون سائق تحتاج إلى من يبرمجها على العمل، ولا يخلو عمل من القدرتين العقلية والبدنية، وإن أمكن تقليل الأخيرة إلى الحد الأدنى لها.

وليس في قدرة العمل أو الفكر الإنساني خلق شيء جديد؛ فالخلق يستوجب أن يوجد الشيء من لا شئ. وهذا من صفات الله سبحانه وتعالى وحده، وما يقصد من الخلق هنا إنما هو تبديل طبيعة الأشياء؛ فيصنع شيئاً جديداً من الطبيعية المخلوقة، والتي سخرها الله للإنسان، والإنسان يقدر على استخراج المنفعة المكنونة أو استخدام الموارد والقوانين الطبيعية لما فيه منفعته، ومن صفات الكون الثبوت الكلي والتغير الجزئي الدائم، فكل زيادة يقابلها نقصان، وأنعم الله على الأرض فكانت تأخذ في هذا الكون ولا تعطي، تأخذ من الشمس طاقة مستمرة بقدر. وكان من صفات الأشياء التغير، منها ما تحسبه جامداً وهو متغيراً بمعدل بطئ، ومنها ما يتغير كل يوم، وله دورة من الوجود إلى النماء إلى الأُفول، ومنها ما يكون نماؤه طبيعي، ومنها ما يحتاج إلى بذل الجهد والعمل، وإنماء الأشياء من عمارة الأرض إلى الزراعة إلى نماء المال بكل صوره وغيرهم، هو ما يتحصل بالعمل المنتج.

وقد حلل الإسلام  لمالك المال الحق في إنماء ماله، سواء كان هذا النماء طبيعياً أو ناتجاً عن العمل، فإن كان النماء طبيعياً… كان له كل نمائه بالضمان، أي بتحمله وحده النتيجة المترتبة عن هذا الإستثمار؛ فإن هلك المال فعليه وإن نما فله، أما إذا كان النماء لا يتحصل إلا بالعمل، فإن عمل الرجل في ماله فنما استحق نماء ماله لقاء المال والعمل الذي قام به بنفسه، وإذا دفع المال لغيره ليعمل فيه مضاربة… اقتسما النماء الذي حصل بالمال والعمل، ويكون كسب كل منهما حلالاً ؛ لأنه نظير عوض، هذا لقاء ماله الذي نما وبالضمان أي بتحمله الخسارة إذا اصاب المال وضيعة؛ وذاك لقاء العمل… فإن دفع له أجراً صار أجيراً، فلا يطيب لمن أخذ الأجر الربح فوق ما أخذ من الأجر إذا كان الربح دون عوض.

والعمل الإنساني قد يصدر عن العامل وحده، وقد يصدر عن العامل وما يملكه فيشمل قدرته الفكرية والبدنية، وقدرة الآلة المضافة إلى قدرته العضلية، أو قدرة الكمبيوتر المضافة إلى قدرته العقلية، أو كل هذه القدرات معاً؛ مما يمكن أن نطلق عليه قدراته الممدتة.

وليس الإنسان وحده الذي يعمل، فالآلة تعمل والكمبيوتر يعمل، وكل منفعة تقاس على العمل إن استحقت الأجر؛ فالعمل والمنفعة يلتقيان في أن كلاً منهما يمكن أن يكون العوض فيه هو الأجر، أو المشاركة في النماء إن اجتمعا في عامل وآلة ونتج عنهما إنماء مال.

فإن ضارب العامل فإنه إما يضارب بفكره فقط، أو بفكره وقوة بدنه، أو بقدراته الممتدة الشاملة لما يملكه من أعيان لها منافع.

عمل المضارب في عقد المضاربة

عامل المضاربة هو من يملك القدرة على القيام بأعمال أغلب الظن أن ينتج عنها نماء رأس المال النقدي، ويكون من أثر هذا العمل تبديل المال من حال إلى حال أكثر من مرة حتى يعود إلى حالته الأولى… فإن كثر عما كان عليه فيكون نما، وإن قل يكون قد أصابته وضيعة، وقد فصل الفقهاء هذه الأعمال – وهم قد حصروا المضاربة في التجارة – كما يلي:

ما يقوم به المضارب من عمل، وما له، وما عليه يكون بما جرت به عادة التجار.

جاء في الفقه الحنفي  في المبسوط: وله أن يستأجر معه الأجراء  يشترون ويبيعون، ويستأجرون البيوت والدواب للأمتعة التي يشتريها، لأن ذلك من صنع التجار، فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح، وللمنافع حكم المال عند العقد، والإجارة والاستئجار تجارة من حيث أنه مبادلة مال بمال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 88): ”وله أن يستأجر من يعمل في المال لأنه من عادة التجارة وضرورات التجارة أيضاً لأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه“.

وجاء مثله الفقه الشافعي في مغني المحتاج من أن العامل يتولى ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه كنشر الثياب وطيها وذرعها، وان ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه،
وما لا يلزمه يستأجر عليه من مال القراض.

وجاء في الفقه المالكي في الدردير الكبير: وعليه أي العامل ما جرت العادة أن يتولاه كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر في ماله ان استأجر على ذلك، لا في مال القراض ولا في ربحه. وإلى هذا ذهب كل من الحنابلة والإمامة والزيدية.

 وجاء عند الحنابلة في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، من نشر الثوب وطيه وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده، وشد الكيس، وختمه وأحرازه في الصندوق ونحو ذلك. ولا أجر له عليه، لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك فالأجر عليه خاصة. لأن العمل عليه فأما ما لا يليه العامل في العادة، مثل النداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل عمله،  وله أن يكتري من يعمله. نص عليه أحمد. لأن العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف. فإن فعل العامل ما لا يلزمه فعله متبرعاً فلا أجر له، وإن فعله ليأخذ عليه أجراً فلا شيء له أيضاً في المنصوص عند أحمد، وخرج أصحابنا وجهاً: أن له الأجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه، هل له أجر لذلك؟ على روايتين. وهذا مثله، والصحيح: أنه لا شيء له في الموضعين. لأنه عمل في مال غيره عملاً لم يجعل له في مقابلته شيء فلم يستحق شيئاً كالأجنبي“.

وجاء في فقه الشيعة الإمامية في شرائع الأسلام (جزء 5 ص137): ”أن العامل إذا أذن له رب المال في التصرف تولى باطلاق الاذن كل ما يتولاه المالك من عرض القماش والنشر والطي وإحراز المال، وقبض ثمنه، كما يقوم بإيداع المال واستئجار من جرت العادة كالدلال والوزان عملا بالعرف“.

وجاء في فقه الشيعة الزيدية في الروض النضير (جزء 3 ص 646): ”أن للعامل أن ينفق من مال القراض ما يحتاج إليه المال من كراء أو جباء وأجرة دلال وغير ذلك مما تتطلبه التجارة ويقضي العرف به“.

فالعامل إذا استلم رأس مال المضاربة… تصرف فيما يتصرف فيه التجار عادة، فله أن يشتري به البضاعة التي يرى الخير في المتاجرة بها، وله أن يستأجر العمال والمخازن ووسائل النقل وكل ما  تحتاجه التجارة وما يتم به نجاحها. أما ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه… فعليه أن يقوم به بنفسه، وليس له أن يستأجر لذلك الأجير، وذلك كاستلام البضاعة وعرضها وتنظيمها وبيعها وتصديرها، وتحرير العقود وإيداع الأموال وغيرها مما جرت عليه العادة. فإذا استأجر لهذه الأعمال عاملا، وكان بوسعه أن يقوم بها بنفسه، لزمته الأجرة من ماله الخاص، أما ما لا يلزمه من العمل… كان له أن يستأجر عليه من مال المضاربة، وقد اتفق الفقهاء السابقون على هذا.

وقد وصف الفقهاء هذه الأعمال من باب التوضيح لا الحصر وحددوها بكل ما جرت العادة عليه، وجاء في وصفهم ما يلي: نشر الثياب وطيها وذرعها وعرضها على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده وشد الكيس وإحرازه في الصندوق وإيداع الأموال ونحو ذلك، وكل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، وأن ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه، وإن استأجر على  ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربح القراض.

ووصف الفقهاء أيضاً ما يحق له أن يستأجر، أو يستأجر عليه من مال المضاربة، من باب التوضيح أيضاً لا من باب الحصر: الإجراء ممن يشترون ويبيعون، والبيوت والدواب والسفن، والدلال والوزان وغير ذلك مما لا يلزمه من العمل، أو لا يمكنه بنفسه، وتتطلبه التجارة ويقضي به العرف.

ومن الواضح أن الأعمال التي على المضارب أن يقوم بها بنفسه، هي ما جرت العادة عليه، و ما يلزمه من العمل، وهذا يعني أن على المضارب أن يقوم بنفسه بالأعمال التي جرى العرف أن يقوم بها التاجر ويقدر أن يقوم بها بنفسه، وأن يقوم بنفسه أيضاً بالأعمال التي اتفقا في العقد على أن يقوم هو بها وربما في حدود هذا العرف. وهو إن استأجر من يقوم على أي من هذه الأعمال … يكون الأجر في ماله وليس في مال المضاربة أو ربحها، أي إن مسؤولية هذه الأعمال تقع على عاتقه وحده والعوض له عليها من ربحه؛ أي من ربح العمل.

ومن عادة التجار العاملين في سوق معينة  أن يكون لهم متجر وربما ناقلة ومخازن، وقد تكون المضاربة مع شركة تجارية تملك متاجر متعددة وسيارات ومخازن، وقد نتج عن امتلاكها هذه الأعيان زيادة قدرتها على التجارة الناجحة فتوجه إليها أرباب الأموال.

وما جاء عن الفقهاء فيما سبق، بما يتعلق بمبادلات بين العامل وطرف أجنبي عن العقد، ولم يصرح إذا كانت الأجرة على العمل أو المحل أو وسيلة النقل تجوز لأحد طرفي المضاربة، من صاحب مال أو عامل، ونعلم من مضاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بمال السيدة خديجة رضي الله عنها، أنها أرسلت معه غلامها ميسرة ليساعده، وقد نجزم أنها لم تأخذ من مال المضاربة أو الربح أجر عمل ميسرة. وكما ورد في المضاربة… فإن رب المال يجوز له المساعدة برضى العامل من قبيل الإعانة، رب المال قد يدفع بآلة أو بمتجر أو بعماله تطوعاً؛ فإن طلب أجر المثل… كان هذا اشتراطاً على المضارب قد تفسد معه المضاربة، وعوض رب المال عما دفع إلى المضارب يكون في الربح، فلهما أن يتفقا على نسب توزيع الربح بينهما، فإن دفع رب المال مساعده أو داراً أو آلة وكانت للمضارب حاجة لها وقبل بها؛ يكون لرب المال من الربح أكثر مما يكون له، لو لم يدفع سوى رأس المال… فإن تطوع فالربح سيكثر على أي حال لتطوعه.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 86): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً، ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال أو يسكن رب المال دار المضارب فهذا لا يجوز، لأنه إذا شرط البيع في أحد  الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان ولم يعقد على منافع الدار“.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه داراً ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز. نص عليه أحمد في رواية صالح، وإن استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته ففيه روايتان. إحداهما الجواز لأن ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز أن يستأجر له الحيوان كمال الأجنبي. والأخرى لا يجوز لأن هذه لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك، لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر، فإذاً لا تجب الأجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيهما إيقاع العمل إنما توجب الأجرة بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه“.

وجاء في نفس المرجع السابق في باب المساقاة ص 404: ”وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الإستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة لم يصح لأن العمل عليه فإذا شرط أجره من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول. ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم، لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كمسألتنا“.

ولو نظرنا إلى العامل الذي يمتلك دابة أو وسيلة نقل أو دكاناً ودور ومخازن، ويريد استعمالها بدلاً من أن يستأجر من طرف أجنبي، فهذه يمكن تصور عوض منافعها كرأس مال مشارك به، أو كأجرة أو كنصيب من النماء.

أولاً – عوض المنافع كرأس مال مشارك به:

ما تقدمه هذه الأشياء إلى المضاربة منافع، والمنافع لا تصلح أن تكون رأس مال، إلا أن تكون مشاركة منافع. والمضاربة فيها رأس مال مدفوع، ولا تصلح مشاركة المال مع المنافع كرأس مال؛ لأن رأس المال يمكن أن ينقص، بينما تبقى أعيان هذه المنافع على حالها، وخسارتها محدودة بما يستهلك منها، وإن قيل إن المشاركة في رأس المال تكون في هذا القدر، يصعب تحديد قيمة هذا القدر وقت التعاقد، إلا أن تحدد بأجر المثل، وأجر المثل فيه ربح ولا تصح لأحدهما أن ينال شيئاً من الربح قبل القمسة.

والأجر لقاء منفعة غير موجودة وقت التعاقد، ويشترط استيفاؤها لتستحق الأجرة، والأجرة لا تملك بعقد الإجارة عند الأحناف، قال أبو حنيفة ومالك رضي الله

عنها: ”أنها تجب جزءاً جزءاً بحسب ما يقبض من المنافع“.

والاجارة عقد يشترط فيه معرفة المنفعة وبيان مدتها أو العمل المطلوب وتكون إما بشرط تجصيل الغاية المقصودة، وإما بضرب الأجل، وهذا لا يتحقق في عقد المضاربة لأن العمل في المضاربة مجهول وقت التعاقد وليس مقصوداً لذاته، والغاية في المضاربة هي نماء المال، وهذا مجهول أيضاً.

والاجارة عقد لازم عند الجمهور – إلا الأحناف – وليس لأحد الطرفين فسخها، والمضاربة عقد غير لازم، وليس من المنطق الصحيح الجمع بين عقد غير لازم وعقد لازم.

ولكل ما سبق… لا يصح أن تكون المنافع رأس مال للمضاربة.

ثانياً- عوض المنافع كأجرة في عقد إجارة:

الإجارة هي عقد بيع منفعة، وقد أشرنا في المضاربة إلى شراء العامل من مال المضاربة، والمضارب وكيل، البيع وجه خأخرأ×رأ×رأخر للشراء، وكما جاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لآن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة وبين الغرضين مضادة“.

وهي إن كانت أجرة، تستوفى من مال المضاربة أثناء العمل، فيكون العقد إما بين المضاربة – ككيان منفصل له شخصية إعتبارية – والعامل، أو بين رب المال والعامل، والأغلب ألا تصح في الحالتين لما يلي:

‌أ-   إذا كان عقد الاجارة بين المضاربة والعامل… فإنه يشترط فيه الايجاب والقبول، وهذا يدور بين الوكيل- له مطلق الحرية في التصرف – ونفسه، فلا يصح، جاء في كتاب ضوابط العقود للدكتور عبد الحميد البعلي (ص107-108):

”الأصل في العقود التي لا تتم إلا بتوافق إرادتين أن يتعدد العاقد. ويضيف الدكتور البعلي: أما ما عدا عقد النكاح من عقود المبادلة التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين فالاًصل فيها كما سبق تعدد العاقدين لأن الحقوق فيها ترجع إلى العاقد سواء أكان يعقد بالأصالة أم بالنيابة وهي حقوق متقابلة في زمان واحد والقول بغير ذلك يؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلما وطالبا ومطالبا وهذا محال، ولذا لا يصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً من الجانبين في البيع وشباهه، ويصلح رسولاً لأن الرسول لا تلزمه الحقوق، وكذلك يصح أن يتناول القاضي العقد من الجانبين لأن الحقوق لا ترجع إليه. ويضيف الدكتور البعلي استثناء الفقهاء شراء الأب مال ولده لنفسه وبيع ماله من ولده، والوصي المختار من الأب أو الجد إذا عقد لنفسه من مال اليتيم إذا كان فيه نفع ظاهر وإلا فلا ومنعه محمد من الحنفية لأن القياس يمنع ذلك“.

‌ب- وبفرض أن الإتفاق على عقد الاجارة يتم بين رب المال والعامل… فمن طبيعة الإتفاق توفر الإرادة الحرة والقدر على المساومة، بينما لا يحق لرب مال المضاربة التدخل في قرار العامل، سواء أكان في وصف العمل أو تحديد المنفعة أو الغاية أو بيان المدة. والعامل له مصلحة في زيادة الأجر كمؤجر، وله أيضاً مصلحة في انقاصه كمضارب ليزيد ربح المضاربة الذي له فيه نصيب، وفي هذا تضاد مصالح. بينما رب المال مصلحته في تقليل الأجر، لزيادة ربح المضاربة من جهة، وخوفاً من هلاك ماله من جهة أخرى، وهو في الأغلب لا يملك خبرة المفاوضة والاستئجار، وبدفعه المال مضاربة… قد أسلم هذه الأمور إلى العامل معترفاً بحذقه ومهارته.

فإن اتفقا على الأجر… فسيكون نظير المدة لأن العمل مجهول، فيكون كذا في الشهر أو في اليوم. وعقد الاجارة وهو عقد بيع منافع، ومن طبيعته تأجيل استيفاء المنفعة لأنها تتحقق خلال مدة العقد، ويشترط لاستحقاق الأجر استيفاء المنفعة أو تسليم العين مشتملة على المنفعة، فيكون على رب المال- الطرف المستأجر- استيفاء المنفعة، وهذا سيعطيه حق الإشراف للتأكد من الحصول على المنافع، وهذا لا يجوز في عقد المضاربة وقد يؤدي إلى النزاع.

وهو إن رأى أن يستأجر غيرها مما هو أقل منها تكلفة يكون هذا تدخلاً في عمل المضارب لا يصح منه في عقد المضاربة، وماذا لو كانت العين المستأحرة مشتركة مع الغير كجزء من متجر، لا ينضبط الأجر فيه إلا بتحقق الغاية، ورب المال لا مقصد له إلا النماء، فإن حددا الغاية… فالعامل من يقرر تحققها إلا أن تكون في النماء.

‌ج- وفي الأجر ربح للعامل، ولا يحق لأحدهما أن ينال ربحاً من المضاربة قبل القسمة، وقد يكثر ما يؤجره العامل للمضاربة ويكثر ربحه منه؛ فيعادل أو تفوق أهميته للعامل أهمية ربح المضاربة عنده، فيقل الدافع لديه لتحقيق أعلى ربح للمضاربة. وهو أن أستأجر من نفسه… فإنه قد يتغاضى عن بعض العيوب التي قد تبطأ العمل والتي قد تظهر فيما استأجر، كوسيلة النقل أو الدابة.

ومنع أو كره الإمام مالك اجتماع القراض والإجارة؛ مما يمكن الاستدلال عليه في ما جاء في كتاب فقه المضاربة(ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الإستذكار، للإمام ابن عبد البر: قال مالك: ”لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحداهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الاجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجرا لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل، لان المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً أجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لانه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة ولا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

ويضيف السرخسي في ص 150: ”ولذلك إذا شرط ذلك الأجر لعبد له يعمل معه في المضاربة أو لبيت يشتري فيه ويبيع، فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ولا لبيته، لان المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا، ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون، وعبد المضارب الذي لا دين عليه كسبه لمولاه فالمشروط  له من الأجر كالمشروط للمضارب. ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين أو كان مكاتب المضارب أو ولده أو والده فهو جائز على ما اشترطا، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا لانه من كسب هؤلاء كالأجنبي وله أن يستأجرهم للعمل معه، ويكون أجرهم في مال المضاربة، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة. وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطاً فاسداً. ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه، فهذا شرط فاسد لان عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه، ولو شرط عمل رب المال معه باجر لم يجز ذلك ولا أجر له فيما عمل فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه والربح بينهما على الشرط، لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال وهنا الشرط لايعدم التخلية فان العبد أجير المضارب ويد الأجير كيده“.

وجاء في مفتاح الكرامة(جزء 7 ص 448): ”ولو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق أجرة“.

جاء في روضة الطالبين للإمام النووي (جزء 5 ص 135): ”ثم ما عليه أن يتولاه، لو استأجر عليه فالأجرة من ماله، وما ليس عليه أن يتولاه له أن يستأجر عليه من مال القراض. ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له“.

وجاء في حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج (جزء 6 ص 97): ”وما لا يلزمه من العمل له الاستئجار عليه من مال القراض لانه من تتمة التجارة ومصالحها، ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له. وما يلزمه عمله إن استؤجر عليه تكون الأجرة من ماله“.

ثالثاً – عوض المنافع كنصيب من النماء:

فكر وعمل عامل المضاربة هو منفعة يقدمها لقاء عوض مجهول، هو نصيبه من ربحها، أي إن منفعة المضارب ومنفعة عمله يقاس عوضهما بجزء من النماء، وليس بالأجر لأن العمل مجهولاً وليس مقصودا في المضاربة وإنما المقصود فيها هو النماء. فإذا قدم أحدهما ألة أو داراً… يمكن أن تقاس قيمتها بمقدار النماء الإضافي الذي تحققه هذه العين في رأس المال، وهذا النماء الإضافي- هو في الحقيقة- قيمة المنفعة مضافاً إليه نسبة نماء رأس المال؛ لأن توفير المنفعة للمضاربة وفر مال المضاربة الذي كان سيدفع للغير لقاء هذ المنفعة فاشترى به بضاعة أكثر ربحت مثل نسبة ربح مال المضاربة؛ أي إن أثر هذه المنفعة كان في شراء أكثر وتبعه ربحه، لآن رب المال لم يدفع أو يضمن هذا الجزء من المال… فلا يجوز له شيئاً منه أو من كسبه، ولأن الشراء تحصل من منافع أعيان العامل وهي مال، والعمل منه… فإن النماء الإضافي كله له.

وهذا يختلف عن بعض مشاركات المنافع التي وردت عند الحنابلة، مثل مشاركة الدابة ومن يعمل عليها والشبكة ومن يصطاد بها، فليس في هذه المشاركات رأس مال نقدي يعاد إلى صاحبه وإنماء يقتسمان الرزق كله بينهما.

ويمكن معرفة نصيب هذه الالة أو الدار من الربح كجزء منه، بإجراء دراسة الجدوى الاقتصادية المقدمة من قبل العامل بعد الاتفاق على بنودها، مرة بإدراج الالة بفرض استئجارها من الغير، ومرة دون احتساب أجر لها، والفرق في الربح يعود لها فيحتسب كجرء من الربح الكلي ويخصص للعامل.

ومما سبق… نجد أن لعقد المضاربة طبيعة خاصة والأسلم أن يكون عوض العامل عن منافع أعيانه كنصيب من الربح لا كأجر ولا كرأس مال. وهذا سيقلل الخلاف لأن محاولة تقدير قيمة منافع هذه الأعيان- بالإضافة إلى ما سبق ذكره- قد يتسبب في كثير من الإختلاف أو الغرر أو الغبن بأحدهما؛ لأن هذا التقدير سواء كان كرأس مال أو كأجر… سيتعين على رب المال دفعه من ماله إن لم تحقق المضاربة ربح، وقد يفوز المضارب من المضاربة بمال بينما يصيب مال المالك وضيعة، وهذا سيدفع رب المال عند التعاقد إلى تخفيض هذا التقدير إلى أقصى حد قد يكون فيه غبن للمضارب المحتاج، وربما قد يعطي الحجة لرب المال أن يمارس نوعاً من الإشراف للتأكد من استيفاء المنافع فتفسد المضاربة أو يلحقها الضرر، وقد يقبل العامل مجبراً هذا الخفض في قيمة منافع أعيانه لحاجته للمال، فإن كان الربح وفيراً… لم يناله العوض الصحيح. أما إذا كان هذا التقدير كجزء من الربح… فلن يتشدد رب المال بنفس الدرجة التي كان سيتشدد بها لو كان سيدفها من ماله، ويتوفر عند العامل الحافز الأقصى لتحقيق الربح والذي منه عوض عمله وعمل أدواته وأعيانه، والحافز من العناصر المهمة التي تقوم عليها فكرة المضاربة.

ونلاحظ أن الفقهاء قد اعتبروا عوض عمل البائع في عقد المرابحة في الربح، جاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، للدكتور عبد الله العبادي(ص190): ”أما ما يرى الفقهاء إضافته إلى رأس المال الأصلي في بيع المرابحة فانهم متفقون على أصل الإضافة لرأس المال من نفقات وإن اختلفو في الشيء الذي يضاف أو لا يضاف.

ويوضح ابن رشد(الحفيد) ذلك. بأن تحصل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائداً الثمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم يعد أصل الثمن ويكون له حظ من الربح، وقسم لا يعد أصل الثمن ولا يعد من الربح. فاما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثراً في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ، وأما الذي يحسبه في رأس المال، ولا يجعل له حظ من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد الى بلد وكراء البيوت التي توضع فيها، وأما ما لا يحتسب فيه الأمران جميعاً فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد.

كما أوضح النووي أن البائع إذا قال بعت بما قام على انه يدخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والدلال والحمال والحارس والقصار والرقاء والصباغ، وقيمة الصبغ وأجرة الختان وتطبين الدار، وسائر المؤن التي تلزم الاسترباح.

وذكر الكاساني ان مما يلحق برأس المال مرابحة أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط، والسمسار وسائق الغنم والكراء“.

ومما سبق نجد أن الفقهاء لم يدرجوا قيمة عمل البائع في رأس المال والذي وفقا لمذهب مالك، يتكون من جزءين:

أصل الثمن؛ وهو ثمن الشراء، وما كان مؤثراً في عين السلعة، ويحسب الربح المتفق عليه على هذا الجزء فقط.

ما لا يؤثر في عين السلعة، ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه؛ أي يستأجره من الغير أو يستأجر عليه كالنقل والبيوت وغيرهم، وهذا لا يجعل له حظاً من الربح.

ولا شك أن الفقهاء لم يخف عليهم أن لعمل البائع قيمة، إلا أنهم – والله أعلم – قد فضلوا أن يكون العوض عن عمله في الربح الذي سيناله على أصل الثمن، فهم لو جعلوا له أجراً عن عمله يضاف إلى رأس المال… يصبح أجيراً عند المشتري، فلا يحق له الربح، فهو إن حق له الأجر عن عمله وفكره فيكون ربحه زيادة بغير عوض، وهذا يعارض قواعد الاقتصاد الإسلامي. أضف إلى هذا أن المرابحة مبادلة مبنية على الثقة وأمانة البائع، وهو يعرف بالتحديد قيمة ما دفعه إلى الغير، أما قيمة عمله… فهذا يعود إلى تقديره هو، وقد تكتنفه الجهالة، وهذا لا يصح في عقد يفترض الاتفاق فيه على نسبة الربح فقط، والغرر من الأمور الواجب الابتعاد عنها في العقود فلا تتعدى الغرر اليسير إذا لم يكن في الإمكان إنتفاؤه كلية.

ومما سبق… نجد أن الفقهاء – ونلاحظ أن النووي والكاساني، لم يذكرا قيمة عمل البائع في المقتبس من قولهما أعلاه –  في الأظهر لم يسمحوا للبائع في عقد المرابحة أن يحسب لنفسه أجرا عن عمله، وجعلوا عوضه عن هذا العمل من الربح.

منافع رب المال:

جاء في المغني (جزء 5 ص 29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه، ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

ويتوقع أن يكون نصيب رب المال الذي يدفع مع ماله غلامه ودابته، أكثر من نصيب من لم يدفع سوى ماله، أما القول بأن الربح سيصبح أوفر في الحالة الأولي؛ فينال رب المال الأول أكثر من نفس الجزء… فهذا قد لا يعبر تعبيراً صحيحاً عن حقيقة المعاملة، التي هي من المقابلات.

فلو دفع رجل بألف دينار إلى من يعمل عليها، فاستأجر عاملاً وبهيمةعلى ما لم يلزمه من العمل بمائة، واشترى بتسعمائة، فباع المشتري بألف وثلاثمائة وخمسين أي ربح النصف على ثمن الشراء، وكان الفائض بينهما بالنصف… يكون لكل منهما مائة وخمسة وسبعين.

ولو دفع إليه ألفاً وغلاماً وبهيمة بدون شرط، وكان العامل ليستأجرهما من المال على ما لم يلزمه من العمل؛ فاشترى بالألف، وباع بألف وخمسمائة يكون لكل منهما مائتين وخمسين؛ فيكون العامل قد نال خمسة وسبعين، لا مال له فيها ولا عمل.

فإن قيل إن رب المال تطوع بهذا فالأولى الجواز؛ فإن لم يكن متطوعاً… فله في النماء أكثر من النصف؛ فإن احتسبا- كمسألتنا- يكون له خمسة وستون من المائة في الربح، وللعامل خمسة وثلاثون في المائة منه، ولهما أن يتفقا كما يشاءا إن رغبا في ذلك.

<< previous page next page >>

الباب الخامس: المضاربة بالقدرات الممتدة

الباب الخامس

المضاربة بالقدرات الممتدة

 

الفصل الأول

قدرات العامل

مفهوم المضاربة المتعارف عليه هو أنها معاملة يدفع فيها رب المال مالاً إلى من ينميه بالعمل، وسمي الطرف الذي يستلم ويتصرف في هذا المال ”العامل“؛ لأنه يقوم بالعمل أو الأعمال التي يُتوقع أن ينتج عنها نماء المال؛ أي إن صفة هذا العمل أنه عمل بشري يتميز بالقدرة على تنمية المال. وهذا ما قصده رب المال من دفعه ماله مضاربة إلى العامل؛ فهو لم يقصد العمل ذاته فليس له غرض في هذا العمل، ولو كان يقصد منفعة العمل المباشرة لاستأجره عليه، وهو إن فعل لكان عليه وحده مسؤولية تقديم الفكر والإدارة، وهذا ليس من اختصاصه ولا في حدود قدراته؛ فالعامل هو صاحب الفكر والعمل، وهو القادر على إنماء المال، وليس رب المال.

والذي يهمنا هنا أن رب المال ليس له قصد في عمل العامل، بل وقد لا يعرف ما هو العمل المطلوب بذله لإنماء المال، ولا يقصد سوى نماء ماله، وعليه … فهو لا يود أن يقّيم ما يقدمه العامل إلى المضاربة سوى بمعيار استيفاء الغاية التي يقصدها … وهي إنماء ماله، فإن لم يحدث نماء … فهو لم يستوف الغاية التي عقد عليها ولا يكون ملزماً بعوض للمضارب؛ لأن عمله في هذه الحالة ليس له قيمة وفق هذا المعيار. والمضارب ليس له قصد في استيفاء عوض منفعة عمله عن طريق الأجر المحدد المعلوم على هذا العمل، ولم يكن له أن يقصد هذا لجهالة العمل. وإنما هو يرغب في التصرف في المال وفق ما يراه هو الأصلح، فتكون له الحرية الكاملة في التصرف لقاء جزء من النماء الذي قد يحققه، فهو يريد أن يكون عوضه بجزء من النماء يقابل جهده وخبرته. فإن كان ثمة ربح … فقد تولد عن الأصلين المال والعمل، لرب المال نصيب المال منه، وللعامل نصيب العمل.

وإذا لم يتحقق ربح … تكون قيمة العمل معدومة، ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كان فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان، الذي كان سيحلل له كسبه من النماء لو كان قد تحقق.

ويجب التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشتمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيَّمة بمعيار هذا النماء، ونماء هذا العوض – وكلاهما للعامل – ونماء المال الصافي والعائد إلى المال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيُستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال، أو يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال على المعنيين، ويُرد إلى أحد المعنيين وفق موضوعه ووفق المعنى المقصود في النص.

النفقـة

جاء في باب المضاربة أن الفقهاء أجمعوا على أن نفقة المضارب تكون من ماله مادام مقيماً، وأجازوا أن تكون من مال المضاربة أو ربحها إذا اتفقا على ذلك، وبفرض أنهما لم يتفقا على ذلك، وكانت النفقة من ماله … فإن المضارب لا يحق له اقتطاع جزء من مال المضاربة لنفسه، ولا يحق له بالتالي أن يجعل لنفسه أجراً أو معاشاً أو مصروفاً من مال المضاربة أو من ربحها، وإن كانت من مال المضاربة كره أن يعمل في مال آخر في نفس الوقت.

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 135): ”ولا أن ينفق منه على نفسه في الحضر قطعاً“.

وقاال الحنابلة في الأنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”ان دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فإنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب وإن فعل فلا شيء عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

وهذا يبين العلاقة بين النفقة والأجر فلا يستحب أن يجتمعا، والحقيقة أن النفقة سواء شرطت له أم لم تشترط … فإن قيمة منفعة عمله – مشتملة النفقة إن لم يشترط – مستحقة له بشرط الربح كما سيأتي فيما بعد.

وما جاء يعني – في المضاربة في العصر الحديث – أن صاحب العمل لا يأخذ لنفسه شيئاً ولا يحدد لنفسه قدراً يقتطعه من الربح قبل التوزيع، إلا لو اتفقا على ذلك ونحن في هذا الباب سنفترض أن رب المال لم يأذن.

وبفرض أن صاحب العمل شركة، وباعتبار الشركة شخصية معنوية ذات ذمة منفصلة تختص بها … فإن نفقتها، هي مصروفاتها التي تصرفها سواء قامت بأعمال المضاربة أم لم تقم، وهذه تشمل أجور مكاتبها ورواتب جهازها الإداري وغيرها من المصروفات الثابتة، التي على أساسها يقوم هيكلها وخبرتها وسمعتها، والتي من أجلها توجه أصحاب المال إليها. أي إن نفقة الشركة هي كل مصاريفها الإدارية الثابتة والتي لا تتغير سواء عقدت المضاربة أم لم تعقد.

والمتفق عليه في عصرنا هذا، والذي أخذ شكل العرف، هو أن تُحمل الشركة العامل جزءاً من مصاريف مكتبها الرئيسي على مشروع المضاربة بنسبة هذا المشروع إلى حجم أعمالها، وأن تدفع لنفسها من مال المضاربة أو من ربحها هذه التكاليف، وهذا من الامور التي يجب الاتفاق عليها، ويجوز لرب المال ألا يقبل تحمُلها من ماله أو من النماء، بل إن هذا يُمثل الأساس الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فالنفقة من مال العامل مادام مقيماً، إلا بشرط كما قال الحنابلة ولرب المال أن يقبل أو أن يمتنع، أي إن قبول رب المال هو ما يُشترط الاتفاق عليه.

ويجب ملاحظة أن النفقة ليست الأجور، فالنفقة هي ما يصرفه الرجل على نفسه وعلى من يعول في أمور معاشه الأساسية، والأجر في الأغلب أكثر من ذلك … فإن لم تجز النفقة، فالأولى ألا يجز الأجر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 101): ”قال أبو يوسف إذا استأجر الرجل أجيراً كل شهر بعشرة دراهم ليشتري له ويبيع، ثم دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة، فالمضاربة فاسدة والربح كله للدافع ولا شيء للأجير سوى الأجرة، وقال محمد المضاربة جائزة ولا شيء للأجير في الوقت الذي يكون مشغولاً بعمل المضاربة، وجه قول محمد أنه لما دفع المضاربة فقد اتفقا على ترك الإجارة ونقضها فما دام يعمل بالمضاربة فلا أجر له، ولأن الاجارة شركة لهذا لا تقبل التوقيت ولو شاركه بعدما استأجره جازت الشركة فكذا المضاربة، ولأبى يوسف لأنه لما استأجره فقد ملك عمله فإذا دفع إليه مضاربة فقد شرط للمضارب ربحاً بعمل قد ملكه رب المال وهذا لا يجوز، ولأن المضارب يعمل لنفسه فلا يجوز أن يستوجب الربح والأجر، ولا يجوز أن ينقض الاجارة بالمضاربة لأن الاجارة أقوى من المضاربة لأنها لازمة والمضاربة ليست بلازمة والشيء لا ينتقض بما هو أضعف منه، وما ذكر محمد أن المضاربة شركة فالجواب أن الشريك يستحق الربح بالمال والمضارب بالعمل ورب المال قد ملك العمل فلا يجوز أن يستحق المضارب الربح، ولأن الشريك يعمل لنفسه فكأنه امتنع من عمل الاجارة فيسقط عنه الاجرة بحصته والمضارب يعمل لرب المال فبقى عمله على الاجارة“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجرا عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجراً لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجراً فيما عمل، لأن المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً اجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لأنه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة لا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

وعلى ما سبق … فالنفقة على العامل ومن ماله إلا بالشرط، ونصيبه في الربح يشتمل على عوضها وقد يكون أكثر منها أو أقل؛ لأنها كمنفعة عمله مخاطر بها، فطاب له الأكثر عملاً بمبدأ الغنم بالغرم.

<< previous page next page >>

الباب الثالث: مجالات الاستثمار من خلال عقد المضاربة

الباب الثالث

مجالات الاستثمار

من خلال عقد المضاربة

 

 الفصل الأول

طبيعة المضاربة

ذهب الأحناف والشافعية إلى أن المضاربة من جنس المعاوضة كالإجارة، وإنها واردة على خلاف القياس لجهالة العمل وجهالة الأجر، والأصل فيها إنها لا تجوز، وقد رخصها الشارع استثناءً من الأصل وتحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس وتلبية لحاجاتهم ورفقاً بهم.

بينما ذهب الحنابلة إلى أن المضاربة من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فالمضاربة مثل المساقاة والمزارعة، أصلاً يقاس عليه.

جاء في القياس لابن تيمية من أن عقد المضاربة من جنس المشاركة لا من جنس المعاوضة الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركة جنس غير جنس المعاوضة، والمضاربة ما لا يقصد فيه العمل بل المقصود المال، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئاً لم يكن له شيء. بل المضاربة مشاركة فالعامل بنفع بدنه وصاحب المال بنفع ماله وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة، وإذا شرط شيئاً مقدرا في المضاربة لم يجز لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين.

وجاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة للدكتور عبد الله عبد الحميد العبادي (صفحة 211، 212):

”ذهب الأحناف إلى أن القياس في عقد المضاربة لا يجوز، وعللوا لذلك أنه استئجار بأجر مجهول بل بأجر معدوم، والعمل مجهولاً لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع. (بدائع الصنائع جزء 8)

وجاء في تحفة المحتاج في الفقه الشافعي (جزء 5 ص220): ”وهو – أي القراض – رخصة لخروجها عن قياس الإجارات كما أنها كذلك لخروجها عن بيع ما لم يخلق“.

أما الحنابلة فإنهم اتجهوا اتجاهاً آخر فيه يسر وسعة، حيث إنهم الحقوا المضاربات بعقود الشركات: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في القواعد النورانية: من قال إجارة بالمعنى العام فقد صدق، ومن قال إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ. ثم يضيف في مكان لاحق: ولهذا جوز أحمد سائر أنواع الشركات التي تشبه المساقاة والمزراعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرها إلى من يعمل عليها، والأجرة بينهما.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: فالذين قالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس، ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة، لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا أن العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا هي على خلاف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة (إعلام الموقعين 2/4). ثم نوع العمل إلى ثلاثة أنواع:

1-     أن يكون العمل مقصوداً، معلوماً مقداره، مقدوراً على تسليمه، فهذه الإجارة  اللازمة.

2-     أن يكون العمل مقصوداً، لكنه مجهول أو غرر، فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم.

3-     مالا يقصد فيه العمل، بل المقصود منه المال وهو المضاربة“.

وجاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 29 ص 98) في موضوع المساقاة والمزارعة: ”أن هذه المعاملة مشاركة، ليست مثل المؤاجرة المطلقة، فإن النماء يحصل من منفعة أصلين، منفعة العين التي لهذا، كبدنه وبقره. ومنفعة العين التي لهذا، كأرضه وشجره. كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم، وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم. بخلاف الإجارة فإن المقصود فيها هو العمل أو المنفعة. فمن استؤجر لبناء أو لخياطة أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد، فإذا وفّاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد واستحق الأجير أجره. ولذلك يشترط في الإجارة اللازمة: أن يكون العمل مضبوطاً كما يشترط ذلك في المبيع. وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر إنما مقصودهما جميعاً ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشتركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأوص التي لهم، وهذا جنس من التصرفات يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة، وما فيه من شوب المعاوضة من جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة“.

ويضيف ابن تيمية في صحفة 99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حُرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لأنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شئ حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر.

يضيف: من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول، لما فيه من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيراً، كعمل الشريكين في المال المشترك، وعمل الشريكين في شركة الأبدان، وكاشتراك الغانمين في المغنم، ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى، نعم! لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله، كان هذا اجارة.

ويضيف في صفحة 101 في موضوع المضاربة: انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة في غير التجارة

جرت العادة أن ينمي العامل رأس مال المضاربة في التجارة بالشراء والبيع، ويبدو أن مسألة تنمية مال المضاربة من خلال أساليب الإستثمار الأخرى قد أثيرت في العصور السابقة، ربما لحدوثها فعلاً أو لرغبة الفقهاء بحثها ودراستها، ولولا ميل الناس إليها وربما حاجتهم لها … لما تطرق البحث إليها في تلك العهود. ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة نظراً لتشَعَّب سبل الاسثتمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الاستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أَقْنية استثمارية تحكمها الضواب والأحكام الشرعية، التي توفر العدل والأمان، وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالاطمئنان والرضى.

والمضاربة من العقود التي تطفو إلى السطح تلقائياً، كلما تعرضنا لرب المال غير القادر – لأي من الأسباب – على أن يعمل في ماله بنفسه، أو تعرضنا للعامل صاحب الخبرة والمعرفة والنشاط، والذي ينقصه المال لتحقيق ما يطمح إليه. والأجير ليس كالشريك لا في الطموح ولا في الحافز ولا في الاهتمام، وكل أصحاب الحرف والصناع ومن يقدمون الخدمات يحتاجون المال في أعمالهم مثل حاجة التاجر والزارع له، ولهم حقوق على المجتمع لا تقل عن حق التاجر والزارع، ولا يوجد سبب شرعي يمنع تطبيق المبدأ – الذي تقوم على أساسه المضاربة والمزارعة والمساقاة – على سبيل جمعهم مع أصحاب الأموال، إلا أنه يبدو أن هناك أسباباً فقهية لدى بعض الفقهاء دعتهم إلى حصر المضاربة في حدود معناها الضيق فمنعوها في ما هو غير الشراء والبيع، بينما ذهب غيرهم – وهم الحنابلة – إلى التوسع في معناها فشملت تقريباً كل عمل استثماري حلال.

وقد عنى الفقهاء بثلاثة أوجه من المجالات التي يمكن من خلالها استثمار مال المضاربة هم مجال الزراعة، ومجال الحرف (الصناعة)، ومجال الكسب من العمل على عين تنمى بالعمل عليها كالآلة والشبكة والدابة يدفعها مالكها إلى العامل، فيعمل عليها والرزق بينهما.

أولاً : المضارب يستثمر رأس مال المضاربة في كِراء الأرض وزرعها، وشراء الشجر أو النخل والصرف عليه:

رأى المالكية صحة هذه المضاربة إن كانت باختيار العامل، وليس بالاشتراط عليه، جاء فى المدونة (جزء 4 ص63 – وجزء 5 ص 120 مكتبة المثنى): ”فلو دفعت إلى رجل مالاً قراضاً فاشترى به أرضاً أو اكتراها، أو اشترى زريعة وأزواجاً، فزرع فربح أو خسر، أيكون ذلك قراضاً، ويكون غير متعد؟ قال: نعم، إلا أن يكون خاطر به فى موضع ظلم أو عدو يرى أن مثله قد خاطر به فيضمن، وأما إذا كان فى موضع أمن وعدل فلا يضمن. قلت أرأيت إن أعطيته مالاً قراضاً، فذهب وأخذ نخلاً مساقاة فأنفق عليها من مال القراض أيكون هذا متعدياً؟ أم تراه قراضاً؟ قال ما سمعت من مالك فيه شيئاً، ولا أراه متعدياً، وأراه يشبه الزرع“.

أما لو اشترط رب المال على العامل ذلك … كان هذا غير صحيح عند المالكية، ويكون الزرع لصاحب المال وللعامل أجر المثل.

وجاء فى حاشية الشيخ محمد البنانى على شرح الزرقانى عن تنمية رأس مال المضاربة بالمزارعة (جزء 6 ص 217): ”ليس المضر عمل يده، إذ ليست المسئلة مفروضة كذلك، بل اشترط عليه أن ينفق المال فى المزارعة، فالمضر الشرط فقط وليس ثم عمل من العامل“.

وأجاز الحنابلة للمضارب أن يستغل مال المضاربة عن طريق الزراعة، إن قال له رب المال اتجر فى الزراعة، أو فوض إليه أمر المضاربة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء. ولا يضمن العامل لو تلف المال فى المزارعة.

وجاء فى المغنى (جزء 5 ص 44): ”وهل له الزراعة؟ يحتمل أن لا يملك ذلك لأن المضاربة لا يفهم من إطلاقها المزارعة. وقد روى عن أحمد رحمه الله فيمن دفع إلى رجل ألفاً وقال أتجر بما شئت فزرع زرعاً فربح فيه. فالمضاربة جائزة والربح بينهما. قال القاضى: ظاهر هذا أن قوله اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء وعلى هذا لو توى المال كله فى المزارعة لم يلزمه ضمانه“.

وفى المذهب الشافعى … نص الرملى فى نهاية المحتاج (جزء 5 ص 234، 235) على أن ما ينتجه شجر القراض من ثمر أو ما ينتجه حيوان حامل من مال القراض، يختص بها المالك. وعلل ذلك بأن هذه ليست من فوائد التجارة. أما لو أشترى حيواناً حاملاً أو شجراً عليه ثمر غير مؤبر فالأوجه أن الولد والثمرة مال قراض. وقيل كل ما يحصل من هذه الفوائد مال قراض، لحصولها بسبب شراء العامل الأصل.

وجاء فى تكملة المجموع (جزء 14 ص 203) – تكملة المطيعى – أن الشافعية لا يقولون بصحة المضاربة، لأن النماء فى النخل وأصول الشجر أو الحيوان نتيجة نمو طبيعى فى هذه الأشياء، ولا دخل للعامل فى نموها.

ولم يتعرض الشافعية لمسألة استئجار الأرض وزرعها.

أما الأحناف، فقد رأى المتقدمون منهم صحة كراء الأرض البيضاء وزرعها، ومنعوا المعاملة والمساقاة كما جاء فى البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (جزء 7 ص 288): ”أن للمضارب أن يستأجر أرضاً بيضاء ويشترى ببعض المال طعاماً ليزرعها أو ليغرس فيها نخلاً أو شجراً، ولو أخذ نخلاً أو شجراً معاملة على أن ينفق فى تلقيحها أو تأبيرها من المال لم يجز عليه، وإن قال له أعمل برأيك“.

وجاء فى المبسوط (جز 22 ص 72): ”وإذا دفع مالاً مضاربة وأمر المضارب أن يعمل فى ذلك برأيه أو لم يأمره، فأستأجر المضارب ببعضه أرضاً بيضاء واشترى ببعضه طعاماً فزرعه فى الأرض فهو جائز على المضاربة بمنزلة التجارة لأن الزراعة من صنع التجار يقصدون به تحصيل النماء، وإليه أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم  الزارع يتاجر ربه، وما كان من عمل التجار يملكه المضارب بمطلق العقد. ولو استأجر أرضاً بيضاء على أن يغرس فيها شجراً أو أرطاباً، فقال ذلك من المضاربة، فهو جائز، والوضيعة على رب المال، والربح على ما اشترطا. ولو أخذ نخلاً أو شجراً أو أرطاباً معاملة على أن ينفق عليه من مال المضاربة، لا يجوز، ويضمن ما أنفق من مال المضاربة وإن قال له رب المال أعمل برأيك“.

وجاء فى الدُّرِّ المختار مع حاشية ابن عابدين (جزء 5 ص 648): ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز“.

ورأى بعض المتأخرين من الأحناف منع ذلك، جاء فى حاشية قرة عيون الأخبار، تعليقاً على قول الشارح: ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز. كان هذا فى عرفهم أنه من صنيع التجار، وفى عرفنا ليس هو من صنيعهم فينبغى أن لا يملكه“ (الحاشية مع تكملة المحتار جزء 8 ص 298).

وكأن الأحناف المتأخرون منعوا هذه المضاربة؛ لأنها لم تعد فى عرفهم من صنيع التجار، وقد كانت ذلك من قبل، ويستنتج من هذا أنها تجوز إن كانت من صنيع التجار فى العرف السائد فى عصر آخر.

والأقرب عند الإمامية هو فسادها، كما جاء فى مفتاح الكرامة للعاملى (جزء 7 ص 449): ”ولو شرط أن يشترى أصلاً ويشتركان فى نمائه كالشجر أو الغنم فالأقرب الفساد لأن مقتضى القراض التصرف فى رأس المال“.

ومما سبق … نجد أن الحنابلة والأحناف المتقدمين قد أجازوا للمضارب أن يستغل مال المضاربة فى الزراعة كما سبق، وأجازها المالكية أيضاً على ألا يشترط المالك هذا فى العقد، ولم يتعرض الشافعية لها. أما المساقاة … فقد منعها فى أغلب الرأى الشافعية والأحناف بينما أجازها الحنابلة والمالكية.

والذى نستنتجه هنا أن استغلال مال المضاربة فى الزراعة قد أجيز من قبل بعض المذاهب، ومن لم يجزها منهم لم يمنعها لتعارضها مع سبب شرعى، وإنما لأن هذه الطرق ليست – فى رأيه – من صنيع التجار أو من أعمال البيع والشراء، ويعود بنا هذا إلى مقصود رب المال من عقد المضاربة، والغالب هو إنه قصد المضاربة لإنماء ماله؛ وخاصة عند من لم يسمح له بالاشتراط على نوع العمل.

والتجارة الرابحة هى القيام بشراء مال ثم بيعه بربح، وعنصرا الشراء والبيع موجودان فى الزراعة والصناعة وغيرهما من طرق الاستثمار، والزراعة التى جاءت فى الصور السابقة هى كراء الأرض البيضاء، والصرف والعمل عليها بما ينتج منها، ففيها شراء الحبوب والسماد واستئجار الآلة واستصلاح الأرض وحرثها والعمل فيها ثم حصادها وبيع المحصول، والصناعة فيها شراء المواد الأولية والعمل عليها لإنتاج سلعة ثم بيعها، والتجارة أيضاً تشمل شراء سلعة وإجراء عمل عليها يزيد من قيمتها فيمكن بيعها بثمن أكثر مما اشتريت به، وقد يكون هذا العمل فى نقلها من سوق تتوفر فيه إلى سوق يقل فيه توفرها، أو شراءها من المصدر بالجملة – بكميات كبيرة – ونقلها إلى السوق وعرضها وبيعها للناس بكميات قليلة وفق جاجتهم، أو شراءها فى موسم يقل فيه الطلب عليها وتخزينها ثم بيعها فى موسم يكثر فيه الطلب عليها، كشراء الملابس الصوفية فى الصيف وبيعها فى الشتاء … كل هذه الأعمال وغيرها تتعلق بشراء سلعة ما والعمل عليها لتحسين مركزها بين السلع المنافسة أو درجة طلب السوق لها فيمكن بيعها بربح، وهذا يحدث فى الصناعى فهى تتعلق بشراء مواد أولية، قد لا تكون مطلوبة لذاتها عند الناس، وتجميعها أو تشكيلها، فينتج عن هذا التجميع والتصنيع سلعة يحتاجها الناس فيقبلون على شرائها بثمن أكثر من أثمان المواد الخام المشتراة وتكلفة العمل عليها فيتحقق الربح. والتجميع موجود عند بعض التجار بصورة أخرى، فالتاجر الذى يبيع سلعة لها مكملات من سلع أخرى، يجمع كل هذه السلع ويعرضها فى متجره.

وسواء كانت الصناعة نوعاً من التجارة أم لا … فقد بحث الفقهاء فى شأن المضاربة على الحرف وأجازها الأحناف – فى الرأى الأظهر عندهم – وأجازها الحنابلة كنوع من المشاركات؛ بينما منعها الجمهور من الفقهاء.

ثانياً : المضارب يستثمر رأس المال فى حرفة أو صناعة:

منعها المالكية كما جاء فى المدونة (جزء 4 ص 48): ”أرأيت إن دفعت إلى رجلاً مالا قراضاً على أن يشترى به جلوداً فيعملها بيده خفافاً أو نعالاً أو سفراً، ثم يبيعها فما رزق الله فيها فهو بيننا نصفين قال: لا خير فى هذا عند مالك“.

وقال الزرقانى فى شرحه (جزء 6 ص 217) إن اشتراط رب المال على العامل أن يخيط ثياباً فيتاجر بها أو يخرز جلوداً فيجعل منها خفافاً ليبيعها مفسداً للعقد.

وأضاف المالكية إذا استمر العامل فى ذلك جاء فيهما اشتراط رب المال هذا النوع من العمل على العامل وهذا الاشتراط يفسد العقد عندهم.

ورأى الأحناف عدم صحتها إذ قال السرخسى (جزء 22 ص 35): ”ولو دفع إلى حائك غزلاً على أن يحوكه سبعة فى أربعة ثوباً وسطا، على أن الثوب بينهما نصفان فهذا فاسد“.

ورأس المال فى هذا المثال مال عروض، والمضاربة لا تصح بالعروض. ولن يعرف رأس المال فمن الربح، والأفضل أن يكون أعطاه مالاً نقداً على أن يشترى به غزلاً ويحوكه، والمضاربة هنا أيضاً يكون فيها الاشتراط، والبحث يكون فى جواز لو دفع رب المال إلى المضارب مالاً نقداً فاشترى به المضارب غزلاً وحاكه أو أستأجر من يحوكه ثم باع الثوب وأخذ ثمنه نقوداً فأعاد رأس المال إلى صاحبه واقتسما الربح بينهما.

وهذا قد جاء فى نفس المرجع السابق ص 54: ”ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشترى بها الثياب ويقطعها بيده ويخيطها على أن ما رزق الله تعالى فى ذلك من شئ فهو بينهما نصفان، فهو جائز على ما اشترطا لأن العمل المشروط عليه مما يصنعه التجار على قصد تحصيل الربح فهو كالبيع والشراء، وكذلك لو قال له على أن يشترى بها الجلود والأدم ويخرزها خفافاً ودلاء وروايا وأجربة فكل هذا من صنع التجار على قصد تحصيل الربح فيجوز شرطه على المضاربة“.

وجاء فى تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 292) – فى معرض الحديث عن أن عامل المضاربة يملك جمع المضاربة والشركة ويملك الخلط بماله إذا أذن له المالك – أنه لو اشترى العامل بمال المضاربة ثوباً، فصبغه أو خاطه، يصبح شريكاً فى هذا الثوب بالإضافة إلى كونه مضارباً، فيكون له حصة قيمة صبغة أو خياطته، وما تبقى من قيمة الثوب يعطى رب المال رأس ماله، والربح بينهما على ما اشترطا، وهم هنا لم يفسدوا المضاربة.

واعتبر الشافعية – فى رأى لهم – أن هذه المضاربة غير صحيحة ولرب المال ما ينتجه العامل، وللعامل أجر المثل.

جاء فى حواشى تحفة المحتاج للشروانى والعبادى (جزء 6 ص 86): ”ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط لم يفسخ القراض فيها إذا طحن بغير الإذن فلا أجرة له ولو استأجر عليه لزمه الأجرة ويصير ضامناً وعليه غرم ما نقص بالطحن فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه لأنه لم يتعد فيه والربح بينهما بالشرط. وجاء فى الهامش صفحة 87: نعم بحث ابن الرفعة جواز شرط ان استأجر العامل من يفعل ذلك من مال القراض ويكون حظه التصرف فقط ونازع فيه الأذرعى بقول القاضى لو قارضه على أن يشترى الحنطة ويخزنها إلى ارتفاع السعر فيبيعها، لم يصح لأن الربح ليس حاصلاً من جهة التصرف. وجاء فى صدر الصفحة: وظاهر أنه لو قارضه ولم يشترط عليه ما ذكره القاضى فاشترى هو وادخر باختياره إلى ارتفاع السعر لم يضر“.

وجاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”لو قارضه على أن يشترى الحنطة فيطحنها ويخبزها، والطعام ليطبخه ويبيعه، والغزل لينسجه، والثوب ليقصره أو يصبغه، والربح بينهما فهو فاسد. ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط، فوجهان. أحدهما وهو قول القاضى حسين وآخرين: يخرج الدقيق عن كونه رأس مال قراض، فإن لم يكن فى يده غيره انفسخ القراض، لأن الربح حينئذ لا يحال على البيع والشراء فقط. وعلى هذا، لو أمر المالك العامل بطحن حنطة القراض، كان فسخاً للقراض. أصحهما: أن القراض بحاله، كما لو زاد عبد القراض بكبر، أو سمن، أو تعلم صنعة، أنه لا يخرج عن كونه مال قراض، لكن إن استقل العامل بالطحن صار ضامناً، ولزمه الغرم أن نقص الدقيق، فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه، لأنه لم يتعد فيه، ولا يستحق العامل بهذه الصناعات أجرة ولو استأجر عليها، والأجرة عليه، والربح بينه وبين المالك كما شرطا“.

وذهب الإمامية والزيدية إلى عدم صحتها لأن المضاربة تكون فى أعمال التجارة فقط واعتبروا أن الحرف ليست من التجارة. كما جاء فى قواعد العلامة (جزء 7 ص 447): ”العمل وهو عوض الربح وشرطه أن يكون تجارة فلا يصح على الطبخ والخبز والحرف“.

وجاء فى البحر الزخار (جزء 4 ص 82): ”لو قارض شخص آخر على أن يشترى بالمال حباً فيطحنه ويخبزه والربح بينهما كان هذا فاسداً“.

أما الحنابلة … فقد ذهبوا إلى صحة وجواز كل هذا، جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص 11): ”وإن دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز“.

ومثل ذلك جاء فى كشاف القناع (جزء 3 ص 525): ”من أنه لا بأس بالثوب يدفع بالثلث أو الربع“. وكذلك فى مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 543).

وجاء فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: ”وكما يدفع إليه زيتونة يعصره والزيت بينهما“.

والحنابلة فى الأمثلة التى ساقوها، جعلوا المال الذى دفع من العروض، وهم من أجاز بعضهم المضاربة بالعروض المثلية على أن تجعل قيمتها وقت العقد رأس مال له، ولكنهم جعلوا العائد المقسم هو ثمن البيع كله وليس الربح، وهذا أقرب إلى المزارعة، ولكن الذى يعنينا هنا هو أن المعاملة إن جازت عندهم كما ذكرروه، فالأولى أن تجوز لو كان رأس المال من النقود فاستأجر به العامل صاحب حرفه، ولو كان التقسيم فى الربح بعد إعادة رأس المال لصاحبه، وهذه هى المضاربة.

وما ينطبق على أصحاب الحرف … ينطبق فى رأينا على المجال الأوسع من قطاعات الإنتاج فى هذا العصر من صناعة وخدمات، ولهذا الموضوع أهمية كبيرة لحجم هذه القطاعات وحاجتها الماسة إلى التمويل والذى قد يكون عقد المضاربة أحد أشكاله وربما أهمها.

والظاهر أن جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة والأحناف – قد ذهبوا إلى عدم صحة المضاربة التى يستثمر مالها فى حرفة ما، ويبدو أنهم ذهبوا إلى هذا لسبيين: أولهما أن المضاربة قد رخصت على خلاف القياس للحاجة إليها، وهذه الأعمال يتيسر الاستئجار عليها فتنتفى الحاجة التى صدرت الرخصة لدفعها. وثانيهما أن المضاربة تكون فى تنمية المال فى أعمال التجارة وفى كل ما هو من صنيع وعادة التجار، وهذه من الحرف وليست من أعمال التجار.

والفقهاء بهذا المنع، يحيلون رب المال إلى الإجارة، وهى وإن توفرت غير المشاركة، فالإجارة يكون العمل هو المقصود فيها، ورب المال ليس له قصد فى العمل ذاته، وإنما يقصد استثمار ماله، فيدفعه إلى العامل الذى يملك الخبرة والقدرة على تنميته، وقد يجد هذا العامل أن تحقيق النماء عن طريق شراء القماش وصناعة الثياب أصرف فى البيع وأربح، فهذا وفق رأيه ما يطلبه المشترون وليس القماش … فإن قلنا ليس له ذلك، فإن عليه آنذاك شراء القماش وبيعه للحائك؛ ثم شراء الثياب من الحائك وبيعها فى السوق، وإن لم يملك الحائك المال اللازم لشراء القماش، باعه القماش نسيئة حتى يشترى منه الثياب فيستوفى الثمن مما يدفعه؛ فإن صار القماش ثياباً … حملها وباعها فى السوق، وما سبق كله من شراء وبيع مرتين، هو من أعمال المضاربة التى يجيزها الجمهور إذا أذن المالك له ببيع النسيئة، والأَبْسط أن يستأجره على هذا العمل، والنتيجة واحدة وما يجوز للأول يجوز للثانى الذى استأجر.

وبمراجعة الأمثلة التى جئنا بها عن الفقهاء … نجد أنهم قد قالوا بمضاربات يدفع بها صاحب المال ماله إلى صاحب الحرفة مباشرة، ولم يتطرقوا – فى الغالب – إلى عامل يرى الخير فى أن يتجه إلى إنماء المال من خلال توظيفه فى حرفة معينة، والمضاربة مباشرة مع صاحب الحرف تخلق وضعا غير ذلك الذى يتعلق بموضوع استثمار مال المضاربة فى الصناعة، وهو وضع العامل فى المضاربة بين كونه وكيلاً من جهة، وأجيراً فى عمله فيما يختص بحرفته من جهة أخرى، فرأوا أن الإجارة متيسرة فى هذه الحالة. وقد خصصنا جزءاً من هذا البحث لدراسة هذا الموضوع لأهميته. والذى يهمنا هنا: هو هل يجوز استغلال مال المضاربة فى ما يتضمنه تبديل – أو إضافة إلى – عروضها المشتراة قبل إعادة بيعها.

ونضيف إلى ما سبق أن منع عامل المضاربة من بيع الأثواب التى استأجر من يحوكها، وإجباره على بيع القماش، فيه تقييداً لحريته ولقدراته، وتقييداً للمضاربة ذاتها قد ينتج عنه انخفاض أرباحها، فيعزف عنها رب المال إلى ما هو أربح، فإن أراد استثمار ماله فى هذا المجال عن طريق الإجارة … فعليه الشراء بنفسه واستئجار صاحب الحرفة، ليحوك له الثوب ثم يبيعه بنفسه، وقد لا تتوفر لديه الخبرة أو القدرة، وإن وجد من لديه الخبرة والقدرة على هذه الأعمال مجتمعة … فإن استأجره عليها، وجب عليه الإشراف، وقد لا يتمكن رب المال من بذل الجهد للإشراف ولاستيفاء العمل الذى استأجره عليه، أضف إلى هذا أن الحافز عن الشريك فى الربح أقوى منه عند الأجير، وقد يستأجر رب المال ويدفع الأجر وقد ينال مقصوده وقد لا يناله، ثم إننا قد ذكرنا أن رب المال هذا قد يكون عاجزاً أو عجوزاً أو مريضاً أو منشغلاً فكيف لهؤلاء القدرة على هذه الأعمال.

والعامل أيضاً له رغبة فى المشاركة فما قد يحققه منها قد يفوق الأجر، وإن كان صاحب حرفة … فهو بحاجة إلى التمويل مثل حاجة التاجر، والقطاع الذى يعمل فيه يفيد المجمتع بما يوفره من فرص عمل، وبما ينتجه من السلع.

أما ما جاء عن أن المضاربة تكون فى التجارة، فلا سبب شرعى يؤيد ذلك، فالمضاربة وكالة وشركة يقصد فيها النماء، والتوكيل مباح فى كل ما يجوز للإنسان أن يعمله بنفسه، والمقصود من المضاربة هو تنمية المال بالعمل، والعمل فى الزراعة والصناعة مباح وحلال كالعمل فى التجارة، ولا يوجد مانع شرعى يمنع أن يستثمر العامل المال فى الوجه الحلال الذى يجد فيه مصلحة القراض. بل ومن مصلحة المجتمع عامة، وأصحاب الحرف والصناعة خاصة أن يتوفر لهم مصدر تمويل مثل ما يوفره القراض لأشقائهم التجار، ولعامل المضاربة حقالشراء والبيع والاستئجار، وقد أوردنا المثال الذى يبين أنه – بهذه التصرفات – يستطيع شراء القماش وحياكته وبيعه ثياباً وبدون مخالفة لأى من شروط الصحة.

وقد يكون بعض الفقهاء – والله أعلم – قد فضلوا حصر المضاربة فى التجارة لسبب ثالث وهو إبقاء المعاملة – التى تعتمد فى الدرجة الأولى على التوكيل لقاء عوض مجهول – فى حدود البيع والشراء ليسر هذه العمليات ووضوحها، ولإبعاد المضاربة عن الأسباب التى قد تؤدى إلى النزاع، خاصة إذا كان عامل المضاربة هو نفسه صاحب الحرفة. ولا شك أن شراء الشئ وبقاءه على حاله طوال مدة المعاملة ثم بيعه كما هو عدداً ونوعاً وشكلاً، يختلف عن شرائه وتغيير وتبديل حاله ثم بيعه كشئ آخر مختلف عن المُشْتَرى فى الشكل والنوع والعدد.

ففى الحالة الأولى … تشترى السلع وتبقى على حالها حتى تباع، فيمكن أن تنفسخ المضاربة فى أى من مراحلها ويمكن أن ينضض المال بسهولة ويسر، كما أن تكاليف الشراء والنقل والتخزين والعرض والبيع ليست بالتكاليف المعقدة ويسهل مراجعتها عند الاختلاف، وهذه المصروفات لا تختلف كثيراً فى أسسها أو عناصرها، وإن تنوعت التجارة وتنوعت البضائع.

بينما فى حالة الحرف، فهى تتنوع وتختلف باختلاف الحرفة فشراء الحب وطحنه وخبزه فى الفرن ثم بيعه خبزاً، يختلف عن شراء الخشب والمسمار والغراء وقطعه وتشكيله بالعدد والأدوات وجمه كنضدة وصبغها أو صقلها ثم بيعها، وقد تستنفذ تكاليف الصنع جزءاً كبيراً من رأس المال، وهناك الهالك، وقد يختلط الحب أو الخشب المشترى مع غيره فيصعب معرفة المنتج إن ضارب العامل لأكثر من رب مال، أو يجبر هالك هذا ذاك، وهناك أجرة العمال والآلة والأدوات وغيرهم، والمباع لا يماثل المشترى، لا فى العدد ولا فى الشكل ولا فى الوزن ولا فى الوصف، وماذا عن أجر الطحان والخباز أو صاحب الحرفة لو كان هو نفسه العامل، وماذا عن فسخ المضاربة والمال عروض لم يزل فى طور الصنع لا مشترى ولا سوق له بعد؟

فهل رأى بعض الفقهاء أن هذا أكثر من أن يحتمله عقد المضاربة المبنى على الوكالة والثقة، وقد يؤدى جوازه إلى المنازعة فمنعوه منعاً للخلافات، قد يفسر هذا سبب منعهم لهذا النوع من المضاربة وأغلبهم أجازوها حين يستغل مالها فى الزراعة، والزراعة ليست كالتجارة إلا أنها عقد آخر جائز وربما وجدوا فيها بساطة التجارة، أو ربما أن الخبرة والعلم بها كانا منتشرين بين الناس فقل احتمال الخلاف، والذى يقف أمام صحة هذا الافتراض، أنهم لم يذكروه كسبب، وهذا ليس من عادتهم فهم قد أسهبوا فى شروحهم … إلا أنهم مع هذا الإسهاب لم يفسروا لماذا قالوا إن المضاربة لا تكون إلا فى التجارة، وتوقفوا عند هذا المبدأ، وكأنه من المسلمات الشرعية، وهو ليس منها ولأن هذا لا يخفى عليهم، فلابد أن يكون هناك سبب آخر مقنع لما ذهبوا إليه ولا يجوز لنا أن نخالفهم إلا عن فهم واقتناع.

فإذا نظرنا إلى وضع أصحاب الحرف فى العهد الإسلامى الأول … لا يسعنا إلا أن نفترض أن النزاعات بين أصحاب الحرف – الأجير المشترك – والناس، لابد وأن تكون قد وصلت إلى درجة مقلقة ضج منها الناس والقضاة حتى نستطيع تفسير ذهاب الخلفاء الراشدين عمر وعلى رضى الله عنهما إلى تضمين الصناع وحفاظاً على مصالحهم، وقد روى عن الإمام علي – كرم الله وجهه – أنه قال: ”لا يصلح الناس إلا ذلك“ وقد ذهب إلى هذا شريح القاضى وأبو يوسف ومحمد والمالكية، واختلف الفقهاء بعد ذلك فمنهم من ضمن الأجير المشترك، ومنهم من قال لا ضمان عليه.

والمقصود هنا محاولة استقصاء الأسباب التى دعت إلى منع هذه المضاربة، فهل يكون السبب – وقد دعت الحاجة إلى تضمين الأجير المشترك فى ما تحت يده حفاظاً على المصالح – أنهم لم يستطيعوا تضمينه فى مال المضاربة، لأنه لا يجوز تضمينه لو كان عاملاً فى قراض بغض النظر عن المصلحة المقصودة، لأن رب المال إن ضمن له رأس ماله فقد أَرْبى إِنْ ربح ماله وأخذ شيئاً من الربح. وعن على رضى الله عنه أنه قال: ”لا ضمان على من شورك فى الربح“ وروى معنى ذلك عن الحسن والزهرى.

وما تحت يد الأجير المشترك من خشب أو قماش أو غيرهما من متاع الناس ولمدد قصيرة، لا يقارن بمال المضاربة من دنانير ودراهم تسلم إلى المضارب وليس لصاحبها بعد هذا إلا الركون إلى أمانة المضارب وإخلاصه والقول قول المضارب إذا تلفت … فإن لم يستأمن السابقون الأجير المشترك على ما تحت يده من متاع الناس فكيف يُستأمن فى أموالهم. فمنعوا هذا النوع من المضاربة وأحالوا رب المال إلى عقد الإجارة الذى يمكن فيه تضمين الصناع وفق بعض المذاهب، إضافة إلى أن مجال الاسترباح فى الحرف كان ضيقاً فلم يجدوا ضرورة أو حاجة عند الناس تدعو إلى الترخيص به، ولم يكن أصحاب هذه الحرف بحاجة إلى التمويل الكثير فقد كانت عددهم وأدواتهم بسيطة، يملكونها فى أغلب الأحوال، فلم تتوجب ضرورة أوحاجة لتوفير التمويل لهم بعكس التجار الذين كانوا يحتاجون
إلى أموالاً كثيرة لتمويل تجاراتهم فلم تتوفر الأسباب التى من أجلها ترخص المعاملة التى اعتبروها على خلاف القياس.

ويختلف الوضع فى هذا العصر، فالحاجة والضرورة ماسة، وتتوقف عليها مصالح الناس ومنفعة الأمة، بل إن مجال الصناعة قد تعدى مجالى التجارة والزراعة فتوجب الترخيص بها لحاجة الناس لها، أما عن التضمين … فهذا لا يجوز إلا أن هذه الأمور يمكن التغلب عليها وفى نفس إطار المضاربة، وسيأتى ذِكْرُها بالتفصيل فى باب المضاربة بالقدرات فى هذا البحث، والله تعالى أعلم.

وقد رأى الحنابلة جواز هذه المشاركات، ودافعوا عنها كما سيأتى ذكره فيما بعد.

ثالثاً : المضاربة على عين يدفع بها رب المال إلى من يعمل عليها والربح بينهما:

ومثال ذلك أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، أو بآلة يعمل عليها أو شبكة يصطاد بها والرزق بينهما. وقد ذهب جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة – إلى عدم صحة ذ1لك، وعللوا ذلك أن المقصود من المضاربة هو المتاجرة برأس المال، وهذا لا يمكن بيعه، ولا يصح أن يكون رأس مال للمضاربة. والذى يتولى الكسب هو العامل فيكون له الرزق ولرب المال أجر المثل عن دابته أو آلته أو أن يدفع رب المال أجر المثل للعامل والرزق والدابة له.

وهذا رأى الأحناف كما جاء فى المبسوط للإمام السرخسى (جزء 22 ص 35): ”وإذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صاد بها من شئ فهو بينهما فصاد بها سمكاً كثيراً فجميع ذلك للذى صاد … وكذلك لو دفع إليه دابة يستقى عليها الماء ويبيع عليها أو لينقل عليها الطين ليبيعه أو ما أشبه ذلك“.

وهذا هو رأى الشافعية كما جاء فى أسنى المطالب شرح روض الطالب (جزء 3 ص 382): ”لو قارض شخص آخر على شبكة يصطاد بها، والفوائد والصيد الذى تستخرج بواسطة الشبكة تكون بينهما، لا يصح ذلك، وإنما يختص بهما العامل وللمالك أجر مثل الشبكة على العامل“.

وقال الشافعى وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى فى أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما: لا يصح، والربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذى يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله، لأن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة فى الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. (فقه السنة جزء 3 ص 300).

جاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”شرط أن يشترى شبكة ويصطاد بها والصيد بينهما، فهو فاسد ويكون الصيد للصائد وعليه أجرة الشبكة“.

وهذا ما ذهب إليه المالكية من عدم صحة ذلك، وكذلك رأى الإمامية، كما جاء فى جواهر الكلام.

وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك كله كما جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص9): ”وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح. نص عليه فى رواية الأثرم ومحمد ابن أبى حرب وأحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعى ما يدل على هذا“.

وقد تكون حجة جمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى عدم صحتها، أن هذه المعاملة لا يمكن تخريجها على المضاربة للأسباب التى ذكروها، وليست من باب الإجارة لأن العوض مجهول، ولهذا قالوا بفسادها وأحالوها إلى الإجارة وحددوا العوض بأجر المثل.

أما الحنابلة … فقد أجازوها من باب المعنى الأعم للمضاربة وهو باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك فى الرزق، هذا بماله وذاك بعمله وما رزق الله فهو بينهما، وهذا الباب أو النوع من الشركات، ومنه: المضاربة والمزارعة والمساقاة والمشاركات.

ويجب التنويه هنا أن هذه المعاملة وإن شابهت المزارعة، فى أن كلاً منهما دفع بالعين، فهى فى حالة الأرض الزراعية … اشترط بعض الفقهاء أن يكون الحب أو غيره من صاحب الأرض لأنها تنقص، أما فى حالة الدابة والشبكة والسفينة فكلها أعيان تعود إلى رب المال أيضاً ولكنها تستهلك ولو بقدر يسير، والذى هلك فى المعاملة هو منفعتها فى المدة التى دفعت فيها، والمنفعة مال عند كل الفقهاء عدا الأحناف، وهى لا تصلح أن تكون رأس مال فى مضاربة ولكنها تصلح فى المشاركة مثلها مثل منفعة العمل. وقد يمكن القول فى هذه الحالات إنها مشاركة منافع والله أعلم.

وجاء فى فقه السنة للأستاذ السيد سابق (جزء 3 ص 301) – عن ابن قدامة فى المغنى – : ”ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر فى المساقاة والأرض فى المزارعة. وقولهم إنه ليس فى أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها، وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعرض فاسد فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف فى رقبة المال، وهذا خلافه.

قال: ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطى فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو ألا يكون به بأس. قال إسحاق بن إبراهيم، قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز. وبه قال الأوزاعى.

وقال: وقالوا – أى بضع أئمة الفقه – لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر مثلها. وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على ما شرطا، لأنها عين تنمى بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض“.

وجاء فى الفقه الحنبلى فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية (فى نفس المرجع السابق): ”تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضه ويقول: أغرسها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهمان وكما يدفع إليه شجر يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو أبله يقوم عليها والدرَ والرسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها
والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة
يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها ومن كتاب ولا سنة
ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد، ثم منهم من أجاز المساقاة
والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجوازبالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر النسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك، هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة، حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الاجارة، قال: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصودة وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين فى الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا فى الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تأتى الشريعة بحل الاجارة وتحريم هذه المشاركات، وقد أقر النبى صلى الله عليه وسلم المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام،فضارب أصحابه فى حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كأنه رأى عين، ثم لم ينسخه ولم ينه عنه، ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه من بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، والله ورسوله لم يحرم شيئاً من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك، فإذا بلى الرجل بمن يحتج فى التحريم بأنه هكذا فى الكتاب وهكذا قالوا، ولا يدله من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدى إليه، فأنها حيل تؤدى إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة“.

ومما سبق … نجد أن الرأى أن هذه المعاملات كلها تشبه المضاربة والمزارعة والمساقاة إلا أنها أنواع أخرى تتبع نفس المقصد وهو دفعت العين التى تنمى بالعمل عليها إلى من يعمل عليها وينميها ببعض نمائها. وتكون المضاربة فى أحوال التجارة، وتكون المزارعة والمساقاة فى حالة الأرض الزراعية، والمشاركة الصناعية فى حالة الحرف والصناعة، وغيرها من الأسماء التى تعود إلى المشاركة فى استثمار يختص بمجال معين، وكلها تعود لنفس المبدأ وإن اختلفت فى التفاصيل.

ويمكن تخريج المشاركات – التى قال بها الحنابلة – كدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، إما : بأنها دفع لعين دفع لعين تنمو بالعمل إلى من يعلم عليها وينميها بجزء من نمائها، كالمزارعة والمساقاة والمضاربة. أو تخريج هذه المشاركات على أنها مشاركة منافع فى الكسب الذى يتحصل عليه من بذلها.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

مجالات الاستثمار في المضاربة

تقوم المضاربة على أساس أن يدفع الرجل ماله إلى من ينميه بالعمل في مجال التجارة، على أن يقتسما الربح بنسبة شائعة بينهما، وهذا يشابه المبدأ الذي تقوم عليه معاملتا المزارعة والمساقاة، إلا أن المضاربة لها شروطها الخاصة بها لأن المال فيها معرض للهلاك أكثر من تعرضه للهلاك في عقدي المزارعة والمساقاة، لأن العامل يتصرف فيه بيعاً وشراء فيتبدل من حال إلى حال، ولهذا اجتهد الفقهاء – منذ فجر الإسلام وإلى يومنا هذا – في بيان حدود المضاربة ووضع شروطها، وقد يكون حصرهم لها في حدود التجارة قد نتج عن أنها كانت في الأصل تستخدم في هذا المجال، ففي العصر الجاهلي والإسلامي المكي كان القراض من وسائل التمويل المستخدمة بجانب التمويل الربوي، الذي حرِّم في القرآن الكريم في آخر ما نزل في المدينة من آيات الربا، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الشريف:

{ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا}(سورة البقرة الآية 275)

ومكة في العصر الجاهلي، وبحكم موقعها المتحكم في أحد الخطوط المهمة للتجارة العالمية … كانت مجتمعاً يتكسب بالدرجة الأولى من التجارة، وكان لأهلها رحلتان في كل عام : رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام. وكان الطريق التجاري محفوفاً بالمخاطر والمشقات، فأقاموا الأحلاف وعقدوا العهود مع القبائل العربية الأخرى لتأمين الحماية لقوافلهم، وساعدهم على ذلك ما كانوا يتمتعون به من مركز مرموق، واحترام عند قبائل العرب، فأدى هذا الاستقرار إلى أن ازدهرت تجارتهم فأصابهم منها الخير الكثير.

إلا أن السفر مع القافلة كان من الأمور الصعبة الشاقة التي لا يقدر عليها سوى ذوي القوة والعزم والجلد، فكان أغنياء قريش وموسريها – الرجال منهم والنساء ممن لا قدرة لهم على تحمل هذه المشقة وبذل هذا الجهد – يدفعون بأموالهم إلى من يتاجر لهم فيها لقاء نصيب من الربح، ومنهم من كان يقرضها بالربا إلى التاجر الذي يعوزه التمويل، ويقال إن العباس بن عبد المطلب ورجلاً من بني المغيرة وفي رواية أخرى وخالداً بن الوليد، كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف، ويقال إن من تسلف هم بنو المغيرة من أهل الطائف كانوا تجاراً يتسلفون لتمويل تجارتهم بالربا، والله أعلم.

ونظراً لقدم عهد القرشيين بهذه التجارة، وتحكمهم في طريقها، وتنظيمهم لشؤونها، ومكانتهم بين العرب، لم يكن لأحد أن ينافسهم في تجارتهم هذه، مما نتج عنه أنها كانت في أغلب أحوالها تجارة رابحة، إلا أن تتعرض قوافلهم للسيول الجارفة أو الأعاصير وغيرها من العوامل القاهرة، أو أن ينشب النزاع بين القبائل لثأر أو لغيره من الأسباب التي قد تعكر صفو العلاقات فتختل تجارتهم، فيتدارك المكيون هذه الخلافات ويعالجونها بحكمة حتى تعود تجارتهم إلى عهدها الزاهر. وكان للعرب في الجاهلية أسواقهم المحلية أيضاً مثل : عكاظ ومجنة وذو المجاز.

وقد سافر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه القوافل أكثر من مرة، أولها مع عمه أبى طالب وهو يومئذ صبي في التاسعة أو الثانية عشرة من عمره على الأكثر، ونزلت القافلة بسوق بصرى الشام، ثم سافر وهو فتى في العشرين من عمره، وصحبه أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى الشام، وكانت السيدة خديجة رضى الله عنها ذات مال تتجر في مالها بطريق القراض مع من تثق فيه من التجار، فلما سمعت بأمانة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم دفعت إليه ببعض مالها فسافر به عليه الصلاة والسلام ومعه غلامها ميسرة إلى الشام، فربح في تجارته.

وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة … كان أهل المدينة يتكسبون من الزراعة والنخل، وكانت عندهم معاملتان مشابهتان للقراض هما المزراعة والمساقاة، يدفع الرجل أرضه أو شجره إلى من يزرعها أو يقوم عليه بجزء من الزرع أو الثمر، ومثل هذا ما عرضوا على المهاجرين بعد عرضهم أن يملكوهم الأرض ليتكسبوا منها. وكان بعضهم يعطي الأرض على أن له ناحية من الزرع فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأصبح نصيب كل من رب الأرض والمزارع مشاعاً في الزرع أو الثمر.

وشرعية المضاربة مبنية على أنها سنة تقررية، أي إن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرها على ما كانت عليه من حيث المبدأ، ولأنها كانت في التجارة … فقد حصرها الفقهاء الذين اعتبروها على خلاف القياس في حدود التجارة، إلا أن بعضهم قد أجاز للمضارب أن يستثمر مالها في مجال الزراعة، ويبدوا أن هذا من تأثير المدينة التي اعتمد المسلمون فيها على الزراعة كمصدر كسبهم، أما عندما تطرقوا إلى استثمار المال في مجال الحرف، والتي لم تكن من وسائل الكسب المشهورة في مكة أو المدينة؛ فقد منعها الجمهور عدا الحنابلة وهم من قالوا إن المضاربة أصل يقاس عليها.

وسواء كانت المضاربة أصلاً أو خلاف القياس … فإن المبدأ الذي تقوم عليه هو صحة استحقاق العامل الكسب بعمله، وصحة استحقاق صاحب المال الكسب بضمانه، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : الخراج بالضمان، ولقوله عليه الصلاة والسلام في أفضل الكسب: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور. ولو عمل الرجل في ماله فربح، فربحه حلال له لقاء العمل ولقاء المال، ولا يختلف إن عمل في التجارة أو الصناعة أو غيرهما، فإن كان المال منه والعمل من آخر وربحا فهذا يستحق نصيباً من الربح لماله، وذلك يستحق نصيباً لعمله.

ولا علاقة لهذه المعاملة بالإجارة؛ فالعمل ليس ما يقصده رب المال، والأجر ليس ما يقصده العامل، وإنما قصدا الربح، هذا مخاطر بماله وذاك مخاطر بعمله، وكلاهما يأمل في تحقيق الربح. وليس في هذه المعاملة شبهة ربا، ولا أكل أموال الناس بالباطل، ولا يشوبها أي من المحرمات أو ما نهى عنه أو مما كره وقد جازت بالإجماع.

والتجارة حلال والزراعة حلال والصناعة حلال وكلها عمل يبارك الله لمن يتقنه ويحسنه ويخلص فيه. ومهما كانت الأسباب التي دعت الفقهاء إلى منعها في غير التجارة – ولا نشك في صوابها آنذاك – إلا أننا لا نستطيع إيجاد سبباً يدعونا إلى حصرها في مجال التجارة، فيتوفر التمويل بالمشاركات للتجار والزراع، بينما يترك أصحاب الحرف والصناعة بدون التمويل، والذي بدونه لن تدور عجلة الإنتاج بالكفاءة المرجوة، ولن تكون هناك تجارة إلا تجارة ما نستورده من الدول التي تمول مصانعها بالربا، والصناعة الحديثة تختلف عن صناعة أصحاب الحرف؛ فإن أمكن استئجارهم … يصعب استئجار مصنعاً، بل ولن يبنى مصنعاً على أساس أنه سيكون متوفراً لمن يريد استئجاره، وبالطبع … يمكن إحالتهم إلى الشركات ولكن رب المال قصد المضاربة لأنه عاجز أو منشغل، أضف إلى هذا كله أن إحالة رب المال إلى الإجارة والشركة مع أصحاب الحرف فيها تفريق، فكما يحال هذا … كان يمكن أن يحال المقارض والتاجر إليهما، وكما يمكن أن يُستأجر صاحب الحرف … يمكن استئجار التاجر أو عقد شركة معه، وهذا ما لم يقال به في المضاربة فقد رخص بها للحاجة إليها لأن الاستئجار لا يحل محلها ولو حل لم يرخص بها.

وقد خصص هذا الباب – من هذه الدراسة – لهذا الموضوع لأهميته القصوى في بناء اقتصادنا الإسلامي المعاصر، والذي من دعائمه المشاركة بين المال والعمل، وتكييف هذه المشاركات بما يناسب ظروف عصرنا وتقتضيه الحاجة الملحة وبما يعود بالخير على الأمة الإسلامية.

<< previous page next page >>

الفصل الثامن

آثار المضاربة الفاسدة

أولاً : فساد المضاربة بتخلف شرط من شروط صحتها

إذا فسدت المضاربة نتيجة تخلف أو اختلال شرط من شروط صحتها، ولا تعدى من قبل العامل … فقد قال الفقهاء فيما يتعلق بالربح والضمان، وأجر المثل والتصرف ما يلي:

1- الربـح:

قال الحنابلة في المغني (جزء 5 ص 52): ”أن الربح جميعه لرب المال، لأنه نماء ماله، وإنما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط، فلم يستحق منه شيئاً“.

وقال الأحناف والشافعية والإمامية والزيدية بمثل هذا، فيكون رأي الفقهاء أن الربح في القراض الفاسد لرب المال، والخسارة عليه وللعامل أجر المثل.

أما المالكية … فقد قالوا في بعض حالات فساد القراض إن للعامل قراض المثل، وهو مثل ما يأخذه عامل آخر في قراض مماثل، وقد يكون قراض المثل أيضاً هو نفس القراض الذي فسد؛ إذا كان الشرط المفسد لا يؤثر في عمل المضارب وقدرته على تحقيق الربح والله أعلم. وقد ذكروا في المضاربة الفاسدة ثلاثة أوجه: الأول إذا قارض رب المال العامل على عرض يبيعه ويقارض بثمنه، أو وكله على تحصيل دين له من آخر ليعمل به قراضاً، فامتثل العامل وباع العرض أو حصل الدين وضارب بالمال، فيكون له أجر مثل عمله في توليه بيع العرض أو تحصيل الدين، وله ربح مثله إضافة لما تقدم إن عمل في المضاربة وربح (الشرح الكبير للدردير جزء 3 ص 456).

والثاني لو كان نصيب العامل من الربح مجهولاً، أو عين المالك له وقتاً تنتهي بإنتهائه، أو قيده بالبيع والشراء من شخص معين، أو شرط عليه الضمان، أو قيده بالتجارة فيما يوجد تارة وينعدم أخرى، أو اختلفا في جزء الربح فقال العامل لي الثلثان وقال المالك لك الثلث مثلاً وكان العرف لا يقر دعوى أحدهما، ففي هذا كله يكون للعامل قراض المثل، إن عمل في المال وربح وإن لم يحصل ربح فلا شئ له. (شرح الزرقاني جزء ص 215، 216).

وفيما عدا ما سبق … فللعامل أجر المثل، إذا فسدت المضاربة في غير هذين الوجهين، وله أجر المثل سواء ربح القراض أم لم يربح. وأضاف المالكية أن ما وجب فيه قراض المثل يستمر العامل في العمل حتى ينض المال، بخلاف ما وجب فيه أجرة المثل … فإنه لا يلزمه شئ من ذلك، وقالوا إن العامل في قراض المثل، يكون أحق من الغرماء، بينما هو اسوتهم في أجرة المثل.

وجاء في كتاب فقه المضاربة للدكتور علي حسن عبد القادر في صفحة 30، 31 – وانظر ص 59، 60: ”والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل أن قراض المثل متعلق بنماء ذلك المال وإن كان فيه ربح فله حصته وإن لم يكن له ربح فلا شئ له على الأظهر، وأما أجرة المثل فإنها متعلقة بذمة صاحب المال“.

ويضيف الدكتور علي حسن عبد القادر: ”ولا يستحق المضارب في المضاربة الفاسدة النفقة ولا الربح المسمى، وإنما له أجر عمله سواء كان في المضاربة ربح أو لم يكن؛ لأن المضاربة الفاسدة، في معنى الإجارة الفاسدة والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الاجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل والربح كله يكون لرب المال، ولأن الربح نماء ماله والخسران عليه“.

2- الضمان:

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”ولا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه“. وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية والإمامية والزيدية، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة.

3- أجر المثل:

وجاء في مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 518): ”وإذا فسدت المضاربة فالربح لرب المال، لأنه نماء ماله، والعامل إنما يستحق بالشرط، فإذا فسدت فسد الشرط، فلم يستحق شيئاً، وللعامل أجر مثله نصا، ولو خسر المال أو ربح“.

وقال الأحناف والشافعية والإمامية والزيدية بمثل هذا، فقد قال الرملي (جزء 5 ص 228، 229) عند الشافعية إذا فسدت المضاربة: ”نفذ تصرف العامل، والربح بكماله للمالك لأنه نماء ملكه، والخسران عليه، وعليه للعامل أجرة مثل عمله وإن لم يحصل ربح“.

وجاء في الفقه الحنفي في تكملة رد المحتار بوجوب أجر المثل عند فساد المضاربة، سواء كان في المال ربح أم لم يكن، وسواء زاد أجر المثل على ما سمي له من الربح أم لا.

جاء في تكملة فتح القدير (جزء 7 ص 60): ”والربح لرب المال، لأنه نماء ملكه وهذا هو الحكم في كل موضع لم تصح المضاربة، ولا تجاوز بالأجر القدر المشروط عند أبى يوسف خلافاً لمحمد كما بينا في الشركة، ويجب الأجر وإن لم يربح في رواية الأصل لأن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع أو العمل وقد وجد“.

أما المالكية … فقد أوجبوا أجر المثل، كما سبق – في بعض الحالات – كما أوجبوه، عندما يكون العمل المستحق عليه هذا الأجر، خارج نطاق عمل القراض.

4- التصرف:

جاء في الفقه الحنفي في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 326): ”كل ما جاز للمضارب في المضاربة الصحيحة من شراء أو بيع أو إجارة أو بضاعة أو غير ذلك، فهو جائز له في المضاربة الفاسدة“.

وجاء عند الحنابلة في المغني (جزء 5 ص 52): ”أنه – أي العامل – إذا تصرف نفذ تصرفه، لأنه أذن له فيه، فإذا بطل العقد بقى الأذن فملك به التصرف كالوكيل“.

وجاء مثل عند الإمامية والزيدية والمالكية، واتفق معهم الشافعية إلا في حالة إذا كان فساد القراض، ناتجاً عن قصور في أهلية العاقد، أو كان المتعاقد معه ولياً أو وكيلاً للمالك الأصلي، وجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 228، 229): ”وإذا فسد القراض وبقى الأذن لنحو فوات شرطه ككونه غير نقد، والمقارض مالك، نفذ تصرف العامل، نظراً لبقاء الأذن كالوكالة الفاسدة، أما إذا فسد لعدم أهلية العاقد أو والمقارض ولي أو وكيل فلا ينفذ تصرفه“.

ثانياً : فساد المضاربة بتعدي العامل

أما إذا فسدت المضاربة نتيجة تعدي العامل، وهو مخالفته لشرط من الشروط التي حددها المالك له في العقد، والتي يجوز للمالك اشتراطها، كأن ينهاه عن السفر بماله فيسافر به، أو أن يتعمد المضارب هذا الإخلال لتفسد المضاربة … فإن العامل يضمن المال، ويصير بمثابة الغاصب للمال، جاء في شرح الزرقاني (جزء 6 ص 222) في الفقه المالكي: ”وضمن – أي العامل – أن تعدى وخالف“. وجاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87) في الفقه الحنفي: ”إذا خالف شرط رب المال صار بمنزله الغاصب، ويصير المال مضموناً عليه“. وذهب أيضاً الشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية إلى تضمين العامل للمال إذا خالف ما شرطه عليه رب المال.

أما عن الربح … فقال المالكية والشافعية والإمامية إن خسارة المال على العامل، والربح له ولرب المال على ما كانا قد اتفقا عليه عند إبتداء المضاربة. جاء عن الإمام الحطاب في مواهب الجليل (جزء 5 ص 366): ”أن العامل إذا تعدى وقلنا أنه ضامن المال ان تلف وخسر فلا يختص بالربح ويقال أنه لما يضمن الخسارة فليستبد بالربح؛ بل الربح لهما على ما شرطا، لأنه يُتهم أن يكون قصد الإستبداد بالربح فعوقب بنقيض مقصوده، ولأننا لو قلنا الربح للعامل بتعديه لكان ذلك حاملاً على التعدي ليستقل بالربح، ولهذا قلنا أن كل من أخذ مالا للتنمية كالوكيل والمبضع فالعزم عليه والربح لرب المال، أما القارض فالربح لهما على شروطهما“.

وقال الحنفية أيضاً بضمانه لرأس المال، إلا أنهم قالوا إنه بضمانه لرأس المال … يكون له كل الربح، وذهب أبو حنيفة إن عليه أن يتصدق بالربح، بينما قال أبو يوسف لا يتصدق به، لأن الضمان قد لزمه فيطيب له أخذه.

أما الزيدية … فقد قالوا إن العامل لا يستحق شيئاً من الربح أو أجرة المثل، وفي رأي آخر لهما … إن على رب المال والعامل أن يتصدقا بالربح. وللزيدية آراء أخرى، منها أن الربح بينهما على ما اتفقا عليه، فإن لم يك ربحاً فليس للعامل شئ، ومنها إن كان ثم ربح وأجاز المالك؛ فللعامل في الصحيحة الأقل من المسمى وأجرة المثل.

أما الحنابلة … فقالوا إن العامل لا يستحق شيئاً من الربح، وفي رأي آخر لهم إن على رب المال والعامل أن يتصدقا بالربح، ولهم رأي ثالث إن العامل يستحق الأجر وإن خالف وتعدى، وفي مقدار هذا الأجر … عندهم روايتان، إحداهما أجر مثله إن كان أقل من الربح وثانيتهما الأقل من المسمى أو أجر المثل.

<< previous page next page >>