الفصل الثاني – الآيات القرآنية في خلق الإنسان – الخلق من نفس واحدة

 

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)} الزمر

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)} النساء

{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(28)} لقمان

في هذه الآيات يشير القرآن الى أن الله تعالى خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها، وهذا يفيد التعقيب والتراخي الزمني، لا يوجد لدينا في الآيات القرآنية التي تسرد قصة آدم وزوجه وهما في الجنة، ما يدل على أن زوجة آدم قد خلقت من ضلعه، أو خلقت منه، وقول الله تعالى للملائكة اني خالق بشرًا من طين، لم يرد فيه خلق زوجه، ثم إخباره تعالى الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وما تلاه من تعليمه الأسماء وسجود الملائكة له، لم يأت فيه ذكر خلق زوجة آدم، أما قصة خلقها من ضلع آدم فهذه رواية توراتية، لم يذكرها القرآن بتاتًا، ولم يأت ذكر زوجة آدم إلا بعد انتهاء هذه الأحداث، إذ كان أول ذكر لها في قوله تعالى: {وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(19)} الأعراف، وقوله تعالى : {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (35) البقرة، وهنا نجد ظهور زوجة آدم كان دون مقدمات، وهذا ما نتوقعه لو كانت زوجة آدم موجودة ولم تخلق آنذاك من ضلعه أو من الطين، بل أن أبليس يتوعد آدم وذريته قبل ورود أي ذكر لزوجة آدم، فمن أين لأبليس أن يعرف أنه من آدم البشر -الذي إن كان الله خلقه في البدء وحيدًا- سوف يكون له زوجة وذرية، ولكنه كان سيعلم ذلك لو كان آدم مصطفى من الناس الذين يتناسلون في الأرض آنذاك.

بالرغم من قولنا أن قصة خلق زوجة آدم لم ترد في القرآن، إلا أن الآيات التي نحن بصددها هنا تشير الى خلق نفس واحدة ثم خلق زوجها منها، وقد تكون هذه النفس الواحدة هي آدم وعليه فتكون زوجته قد خلقت منه، وبهذا يمكننا أن نعيد كل هذه الآيات المشيرة الى خلق أو جعل زوجة من النفس الواحدة الى آدم وزوجه، وهذا ما ذهب اليه المفسرون، ويصح هذا التفسير المرحلي في المراحل السابقة، وبفرض أن آدم خلق مباشرة من التراب، فتكون زوجته قد خلقت منه، ولم تخلق مثله مباشرة من التراب، تعبيرًا وتأكيدًا عن القرابة والألفة والمودة بينهما، إلا أن النص القرآني لم يذكر هذا الخلق الإعجازي، والذي يستدعي الوقوف عنده لو كان هذا ما حدث. أما إذا لم يكن آدم قد خلق مباشرة من التراب، وانه ظهر عبر سلالات تطورية، من أصل الخلية الواحدة، فلا بد أن زوجه أيضًا كانت من نتاج هذه السلالات التي تعود الى نفس هذه الخلية الواحدة، فاذا كان الأمر كذلك، فلن تعود هذه الآيات على آدم، وأنما ستعود الى أول خلية حية ظهرت على هذا الكوكب، ثم انقسمت الى خليتين، حيث كان التكاثر في المرحلة الأولى بطريق الإنقسام، كما هو حال البكتيريا اليوم، وعندما انقسمت الخلية الأولى الى خليتين، خلق منها زوجها، والزوج في أصل اللغة مطابق للأصل، وهذا بالضبط ما حدث للخلية الأولى، أما الإشارة الى {…خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ….} النساء، فيمكن القول أن ما بين النفس الواحدة وزوجها حتى كثرة الرجال والنساء سلالات كثيرة وزمانا طويلا يقدر ببلايين السنين، كما هو طول الزمان في قوله : {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)} الروم .

والذي يدعونا الى ترجيح هذا المعنى هو أن الأشارة الى آدم وردت في القرآن بلفظي بشر وآدم، بينما لفظ ”نفس“ يستخدم للتعبير عن أي ذات حية، والجسد، وعين الشيء أي كنهه وجوهره، والروح {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (28) الفجر، وليس ما يمنع أن يشير اللفظ ”نفس واحدة“ الى آدم البشر، أو أن يشير الى أول كائن حي يمكن أن يخلق منه زوجه، ويكون هذا في أول خلية حية خلقت ثم انقسمت فكان منها زوجها، وهذا إما أول خلية بسيطة حية، أو أول كائن أنقسم الى ذكر وأنثى ليبدأ معه التكاثر عن طريق التوالد لا الإنقسام، والأرجح أن نعود الى أول خلية حية.

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

جاء عن القرطبي: الآية ””(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يُرِيد آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل السُّورَة (فمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَأَبُو عَمْرو وَعِيسَى وَالْأَعْرَج وَشَيْبَة وَالنَّخَعِيّ بِكَسْرِ الْقَاف , وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا . وَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , إِلَّا أَنَّ التَّقْدِير فِيمَنْ كَسَرَ الْقَاف فَمِنْهَا ” مُسْتَقَرّ “ وَالْفَتْح بِمَعْنَى لَهَا ” مُسْتَقَرّ “ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : فَلَهَا مُسْتَقَرّ فِي الرَّحِم وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَرْض الَّتِي تَمُوت فِيهَا ; وَهَذَا التَّفْسِير يَدُلّ عَلَى الْفَتْح . وَقَالَ الْحَسَن : فَمُسْتَقَرّ فِي الْقَبْر . وَأَكْثَر أَهْل التَّفْسِير يَقُولُونَ : الْمُسْتَقَرّ مَا كَانَ فِي الرَّحِم , وَالْمُسْتَوْدَع مَا كَانَ فِي الصُّلْب ; رَوَاهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَهُ النَّخَعِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : مُسْتَقَرّ فِي الْأَرْض , وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَصْلَاب . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قُلْت : لَا ; فَقَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَخْرِج مِنْ ظَهْرك مَا اِسْتَوْدَعَهُ فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ الْمُسْتَقَرّ مَنْ خُلِقَ , وَالْمُسْتَوْدَع مَنْ لَمْ يُخْلَق ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : وَمُسْتَوْدَع عِنْد اللَّه . قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل ” وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ وَمَتَاع إِلَى حِين “[الْبَقَرَة:36 ] وَالِاسْتِيدَاع إِشَارَة إِلَى كَوْنهمْ فِي الْقَبْر إِلَى أَنْ يُبْعَثُوا لِلْحِسَابِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة.““

كل مخلوق حي يبدأ من خلية واحدة وفي حالة الإنسان تكون هذه الخلية هي البويضة المخصبة، والتي تنقسم على نفسها، أي منها يخلق زوجها، وتتوالى الإنقسامات، ليبدأ بعدها الإنقسامات المتخصصة التي تكون الأعضاء والأجهزة المختلفة في الجسم الحي.

وفيما عدا أول خلية حية، فان أي خلية يجب أن توجد عن ومن خلية أخرى، وكل خلية تأخذ معها من الأولى، نسختين عن شفرة الجينات تقبعان في نواتها، وتتكون الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) من ثلاثة بلايين وحدة توجد فى كل من خلايا الجسم البشري التى يبلغ عددها 100 تريليون خلية ( التريليون يساوى الف بليون ) ويتألف الحمض ( دي ان ايه ) من سلسلة من مركبات الفوسفات والسكر الخماسي على التعاقب من اربع قواعد نيرتوجينية فى صورة تباديل وتوافيق هى الادنين والسيتوزين والجوانين والثايمين وتحمل هذه الوحدات الاربع الاساسية فى الشفرة الجينية وفي الجزء الصغير منها الذي تم فك شفرته، الارشادات الكاملة اللازمة لتكوين الكائن الحي .

ويوجد فى الجسم 20 حمضا امينيا مختلفا تعتبر بمثابة اللبنات الاساسية لبناء جسم الانسان وهى تستخدم فى سلسلة من التكوينات لانتاج مختلف البروتينات من الكيراتين الموجود فى الشعر الى الهيموجلوبين الموجد فى الدم .

لا توجد وظيفة معروفة للغالبية العظمي لنحو 97 % من مجموعة الشيفرات الوراثية للانسان، ويعتقد العلماء أنه لا وظيفة لها، إلا أنه لو تبين غير ذلك، فان هذا الجزء الكبير قد يشتمل على معلومات قد تكون ذات أهمية كبيرة.

ولا يختلف الحمض النووي من انسان الى آخر الا بنسبة لا تتجاوز 0,2 فى المائة (واحد فى كل 500 وحدة) وهو ما يأخذ فى الاعتبار ان الخلايا البشرية تحمل نسختين من الشيفرات الانسانية. ويماثل الحمض النووي البشري الحمض النووي للشمبانزي بنسبة 98 % ويقدر عدد الجينات فى الانسان والفأر بما بين 60 الف و100 الف وفى الدودة الاسطوانية بنحو 19 الف جين وفى فطر الخميرة بنحو ستة الاف جين وفى الميكروب المسبب للدرن بنحو اربعة الاف.

مما سبق فكل مخلوق مركب يبدأ خلقه من خلية واحدة، ويستقر في نواتها الحمض النووي الذي هو بمثابة كتاب مودع فيه كافة معلومات بناء هذا المخلوق وكيفية بناءه، بل أن هذا الكتاب يصبح مصنعًا لإنشاء المخلوق حيث يرسل تعليمات وأوامر بناء الى المواقع المحددة التي يتم فيها بناء كل عضو وجهاز، وفق برنامج زمني محدد. النفس أو الخلية مستقر ومستودع، المستقر هو القرار المكين في نواة الخلية والمحمي بجدار خارجي وآخر داخلي حول المكان الذي تقبع فيه سلسلة الحمض النووي، والمستودع هو المكان الذي تحفظ فيه المعلومات وأوامر البناء. وهذا يكفي لتفسير أننا جميعًا أنشأنا الله سبحانه وتعالى من نفس واحدة هي البويضة المخصبة، والتي انقسمت على نفسها فجعل منها زوجها ثم منهما خلق الكائن.

ولو أردنا الرجوع الى أول خلية نشأت على الأرض، تكون النفس الواحدة هي أول خلية بسيطة تكونت، ثم انقسمت على نفسها، ثم تطورت إما الى مخلوق ذو خلية وحيدة كالبكتيريا، أو الى مخلوق متعدد الخلايا، تطور وتفرع عنه كافة أنواع الحياة المعقدة التركيب، ويحمل كل موجود حي خلايا تتطورت عبر مراحل كثيرة عن نفس الخلية الأولى، وفي كل من هذه الخلايا توجد نسخ مطابقة عن السلسلة الإهليجية له، تورث نوع بعد نوع، وجيل بعد جيل، وقد تتطور وتتبدل وتتحسن، تحمل في جزء منها كافة المعلومات الموروثة والأوامر اللازمة لتكوين نفس الجسم الحي، ومعلومات تبين تاريخ تطوره، والله أعلم سبحانه يخلق ما يشاء.

{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}(12) الزخرف

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات

في هاتين الآيتين، نجد أن الآية تشير الى خلق الأزواج كلها، وتتعلق بكل شيء، بما يشمل كل الأنواع الحية التي نعرفها، والتي لا نعرفها، وفي قوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون }َ(36) يس ، توحيد لمكونات خلق هذه الأزواج، بما يشتمل أيضًا على الأزواج من النوع الإنساني، والتي وردت في قوله تعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …} (11) فاطر، أي أن الأزواج تخلق مما تنبت الأرض ومن النوع نفسه ومن غيرهما، وبناء على نوع الإنسان الذي ذكر عنه أنه خلق من تراب ثم من نطفة ثم جعل أزواجا، يمكن بالقياس استنتاج أن كل الأنواع الحية مرت بنفس المراحل التي مر بها خلق الإنسان والتي سبقت وجود الأزواج، فهل يكون المخلوق من التراب ثم من النطفة هو ذاته الذي تفرعت منه كل الأنواع والأجناس بما فيها النوع الإنساني، ليس في هذه النصوص ما يعارض هذا المعنى.


وفي قوله تعالى :{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)} فاطر

تدل الآية الكريمة على أن الماء الواحد، يخرج به تنوع الخلق وتنوع ألوانه وهيئته وشكله وصفاته، وجاء في التفاسير: ”قَوْله تَعَالَى : ” أَلَمْ تَرَ “ هَذِهِ رُؤْيَة الْقَلْب بِمَعْنَى أَلَمْ تَعْلَم.” والماء الذي نزل من السماء فأخرج به الله تعالى هذه الأنواع المختلفة من الأحياء والجماد، يشمل المطر الأول الذي أدى الى ظهور الحياة عندما اختلط الماء مع تراب الأرض، ويشمل كل المطر الذي نراه والذي يخرج الحي من البذرة المدفونة في الأرض الجافة، ويعطي جدد الجبال أي طرائقها الألوان المختلفة عن أصل لونها. ويهمنا هنا الإشارة الى اختلاف الوان الجبال الذي يدل على تغير التكوينات الصخرية نتيجة المطر، ويعبر اللون الأحمر عن تأكسد الحديد، وهذا اشارة الى ظهور الأكسجين في الغلاف الغازي الأرضي، نتيجة عملية التبادل الضوئي التي قامت بها الكائنات الكلوروفية خلال مرحلة سابقة من عصور الأرض الجيولوجية، سابقة لظهور الثدييات ومنها الناس والدواب والأنعام، أي أن النباتات والكائنات الكلوروفية أطلقت الأكسجين في الجو، مما أدى الى ظهور الطبقات الحمراء المتأكسدة، ثم ظهرت الثدييات التي تعتمد على الأكسجين في تنفسها. النباتات المثمرة المذكورة في الآية لم تظهر الا في عصر قريب نسبيًا، إلا أن النباتات الخضراء والكائنات الكلوروفية ظهرت في المرحلة السابقة التي ذكرناها، وكان لها الدور الأساسي في تغيير جو الأرض وتوفير الأكسجين الذي أدى الى ظهور المخلوقات معقدة التركيب ونحن منها.

أضف الى هذا أن بعض العلماء في هذا العصر أصبحوا مؤخرًا يرجحون أن الحمض النووي الذي أدى الى ظهور أول خلية على سطح كوكبنا، تكون على جسيمات أو غبار الفضاء، ونزل على الأرض من السماء، ويصح لغويًا التعبير عن هذه الأحماض المركبة بلفظ ماء، كما نفعل مع النطفة وغيرها.


ونلاحظ أن الأزواج وردت في القرآن للدلالة على ثلاثة أنواع:

الأول في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات، و”كل شيء“ يدل على كل شيء في هذا الكون، فيشمل الجماد والحي، النجوم والجبال، الصخور والتراب، وهذا يدلنا أن كل شيء في هذا الكون له مماثل، قد يكون مطابقًا له، أو معكوسا عنه كصورة المرآة، وقد توصل العلم الى ذلك، في موضوع ضد المادة Anti-matter .

والثاني في قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ..(98)} الأنعام، وقوله تعالى {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا….} الزمر، والآيات التي كنا بصددها، وتدل على الزوجية التي نشأت عندما انقسمت أول خلية حية فتكون منها زوجها.

والثالث في قوله تعالى:{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا(44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)}النجم، وقوله تعالى {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(39)}القيامة، وقوله تعالى {فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا …(11)} الشورى. وهذه الآيات تدل على زوجية نوع الإنسان خاصة والأنواع الأخرى عامة من ذكر وأنثى.


{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ(15)} غافر

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)}الذاريات

في الآيتين من سورة الذاريات، نجد إعلام الناس ان الله خلق من كل شيء زوجين، ففروا الى الله، وحرف الفاء يفيد العطف والإتصال بلا مهلة والتعقيب والسببية، ولهذا نجد علاقة بين خلق الزوجية في الأشياء، والتي بسببها يجب علينا أن نفر الى الله تعالى، بالطبع الزوجية التي هي الذكر والأنثى لا تستدعي الفرار الى الله، ولا ينطبق عليها زوجية كل شيء، كما سبق وذكرنا أنها تشمل الجماد والحي، والتي افترضنا أنها الزوجية التي بين المادة وضد المادة، فهذين الزوجين لو تلامسا لهلكا على الفور، وحيث أنهما موجودان في هذا الكون، فكأنهما السيف المعلق فوق رؤوسنا، والذي منه هلاكنا بل واندثار الكون كله ليصبح هباء في أي لحظة، هذه الزوجية تستدعي الأنذار وتستدعي الفرار الى الله. ويقول الله تعالى : {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)} غافر، ويوم التلاقِ تعبيرًا عن اليوم الذي تزول فيه السماوات والأرض، وربما والله أعلم، سمي يوم التلاقي لأنه اليوم الذي يلتقي فيه الزوجين، أي المادة مع ضدها، فيزولا ويندثرا.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)الله الصمد(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)} الاخلاص

{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11)} الشورى

الله تعالى من صفاته أنه أحدٌ، ليس كمثله شيء، ولهذا فليس في الكون ما هو أحدٌ غيره، أما كل شيء في الكون فله زوج، ونحن نرى الأزواج في كل الأحياء، سواء كان من ذكر وأنثى أو بالإنقسام، ولكننا لا نرى ذلك في الجماد، كالصخور والنجوم، ولهذا فالزوجية هنا يجب أن تعود الى المادة وزوجها من ضد المادة، وهذا يعني بالضرورة أن مصيرهما الفناء، أما الواحد الأحد، فيبقى خالدًا الى الأبد، وفي قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} الرحمن.


{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} الفرقان

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} الانبياء

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)} النور

نجد في آية سورة الأنبياء توحيد الخلق من الماء لكل المخلوقات الحية، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، ونجد في آية سورة النور وحدة تكوين كل الدواب من الماء، وهذه الآيات التي جمعت جميع المخلوقات لا تبين بالضرورة أنهم خلقوا جميعًا من نفس الماء، ولكنها أيضًا لا تنفي ذلك. ونحن نعلم أن النوع الإنساني خلق من نفس واحدة {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28) لقمان، والإنسان من هذه الدواب، إذ ورد مع من يمشي على رجلين، ولهذا يمكن ترجيح أنها اتبعت نفس الطريقة.

وفي قوله {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} (36) يس، وفي هذا توحيد لمواد الخلق الأخرى غير الماء، ونجد في هذا التشابه بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، أي أن كل الأزواج خلقت من نفس المكونات، قد يدل هذا أيضًا أنها خلقت من نفس المكونات ذاتها، أي خلقت عبر عملية واحدة، إلا أنه لا يمكن الجزم بذلك لأن الأية قد تدل أيضًا أنها خلقت من نفس المواد إلا أنها خلقت كل منها على حدة.

والأمثلة على الجمع بين الإنسان والأنواع الأخرى كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)} الأنعام، ونجد هنا أن كافة المخلوقات المذكورة سوف تحشر يوم القيامة، وفي قوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28)} لقمان، والمخاطب هنا هو الناس. نعرف من النصوص أن البعث هو إعادة الخلق الأول، {..كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.. } الأنبياء 104 ، ولهذا ننظر في آياته علنا نجد ما يدلنا على الخلق الأول.

والآيات التي ذكرناها لا تجزم أن خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان بدأ من نفس واحدة هي الخلية الأولى، أو أن خلق الأنواع تم كلا على حدة، وليس في القرآن ما يؤكد هذا أو يتعارض مع ذاك، ومع غياب التأكيد أو النفي القرآني، فلنا أن نلجأ الى علومنا لنجد الإجابة التي ترجح أي من الرأيين، إلتزامًا بالأمر القرآني: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)} العنكبوت وقولة تعالى {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (17)} الغاشية، وغيرهم من الآيات التي تحث الناس على البحث والتأمل والنظر والتفكير.

الذي يهمنا أن الآيات تركت هذا الأمر للناس أن يجدوه، وربما يكون هذا من متطلبات أن يكون الخطاب موجهًا الى كافة الأزمان التي اختلفت علوم الناس فيها.


{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ(8)} الطارق

عن ابن فارس: الصلب أصلان أحدهما يدل على الشدة والقوة، والآخر جنس من الوَدَك. فالأول الصلب وهو الشيء الشديد، وكذلك سمي الظهر صلبًا لقوته.“ وعنه أيضًا: ”ترب : أصلان أحدهما التراب وما يشتق منه، والآخر تساوي شيئين. فالأول التراب وهو التيرب والتوراب. وجاء في الحاشية ( يقال تيراب أيضًا وتورب، وفيه لغات أخر في القاموس وغيره. “ وجاء عن ابن منظور: الترائب: ”موضع القلادة من الصدر.“

وجاء في تفسير ابن كثير: ”يعني صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس “يخرج من بين الصلب والترائب“ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبوأسامة عن مسعر سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال هذه الترائب ووضع يده على صدره. وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس تريبة المرأة موضع القلادة وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الترائب بين ثدييها وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر وعنه أيضا الترائب أسفل من التراقي وقال سفيان الثوري: فوق الثديين وعن سعيد بن جبير الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل وعن الضحاك الترائب بين الثديين والرجلين والعينين وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي جبيبة المدني أنه بلغه في قول الله عز وجل ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال وهو عصارة القلب من هناك يكون الولد وعن قتادة ”يخرج من بين الصلب والترائب“ من بين صلبه ونحره.“

الترائب هي صدر المرأة وموضع القلادة، وهذه لا علاقة لها بمكان البويضة.

من النظريات العلمية التى تفسر أصل المحيطات ما يقول أن مياه المحيطات قد تدفقت من باطن الأرض الى سطحها . أي أن الماء خرج من بطن الارض أثناء تكونها فاندفع خلال النواة المنصهرة المكونة فى معظمها من عناصر مجموعة الحديد، ثم تدفق من خلال غلاف الأرض الخارجى وهو الدثار، والذى يتكون من صخور صلبة وله قشرة رقيقة من الصخور الخفيفة ومنها التراب. أي أن الماء الذي تبخر ثم نزل مطرًا، ثم خلقت منه الحياة، تدفق من بين الصلب والتراب.

والذى قد يعارض هذا الفهم أن كلمة الترائب لم تأت في معاجم اللغة على أنها من مشتقات لفظ التراب الذي هو من مكونات القشرة، بينما يوجد الكثير من الأسماء التي تطلق على التراب كما جاء في أكثر المعاجم ومنها التيرب والتوراب والتيراب والتورب، وقال ابن فارس في لفظ التراب.: ”وفيه لغات أخر في القاموس وغيره.“ أي أنه يعتقد بوجود أسماء أخرى له لم يشملها هو. أضافة الى أن القرآن الكريم قد جاء بألفاظا إصطلاحية لم يعرفها العرب قبل نزوله منها الصلاة والزكاة وفاكهة أبا، والله أعلم.

فان أفترضنا أن لفظ الترائب أنه من المشتقات اللغوية التي تعود الى التراب، نجد في هذه الآيات، حقيقة علمية تبين كيف تكونت المحيطات في العصور الأولى من تكون الأرض والتي أدت الى ظهور الحياة عليها، والله أعلم.

وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} ورد في تفسير ابن كثير: ”فيه قولان :أحدهما على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما والقول الثاني إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة وقد ذكر الله عز وجل هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير.“

ونجد في هذه الآية قدرة الله تعالى على رجع الماء الذي تدفق من باطن الأرض، وهي قدرة مستمرة يمكن حدوثها في أي وقت، يهلك مع حدوثها الناس وكل حي على الأرض، كما في قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} الملك ، وقوله تعالى: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا(41)} الكهف.


{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} نوح

جاء في تفسير القرطبي: ”أي جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده. قال ابن عباس: ”أطوارا“ يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة; أي طورا بعد طور إلى تمام الخلق, كما ذكر في سورة ”المؤمنون“. والطور في اللغة: المرة; أي من فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. وقيل: ”أطوارا“ صبيانا, ثم شبابا, ثم شيوخا وضعفاء.“

والأطوار من طور، يقول ابن فارس أنها أصل صحيح يدل على معنى واحد وهو الامتداد في شيء من مكان أو زمان، وجاء عن ابن منظور الطور التارة، تقول طورا بعد طور أي تارة بعد تارة، وجمع الطور أطوار، والناس أطوار أي أخياف على حالات شتى، والطور الحال والأطوار الحالات المختلفة والتارات والحدود، واحدها طور أي مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم.

ولهذا فان الله تعالى جعل من صفات خلقنا أنه أطوارًا أي مراحل زمانية متتابعة، وهذه تنطبق على مراحل نمونا في الرحم من نطفة الى علقة الى طفلا الى رجلا، وتنطبق أيضًا على مراحل الخلق التطوري من الطين الى الإنسان.


وفي قوله تعالى: { والله أنبتكم من الأرض نباتًا . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا } نوح 17-18

نباتًا مصدر على غير المصدر – لأن مصدره أنبت إنباتا، وهنا تشبيه خلقنا من الأرض مثل خروج النبات منها، والنبات يخرج ويعلو رويدًا حتى يصل الى حده. وقد تدل الى معنى إضافي، وهي أن أول خلقنا – وخلقنا جاء عبر خلق الحياة ذاتها – مر بمرحلة من المراحل الأولى لخلق الحياة، وهو ظهور الخلية الواحدة التي استمدت غذائها من الطاقة الشمسية، وهذا ما يتميز به النبات عن غيره من المخلوقات الأرضية، أي أن الخلق كان في مراحله الأولى نباتيًا من جهة طريقة الحصول على الطاقة، فالكائن الأول في مراحل تطوره كان يستمد الطاقة من أشعة الشمس، وهذا ما تفعله النباتات.


{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(27) المائدة

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (30) المائدة

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (31) المائدة

هاتين الآيتين تدلان أن أحد أبناء آدم، بفرض أن أبني آدم مقصود بها أولاده من صلبه، وليس أي أخين من سلالة آدم، حيث أننا نطلق على أي رجل تعبير ابن آدم، بفرض أنهما ولديه، فمن الغريب أن أحدهما لم يعرف كيف يدفن جثة أخيه، ثم لماذا ندم فقط بعد أن تعلم من الغراب كيف يدفن جثة أخيه، وهو لم يندم حين قتله، جاء في تفسير القرطبي ”قَالَ مُجَاهِد : بَعَثَ اللَّه غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا حَتَّى قَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه ثُمَّ حَفَرَ فَدَفَنَهُ , وَكَانَ اِبْن آدَمَ هَذَا أَوَّل مَنْ قُتِلَ , وَقِيلَ : إِنَّ الْغُرَاب بَحَثَ الْأَرْض عَلَى طُعْمه لِيُخْفِيَهُ إِلَى وَقْت الْحَاجَة إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ عَادَة الْغُرَاب فِعْل ذَلِكَ ; فَتَنَبَّهَ قَابِيل ذَلِكَ عَلَى مُوَارَاة أَخِيهِ . وَرُوِيَ أَنَّ قَابِيل لَمَّا قَتَلَ هَابِيل جَعَلَهُ فِي جِرَاب , وَمَشَى بِهِ يَحْمِلهُ فِي عُنُقه مِائَة سَنَة ; قَالَهُ مُجَاهِد , وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ حَمَلَهُ سَنَة وَاحِدَة ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ : حَتَّى أَرْوَح وَلَا يَدْرِي مَا يَصْنَع بِهِ إِلَى أَنْ اقْتَدَى بِالْغُرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي الْخَبَر عَنْ أَنَس قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( اِمْتَنَّ اللَّه عَلَى اِبْن آدَم بِثَلَاثٍ بَعْد ثَلَاث بِالرِّيحِ بَعْد الرُّوح فَلَوْلَا أَنَّ الرِّيح يَقَع بَعْد الرُّوح مَا دَفَنَ حَمِيم حَمِيمًا وَبِالدُّودِ فِي الْجُثَّة فَلَوْلَا أَنَّ الدُّود يَقَع فِي الْجُثَّة لَاكْتَنَزَتْهَا الْمُلُوك وَكَانَتْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَبِالْمَوْتِ بَعْد الْكِبَر وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْبَر حَتَّى يَمَلَّ نَفْسه وَيَمَلّهُ أَهْله وَوَلَده وَأَقْرِبَاؤُهُ فَكَانَ الْمَوْت أَسْتَرَ لَهُ ) , وَقَالَ قَوْم : كَانَ قَابِيل يَعْلَم الدَّفْن , وَلَكِنْ تَرَكَ أَخَاهُ بِالْعَرَاءِ اِسْتِخْفَافًا بِهِ , فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث التُّرَاب عَلَى هَابِيل لِيَدْفِنهُ , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : ” يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْءَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ “ , حَيْثُ رَأَى إِكْرَام اللَّه لِهَابِيل بِأَنْ قَيَّضَ لَهُ الْغُرَاب حَتَّى وَارَاهُ , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَدَم تَوْبَة , وَقِيلَ : إِنَّمَا نَدَمه كَانَ عَلَى فَقْده لَا عَلَى قَتْله , وَإِنْ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ مُوَفِّيًا شُرُوطَهُ . أَوْ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرّ نَدَمه ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَوْ كَانَتْ نَدَامَته عَلَى قَتْله لَكَانَتْ النَّدَامَة تَوْبَة مِنْهُ.“

نلاحظ مما جاء عن قوم: أن قابيل كان يعرف الدفن، وأنه إما ندم لأنه ترك أخاه بالعراء إستخفافًا به، أو ندم على قتله حيث رأى إكرام الله لهابيل، ولكن الأخيرة كان يعرفها لأن الله تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانه. وندمه قد يكون عن عدم دفنه وليس عن قتله، إلا أن الندم هو على عدم فعل شيء كان يعرف أن عليه أن يفعله، فان افترضنا أنه لم يكن يعرف الدفن، فلماذا يندم على عدم فعل شيئًا لم يكن يعرف كيفية فعله. قد يكون الندم هو نتيجة شعوره بالعجز. ولو قلنا يعرف الدفن فان فعل الغراب كان ”ليريه كيف يواري سوأة أخيه“ أي ليعلمه الكيفية بطريق المشاهدة، ينفي معرفته الدفن. وجاء في بعض التفاسير السلفية أن هذه الآيات لا تعود على أبني آدم من صلبه وإنما تعود على أخين من اليهود لأنه تبعها ما كتبه الله على بني إسرائيل {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…}.

وتكمن إهمية الآية أن أبن آدم –اذا كان المقصود أنه من صلبه- لو لم يكن يعرف الدفن، فهذا يدل أنه لم يرى غيره يقوم بذلك، وحيث أن الآية في ظاهر معناها تؤدي الى أن الله تعالى بعث الغراب ليريه كيف يواري جثة أخيه، وهذا قد يدلنا الى أحد احتمالين: الأول أن آدم وزوجه ثم أولاده هم أول الناس على الأرض ولم يكن هناك غيرهم. وهذا ينفي كل ما سبق وذكرناه في هذا الباب. والإحتمال الثاني أن آدم وزوجه عندما هبطا من الجنة، هبطا الى مكان من الأرض لم يكن فيه أحد من الناس، حيث أن آدم أول البشر، ومنحه الله قدرة على البيان، ومنوط اليه الخلافة، ومن معانيها ((الخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.”)) كما ذكرنا سابقًا، أن أدم وذريته سوف يخلفون ويقومون مقام الإنسان ويسدون مسده. وسواء إختلط آدم مع الناس الآخرين أم لم يختلط، إلا أنه ربما أبعد أبنيه خشية عليهما منهم لما كان الناس عليه من فساد وتوحش، وقد نجد في قوله تعالى {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ …} ما قد يصور لنا ما كان الوضع عليه، ولهذا نشأ ولديه في عزلة عن الناس، فلم يعرف قابيل كيفية دفن الموتى، أما آدم – الذي يعرف الدفن- فلم يكن حاضرًا هذه الأحداث، والا لمنع قابيل من قتل أخيه.

أخذ المفسرون الأوائل بمعناها الذي يقوم على الإحتمال الأول والمناسب لمعارفهم، بينما يصح لنا أن نأخذها بموجب الإحتمال الثاني. والآية لا تتعلق مباشرة بموضوع خلق الإنسان، وانما وردت لتبين لماذا كتب الله على بني اسرائيل أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا. وما أوردناها في هذا المحل إلا لأننا نحاول دراسة كل الآيات المتعلقة بالموضوع الذي ندرسه، سواء كان تعلقها مباشر أو غير مباشر.

***

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ   (174)} الأعراف

يخبرنا الله تعالى أنه جعل في الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) للبشر – ذرية آدم – فطرة ((جاء في معجم لسان العرب والفِطْرةُ: ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به))  تعرف الناس به ((لقوله {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}.)). وذكر في الآية بني آدم لأن هذه الفطرة جعلت للبشر فقط وهم ذرية آدم، لأنهم النوع الوحيد من المخلوقات الذي منح العقل وحمل الأمانة، فكان له حرية الأختيار فكان من رحمة الله به أن يفطره على نزعة معرفة الرب.   

وفي قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم 30

يقول الطبري في تفسيره: “حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَر النَّاسَ عَلَيْها) قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرّون بذلك، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قال: فهذا قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بعد.” أنتهى

أما لماذا لم تشمل الآية آدم، لآنه وفق ما روي عنه كان يعرف الله ولا حاجة لتعريفه بهذه الحقيقة.

ولو نظرنا إلى نص الآية أعلاه، وكل الآيات التي تروي قصة آدم، وأخذنا في الأعتبار أن الأجيال التي تلقت الرسالة في العصر الأول وطوال العصور حتى قرن أو قرنين قبل زماننا، لم يكن من الممكن أن يتصوروا أو حتى يتخيلوا ما وصلت اليه العلوم المعاصرة، بل ولن يقبلوا أن يكون خلق الحياة قد أستغرق ثلاثة بلايين ونصف سنة ((كانوا يعتقدون أن عمر الإنسان على الأرض منذ خلق آدم أربعة آلاف سنة))؛ وأنه تطور ذاتيًا من خلية واحدة الى كل أنواع الحياة التي نعرفها، كان على النص أن يخاطب هؤلاء بما يفهمونه ويعقلونه، وإلا أصابهم بالبلبلة أو كذبوه، ولم يكن نشر العلم غايته لما شرحناه مفصلا في السابق. فكان لزامًا أن يعتمد النص على التشبيه والمثل لعرض الحقيقة في صورة مشابهة لها توافق معتقدات الناس في تلك العصور مع الحفاظ التام بالدلالات الحقيقية. وقد نجح في ذلك إلى حد فائق، فلا هو بلبل أفكارهم ولا تعارض مع ما صح من علومنا المعاصرة الحديثة. وقد ذكر لنا النص هذا الأسلوب البلاغي في قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } آل عمران

في رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها.

وعليه فالمتشابهات تشمل كل ما يتعلق بالغيبيات ((منها البعث والجنة والنار والملائكة والجن وكل ما هو خارج الكون المشاهد)) وآيات الخلق الكوني وخلق الحياة والأمثال والقصص.

وهذه الآية الكريمة تعلمنا أن المتشابهات تحمل معلومات صحيحة قد تم عرضها بأسلوب وبكلمات وأسماء مغايرة للحقيقة لتناسب فهم الناس في كل العصور، وأن علينا إعمال الفكر والتدبر والجهد لنتمكن من الوصول الى المعنى الصحيح. وهذا الأسلوب المعجز ما هو إلا رحمة بالناس في العصور التي سبقت العلوم الحديثة.

***

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)} سورة الرحمن

تدلنا هذه الآيات الى خلق أول خلية حية في الفتحات الحرارية في قاع البحار والمحيطات، وكيف أن إلتقاء الماء القلوي النابع من هذه الفتحات مع ماء البحر المالح ينتج عنه تدرج بروتيني تتولد عن تدفقه طاقة كيميائية أدت إلى تكون الخلية الأولى التي هي أصل الحياة على كوكب الأرض. 

أنظر الرابط “مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ“ للإطلاع على الموضوع الذي نشر في المدونة.

خاتمة الباب الثالث

ذكرنا في هذا الباب بعض آيات خلق الإنسان والحياة، أما الآيات الأخرى التي لم نوردها هنا، بعضها يعود الى خلق الإنسان في الرحم، وخلق الأزواج من النوع، وغيرهم مما فسره المعاصرون وفق المعاني التي تناسب المعارف الحديثة.

والواضح مما سبق أن دلالة النصوص التى عرضنا لها، لا تدل أو تشير الى أن خلق النوع الإنساني كان خلقًا آنيًا فوريًا مباشرة من الطين. وإنما عبر تدرج مرحلي له بدء واكتمال. ويمكن تفسيرهذه النصوص بكل يسر وفق معانيها الظاهرة الواضحة، دون فرض معنى محدد عليها، مثل خلق آدم مباشرة من الطين.

الأعجاز القرآني في موضوع خلق الإنسان يظهر جليًا في الآيات التي تدل بيسر ووضوح، الى أن خلق الإنسان كان تطوريًا عبر دهرًا من الزمن حتى ظهر آدم أول البشر بما لديه من القدرة على النطق والبيان. وقلنا أنه أعجاز لأنه خالف الفكر السائد في زمان التنزيل، ولوكان من عند غير الله لما خالفه، ولأنه سبق علوم الإنسان بأكثر من الف ومائتين وخمسين سنة، سبحان الله تعالى عما يصفون.

وأخيرًا ؛ وللرد على الذين يقولون إذا كان كذلك، فلماذا لا نستخرج نظريات علمية من القرآن. نجيب لأن القرآن ليس كتاب علوم ولا يمكن أن نأت منه بنظرية جديدة، وأنما نتوقع أن دلالة أي نص قرآني يخص عالمنا المشاهد (الكون ضمن الأبعاد التي نحيا فيها) لن يتعارض مع علومنا الصحيحة، لأن هذا النص صدر عن خالق هذا الكون، وهو أعلم به.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – آيات كونية

ونورد هنا بعض الدلائل القرآنية الأخرى التي قد تشير إلى تفسير الأرض بمعنى النفضة أو الرعدة:

{ أولم يروا إنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب } 13/41

إختلف المفسرون الأوائل في معنى هذه فقال ابن عباس : أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض، وقال الحسن والضحاك : هو ظهور المسلمين على المشركين، وقال نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض، وقال الشعبي : لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات . وقال ابن عباس في رواية : خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضًا : هو موت العلماء .

 { .. أفلا يرون أنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } 21/44

وقد تحير المفسرون الأوائل في تفسير هاتين الآيتين، وقيل أن معناها الظاهري لا يؤخذ لأن الأرض لو تناقصت وضاقت لأطبق جدران البيت على أهله، ووصلوا إلى أن المعنى الأرجح أن تضيق معايش الناس.

ولو نظرنا الى لفظ الأرض بمعنى طاقة، والطاقة الكونية كانت أقصاها عند بدء الخليقة، وأخذت تتناقص في صورتيها الحرارية والترددية منذ ذلك الوقت حتى يومنا، نتيجة تحول بعضها الى مادة ونتيجة ما يستنفذ منها في تمدد الكون ومقاومة الجاذبية التي تحاول إيقاف هذا التمدد، ويتضح هذا من التناقص المستمر لمعدل حرارة الكون منذ البدأ، وستستمر الطاقة في التناقص حتى إما يصل التمدد الى أقصاه وهذا في حالة الكون المغلق، أو تستمر في التناقص حتى يصبح الكون كله باردًا لا حياة فيه في حالة الكون المفتوح، وكلا الحالتين يدلان على انتهاء حياة كوننا.

ونقصان الطاقة لا يعنى زوالها، وانما تحولها الى صورها الأخرى من مادة مرئية وربما أيضًا معتمة، وطاقة غير مفيدة أنتروبي.

وفقًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فان اتجاه انتقال الحرارة يكون دائمًا من الجسم الساخن الى البارد. وأنها لا يمكن أن تنتقل من الجسم البارد الى الحار. وإن الإنتروبي لأي نظام فيزيائي مغلق وغير متزن حراريًا، سوف يتجه دائمًا نحو الإزدياد مع مرور الوقت، حتى يصل هذا النظام الى حالة الإتزان الحراري، حين تصبح الإختلافات بين الطاقات الحرة لأجزاءه معدومة أو تقترب من المعدومة. أي أن الطاقة الحرة المفيدة للقيام بعمل ما ستظل تقل باستمرار في أي نظام مغلق، بينما ترتفع الطاقة الغير مفيدة (إنتروبي) حتى تتلاشى الطاقة المفيدة تمامًا ويصبح النظام مستقرًا أو ساكنًا. ولا يمكن مطلقًا عكس هذا الإتجاه (وهذا يمنع عكس إتجاه الزمن). وعليه يكون الإنتروبي يمثل قياسًا لمقدار الطاقة التي لا يمكن استخدامها، في نظام فيزيائي مغلق، أي أنها تمثل قياسًا لمدى العشوائية ومقياسا لمقدار الطاقة الحرارية التي لا يمكن تحويلها الى عمل.

لا يخفى على العلماء الراسخين في العلم أهمية القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يعتبر واحدا من أهم ما توصل إليه العلم الحديث.

بدأ الكون معظمه طاقة حرة مفيدة، وسينتهى معظمه طاقة عشوائية لا يمكن إستخدامها، وما بين البدء والنهاية، تتناقص الطاقة المفيدة باستمرار، ولا يمكن عكس هذه العملية.

ذكرنا أن لفظ الأرض إذا ورد في بدء خلق الكون، فأنه يدل على الطاقة آنذاك، وهي الطاقة المفيدة الحرة، والمقدر لها أن تتناقص دومًا الى أن يؤول الكون الى نهايته.

ألا تتضح دلالات الآيتين، ثم أنظر الى قوله تعالى : ”وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ” أي لا راد لحكمه، يقول القرطبي : أَيْ لَيْسَ يَتَعَقَّب حُكْمه أَحَد بِنَقْصٍ وَلَا تَغْيِير.

 

{ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا } 20/107

 العوج هو الميل والأمت هو الإنثناء. والآية تصف نهاية الكون، والأرض بمعنى الطاقة ونمثلها هنا بموجات الطاقة، فانها تفقد تحدبها وتصبح خطًا مستقيمًا، أي يصبح معدل ترددها صفرًا.

إن شرط وجود النجوم والمجرات والكواكب والأرض والحياة هو عوج بسيط جدًا في سطح الكون، أو إختلافًا بسيطًا في درجة حرارة أجزاءه أو اختلافًا يسيرًا في توزيع الطاقة فيه، يهيأ الفرصة لتكاثف بعض الغاز مع بعضه لتظهر جاذبية محلية ينتج عنها تكون النجوم، فاذا انتظم توزيع الطاقة بكل صورها وتساوى في كل نقاط الكون، يتوقف كل شيء، فلا تبادل حراري ولا جاذبية ولا تمدد. فيكون قوله سبحانه وتعالى (لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا) اشارة علمية الى إنتهاء الحياة والطاقة في الكون، أو إنتظام توزيعها دون أي إختلافات.

 

{ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } ق 38

الستة أيام كانت في بدء الخلق، وذكر في عدة آيات أن الله كما بدء الخلق يعيده، وفي يوم القيامة عندما يعيد الله تعالى الخلق، فإن اليوم يكون مقداره 50,000 سنة، { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } 70/4  وتشير هذه الآية إلى يوم القيامة وهو إعادة الخلق المماثل للخلق الأول، أي أن الفترة الكلية للستة أيام الأولى من خلق السماوات والأرض، تعادل 300,000 سنة، وهي الفترة الزمنية الأولى التي يعتقد العلماء المعاصرون أنها ما إستغرقها الكون في تكوينه الأوّلي والتي عندها أنفصل الإشعاع عن المادة وأصبح الكون مرئي ((وكما بينا في الفصل السابق: ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا))، وأهمية هذه اللحظة، أنه عندها بدأ تكون أنوية ذرات العناصر الخفيفة وثباتها، والتي منها تكونت النجوم ثم الكواكب والحياة.  ولا يجب في زماننا هذا إعتبار أن الأيام الستة تعبر عن ستة فترات متساوية، وانما هي ستة أوقات (ثلاثة مراحل) غير متساوية، مجموعها هو الذي يساوي ما بين الثلاثمائة الى الأربعمائة ألف سنة.

 

{الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}   الأنبياء

إن هذا التمثيل الرائع يبين أن الكون يطوى مرة أخرى، وهذا أقرب تشبيه ممكن لوصف الكون المغلق أي الذي يتمدد حتى يتوازن عندما توقف الجاذبية التمدد ثم تعيده في حالة إنكماش كما تنطوي الصحيفة وينطوي غلاف الكتاب فيعود كما بدأ منغلقًا على الصفحات، وكان العرب في القرن السابع لا يعرفون سوف الصحف التي تطوى في شكل إسطواني بعد الإنتهاء من مطالعتها، والتمثيل العلمي لهذه العمليه هي ان الكون مثل سطح البالون يتمدد عندما ينتفخ ثم ينكمش عندما يسمح للهواء بالخروج منه بانتظام . وقد يكون إسطواني مفتوح مثل سرج الحصان ولكن هذا يتمدد الى الأبد حتى تصل حرارته الى نقطة الصفر أي تنتهى طاقته. إلا أن التشبيه بلفظ مطويات بيمينه يشير الى الأنغلاق والكروية أكثر من غيرهم من الأشكال.

          وحتى يومنا هذا لا يعرف العلماء أي كون كوننا، منغلق أو مفتوح، وكلاهما ينتهي بهلاك الكون وموته بعد عشرات أو مئات البلايين من السنين، إلا أن الفهم المرحلي القرآني، يشير الى الكون المنغلق، والأدلة القليلة التي تتجمع لدى العلماء في السنوات القليلة الماضية، تشير الى أن الكون حتى يكون مغلقًا يجب أن تكون مادته أكثر بكثير مما نرى، أي أن ما لا نراه من مادة الكون أكثر من تسعة أعشاره، وأطلقوا أسم المادة المعتمة على هذا الكم من الكون الغير مرئي، وهو مادة لأنه يجب أن يكون له جاذبية تضاف الى جاذبية الكون المرئي فتتمكن من إيقاف تمدد الكون ثم جذبه لينقلب التمدد الى إنكماش.

          ولاحظ في الآية أن عملية الطوي ذاتها لم تشمل السماوات السبع، والتي أبعادها لم تتمدد من الأصل أكثر من ثابت بلانك، والذي يشمله فعل الطوي هو السماء الدنيا في قوله تعالى {نطوي السماء كطي السجل للكتب} ، وهي فقط التي تمددت، بينما ذكرت كل السماوات في وصف الحالة التي ستكون عليها يوم القيامة بأنها مطويات بيمينه، وهذا بعد أن تنطوي السماء الدنيا وتجمع مع بقية السماوات الست التي لم تتمدد من الأصل ولهذا لم يشملها الطوي الأخير.

         

{ والسماء ذات الـحُبُكِ } 51/7

الحبك : يقول صاحب مقاييس اللغة أن حبك هو إحكام الشئ في امتداد واطراد. والسماء الدنيا فقط هي التي تتمدد وتتسع.

 

{ ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا الى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر إني لكم منه نذير مبين }الذاريات 49 – 51

{ لينذر يوم التلاقِ } 40/15

{.. ليس كمثله شيء ..}الشورى 11

 الله تعالى وحده الواحد الأحد، وكل شئ في الكون يوجد في صورة زوجين، وكل شيء يشمل الحي وغير الحي كالحجر، والزوجين هنا هما  المادة وضد المادة، وهذان أحدهما موجب الشحنة والآخر سالب الشحنة، ، وعليه لو ألتقيا يفنيان، وقد حدث فصل بينهما في بدء التكوين. لاحظ قوله سبحانه وتعالى: ففروا الى الله، بعد تذكير الناس أنهم خلقوا من زوجين مما يستدعي خوفهم، ولاحظ قوله تعالى: لينذر يوم التلاقِ.

أما حدوث الخلق من العدم لجسيم موجب وجسيم سالب ثم إلتقاءهما وفناءهما خلال جزء صغير من الثانية، فهذا يحدث في فضاء كوننا كل الوقت.

 

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ..}

{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا…}

العمد هي جمع عمود وهو ما يستند ويرفع عليه السقف، والسماوات بما فيها من مجرات وما في المجرات من نجوم وكواكب وأقمارا وغيرهم من ما نعلمه ومن ما لا نعلمه، مستقرة بتعادل قوة الجاذبية مع قوة الطرد، وهما أعمدة هذا الكون التي تحفظ استقراره وتوازنه بالرغم من توسعه المستمر المنتظم، ونحن لا نرى هذه القوى العاملة في الكون وانما نعرف وجودها من آثارها. 

 

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}   (الطلاق 12)

 سبق أن ذكرنا أن تعبير السبع سماوات يدل على أبعاد الكون فتكون سبعة أرتفاعات، تمدد منها واحد فقط هو السماء الدنيا، بينما بقيت الستة إرتفاعات الأخرى بمسافة ”ثابت بلانك”. ولكن كل نقطة في هذا الكون ذو التسعة أبعاد مكانية، وبعد واحد زمني، لها كل هذه الأبعاد، وكل نقطة على الأرض الكوكب المادة، لها مثل هذه الأبعاد، وهذا قد يفسر قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن).

 

{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاك مَا الطَّارِق * النَّجْم الثَّاقِب * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}الطارق.

الطارق الذي بينه الله تعالى أنه النجم الثاقب، أقسم به وقال لنبيه ما أدراك به، أي هو نجم لا تدري عنه، ثم تبع الآيات أن كل نفس لعليها حافظ، أو إلا عليها حافظ.

ولو أخذنا لفظ ثاقب بمعناه المؤدي الى الخرق، والطارق بمعناه المؤدي الى دق وطرق الأشياء فوق بعضها البعض بقوة، يكون لدينا نجم مضغوط ذو جاذبية هائلة، إذا وقع شيء عليه فكأنه ضربه  بمطرقة وصكه وأطبقه بعضه فوق بعضه، نجد لدينا وصف النجم الذي يسميه علماء العصر الحديث، الثقب الأسود،  Black Hole . وأطلقوا عليه أسود لأنه لا يُرى أبدًا لأن الضوء الذي يسقط عليه لا يستطيع أن يهرب من شدة جاذبيته، أما لماذا أطلقوا عليه أنه ثقب، ففي أول الأمر، لأن ما يسقط عليه لا يعود أبدُا فشبهوه بالثقب الذي أن سقطت الأشياء فيه تعتبر في حكم المفقودة، ثم وجدوا أنه من شدة إنضغاطه وعظم كتلته وكثافته، فأنه يقعر النسيج الكوني حتى يثقبه. وهذا النجم كان ضخمًا منيرًا حتى استهلك كل الغاز فيه فانهار على نفسه مكونًا كتلة مضغوطة ذات كثافة هائلة.

الآية الكريمة أطلقت على نجم لا يدري الناس شيء عنه في ذلك العصر ولا يستطيع أحد أن يراه حتى اليوم، أنه الطارق الثاقب، الطارق تدل على الضغط والكثافة الهائلة التى هو عليها، ولأن له تأثير المطرقة على كل ما يسقط عليه فينضغط كإنما دق وطرق، والثاقب لأنه يثقب النسيج الكوني ولأن ما يسقط عليه يُفقد.

وقد أطلق عليه العلماء أيضًا أنه مقبرة لكل ما يقترب منه، أي أنه خطرًا محدق، والآية التي تبعت الآيات التي ذكر فيها النجم الثاقب، بينت أن كل نفس لعليها حافظ.

إن في هذه الآيات إشارة الى نوع من النجوم، لم يعرفه البشر إلا في القرن العشرين، وهو من أهم إكتشافاتهم، إذ توقعوا وجوده ثم عرفوه بتأثيره وليس بذاته، وعندما عرفه علماء الغرب الذين لم يقرأوا هذه الآيات، أطلقوا عليه أسم الثقب الأسود. ليس لأنه ثقب وإنما لأنه ثاقب.

 

{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56

من معاني لفظ العبادة الطاعة، والمشيئة الإلهية نافذة مقضية، فإذا خلق الله الجن والإنس ليعبدون، بمعنى العبادات والإيمان والتسليم، فهذا ما يجب أن نجدهما عليه في كل الأوقات، ولكن منهم العاصي والجاحد والكافر والملحد، أما لو أخذنا بمعنى العبادة على أنها الطاعة، فسنجد أنهما يطيعان ويخضعان للقوى التي وضعها الله في الكون، كالجاذبية في حالة الإنسان، والتي لا نملك كلنا إلا أن نطيعها ونرضخ لها، حتى عندما نتمكن من السفر في السماء الدنيا، فأننا لا نتحرك إلا وفق قوانينها. وقد نجد مثل هذا في تعبير (وشددنا أسرهم) أي في هذا الكون المغلق عليهم.

 

{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ….} الأعراف

يقول القرطبي في معرض تفسيره للآية: ” ” قَبِيله ” جُنُوده . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . اِبْن زَيْد : ” قَبِيله ” نَسْله . وَقِيلَ : جِيله .  قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ ; لِقَوْلِهِ ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” قِيلَ : جَائِز أَنْ يُرَوْا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَشَفَ أَجْسَامهمْ حَتَّى تُرَى . قَالَ النَّحَّاس : ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ إِلَّا فِي وَقْت نَبِيّ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى نُبُوَّته ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ . وَذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا فِي وَقْت الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّ بَنِي آدَم لَا يَرَوْنَ الشَّيَاطِين الْيَوْم .“ وجاء عنه أيضًا: ” وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ” الْبَقَرَة “ وَقَدْ جَاءَ فِي رُؤْيَتِهِمْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ.“

الشيطان وقبيله من الجن يستطيعون أن يرونا بينما لا نستطيع أن نراهم، والأغلب وفق دلالة المعنى أننا لا نراهم لأن المكان الذي هم فيه لا يمكن لنا رؤيته ورؤية من فيه، وهذا بدلالة ”من حيث“ والتي تدل على مكان. ولا تبين الأية أننا لا نراهم لأنهم في صور غير مرئية، كما ورد مثله في قول النحاس المذكور أعلاه: ” لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ.“ لأن السبب الذي تبينه الآية أن المكان الذي يعيشون فيه، يستطيع أهله رؤيتنا بينما لا نستطيع رؤيتهم. ووفقًا للإستدلال العلمي، يمكن أن يكون هذا المكان هو الذي يقع في بعد أعلى من الأبعاد التي نحيا فيها، أي في أحد السماوات الست غير سماءنا.

ولنبين المعنى الذي نقصده، نورد المثال التخيلي التالي: نحن نحيا في كون ثلاثي الأبعاد المكانية((ما تعلمناه هو الأحداثيات: طول وعرض وارتفاع، أي: س، ص ، ع))، لو تخيلنا كائنًا يحيا في عالم له بعدين مكانيين فقط، أي يحيا في كون مسطح مستوي، ليس فيه أي إرتفاعات، فقط طول وعرض. وستكون قياسات هذا الكائن طول وعرض فقط، أي مبطط، ولن يستطيع أن يرى البعد الثالث، أي الإرتفاع، ولأنه لا يراه، يعتقد أنه لا وجود له.

إلا أن هذا العالم الثنائي الأبعاد موجود ضمن عالم ثلاثي الأبعاد، يحيا فيه كائنات مثلنا، ولا يرانا هذا الكائن إلا عندما تتقاطع أجسامنا مع المستوى الأفقي الذي يعيش فيه، فلا يرى سوى المقطع، والذي لن يستطيع أن يكون منه صورة معقولة لأي منا. بينما يمكن لنا أن نراه ونرى كل شيء في عالمه.

هذا لو كان الفرق بين العالمين بعدًا إضافيًا واحدًا، وكلما زاد الفرق، كلما تلاشى المشاهد .

وما سبق ينطبق على سكان العالم ذو الثلاثة أبعاد إذا كانوا ضمن عالما ذو أربعة أبعاد، فنحن لن نستطيع رؤية البعد المكاني الرابع. وهكذا ينطبق على البعدين الخامس والسادس.

وعليه فلو كان الجن يعيشون في أحد السماوات الست الأخرى، والتي لها أبعاد أعلى من أبعاد عالمنا الثلاث، فسيستطيعون رؤيتنا بينما لا نستطيع نحن رؤيتهم.

والآيات الأخرى التي تناولت الجن مثل الجن الذين عملوا لسليمان وذاك الذي عرض أن يأتي بعرش ملكة سبأ، تدخل في باب المعجزات، وعلميًا يصح أن يقوم كائن من بعد مكاني أعلى بأعمال في بعد مكاني أدنى، إذ أنه موجود فعلاً وليس خيالا. أما قوله تعالى في سورة الجن (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) فالسماء التي حاولوا الإستماع خلالها هي سماءهم، أحدى السماوات الست الأخرى وليست السماء التي نعرفها. وعلميًا فان أي كائنات تسكن أحد السماوات أو الأبعاد الأعلى، تلمس وتحس وتستشعر كل ما في السماوات الأدنى منها، بما فيها السماء الدنيا، أي عالم الثلاثة أبعاد، بما فيها من كواكب ونجوم وشهب. بينما لا تستطيع الكائنات التي في الأبعاد الأدني أن ترى أو تستشعر سوى إسقاطات أو مقاطع هذه العوالم الأعلى.

 

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بسلطان} الرحمن 33

 المنع هنا من النفاذ من السماء الدنيا الى السماء الأعلى منها، والأعلى بعد ذلك، وعليه فان السفر في فضاء سماءنا، ممكنًا وليس ممتنعًا علينا، وهذا يغطى كل كوننا المقصود به كون الثلاثة أبعاد. وفي حالة الجن المنع من النفاذ الى السماء الأعلى من سماءهم مباشرة، ومن ما بعدها، وسماءهم أعلى من سماءنا ولا ندري أي سماء هي.

لقد ذكرت في الباب الأول عدم الخوض في موضوع الغيبيات والجن منها، إلا أن هذه الآيات تعلقت بمكانهم وهذا فقط يتعلق بالكون المشاهد والذي يعتقد بعض العلماء في هذه المرحلة من تطور المعرفة أنه متعدد الأبعاد، ولهذا يمكن أن يشمله التفسير المرحلي الذي قد يتطور مع تقدم معارفنا.

 

 

تم هذا الباب بحمد الله  في يناير 1999  

وقد تم إضافات وتعديلات عليه بعد ذلك وحتى نهاية 2006

<< previous page next page >>

الباب الرابع – الفصل الأول

 الآيات القرآنية في خلق الكون

أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟

نبدأ هنا بموضوع خلق الأرض والسماء :

{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم} 2/29

جاء في مختصر تفسير ابن كثير (ج1/48) تعقيبًا على تفسير هذه الآية  :

”ففي هذا دلالة على أنه تعالى إبتدأ بخلق الأرض أولاً ثم خلق السماوات سبعاً، وهذا شأن البناء إذ يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره. فأما قوله تعالى { أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها *  والأرض بعد ذلك دحاها } فقد قيل أن ( ثم ) في الآية 2/29  إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:

قل لمن ساد ثم ساد أبوه           ثم قد ساد قبل ذلك جده

وقيل : أن الدحي كان بعد خلق السماوات والأرض رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

وقال مجاهد في قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} قال : خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سماوات} قال: بعضهن فوق بعض وسبع أرضين يعني بعضهن تحت بعض ((لاحظ أن هذه السبع أرضين ووصفهن أنهن بعضهن تحت بعض هي من قول المفسرين وليست من القرآن الكريم ولم يرد مثل هذا في القرآن وكل ما ورد بهذا الشأن { ومن الأرض مثلهن} ويجوز أن تكون مثل السبع سماوات .)) . وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما في آية السجدة { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاع بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى { والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها} قالوا فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض “.

”وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا وقد حررنا ذلك في صورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى : {أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها} ففسر الدحي ((دح : يدل على إتساع وتبسُّط . قال إعرابي : مُطرنا لليلتين بقيتا من الشهر، فاندحت الأرضُ كَلأً . تقول العرب : دححت البيت وغيره ، إذا وسَّعته .))  بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة الى الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية، دحى بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على إختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة والله سبحانه وتعالى أعلم“ .

           مما سبق نجد أن أسبقية خلق الأرض عن خلق السماء كان من الموضوعات التي تعرضت للمناقشة، وبالرغم أن غالبية علماء المسلمين كانوا على إقتناع أن الأرض خلقت قبل السماء إلا أن عددًا منهم – قد لا نعرف منهم سوى قتادة ونقل رأيه ابن جرير، لم يوافقهم على ذلك، وإعتقد هؤلاء أن السماء خلقت أولا ثم خلقت الأرض، والحقيقة أن القرآن يوحي ظاهرًا بالإحتمالين، وباطنًا بخلق السماء قبل الأرض، ففي كل آيات خلق السماوات والأرض، ذكرت السماوات قبل الأرض، أي لم يذكر خلق الأرض والسماوات.

          أما ما فهمه الأوائل من أنها لا تحتوى ترتيبًا زمنيًا وإنما ذكر السماوات والأرض بسياق الخبر لا بسياق الترتيب الزمني، حيث أنهم إعتقدوا بأسبقية خلق الأرض على خلق السماء، فقد كان سماحًا مرحليًا لما كان من منطقهم الذي يرتاحون إليه كما جاء عن ابن كثير : ”وهذا شأن البناء إذ يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك.“، وهذا ما إشتهر عند اليهود والنصاري عن طريقة الخلق، إذ جاء عندهم في سفر التكوين أن الله خلق الأرض ثم السماء . وكان الإسلام في فجره غني عن الدخول في مناقشة ومجادلة علمية مع بشر ليسوا مؤهلين بعد لتقبل هذه الحقائق، وليس لها أي تأثير على غرض الرسالة من هدى وحجة، وبالرغم من هذا فإن القرآن قد حرص على أن يحتوي الحقيقة العلمية التي يستطيع البشر في مراحل لاحقة أن يجدوها فيه عندما يصبحون مؤهلين علميًا لفهمها ، وعندما لا تعارض منطقهم ولا تؤدي إلى بلبلة وإضطراب أفكارهم. ولهذا وبرغم صحة المرحلية لمعنى (ثم) على أنها زمنية، إلا أن الأرض التي وردت في هذه الآية ليست بالضرورة كوكبنا الذي نحيا عليه، فاللفظ يحمل أكثر من معنى، وخاصة أن الآية الأخرى تنبهنا إلى ذلك : {يوم تُبدلُ الأرضُ غير الأرضِ والسماواتُ وبرزوا لله الواحد القهار} 14/48  وهنا في يوم الحساب تبدل الأرض غير الأرضِ.

 ويوم الحساب هو يوم الخلق الأخر { الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون } 30/11  {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الأخرة إن الله على كل شئ قدير} 19/29-20  النشأة الأخرة هي يوم القيامة . {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } . وكل هذا يدل على أن البعث أو النشأة الأخرى هي بمثابة إعادة الخلق، والإعادة هو تكرار ما سبق، أي تكرار الخلق الأول.

 وحيث أن لفظ الأرض اذا ورد في آيات الخلق الآخر (النشأة الأخرة)  يعبر عن أرض غير الإرض التي نحيا عليها، فعليه يمكن الإستدلال أنه إذا ورد لفظ أرض في مرحلة الخلق ألأول فهذه أيضًا غير الأرض التي نعرفها.

           ولو عدنا الى الآية { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم } 2/29، سنجد أن السماء التي استوى الله إليها كانت موجودة قبل أن يستوي إليها، والحدث اللاحق لحرف ”ثم“ هو تسويتهن سبع سماوات.

           ولكن ماذا يقول لنا العلم الحديث، أيهما وجد أولاً ؟ كما سبق عرفنا أن المكونات التي منها تكونت النجوم والأرض والكواكب وكل ما في هذا الوجود خلقت مرة واحدة، في شكل طاقة تحول جزء منها إلى جسيمات أولية تكونت منها البروتونات (وهي أنوية الهيدروجين) والإلكترونات والنيوترونات، ومن هذه الجسيمات تكونت الغازات الخفيفة؛ التي تجمعت لتكون السحب الفضائية، والتي تكونت بها بفعل الجاذبية تكثفات محلية؛ ولدت منها نجوم الجيل الأول، التي إحترقت بدورها لتطبخ في أنويتها ( أفرانها) العناصر الأثقل ومنها الأكسجين والكربون والحديد وبقية العناصر الثقيلة، وما أن انتهى مخزون الطاقة في بعض نجوم الجيل الأول، انفجر بعضها وتناثرت مكوناته فاختلطت المواد الثقيلة مع السحب الفضائية، وفي هذه السحب الفضائية ولدت نجوم الأجيال التالية مثل سابقتها، ونتيجة دورانها حول محورها تسببت القوة الطاردة المركزية بطرد المواد الثقيلة لتخرج من النجم على هيئة ذراع، ثم تكونت من هذه الذراع كواكب تحتوى على هذه العناصر الثقيلة، والأرض أحد هذه الكواكب. ثم ظهرت الحياة ذات الأساس الكربوني على الأرض وأستغرقت زهاء أربعة بلايين ونصف بليون سنة حتى ظهر الأنسان.

           بالطبع، ولأول وهلة سوف نقول أن السماء خلقت قبل الأرض، وفي ذهننا أن السماء هي هذه القبة فوقنا بما فيها من نجوم، فالأرض هي من أواخر ما ظهر في السرد العلمي الذي أوردناه، وهذا ليس صحيحًا، إذ يجب أن نحدد ما هي السماء ((سمو : تدل على العلو، وسما علا . ويقول صاحب القاموس المحيط سما سموا أرتفع والسماء سقف كل شئ، كل بيت ورواق البيت كسماوته ، والسحاب والمطر .))  أولاً، إذا كانت هي القبة التي فوقنا فالأرض جزء لا يتجزء منها، وكلاهما نتج عن عملية تطورية واحدة، نعم في السماء التي نشاهدها ما هو أقدم بكثير من الأرض، ولكن فيها أيضًا ما هو أحدث من الأرض، أي ليست كل السماء أقدم أو أحدث من الأرض، وهذا مبدأيًا ينفي صحة السؤال: من وجد أولاً ؟ لأن كوكب الأرض جزء من كل، وكذلك السماء، جزء من كل، والكل هو الكون بكل ما فيه.

           نحن نعرف أن ما أوجد في البدء هو البذرة الأولى التي ستنمو لتكون السماوات والأرض، أي أن السماوات والأرض لم يكونا منفصلين ليتحدد أيهما سابق للآخر، وهذا صريح في قوله تعالى : { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما ..} الأنبياء 30 . أي أن السماوات والأرض كانتا متحدتين ثم إنفصلتا، وهذه الآية بفرض الأخذ بدلالة لفظ الأرض إلى كوكبنا، تنفي صحة إحتمال خلق الأرض قبل خلق السماوات، أو خلق السماوات قبل خلق الأرض، فهما وجدا معًا، إذ كانتا رتقًا. ولهذا فالآيات التي أشارت الى خلق الأرض قبل السماء، والأخرى التي أشارت الى خلق السماء قبل الأرض، لا بد أن لفظا السماء والأرض فيهما لا يعنيان الأرض التي تحتنا والسماء التي تعلونا. وقد أعلمنا القرآن الكريم وكما جاء سابقًا أن لفظ الأرض إذا ورد في الخلق الآخر، تكون الأرض غير الأرض. أي غير الأرض التي هي كوكبنا الذي نحي عليه، قد تكون الأولى أرضًا أخرى تشبهها ولكنها ليست ذاتها، وقد يكون القصد أن معنى لفظ الأرض لا يشير إلى معنى ما تحتنا وإنما إلى معنً آخر من معاني لفظ الأرض في اللغة العربية، التي نبهنا القرآن الكريم إلى أهمية كونه بلسان عربي أي باللغة العربية.

وحيث أننا نعلم من النص أن السماء والأرض كانتا رتقًا قبل أن يتم الفصل بينهما، وبالتالي فالأرض والسماء كانتا متحدتان، ثم انفصلتا عن بعضهما ((ونعلم من علومنا الحديثة أن الكون في أول لحظاته، كان جسيم ميكرسكوبي غاية في الصغر يحتوى كل طاقة الكون ومادته، كان معظمه طاقة، وأنه كان يرزخ تحت ضغطا هائل وحرارة تبلغ البلايين من الدرجات. ثم بدأ نشأته وبدأ معها الزمن عندما بدأ يتمدد بسرعة كبيرة، وأنه بعد لحظة تضخم فجأة وللحظة قصيرة تمدد بسرعة تفوق سرعة الضوء بمرات عديدة، عاد بعدها الى التمدد بالمعدل السابق، المادة كانت جسيمات أولية ولم تكن أي من ذرات العناصر المعروفة اليوم تستطيع أن تتكون، لأنه كلما تكونت تصدمها وتفرقها الطاقة الكبيرة التي كانت موجودة معها، وبعد مرور زهاء ثلاثمائة ألف عام، عندما تمدد الكون بما يكفي لتقليل كثافته وحرارته، أنفصلت الطاقة عن المادة، وعندها استطاعت ذرات الغازات الأولية أن تتكون، ويسمي العلماء هذه اللحظة أن الكون أصبح مرئيًا.  )) ،  واللفظبن اللذين وردا في النص هما السماوات والأرض، فهل يمكن لهاتين الكلمتين أو أحدهما وفق  اللغة العربية المعروفة قبل نزول القرآن أن يؤديا الى هذا المعنى. خاصة وأننا عرفنا من النص القرآني ”يوم تُبدلُ الأرضُ غير الأرضِ والسماواتُ“ أن الأرض والسماوات في ذلك اليوم غير ما نقف عليه وغير ما يعلونا.

 ولو نظرنا في معاني لفظ ”أرض“ نجد ما يلي:

في القاموس المحيط : ”مؤنثة؛ أسم جنس أو جمع بلا واحد، ومن معانيها كل ما سَفَلَ، وأسفل قوائم الدابة، والنفضة؛ والرعدة، وفي قول العرب هو ابن أرض أي غريب، ولا أرض لك أي لا أم لك.“

ويقول صاحب مقاييس اللغة ”أن أرض ثلاثة أصول : أصل يتفرع وتكثر مسائله، وأصلان لا ينقاسان، فأما هذان الأصلان فالأرض الزُّكمةُ ؛ رجل مأروض أي مزكوم، والآخر الرَّعدة، يقال بفلان أرض أي رعدة . أما الأصل الأول فكل شئٍ يسفل ويقابل السماء، يُقال لأعلى الفرس سماءٌ ولقوائمه أرض، ومنه الأرض التي نحن عليها وتجمع أرَضين.“

 ولو إستثنيا معنى الأرض كوكبنا ومعنى الأرض الزكمة، يتبقى لنا معناها النفضة أو الرعدة، والأولى  من النفض وهو تحريك شئ، ويغلب أن يكون تحريكًا فجائيًا وسريعًا؛ والثانية الرعدة وتدل على حركة وإضطراب، وهذين قريبين في التعبير وكلاهما يعبران عن حركة. والحركة إذا حدثت في شيء ساكن، تدل على طاقة وضعت في هذا الشيء الساكن فأخرجته عن سكونه. إضافة أن معنى لفظ الرعدة يحمل معه تكرار وتردد، وكلاهما الحركة والتردد من صور الطاقة.

 وهذا أحسن ما يمكن أن يعبر عن الطاقة الأولى التي بدأ بها الخلق الكوني، باستخدام ألفاظ اللغة في عصر الإسلام الأول، وخاصة أن نفس اللفظ يعبر أيضًا في معناه الشائع عن الأرض التي نقف عليها وهي ما توقع الناس في ذلك العصر أن تكون قصة الخلق متعلقة بها. وبحيث يؤدي اللفظ معناه المرحلي آنذاك، ومتى تقدمت علومنا، نستطيع أن نجد في نفس اللفظ معناه المرحلي المعاصر لنا، والذي يتوافق مع علومنا.

الألفاظ الأخرى التي كانت موجودة عند العرب زمن التنزيل منها لفظي الطاقة ((الطاقة: القدرة على الشيءِ وقيل هي اسم لمقدار ما يمكن الإنسان أن يفعلهُ بمشقة. وذلك تشبيهٌ بالطوق المحيط بالشيءِ. (لسان العرب) ))  والقدرة ((القُدْرة: القوَّة على الشيءِ والتمكُّن منهُ. أو هي صفةٌ تؤَثّر تأْثيرًا موافق الإرادة. وقال في التعريفات القدرة هي الصفة التي يتمكَّن بها الحيُّ من الفعل وتركهِ بالإرادة. (لسان العرب) )) ،  كلاهما ليس في معانيهما ما يدل أيضًا الى معنى الأرض التي نحيا عليها، ولم تكن علوم العرب أو البشر آنذاك، تعرف الطاقة كما نعرفها اليوم، ولا تعرف أن الطاقة صورة من صور المادة، وأن المادة صورة من صور الطاقة، ولا أن الخلق الكوني بدأ فجأة بنفضة عظيمة، ولم يكن القصد تعليم الناس علوم الطبيعة كما سبق ذكره في الباب الأول.

{يَوْمَ تُبَدّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ}ابراهيم : 48

 تفسير الألوسى: ”وقوله تعالى : ( والسموات ) عطف على المرفوع أي وتبدل السموات غير السموات والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير ومنه قوله تعالى : ( بدلناهم جلودا غيرها ) وقد يكون في الصفات كما في قولك : بدلت الحلقة خاتما إذا غيرت شكلها.“

 والمعنى لو كان تبديل صفات فإن صفة الأرض الكوكب أنها مادة، وتبديل المادة الى شكلها الآخر يكون تبديلاً الى طاقة. ولو كان التبديل لمدلول اللفظ وفق معاني كلمة الأرض في اللغة، فيصبح تبديل معنى ”كل ما سَفَلَ“ أي كوكب الأرض الى معنى النفضة والرعدة (وكلاهما يدل على الطاقة). وقوله تعالى ” والسماوات“ أي تبدل الى مثل ما بدلت إليه الأرض، أي الى طاقة أيضًا.

وعليه يمكن أن يعبر لفظ ”أرض“ اذا ورد في بدء الخلق، الأول والأخر، أنها تدل على الحركة أو النفضة، وكلاهما من التعبيرات التي تدل على وجود الطاقة. أما إذا وردت في غير هذين الحدثين، فينظر الى المعنى المناسب للنص، فقد تعني ما سفل، ومنه الأرض التي نقف عليها. ومن صفاتها أنها مادة، ومن صفاتها أيضًا أنها مسطحة (( هي مسطحة للواقف عليها ”وفق الهندسة الأقليديسية“ للمساحات المحدودة، وكروية للذي يراها من الفضاء.)) ، من قوله تعالى {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} حيث أن ما يسفل ويقابل السماء هو سطح الأرض، إضافة الى معنى الطاقة، ويتحدد أي من هذه المعاني وفق مناسبته لزمان الحدث ولمدلول الجملة.

قلنا منه المسطح لأن الأرض تبدو مستوية في عموميتها، ولأن أصل لفظي الأرض والسماء يعبران عن أبعاد ومستويات، يمكن إعتبار الأرض التي نقف عليها تعبر عن مستوى له بعدين متعامدين، ”س“ و ”ص“، بينما السماء والتي أصل لفظها يعبر عن علو وارتفاع، تكون معبرة عن بعد واحد هو الأرتفاع  ”ع“. فيكون تعبير السماء والأرض، يعبر عن ثلاثة أبعاد مكانية، ولو أضفنا اليهم البعد الزمني الرابع، يكون لدينا أبعاد الكون المشاهد الذي نحيا فيه، وهو الذي يعبر عنه القرآن بالسماء الدنيا، أو كلما ورد اللفظ سماء مفردًا.

معاني لفظ سماء:

”سمو : تدل على العلو، وسما علا ، وسما لي شخصٌ : أرتفع حتى إستثبته أو إستبنته ، والعرب تسمي السحاب سماء والمطر سماءً وجمعه إذا أريد به المطر سُمِىّ ، والسماء : سقف البيت، وكل عال مطلًّ سماء، حتى يقال لظهر الفرس سماء ويتسعون حتى يسموا النبات سماء، يقول الشاعر : (إذا نزل السماءُ بأرضِ قومٍ        رعيناهُ وإن كانوا غضابا) ويقولون : مازلنا نطأُ السماءَ حتى أتيناكم، يريدون الكلأ والمطر. ويقول صاحب القاموس المحيط سما سموا أرتفع والسماء سقف كل شئ، كل بيت ورواق البيت كسماوته ، والسحاب والمطر.“

وذكرنا أيضًا أن صفة الأرض التي نحيا عليها أنها مادة، ويمكن للمادة ان تتبدل الى طاقة، ويمكن أيضًا للطاقة ان تتبدل الى مادة، وفق معادلة أينشتين الشهيرة، وكلاهما وجهان لشيء واحد. قلنا أن الأرض بمعناها اللغوي تعني الأرض التي نحيا عليها وهذه مادة لها كثافة وتشغل حيزًا، واللفظ يعني أيضًا الطاقة قياسًا على الأصلين النفضة والرعدة، وعليه فقوله تعالى {يوم تُبدلُ الأرضُ} أي تبدل الى طاقة فتصبح  {غير الأرضِ}  أي غير الأرض التي نحيا عليها وهي مادة.

ويجب التنبيه هنا أن الأرض والسماوات الآن معظمهم مادة وان كان بهما طاقة، بينما عند بدء الخلق يكون ما في الكون معظمه طاقة وبه القليل القليل من المادة.

وعليه يكون المقصود من لفظ الأرض إذا ورد عند بدء الخلق التعبير عن الطاقة بصورتيها التردد والحركة السريعة، وهي ما بدأ بها الخلق الكوني. والحركة أيضًا تعبر عن الزمان، وأول الحركة بدء الزمان، وبهذا تكون معاني الآيات السابقة تدل أن الأرض بمعنى الطاقة وجدت أولاً ثم تشكل الكون وهو السماوات والتي كانت دخان ثم النجوم والكواكب ومنها الأرض.

وفي قوله عز وجل : {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم} الأرض هنا هي الطاقة، أي الطاقة التي خرج منها كل الكون، بمادته وطاقته واتساعه، بمجراته ونجومه وكواكبه، بالقوى والثوابت التي تعمل فيه، أي هو الذي خلق لكم الطاقة وكل ما فيها، من صفات وقوى وخصائص وكم، ينتج منها كل ما يحتويه هذا الكون.

أما قوله عز وجل  {أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها}  فالأرض هنا تدل على كوكبنا وهو آخر الخلق لورود لفظي  {بعد ذلك} وهذا يفيد مرحلة زمنية لاحقة متأخرة. ويجدر الإشارة الى ما قاله الأولين أن الدحي غير الخلق.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – الآيات القرآنية في خلق الإنسان

 

والآن، علينا أن نستعرض النصوص القرآنية لإستنباط المدلولات المتعلقة بهذا الموضوع:

{ .. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ..} النجم 32

نجد في هذه الآية ذكر مرحلتين من مراحل الخلق الإنساني، المرحلة الأولى هي الإنشاء من الأرض، والثانية تكَّون الأجنة في بطون الأمهات، والتفريق بين الحالتين أو المرحلتين واضحٌ هنا. والآيات القرآنية الأخرى المتعلقة بخلق الإنسان، تتعلق كل منها بواحدة من هاتين المرحلتين، ولهذا سيتوجب علينا الحرص عند دراسة الآيات التي ذكر فيها الخلق؛ لتحديد تعلق كل منها بأي من هاتين المرحلتين، خاصة وكما ذكرنا أن مراحل النمو في الرحم، تشبه الى حد ما مراحل تطور الحياة حتى تصل الى الإنسان، ومما قد يزيد في صعوبة هذا الأمر، أننا افترضنا ان النص المقصود منه الإشارة الى المرحلة الأولى، سُرد بحيث يسمح بمساحة تفسيرية يمكن له فيها أن يؤدي معناه إما الى مفهوم المرحلة الثانية، أو الى مفهوم خلق آدم من الطين مباشرة، ليسمح بإمكان تفسيره في عصورٍ لم يعلم الناس فيها بحدوث المرحلة الأولى، والتي تختص بالتفاصيل العلمية لنشوء الحياة بأنواعها الكثيرة ومنها النوع الإنساني على الأرض. وهذا ما كان عليه الأمر في العصور السابقة، إذ تم التفسير على أساس دلالة بعض الآيات على خلق آدم، ودلالة الأخرى على تطور الجنين في الرحم، فإن عرف الناس علوم النشوء والتطور في عصور لاحقة، يمكن للنص أن يؤدي آنذاك الى معناه المقصود.

ووفق تفسيرات السلف، قيل في تفسير المرحلة الأولى: إذ أنشأكم من الأرض، قيل أي خلق آدم وقال آخرون هو التربة التي ارتفعت وسمت ليكون منها آدم ويكون منه ومن زوجه الناس من بعدهما، أما المرحلة الثانية وهي تكون الأجنة في بطون الأمهات، فتعود الى تكوَّن كل انسان في رحم أمه من بعد آدم.

نقف هنا عند المعنى اللغوي للفظ نشأ، جاء عن صاحب لسان العرب: وأنشأ الله الخلق أي ابتدأ خلقهم، ونشأ ربا وشب، وقيل الناشئ فويق المحتلم وقيل هو الحدث الذي جاوز حد الصغر، أنشأ دارًا: بدء بناءها. وقوله تعالى هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، أي ابتدعها وبدء خلقها وكل من ابتدأ شيئا فهو أنشأه.والنشء أحداث وصغار الناس، ونشأ السحاب أرتفع وبدا وذلك في أول ما يبدأ. وقال صاحب مقاييس اللغة: نشأ أصل يدل على ارتفاع في الشيء وسمو، ومن الباب النشء : أحداث الناس.

وعليه؛ فالإنشاء هو ابتداء الخلق ورفع الشيء وظهوره في أول ما يبدأ، ولو راجعنا بعض استخدامات القرآن للفظ ” أنشأ“ سنجد أن اللفظ يعبر عن إحداث أو إيجاد شيء في امتداد زمني، فاللفظ يعبر عن بدأ واستمرار لخلق معين كالإنسان والشجر والجنات والسحاب، أو لبناء معين كالدار والسفينة، أي أنه يعبر عن مرحلة لها بدء واستمرار ثم انتهاء، ولها نمو في ارتفاع، حتى تصل الى الحد المعين لها، فالصغار نشء لأنهم ينمون حتى يبلغون أشدهم، والدار تنشأ لأنها ترتفع رويدُا حتى تصل الى منتهاها، والشجرة تنمو وترتفع حتى تصل مداها، ونشأت في قوم فلان، أي شببت فيهم، فان طبقنا هذا المعنى على خلق الإنسان من الطين، فيكون {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين}  السجدة/7  { ….. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم …} النجم 32   نجد أن بدأ الخلق كان من طين كما توضح الآية 7 من سورة السجدة، وان طبيعة هذا الخلق كان إنشاءً، بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا.

فاذا افترضنا كما قال المفسرون أن الآية تتعلق بخلق آدم، فهذا سيعنى أن خلق آدم كان له بدء ونمو وارتفاع وظهور، فهل هذا يدلنا أن آدم نما وكبر حتى وصل الى مرحلة النضوج، أي نشأ، ليس في قصة آدم الشائعة أنه كان صغيرًا وكبر، ولكن ليس هناك في الآيات القرآنية ما يدعم اعتقادنا بفرضية أن آدم خلق في مرحلة الشباب أو الرجولة، دون ان ينمو من طفل الى نشء الى شاب الى رجل اصطفاه الله.

المخاطب في الآية المذكورة هم الناس جميعًا، {إذ أنشأكم} يتبعها {إذ أنتم}، والأوَلى أن يعود الإنشاء إلى نوع هؤلاء الناس، فلو اعتبرنا أن الآيات تتعلق بالجنس الإنساني الذي أنشأ من الأرض وبدأ خلقه من الطين، وتطور حتى وصل الى الإنسان، يكون التعبير أنشأكم من الأرض واضحًا وبينًا، إذ يكون النوع قد بدأ خلقه من طين، ونشأ وارتقا حتى وصل الى ما اكتمل به من بنية وانتصاب وعقل وقدرة على البيان.

*******

{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}العنكبوت

والسؤال هنا كيف نسير في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق؟  وأصل نظر عند ابن فارس هو تأمل الشيء ومعاينته، الأمر هنا له وجهان.

الوجه الأول أن نشاهد الأرض الجرداء الميتة حتى يهطل المطر عليها فينبت منها العشب والنبات الحي. في قوله تعالى {ويحيي الأرض بعد موتها} وقوله تعالى {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون…} وقوله تعالى {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ….} وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ولكن هل تكمن  الإجابة عن سؤالنا في هذه الآيات؟ ما نراه في هذه الظواهر يقع في باب كيف يحيي الله الخلق بعد موتهم، وليس كيف بدأ الخلق، فالصحراء الجرداء الميتة يكمن بين ترابها ورمالها بذور النباتات التي ما أن يتوفر لها الماء حتى تنمو نباتا جديدا، وهذا لا يدل على بدأ الحياة من العدم أو من الجماد اللامخلوق اللامسبوق، وانما يدل على استمرار للحياة المخلوقة متى توفرت لها ظروفها ومقوماتها. كان هذا التفسير يكفي السلف في التفسير المرحلي السابق وهذا ما ركنوا اليه.

والوجه الثاني هو في السير في الأرض والبحث فيها ومعاينتها لمعرفة كيف بدأ الخلق، والأمر يدل على قدرة المأمور على التوصل الى هذه المعرفة إذا اتبع المنهج الموضوع لبحثه هذا، والذي حددته الآية بالسير في الأرض والنظر. ولو فرضنا أن بدأ الخلق المقصود به آدم أو أي بدءا آخر للخلق، هو خلقًا إعجازيًا لا يتبع القوانين والثوابت الطبيعية، فلن نتمكن من الوصول إلى معرفته أبدًا، لأن المعجزة حالة واحدة لا تتكرر، ولأصبح بحثنا عن هذه المعرفة مضيعة للوقت، أما لو كان بدء الخلق معقولاً فسوف نتمكن من التوصل الى معرفة كيفية بدءه، وحيث أن الخالق يأمرنا بالبحث، فهذا بالضرورة يعلمنا بقدرتنا عليه، وهذا يدلنا أن بدء الخلق لا بد أن يكون معقولاً ((  ويجب أن نلاحظ هنا أن قاعدة معقولية الأمر لا تطبق كلما وجدنا أمراً إلهيًا، فبعض الأوامر تكون تحديًا للمأمور مع العلم بعدم قدرته على التنفيذ، وهذا يكون واضحًا بدلالة النص ومثال ذلك قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (13) هود. أو يكون الأمر مع قدرة المأمور على التنفيذ وعجزه عنه لقصور علمه عن معرفة حدوث الظواهر المنوط بها تنفيذ الأمر وهذا يستدعي أمراً ثانيًا عند حدوث هذه الظواهر، مثل قوله تعالى: :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }، ويكون القصد من هذا الأمر الإعلام بالخلق والإعلام بأهمية المخلوق التي عبر عنها بأمر السجود له. ويجب أن نلاحظ أن معقولية الأمر تطبق على الأوامر الصادرة الى البشر، أما معقولية الأوامر والأحداث التي تجري في عالم الغيب (الميتافيزيقي أو ما وراء الطبيعة) فهذه قد لا ينطبق عليها الشروط العقلانية التي تحكم عالمنا المشاهد، ولها نظامها الخاص الذي لا نستطيع أن نخوض فيه أو نعقله، وهذه حقيقة علمية يقبلها العلم الحديث ويمتنع لذلك عن الخوض فيها)).

وقد يقول قائل أن الموجود دليلاً على بدء الخلق، ونقول إن كان كذلك فما الداعي للسير في الأرض. بل أن هذه الآية قد تدل الى أن ما استنبطناه مما وجدناه في الحفريات بدءًا من العظام والجماجم الى مختلف نماذج الحياة البسيطة الأولى هو الطريق السليم لمعرفة كيف بدأ الخلق، بل وربما كانت النظريات العلمية التطورية التي استنبُطت من معاينتنا لطبقات الأرض ولبقايا أنواع الحياة التي اندفنت فيها، ومن دراسة أنواع المخلوقات المعاصرة وخصائصها ومقارنة سلاسلها الإهليجية، ومن تكيف البكتيريا وتغيرها، ما هي إلا نتيجة إتباع هذا الأمر الإلهي، الذي يدعونا الى المنهج العلمي في التأمل والبحث والمعاينة.

ولو قال قائل أن الآيات تشبه بدء الخلق بالبعث، أي كيف يحي الله تعالى الأرض الهامدة، وأن بدء الخلق كان كذلك، أي اذا توفر الماء دبت الحياة في الجماد، أو تظهر الحياة من الجماد، فان هذا أيضًا يتفق مع العلم في أن الحياة ظهرت على الأرض أول مرة متى توفرت لها ظروفها وأهمها الماء والمواد العضوية والطاقة ((وقد تدل الآية أيضًا، على أن بذرة الحياة التي قد تكون قد هبطت من الفضاء الخارجي، (كما تقول بذلك بعض النظريات العلمية)، نشأت على الأرض متى توفرت لها الظروف المواتية.)) ، ولفظ خلق يعني عند العرب تقدير أو ابتداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وهذه تتكرر،والأرجح أن الخلق فيها كان أول مرة.

******

أما في قوله تعالى: {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الأنعام133، فمن الجدير بالإهتمام، عرض تفسير الطبري لهذه الآية إذ جاء في تفسيره:

”” وأما قوله: {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء} فإنه يقول: إن يشأ ربك يا محمد الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه {يذهبكم} يقول: يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} يقول: ويأت بخلق غيركم، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم . {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم . ومعنى ”من“ في هذا الموضع: التعقيب، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوبا، بمعنى: مكان الدينار ثوبا، لا أن الثوب من الدينار بعض، كذلك الذين خوطبوا بقوله: {كما أنشأكم} لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم . والذرية من قول القائل: ذرأ الله الخلق، بمعنى خلقهم فهو يذروهم، ثم ترك الهمزة فقيل: ذرا الله، ثم أخرج الفعيلة بغير همز على مثال العلية . وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ: ”من ذريئة قوم آخرين“ على مثال فعيلة . وعن آخر أنه كان يقرأ: ”ومن ذرية “ على مثال عليه . والقراءة التي عليها القراء في الأمصار: {ذرية} بضم الذال وتشديد الياء على مثال علية . وقد بينا اشتقاق ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ههنا . وأصل الإنشاء: الإحداث، يقال: قد أنشأ فلان يحدث القوم، بمعنى: ابتدأ وأخذ فيه.““ أنتهى.

نلاحظ أن الطبري عمم القول القرآني على كل الناس، واعتبر أن المخاطب هو النوع الإنساني أو ولد آدم، وبين أن هذا النوع حل محل ذرية قوم آخرين، وجهد لبيان أن ولد آدم ليسوا من ذرية القوم الآخرين وأنما حلوا محلهم، ولم يحذو القرطبي وابن كثير حذو الطبري، إذ قال ابن كثير: ””كما قال تعالى {إن الله بالناس لرءوف رحيم} {إن يشأ يذهبكم} أي إذا خالفتم أمره {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} أي قوم آخرين أي يعملون بطاعته {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال تعالى {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} وقال تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}. وقال تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الذرية الأصل والذرية النسل.““ أنتهى.

ولو عدنا الى الآية:

{وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الأنعام 133

{ويستخلف من بعدكم ما يشاء} نلاحظ ”ما“ يشاء، وليس من يشاء، و”ما“ تدل على أن من يخلفونكم قد لا يكونون بالضرورة من جنسكم أو من نوعكم، بل قد يكونوا أي خلق آخر يشاءه الله تعالى، وفي قوله تعالى: { ويسجد له ما في السماوات وما في الأرض} يشير الى كل مخلوقات الله تعالى. أما قوله تعالى {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} نجد هنا معنى هام، إذ نحن – أي النوع البشري – نشأنا من ذرية قوم آخرين، لاحظ هذا الطبري وفسرها كما سبق، بينما ذهب ابن كثير الى ان الله تعالى كما أذهب القرون الأولى وأتى بالتي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، ولكنه لم يتعرض لجملة {أنشأكم من ذرية قوم آخرين}، ولم يشرحها، فان كان هؤلاء الناس نشأوا من ذرية قوم سبقوهم، فالسابقون أجدادهم وقومهم، وليسوا قوما آخرون، والقوم تجوز على الإنسان والملائكة والجن، واصل اللفظ من القيام. وجاء المعنى أيضًا في {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} وخلق جديد يصح أن يدل على نوع جديد، وليس خلق مثلكم.

          يقول لنا علم تطور الحياة ان النوع الإنساني تطور بعد ظهوره منذ سبعة مليون سنة الى أن بلغ إكتمال شكله العضوي العام، ثم تفرع نوعًا منه أو تطور هذا النوع من الأصل مزامنًا للأول، الى نوع أرقى تميز بالقدرة على التفكير والنطق وبالتالي حفظ ونقل المعلومات، لكن هل معنى هذا أن الأنسان نوع بينما البشر نوعًا آخر ((قد نجيب الآن بلا وبنعم، فكما ان خلق سيدنا عيسى بقدرة الله تعالى لم يأت بنوعًا جديدَا محدثًا، فليس بالضرورة ان خلق البشر (آدم) بقدرة الله سبحانه وتعالى والتي ربما تكون قد تجاوزت قوانين الطبيعة التي وضعها افي هذا الكون عندما خلقه {وجعلنا في كل سماء أمرها}، ليس بالضرورة أيضًا أن يكون البشر مخلوقًا من نوع جديد، إذ قد يكون تطورًا واكتمالاً لنوع الإنسان أو طفرة منه. )) .

يمكن ان يكون البشر نوعًا جديدًا أكثر تطورًا حل محل مثيله المخلوق سابقًا أو مزامنًا له، فهذا مثل ما توصلت اليه العلوم الحديثة. وبدراسة ال دي إن أيه  DNA  لعينات من كل أجناس البشر الموجودين على الكرة الأرضية اليوم، وجد أنهم قد يعودون الى مجموعة صغيرة قد لا تتجاوز البضعة آلاف شخص، كانوا يعيشون في افريقيا منذ مائتي ألف سنة تقريبًا، وهؤلاء ما يعبر عنهم العلم الحديث أنهم تناسلوا من سلالة امرأة أفريقية أعطاها العلماء الأسم الرمزي حواء. وتدل الحفريات التي تم العثور عليها والتي تعود ربما الى مائة ألف سنة، أنه كان يوجد أيضًا الى جانب هذا النوع المشابه لنا فيما يختص بالشكل التركيبي العام، مخلوق إنساني آخر، وان كان يشبهنا إلا انه لم يكن في مستوى ذكاء الآخر، الذي نحن من سلالته، ويختلف عنه وعنا في شكل الجمجمة، ونجد هذا الإنسان سابقًا للآخر، إذ نجده في حفريات أقدم لمئات الآلاف من السنوات. وقد اندثر هذا النوع منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، ولم يعد موجودًا. ولا نعرف حتى الآن هل نحن من سلالة متطورة عن هذا الإنسان المندثر حلت محله أم أن كلانا من سلالة إنسان أقدم تفرعت الى نوعين أو عدة أنواع ( ربما أربعة أنواع)، أندثرت كلها ما عدا نوعنا.

ألا يكون هذا مطابقًا الى حد كبير لمدلول الآيات القرآنية :{…… كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} وألا يكون الطبري قد أصاب في تفسيره، ما عدا أن لفظ ”من“ لا يدل سوى على المعنى المباشر وهو ما حاول جاهدًا نفيه في قوله: ”لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم“ . وألا ترى أن كلا المعنيان صحيحان، هم من أصلابهم وحلوا محلهم.

ما سبق يصح معه أحد المعنيين: الأول أن يكون البشر من سلالة تطورت من سلالات أخرى حتى وصل المخلوق الى ما نحن عليه، أو المعنى الثاني أن آدم خلق مباشرة من الطين مشابهًا ومساويًا للإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية عبر سلالات كثيرة، وان آدم أول البشر حل محل من سبقه في الحالتين. والذي يرجح لنا أن آدم  هو نتاج عملية تطورية، نجده في قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} فان كان بدء خلقنا يتمثل في خلق آدم، فهو قد نشأ من ذرية قوم آخرين. والقوم هنا بمعنى كل من قام، والإنسان هو من خلق في أحسن تقويم، أي أحسن وقوف وإنتصاب. والتغير الذي حدث في جينات النوع الجديد، جعله يختلف عمن جاء منهم، فلم يعد من نوعهم، وأنما هو نوع آخر، وإن كان من ذريتهم. بالطبع حدث هذا عبر آلاف وربما ملايين السنين، ولهذا كان لفظ أنشأكم هو ما وصف هذه العملية والذي سبق أن ذكرنا أن من مدلولاته الإمتداد الزمني، ونحن نتحدث هنا عن النوع؛ وآدم هو من اصطُفي من النوع، وهذا ما تدل عليه الآية المذكورة من سورة الأنعام، ومثلها قوله تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}. وقوله تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

******

ولو إستعرضنا آيات قرآنية أخرى لنستدل بها الى حقيقة هذا الأمر :

{ هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا * إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إِنّـا هديناه السبيل إمَّـا شاكرًا وإمَّـا كفُورًا}  الإنسان(76) :1-3

{هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1)}

في الآية الأولى من سورة الإنسان؛ يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه بعد خلقه ((جاء عند الطبري في تفسيره:ِ ”” وَقَوْله : {حِين مِنْ الدَّهْر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر هَذَا الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَرْبَعُونَ سَنَة ; وَقَالُوا : مَكَثَتْ طِينَة آدَم مُصَوَّرَة لَا تُنْفَخ فِيهَا الرُّوح أَرْبَعِينَ عَامًا , فَذَلِكَ قَدْر الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع ; قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } لِأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ وَهُوَ جِسْم مُصَوَّر لَمْ تُنْفَخ فِيهِ الرُّوح أَرْبَعُونَ عَامًا , فَكَانَ شَيْئًا , غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا حَدّ لِلْحِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; وَقَدْ يَدْخُل هَذَا الْقَوْل مِنْ أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر , وَغَيْر مَفْهُوم فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال : أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين قَبْل أَنْ يُوجَد , وَقَبْل أَنْ يَكُون شَيْئًا , وَإِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ : أَتَى حِين قَبْل أَنْ يُخْلَق , وَلَمْ يَقُلْ أَتَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الدَّهْر فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَلَا حَدّ لَهُ يُوقَف عَلَيْهِ .““))حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية، في حين أن آدم وفق القصة الشائعة خلق وتعلم وأكرم في وقت قصير، في ما قد نسميه في نفس المقام والمجلس. نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

قلنا أن آدم عندما خلق كان مكرمًا ومفضلا على كثير من المخلوقات الأخرى، بدليل أمر الله تعالى للملائكة وكان أبليس بينهم بالسجود لآدم، في قوله تعالى { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } وهذا التكريم وما سبق ذكره من التعليم الألهي لآدم يدل على تعظيم وإهتمام بهذا المخلوق لا يتفق مع فرض أن الآية السابقة تعود الى آدم، إلا لو كان الإنسان المقصود في هذه الآية غير آدم أبو البشر. أو لو كان النوع الإنساني بعد آدم عليه السلام قد مر عليه دهرًا لم يك فيه شيئا مذكورا.

والقول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، لأنه لم يكن مفضلا على بقية المخلوقات الأخرى كالحيوانات، ربما كان مثلها أو أقل منها. لقد أكرم الإنسان عندما أصبح قادرا على التفكير، وهي فترة لاحقة لظهوره في أحسن تقويم، أي منتصبًا واقفًا على قدميه، مما نتج عنه تحرير ذراعيه ويديه لإستخدامهما في عمليات مختلفة، وفي قوله تعالى { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين } التين : 4-5، أي أنه بالرغم من قيامه ووقوفه، رد أسفل سافلين، ثم أصبح تدريجيًا وخلال دهرًا طويلاً من الزمان، قادرًا على التفكير عندما بدأ مخه يتطور حتى وصل الى الحجم الكافي ليستطيع التفوق على غيره من المخلوقات، وقد استغرق هذا النمو عدة ملايين من السنين على أقل تقدير، وفي قوله تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} الرحمن، ما يشير الى أن القدرة على البيان، كانت من الصفات الهامة التي ميزت الإنسان عن غيره من المخلوقات، وبهذا يكون القرآن قد أكد على الصفتين الهامتين اللتين تميز بهما الإنسان عن غيره من المخلوقات وهما أحسن تقويم بمعنى قيام ووقوف، والقدرة على البيان، أي الإيضاح بالنطق واللغة.

كنا قد قلنا يصح معنى الآية إذا مر على نوع الإنسان بعد آدم عليه السلام دهرًا لم يكن فيه شيئا مذكورا. ولكن الأمم التي جاءت بعد آدم ينطبق عليها الآيات : { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. الأمة هنا في آيتي سورتا يونس والنحل، من بني آدم وليس ممن سبقهم من نوع الإنسان، وعليه فالآية التي نحن بصددها؛ تعود على نوع الإنسان في فترة سابقة لخلق آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم. وفي قوله تعالى (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) قد يشير الى وجود غيرهم من الناس، حيث أن من تكون للعاقل.

وفي الآية الثانية من سورة الإنسان: {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2)} الإنسان(76)

أتفق أغلب المفسرون أن الأنسان في الآية الأولى من سورة الأنسان هو آدم، أما الأنسان المذكور في الآية الثانية فهو ذرية آدم، وهذا إستدلال ولا يمكن البت بصحته، بل ولماذا يدل اللفظ مرة على آدم، ومرة ثانية وفي نفس السياق على ذريته، والذي دفعهم الى ذلك، أن آدم لم يخلق وفق اعتقادهم من نطفة أمشاج (تعبر عن مني الرجل وماء المرأة).

المشيج : كل لونين اختلطا،وقيل: هو كل شيئين مختلطين، والجمع أمشاج، وقيل المشيج هو ماء الرجل يختلط بماء المرأة. وفي التنزيل العزيز: {نطفةٍ أمشاج} قال الفراء: ”الأمشاج هي الأخلاط: ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة“. ويبدو ان اضافة الدم والعلقة نتج لأن اللفظ القرآني جاء على الجمع، مما يشترط معه الثلاثة فأكثر. أما النطفة فهي القليل من الماء وقد تطلق على الكثير، وهو بالقليل أخص.وبه سمي المنيُّ نطفة لقلته.

وقد ورد لفظ النطفة تعبيرًا  أو كناتج عن المني في قوله تعالى : {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} النجم، وفي قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى  * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة، وهنا تكون النطفة هي ما ينتج عن المني أو ماء الرجل كما سماه الفراء،  ومن المعروف أنه ليس للمرأة ماء له تأثير على الجنين، إذ ليس من المرأة سوى البويضة، أما الدم فلا علاقة له بتكوين الجنين، فتكون النطفة إما البويضة أو الخلية الأولى التي تتكون عند تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، أو ما يسميه العلم الحديث، الفيتا، والأرجح أنها البويضة الملقحة أي الخلية الأولى، والعلقة هي إحد مراحل الحمل. ولهذا فالأصل اللغوي في معنى نطفةٍ أمشاجٍ، هي الماء القليل المحتوي على خليط من المواد أو المركبات الأخرى. ما هي هذه المركبات والمواد، من الممكن ان نفترض أنها عضوية، أو منى الرجل وبويضة المرأة معًا، وهما ان كانا إثنان إلا أنهما يتكونان أيضًا من خليط مركبات عضوية، وهما ما يتكون الجنين من اجتماعهما، وعليه فمعنى نطفة إمشاج يصح كما قال المفسرون، ويصح أيضًا أن يكون ابتداء خلق الحياة – ومنها الإنسان – من ماء وخليط مركبات عضوية أو كربونية أو من أي مواد أخرى، أي هو الخليط الكيميائي الذي يعتقد العلماء أنه الذي نتج منه أول خلية حية. وقد وردت نطفة في الآيتين السابقتين من سورتي النجم والقيامة بالمعنى الذي يخص الحمل وتطور الجنين في الرحم لأنها حددت بأنها نتجت عن المني، ويمكن أن يكون خلق أو جعل الزوجين الذكر والأنثى، هو جعل أو خلق في الرحم، وهذا يبين مرحلة متأخرة في سلسلة الخلق ومستمرة، فمن المني والبويضة نطفة، وهذه الخلية النطفة من صفاتها أنها تنقسم على نفسها مرات عديدة، ثم تتعلق في جدار الرحم، فتكون علقة، فجنين إما ذكر أو أنثي. وعلى هذا المعنى، يكون معنى الآية 46 من سورة النجم : من نطفة إذا تُمنى البويضة.

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11)} فاطر، الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية تتكاثر بالإنقسام، ثم أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

*******

 

وفي قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} آل عمران 33-34

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن ((في معنى العالمين ورد في لسان العرب لإبن منظور: في التنزيل : {الحمد لله رب العالمين} قال ابن عباس: رب الجن والأنس، وقال قتادة: رب الخلق كلهم. قال الأزهري: الدليل على صحة ابن عباس قوله عز وجل: {تبارك الذي نزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا } وليس النبي صلعم نذيرًا للبهائم ولا للملائكة وكلهم خلق الله، وإنما بعث محمد صلعم نذيرًا للجن والإنس.)) ، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. ويصح أيضًا أن يكون اصطفاء آدم على العالمين بمعنى الملائكة والجن، إلا أن الآية جمعت مع آدم غيره ممن فضلوا على العالمين بمعنى الأنس والجن.

 

{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.

***

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } النور(45)

نلاحظ هنا الجمع بين كل الدواب في الخلق من ماء، والإنسان مشمول مع من يمشي على رجلين، ولأن من تستخدم للإنسان، واستخدمت هنا لكل الدواب، والجمع هنا يدلنا أن هناك وحدة في الخلق، فاما أن يكون الله تعالى قد خلق كل نوع على حدة من نفس المكونات، أو يكون كل هؤلاء بدء خلقهم من الماء وتنوعوا وفق خطة تتبع نظام معين، الذي يهمنا في هذه الآية الجمع بين الإنسان والحيوانات البرية وكل ما دب على سطح الأرض، في وحدة المكونات. ولاشك ان العلم الحديث قد وجد ان التصميم البيولوجى متقارب الى حد كبير وان اختلفت الأشكال ودرجات التطور. وفي قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماؤا ان الله غفور رحيم } 28 فاطر، الجمع بين الناس والدواب والأنعام، والدواب هو الجنس العام ويشمل الناس والأنعام، وكلهم خلقهم الله تعالى على اختلاف الوانهم . واختلاف الألوان المقصود به سحنة الشيء، يقول صاحب مقاييس اللغة ”لون“ كلمة واحدة وهي سحنة الشيء، من ذلك اللون : لون الشيء، كالحمرة والسواد. وتضيف هذه الآية الثمرات وهي نتاج النباتات وهي أحد فروع شجرة الحياة التي نشأت على الأرض.

***

{ لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذَّين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون } التين : 4-6

تقويم : من قوم وهى أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم .وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن انتصابه، والقوام هو الطول الحسن ونقول طويل القامة، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي وقوف في انتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا كما قلنا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل من جنسه وأفسد في الأرض، وهو يفعل ذلك منذ ان خلق في أحسن تقويم وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان.

وقد يكفى هذا المعنى إلا أن من الباب قوّمت الشىء تقويماً؛ وأصل القيمة الواو؛ وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك . وقد يدل هذا على أن الانسان قام مكان غيره وهو أحسن تركيبًا ممن قام مكانهم، فهو بذلك أحسن ما بلغته هذه العملية التطورية الخلاقة التى بلغت أحسن التصميمات الفيزيولوجية وهو الانسان.

***

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك } الانفطار:6-8 .

لاحظ قوله سبحانه وتعالى عدلك . وعدل أصلان يدل أحدهما على الاستواء والآخر على اعوجاج. الأول منه العدْل والتساوى والاستقامة ومنه: المعتدلة من النوق؛ وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء، وكل ما تناسب فقد اعتدل. ونقول فى عصرنا قف معتدلاً أى منتصباً. أما سوى فهى تدل على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، والسواء هو ما كان مستوياً، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وسواك سبقت عدلك وهى لذلك قد تكون مرحلية بمعنى أن الانسان كان متساويا مع غيره من المخلوقات ثم اعتدل فوقف منتصباً على قدميه . أو يمكن القول أن الخلق حدث أولاً، وهو تقدير ما منه سيكون الشيء المخلوق وهو الإنسان، وتبع التقدير وإيجاد ما منه وجوده التسوية، وهي تعبر عن تمام خلقه وبلوغه تكوينه وتركيبه، ثم تبع ذلك الاعتدال، وهذا يدل أنه حين استوى لم يكن معتدلا فأصبح كذلك، أو أن التسوية ذاتها كان منها الإعتدال، أي القول سويتك فاعتدلت. فالفاء هنا تعبر عن نتيجة التسوية، وفى كل هذه المعاني نجد الاشارة الى أهمية الاعتدال وتناسب واتفاق الاعضاء فى  خلق الانسان وتميزه بهذا عن بقية المخلوقات، بالطبع كل المخلوقات الأخرى متفقة الاعضاء إلا أن التصميم المتميز للانسان يعطيه قدرات تفوق ما سواه، والذي ميزه في وقوفه وفي قدرته على النطق والبيان.

***

{ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } 7-8-9 السجدة

وقد ورد في تفاسير السلف:

(وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) قال ابن كثير: ”يَعْنِي خَلَقَ أَبَا الْبَشَر آدَم مِنْ طِين،“ وقال مثله الطبري والقرطبي.

(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) قال أبن كثير: ”أَيْ يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَة تَخْرُج مِنْ بَيْن صُلْب الرَّجُل وَتَرَائِب الْمَرْأَة“. وقال الطبري: ”يَعْنِي ذُرِّيَّته مِنْ سُلَالَة , يَقُول : مِنَ الْمَاء الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ“. وقال القرطبي: ”مِنْ مَاء مَهِين “ ضَعِيف“.

(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)

قال أبن كثير:” ” ثُمَّ سَوَّاهُ“ يَعْنِي آدَم لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ يَعْنِي الْعُقُول.“

 قال الطبري: ” ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا , {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه} فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا.“

قال القرطبي: ” رَجَعَ إِلَى آدَم , أَيْ سَوَّى خَلْقه ” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه “ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذُرِّيَّته فَقَالَ : ”وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ وَقِيلَ : ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَاء الْمَهِين خَلْقًا مُعْتَدِلًا , وَرَكَّبَ فِيهِ الرُّوح وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسه تَشْرِيفًا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْله وَخَلْقه كَمَا أَضَافَ الْعَبْد إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ”عَبْدِي“ . وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ لِأَنَّ الرُّوح فِي جِنْس الرِّيح . وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي ”النِّسَاء“ وَغَيْرهَا .“

أتفق أغلب المفسرون أن {وبدأ خلق الإنسان من طين} تعود الى آدم، وأن {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} لفظ نسله يعود الى ذريته،  وأن {ثم سواه ونفخ فيه من روحه} تعود الى آدم. وأن {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} تعود الى الناس من ذرية آدم.

لو أخذنا بهذه المعاني، وأن ”بدأ خلق الإنسان من طين“ تعود الى آدم،  فالسؤال الذي سيراودنا هو كيف كان هو وذربته يتزاوجون ويتناسلون كجنس مكتمل يعي ويسمع ويرى، ولم يكن آدم قد استوى، ولم يكن قد نفخت فيه الروح بعد، ولم يكن قد منح السمع والبصر والأفئدة.

ولفظ ” بدأ “ في الآية الأولى لا يدل على إكتمال الخلق في مرحلة هذه الآية، وانما يدل أن هناك بداية لفترة زمنية وأن هناك مرحلية في الخلق، حيث أن البدء بالضرورة مرحلة لها صفة الاستمرار ولها ما يتبعها من إنتهاء. أما لفظ ”ثم“ التي نجدها في بدء الآيتين التاليتين، فإنها لا تأتي في كلام العرب إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، فان قلت قمت ثم قعدت، فانت تحدد أن القيام حدث أولاً، والقعود حدث لاحقًا، بينما تسمح الواو بالمعنيين، فإذا قلت قمت وقعدت، فقد نفهم أنك قمت ثم قعدت أو قعدت ثم قمت، ولا فرق أيهما أولاً ((ورد في تفسير الطبري للآيتين 11 و 12 من سورة الأعراف شرح استخدامات لفظ (ثم) في اللغة وفي القرآن، وهو مذكورًا في الصفحات التالية من هذا الكتاب.  )) .

وهنا نجد أن التناسل من سلالة بمعنى الماء المهين كما ذهب اليه السلف، يسبق التسوية والنفخ والجعل، ولو كان آدم هو المخلوق الذي وجد في ”بدأ خلق الإنسان من طين“، فقد كان له ذرية تتناسل، ثم حدث بعد ذلك التسوية والنفخ.

وهذا يختلف عما ورد في آيات أخرى، تبين أن التسوية النفخ من الروح سبقا سجود الملائكة لآدم، والسجود سبق دخول آدم وزوجه الجنة ثم خروجهما منها، وهذا كله سابق لإنجابه أولاده ومن ثم لوجود ذرية.

وفي قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} ص 71-72  وفي قوله تعالى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} الحجر 29. نجد أن تعبير ” ونفخت فيه من روحي“ في خلق آدم، و ”فنفخنا فيها من روحنا ((الآية (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء، والآية (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) التحريم.)) “ في  خلق عيسى.  لم نجده عند أحد غيرهما ((بينما قال آخرون مثل ما ورد عن السلف، إلا أن خلق آدم والتسوية والنفخ كلهم حدثوا له في الآية الأولى، وأن  ”ثم سواه ونفخ فيه من روحه“ تعود الى ذرية آدم، (وأن هذين غير التسوية والنفخ الذين حدثا لآدم)، ويحدث في الرحم عندما يكتمل كل جنين. وهذا يتعارض مع لفظ البدء الذي لا يدل على الإنتهاء، وأن الآية تخاطب المفرد في التسوية والنفخ، وتعود الهاء في ”ثم سواه“ الى الإنسان الذي ذكروا أنه آدم، وأن هذا المعنى يستدعي التدخل الإلهي في التسوية والنفخ والجعل لكل جنين يولد. ولم يرد مثل هذا المعنى في أي من آيات القرآن الأخرى، بينما دلت الآيات من سورتي ص والحجر أن النفخ حدث لآدم فقط واستدعى سجود الملائكة له، ولم يحدث النفخ من الروح لبشر آخر سوى الذي ورد في معجزة خلق عيسى. أما عن الجعل فهذا ورد في الآية بصيغة الجمع مخاطبًا كل الناس، ويحدث باستمرار في خلق كل كائن إنساني، بل وجعل السمع والبصر لكل الحيوانات والطيور والمخلوقات البحرية، مما قد يدل أن هذا الجعل كان في المراحل السابقة لخلق آدم. وفي قوله تعالى : {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة. الخطاب هنا موجه الى كل الناس، والمعنى يعود الى الخلق في الرحم، والتسوية هنا في إتمام وإكتمال خلق الإنسان في رحم أمه، سوى هنا تعبر عن اكتمال خلقه، ولم يأت ذكر نفخ الروح هنا.))  وفق ما ورد في النصوص القرآنية عدا الآية 9 من سورة السجدة، ولهذا يصح الإستدلال أن هذه الآية تعني آدم، والذي أشار إليه القرآن بلفظ بشر أيضًا.

وعليه فالآيات من سورة السجدة تدل على ترتيب تعاقبي زمني لهذه الأحداث، وأن الآية الأولى تشير الى بدء خلق الإنسان، والثانية تدل أنه بعد بدء خلقه كان هذا المخلوق يتناسل وله ذرية، والثالثة أن الله سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة وهذه عطفت بحرف الواو والمخاطب فيها النوع الإنساني عامة، ويصح أن يكون وقت وترتيب حدوثها سابق للتسوية والنفخ، أضف أنها موجهة الى كل الناس لقوله تعالى ” وجعل لكم “ ولهذا فهذه الجملة تخرج عن السياق الإخباري السابق لها حيث أن ذكرها جاء في معرض تذكير الناس بنعم الله عليهم لعلهم يشكرون. وفي قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) المؤمنون (78) نلاحظ أن لفظ أنشأ أخذ مكان لفظ ”جعل“ الذي ورد في أكثر من آية، وقد سبق أن بينا أن الإنشاء له بدء ومدة وانتهاء، أي أن السمع والأبصار والأفئدة (الأفئدة تعبر عن العقول) لم تظهر آنية وإنما كان لها امتداد زمني.

ونلاحظ أيضًا من الآيات أن هذا المخلوق كان حيًا ويتناسل، قبل أن تتم تسويته وقبل أن ينفخ فيه من الروح، أي أن هذا النفخ لم يمنحه الحياة أو يجعل من الجماد شيئًا حيًا، كما كان الإعتقاد عند البعض.

والمعنى المباشر لهذه الآيات من سورة السجدة هو أن الله تعالى بدأ خلق الإنسان من طين، ولم يكن المخلوق الأول قد اكتمل إنسانًا بعد، وإنما قدر له أن يصبح إنسانًا بعد زمن ما، ثم تناسل هذا المخلوق من سلالة من ماء مهين، أي تعاقبت ذريته جيلا بعد جيل، وخلقًا بعد خلق، ثم سواه ((وسوى تدل إما على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، أو جعله يبلغ تمامه من التطور والإكتمال، أي أبلغه أشده، جاء في لسان العرب لابن منظور عن الليث: الاستواءُ فعلٌ لازمٌ من قولك سوَّيته فاستوى، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وأيضًا استوى الشيء اعتدل، واستوى الرجل : بلغ اشده، وقوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى. وفي قوله تعالى: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويا. وقيل واستوى من اعوجاج.)) الله ونفخ فيه من روحه.

ورد لفظ ”سواه“ ملازما لمعاني بلغ أشده في قوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ءَاتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} القصص (14)، وعدله من اعتدل لقوله تعالى  {الذى خلقك فسواك فعدلك }، ومن معاني سواه أتم وأكمل خلقة هيئته وتركيبه وشكله، أو سواه بشيء آخر، والمعنى الأول قد يكون الأرجح لأن الآيات بدأت بقوله {وبدأ خلق الإنسان من طين} فتكون {ثم سواه} التي تعود الهاء فيها الى الإنسان أي تدل على اكتمال هذا البدء واتمام خلق الهيئة والشكل، وهذا بالطبع يشمل أعضاء السمع والإبصار والعقل. أما قوله تعالى: {..وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} فهذا كما سبق موجها إلينا تذكيرًا لنا بنعم الله علينا، التي تستوجب منا الشكر والحمد.

و ”ثم سواه“ أخذًا بدلائل الآيات الأخرى المتعلقة بخلق آدم، قد تدل أن الله تعالى سواه بشرًا. أي نجد في هذه الآية من سورة السجدة تفصيل {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين} ص، و { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ *  فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر، حيث أن هذا الخلق كان كما يلي {وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه… } .

وبهذا نجد أن الآيات من سورة السجدة تتعلق بخلق الأنسان، حتى إذا أكتمل خلقه عبر ذرية، نفخ الله فيه من روحه فكان خلقًا جديدًا هو البشر أي آدم. أي ان آدم لم يخلق مباشرة من الطين، وسبقه مخلوقات تتناسل.

          مما سبق، نجد أن السرد المذكور في الآيات من سورة السجدة، لا ينطبق على قصة آدم الشائعة ، لو أخذنا بفرضية الخلق الفوري لآدم، فآدم -وفق هذا الفرض- خلق ثم تعلم الأسماء كلها وأكرم في نفس المقام (والذي قد نصفه أنه تم في نفس المجلس). ولو فرضنا أن آدم هو أول إنسان كما هو شائع، فسوف نجد أن جملة بدأ خلق الإنسان من طين، وما تبعها من نسل ثم إكتمال الخلق بالتسوية والنفخ والجعل، تدل على المرحلية والإمتداد الزمني، ولا تدل على الخلق الآني.

  تدلنا هذه الآيات من سورة السجدة أن الإنسان قد خلق من طين عبر سلسلة من الكائنات التي توالدت من الكائن الأول، حتى إذا أكتملت صورته، سواه الله ونفخ فيه من روحه، وبهذا نكون قد بلغنا المخلوق الجديد وهو البشر، لأن هذا هو اللفظ الذي ورد في القرآن عن أول مخلوق نفخ الله فيه من روحه، ولم يذكر نفخًا آخر سوى الذي أدى الى خلق سيدنا عيسى عليه السلام.

****

ولو نظرنا الى الآيات { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرُُ منه خلقتنى من نارٍ وخلقته من طين } الأعراف:11-12

أختلف المفسرون المتقدمون في دلالة هذه الآيات، ونورد هنا ما جاء في تفسير الطبري:

” القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: {ولقد خلقناكم} في ظهر آدم أيها الناس، {ثم صورناكم} في أرحام النساء خلقا مخلوقا ومثالا مثلا في صورة آدم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خلقناكم} يعني آدم، {ثم صورناكم} يعني في ظهره. وقال آخرون: معنى ذلك: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: {ولقد خلقناكم} ولقد خلقنا آدم، {ثم صورناكم} بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعني في ذلك سلفه، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63]  وما أشبه ذلك من الخطاب الموجه إلى الحي الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و”ثم “ في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به بـ ”وثم“ على قوله: ”قمت“ إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إن قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا. فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت ”ثم“ في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم:

                              سألت ربيعة من خيرها                     أبا ثم أما فقالت لمه

بمعنى: أبا وأما، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره، فإن ذلك بخلاف ما ظن ; وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف. وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل ”ثم“ في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: قام ثم عبد الله عمرو ; فأما إذا قيل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقا، فقول الله تبارك وتعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا} نظير قول القائل: قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل. .“ أنتهى

بالرغم إن الأوائل فهموا التصوير على أنه يعود  على الذرية، إذ  جاء في تفسير ابن كثير: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أَيْ خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَا الذُّرِّيَّة وَهَذَا فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَالَ بَعْده { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ آدَم وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَر………… وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين} الْآيَة . فَإِنَّ الْمُرَاد مِنْهُ آدَم الْمَخْلُوق مِنْ السُّلَالَة وَذُرِّيَّته مَخْلُوقُونَ مِنْ نُطْفَة وَصَحَّ هَذَا لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان الْجِنْس لَا مُعَيَّنًا وَاَللَّه أَعْلَم.“

إلا أن الطبري فقد خلص بعد تفنيد كافة الأراء الى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم.

لو عدنا إلى معنى خلق عند صاحب مقاييس اللغة: خلَق : أصلان أحدهما تقدير الشيء (قدر : يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، والآخر ملاسة الشيء. وفي لسان العرب يقول ابن منظور: الله عز وجل هو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها وبالأعتبار للإيجاد على وفق التقدير خالقٌ. والخلق في كلام العرب: ابتدع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سُبق إليه.

فإذا نظرنا الى معنى خلق على أنه تقدير الشيء، فهو باعتبار تقدير ما منه وجوده، فان إيجاد أي من الإنسان أو البشر، هو ما منه وجود الناس جميعًا ومتى اكتمل خلق الإنسان فقد وجدت المكونات ووجد النظام الذين يؤديان الى خلق الناس جميعًا في زمان لاحق، وقد يكون تقدير ما منه وجودنا بدأ وحدث عند ظهور أول خلية حية من الطين، بل وربما يعود الى بدء الخلق الكوني حيث أن هذا الخلق هو الذي أدى – كما هو مقررا أو مقدرا له – الى ظهور أول خلية حية على سطح كوكبنا. هذا عن الخلق، أما التصوير فهو بلوغ الإنسان الصورة والشكل والتركيب الذي نحن عليه، ويجدر الإشارة هنا أن التصوير يأتي بعد الخلق وبينهما حرف العطف ”ثم“ والذي يدل على الترتيب والتراخي، أي طول الفترة الزمنية، وصورناكم هي جعلناكم على الصورة التي أنتم عليها، والصورة هي الصفة والهيئة والشكل والتركيب، في قوله تعالى: {في أيّ صورة ما شاء ركبك} وهي مرحلة تلي الخلق، أي أن الكائن الذي نتج عن الخلق لم يكن على الصورة التي إنتهى إليها المخلوق بعد التصوير. وعندما اكتملت صورة المخلوق، ربما على هيئة الإنسان الحديث، اجتبى الله آدم واصطفاه، ونفخ فيه من روحه وكرمه وعلمه البيان. وبهذا نجد تفسير {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}، أي ان سجود الملائكة كان بعد التصوير.

يصح لو أعدنا خلقناكم ثم صورناكم الى آدم، ويصح أيضًا أن يكون المقصود به النوع الإنساني، وهذا ما ذهب اليه ابن كثير في آخر ما أخذنا عنه أعلاه.

من هذه الآيات، يصح التفسير المرحلي السابق –مع صعوبته- أن خلقناكم ثم صورناكم تعودان إلى آدم، وهذا يناسب علوم ومعارف تلك الفترة، ويصح أيضًا التفسير المرحلي اللاحق أنهما يعودان الى خلق النوع أو الجنس الإنساني حتى بلغ اكتمال صورته، ثم اصطفي آدم منه، وكان خلقه مثل خلق عيسى، أي كان مثل النوع ولكنه اختلف عن أفراد النوع الآخرين بتكريم إلهي، كان منه التسوية والنفخ من الروح والتعليم. ونجد أن الأقرب لتركيب الألفاظ في الآية هو المعنى المرحلي اللاحق لأن المخاطب في قوله ”خلقناكم ثم صورناكم“ هم الناس جميعًا فالأغلب أن يقصد النوع، وعليه فالنوع سابق في الترتيب الزمني عن أدم.


تدعونا الآية السابقة الى التساؤل في موضوع الترتيب الزمني للأمر الإلهي للملائكة بالسجود، في قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} نجد أن القول الموجه للملائكة سابق لخلق آدم، وليس بعده، بينما ما ورد في الآيات التي كنا بصددها، أن الأمر بالسجود لاحقا لخلق آدم.

وقد جاء ذكر آدم بما يُستدل من الآيات في القرآن أنه هو البشر الذي أخبر الله الملائكة عن نيته خلقه وأن عليهم أن يسجدوا له، ولا خلاف في هذا لأن الملائكة لم يؤمروا بالسجود لبشر أو لإنسان آخر.

ويجدر الذكر هنا أن أمر الله للملائكة بالسجود قد تكرر في أكثر من آية، وجاء في بعض الآيات بعد الخلق، دون ذكر مشيئة الخلق والتسوية والنفخ، ولأهمية تحديد هذا الأمر، علينا أن نورد بعض هذه الآيات لتحديد هل أمر السجود سابق للخلق أم بعده أم هما أمرا واحدًا تكرر، ولماذا يتكرر الأمر الألهي إن كان كذلك.

قبل أن نخوض في هذا الأمر، يجب التنبيه الى أمر هام، سبق أن تعرضنا إليه بإختصار، وهو أن التخاطب بين الله وملائكته وغيرهم من الجن، هو من الأمور الغيبية التي لا نستطيع عقلها أو إدراك كيفية حدوثها، إذ هل يتخاطب الله معهم بالقول أو عبر وسيلة أخرى لنقل المعلومات، وما مدى إدراكهم لهذه المعلومات وتصورهم لها، سبق أن قلنا أن الموضوعات التي تدخل في باب الأمور الغيبية، لسنا مجهزين لفهمها، ولهذا فالخوض فيها لن يكون سوى مضيعة للوقت وظنًا ولا يغني الظن عن الحق شيئا. ولهذا فعلينا أن نقبل أن أوامر الله للملائكة بالقول هو أقرب تشبيه يفهمه العقل البشري لما حدث حقيقة، ويجب علينا أن نقبل بالمعنى الذي يؤدي اليه هذا التعبير، وأن لا نحاول أن نعيد تصوير مشاهد الأحداث السماوية، وعلينا أن نأخذ هذه المعاني كما وردت، وكما نفهمها، حيث أن هذا هو القصد من سردها.

الأمرين بالسجود نجدهما في الآيات التالية:

الأمر الأول في قوله تعالى:{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ((سوى : تدل على إستقامة واعتدال بين شيئين، والسَّىّ : المثل وقولهم سيان أي مثلان، والسواء : وسط الدار وغيرها لاستوائه، وقولهم هذا سوى ذلك، أي غيرُه ، فهو من الباب، لأنه إذا كان سِواه فهما كل واحدٍ منهما في حيَّزه على سواء . والدليل على ذلك مدُّهم السواء بمعنى سِوى، قال الأعشى : ( تجانف عن جل اليمامة ناقتي        وما عدلت من أهلها لسوائكا ). وعند صاحب القاموس المحيط السواء هي العدل والوسط والغير كالسِوى بالكسر ومن الجبل ذروته ومن النهار متسعه، وسواءٌ وجوده وعدمه، واستوى أعتدل والرجل بلغ أشده أو أربعين سنة، واستوى الى السماء صعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى، وسواه تسوية وأسواه جعله سويًا واستوت به الأرض وتسوت وسويت عليه أي هلك فيها.)) ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }

الأمر الثاني في قوله تعالى : { واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:30-33

من الواضح أن الأمر الثاني وجه الى الملائكة بعد اكتمال خلق آدم وبعد أن سواه الله ونفخ فيه من روحه، بفترة زمنية على أقل تقدير الفترة التي استغرقت عرضه على الملائكة وتعليمه الأسماء ثم إنباء الملائكة بالأسماء، وهذه وان كان من الممكن أن تكون قصيرة، إلا أنها ليست الفورية التي يتضمنها الأمر الأول، أضف الى هذا أن الأمر الأول كان إخبارًا بمشيئة الله الخلق قبل أو أثناء حدوثه، بينما الأمر الثاني كان بعد حدوث الخلق واكتماله.

في قوله تعالى { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين} الأعراف، فأمر الملائكة بالسجود هنا، يكون هو الأمر الثاني في الترتيب الزمني للأمرين بالسجود، لأنه تبعه سجودهم فورًا، والسياق الكلامي هنا يماثل السياق في سورة البقرة  {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34.

وعليه فيكون الأمر الأول بالسجود والذي سبقه قول الله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } الحجر، فهذا من الأولى أن يكون سابقًا لكل ما جاء في الآية من سورة الأعراف {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}.

 فيكون الترتيب كما يلي:

{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} ثم {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}.

 { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإِ  مسنون ((الصلصال هو الطين المنتن، وقال المفسرون في خلق البشر: كان أول ترابًا، أي متفرق الأجزاء، ثم بل فصار طينًا، ثم ترك حتى أنتن فصار حمأ مسنونا، أي متغيرًا، ثم يبس فصار صلصالاً، على قول الجمهور. والحمأ الطين الأسود؛ والمسنون المتغير؛ من قولهم قد أسن الماء أي تغير. )) * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } ((ويدل لفظ جن على التستر وكل ما ستر عنك فقد جن عنك، والجِنَّةُ بالكسر طائفة من الجن، وسموا كذلك لأنهم لا يرون ومتسترون عن أعين الخلق قال تعالى { انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} . والجان أسم جمع للجن وحية أكحل العين لا تؤذى كثيرة فى الدور والجِنُّ بالكسر الملائكة . والجنة الحديقة ذات النخل والشجر، والجِنة الجنون والجنين الولد فى بطن أمه . ولفظ سم يدل على مدخل فى الشىء والسموم هى الريح الحارة لأنها تُداخل الاشياء مداخلةً بقوة.))  الحجر : 25-29 .

قال ابن فارس : بشر فى اللغة تدل على ظهور الشىء مع حسن وجمال وسمى البشر بشرًا لظهورهم، ومنه البشرى وذلك يكون بالخير وربما حُمل عليه غيره من الشر وقال وأظن ذلك جنسًا من التبكيت . أما الانسان فهو ظهور الشيء، وكل من خالف طريقة التوحش، والأنسة ضد الوحشة، واستأنس ذهب توحشه.

وقد خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وخلق تعنى أن الله تعالى قدر ما منه وجود الإنسان، أي أن يصبح الصلصال وهو الطين المنتن المتغير في مبلغه وكنهه ونهايته إنسانًا، وكذلك البشر، وفي قوله تعالى فاذا سويته، قد يكون المعنى اذا أبلغته أشده ومنتهاه.

وهنا في آيات سورة الحجر، نجد أن هناك فصلا واضحا بين خلق الإنسان وخلق البشر، لقد اهتم القرآن ببيان حقيقة ان الجان خلق قبل الإنسان، وهذا لأنه قدم موضوع خلق الإنسان عن موضوع خلق الجان في سياق ترتيب الإخبار. وقد أدى تقديم خلق الإنسان على خلق الجان في سياق السرد القرآني، الى الفصل بين آيتي خلق الإنسان وخلق البشر، وهما وأن خلقا من نفس المكونات، أختلفت تسميتهما، فهذا إما أن يكون فصلاً بين خلقين مختلفين وان كانا من نفس المكونات، أو تكرارًا، فان كان تكرارًا فلا بد أن يكون له سببا لإختلاف الأسم، بل وقوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون} لو قصد منه الإنسان المذكور قبل ذلك، لكان القول أسبق في الترتيب الزمني من خلق الإنسان لأن الله تعالى يعلم الملائكة بمشيئته، إلا أن هذا ليس بالضرورة دليلاً، لأننا مع وجود حرف إذ نكون قد خرجنا من حتمية الترتيب الزمني الذي تحدد في ترتيب خلق الجان وخلق الإنسان.

ونحن نأخذ بالإختلاف النوعي الذي قد تدل عليه الآيات من إختلاف الأسماء، إذ نفترض أن البشر اختلف عن الإنسان، ربما في الخلق، وربما في التطور، وربما في أن الله علمه الأسماء. إذ ليس في الآية ما يمنع أن نفترض ان الإنسان خلق من خلال عملية تطورية استغرقت بلايين السنين. وقد نفترض أن يكون البشر هو الإنسان الذي تطور الى حد يتمكن معه من تلقي العلم، أي أنه مرحلة لاحقة من مراحل التطور، وقد أخذنا هذا المعنى من قوله سبحانه وتعالى : { الرحمن * علَّم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان} الرحمن : 1-4 جاء عن ابن كثير: ”يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى ”الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان“ قال الحسن يعني النطق وقال الضحاك وقتادة وغيرهما يعني الخير والشر وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن وهو أداء تلاوته وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها“.

وقد وجد علماء التطور ان ظهور الإنسان الحديث – وهو الذي نحن من سلالته – تزامن مع تغير في جمجمة الإنسان الأول من جهة تكون عظام الفك والحلق بما أدى الى تيسير النطق وتسهيل خروج الحروف، مع وصول حجم المخ الى الحجم الحالي. أي أن البشر هو الإنسان الحديث.

سرد مبسط لموضوع الأمر بالسجود لآدم (إعادة بأسلوب آخر لنفس الذي تم تناوله في الصفحات السابقة):

في قصة خلق آدم، تتضمن النصوص الأمر الألهي للملائكة بالسجود لآدم، في مرتين، الأولى في إخبار الله الملائكة أنه سيخلق بشرًا وأن عليهم أن يسجدوا له عند إتمام خلقه، والثاني أمرا مباشرًا للملائكة بالسجود لآدم بعد أن إكتمل خلقه.

ورد الأمر الأول –قبل الخلق- في سورة الحجر الآيتين 28 و 29 :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)}سورة الحجر. ((ومثلهما في سورة ص الآيتين 71 و 72 { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)} سورة ص))

وجاء الأمر الثاني في سورة البقرة في قوله تعالى : { واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32)  قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (32) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (33) } سورة البقرة.

مقدمة مختصرة:

قد نفهم من هذه الآيات، أن الله تعالى أخبر الملائكة أنه خالق بشرا من طين، ((ومن صلصال من حمأ مسنون)) وأن عليهم أن يسجدوا له إذا سواه الله ونفخ فيه من روحه. كما سنرى فيما بعد، الملائكة لا تعرف الأشياء بأسمائها، ولهذا نستنتج أنهم يعرفون الأشياء بصورها وشكلها. ولا بد أنهم تصوروا البشر الذي أخبرهم الله تعالى عنه، وأنه شبه الأنسان إلا أنه يختلف عن الإنسان في التسوية وأن الله تعالى ينفخ فيه من روحه، فتوقعوه خلقا آخر وإن كان شبه الإنسان.

ثم بعد ذلك بزمن طال أو قصر، والأغلب طال، قال لهم الله تعالى أنه سيجعل في الأرض خليفة، وحيث أنه لم يحدد في الكلام من هو الخليفة أو جنسه، وحيث أن الملائكة عرفوا من هو الخليفة، نستنتج أن آدم كان حاضرًا وأنه هو الخليفة. وحيث أن آدم من نوع الإنسان، والناس كانوا يعيشون على الأرض ويفسدون ويسفكون الدماء، تعجب الملائكة وقالوا {أتجعل فيها من …..} فأجابهم الله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون.

الملائكة لم يعرفوا أن آدم – الذي سيجعله الله خليفة – هو أول البشر لأنهم لم يشهدوا الخلق والتسوية والنفخ، ولو عرفوه لسجدوا.

وبعد أن علّم الله تعالى آدم الأسماء وتفوق آدم في معرفتها على الملائكة، أمرهم الله أن يسجدوا له فعرف الملائكة أن هذا هو البشر، لأن الله لم يأمرهم أن يسجدوا لأحد غيره. 

نعود الى الآيات التى أوردناها، لنتبينها بشيء من التفصيل لنستدل منها على ما ذكرناه، وقد نضطر الى بعض التكرار والإعادة لأهمية الوصول الى دلالات هذه النصوص:

الواضح أن الملائكة سجدوا لآدم مرة واحدة فقط. ولهذا فالسجود الذي ورد في آية (30) من سورة الحجر ((و (73) من سورة ص )) هو نفسه السجود الذي ورد في الآية 33 من سورة البقرة، وأن بين الإخبار بالخلق والأمر بالسجود في الآيات (28) و (29) من سورة البقرة والسجود في الآية (30) من سورة الحجر ومثله في سورة ص؛ زمنا طويلا هو على أقل تقدير ما أستغرقته أحداث الآيات (30-32) من سورة البقرة.

وهذا يضعنا أمام تساؤلان نجيب عليهما كما يلي:

الأول: لماذا لم يسجد الملائكة فور أن أتم الله خلق البشر؟ الإجابة أنهم لم يشهدوا خلق البشر. لأنهم لو شهدوه لسجدوا. وفي قوله تعالى { مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(51)} الكهف. وإن كان “ما أشهدتهم” تعود الى أبليس والكفار كما ذكر المفسرون، إلا أنها قد تشمل الملائكة أيضًا. 

الخلق كان يوم خلق الله السماوات والأرض، ولفظ خلق يدل على تقدير ما منه وجود الشيء (قدر: يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، فقوله تعالى {إني خالق بشرا من طين} قد تعني الإيجاد من الطين مباشرة، وتعني أيضًا تقدير الخلق الكوني ليكون منه خلق خلية حية من الطين ليبلغ الخلق في منتهاه بشرا. ولهذا فالملائكة لم يشهدوا خلق البشر.  

الثاني: لماذا لم يسجد الملائكة فور رؤيتهم آدم في أول المناظرة التي وردت في سورة البقرة؟

الإجابة أنهم لم يعرفوا أن هذا هو البشر الذي أمروا أن يسجدوا له. ولننظر بشيء من التفصيل:

لو عرفت الملائكة أن هذا الخليفة هو البشر الذي أمروا بالسجود له، فهل كانوا ليتأخرون عن السجود فور ظهوره أمامهم، وهل كان قولهم فيه ما جاء عنهم من كونه مفسدا في الأرض وسافكا للدماء. وأما كانوا – لو علموا أن هذا هو البشر قد اكتمل خلقه من الطين- ليسجدون له حين مثل أمامهم إمتثالاً للأمر الإلهي السابق في سورة الحجر وسورة ص، وهم يفعلون ما يؤمرون، لقوله تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(50) النحل.

من الظاهر من آيات سورة البقرة أن الملائكة لا تعرف الأشياء بأسماءها، وانما تعرفها بالصورة والشكل وربما بالرؤية وربما بالأفكار، كيف قال لهم الله تعالى فهذا من الغيبيات التي لا يمكن لعلومنا الخوض فيها، ونكتفى أن الله تعالى أخبرنا أنه أعلمهم بالقول –قولاً أو مجازًا– أنه تعالى سوف يخلق بشرا. فعرفوه صورة وشكلا، وكان يشبه الإنسان الذي يحيا على الأرض، (إما في زمان القول أو ظهر فيما بعد)، وحيث أنهم لم يشهدوا الشرط الثاني وهو {فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين (29)} لهذا لم يأت عليهم أوان السجود.

كانوا على يقين أن المخلوق الجديد ليس هو الإنسان الموجود على الأرض وإن كان يشبهه. توقعوا أن البشر سيكون مكرّما ومتفوقا لأن فيه نفخة من روح الله ولأن عليهم أن يسجدوا له. بينما الناس الذين يسكنون الأرض ينطبق عليهم قوله تعالى { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)} سورة التين.

نستطيع أن نستنتج من تصرفهم هذا أن الملائكة لم يعرفوا آدم ولحكمة إلهية لم يخبرهم الله أنه البشر، فلما أنبأهم آدم بالأسماء وتبين لهم ما خصه الله به من العلم والبيان، أمرهم الله بالسجود له في قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} البقرة:34  والأمر هنا بالسجود لآدم، عندئذ فقط عرفوا أنه البشر الذي أُمروا بالسجود له في زمان سابق، حيث أنهم لم يؤمروا بالسجود لأحد غير الله إلا في ذاك الأمر السابق.

ولكن لماذا قال الله للملائكة بمشيئة الخلق والسجود أول مرة مع علمه أنهم لن يعرفوا البشر ليسجدوا له، أما كان يكفي أن يقول لهم بعد خلقه اسجدوا له، كما أمرهم بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء.

خلق الله الحياة الدنيا، وهي المخلوقات التي نشأت من الماء والتراب، (المخلوقات الكربونية) وكانت أقل بدرجات كثيرة عن الملائكة وربما عن الجن أيضًا، وكان منهم النوع الإنساني، الذي كان مفسدًا في الأرض سافكا للدماء.

كانوا يعرفون بما أخبرهم الله به، أن من هذا النوع من الخلق من الطين، سيخلق الله بشرًا سيكون أفضل منهم، لأن عليهم أن يسجدوا له.

وأصطفى الله آدم من بين الناس وسواه أي أتم خلقه بمعنى طوره في الجسم فكبرت الجمجة لتوفر حجم أكبر لمخ يمكنه من التفكير والتحليل والإستنياط وتعدل تركيب الفك بما يسمح بالنطق وإصدار الأصوات والبيان والتواصل، ثم أكرمه بأن نفخ فيه من روح الله، وهذا قد يكون تعبير عن منحه الوعي والشعور بالذات conscious   وقدرة المشيئة وحرية الإختيار. فحمل آدم الأمانة وهي مسؤولية الحفاظ على الأرض وإعمارها. فأصبح بذلك خلقًا آخر غير الإنسان هو البشر، ولو أنه من ذرية الإنسان. {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }.

ثم جاء به أمام الملائكة وقال لهم أنه سيجعله خليفة في الأرض.

لم تعرف الملائكة أن آدم هو البشر الذي أخبرهم الله عنه من قبل، وأنما عرفوه أنه من جنس الإنسان الذي يعيش في الأرض ويفسد فيها ويسفك الدماء. فتعجبوا أن يُفضل عليهم ويُجعل هذا المفسد خليفة يحمل مسؤولية حفظ مصالح الرعية من ناس وحيوانات وطيور وزواحف وأسماك ونباتات، وقومه يقتلون ويسلبون ويفسدون في الأرض. اعتبر الملائكة الخلافة تكريم لآدم يرفعه الى مصافهم وربما أعلى بينما هم أولى بالتكريم لأنهم يسبحون بحمد الله ويقدسونه.  لهذا تعجبوا فقالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}.

وفي تعجبهم هذا عرفنا أن آدم ليس أول إنسان، وأن الناس كانوا قبله يعيشون ويتزاوجون ويتكاثرون، وأنه أول البشر،  الذين منحهم الله القدرة على التفكير والنطق والتواصل بلغة الكلام.

وأجابهم الله تعالى: {قال إنى أعلم ما لا تعلمون (30)} فهذا الخليفة هو البشر الذي رفعته والذي له ستسجدون. وأن من ذريته أنبياء ورسل وعابدون أمم تحمل أمانة إعمار الأرض.

وأنه تعالى ميز آدم بالعقل والنطق والبيان، ومنحه حرية الإختيار والأرادة وحمله مسؤولية  أمانة أعمار الأرض والحفاظ عليها.


{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 25-26 .

{وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون} ص 71-73

وهنا يخبر الله تعالى الملائكة ومعهم إبليس أنه خالق بشراً، أسم النوع هنا البشر، وليس الإنسان،  والملائكة من سياق القصة كما سيظهر فيما بعد، لم يعرفوا ما هيئة وصورة البشر حين أخبرهم الله بذلك. كل ما قيل لهم أنه سبحانه خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، وخالق بشرا من طين، ونجد في سورة البقرة ما قد يؤيد فرضنا أنهم لم يعرفوا ما هو البشر، في قوله تعالى:

{ واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون } البقرة:30-33

{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34

هذه الآيات من سورة البقرة تبين الأحداث التي حدثت بين الأمر المذكور في قوله تعالى {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} ص؛ وعند حدوث السجود لآدم في قوله تعالى {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} ص(73) والذي جاء أيضًا في الآيات: 11 من سورة الأعراف، 61 من الإسراء، 50 من الكهف، 116 من طه.

أولاً: من الظاهر من آيات سورة البقرة أن الملائكة لا تعرف الأشياء بأسماءها، يمكن تصور ان الملائكة لا تعرف الأشياء بالأسماء وانما تعرفها بالرؤية وربما بتناقل الأفكار والله أعلم، كيف قال لهم الله تعالى فهذا من الغيبيات التي لا يمكن لعلومنا الخوض فيها، ونكتفى أن الله تعالى أخبرنا أنه أعلمهم بالقول – مجازًا أو قولاً – وهذا أقرب تمثيلا لما حدث نستطيع أن نفهمه ونتصوره– أنه تعالى خالق بشرا.

ثانيًا: لو عرف الملائكة أن هذا الخليفة هو البشر الذي أمروا بالسجود له، فهل كانوا ليتأخرون عن السجود فور ظهوره، وهل كان قولهم فيه ما جاء عنهم من كونه مفسدا في الأرض وسافكا للدماء. وأما كانوا – لو علموا أن هذا هو البشر قد اكتمل خلقه من الطين- ليسجدون له حين مثل أمامهم لينبأهم بالأسماء التي عجزوا عنها، إمتثالاً للأمر الإلهي السابق، وهم يفعلون ما يؤمرون، {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(50) النحل. نستطيع أن نستنتج من تصرفهم هذا أن الملائكة لم يعرفوا آدم ولحكمة إلهية لم يخبرهم الله أنه البشر، فلما أنبأهم آدم بالأسماء وتبين لهم ما خصه الله به من العلم والبيان، أمرهم الله بالسجود له في قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34  عندئذ فقط عرفوا أنه البشر الذي أمروا بالسجود له في زمان سابق، حيث أنهم لم يؤمروا بالسجود لغير الله إلا في ذاك الأمر السابق.

ولكن لماذا لم يسجد الملائكة للإنسان الذي خلق قبلاً من نفس المكونات، بل وكل المخلوقات الأرضية خلقت من نفس المكونات، فان لم يعلموا الأسماء فأي منهم قد يكون بشرًا. لم يسجد الملائكة لكل مخلوق خلق من طين، لأن الشرط التالي في أمر السجود الأول كان في قوله تعالى فاذا سويته ونفخت فيه من روحي، وأي من هؤلاء لم ينفخ الله فيهم من روحه، إلا آدم، ولكن النفخ لا بد أن يكون قد حدث قبل المناظرة التي تمت عندما أنبأهم آدم بالأسماء، ولحكمة إلهية لا بد أن يكون النفخ تم دون معرفتهم، لأنهم لو شهدوه لسجدوا في حينه.

ولكن لماذا قال الله للملائكة بمشيئة الخلق والسجود أول مرة مع علمه أنهم لن يعرفوا البشر ليسجدوا له، أما كان يكفي أن يقول لهم بعد خلقه اسجدوا له، كما أمرهم بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، بالرغم ان هذه الأمور تدخل تحت باب الغيبيات التي لا قدرة لنا على فهمها أو تفسيرها، إلا أنه يجدر الأشارة هنا أن الله خلق الحياة الدنيا، وهي المخلوقات التي نشأت من الماء ومن التراب، وكانت أقل درجات كثيرة من الملائكة وربما من الجن، ولهذا أخبرهم الله تعالى أنه خالقًا من هذا الطين بشرا، عليهم أن يسجدوا له، حتى يعلم الملائكة أن هناك من هذه المخلوقات الدنيا من سيكون أفضل منهم، وتوقعوا أن يكون أقرب الى الله منهم، وربما أعادوا ذلك الى أنه سيكون أكثر منهم تسبيحًا وتقديسا لله، فهل كانت الحكمة الإلهية في إبلاغ هذه المخلوقات العليا بأهمية ما يحدث على الأرض بالرغم من ضعف هذه المخلوقات الدنيا، قد يفسر هذا سبب مقارنتهم أنفسهم بهذا الخليفة -وهو من المخلوقات الأرضية الدنيا- في قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} إذ ما هو وجه المقارنة التي جعلوها بينهم وبين هذا الخليفة، هل كان الملائكة يريدون أن يكون الخليفة على الأرض منهم، بالطبع لا، ولكن علمهم السابق بأن من هؤلاء المخلوقات من سيكون بشرا يسجدون له بأمر الله واعتقادهم أو ظنهم أنه سيكون أكثر منهم عبادة وأقرب لله جعلهم يقارنون أنفسهم بهذا المخلوق الذي جعله الله خليفة في الأرض، ربما يكونوا عند اعلان خلافته وتكريمه بها، قد ظنوا أن له علاقة بالبشر الذي عليهم أن يسجدوا له، ولهذا كان جوابهم ما كان، ولكن الظن مع غياب اليقين لم يكن كافيًا ليسجدوا له، ولهذا لم يسجدوا وان تعجبوا. وقد تفوق هذا البشر على الملائكة بقدرته على البيان، ولهذا يكون الأمر الأول بالسجود فقط إعلامًا للملائكة بالخلق المرتقب للبشر، وأنه سيكون متفوقًا أو مفضلا عنهم، لأن عليهم السجود له. أي أن امر السجود الأول كان القصد منه أعلامهم بتفوق البشر، حيث أن عليهم السجود له، وبهذا يكون القول الأول إعلامًا بصيغة الأمر، مع العلم بعدم قدرتهم على معرفة أوان السجود، فجاء القول الثاني أمرًا مجردًا نفذه الملائكة فورًا.

ويجدر أن نضيف هنا أننا إشترطنا أن يكون الأمر الألهي للناس معقولاً، أي يمكن تنفيذه باستخدام العقل البشري والبحث وفق المنهج المحدد في هذا الأمر، كما جاء في تفسير قوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}، فلماذا لا يكون كذلك في أمره للملائكة بالسجود، منح الإنسان الحديث قدرات عقلية لم تمنح الملائكة مثلها، لأنه حمل أمانة أعمار الأرض، والإختيار بين الخير والشر، فالإنسان يملك القدرة على التأمل والتفكر في الخلق والأمور الحسية والغيبية، بينما الملائكة قد لا تملك مثل هذه القدرات العقلية الإستنباطية، ولا يتعدى دورها التسبيح وتنفيذ الأوامر المباشرة، في حدود قدراتها المحددة بما منحها الله، وكمثال على ذلك عجزها عن تنفيذ الأمر الألهي في قوله تعالى {أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}.

وقوله تعالى الموجه الى الملائكة {إن كنتم صادقين}، يستدعي منا وقفة للنظر فيه. الملائكة وفق علمنا لا تكذب، فإما أن يكون قوله تعالى {إن كنتم صادقين} موجها الى إبليس الذي كان معهم، أو أن يكون تفسيره : إن كنتم صادقين أيها الملائكة في ظنكم معرفة حقيقة هذا الخليفة، وصادقين هنا أي صدقتم في قول الحقيقة، ولا يعني الخطأ في قول الحقيقة بالضرورة أن يكون القائل كاذبا، وإنما قد يقول الجاهل في الأمر يظنه حقيقة وهو ليس كذلك، فيكون غير صادق في قوله، ولكنه ليس كاذبًا لأن هذا مبلغ علمه، فالكاذب هو منكر الشيء مع علمه به، وبذلك تعود جملة {إن كنتم صادقين} في قولكم أن الخليفة مفسدا في الأرض، وقد تكون إن كنتم صادقين في ظنكم أنكم أفضل منه، وهذا إجابة عن قولهم: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}. وقد تكون الإجابة البليغة لكلا الأمرين معًا. أما قول الملائكة في معرض إجابتهم {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} فيعود الى الأمر للملائكة {أنبئونى بأسماء هؤلاء}، وهم لم يتعلموا هذه الأسماء، حيث أنهم ليس لهم علم إلا بما علمهم الله. أما أن تعود إجابة الملائكة {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} أيضًا الى مدى صدقهم في كون هذا الخليفة مفسدًا في الأرض، فهذا لا يصح لأن الله تعالى لم يُعلمهم بهذا كما سيأتي شرحه.

نجد مما سبق أن هناك أمرًا بالسجود للبشر سابق لخلق البشر، ثم أعيد هذا الأمر في الوقت الذي حان فيه موعد السجود. وان السجود كان مرة واحدة لآدم البشر الذي جعله الله خليفة في الأرض، وكان هناك مخلوقات في الأرض وكان منها النوع الإنساني الموجود قبل آدم، وأن آدم أكرمه الله بأن علمه البيان، أي جعله مميزًا حتى انفصل ببيانه وتمييزه عن جميع الحيوان، والبيان هو إظهار المقصود بأبلغ لفظ، والإفصاح مع ذكاء، وبان الشيء إذا اتضح وانكشف.

ويجدر بنا الآن أن ننظر في بعض الآيات القرآنية التي تعلقت بموضوع خلق آدم :

{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28 . {قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون } 32-33 الحجر

{ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ص 71-76

ما سبق يدل أن الله خلق آدم – البشر من طين، وهذا أيضًا ما يعبَر به في القرآن عند ذكر خلق الناس عامة، مثل الآية 37 من سورة الكهف {قال له صاحبه أتكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً } وبالطبع ليس المقصود هنا أن الله تعالى قد خلق هذا الشخص المخاطب من التراب ثم سواه رجلا، وإنما هي طريقة للتعبير بتبعية الرجل للجنس الإنساني الذي كان أول خلقه من تراب. وأيضًا {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ……..} الأنعام 2 . ولفظ خلق يدل على تقدير ما منه وجود الشيء (قدر : يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، فقوله تعالى {إني خالق بشرا من طين} قد تعني الإيجاد من الطين مباشرة، وتعني أيضًا تقدير الطين ليبلغ في منتهاه بشرا .

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن في آيات خلق آدم،  {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28  هل القول الأول أعقبه الخلق فورًا أو كان بينهما فترة زمنية؛ قد تكون دهرًا طويل الأمد، إذ وإذا حرفا توقيت ((إذ وإذا حرفا توقيت; فإذ للماضي; وإذا للمستقبل; وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد: إذا جاء ”إذ“ مع مستقبل كان معناه ماضيا; نحو قوله: {وإذ يمكر بك} [الأنفال:30] {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} [الأحزاب:37] معناه مكروا، وإذ قلت. وإذا جاء ”إذا“ مع الماضي كان معناه مستقبلا; كقوله تعالى: {فإذا جاءت الطامة} [النازعات:34] {فإذا جاءت الصاخة} [عبس:33] و {إذا جاء نصر الله} [النصر: 1] أي يجيء. وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: ”إذ“ زائدة; والتقدير: وقال ربك; واستشهد بقول الأسود بن يعفر: (فإذ وذلك لا مهاة لذكره  والدهر يعقب صالحا بفساد) وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين. قال النحاس: وهذا خطأ; لأن ”إذ“ اسم وهي ظرف زمان  ليس مما تزاد. وقال الزجاج: هذا اجترام من أبي عبيدة; ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم; فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال; فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام; كما قال: فإن المنية من يخشها  فسوف تصادفه أينما، يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال. وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم. وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي. وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلي.))، إذ للماضي وإذا للمستقبل، وقد توضع أحدهما موضع الأخرى، والحرف ”ف“ يدل على التعقيب والأرجح التعقيب الفوري، بينما ثم يدل على التعقيب والترتيب والتراخي الزمني كما جاء سابقًا، إذ –وهذا في زمان ماض ((أشار المفسرون أن إذ يسبقها في المعنى ” أذكروا نعمتي عليكم “.)) –  يقول الله للملائكة إني خالق بشر من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، التعقيب الفوري بالفاء في ”فإذا“ هو تعقيب كلامي، أي أن الجملتين قيلتا في تعاقب فوري وفي الزمان الماضي. بينما ”إذا“ تعبر عن توقيت مستقبلي، قد يكون قريبًا وقد يكون بعيدًا، والفاء في فقعوا له ساجدين هي تعقيب فوري أو قريب، أي ان السجود يكون فور –أو بعد فترة يسيرة من – تسوية هذا البشر والنفخ فيه من الروح، (ويجب ملاحظة أن ما نسميه فترة يسيرة هو أمر نسبي). من هنا نجد أن الخلق كان سابقًا للتسوية، وأن الجملة الخاصة بالتسوية والنفخ مستقبلية تحتمل المستقبل القريب وتحتمل المستقبل البعيد.

{ واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون} البقرة :30

وهنا الحديث كله بإذ للدلالة على الماضي، والقول إني جاعل في الأرض خليفة (هو آدم)، والجعل لا تعني بالضرورة اني خالق في الأرض خليفة، بل تعني أن الله صيَّره خليفة، جعله خليفة بعد ان لم يكن كذلك، كقوله تعالى: {وجعلني نبيًا..}، وفي قوله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } تكون جعلنا بمعنى خلقنا، ولكن جاعل هنا ليست لشيء وإنما لمكانة ولمهمة ومسؤولية، وهؤلاء الجعل فيهم يكون مثل قولنا: جعل الناس أبو بكر أميرا عليهم أي صيروه أميرًا عليهم. وبهذا المعنى يكون استعمال إذ في حال الجعل وفي حال السجود أيضًا يبين أن الحادثتين وقعتا في الزمان الماضي. ولا تدل هذه الآيات أن آدم قد خلق من الطين حينذاك.

إن قول الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} يوحي بعلمهم بأمر واقع أو سبق وقوعه، وقد تحير المفسرون في كيفية معرفة الملائكة أن هذا المخلوق الجديد -أو ذريته- سوف يفسد في الأرض في زمان مستقبلي، إذ لا يعلم الغيب المستقبلي إلا الله سبحانه، وقد نحا بعض المفسرون علم الملائكة بأنهم قد سألوا الله تعالى: ما صفة هذا المخلوق الجديد. فقال لهم أنه -أو نوعه- سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء، فقالوا لله جل جلاله أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. لكن هذا التفسير على ضعفه لا يصح، حيث أن الله قد خلق البشر ليعمروا الأرض ومنهم الصالح ومنهم المفسد؛ ولم يكن الله تعالى ليقول عن البشر جميعًا مثل ذلك، وهو سبحانه وتعالى يعلم أنه سيكون منهم أنبياء ورسل وأتقياء وأمم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ((وقال مفسرون آخرون أن الجن كانت تعيش في الأرض فأفسدت وسفكت الدماء، وان الملائكة قاسوا على ذلك، واستنتجوا أن الخليفة الجديد سيكون مثلهم، فسألوا سؤالهم الذي جاء عنهم. وهذا أضعف مما سبق، فالسؤال لا يوحي أنه قائم على الظن أو الإستنباط القياسي الضعيف الذي اتبعوه، بل هو سؤال الواثق المتأكد، خاصة أنهم يسألون أو بالأحرى يتعجبون من تصرفات الله تعالى، وكيف يكون القياس صحيح، والجن الذين سكنوا الأرض وأفسدوا ليسوا مثل الناس، ولم يجعلهم الله خلفاء فيها، بل وفق سياق التفسير، أرسل عليهم ملائكة بقيادة ابليس فحاربهم حتى هربوا الى رؤوس الجبال. بالطبع كل هذا التفسير لا يصلح، لأن الله تعالى لو اراد أن يجعل الجن خلفاء في الأرض لما كان ليطردهم منها، لأنه فعال لما يريد. وعليه فلن نعير هذا التفسير أكثر مما ورد هنا.)) .

بل أن قوله تعالى  {إني أعلم ما لا تعلمون} يدل أنه لم يعلمهم بشيء من أمر هذا الخليفة، لأنهم لو كانوا سألوه وأجابهم، لكانت { إني أعلم ما لا تعلمون } تدل أن إجابته سبحانه وتعالى عما يصفون كانت غير كاملة، فهم أي الملائكة ظلوا على حيرتهم وتعجبهم حتى بعد سماع الجواب، أي أن الجواب لم يكن كاملا، وهذا مما يتنزه الله تعالى عنه، وبناء على ما سبق يمكن الجزم أنهم لم يسألوا، وبالتالي نعود الى مسئلة كيف عرف الملائكة أن هذا الخليفة -الذي ما زالت تصرفاته وأعماله في الغيب المستقبلي- سيفسد في الأرض ويسفك الدماء.

ولماذا تقول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ وليس : أتجعل فيها من سيفسد أو سوف يفسد فيها ويسفك الدماء. الزمان في الجملة الأولى زمان حاضر، بينما الفعل المنسوب الى آدم أو الى نسله سيقع في زمان مستقبلي، فلماذا لم يأت قول الملائكة ليدل على المستقبل.

يمكن تفسير ذلك بفرض أن الإنسان كان موجودًا ومفسدًا في الأرض، ولهذا لم يحتاج الملائكة للسؤال وإنما كان قولهم الفوري كما جاء عنهم، وهذا رد طبيعي بناء على علمهم بما هو واقع في ذاك الزمان، ولهذا كان الفعل يفسد مضارع وليس فعل مستقبلي.

وعليه فسياق الحديث الذي تم قد يكون كما يلي: واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً، وكان آدم حاضرًا أمامهم، وقد اصطفاه الله، فعرف الملائكة من هيئته وصورته أنه يشبه الإنسان، وكان الإنسان موجودًا آنذاك على الأرض، كان مفسدًا وكان يسفك الدماء ويقتل من غير جنسه أكثر مما يحتاج لغذائه، ويقتل من جنسه مع سعة الأرض، ولم يكن يعبد الله ولا يسبح له، وبهذا يكون من أسوأ المخلوقات قاطبة، فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وكان قولهم من باب السؤال عن الحكمة الإلهية. قال إنى أعلم ما لا تعلمون. حيث أن هذا هو البشر الذي جاء ذكره من قبل، قد منح القدرة على البيان، وأنه من سيحمل الأمانة.

والخليفة هنا لا تعني كما نحى اليه بعض المفسرين، من أنها نظام الخلائف وهو ما يتبعه النوع البشري من خلافة الجيل لما قبله، أي نظام الخلف والتوالد، فكافة المخلوقات من الحيوانات أو الطيور أو الإسماك أو حتى الأشجار والنباتات، تتبع هذا النظام، وليس فيه ما يجعل النوع الإنساني أفضل من غيره، ولا يستدعي هذا المعنى تعجب الملائكة بقولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فالمعنى لا بد أن يحمل شيئًا من التفضيل والعلو والمسؤولية بل والولاية ((وفي قوله تعالى: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى …} ص 26 يبين ان الخليفة له سلطة الحكم بين الناس وعليه مسؤولية تحمل تبعات هذه السلطة.)) . ولا شك إن إعمار الأرض وظيفة منوطة بالبشر فقط دون غيرهم من المخلوقات. ولا يجب أن ننسى في هذا المقام أن المحافظة على الطبيعة والمخلوقات من حيوانات وغيرها من المسؤوليات المناطة وفقًا لمتطلبات الخلافة والأمانة التي عُهد بها إلى الإنسان الحديث.

والخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.“  وقد يكون معناه إضافة الى الولاية، أن آدم وذريته سوف يقومون مقام الإنسان ويسدون مسده.

لماذا يريد الملائكة أن يكونوا خلفاء في الأرض ؟ لماذا المقارنة بينهم وبين ذلك الخليفة ؟ ما العلاقة بين الملائكة والإنسان. الملائكة درجات، منهم من يصطفي الله ويميزهم عن غيرهم، {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(75)} الحج، وهذا يوضح أن هناك درجات عند الملائكة، والدرجات تستدعي التنافس بينهم لإرضاء الله تعالى، والتنافس يستدعي المقارنة، ومع علمهم المسبق بأمر السجود لكائن مخلوق من طين، لا عجب أن يقارنوا أنفسهم بهذه المخلوقات.

 

{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخرَ فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم أنكم بعد ذلك لميتون * ثم أنكم يوم القيامة تبعثون } المؤمنون:12-16

جاء في تفسير الطبري: ”القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}. أسللناه منه، فالسلالة هي المستلة من كل تربة; ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به آدم. ذكر من قال ذلك: عن قتادة: {من طين} قال: استل آدم من الطين. وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {من سلالة من طين} قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خلق من طين. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس: {من سلالة من طين} قال: صفوة الماء. وعن مجاهد في قول الله: {من سلالة} من مني آدم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وهي صفة مائه وآدم هو الطين، لأنه خلق منه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لدلالة قوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} على أن ذلك كذلك; لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوله من صلبه صار في قرار مكين; والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه; ومن السلالة قول بعضهم:

        حملت به عضب الأديم غضنفرا                     سلالة فرج كان غير حصين

وقول الآخر:   وهل كنت إلا مهرة عربية                  سلالة أفراس تجللها بغل

فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل. وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل; ومنه قول بعضهم: إذا أنتجت منها المهارى تشابهت    على القود إلا بالأنوف سلائله

وقول الراجز:    يقذفن في أسلابها بالسلائل“ إنتهى.

وجاء مثله عند ابن كثير وقال القرطبي: ”الْإِنْسَان هُنَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره , لِأَنَّهُ اِسْتَلَّ مِنْ الطِّين . وَيَجِيء الضَّمِير فِي قَوْله : ” ثُمَّ جَعَلْنَاهُ “ عَائِدًا عَلَى اِبْن آدَم , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ . نَظِير ذَلِكَ ” حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ “ [ ص : 32 ]. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسُّلَالَةِ اِبْن آدَم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره. وَالسُّلَالَة عَلَى هَذَا صَفْوَة الْمَاء , يَعْنِي الْمَنِيّ . وَالسُّلَالَة فُعَالَة مِنْ السَّلّ وَهُوَ اِسْتِخْرَاج الشَّيْء مِنْ الشَّيْء ; يُقَال : سَلَلْت الشَّعْر مِنْ الْعَجِين , وَالسَّيْف مِنْ الْغِمْد فَانْسَلَّ ; وَمِنْهُ قَوْله : فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابك تَنْسُل فَالنُّطْفَة سُلَالَة , وَالْوَلَد سَلِيل وَسُلَالَة ; عَنَى بِهِ الْمَاء يُسَلّ مِنْ الظَّهْر سَلًّا . قَالَ الشَّاعِر : فَجَاءَتْ بِهِ عَضْب الْأَدِيم غَضَنْفَرًا سُلَالَة فَرْج كَانَ غَيْر حَصِين وَقَالَ آخَر : وَمَا هِنْد إِلَّا مُهْرَة عَرَبِيَّة سَلِيلَة أَفْرَاس تَجَلَّلَهَا بَغْل“

وهنا نجد الطبري خلص إلى أن آدم خلق من طين، وأن الإنسان المذكور هو ابن آدم والهاء في ”ثم جعلناه نطفة“ تعود الى ابن آدم. وبهذا تكون معاني الآية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}، الإنسان هو ابن آدم الذي خلق من سلالة من طين، والسلالة هي صفة ماء آدم، وآدم هو الطين؛ لأنه خلق منه فيكون المعنى: ولقد خلقنا آدم من طين، ثم خلقنا أبنه من سلالته، ثم جعلنا الإنسان -أي ابن آدم- نطفة في قرار مكين. أو ولقد خلقنا ابن آدم من ماء آدم، والذي دعا الطبري وابن عباس رضي الله عنهما الى هذا المعنى هو أن الهاء في ”جعلناه نطفة“ لو عادت الى الإنسان بمعنى آدم، لما صلح معنى النطفة التي فسرت أنها مني الرجل وماء الأنثى، ولأن النطفة لا تصح إلا أن تكون نطفة رجل وزوجه، وأول زوجين وفق الشائع هما آدم وزوجه، وعليه جعل لفظ الإنسان يعبر عن ابن آدم. وقال مثله القرطبي ” وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ“

وهذا التفسير كما ذكرنا يبلغنا أن ابن آدم خلق من مني آدم، ويتخطى خلق آدم – وهو إنسان أيضًا- من طين، فلماذا يكون ابن آدم هو الإنسان في حين أن آدم نفسه إنسان، هناك مرحلة هامة تغطي المسافة من طين الى آدم أو بالأحرى إلى إنسان ليست مذكورة وفق تفسيرهم في هذه الآية، أما إعتبار أن لفظ طين يعني آدم، لأنه خلق منه، فهذا تحميلاً للفظ أكثر مما يحتمله. والأهم فان ملخص ما قيل أن ابن آدم خلق من مني آدم، وهذا المعنى لا يحمل خبرًا.

ولو أعدنا لفظ الإنسان الى آدم في قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} لوقعنا في ما حاول المفسرون تجنبه، لأن آدم – وفق ما يؤدي اليه تفسير الطبري – لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. ولكن من أين جئنا بفرض أن آدم لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. لقد نتج هذا من الإعتقاد بخلق آدم آنيًا ومباشرة من الطين، وهذا فرض ما زال علينا أن نجد عليه دليلا قرآنيا، وليس الإعتماد فقط على القصة الشائعة، وحتى لا نخرج عن سياق الآية، نترك هذا الأمر تاركين لللآيات الكريمة حتى ترجح لنا.

إن المراحل التي تبدأ بالنطفة حتى كسونا العظام لحمًا، هي وصف تطور الجنين في الرحم، يأتي بعدها مرحلة منفصلة {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، فهل يدل هذا أن إنشاءه خلق آخر، يحدث في الرحم لكل فرد من هذا النوع، هذا ما ذهب اليه المفسرون، يقول الطبري ”وَقَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } يَقُول : ثُمَّ أَنْشَأْنَا هَذَا الْإِنْسَان خَلْقًا آخَر . وَهَذِهِ الْهَاء الَّتِي فِي : { أَنْشَأْنَاهُ } عَائِدَة عَلَى ” الْإِنْسَان “ فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان } قَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر الْعَظْم وَالنُّطْفَة وَالْمُضْغَة , جُعِلَ ذَلِكَ كُلّه كَالشَّيْءِ الْوَاحِد , فَقِيلَ : ثُمَّ أَنْشَأْنَا ذَلِكَ خَلْقًا آخَر . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنْشَاؤُهُ إِيَّاهُ خَلْقًا آخَر : نَفْخه الرُّوح فِيهِ , فَيَصِير حِينَئِذٍ إِنْسَانًا , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ صُورَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19264 -حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } قَالَ : نَفْخ الرُّوح فِيهِ .“

والخلق الآخر ((الآخَر‘ بمعنى غَير كقولك رجل آخر وثوب آخر، أي شيء غير‘ الأوّلِ . وفي قوله تعالى : {….. فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}.))  يستدعي تغيير الخلقة، ويمكن أن يكون هذا التغيير هو ما نجده من اختلاف الناس ((يجدر القول هنا أن تقدير هذا الإختلاف في الشكل والصورة والقدرات لكل جنين، يوجد في سلسلة  DNA التي تكون موجودة في النطفة والعلقة وما تلاهما، ولا تستحدث بعد ان يكتسي العظام لحمًا)) ، ولكن هذا الإختلاف الطفيف – بالنسبة للتغييرات والتحولات التي سبقته – لا يستدعي التعبير عنه بكونه ”خلقا آخر“. إذ يدل التعبير على البدء في مرحلة جديدة من مراحل الخلق والإحداث، تميزت بأنها تختلف عن المراحل السابقة بأنها أخذت وجهة أخرى، ونتج عنها خلقًا آخر، أي خلق غير الأوّلِ، والإختلاف الذي يعبر عنه لفظ ”آخر“ قد يكون في النوع أو في الشكل أو في أي شيء، كل ما سبق هذا من نطفة وعلقة وعظامًا، كان حيًا وينمو ويختلف عما سبقه في التكوين والشكل، ومع ذلك لم يعبر عنه أنه خلقًا آخر.

إذا كانت الهاء في لفظ أنشأناه تعود الى الإنسان كنوع، استدعى ذلك تغيير النوع، أما إذا عادت الهاء الى العظام التي كسوناها لحمًا، فقد قال المفسرون في قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي نفخنا الروح فيه، فأصبح إنسانا، غير ذاك الذي كان من عظاما ولحمًا، والذي كان قبل ذلك صورة. ولكننا بدأنا تفسير الآيات بأن كل هؤلاء من نطفة وعلقة ومضغة وعظامًا يعودون الى لفظ الإنسان، فكيف يكون نفخ الروح في هذه الأشياء يجعلها خلقا آخر هو الإنسان ذاته الذي بدأنا منه. إلا أن ما ذكرناه يصح إذا كان معنى ”الإنسان“ لا يعود الى آدم وإنما يعود الى النوع الإنساني، وقد يكون الخلق الآخر هو البشر، الذي هو فرع من الإنسان يختلف عنه وأرقى منه، والذي بدأ بآدم، أي يكون آدم في نهاية الحلقات وليس في أولها، وعليه يصح تفسيرهم أن الخلق الآخر يعني نفخ الروح فيه، فينشأ خلق آخر هو آدم، أول البشر، إلا أن هذا المعنى يخرج الآية من كون جزء منها يصف نمو الجنين في الرحم، ويضعها كلها مع الآيات المتعلقة بالنشأة من الأرض.

الخلق هو تقدير مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، وابداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، ونعود الى معنى {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، هنا لم يرد التعبير على أنه خلق خلقا آخر، وانما أنشأ، الإنشاء حمل معه معنى النمو والسمو والظهور والإمتداد الزمني، وسبق ان قلنا ان الهاء في أنشأناه تعود الى الإنسان أو الى العظام الذي كسي لحمًا، وهذا أيضًا يعود الى الإنسان، أي أن الله تعالى أنشأ الإنسان خلقًا آخر، والخلق هو ما ينتج عن التقدير والإبداع على نحو لم يسبق إليه، أما آخر فتدل على ما هو غير الإنسان، وما لدينا غير الإنسان الا البشر. فيكون دلالة الآية أن الإنسان خلق ثم إنشأ بشرًا. والبشر أسمى من الإنسان وقد ظهر عليه وحل محله. والإنسان لفظ عام يعبر عن المخلوق الذي وقف على قدميه، والبشر نوع منه، سما وارتفع عنه وكان له القدرة على التفكير والكلام والبيان. أي أن كل بشر إنسان، وليس كل إنسان بشر، إلا أنه حيث أن كل إنسان ليس بشرًا قد هلك واندثر، يمكننا اليوم أن نقول أن كل إنسان على هذه الأرض بشر.

          من معاني خلق أنه أبداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، وإبداع تدل على إحداث شيء أو أمرًا جديد لم يفعله أحد من قبل، وكل هذه التحولات كانت خلقًا، فان أخذنا بأن معناه ما يحدث لكل جنين، ففيما عدا أول جنين، كل التالين ليسوا خلقُا على نحو ما لم يسبق إليه، وإنما تكرارًا وان اختلفت صفات المولود. وعليه فإما أن تعود الآية الى أول جنين، أو تعود الى النشأة من الأرض، أو كلاهما، فان كان، فهذا يبين قدرة الصيغة وإعجازها.

فرضنا في معرض إستدلالنا السابق أن السلالة مقصود بها ما سل من الأرض، كما ذهب السلف، لأنهم أعتبروا أن الإنسان هو آدم الذي وفق علومهم خلق مباشرة من الطين. أما لو كانت السلالة بمعنى الإنحدار من نسب واحد معين، والسلالة هي جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب واحد،  Lineage  Descent ، كما هو المعنى الشائع لهذا اللفظ في عصرنا، وربما كان هذا المعنى معروفًا في الجاهلية، السلالة والسليل: الولد والأنثى سليلة، إذ قالت هند بنت النعمان:

وما هندُ إلا مهرةٌ عربيةٌ         سليلة أفراس تجلَّـلها بغل        (وقيل نغل)

والسليلة هنا بمعنى أتت من سلالة أفراس، وأفراس هنا بصيغة الجمع تدل أنها تعود الى سلسلة نسب لأكثر من جيل واحد، أي لم يقصد أنها سليلة لأنها خلقت من السلالة بمعنى النطفة أو ما سل من صلب الذكر وماء الأنثى، وانما أنها تنحدر من نسب معين، وهذا يؤدي أيضًا الى نفس المعنى.

          فلو أخذنا سلالة بمعنى جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب معين، فانه من الممكن القول أن الإنسان هو الذي جاء من نتاج هذه السلالة التي أولها كان من الطين، وبالتالي فكل ما جاء بعد ذلك يعود الى خلق الإنسان في الرحم حتى تكونه كمخلوق ذو عظم مكتسي باللحم، ثم أنشأناه خلقًا آخر، أي غير الإنسان، وهنا يكون خلق آدم أبو البشر.

ترى هل يمكن القول أن الإنسان تكون من سلالة من طين، ثم كان نسله بالطريقة التي ذكرت، نعم، وهذا ما ذهب اليه تقريبًا المفسرون، ولكن في مرحلة محددة تم إنشاؤه خلقًا آخر، وهنا نجد أن الآية لا تتحدث فقط عن خلق الإنسان وإنما عن خلق نوعا آخر جاء منه. أي أن الإنسان خلق من سلالة من طين، حتى أصبح على الشكل الذي نعرفه، وتناسل بالطريقة المذكورة في الرحم، وبعد دهرًا من الزمان، أنشأه الله خلقًا آخر، هو البشر بدءًا بأبوهم آدم. وألا يتفق هذا مع قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}.

وقد فرضنا أن تعبير إنسان يقصد به النوع والجنس، والمعنى أن خلق هذا النوع لم يأت مباشرة من الطين، قد راود مثل هذا المعنى بعض الفقهاء والمفسرين، إذ قالوا بمثل هذه المعاني، يقول الشيخ سيد قطب ((في ظلال القرآن – دار الشروق – ص 2137))  رحمه الله : ”ان أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض ومن عناصره الرئيسية، التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين، وان هناك أطوارًا بين الطين والإنسان تشير اليها كلمة سلالة في قوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} وقوله {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ماء مهين}“. وورد أيضًا عن الشيخ رحمه الله: ”{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين }.. وهذا النص يشير إلى أطوار النشأة الإنسانية ولا يحددها. فيفيد أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.. وهي حقيقة نعرفها من القرآن، ولا نطلب لها مصداقاً من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الإنسان، أو نشأة الأحياء. إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذها مجالاً للتدبر في صنع الله، ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الإنسان المتسلسل في نشأته من ذلك الطين. ولا يتعرض لتفصيل هذا التسلسل لأنه لا يعنيه في أهدافه الكبيرة. أما النظريات العلمية فتحاول إثبات سلم معين للنشوء والإرتقاء، لوصل حلقات السلسلة بين الطين والإنسان. وهي تخطئ وتصيب في هذه المحاولة ـ التي سكت القرآن عن تفصيلها ـ وليس لنا أن نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يقررها القرآن.. حقيقة التسلسل.. وبين المحاولات العلمية في البحث عن حلقات هذا التسلسل وهي المحاولات التي تخطئ وتصيب، وتثبت اليوم وتنقض غداً، كلما تقدمت وسائل البحث وطرائقه في يد الإنسان.

والقرآن يعبر أحياناً عن تلك الحقيقة باختصار فيقول: {… بدأ خلق الإنسان من طين }.. دون إشارة إلى الأطوار التي مر بها. والمرجع في هذا النص الأكثر تفصيلاً، وهو الذي يشير إلى أنه { من سلالة من طين } فالنص الآخر يختصر هذه الأطوار لمناسبة خاصة في السياق هناك.

أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية. وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد، وبسبب عوامل وعلل أخرى لم يكشف عنها الإنسان.

ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات أن القرآن يكرم هذا الإنسان؛ ويقرر أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان. وهنا تفترق نظرة الإسلام افتراقاً كلياً عن نظرة الماديين. والله أصدق القائلين.

ذلك أصل نشأة الجنس الإنساني.. من سلالة من طين.. فأما نشأة الفرد الإنساني بعد ذلك، فتمضي في طريق آخر معروف.“ أنتهى.

ونجد فيما سبق أن الشيخ رحمه الله يرى ما يلي:

  • ان أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض ومن عناصره الرئيسية، التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين،
  • وان هناك أطوارًا بين الطين والإنسان تشير اليها كلمة سلالة
  • أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.
  • أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية
  • وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد،
  • ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات، ……، أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان.

ونتفق مع ما سبق، وخاصة أن فكرة خلق آدم مباشرة من الطين، والتي اعتقد بها السلف، لم ترد في حديث الشيخ رحمه الله، والذي ورد عنه أقرب الى نفيها وان لم تذكر. ومع إتفاقنا مع الشيخ رحمه الله، إلا أننا نرى أن تسلسل الإنسان من الطين، قد لا يكون مسكوتًا عنه كلية.

وبالرغم مما جاء أعلاه، إلا أن الشيخ رحمه الله رفض الفكر الدارويني عن تطور الإنسان عمن سبقه من المخلوقات، إذ جاء في الظلال: ”” وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي  الإنساني كان ترقياً في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقياً في وجود الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.“ وأضاف رحمه الله : ”وعندئذ تكون نشأة النوع الأنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع.. وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية“.

     ولنا أن موضوع هل كانت نشأة النوع الإنساني مستقلة، أم أنها مشتركة مع كل أنواع الحياة الأخرى، قد يتبين من دراسة النصوص.

ويقول الشيخ عبد الكريم الخطيب (جزء 13 : جزء 18 ص 233 التفسير القرآني للقرآن ، دار الفكر العربي ): ” ان آدم لم يخلق مباشرة من التراب، وانما كان خلقه حلقة في سلسلة التطور، وانه اذا كان الطين مبدأ الخلق، فانه قد تنقل في هذا الطين من عالم الى عالم، ومن خلق الى خلق، حتى كان الإنسان آخر حلقة في سلسلة هذا التطور، فظهر فيها الكائن العاقل وهو آدم ..أو الإنسان .. ويقول: وفي قوله تعالى: { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } إشارة الى أن آدم لم يظهر من الطين ظهورًا مباشراً ، وانما ظل دهورًا طويلة في بوتقة الزمن حتى استوى ونضج، فالفاء في قوله تعالى {فإذا سويته } تفيد التعقيب، ولكنه تعقيب يأخذ من عمر الزمن ملايين السنين.. { وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } “ أنتهى.

وقبل أن نترك هذه الآيات من سورة المؤمنون، نعيد النظر فيها إذ قد نجد  أيضًا المعنى المرحلي الذي يصف خطوات تطور خلق الإنسان بدءًا من الطين.

{لقد خلقنا الإنسان..} أي قدرنا ما منه سيكون الإنسان، {من سلالة من طين..} أي أنه سينحدر من سلالة أو سلسلة أولها من الطين المتغير، والمراحل المذكورة بعد ذلك عددت فقط تلك التي تؤدي الى الإنسان، ولهذا لم يأت ذكر الفروع الأخرى كالنباتات.

لقد وجدت أول خلية حية بسيطة تنقسم وتتكاثر من الطين المتغير، وكان لهذه الخلية البدائية النوى، جدار خارجي يحميها ويحمي جزئيها الهيولي وشبيه النواة، ويوجد في منطقة شبيه النواة الشفرة الجينية للحمض النووي والذي كان أولاً (أر ان ايه) ثم تطور الى (دي ان ايه). وليس لنواة هذه الخلية جدار نواة. والبكتيريا من الكائنات وحيدة الخلية من نفس النوع بدائي النوى وكذلك الطحالب الزرقاء المخضرة، وقد وجدت هذه الخلية منذ أكثر من 3,5 بليون سنة.

والخطوة التي تلت الخلية البدائية النوى، هي ظهور الخلية حقيقية النوى، تميزت عن الأولى أن الحمض النووي يستقر في نواة لها جدار مضاعف قوي يحمي النواة، وقد ظهرت هذه الخلية منذ حوالي 2 بليون سنة، وهذه الخلية هي ما ينبني بها أجسام كل الأحياء متعددة الخلايا (مثل الحيوانات والنباتات والفطريات).

اذا كانت الحياة تعرف بأنها آلية التكاثر، فان الحمض النووي هو هذه الآلية، والخلية توفر له غرضين هامين، أولاً توفير الحماية للسلسة الوراثية الضعيفة جدًا (دي ان ايه)، وثانيًا توفير المكان الملائم لتتم عمليات التطور البيولوجي المعقدة. وحيث أن الحمض النووي هو الذي يحمل تعليمات السلسلة الوراثية، وهو الذي يحفظ تطورها، فان الحمض النووي هو الذي قدر له أن يتطور.

{ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} وتدلنا الآية أن النطفة وهي القليل من الماء ويمكن أن تكون تعبيرًا عن الحمض النووي المقدر له أن يتطور حتى يصبح أنسان، قد جعلت في قرار مكين، وهو نواة الخلية حقيقية النوى ذات الجدار المضاعف القوي.

{ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا….}

والعلقة ((عَلِقَ: علِق بالشيء نشب فيه. العَلَقُ: الدم الجامد الغليظ، الواحدة عَلَقةُ ، العَلَقَةُ: دودة في الماء تمص الدم.))  هي الكائنات متعددة الخلايا، والتي ظهرت عندما تعلقت الخلايا مع بعضها البعض، وأول ما ظهر من العلقة Lichen هي الكائنات الرخوية مثل الدودية، والأسفنج والمرجان والسمك الهلامي، ثم تطورت عنها المضغة، وقد تكون هي الحيوانات اللافقارية اللاعظمية البدائية، ثم خلقت المضغة عظامًا وقد تكون الحيوانات البحرية القشرية وذات الأظهر الفقارية والزواحف، والكائنات التى لها درع عظمي خارجي مثل الأصداف البحرية والقواقع والمحار،  وبعدها كسي العظم لحمًا فظهرت الثدييات ذات الدم الدافيء ومنها الحيوانات والأنسان الأول ثم أنشأت خلقًا آخر هو البشر، والله أعلم.


{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا ءَالَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(69)} الاعراف

تشير الآية هنا الى تطور في الخلق وزيادة في بنية قوم عاد عن تلك التي كانت لقوم نوح. وهذه الزيادة في الخلق تبين أن الخلق في هذه الحالة عملية مستمرة، شملت كل قوم عاد الذين خلفوا قوم نوح. ولا ندعي أننا نجد هنا أشارة الى العملية التطورية التي شملت خلق الحياة بكافة أنواعها، إلا أنها إشارة واضحة لحدوث هذا التطور أو الطفرة في المرحلة المذكورة اللاحقة لمرحلة آدم.


{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } آل عمران:59

يقول القرطبي:”” دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقِيَاس . وَالتَّشْبِيه وَاقِع عَلَى أَنَّ عِيسَى خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب كَآدَم , لَا عَلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَاب . وَالشَّيْء قَدْ يُشَبَّه بِالشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ بَيْنهمَا فَرْق كَبِير بَعْد أَنْ يَجْتَمِعَا فِي وَصْف وَاحِد ; فَإِنَّ آدَم خُلِقَ مِنْ تُرَاب وَلَمْ يُخْلَق عِيسَى مِنْ تُرَاب فَكَانَ بَيْنهمَا فَرْق مِنْ هَذِهِ الْجِهَة , وَلَكِنْ شَبَه مَا بَيْنهمَا أَنَّهُمَا خَلْقُهُمَا مِنْ غَيْر أَب ; وَلِأَنَّ أَصْل خِلْقَتهمَا كَانَ مِنْ تُرَاب لِأَنَّ آدَم لَمْ يُخْلَق مِنْ نَفْس التُّرَاب , وَلَكِنَّهُ جَعَلَ التُّرَاب طِينًا ثُمَّ جَعَلَهُ صَلْصَالًا ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْهُ , فَكَذَلِكَ عِيسَى حَوَّلَهُ مِنْ حَال إِلَى حَال , ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا مِنْ غَيْر أَب . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِسَبَبِ وَفْد نَجْرَان حِينَ أَنْكَرُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : ( إِنَّ عِيسَى عَبْد اللَّه وَكَلِمَته ) فَقَالُوا : أَرِنَا عَبْدًا خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب ; فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” آدَم مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب؟ فَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا أُمّ “ . فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ” وَلَا يَأْتُونَك بِمَثَلٍ “ أَيْ فِي عِيسَى ” إِلَّا جِئْنَاك بِالْحَقِّ “ فِي آدَم ” وَأَحْسَن تَفْسِيرًا “ [الْفُرْقَان : 33 ] . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام قَالُوا : قَدْ كُنَّا مُسْلِمِينَ قَبْلك . فَقَالَ : ( كَذَبْتُمْ يَمْنَعكُمْ مِنْ الْإِسْلَام ثَلَاث : قَوْلكُمْ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا , وَأَكْلكُمْ الْخِنْزِير , وَسُجُودكُمْ لِلصَّلِيبِ ) . فَقَالُوا : مَنْ أَبُو عِيسَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: {ِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب }““ .

أتفق المفسرون الأوائل أن وجه الشبه بين عيسى وآدم عليهما السلام، أن كلاهما خلق من غير أب. وأتفقوا أن هذه الآية نزلت بسبب حديث وفد نجران عن بنوة السيد المسيح، لأنه خلق من غير أب. لتبين أن آدم خلق أيضًا من غير أب وفق تفسيرهم للآية. وقد يكون هذا هو القصد من الآية في تلك المرحلة، أي أن قد يكون هذا التفسير مرحليًا.

والتفسير الذي أوردناه عن القرطبي، أحتوى قصة وحديث وفد نجران مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ووفقًا للرواية التي عرضها القرطبي، فان النبي صلعم أجابهم بقوله ” آدَم مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب؟ فَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا أُمّ .“ وهذا يتعارض مع كل الروايات الأخرى عن نفس الحادثة، والتي وردت في تفاسير ابن كثير والطبري، وتختلف أيضًا عن الرواية الثانية عن القرطبي وفق المذكور أعلاه، حيث بينت كل الروايات الكثيرة الأخري، أن الرسول صلعم اما لم يجبهم وانتظر الوحي أو قال غير الذي جاء في رواية القرطبي الأولى. ونورد هنا هذه الروايات كما وردت في التفاسير المشهورة:

ذكر أبن كثير في معرض تفسيره الآية ورواية حادثة وفد نجران: ”قَالَا : فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّد ؟ فَصَمَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا فَلَمْ يُجِبْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ وَاخْتِلَاف أَمْرهمْ صَدْر سُورَة آل عِمْرَان إِلَى بِضْع وَثَمَانِينَ آيَة مِنْهَا“ ثم ذكر ابن كثير رواية أخرى فيها :” ثُمَّ سَأَلَهُمْ وَسَأَلُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمْ الْمَسْأَلَة حَتَّى قَالُوا لَهُ : مَا تَقُول فِي عِيسَى فَإِنَّا نَرْجِع إِلَى قَوْمنَا وَنَحْنُ نَصَارَى يَسُرّنَا إِنْ كُنْت نَبِيًّا أَنْ نَسْمَع مَا تَقُول فِيهِ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْء يَوْمِي هَذَا فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِركُمْ بِمَا يَقُول لِي رَبِّي فِي عِيسَى “ فَأَصْبَحَ الْغَد وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة ” إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم – إِلَى قَوْله – الْكَاذِبِينَ “ أنتهى

وجاء في تفسير الطبري نفس الرواية من عدة مصادر نذكر منها واحدة: ”حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جَرِيج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْعَاقِب وَالسَّيِّد مِنْ أَهْل نَجْرَان , وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : بَلَغَنَا أَنَّ نَصَارَى أَهْل نَجْرَان قَدِمَ وَفْدهمْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب , وَهُمَا يَوْمئِذٍ سَيِّدَا أَهْل نَجْرَان , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد فِيمَا تَشْتُم صَاحِبنَا ؟ قَالَ : ” مَنْ صَاحِبكُمَا ؟ ” قَالَا : عِيسَى اِبْن مَرْيَم , تَزْعُم أَنَّهُ عَبْد . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَجَلْ إِنَّهُ عَبْد اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ “ , فَغَضِبُوا وَقَالُوا : إِنْ كُنْت صَادِقًا , فَأَرِنَا عَبْدًا يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئ الْأَكَمَه , وَيَخْلُق مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر , فَيَنْفُخ فِيهِ , الْآيَة . .. لَكِنَّهُ اللَّه ! فَسَكَتَ حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم } . .. الْآيَة , 5 17 فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا جِبْرِيل إِنَّهُمْ سَأَلُونِي أَنْ أُخْبِرهُمْ بِمَثَلِ عِيسَى “ . قَالَ جِبْرِيل : مَثَل عِيسَى كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون . فَلَمَّا أَصْبَحُوا عَادُوا , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْآيَات.“ أنتهى

ومع تعدد الروايات، نجد أن الرسول صلعم في الأغلب لم يقل ما ورد في رواية القرطبي الأولى، وانما انتظر الوحي فنزلت الآية، وعليه يمكن استنتاج أن تحديد وجه التشابه بين عيسي وآدم عليهما السلام أنهما خلقا من غير أب، هو تفسير الأوائل واجتهاد بشري، ويصح أن يكون هذا ما تعنيه الآية ويصح غيره، وفق ما ستدلنا عليه دراسة الآية الكريمة.

تشير الآية الكريمة أن {مثل عيسى عند الله كمثل آدم}، وكان يكفي هذا القول ليعلم الناس أن عيسى عبد الله مثل آدم عبد الله ومن خلقه، لقوله سبحانه وتعالى”عند الله“ حيث أن ”عند“ هنا بمعنى الحكم وقد تكون أيضًا ظرف مكان، ولكن الأرجح أنها عند الله أي بحكم الله تعالى، وما يحكم به الله فلا خيار فيه ولا اجتهاد، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة ُسُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} القصص، يقول ابن كثير: ” يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَار وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُنَازِع وَلَا مُعَقِّب قَالَ تَعَالَى : { وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار } أَيْ مَا يَشَاء فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَالْأُمُور كُلّهَا خَيْرهَا وَشَرّهَا بِيَدِهِ وَمَرْجِعهَا إِلَيْهِ. وَقَوْله: {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة} نَفْي عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُوله أَمْرًا أَنْ يَكُون لَهُمْ الْخِيَرَة مِنْ أَمْرهمْ}“.

إلا أن الله سبحانه وتعالى تفضل على الناس وبيَّن وجهين للشبه وهما أن كلاهما خلق من تراب، ثم تلا الخلق من تراب قوله سبجانه وتعالى كن فيكون. الذي نلاحظه أيضًا في الآية المذكورة أنه لم يأتِ ذكر أن وجه الشبه بينهما أن كلاهما خلق من غير أب، وانما ذكر وجهين لهذا التشبيه، الخلق من التراب، ثم الأمر الألهي ”كن فيكون“. كلاهما خلقا من التراب، وكلاهما تكون وفق ارادة الله التي تعلو على القوانين التي وضعها في العالم، أي كلاهما خلق ثم جعل وفق معجزة أرادها الله سبحانه وتعالى، قد تكون المعجزة أنهما خلقا من غير أب، أو شيء آخر.

وجه الشبه الأول، الخلق من التراب، وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجود المخلوق، وأصل خلق الإنسان والبشر من التراب، وآدم وعيسى كلاهما من جنس البشر، وخلقا من التراب.

التعبير القرآني خُلق من التراب، لا يعني بالضرورة أن المخلوق خلق من التراب مباشرة، وانما أصل خلقه من التراب. في قوله تعالى {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجًا .. } فاطر 11، وقوله تعالى: {قال له صاحبه أتكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً} الكهف 37، وفي هذا التعبير القرآني ((ونلاحظ أيضًا التعبير القرآني في قوله: خلقكم من تراب، ويتفق الجميع أن هذا التعبير لا يقصد به أننا خلقنا مباشرة من التراب وانما كان بدء خلقنا من التراب وانه بيننا وبين هذا الخلق أجيالا كثيرة – ولا يوجد ما يمنع أن يكون أيضًا مراحل ومخلوقات كثيرة – ودهورًا زمنية طويلة – ولا يوجد ما يمنع أن تكون بضعة آلاف من السنين، أو بليون سنة أو عدة بلايين من السنوات.))، المعنى المتفق عليه، وهو أتكفر بالذي بدأ خلقك من تراب، ولا تعني الآية في سورة فاطر ان الناس خلقوا من التراب مباشرة، كما لا تعني الآية في سورة الكهف أن الرجل المخاطب خلق مباشرة من التراب.

ووجه الشبه هذا، لا يجمعهما وحدهما فقط، وانما يجتمع فيه كل الناس؛ بل وكل المخلوقات في الأرض، وقد ورد هذا الشبه في الآية ليبين أن عيسي إنسان وبشر، وأنه من هذا النوع والجنس، وفي هذا الرد على من يدعي بنوة المسيح أو ألوهيته معاذ الله وتعالى عما يصفون، فهو مخلوق من التراب مثله مثل كل الناس، ومثل آدم أول البشر.

والذي قد يدلنا على هذا المعنى أن قوله تعالى كن فيكون، كان ليكون كافيًا لخلق عيسى وخلق آدم، وأنما أضاف الخلق من التراب قبل الأمر الإلهي لتأكيد بشرية عيسى. في قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (82) يس، وقوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (40) النحل، نجد أن الله فعال لما يريد، دون الحاجة للخلق من التراب أو الإيجاد التطوري.وقوله تعالى {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (35) مريم، لم يأتِ ذكر الخلق من التراب.

أما وجه الشبه الثاني بينهما، فهو أنه وبعد خلقه أو تقدير ما منه وجوده، قال له كن فكان ما أراد الله تعالى، أي أنه بالرغم أن بدء خلقهما كان مثل كل الناس، أي أنهما من جنس البشر، إلا أن الله أمر شيئًا أراده.

وقد يكون مجرد القول الألهي ”كن“ يكفي كوجه تشابه بينهما، أما مضمون هذا القول فقد يختلف، وجه الشبه بينهما أن الله منح كلا منهما شيئًا لم يسبق أن منحه لغيرهما من الناس. قلنا أن مجرد القول الإلهي كن فيكون، يكفي كوجه تشابه بينهما، لأنه لم يأتِ مثله في القرآن لغيرهما من البشر، إذ لم يذكر في خلق يحي (({يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} مريم 7-8))  وخلق إسحاق (({قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عجيبٌ} هود 72)) ، وكلاهما خلق بفضل من الله ومشيئته، والتي تجاوزت بعض القوانين الطبيعية التي وضعها سبحانه وتعالى.

          ولو نظرنا في آيات القرآن الأخرى التي ذكرت إعجاز خلقهما، نجد أنهما تشابها أيضًا في ورود مصطلحي ” ونفخت فيه من روحي“ في خلق آدم، و ”فنفخنا فيها من روحنا ((الآية {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء، والآية {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} التحريم.)) “ في  خلق عيسى. هذا وجه تشابه يتعلق بمراحل الخلق، لم نجده عند أحد غيرهما وفق ما ورد في النصوص القرآنية.

وعيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية للعالمين، {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ}، إذ ولد من غير أب،  ويكلم الناس في المهد وكهلاً، {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران.

وآدم أبو البشر اصطفاه الله وجعله خليفة في الأرض، وعلمه البيان، وتفوق على الملائكة بمعرفة الأسماء، وسجد له الملائكة، وحُمَّل الأمانة وعُهد إليه، ومُنح الأرادة وحرية الإختيار، وأنيط به وبذريته مسؤولية إعمار الأرض.

إن القدرة على الكلام البين، هي ما ميز نوعنا على كل الأنواع الأخرى التي خلقها الله تعالى في الأرض، هي المعجزة الدائمة الباقية حتى تأتي الساعة. القدرة على الكلام البين تحمل معها بالضرورة العقل القادر على التفكير، والقادر على الإختيار. وهذه نعمة أنعم الله بها على آدم ومن بعده بنيه، وقد تكون قد حدثت بأمر إلهي كن فكان في نفس اللحظة، أو بارادة وأمر الهي، نتج عنه تطور المخلوق الذي بدء خلقه من التراب، حتى استوى وبلغ مبلغه ليصبح انسانا عاقلا وناطقا.

كلاهما خلق من تراب، وكلاهما منح قدرات لم تكن لتكون لديه لولا فضل الله ونعمته. ان قدرات عيسى وقتية وتخصه هو ومن شهدها من الناس ومن صدق بها، بينما القدرات التي تلقاها آدم دائمة باقية، وانتقلت الى ذريته، وعمت بالخير على الجنس البشري وتظل فائدتها حتى تقوم الساعة. قد يقول قائل أن كل الناس يتمتعون بهذه القدرات وعليه فليست معجزة، إلا أن آدم كان أول من نطق وتعلم البيان، وكان هذا من اكتمال صورة وتركيب الفك والحلق بالصورة التي تمكنه من النطق المبين، ثم كان أول من تعلم الأسماء. قد يكون هذا قد حدث من جراء تطور النوع البطيء أو بطفرة، ويبين لنا القرآن أن هذا التكوين تم بمشيئة الله وأرادته وأمره. وعليه فان أثر معجزة تكوين آدم عندنا، أي لنا نحن البشر، هي في وجودنا كبشر عاقل قادر على إعمار الأرض وقادر على تلقي الرسالة.

المهم في الآية أن الخلق حدث قبل القول له كن، أي أن القول أدى الى حدوث شيء غير الخلق، والذي كان قد تم إما فعلاً أو تقديرًا، وفي الآية {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (35) مريم، والآية {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (47) آل عمران. تدل الآيتان على قدرة الله أن يخلق عيسى بالقول والمشيئة، بينما الآية التي نحن بصددها فصَّلت هذا الخلق، أن الخلق حدث أولاً من التراب، ثم تلى الخلق من التراب الأمر الإلهي. وقضى أمرًا أي قرره وقدره وأحكمه وفرغ منه، وعليه فان خلق عيسى من غير أب حدث قبل الأمر الإلهي كن، والأرجح أن التعبير القرآني (فنفخنا فيها من روحنا) هو ما أدى الى الخلق من غير أب.

أما بالنسبة الى آدم، وفي ضوء الآيات الأخرى التي درسناها، نجد أن لدينا إحتمالين، الأول أن آدم خلق مباشرة من الطين، من غير أب ولا أم، مماثلاً ومساويًا للنوع الإنساني الذي تطور من الخلية الأولى، وخلق أيضًا بنفس التعبير القرآني في قوله (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي). ثم منح قدرات أعلى من تلك التي كانت عند الإنسان الذي تطور، نتجت عن تعديل خلق الفك والحلق. {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك} الانفطار:6-8. والإحتمال الثاني أن الله تعالى قد اصطفاه من النوع الإنساني عندما بلغ هذا الجنس مرحلة معينة من التطور، أي أن يكون الجنس الإنساني قد تطور وفقًا لنظم التطور الطبيعي، حتى وصل الى درجة من النماء العقلي وتكوين الجمجة والفكين والحنجرة، بما يمكنه من التفكير والنطق، فاصطفاه الله وعلمه البيان وجعله خليفة في الأرض وكرمه وفضله. وفي الحالتين، كان آدم أول النوع الإنساني الجديد، والذي تفوق على الأنواع الأخرى، فاندثرت وبقى هذا النوع الذي نحن جميعًا من ذريته. والأرجح هو الإحتمال الثاني بناء على الآيات الأخرى التي ننظر فيها.

          عيسى خلق من أم دون الحاجة الى أب، بينما آدم خلق وفق الرواية الشائعة من غير أب ومن غير أم، وهذا ليس تشابهُا لأن عيسى خلق من وفي رحم امرأة، وولد طفلاً ونشأ حتى كبر وبلغ أشده، بينما آدم وفق الرواية الشائعة كان طينًا وتحول الطين الى رجل مباشرة، ثم خلقت منه زوجته. وقد نجد أن أقرب تشبيه لعيسى هي زوجة آدم، التي خلقت من رجل دون الحاجة الى أمرأة. أيضًا نجد أن خلق انسان من بويضة امرأة ممكنًا وفق قواعد الاستنساخ في عصرنا الحديث، إذ يمكن تخصيب البويضة بخلية من الأم نفسها، دون الحاجة الى رجل. أما خلق رجلاً سويًا من الطين مباشرة فهذا خارج حدود حتى التخيلات العلمية، أي أنه معجزة من وجهة نظر العلم، يجعل وجود الإنسان غير ممكنا عقله. وحيث أن الآية الكريمة لم يرد فيها أن كلاهما خلق من غير أب، فليس لنا أن نقَّول ألفاظ الآية بما لم تقله. لو أخذنا بأسباب النزول فسوف يتضح لنا لماذا أتجه المفسرون الأوائل لهذا التفسير، إلا أن الآيات القرآنية يجب أن تفسر أيضًا بما تدل عليه لأنها موجهة الى كل الناس في كل الأزمان، وتجيب على ادعاء اتباع المسيح كلها، سواء كانت الخلق من غير أب، أو قدراته التي أودعها الله تعالى فيه، كإحياء الموتى، وشفاء المرضى، والخلق من الطين كهيئة الطير، وغيرهم. لأننا لو حصرنا الآية بمعنى أنه خلق من غير أب، فسيقولون من من الناس يقدر على ما يقدر عليه عيسى عليه السلام، فجاءت الآية بالأمر الإلهي كن، لتبين أن الله منحه هذه القدرات بمشيئته وإذنه، وأن هذه القدرات عند الله يسيرة وبسيطة، كما جعل آدم ناطقًا ومفكرًا ومكرمًا وخليفة. أما لنا نحن البشر، فلولا معجزة آدم لما كنا لنقدر أن نعي الرسالات، بما فيها رسالة ومعجزات عيسى.

          خلق عيسى كان معجزة في عصره وسيظل كذلك حتى تقوم الساعة، واكتمال خلق آدم كان معجزة في زمانه وسيظل كذلك حتى تقوم الساعة، وخلقهما لم يكن المعجزة الوحيدة التى مُنحت لهما، وانما الإعجاز يتبين في القدرات التي منحا إياها، جعل عيسى آية للناس فكان يحي الموتي ويخلق من الطين طيرًا بإذن الله، وجعل آدم خليفة في الأرض وتعلم البيان وسجدت له الملائكة. وكانا وحدهما اللذان جاء فيهما ذكر النفخ من روح الله، ووحدهما من البشر اللذان جاء فيهما ذكر الأمر الإلهي كن.

          خلق عيسى بمعجزة وكان الناس قد خلقوا من قبله، ويصح أن آدم خلق بمعجزة إلهية من الطين مباشرة، أو خلق بمعجزة تمام خلق الإنسان من التراب ثم اصطفيَّ من الناس الذين كانوا في زمانه ومنح القدرة على البيان.

 

<< previous page next page >>

الباب الثاني

تمهيد

الكون وفق معارف القرن العشرين

 

         الشمس هي نجم متوسط الحجم، وكغيرها من النجوم، هي كرة غازية تحترق نواتها لعدة بلايين من السنوات بفعل الإندماج النووي، فتضيء ما حولها مانحة النور والدفء لكواكبها التي تدور حولها، والأرض كوكب من كواكب المجموعة الشمسية، تدور حول الشمس دورة كل سنة، ويدور حول الأرض تابع لها هو القمر، أي كلا في فلك يسبحون؛ القمر يدور حول الأرض في فلك له، والأرض تدور حول الشمس في فلك لها، والشمس  تقع على طرف تجمع نجمي يسمى مجرة، وتدور بدورها حول مركز المجرة.

 تتجمع النجوم لتكون تجمعات نجمية ضخمة هي المجرات، وتحتوي  المجرة الواحدة في المتوسط على عشرات البلايين من النجوم، ويوجد في أفقنا المشاهد أكثر من مائة بليون مجرة، وهناك أيضًا تجمعات مجرية كبري، والمسافات الكونية بين النجوم شاسعة، هناك نجوم قريبة منا، يستغرق ضوئها ((سرعة الضوء 300,000 كيلومتر في الثانية، أي أن المسافة التي يقطعها الضوء في السنة الواحدة هي 9,460,000,000,000 كيلومتر أي أكثر من تسعة آلاف بليون كيلومتر. وسعة الكون المرئي تزيد عن 14 بليون سنة ضوئية.))  عدة سنوات ليصل إلينا، بينما تقبع نجومَا ومجرات على مسافات بعيدة، فيستغرق ضوءها عدة بلايين من السنين ليقطع المسافة في رحلته نحونا. وكل هذه المجرات تتباعد عن بعضها في حركة مستمرة يمكن معها تشبيه سطح الكون بفقاعة متمددة مستمرة الإتساع. ويوجد في الكون أيضًا سحب غازية فضائية هائلة، ومادة معتمة لا نراها ولا نستطيع رصدها، ونعرفها بآثار جاذبيتها.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – يقينية تفسير النص

{أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها} سورة محمد 24


          إذا أخذنا بمعاني النصوص الدينية المتعلقة بالكونيات والخلق، التي ذهب اليها السلف بناء على علومهم ومعارفهم، فسوف نجد تعارضًا في بعض هذه المعاني مع ما توصلت اليه المعارف العلمية الحديثة. ويمكن حصر موضوعات هذا التعارض، في موضوعين أساسين، هما الخلق الكوني، وخلق الإنسان، ولهذا فعلينا  إعادة النظر في هذه النصوص، لنرى حقيقة توافق أو تعارض هذه النصوص ذاتها – وليس تفسيرها التراثي – مع علومنا المعاصرة.

           وكما جاء في مقدمة الكتاب، قد يتخلف التفسير في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف، كما هو حاصل في عصرنا هذا، حيث أن التفسير يتطلب الألمام بالكثير من العلوم الدينية والإنسانية وعلوم الطبيعة، ولا يستطيع أنسان أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قد يتخلف التفسير الموضوعي، عندما تتولى أمور التفسير فئة ليس لديها القدر المطلوب من العلوم الحديثة، وقد ينحو البعض منهم الى إنكار بعض النظريات وتخطيئها، مثل ما حدث للمسيحية منذ عدة قرون، مما أدى الى تنازل الكنيسة عن المعنى المطلق لسفر التكوين وركونها الى رمزية النصوص، وبالرغم أننا نأخذ بمبدأ متطلبات الصيغة الرمزية ((ضرب الله تعالى الأمثال للناس في مواقع كثيرة في القرآن، مبينًا رمزية السرد خاصة فيما يتعلق بالغيبيات وغيرها لتقريب المعنى الى ذهن البشر بما يعقلونه. وفي قوله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ما يدل أن معناها الحقيقي يتجاوز المعنى المباشر الذي قد يفهمه عامة الناس. {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}47/3 وهي تبين أن الأمثال صيغت بما يتناسب مع فهم الناس. ولفظ مثل الذي ورد كثيرًا في القرآن يقصد به التشبيه والتصوير، والمجاز هو تجاوز المعنى المباشر للعبارة إلى معنى آخر يتعلق به تعلقًا ما. ))  لهذه النصوص، التي نفترض أنها لم يقصد منها الخطاب العلمي البحت، إلا أننا يجب أن نتبين أسباب أختيار الأسلوب الرمزي، والقواعد التي يجب أن تحكمه، فقد تكون من الأسباب إضفاء البعد الروحي؛ أو التيسير مراعاة للقدرات الفكرية الخاصة بالمتلقي لهذا الخطاب، أو غيرهما. إلا أن هناك قاعدة أساسية يجب أن نتوقعها من الأسلوب الرمزي، وهي أنه لا يجب أن يؤدي الإسلوب الرمزي إلى الإخلال بالخبر، الى درجة تؤدي الى مدلول يتناقض مع حقيقته.

 

التأويل والتفسير المرحلي:

           الآيات الكريمة التي أشارت الى خلق الكون وخلق الحياة، تدخل ضمن الآيات  المتشابهات، والتي وردت في الآيتين الكريمتين: {هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات * فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (7) آل عمران. والتأويل هو إما أعادة الشئ إلى أوله أو إلى ما سيؤول إليه، وقد يبدو من ظاهر هاتين الآيتين، أن هذه المعرفة القاطعة المطلقة إما أنها فوق قدرات فهم البشر ((قد لا تفيد هذه الآية بعجز البشر عن التأويل، وقد ذهب البعض من الأوائل إلى القراءة  بما يؤدي إلى أن الراسخون في العلم قادرون على تفسيره، وفي الحديث أن رسول الله صلعم دعا لإبن عباس فقال : (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)  وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. (مختصر تفسير ابن كثير 265/الجزء الأول) )) ، أو أن القرآن قد وضع بطريقة لا يمكن معها تأويله قبل أوانه.

 ويهمنا النظر ببعض التفصيل، في  موضوع الآيات المتشابهات، لأن له إتصال وثيق بموضوع هذه الدراسة.

 أختلف الفقهاء في تعريف المحكم والمتشابه، وفي رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها؛ ومنها كل ما يتعلق بالغيبيات وآيات الخلق الكوني والأمثال.

 جاء في تفسير الطبري:  ”وَأَمَّا قَوْله : { مُتَشَابِهَات } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مُتَشَابِهَات فِي التِّلَاوَة , مُخْتَلِفَات فِي الْمَعْنَى.“

 التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، هو ما يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، وقد يكون هذا التغير نتيجة طبيعية لتطور المعارف البشرية. وهذا التفسير قد لا يطبق إلا على آيات الكون المشاهد بما فيه من ظواهر طبيعية وأحياء، أما الإخبار بأمور الغيب، فهذه لا نعلم بها وقد تخرج عن قدرات العقل البشري في تأويلها، ولهذا فهذه لا تؤول وأنما يؤمن بها.

 جاء في تفسير القرطبي: ”اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “ هَلْ هُوَ اِبْتِدَاء كَلَام مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , أَوْ هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله فَتَكُون الْوَاو لِلْجَمْعِ . فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّهُ مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , وَأَنَّ الْكَلَام تَمَّ عِنْد قَوْله ” إِلَّا اللَّه “.“

 ”وَمَذْهَب أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْوَقْف التَّامّ فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا هُوَ عِنْد قَوْله تَعَالَى : ” وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه “ وَأَنَّ مَا بَعْده اِسْتِئْنَاف كَلَام آخَر , وَهُوَ قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ“ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأُبَيّ بْن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة . وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ نَسَق ”الرَّاسِخُونَ“ عَلَى مَا قَبْله وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ . وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَة فَقَالَ : مَعْنَاهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ آمَنَّا ; وَزَعَمَ أَنَّ مَوْضِع ”يَقُولُونَ“ نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَعَامَّة أَهْل اللُّغَة يُنْكِرُونَهُ وَيَسْتَبْعِدُونَهُ ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُضْمِر الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعًا , وَلَا تَذْكُر حَالًا إِلَّا مَعَ ظُهُور الْفِعْل ; فَإِذَا لَمْ يَظْهَر فِعْل فَلَا يَكُون حَال،“

 ”قُلْت : مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجَاهِد غَيْره فَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الرَّاسِخِينَ مَعْطُوف عَلَى اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْم الْمُتَشَابِه , وَأَنَّهُمْ مَعَ عِلْمهمْ بِهِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ;“

”وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَيْضًا بِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْم ; فَكَيْفَ يَمْدَحهُمْ وَهُمْ جُهَّال وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس: ( أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ) وَقَرَأَ مُجَاهِد هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ;“

 ” قُلْت : وَقَدْ رَدَّ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل فَقَالَ : وَتَقْدِير تَمَام الْكَلَام ” عِنْد اللَّه “ أَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه يَعْنِي تَأْوِيل الْمُتَشَابِهَات , وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَ بَعْضه قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا بِمَا نَصَبَ مِنْ الدَّلَائِل فِي الْمُحْكَم وَمَكَّنَ مِنْ رَدّه إِلَيْهِ . فَإِذَا عَلِمُوا تَأْوِيل بَعْضه وَلَمْ يَعْلَمُوا الْبَعْض قَالُوا آمَنَّا بِالْجَمِيعِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا , وَمَا لَمْ يُحَطْ بِهِ عِلْمنَا مِنْ الْخَفَايَا مِمَّا فِي شَرْعِهِ الصَّالِح فَعِلْمه عِنْد رَبّنَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : قَدْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّاسِخِينَ بَعْض تَفْسِيره حَتَّى قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا أَدْرِي مَا الْأَوَّاه وَلَا مَا غِسْلِين ) قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَدْ عَلِمَ بَعْد ذَلِكَ فَفَسَّرَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ . وَجَوَاب أَقْطَع مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانه لَمْ يَقُلْ وَكُلّ رَاسِخ فَيَجِب هَذَا فَإِذَا لَمْ يَعْلَمهُ أَحَد عَلِمَهُ الْآخَر . وَرَجَّحَ اِبْن فُورك أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيل وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ ; وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِ عَبَّاس : ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل ) مَا يُبَيِّن لَك ذَلِكَ , أَيْ عَلِّمْهُ مَعَانِي كِتَابك .

وَالْوَقْف عَلَى هَذَا يَكُون عِنْد قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “. قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن عُمَر : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ تَسْمِيَتهمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب . وَفِي أَيّ شَيْء هُوَ رُسُوخهمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَم الْجَمِيع .

لَكِنَّ الْمُتَشَابِه يَتَنَوَّع , فَمِنْهُ مَا لَا يُعْلَم الْبَتَّة كَأَمْرِ الرُّوح وَالسَّاعَة مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِغَيْبِهِ , وَهَذَا لَا يَتَعَاطَى عِلْمه أَحَد لَا اِبْن عَبَّاس وَلَا غَيْره . فَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاء الْحُذَّاق بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْم الْمُتَشَابِه فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْع , وَأَمَّا مَا يُمْكِن حَمْله عَلَى وُجُوه فِي اللُّغَة وَمَنَاحٍ فِي كَلَام الْعَرَب فَيُتَأَوَّل وَيُعْلَم تَأْوِيله الْمُسْتَقِيم , وَيُزَال مَا فِيهِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَتَعَلَّق مِنْ تَأْوِيل غَيْر مُسْتَقِيم ; كَقَوْلِهِ فِي عِيسَى : ” وَرُوح مِنْهُ “ [ النِّسَاء : 171] إِلَى غَيْر ذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى أَحَد رَاسِخًا إِلَّا أَنْ يَعْلَم مِنْ هَذَا النَّوْع كَثِيرًا بِحَسْب مَا قُدِّرَ لَهُ . “ أنتهى

             

       عليه، فقد ذهب بعض الفقهاء الى أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل، بينما ذهب البعض الآخر الى أنهم يعلمونه، وفي آخر فقرة من المنقول عن تفسير الطبري، بين أن بعضه يمكن علم تأويله، وبعضه الآخر -الذي يدخل في باب الغيبيات- لا يعلم تأويله.

 ويتضح من الآية أن الرسوخ في العلم هو الطريق الوحيد الى فهم معاني المتشابه الممكن تأويله، شرط أن يجتمع العلم مع الإيمان، لقوله تعالى{يقولون آمنا به كل من عند الله}. أما المحكم فقد جاء عنه ” أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب“.

 وفي قوله تعالي {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } (19) القيامة . ما يدلنا أن بيان معاني القرآن هو مرحلة تعقب قرءانه وقد تكون مستمرة.

 والذي يدل أن الله سيبين للناس آياته العلمية المتعلقة بالكون المشاهد وبأنفسهم قوله تعالى : {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت. يقول ابن كثير:  ”سَنُرِيهِمْ آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أَنْفُسهمْ“ أَيْ سَنُظْهِرُ لَهُمْ دَلَالَاتنَا وَحُجَجنَا عَلَى كَوْن الْقُرْآن حَقًّا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْد اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَائِل خَارِجِيَّة ” فِي الْآفَاق “ مِنْ الْفُتُوحَات وَظُهُور الْإِسْلَام عَلَى الْأَقَالِيم وَسَائِر الْأَدْيَان قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ وَدَلَائِل فِي أَنْفُسهمْ قَالُوا : وَقْعَة بَدْر وَفَتْح مَكَّة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ نَصَرَ اللَّه فِيهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحْبه وَخَذَلَ فِيهَا الْبَاطِل وَحِزْبه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ مَا الْإِنْسَان مُرَكَّب مِنْهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ مِنْ الْمَوَادّ وَالْأَخْلَاط وَالْهَيْئَات الْعَجِيبَة كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي عِلْم التَّشْرِيح الدَّالّ عَلَى حِكْمَة الصَّانِع تَبَارَكَ وَتَعَالَى.“ 

 وفي قوله تعالى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (93) النمل، ما يدل على قدرتنا معرفة هذه الآيات عندما يكشفها الله تعالى لنا.

 ولفظ الآيات المذكور في الآيتين السابقتين وغيرهما يراد به المعجزات، ومنها الآيات الكونية وآيات الخلق، وهذه معجزات تدل على الخالق المهيمن. بينما تعود الهاء في أنهُ في {..حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ .. } الى {..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} 41 فصلت. وهذا يدل على تطابق الآيات الكونية التي سنراها في الآفاق وفي أنفسنا مع الآيات المتعلقة بهذين الموضوعين في القرآن الكريم.

 ونلاحظ في هذه الآية الكريمة من سورة فصلت، أن رؤية الآيات تحدد في موقعين، في الآفاق وفي أنفسنا، أما الآفاق، وهي منتهى البصر وحدوده، أي أقصى ما يمكن أن نشاهده في السماء، فهذا كما اكتشف العلماء مؤخرًا، نرى فيها تاريخ الخلق الكوني، فنحن عندما ننظر في الآفاق، نرى الكون كيف كان منذ بلايين السنين، وهي الفترة التي استغرقها الضوء حتى يقطع هذه المسافات الكونية الهائلة، بل وأن كل فهمنا العلمي لمعجزة بدء الخلق الكوني وتاريخه، أستمده العلماء من خلال النظر الى هذا الأفق السماوي، باستخدام تلسكوبات منها الفضائية كهابل ودبليو ماب. أما المعجزة الثانية وهي خلق الحياة فهذه تبينها لنا دراسة الجسم الحي، والتي من خلال علوم التشريح والوراثة والخلايا وعلوم الحفريات والمتحجرات يتمكن العلماء من تكوين فهم لمعجزة خلق الحياة. هاتين هما معجزتي الكون المشاهد، واللتين يمكننا أن نراهما في كل الأزمان والعصور، أما معجزات ما هو خارج الكون المشاهد وما هو خارج الكون، فلم يرد ذكرهما لأنهما من الغيبيات.     

 أما قوله تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} الاسراء.. فيدلنا أن عقولنا لا تقدر على الخوض في أمور الغيب لأن علومنا يحدها مجال العالم المشاهد، أنظر قوله تعالى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}. وتمنع هذه الآيات البشر من الخوض في الأمور الغيبية رحمة بهم، بينما تدعو الآيات من سورتي فصلت والنمل والكثير غيرهما، الى التفكر في أمور الكون المشاهد كقوله تعالى {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) آل عمران. وقوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}(21) الذاريات.

          مما سبق نجد في آيتي سورة آل عمران وبناء على ما قال به السلف، أن الراسخين في العلم قد يعلمون تأويل الآيات المتشابهات المتعلقة بالعالم المشاهد، بينما نجد في قوله سبحانه وتعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علمٍ هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ….. } 7/53  وهذه الآيات لم تحدد المتشابهات، وإنما شملت الكتاب كله، وحددت ان تأويله يكون عند إنتهاء الزمان أو البعث، والمخاطب هنا هم المشركين والتأويل هنا كناية عن عاقبة الأمور وما ستؤول إليه وتحقق ما كانوا يوعدون به من حساب وجزاء.

 وقد يدل هذا أن التأويل المطلق أي تحقق كل ما في القرآن من معان سوف يكون في نهاية الزمان، عندما تؤول الأشياء إلى نهاياتها، بينما دلتنا الآيات في سورة   فصلت أن الله تعالى سيرينا الآيات في الآفاق وفي أنفسنا فنعرفها فيتبين لنا أن القرآن حق، ويكون هذا في حياتنا وقبل يوم البعث، وحيث أن هذه المعرفة أو الفهم للآيات ليس هو التأويل أي معرفة منتهى الحقيقة المطلقة، وحيث أن المتشابهات تدل على التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، أي يتقدم فهمنا لها مع تقدم ما نراه ونتعلمه في الأفاق وفي أنفسنا، وهذا يسمح باستنباط المعاني المرحلية التي تنبثق عن تفاعل النص الثابت مع المعارف الإنسانية في مراحل تقدمها، ليولد المعنى الذي نطمئن إليه لأننا لا نجد فيه تعارضًا مع معارفنا العلمية المرحلية التي نعتقد بصحتها. وقد ذهب السلف الصالح الى تفسير الآيات المتشابهات في الموضوعات التي نحن بصددها وفق معارفهم وعلومهم واطمأنوا إليها.

 نعلم أننا في هذا الأفتراض قد أضفنا أن النص لن يتعارض مع العلوم التي يتفق علماء عصر ما على صحتها، وان ثبت عدم صحتها في عصر لاحق، وهذا لم نستدل عليه من النصوص، وإنما مما وجدنا عليه تفسير السلف الذي وافق معارفهم واطمئنوا اليه، وما وجدناه في هذه النصوص من موافقة لعلومنا الحديثة والتي اختلفت جذريًا عما كانوا في السابق يعتقدون به. ولأن التأويل الصحيح المطلق لن يكون إلا في نهاية الزمان، وعليه ففهمنا سيكون مرحليا، وحيث أن هذا الفهم المرحلي سيوافق معارفنا، سيعلم الذين أرتابوا أن النص حق.

 وهذا الفرض الذي وضعناه هو فرض بشري يمكن أسقاطه إذا تبين خطأه، وحتى الآن فهو صحيحًا بالدلالات التي أوردناها، والتعميم الذي اتبعناه مستدلين بحالة واحدة صح فيها، ليس كافيُا لدعم الفرض، ولهذا نقول أنه قد يكون صحيحًا حتى يتم نقضه فنسقطه، إذ أن مرجعنا الأول هو دلالة النص.

 لقد وضع العلماء في هذا العصر شروطًا وقواعد تحدد صحة الإستدلال العلمي، يصعب معها اجتماعهم على صحة نظرية قد يثبت في المستقبل خطأها في كليتها، وانما يمكن تطويرها الى الأقرب ثم الأقرب من الحقيقة. ولهذا فإن أهم مرحلة كان يتعين على النص أن يتخطاها هي المرحلة التي خطتها المعارف البشرية من عصور المعرفة التي لم تقم على أسس علمية، الى عصر العلم الحديث الذي تتشكل وتتقدم فيه المعارف وفق أصول وقواعد هذا العلم. هذه هي المرحلة الأصعب، وقد إستطاع النص الثابت مواكبتها.

 ولهذا نفترض أن الآيات المتعلقة بموضوع العالم المشاهد أي الطبيعة وآيات خلق الإنسان؛ قد صيغت بحيث تتفاعل مع المعارف البشرية حتى يولد المعنى، وطالما أن المعارف بطبيعتها متطورة، فالتفاعل عملية مستمرة، والمعاني متطورة. وكما رأينا كيف أن النص لم يتعارض مع علوم السلف، والتي تبين عدم صحة بعضها، لهذا نتوقع أن النص ذاته لن يتعارض مع علومنا، التي نعتقد بصحتها المرحلية.

 وحيث أننا افترضنا تغير معنى النص الثابت، فلن يكون هذا تأويلا، وإنما هو فهمًا بما يتناسب مع مرحلية المعارف البشرية. وهذا لا يختلف عن النظريات العلمية المتطورة التي لا يدعي أي من العلماء أنها الحقيقة المطلقة أو التأويل المطلق لكتاب الطبيعة المشاهد والمحسوس.

           أن عجزنا عن التأويل المطلق للنص؛ يقابله عجزنا العلمي عن بلوغ الحقيقة المطلقة، أي أننا عندما نحاول المقارنة ، فاننا نقارن بين فهم تقريبي وعلم تقريبي، إلا أن ما ييسر الأمر علينا، أننا نبدأ ولدينا بعض المعنى الذي نعتقد أن النص يشير إليه، وقد يقول قائل أن المعنى طالما أنعكس عن مرآة المعرفة، لن يتعارض بالطبع معها، إلا أن هذا ليس باليسر الذي ينوه اليه هذ القول، فالنص ألفاظه ثابتة، ومدلولات الألفاظ متفق ومتعارف عليها منذ قديم الزمان، وتحكمنا في هذه العملية قواعد اللغة العربية والتقيد بالمعاني الثابتة لكلماتها، وكل هؤلاء؛ من نص وقواعد ومعاني الألفاظ ومباني الجمل؛ ثوابت لا نملك تعديلها أو تغييرها، وقد أعتمدنا على معاجم اللغة التي سطرت منذ ما يقرب من ألف سنة، وثبتت على ذلك، وأصحابها اعتمدوا على المعاني في اللغة المتداولة قبل وأثناء عصر النبوة، فان أدت هذه المعاني اللغوية الى ما لا يتعارض مع علومنا المعاصرة، فسيكون هذا إعجازًا.

          ويجدر القول هنا أن بعض فقهاء الأمة منذ عدة عقود، قد نظروا الى هذا الأمر من زاوية مختلفة، بعد أن تبين لهم أن العلم متطور، وأن نظرياته دومًا متغيرة ومتبدلة، تحل الواحدة محل الأخرى وتنسخها، فقالوا أنه ليس من الحكمة أن نوفق بين معاني النصوص القرآنية ونظريات علمية قد تندثر بعد حين.  وهذه وجهة نظر يؤخذ عليها أننا في هذا العصر، بالرغم من علمنا أن العلوم السابقة التي أخذ بها السلف في معرض تفسيرهم للآيات العلمية قد تغيرت وتبدلت، ومع ذلك بقيت تفاسير السلف لهذه الآيات تتداول بين الناس، فأين الحكمة في إبقاء ما نعلم أنه ليس صحيحًا، لأننا ننتظر أن يتوصل العلم الى الحقائق النهائية المطلقة.

 قد لا يوجد في العلوم الطبيعية نظريات ثابتة أو مكتملة، إذ أن النظريات حتى الصحيح منه، تظل تتقدم من صحيحة إلى أصح، ومن قريبة من الحقيقة إلى الأقرب، وقد لا تصل أبدًا الى الحقيقة ذاتها. ولا يدعي العلماء أن أي نظرية لديهم وإن ثبتت بالتجارب ووافق المشاهد في الطبيعة توقعاتها أو تنبؤاتها، أنها أصبحت مطلقة أو أن نتائجها حتمية، وإنما تعنى أن إحتمال حدوث النتيجة عند توفر الأسباب والظروف يصبح إحتمالا كبيرًا الى درجة عالية. ولهذا فان إنتظار توصل العلم الى الحقائق الثابتة المطلقة قد يطول، وخاصة أن من الموضوعات الأساسية التي تهمنا، خلق الكون وخلق الحياة، لن يمكن البت فيهما ربما لزمن طويل، وربما أبدًا.

 هناك فرقًا بين ما نعلمه ونحدده ونصفه من المشاهدة والنظر في الطبيعة Observation, identification, description،    وبين ما نستنتجه كتفسير للظاهرة Theoretical explanation of phenomena. بعد إجراء التجارب واستنباط المعادلات التي تحكم العلاقة بين الأسباب والنتائج وبعد مطابقة تنبؤاتها مع الواقع.

 إن الذي قد يتغير ويتبدل هو النظرية التي تفسر هذه الظواهر، والى حد ما المعادلات التي يمكن أن تستبدل بما هو أكثر منها دقة أي أقرب للحقيقة ولكن لا تخطئها، مثال ذلك استبدال قوانين الجاذبية لنيوتن بقوانين أينشتين. أما المشاهدات فهذه لا تتغير وإنما يمكن أن يضاف عليها كلما صنع العلماء أجهزة حسية أقوى أو أفضل، أو استطاعوا وضعها في الفضاء لتتمكن من نقل صورة أوضح وابعد.

           ولهذا فعندما تصف علومنا الكون أن به نجوم ومجرات وتجمعات، وأن عمره يقدر ببلايين السنين، وأن الحياة وجدت على الأرض منذ بلايين السنين، وأن الإنسان ظهر عليها منذ ملايين السنين، فهذه كلها مشاهدات وحقائق لا يصح أن ينكرها أحد.

          أما النظريات التي لها أسس علمية تجريبية سليمة، فقد يمكن أن نجد أكثر من نظرية تفسر نفس الظاهرة، حتى يتبين من مشاهدات ومعلومات جديدة، ترجيح واحدة على الأخرين.

 وهناك نظريات مثل تلك التي تبحث في نشأة الكون، تقوم على افتراضات ومعادلات رياضية ونماذج حسابية Computer models، ولدينا عدة نظريات متنافسة، أقدمها الكون المستقر الأبدي،  ثم النشأة المفردة أو التي تسمى الإنفجار الكبير، مرورًا بالأوتار الفائقة ونظرية (م)، ثم الكون المتذبذب  cyclic universe و kpyrotic scenario . وفيما عدا نظرية النشأة المفردة، فان بقية النظريات تهدف الى ايجاد الكون من شيء آخر سابق له، أي تتحاشى فكرة الخلق أو الوجود من لا شيء، أو تقول بأنه موجود منذ الأبد. وغالبًا تتفق كل هذه النظريات في الأحداث التي أعقبت نقطة النشأة وبعد تكون الذرات. وحاليًا تُرجح نظرية النشأة المفردة، فيما يتعلق بالأحداث التى أعقبت حالة ال Singularity، خاصة بعد نتائج المكوك WMAP التي اعلنت في 2006 .

           كل هذا تفاصيل ليس لها تأثير على موضوعنا، فان قالت هذه النظريات أن الكون نشأ من نشأة مفردة أو عبر سلسلة من الأكوان السابقة، فالمنطق العقلاني يرجح أن يكون هناك بدءًا لهذه الأكوان السابقة، كل ما تفعله هذه النظريات هو في إرجاع نقطة البدء الى زمان أسبق، ولكنها كلها تتفق أن هناك بدءًا لكوننا هذا وان كان هناك ما قبله ((ليس في النص ما يدل على أنه لم يكن هناك أي شيء قبل خلق العالم، بل وتدل الآيات عن وجود الماء والعرش، والكون المخلوق يستدعي بالضرورة أن هناك ما قبله وما حوله وما بعده، وكل هؤلاء من الغيبيات التي ليس لنا مصدر لمعرفتها إلا النص، نؤمن به كما نزل، ولا نبحث فيه.)) ، أما من قال أنه كذلك منذ الأبد، فليس هذا من العلم به، وانما افتراضًا لا يقوم على أي دليل من جهة، وهروبًا من البدء في الجهة الأخرى، وهذه نظرية هجرها أغلب العلماء منذ سبعينات القرن العشرين.

           فيما عدا المشاهدات التي يجب علينا اعتمادها على أنها صحيحة، يمكن الأخذ بالنظريات على أنها تفسيرات مرحلية لظواهر الكون، والذي يهمنا هنا أننا نقارن بين نظريات علمية تقريبية، وفهمًا مرحليا للنصوص المتعلقة بهذه الموضوعات، والتي وردت في الآيات المتشابهات، والتي نعلم أن تأويلها الصحيح لن يكون إلا في نهاية الزمان، ولهذا فمن الممكن تفسيرها مرحليًا، وكما أن التفسير السابق في المراحل السابقة أدى دوره وقبله الناس لأنه وافق معارفهم، يكون تفسيرعصرنا الحالي وفق علومنا مرحليًا ولا نقول أنه التفسير المطلق، وقد ياتي زمان في المستقبل، يجد فيه أهله تفسيرًا مرحليًا آخر يختلف عن الذي نراه، فلا يخطئون تفسيرنا وانما يقبلون أنه كان تفسيرًا مرحليًا وافق معارفنا.

 

وظيفة النص العلمي في الخطاب الديني:

           نتوقع من أي رسالة سماوية أن تحتوى على إجوبة مقنعة للأسئلة التي تدور في أذهان الناس، عن من أين جاء هذا الكون، وكيف خلقنا وما هو مصيرنا وهل هناك شيئا بعد الموت.

           ولو نظرنا في المعلومات المتعلقة بعالم الشهادة، أي العالم المشاهد، سترد هذه المعلومات في الرسالة السماوية بقصد تأكيد صدقها، أي كحجة وبرهان، ولهذا لا نتوقع أن يرد ذكر موضوع خلق الكون كمادة علمية مجردة، لأنه لو ورد كمادة علمية لما أدى دوره كحجة وبرهان لدى قوم يجهلون النظريات العلمية الصحيحة، ولهذا كان من الحكمة أن تصاغ المعلومات الصحيحة في صيغة تتناسب مع معارف المتلقي، فالحجة يجب أن تكون مقنعة حتى تقوم بالغاية المطلوبة منها. ولأن الحجة لا يراد منها أن تصبح قضية يُجادل فيها؛ توجب فيها ألا تتعارض مع المعارف الإنسانية في أي مرحلة من مراحل تطوره.  

           وقد بدأنا القول بما يؤدي الى أن الفهم البشري للنصوص في هذا العصر؛ قد يتعارض بعضه فعلا مع العلم المعاصر، وأن السبب في ذلك يعود الى تخلف التفسير عن مواكبة التطور العلمي، وأنه ما زال يعتمد في أكثره على تفاسير السلف؛ دون أن يتفاعل هذا النص مع المعارف الحديثة حتى يتولد الفهم المرحلي الجديد.

           وعليه، نجد أن النصوص الكونية ونصوص الخلق في القرآن، وردت على إنها حجة وبرهان لدعم جوهر الرسالة الروحي، وأنها ليست مقصودة في حد ذاتها أي بمعناها العلمي البحت، وليس الغرض منها تعليم الناس أو إحداث طفرة علمية لبشر ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها.

           من الصحيح ان الدين الإسلامي قد جاء بطفرة أو ثورة إجتماعية سياسية إقتصادية غيرت من أخلاق وتقاليد وعادات المجتمع العربي خاصة والبشر عامة، ولكن ليس صحيحًا أو مطلوبًا أن يأتي الدين الإسلامي أو غيره بثورة علمية. لقد جابهت الدعوة الإسلامية الجديدة معارضة عنيفة كادت أن تودي بها في المهد، وليس من المنطق السليم أن نتوقع منها إحداث ثورة علمية أيضًا. لقد كان الرسول صلعم محاطًا باليهود ينظرون في الآيات ويمحَّصونها ويحكمون بصحتها أو زيفها بناء على معتقداتهم التوراتية، وخاصة فيما يتعلق بالكونيات وقصة خلق البشر، وكان بعض العرب الذين يتلقون هذه الرسالة يرجعون إليهم ويعتبرون برأيهم ويحكمون بموجبه على مصداقيتها، والتي أعلنت عن نفسها أنها آخر الرسالات السماوية وإنها مصححة ومكملة وخاتمة لما سبقها. أضف إلى كل هذا أن مبلغ العلوم الكونية عند العرب والبشر عامة؛ كان لا يتعدى خليطًا من النصوص السابقة؛ ومن كون أرسطو وأفلاطون؛ وما تفتقت عنه الأساطير والمعتقدات القديمة، فلماذا تأتِ الرسالة بطفرة علمية تحدثها في قوم ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها. أو تتضمن برهان عليها يحتاج في حد ذاته إلى برهان.

           ذكرنا أنها ثورة في أكثر من مجال فلماذا قلنا أنها لا تكون علمية أيضًا.  إضافة الى أن هذا يخرج بالرسالة عن موضوعها الأساسي، سوف نجد أن العلم يختلف عن غيره من المعارف، ولا يستفاد منه إلا بالترقي فيه درجة درجة وجيلا بعد جيل، العلم لا يمكن إيجازه في كتاب، وإنما هو ثمرة محاولات وتقدم وتجارب ومشاهدات.

           يقول لسنج ( مجموعة مؤلفات لسنج عن تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور – هامش ص259- نقلاً عن كتاب في فلسفة ابن رشد – الدكتور محمد بيصار -ص95): ”لا ينحصر فضل الإنسان في إمتلاكه الحقيقة، وإنما فضله في الجهد الذي يبذله مخلصًا في السعي إليها . ولا تنمو ملكات الانسان بامتلاك الحقيقة، بل بالبحث عنها، وكماله المتزايد ينحصر في هذا وحده، بل إن إمتلاك الإنسان للشئ يميل به إلى الركود والكسل والغرور. ولو أن الله وضع الحقائق كلها في يمينه، ووضع في شماله شوقنا المستمر إليها وإن أخطئناها دائمًا؛ ثم خيَّرني، لسارعت إلى إختيار ما في شِماله “.

           ان الرسالات السماوية ليس من أغراضها إحداث طفرة علمية، وإنما الإرتقاء الروحي والتوجيه الأخلاقي، ولهذا تحرص على عدم خلخلة الفكر العلمي المعاصر لها، ولهذا جاءت كلها بحيث لا تتعارض مع المعتقدات العلمية آنذاك، ولأنها رسالة إلى كل البشر اللاحقين، والذين سوف تتطور معارفهم العلمية وتتغير، كان يجب على هذه الآيات إما:

(أ) أن تخاطب بشر المستقبل بما لا يتعارض مع معارفهم، أو

(ب) تعتمد على تقديرهم أن الجزء العلمي الذي تضمنته الرسالة، إنما كان وقتيا ليتناسب مع معارف ذلك العصر السابق، لتفادي إحداث زلزلة فكرية قد تضر بالتدرج التطوري للفكر الإنساني. وأنه متى إستـتبت الرسالة الدينية وقويت، فان عنصر الإيمان الغيبي سوف يتغلب على عدم توافق بعض هذه الآيات العلمية مع المعرفة الحديثة، وسوف يستطيع الإنسان المتأخر زمنيًا والمتقدم علميًا أن يعي مرحلية هذه الآيات ورمزيتها.

 ولا شك أن (ب) هو ما نراه حولنا الآن، فبالرغم من تنازل المسيحية عن المعنى المطلق لسفر التكوين، فالمسيحيون عامة مؤمنون بالدين المسيحي وبالوجود الألهي، ومقتنعون بفكرة القصد الرمزي لها. بينما إستطاع المسلم أن يمضى في طريقه دون التأثر كثيرًا بالمعركة التي دارت رحاها في أوروبا في القرون الأربعة الماضية .

 إلا أن ثراء النص الإسلامي والتفصيل الذي ورد فيه، وقدرته على التفاعل مع الفكر المعرفي في كافة عصور التطور البشري، لا يسمح لنا بالتقاعس واللجوء الى مقولة رمزية النص، إذ أنه الدين المصحح المتمم الخاتم.                        

 وقبل أن نترك هذا الفصل، يجب التنويه هنا أن البرهان الذي ذكرناه ليس هو البرهان التجريبي القاطع، وأنما هو البرهان الكلامي المقنع، الذي تطمئن إليه النفوس لأنه يوافق المعروف والمتعارف عليه. وقد سبق أن بينًا أن البرهان المطلق القاطع ليس متاحًا في هذه الحياة الدنيا.                        

 

حدود الخطاب الديني:

            أما وقد تبين لنا أن الغرض من سرد النصوص الكونية قد يكون الحجة والبرهان، مع تصحيح ما شاب نصوص الرسالات السابقة من جراء الإضافات التي قام البشر بوضعها عن حسن أو سوء نية، علينا أن ننظر الى وسيلة الخطاب الديني ومدى قدرتها على نقل المعلومات، ووسيلة الخطاب هي اللغة ((تحمل اللغة  دلالات و معان ورموز للتعبير عن عالم الأشياء و الظواهر.)) ، واللغة لا تصلح إلا بناء على معرفة سابقة، ليس بها فقط وإنما بالموضوع ذاته أو ما يماثله أو يشبهه، وقد تعجز اللغة في حالات كثيرة أو نضطر لتقريب المعنى الى درجة قد يفقد معها الكثير من واقعه، منها كيف نصف عوالم أخرى تختلف كلية عن عالمنا ولا يوجد لها مثل فيه.

          لا شك أن هناك حالات يستحيل فيها التعبير اللفظي، فاللغة لا تستطيع سوى التعبير الدقيق عن الموجودات التي يمكن معرفتها بالجوارح، وما يمكن الإشارة إليه أي الأسماء. فيما عدا ذلك فاللفظ المعبر عن أي شئ يعود الى التجربة السابقة ودرجة الفهم والقدرة على التخيل، وهذا ينطبق على كل ما هو ليس بمحسوس كالزمن والجاذبية والضمير والروح والغيبيات، وأغلبها نعرفها بآثارها وليس بذاتها، وعجزنا عن معرفة الذات الإلهية هو عجز مطلق، يبينه قوله تعالى {ليس كمثله شئ وهو السميع البصير} الشورى 11.

           نحن نصف الإشياء، والوصف هو استخدام محسوس أو مشاهد لتقريب شيء غيبي، ولكن ماذا عن محاولة وصف ما لم يره أو يحسه أحد منا قط (عدا الواصف طبعًا)، يشترط في الواصف أن يستدل بأشياء محسوسة ليدل على أشياء غيبية، فلو لم تتوفر الأشياء المحسوسة التي من خلالها يمكن وصف الشئ الغيبي، كان عليه الإستدلال بأقربها شبهًا، أو تركيب أجزاء من المتشابهات لوصف الكل الذي ليس له مثل، وفي هذا تنازلاً عن الدقة المطلقة رغبة في نقل المعلومات، أي أن الفرق بين الفكرة والتعبير اللغوي عنها قد يكون كبيرًا الى حد قد يصل إلى أن تتشوه معه صورة الفكرة الأصلية. 

           البلاغ الديني هو الخطاب الصادر عن الله تعالى إلى البشر في صورة الرسالة اللغوية الثابتة والدائمة ( القرآن الكريم)، وفي صورة السنة الوقتية المجسمة في مُبلّغ الرسالة وهو الرسول صلعم، وإقتصار الرسالة الدائمة على وسيلة التعبير اللغوي فقط يحصر إمكاناتها، في حدود قدرة هذه اللغة على البيان من خلال حجم مفرداتها وإرتباط هذه المفردات بالمعاني التي تدل عليها، واللغات بصورة عامة تتطور في حجم ودلالات مفرداتها، إلا أنها تظل محدودة بحدود الأفق المعرفي للمجتمع الذي يستخدمها، ولا يمكن أن تعبر اللغة في أي وقت عما لا يعرفه هذا المجتمع، أي لا يمكن أن يوجد لفظ في لغة يدل على شئ لا يعرفه الناس بعد، خيالا ((حتى الخيال يجب ان يكون مركبًا من محسوسات، فالملائكة قد نتخيلها كمخلوقات لها أجنحة وكلاهما معروف.))  كان أم حقيقة ، ولهذا فإن قدرة البلاغ اللغوي محدودة في إطاري قدرات اللغة ومعارف الأمة، وحيث أن المعرفة مستمرة في النمو والتطور، فإن على اللغة المعبرة عن هذه المعارف أن تستمر في النمو والتطور لمواكبة متطلبات النماء الفكري والعلمي (خاصة)، ولا شك أن التعبيرات اللغوية العلمية في القرن السابع كانت محدودة للغاية، وقد تعجز لغات العالم عن التعبير لمواكبة الطفرات العلمية المستوردة، ولهذا نشأت المصطلحات العلمية التي يُتفق بين العلماء على مدلولاتها.

           جاء القرآن برسالة إلى كل البشر في كل العصور، ولهذا لم يعتمد كغيره من الرسالات التي سبقته على المعجزات المباشرة، فالمعجزة لا يمكن إعادة إجراءها في كل عصر، ولو تم هذا لفقدت صفة المعجزة، واصبحت من الظواهر الكونية المتكررة ولوجدنا لها قانونًا يحكمها. والمعجزة رهن بصدق المشاهد وتصديق المتلقي لخبرها، وتفتح بابًا للمجادلة والإنكار، لا يمكن معه التحقق العلمي من صحتها، والعهود اللاحقة ليس لديها سوى الكتاب والسنة. التفاسير والكتابات البشرية التراثية تعاملت مع الكتاب في آيات الكون والخلق بفكر عصرها، ولا يفترض فيها ما يصح أن يفترض في القرآن، ولهذا يجب أن يكون الإعتماد الأول في الآيات العلمية على الكتاب، الذي بين أيدينا كما نزل من عند الله تعالى، وهو الرسالة السماوية الموجهة إلى عصرنا وإلى غيره من العصور البشرية.

 

حدود قدرات المتلقي:

           والرسالة لها أركانها، الـمُرسلُ والموضوع والوسيلة والـمرسل إليه، والمُرسل هو الله تعالى ذو العلم المطلق والقدرة المطلقة، والمرسل إليهم هم البشر ذوي القدرات المحدودة، والموضوع هو الهدى وتعليم الحكمة؛ والوسيلة هي اللغة المنطوقة أي الكلام، وتحددت اللغة بالعربية  (({إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} الزخرف 3 ، { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} الدخان58، { كتاب فصلت آياته قرءانًا عربيًا لقوم يعلمون} فصلت 3، { وكذلك أوحينا إليك قرءانًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها …} الشورى 6))  فكانت معاني الألفاظ طبقًا لدلالات الكلمات في هذه اللغة {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} يوسف2. ولهذا فعلينا أن نسلم أن الرسالة حتى تكون مفيدة يجب أن تصاغ في حدود قدرات من يتلقون الرسالة وفي حدود إمكانيات لغتهم. أي أن محدودية الرسالة منوطة بمحدودية المتلقي وقدرات لغته؛ ولا علاقة لها البتة بقدرات المُرسل طالما كانت أرقى من قدرات المتلقي في كل النواحي الفكرية وغيرها (( يقول السيد سعدون محسن ضمد تحت عنوان  حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني: ”وهنا تبرز إشكالية قصور آلة الإدراك الإنسانية ـ من جهة المتلقي، حيث أن هذه الآلية ستعمل على تقييد المعطيات المستوردة من جهة ما وراء الطبيعة لجهة الطبيعة، وعندها ستفقد تلك المعطيات الكثير من قيمتها باعتبارها منزلة من قوة فوق إنسانية، لأنها ستترجم بلغة أو بمفاهيم الإنسان، وحينها ستتحول إلى معطيات إنسانية، أو لا أقل، إلى معطيات نصف إنسانية، ولن تعود معطيات فوق إنسانية مئة بالمئة. فكيف يتسنى للإنسان أن يفهم المعطيات الغير طبيعية، وهو يعتمد على آلية المعالجة، التي تستند بدورها لجمة مفاهيم طبيعية، بعبارة أوضح، فعندما تعمل هذه الآلية على استيراد مفهوم ماوراء طبيعي، فإنها وخلال عملية فهمه، ستضطر لمعالجته (مقارنة، تشبيه، استنباط)، بالمفاهيم الطبيعية، وهكذا ستجري عملية قياس يكون نتيجتها مفهوم إنساني (طبيعي أو نصف طبيعي)..“)).

 

قضية التعارض:

           نسلم أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارضًا بين المعتقدات الصحيحة المنبثقة عن الفهم الصحيح للنصوص الدينية التي تتعلق بأي من الموضوعات العلمية كالكونيات والخلق والطبيعة، وتلك التي توصل إليها العقل البشري بطريق وسائل المشاهدة والإستدلال والإستنباط العلمي، فكلاهما يعود إلى نفس المصدر الإلهي، وكلاهما يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية، التي بالضرورة الدينية نشأت نتيجة الإرادة الإلهية، ولهذا فإتباعًا لأسس الفكر الديني نجد أن الطبيعة والنص الديني صادرين عن مصدر واحد، ولا يجوز أن يشوبهما أي تعارض. ويتم فهم الرسالة الدينية ورسالة الطبيعية من خلال العقل البشري، الأولى من خلال النصوص والثانية من خلال المشاهدة والإستنباط العلمي والتجربة، ولو فرض وجود تعارض فالتعارض سيكون بالضرورة نتيجة خطأ في الفهم لأي من الرسالتين. ويجب أن لا يغيب عن ذهننا أن فهمنا رهن بتطور وصحة معارفنا، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن معارفنا البشرية قد إكتملت، بل وفي هذا العقد من الزمان، يعرف الراسخون في العلم أننا بعيدون عن ذلك، أبعد مما كنا نعتقده عندما نعمت البشرية بالثقة المفرطة في عالم نيوتن ذو الزمان والمكان المطلقين .

           من المسلمات الدينية الغير قابلة للجدل، أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارض بين الدين والعلم. والدين من جانبه يدعو الإنسان إلى طلب العلم وتطويره، حيث أن العلم أداة هامة في عملية إعمار الأرض المنوط بها الإنسان، إضافة إلى أن العلم يؤدي إلى فهم أفضل لطبيعة الكون، ويمتلأ القرآن بالآيات المشيرة إلى أهمية العلم، ويخاطب العلماء خاصة لقدرتهم على الفهم الأفضل لعظمة الخلق بل ولإعجاز القرآن ذاته، إن دعوة القرآن الى الإهتمام بالعلم والحث عليه جلية واضحة لا تترك ذرة من شك في مضمونها.

           ولهذا فنحن نجد أن الدعوة القرآنية لتحصيل العلم وممارسته، وأسلوبها في الحث على المشاهدة والإستنباط دعوة متقدمة على وسائل الفكر العلمي آنذاك، الذي كان يقوم على المنطق العقلي وحده، والذي يعود إلى فلاسفة اليونان، قد لا نستطيع البت في أن أسلوب التجربة قد ورد في القرآن، إلا أنها نتيجة طبيعية للمشاهدة، فالتجربة هي في أبسط صورها محاولة تكرار الظاهرة التي تبينت من المشاهدة، وقد نجد في قصة النبي إبراهيم عليه السلام، التي وردت في القرآن الكريم، { وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم أدعهن يأتينك سعيًا واعلم إن الله عزيز حكيمٌ} 2/260، نوعًا من حث البشر على التساؤل والتيقن بالتجربة، فإن صحت في واحد من موضوعات المعتقدات الدينية الغيبية، فأولى بها أن تصح في علوم الطبيعة.

          وتعود قضية هذا الخلاف مع العلم الى القرن السادس عشر الميلادي، عندما اتخذت الكنيسة المسيحية موقفًا متشددًا من كوبرنيكس وجاليليو، لقولهما أن الأجسام السماوية لا تدور حول الأرض وإنما حول الشمس، وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه الأفكار تتعارض مع النصوص والمعتقدات الدينية، وحاربتها بضراوة إلا أنها إضطرت مكرهة الى التراجع والتنازل عن موقفها بعد إنتشار نظريات نيوتن وثبوتها بالتجارب والمشاهدات، وكانت نهاية الصراع لصالح العلماء عندما صدر كتاب أصل الأنواع لداروين في منتصف القرن التاسع عشر، واعتبرت الكنيسة أن التصوير الديني للأمور العلمية هو تصويرا رمزيًا ولا يجب أن يؤخذ كحقيقة علمية مجردة. وقد نتج عن هذا الموقف انفصال الفكر الديني عن الفكر العلمي، ومع توالي الإكتشافات العلمية وما قدمته للبشرية من مخترعات كثيرة، أتخذ العلم لنفسه مركزًا مرموقًا اتسم عند البعض بالغرور وأتاح لهم الفرصة لنقض الفكر الديني والتطاول عليه .

           قد لا يكون هذا الخلاف حقيقيًا، لأنه قد نتج إما عن فهم الكنيسة الخاطئ للنصوص الدينية، أو إعطاءها قدسية لنصوص ليست دينية من الأصل، إذ أن فكرة دوران الكواكب والشمس والقمر والنجوم حول الأرض ليست مستنبطة من النصوص المقدسة وإنما هي نتاج الفكر الفلسفي اليوناني، ولا يوجد نص ديني يقول بذلك، أما موضوع نظرية تطور المخلوقات فقد لا تتعارض أيضًا مع النصوص السماوية، أي أن الخلاف بين العلم والدين، ليس خلافًا بين العلم والنصوص الدينية؛ وإنما هو خلافًا بين العلم والفهم الخاطئ للنصوص الدينية. وسوف نبين في هذا البحث الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة .

           وبالرغم من أهمية هذه القضية، إلا أن الأديان كلها تتواري عن مجابهتها وجهًا لوجه بأسلوب يعتمد على العقل، والعقل هو العامل المشترك، العقل والفؤاد هما المخاطبين في الخطاب الديني، بينما العقل وحده هو المخاطب في الخطاب العلمي، وحتى يصح التحاور بين الدين والعلم، يجب القبول بالإلتزام في حدود الحوار العقلي فقط، أي عدم الخوض في الحوار الميتافيزيقي أو الثيولوجي.

 **************

يقينية العلم:

 يقول برتراند راسل : أن العلم يقرر أحكامًا على سبيل التقريب لا على سبيل اليقين .

 تقوم النظم الرياضية على إنسجام قضاياها فيما بينها بطريقة صورية، وقد لا تكون لها علاقة بالواقع، ومقياس اليقين هو مطابقة الفكر مع الواقع، ولا يقين إذا تطابق الفكر مع إفتراضاته.   

 ان المبدأ العلمي الذي يقول بوجود الإضطراد في الطبيعة، وينكر الأخذ بالصدفة في القوانين العلمية، يقبل بوجود الصدفة في أهم موضوعاته العلمية وهو وجود هذه القوانين ذاتها ووجود موضوع البحث العلمي وهو الكون الذي تعمل فيه القوانين العلمية .

 نحن بصورة عامة نفترض صدق وصحة كل ما هو علمي، ولكن أكثر النظريات العلمية ينحصر تطبيقها في مجالات محددة، ولا تدعي لنفسها أنها صحيحة في كل المجالات والأبعاد، وتفقد مصداقيتها متى خرجت عن هذه الحدود.  وقد تتعارض تصورات النظريات العلمية مع بعضها إذا خرجت عن حدودها، مثال ذلك، تصورات النظرية النسبية العامة لتأثير المادة على النسيج الكوني ولطبيعة قوة الجاذبية وكلاهما يعمل بصورة دقيقة في حدود العالم التلسكوبي؛ تختلف وتتعارض هذه التصورات مع تصورات نظرية الكم (الكوانتم) للقوى في العالم الميكروسكوبي والأصغر منه، ويتعارض مبدأ الحتمية الذي تدل عليه نظريات نيوتن ومن بعده أينشتين، بالقول بامكانية معرفة مستقبل أي جسم إذا عرفنا موقعه وسرعته الحالية واتجاهها والقوى الخارجية التي تؤثر عليه، مع مبدأ هيزنبرج في عدم إمكانية التيقن عند إجراء القياسات لموقع وعزم حركة الجسيمات الأولية مثل الإلكترونات وما مثلها، ويعجز العلم عند محاولة فهم طبيعة الزمن، وأسباب وجود القوانين والثوابت الفيزيائية على ما هي عليها، أضف الى هذا عشرات النظريات التي تقوم على افتراضات ونماذج ومعادلات رياضية يضعها العلماء، وتنشغل بها أكبر المعاهد والمؤسسات العلمية لعشرات السنوات ثم يهجرونها الى غيرها وغيرها.

          إن من الأهمية البالغة إزالة وهم رسخ في أذهان الناس وأصبح حقيقة لا تقبل الجدل، وهي الثقة المطلقة في العلم، التي أصبحت من المسلمات التي يعتقد بها الإنسان العادي، ولهذا فعلينا أولاً الفصل بين العلم النظري والعلم التطبيقي ، العلم التطبيقي – التكنولوجيا – هو الذي وفر لنا كل المخترعات التي ننعم بها، وأساسه العلم النظري، ولكن نجاح المخترعات لا يعنى بالضرورة صحة فهمنا المطلق أو شمولية النظرية التي تقوم عليها هذه المخترعات، فكل أجهزتنا الكهربائية مثلاً تقوم على معلوماتنا المتعلقة بالكهرباء، وأهم مكوناتها الإلكترون، وبالرغم من نجاح هذه الأجهزة من تليفزيونات وحاسبات إلكترونية وغيرهم، إلا أننا لا نستطيع حتى الآن معرفة كنه الإلكترون، هل هو جسيم أم موجة أم كليهما، فلو تعاملنا معه كموجة وجدناه يتصرف مثل الموجات، ولو تعاملنا معه كجسيم نجده يتصرف كجسيم، ونحن نعرف الإلكترون من آثاره وليس من ذاته، وبالرغم أن القوة الكهرومغناطيسية، هي المسئولة عن تنوع العناصر وفقًا لعدد الشحنات الموجبة (البروتونات) والسالبة (الإلكترونات) في هذه العناصر، وهي المسئولة أيضًا عن تنوع المواد المركبة وفقًا لطُرق تبادل الإلكترونات بين ذرات عناصرها، إلا أننا لا نستطيع مثلاً قياس موقع الإلكترون وحركته ( السرعة والإتجاه) في آن واحد (Heisenberg Uncertainty Principle) ، وإنما أفضل ما نستطيعه هو أن نتبع مبدأ تقدير أفضل الإحتمالات Probabilities))، لا شك إن الطبيعة الإزدواجية -الجسيمية والموجية – للعالم الأصغر من الميكروسكوبي تتعارض مع المنطق العقلاني ومع المعقول وفق مسلماتنا، فالشئ لا يمكن أن يكون جسيم وموجة في آن واحد، الجسيم هو ما له كتلة وحجم، والموجة في أبسط صورها تخلخل في الوسط، وليس لها كتلة. وقد جابه فكر نظرية الكم معارضة عنيفة تزعمها ألبرت أينشتين، ومساجلاته مع بوهر أبو نظرية الكوانتم مشهورة، وبالرغم من هذا إلا أن نظرية الكم أصبحت واقعًا يقبله كل العلماء؛ أي أنهم يؤمنون بصحته وإن اعترفوا بعجزهم عن تفسيره وفق المنطق العقلي الذي يبنون عليه كل نظرياتهم، ولو تجاوزنا مشكلة إزدواجية الإلكترون والبروتون وكل مكونات الذرة، والتي تنطبق أيضًا على الفوتونات وهي الكم الضوئي، قد نتعجب أكثر من مشكلة التنسيق أو تبادل المعلومات عن بعد، بين اتجاه الدوران حول المحور Spin لإلكترونين بدءا متساويين في العزم، إصطدما فاتجها إتجاهين متعاكسين، المفروض أن مجموع عزمهما سيكون مساويًا لما قبل التصادم، واتجاه دوران كل منهما حول محوره معاكسًا للآخر، ودائمًا لو قسنا إتجاه الدوران في أحدهما نجد الآخر ولو كان على بعد شاسع يضبط إتجاه دورانه ليضاد الذي قسناه في الآخر، وكأن هناك إتصال معلوماتي آني، وهذا يشترط معه إمكانية إنتقال المعلومات والتنسيق بسرعة آنية، وهذا يتعارض مع النظرية النسبية التي تؤدي الى عدم تخطى أي شئ في كوننا لسرعة الضوء .

           وفي العلم أيضًا يوجد العلم اليقيني، والعلم الشبه يقيني، وأهل العلم قد يصرون على أنه لا يوجد شئ أسمه علم شبه يقيني، وأنا أتفق معهم في ذلك بفرض توصلهم للمعرفة المطلقة ولو في أحد الجوانب العلمية، ولكنهم يعلمون جيدًا أن علومهم ذاتها تتعارض في أسسها -بعض الأحيان- مع بعضها الآخر، فكما ذكرنا فإن النظرية النسبية لأينشتاين، تتعارض في تحديد طبيعة القوى مع نظرية الكوانتم، (إينشتاين يعتبر أن المادة والطاقة تحددان إنحناءات النسيج الكوني وإنحناء النسيج الكوني يحدد تصرف المادة والطاقة، وأن الجاذبية هي تقعر/تحدب في هذا النسيج، بينما نظرية الكوانتم تعتبر أن القوى تنتج عن تبادل جسيمات صغيرة ومنها جرافيتون الجاذبية) وكلاهما ثابتة صحته بصدق توقعاته ثم تأكدها بالمشاهدة أو التجربة، كلاهما يعتبر صحيح في مجاله، أي ان التعارض لا يعني بالضرورة خطأ نظرية وصحة الأخرى، وإنما صحة كل نظرية في مجالها وفي داخل حدودها، وعندما يقبل العلماء بهذا التعارض، يعلمون أنهم لم يصلوا بعد إلى النظرية المطلقة التي تفسر كل القوى تفسيرًا متجانسًا.

           والذي يجدر الإشارة إليه ههنا؛ أن النظرية ليست إلا تفسيرا للحقيقة، وليست هي الحقيقة ذاتها، فهي ليست إلا تقريب لها، وتستبدل النظرية بأخرى أفضل منها كلما أقتربت الأخيرة أكثر من الحقيقة، ولا يكون هذا إلا إذا جاءت بتفسير أفضل أو بمعنى آخر أكثر دقة. ومثال ذلك النظرية النسبية التي حلت محل نظرية نيوتن في أكثر من مجال. ومثال آخر هو الحدود الضيقة لتطبيقات الهندسة الإقليديسية في القياسات المساحية، والتي اعتقد الناس بكمالها قرابة ألفين عام، بينما هي محدودة بقياسات المساحات المستوية، وكوننا ثلاثي الأبعاد وكذلك سطح كرتنا الأرضية، إلا أننا نستطيع التغاضي عن هذه الحقيقة في المساحات الصغيرة نسبيًا، وحتى في هذه الحالات الضيقة، فنتائجها وإن كانت قريبة جدًا من الحقيقة ومفيدة للغاية من الوجهة العملية، إلا أنها ليست الحقيقة ذاتها.

 ويهمنا هنا أن التعارض بين أهم نظريتين علميتين في عصرنا الحديث، لم يمنع العلماء من الأخذ والعمل بهما معًا كلا في مجاله، ولم ينادي أي مناصر لأحدهما بإلغاء الأخرى لتعارضها مع نظريته، بل قبل الجميع أن كلا منهما صحيح في مجاله، والمجال هنا هو في الحجم الكوني لنظرية النسبية والحجم الذري لنظرية الكوانتم، وهذا يدعونا إلى التساؤل هل تعارض أي نظرية علمية مع الدين يستدعي نقض أحدهما، أم أنه هنا أيضًا قد يكون للمجال تأثير بالغ على قراراتنا، فالعلم يتعلق بالماديات، بينما الدين يتعلق بالأمور الإعتقادية والأخلاقية والروحية.         

           أما عن العلم الشبه يقيني، وهو ما تعمل في مجاله أكثر هيئات الأبحاث الجامعية وغيرها من المنابر العلمية المتقدمة، من أشباه نظريات لم ترتقي بعد إلى مستوى النظرية المقبولة علميًا، والتي إنما توصلوا إليها عن طريق المعادلات الرياضية Mathematical Theories، مثل Superstring & Super Symmetry ، ولا أحاول هنا التقليل من أهمية هذه النظريات العلمية التي لن يتوفر للإنسان القدرة على إجراء تجارب لإثبات صحتها أو عدم صحتها ربما لعدة قرون، وربما إلى الأبد، وإنما أحاول أن أذّكر العلماء أن الشروط التي يضعونها للبحث العلمي، عندما يتناول هذا البحث الأمور الكونية أو الأمور المتناهية في الصغر أو حالات Singularity فإنهم قد يضطرون إلى مواصلة البحث دون الإعتماد على التجربة، والقبول بالنتائج التي يتوصلون إليها عن طريق المعادلات الرياضية والنماذج أو التجارب الفكرية Thought Experiment، أي بما يمكن تسميته بالعلم الغيبي، والغيب هنا في غياب التجربة المعملية أو المشاهدة.

           نحن لا نحاول التقليل من أهمية العلم وإنما نضعه في مكانه الصحيح، خاصة عندما يضع نفسه في موقع الحاكم المطلق على صحة أو خطأ غيره، مستندًا إلى ما قدمه الى البشر من مخترعات لا ينكر أحد منا فضلها في تحقيق الرفاهية للناس، وما هي إلا علوم تطبيقية لا تختلف كثيرًا عن الحجر الذي وجده الإنسان الأول فصقله وصنع منه أدواته وسلاحه، وكما لم يتبحر الإنسان الأول في الحجر نفسه وأخذه على ما هو عليه، فمخترعاتنا كلها ما هي إلا إستخدام لما هو موجود أمامنا، ومسخر لنا، والعلم لم يخلق حجرًا من العدم ولا يستطيع ذلك. أما فهمنا المطلق لهذا الكون وما فيه، فما زال العلم بعيد عنه. ولهذا يجب أن نفصل بين العلم، وهو الفهم التقريبي النسبي المحدود بالظروف التي وجدنا أنفسنا فيها، وبين الحقيقة المطلقة. بل وكل علومنا محدودة بمشاهداتنا في أفقنا الكوني، ولا نعلم هل هذا الأفق الكوني هو كل الكون أم جزء صغير منه، وهل يمكننا أن نفترض أن ما لا نشاهده أو نحسه بأجهزتنا مثل ما نشاهده، إن من الغرور العلمي – الغير مستند على أي دليل منطقي أو علمي- أن يظن أي من البشر أنه في موقعًا يمكنه أن يحكم بصحة أو عدم صحة أي نموذج لما سبق بدء الخلق الكوني، أو أي نموذج لما هو خارج هذا الكون، إذ لا يوجد لدى العلماء الوسيلة أو التجارب التي من خلالها يستطيعون إثبات أو نقض أي نظرية علمية تفسر بدء خلق الكون، ومع غياب التجربة ليس لدينا سوى المنطق العقلاني الغيبي، والتاريخ العلمي البشري مليء بالنظريات الزائفة التي تكونت من خلال هذه العملية، ويعلم العلماء أنفسهم كم قاسوا لنقض وتجاوز بعض هذه النظريات الزائفة.

           وأخيرًا، وقبل أن نترك هذا الموضوع، يجب أن نعود ونؤكد على أهمية العلم، وصحة الكثير مما توصل إليه، طالما حرصنا على معرفة الحدود الزمانية والمكانية التي تعمل فيها نظرية معينة، واعترفنا أن هذه النظرية وإن فسرت المشاهدات ونتائج التجارب التي نقوم بها؛ وتنبأت بنتائج مستقبلية ثبتت صحتها، إلا أنها لا تتعدى مجرد كونها تفسيرا مرحليا تقريبيا لهذه الظواهر؛ وليست التفسير الوحيد الممكن، ومن المحتمل بل ومن المتوقع أن تظهر في المستقبل نظرية أخرى تفسر هذه الظواهر بصورة أكثر دقة وأوسع حدودًا.

ويجب أن نتذكر دائمًا أن العلم لم يقدم لنا حتى الآن نظرية كاملة تكفي لتفسير كل شيء،  Theory of Every Thing ولا يستطيع أن يتطرق إلى ما هو خلف العالم المحسوس، فيما يتعلق بما قبل التكوين، وما خارج الكون، وما بعد نهايته، ولم يقدم لنا أي تفسير لماذا الكون يتبع هذه القوانين والثوابت الطبيعية ومن أين أتت، ومازال يبحث عند نقطة البدء singularity  ، العلم يصف لنا فقط ما هو عليه الكون، ولا يعرف وربما لا يهتم أن يعرف لماذا هو كذلك.   

 لا نشك أن المنهج العلمي هو أحد الطرق الأساسية نحو المعرفة، ولكنه له حدوده وقدراته، وحتى يستطيع العلم أن يصل الى الحقيقة أو قريبًا منها، يشترط أن تكون هذه الحقيقة معقولة وفقًا لمبادئ الفكر البشري؛  وقابلة للمعرفة، وبعبارة أخرى أن تسمح له.

 

تم الباب الأول في ديسمبر 1995م

وجرت إضافات وتعديلات بعد ذلك.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – المعرفة البشرية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } النساء 82

 

يعتبر أصحاب المذهب العقلاني مثل ديكارت ان الأفكار العقلية فطرية تولد مع الأنسان، وأن الحقيقة وليدة التصورات. بينما يعتبر التجريبيون مثل هيوم أن الأفكار مستمدة من التجربة الحسية عند الطفل وينكرون أي وجود للأفكار الفطرية، وأخذ “كانت” طريقًا وسطًا فقال ان حدود المعرفة الممكنة هي عالم الظواهر فقط، وأنكر قدرة العقل على أي فهم في مجالات الميتافيزيقا لأنها لا تخضع للتجربة الحسية.

 وعليه فان المجال الذي يجب أن ينحصر فيه البحث المقارن هو في المعرفة الطبيعية التي تدخل وعي الانسان عن طريق تفاعله مع مشاهداته في الطبيعة، أما المعرفة الغيبية فهذه لا يعرفها الإنسان إلا عن طريق الوحي و الرسل و الكتب السماوية.

          يعَّلمنا القرآن أن المعرفة أولها فطري، ثم تجريبي حسي، والمعرفة الفطرية التي يتناولها القرآن هي معرفة وجود الله تعالى. وفي الآيات الكريمة: {وكذلك أنزلناه قرآنًـا عربيا وصّرفنا فيهِ من الوعيد لعلهم يتقون أو يُحدِثُ لهم ذِكرًا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيهُ وقل ربِ زدنى علمًا * ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزمًا} طه: 113-115 .  يُحدث تدل على أن يكون الشىء بعد أن لم يكن. وذَكَرت الشىء خلاف نسيته، ثم حمل عليه الذكر باللسان أى الصيغة الصوتية اللغوية، والمعنى الأرجح هنا هو الذى يدل على التذكر؛ ولو أخذنا بهذا المعنى، فأن {..ويُحدث لهم ذكرًا..} ((جاء في تفسير الطبري: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} يَقُول : أَوْ يُحْدث لَهُمْ هَذَا الْقُرْآن تَذْكرَة , فَيَعْتَبرُونَ وَيَتَّعظُونَ بفعْلنَا بالْأُمَم الَّتي كَذَّبَتْ الرُّسُل قَبْلهَا , وَيَنْزَجرُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْه مُقيمُونَ منْ الْكُفْر باَللَّه.))  تدل على أن القرآن قد يجعلهم يتذكرون، ويُحدث تدل أنهم يتذكرون شيئًا جديدًا عليهم لأن يُحدِثُ تدل على حدوث شيء بعد أن لم يكن. أى أنهم وان كانوا يتذكرون، فأنهم يتذكرون شيئًا وان كان فى ذاكرتهم، إلا أنه مدفونًا ولم يطَّلعوا عليه من قبل فى حياتهم هذه. وإذا عدنا الى أول العهد البشرى عندما جعل الله آدم ، وعندما أشهد كل ذرية بني آدم {وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} الأعراف:17. والمراد بالاشهاد هو فطرهم على معرفة الخالق، وفى قوله تعالى {فأقم وجهك حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} الروم 30. والحنيف هو الميل عن الباطل الى الحق.

 ومعرفة وجود الله تعالى، تدخل في الموضوعات الغيبية، التي لا يقوم عليها دليل حسي مادي، وإنما يمكن الإستدلال عليها من خلال الوجود الكوني والحياة والوجود الإنساني ذاته، وليس من الممكن البرهان المطلق على هذا الإستدلال، وأنما يسلم له ويؤمن به، ولهذا فطرها الله في خلقه رحمة بهم.

           والعالم وفق النظرة الإسلامية يمثل نظاما أخلاقيا له غرض وغاية، وقد تكفل القرآن ببيان حدود الخير والشر، والغرضية الكلية للعالم، كما قدم تشبيهات للغيبيات، ودعا الى التسليم والإيمان بها، بينما ترك للبشر البحث عن المعارف والأسباب في العالم المشاهد. في قوله تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(78) النحل. ما يدلنا أن المعرفة تكتسب بعد الولادة من خلال الحواس والعقل. أما الفطرة التي ذكرناها، فهذه فطرة وليست علما يقينيا.

 

الإستدلال بوجود التصميم :      

 الإستدلال على الوجود الألهي من خلال روعة ودقة التصميم، وأن الكون الموجود يستدعي بالضرورة من يوجده، هما نظريتان أتخذ كثير من العلماء والفلاسفة موقفًا معارضًا لهما، وبالرغم من اعتقادهم ان نظرية النشوء والإرتقاء والفهم الحديث للنظام الكوني قد قدما تفسيرًا يبين كيف يمكن لهذا الكون أن يصل الى روعة ودقة التصميم الذي هو عليه، دون الحاجة الى الإعتماد على القوى الغيبية. إلا أن التفسير أو التفسيرات التي قدموها، اعتمدت مبدأ الإحتمالات، لحل مشكلة الدقة اللامتناهية التي احتاجها الكون في كل خطوة خطاها في مسلسل تطوره. يقول مبدأ الإحتمالات أنه إذا كان إحتمال حدوث شيء ممكن، وكان عدد المحاولات لانهائيًا، فأنه سيحدث ولو مرة واحدة. ولأننا نحيا في كون ناجح من وجهة نظرنا، يمكننا القول أن واحدًا قد نجح؛ بينما هناك عددًا لا يحصى من الأكوان التي فشلت.

  يستطيع العقل العلمي المادي أن يقبل إمكانية حدوث مثل هذا، عن أن يسلم للقوة الخالقة المهيمنة. وكما ذكرنا فلا بأس أن نقبل بما يقول، إلا أن تقديم تفسيرا لا يقوم عليه دليل مادي أو تجريبي، لن يتعدى كونه تفسيرا آخر، التصديق به قضية إعتقادية وليست علمية، ولكل إنسان الحرية أن يختار أي من التفسيرين.

 كل ما نعلمه من البحث العلمي أن خلق الكون والحياة كان تطوريًا. بل وان قامت الأدلة العلمية على صحته، فلن يدل هذا بالضرورة أن الخالق غير موجود، إذ ليس هناك علاقة منطقية أو مباشرة بين هذه المقدمة وهذه النتيجة، بل ولماذا لا يكون التخطيط الألهي يشتمل على أن يكون الكون وليد تصميم تطوري معقول، أو وليد خطة محكمة ليبدو لنا كأنه وليد الصدفة ((الصدفة تعبيرًا يستخدمه الناس، بينما الفرض العلمي تولد من مبدأ الإحتمالات، أي لو كان هناك عددا لانهائيًا من المحاولات، فمن الممكن نجاح واحدة على الأقل في إنتاج شيء مفيد، ولأن كوننا موجود، فنحن نعرف أن واحدَا على الأقل قد نجح بينما فشل عددا كبيرًا غيره (عدد المحاولات الذي يقصدونه يتجاوزآلاف البلايين) .))  أو الإنتخاب الطبيعي، أليس هذا ما سوف نتوقعه عندما تعتبر الأديان ان الحياة الدنيا مكان إختبار.

 نحن لا نختلف في ان علومنا الحديثة قد وصلت الى درجة تستطيع معها أن تفسر الكثير مما في هذا الكون، دون الحاجة الى اللجوء الى قوى غيبية كلما عجزنا عن تفسير ظاهرة ما، بل ان ما لا تستطيع هذه العلوم تفسيره مثل نقطة بدء الكون عندما تنهار كل القوانين الطبيعية التي نعرفها، لا يصح وفق المنطق العلمي الحديث، أن نلجأ الى القوى الغيبية لتفسر ما نعجز عنه، لأن اعادة كل ما نعجز وقتيًا عن فهمه الى القدرة الإلهية، يعطل قدراتنا الفكرية عن البحث في الأسباب الطبيعية، وهو ان خرج عن قدراتنا العلمية اليوم، فقد نستطيع تفسيره في المستقبل.

 إن احتمال ان نجد تفسيرا كاملاً لهذا العالم إن كان هناك مثل هذا التفسير، لا يعني مطلقًا أن الخالق ليس موجودًا، فكون العالم معقولا ليس له دلالة منطقية على أنه مخلوقًا أو غير مخلوق.

ومن الأصل، ليس من فروض الفكر الديني أنه في كون معقول، بمعنى يمكن فهمه وفك ألغازه، أن تكون وظيفة الخالق التدخل من آن الى آخر لسد النواقص التي لم تستطع مخططاته وقوانينه الطبيعية القيام بها، ولو كان الأمر كذلك، لكان التصميم الكوني ناقصًا، والنقص هو ما ننزه عنه الخالق. أي أن شرط أن يكون الكون معقولا، يمكن أن يرتبط إرتباطًا وثيقًا بكمال التصميم، ولو أشترطنا أن الخالق ضروريًا لإكتمال التفسير الطبيعي للكون، لتناقضنا مع أنفسنا، ولهدمنا الفكرة ذاتها التي سلمنا بصحتها وهي كمال التصميم.

           وتعتمد فكرة الإستدلال على وجود الله سبحانه وتعالى من دقة وروعة التصميم، على أن كل شئ في الكون سواء كان في السماء أو في الأرض، قد وجد ملائمًا الى درجة فائقة من الدقة، للغرض المطلوب منه، فالأرض مثلا على مسافة من الشمس بحيث تعطي الحرارة والدفء اللازمين للحياة على الأرض، ولو اختلف موقعها فاقتربت قليلا من الشمس فستزداد درجة الحرارة على سطحها ولاستحالت الحياة كما نعرفها عليها، وكذلك لو ابتعدت قليلا لانخفضت الحرارة ولاستحالت الحياة أيضًا، ولو لم تكن تدور حول نفسها، لما كان تعاقب النهار والليل، وما يقال عن الأرض، يقال عن أي شئ آخر، كتوافق التصميم المعقد للعين مع العمل المطلوب منها وهو الرؤية، وهناك الكثير من الأمثلة التي تبين توافق الأعضاء والمخلوقات والأجرام السماوية مع أغراضها، والتي نتجت من تعاون العدد الهائل من الأسباب بدقة متناهية، لتتمكن من تحقيق هذه النتائج أو الأغراض بنجاح فائق. ومع هذه الدقة، كان لا بد للعقل البشري أن يفترض وجود الفكرة والغرض والتخطيط المسبق والتنفيذ، والذي يستدعي وجود المصمم . المشكلة في هذا البرهان أنه يمكن أيضًا منطقيًا تفسيره بانه من الممكن أن تكون الصدفة وحدها هي التي تسببت في وجود الأرض في مكانها التي هي فيه، إذ أنها لو لم تكن وجدت في هذا المكان، لما نشأت حياة ولما كنا وجدنا على سطحها، ولما كنا لنسأل الأسئلة التي نسألها الآن!

 والصدفة التي نتحدث عنها ليست عمياء، بل أنها وليدة مبدأ الإحتمالات، ففي كون فيه آلاف البلايين من الشموس (النجوم)، من الممكن توقع وجود عددا كبيرا من المجموعات الشمسية التي تشبه مجموعتنا، وعندما تكون الأعداد المحتملة كبيرة جدًا، فمن المعقول ان نتوقع ان يصادف عدد ما من هذه الكواكب موقعًا مناسبًا حول شمسه، بحيث يتولد فيه مناخ ملائم كذلك الذي وجد على كوكبنا، وبالطبع لا يمكننا الجزم بوجود كوكب آخر في الكون المدرك مماثلا للأرض، بل ولا نستطيع حتى رؤية مجموعة شمسية أخرى، لأن الكواكب معتمة، وبالرغم أنه قد تم إكتشاف عدة مجموعات قليلة منذ بضعة سنوات، الا اننا علميًا نفترض وجود هذه المجموعات بكثرة ولكن ليس لدينا دليل مشاهد للجزم بوجودها.

 القصد من التدليل السابق، أن العلم يقول لنا، أن احتمال وجود أرضا بالصفات التي تسمح بنشوء حياة عليها ممكن وفق الإحتمالات التي ذكرناها، ونعلم أن واحدة على الأقل موجودة لأننا نحيا عليها. أي أننا وُجِدنا على الأرض، لأن ظروف الأرض وصفاتها أدت إلى وجودنا، وليس لأن الأرض وضعت بهذه الصفات وفي هذا المدار المحدد لتكون ملائمة ومناسبة لحياتنا عليها.   

 المثال الثاني الذي عرضناه هو نجاح العدد الهائل من الأسباب في التعاون لتكوين العين، أو اليد، أو الرئة، وتلائم الأعضاء ((ولا يوجد غرضية مسبقة عند الكائن ذاته لتكوين عضو ما أو عين، وانما هو رد فعل خلايا الكائن الأول لما حوله، فان كان في مكان شديد البرودة مثلا، سمك غشاءه الخارجي، وان كان يتعرض للضوء، اختصت بعض الخلايا لإستشعار الضوء، وهكذا.  بدأ الكائن كخلية بسيطة من وتعتمد على التفاعلات الكيميائية الموجودة في الطبيعة، واستغرق بليوني سنة ليتطور الى خلية لها نواة محددة، ثم تجمعت بعض الخلايا مع بعضها لتكون كائن بسيط متعدد الخلايا، واستغرق تطوره بليوني سنة أخرى ليصل الى التنوع الموجود اليوم. ))  مع بيئتها وغاياتها، هذا أيضًا قد لا يعود إلا لبقاء الناجح منها وتطوره بينما يضمر الفاشل ويندثر، وعندما نتحدث عن عدة بلايين من السنين استغرقها تطور الحياة على الأرض، فمن الممكن ان ينتج هذا التنوع الهائل من أنواع الحياة الملائمة لبيئتها ومن الأعضاء الملائمة للأغراض المطلوبة منها، ليس إلا لأن هناك عددًا أضخم بكثير قد لا يمكن حصره من المحاولات الفاشلة التي اندثرت، ولهذا فنحن قد لا نعلم عنها شيئا، أو قد نجد بعضها في الحفريات التي يقوم بها علماء تطور الأنواع، نحن لا نرى في زماننا هذا الا النجاح، ومنه نظن ان التخطيط الواعي الناجح هو ما أدى اليه، بينما من الممكن أيضًا – ونقول من الممكن ولا نقول بالضرورة أو حتمًا – أن يكون قد نتج عن طريق التطور وفق الإنتخاب الطبيعي أو أي عملية أخرى.

 تقوم فكرة البرهان بوجود التصميم، على تعاون الأسباب الكثيرة المعقدة، بدقة كبيرة على انتاج شيء مفيد في الغالب، ولكن في الحقيقة لو تتبعنا أسباب أي حدث في الكون، سواء كان مفيدًا أو مدمرًا، لوجدنا أنه ينتج عن تعاون عدد هائل من الأسباب المعقدة، واغلب الحوادث الضارة لم تنتج الا من تعاون عدد هائل من الأسباب، وبالرغم من ذلك، فاننا في الأغلب لا نطلق عليها انها نتاج تصميم بارع.

 فالفكرة تقوم دائمًا على أمثلة خيّرة، كالأرض، والعين، والشجر، والماء . ولكن الكون يمتلأ بالأشياء الخيرة والأشياء الشريرة وفق مقايسنا، وكلاهما ينتج من تعاون عدد هائل من الأسباب لينتج شئ معين، فالأوبئة التي تقضي على آلاف الناس، والزلازل والأعاصير والكوارث، كلها تنتج عن عدد هائل من الأسباب التي تعاونت مع بعضها البعض بدقة متناهية لينتج الفيروس أو الميكروب أو الإعصار. وحيث أن الناتج قد يكون خيرًا أو شرًا دون تمييز، يجد بعض الفلاسفة ان تفسير الصدفة أفضل لأن هذا ما سوف نتوقعه من الصدفة العمياء، بينما قد يعيد المؤمن وجود الشر الى حكمة إلهية، ومن الممكن أن نعيد وجود كلا من الخير والشر في عالمنا هذا الى الأرادة الإلهية ذاتها، والتي بالضرورة من مبادئ التصميم المتوقع لعالم يُختبر فيه الناس، إذ لن يصح هذا الإختبار إذا كان في هذا العالم خير فقط.   

           مما سبق، نجد أن فرضية الخالق لتفسير روعة التصميم ليست الفرضية الوحيدة التي تفسر الموجودات في الكون، الصدفة أيضًا قد تفسره، وكما سبق، لا يعني الإستدلال السابق أن فيه البرهان على صحة أي تفسير منهما وخطأ الآخر، بل يعني أنه لا يوجد برهان قاطع، كلاهما يفي بالغرض ويوفر التفسير المطلوب، ومع غياب الدليل الحسي التجريبي خاصة في لحظة البدء، يبقى التفسيران كما هما، تفسيران لا أكثر، ومع صلاحية التفسيرين، يصبح موضوع إختيار أحدهما ورفض الآخر موضوعًا إعتقاديًا لا علميًا، بل وكما جاء سابقًا نحن نجد انه من الممكن أيضًا الإعتقاد في الفكرتين معًا، طالما أن المخطط الألهي قد يشتمل على مبدأ الخلق التطوري المعقول، أي الذي يستطيع البشر عقله.

           المشكلة الأخرى التي قد يوردها أصحاب التفسير بالصدفة، أو ما أُطلق عليه معقولية العالم، هي أنه لو كان الكون مخلوقا، فما الداعي لبلايين السنوات التي استغرقها هذا الخلق حتى نصل الى ما وصلنا اليه، وحتى يصبح العقل البشري قادرًا على تلقي هذه الرسالات السماوية التي تعده للإختبار الدنيوي الذي نتحدث عنه. هل التصميم يستدعي هذا التطور البطيء والإنتخاب الطبيعي الذي عرض المخلوقات لعدد لا يحصى من المحاولات الفاشلة والأنواع المنقرضة ليستمر الناجح منها فقط في سلم التطور، لو كان الكون مخلوقًا وفق تصميم رائع كما يدعي أصحاب برهان التصميم، لسار وفق الخطة المحددة دون المحاولات العمياء التي تشير اليها نظرية الإنتخاب الطبيعي. نحن عندما نصمم منزلا، وان نمر بكثير من المحاولات التصميمية التي توصلنا في النهاية الى التصميم السليم، نبنيه ونعلم أنه صحيح، ولا نبني عددا كبيرا من المنازل ينهار معظمها حتى ينجح أحدها فنسكنه، ثم نبني الباقي على منواله ((لاشك أن أول أنسان فكر في بناء مسكن، بنى عددا من المنازل الفاشلة التي إنهارت، حتى توصل الى الطريقة التي يمكن أن يبنى بها مسكنًا لا ينهار، ولكن المقارنة هنا مع إنسانا قادرًا على التصميم الصحيح ولديه الوسائل التي تمكنه من تصور المنزل وحساب مكوناته وعناصره قبل التنفيذ.)) . الرد على هذا يعود بنا الى ان الكون يجب أن يكون معقولاً، دون أن يبرهن بالدليل القاطع على وجود الخالق، حتى لا تنتفي شروط الإختبار الدنيوي، وأليس هذا بالضبط ما نحن فيه الآن، العالم معقولاً، ويمكننا تفسيره بالعقلانية البحتة، وبالوجود الألهي، ولدينا الحرية الكاملة في الإختيار بين أي من التفسيرين.

 وهل لا يكون العالم معقولاً لو اتبع التطور بضعة قوانين يتم التطور من خلالها بنجاح دائم دون الحاجة للمحاولات الفاشلة!  القوانين موجودة وهي وحدها ما ينتج عنها الإنتخاب الطبيعي وربما البقاء للإصلح، أما ما سنحتاجه آنذاك هو خطة واضحة ذات غرض وغاية، ومع وجود الخطة والغرض والغاية سيكون العالم آنذاك أيضًا معقولاً، ولكن الخطة الحتمية سوف تدل بقوة وببرهان لا يقبل الشك على غاية التصميم، وبالتالي ستكون دليلا قاطعا على وجود المصمم، وهذا ما حرص التصميم على تجنبه. بالطبع التطور الطبيعي له قوانين تحكمه، الإختلاف هنا في غياب الخطة أو الغاية. أو ربما يمكن القول في إخفاءها عنا. أما الإمتداد الزمني فلا أهمية له، خاصة أننا نعلم أن الزمن ما هو الا من نسيج وخصائص عالمنا نحن، لا عالم الخالق، وما قد نظن أنه زمن طويل قد لا يتعدى لحظة مقارنة بعالم لا زمان فيه، إن صح التعبير!

           وهناك إضافة نود عرضها بخصوص المحاولات الفلسفية والدينية لإثبات وجود الله إعتمادًا على العقل وحده، إن القرآن الكريم يستهل آيات السورة الأولى بعد الفاتحة {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}   ويتضح من هذا أن الإيمان في هذه الأمور يجب أن يكون غيبيًا، وأتوقع أن تفشل كل المحاولات البشرية لتقديم الاثبات القاطع بوجود الخالق، سواء كان علميًا أو فلسفيًا. وهذا منطقيا إذا قبلنا بفكرة الوجود البشري في مرحلة الإختبار، إذ تنهار فكرة الإختبار، والخير والشر، وتصبح الحياة الدنيا بلا معنى فور ظهور الإثبات القاطع، وفي قوله سبحانه وتعالى ما يبين مثل هذا { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمامِ والملائكة وقضي الأمرُ وإلى الله ترجع الأمورُ} البقرة 210، وقوله تعالى: {ولو شاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض} سورة محمد 4 ، فجُعل هذا في غير متناول البشر وخارج عن حدود قدراتهم، ولهذا حتى القرآن ذاته وهو كلام الله تعالى، ليس مفروضًا فيه أن يكون دليلاً قاطعًا، إذ يمكن أن تعمى عنه القلوب والأفئدة. يقول الله تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: { وإن كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} 6/36

          إلا ان الرسالة بينت أن القرآن فوق قدرات البشر، وقد تحدت من أنكروه أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة مثله، وقضت بعدم إستطاعتهم،  وهذا الدليل القاطع لا يراه إلا المؤمن، أما الكافر فقد يجادل فيه. أي أن هذا التحدى بالرغم من قطعه بفشل كل من يحاول أن يأت بمثله، لم يؤدي في حينه الى إسلام كل مشركي مكة، وهو بهذا لا يكون الدليل القاطع.

ولو شاء الله لآمن كل من في الأرض، إلا أن الأرض دار إختبار، كما يتبين في قوله تعالى: {…وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ…}  المائدة. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} الأنعام.  {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} النحل.

<< previous page next page >>