الفصل الثالث – من كتاب مفتاح الكرامة

في شرح قواعد العلامة (الجزء السابع)

1- جاء في مفتاح الكرامة ص415-416:” لو دفع إلى آخر دابة ليحمل عليها والحاصل لهما فالشركة باطلة …

فإن العامل قد أجر الدابة فالأجرة لمالكها وعليه أجرة مثل العامل …

أما الأول فلأنه عوض منفعة ماله. وأما الثاني فلأنه بذل عمل في مقابلة الحصة من الحاصل الذي كان يعتقد حصولها وقد فاتت بفساد الشركة فوجبت له أجرة مثله لأنه لم يتبرع بعمله وهذا هو الموافق للضوابط ولا أثر لسؤال المالك ولا العامل… وللعامل أجرة مثله إن رضي المالك وإلا اقتسما الحاصل على قدر أجرة المثل لهما لا على ما اشترطاه…

فإن قصر الحاصل عنهما تحاصا إن كان بسؤال العامل وإلا فالجميع، يريد أنه إذا كانت الشركة باطلة وقد أجر عين الدابة فأجرتها لمالكها وعليه للعامل أجرة مثله إن وفي الحاصل من أجرة الدابة باجرة مثله وأجرة مثلها أو زاد، أنه يدفع حينئذ إليه أجرة مثله ويختص هو بالباقي والصورتان تدخلان في صورة عدم القصور لكنهما نادرتا الوقوع، وإن قصر الحاصل عن الأجرتين تحاصا بمعنى أن الحاصل إذا قسط على أجرة مثل الدابة وأجرة مثل العامل قصر عن ذلك فان العامل يأخذ حصة من الحاصل بنسبة أجرة مثلة ان كان دفع المالك الدابة على هذا الوجه بسؤال العامل لانه قد رضى بأن يكون له حصة من الحاصل وإن نقصت عن أجرة المثل. ويندرج في ذلك ما إذا كان الدفع بسؤالهما لانه بسؤال العامل أيضا وإن لم يكن ذلك بسؤال المالك فالواجب للعامل جميع أجرة مثله وإن زادت على الحاصل.

هذا التفصيل من متفردات هذا الكتاب لانه لم يذكره في التذكرة ولا في التحرير ولا حكاه عن أحد من العامة. على أنا نجد فرقا وإما أن نقول أن المسئلتين تستويان في التحاص لان المفروض حصول رضاهما بذلك سواء كان بسؤالهما أو سؤال أحدهما، أو نقول أنه يجب للعامل أجرة المثل كائنة ما كانت لمكان فوات ما عين له ولا أثر في ذلك لسؤال أحدهما كما تقدم وهو الاشبه باصول المذهب وعن الشهيد انه احتمل وجوب أقل الأمرين من الحصة المشروطة والحاصل بالتحاص، أما الأول فلأنه رضى بها وأما الثاني فلمعارضة حق المالك ولا ترجيح واحتمل وجوب الأقل إن كان الدفع بسؤال العامل لأنه ألزم نفسه بذلك بسؤاله ووجوب الأكثر إن كان بسؤال المالك لأن المشروط إن كان أكثر فقد رضى به المالك وإن كان الحاصل بالتحاص أكثر فلفساد المشروط والحق إن هذا كله بعيد عن التحقيق كما جاء في جامع المقاصد“.

2- وجاء في صفحة 417: ”ولو دفع دابة إلى سقاء وآخر راوية على الشركة لم تنعقد وإن الحاصل للسقاء وعليه أجرة الدابة والراوية…

الاجماع على عدم انعقادها شركة لفقد أركانها لان هذه مركبة من شركة الابدان وشركة الأموال مع عدم المزج وصرح في المبسوط وغيره بعدم كونها مضاربة ولا اجارة فالحاصل للسقاء وعليه للأخرين أجرة مثل ما لهما لذلك العمل. وقد حكى في المبسوط والتذكرة والتحرير والإرشاد وشروحه والمختلف والروض والمسالك القول بأن الحاصل يقسم بينهم اثلاثا ويرجع كل منهما على صاحبه بثلث أجرته…

صحفة418: وإيضاح هذا القول وبيانه أنه يقسم الحاصل بينهم اثلاثا فإن كانت أجرة مثلهم متساوية فلا بحث، وإن كانت متفاضلة رجع كل واحد منهم بثلث أجرة مثله على الآخرين مضافا إلى الثلث الذي حصل له. فلو فرض أن الحاصل أثنا عشر درهما فانها تقسم على ثلاثة لكل منهم أربعة، فلو فرضنا أن أجرة المثل للسقا ستة دراهم وللدابة ثلاثة وللراوية ثلاثة، رجع السقا بثلث أجرته وهو أثنان على كل واحد من صاحب الدابة وصاحب الراوية، فيأخذ من كل منهما درهمين فيحصل عنده ثمانية ويبقى عند كل منهما درهمان، ورجع صاحب الدابة على السقا وصاحب الراوية بثلث أجرته وهو درهم فيحصل له أربعة، ويبقى عند صاحبه الراواية درهم واحد وعند السقا سبعة، ويرجع صاحب الراواية على كل من السقا وصاحب الدابة بثلث أجرته وهو درهم فيحصل له ثلاثة ولصاحب الدابة ثلاثة وللسقا ستة“.

3- وجاء في ص418: ”ولو كان من واحد دكان ومن آخر رحى ومن ثالث بغل ومن رابع عمل فلا شركة. يريد أنهم اشتراكوا على أن الحاصل بينهم على نهج مخصوص فالشركة فاسدة“.

وفي صحفة 419: ”ثم إن كان عقد أجرة الطحن من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فله الأجروأجمع وعليه لاصحابه أجرة المثل …

وإن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كل واحد منفرداً …

ولو استأجر من الجميع فقال استأجرتكم لطحن هذا الطعام بكذا فالأجر بينهم ارباعاً لان كلا منهم لزمه طحن ربعه ويرجع كل واحد منهم على كل واحد من أصحابه بربع أجرة مثله.

ولو كان قال استأجرت هذا الدكان والبغل والرحى والرجل بكذا لطحن كذا فالأجر بينهم على قدر أجرة مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته“.

وما سبق … يمكن حسابه بنسب تفاضل أو تساوي المنافع؛ فلو أخذنا المثال الثاني وقلنا أن العمل مجهول إلا أننا نعرف أن أجر العامل في مدة معينة ولتكن يوم هو ستة دراهم، وأجر الدابة هو ثلاثة دراهم في اليوم وأجر الراوية هو ثلاثة دراهم في اليوم، فأنهم ان استخدموا في عمل واحد فنسب تفاضل منافعهم هي 1:1:2 بالترتيب.

فإن تقبل العامل فهو يتقبل عمل قصد منه منافع الثلاثة معاً، فطالب العمل ليس له قصد في العامل أو في الراوية أو في الدابة وإنما يطلب الماء مسلماً في مكان معين، لإإن لم يشتركا معًا فلا فائدة في كل واحد منهم على حدة, والعامل ليس له غرض في استئجار دابة وراوية فيعملا نصف النهار ويغرم هو أجر النهار كله وهو لن يفعل هذا، وصاحب الدابة وكذلك، فكان اشتراكهم لمصلحة لهم لا تحدث إلا باجازة اتفاقهم. وفي هذا معنى شركة الابدان والامامية والشافعية لم يجيزوا هذا النوع من الشركات.

فلو قال استأجرت العامل والدابة والراوية بعشرة دراهم لنقل الماء إلى مكان كذا فنقل العامل الماء في الراوية على ظهر الدابة فالأجر بينهم على قدر أجرة مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته، فللعامل خمسة، ولكل من صاحب الدابة وصاحب الراوية درهمين ونصف.

فلو اشترطنا عليهم أن يتفقوا على أن يكون نصيب كل منهم من الكسب بقدر تفاضل أجور المثل فاتفقوا أن يقتسموا الكسب بينهم النصف للعامل والربع لصاحب الدابة والربع للراوية، كان هذا صحيحا عند الحنابلة وكان هو ما يشير به صاحب مفتاح الكرامة والعبرة بالنتائج.

والتقسيم الوارد في مفتاح الكرامة هو التقسيم الدقيق الذي يعيد لكل واحد عوض منفعته، فالعمل إن كان نصف نهار فقط نال كل منهم نصف أجر يوم، فلا ينال أحدهم من صاحبه شيئاً ويكون كسب كل منهم بعوض منفعة العين التي دفع بها أو العمل الذي قام به فعلاً. وقد قال يكون لرب الدابة ولرب الراوية أقل الأمرين من الأجرة والحصة أي ثلث الحاصل، ولأنه كان لهم الأقل فإن وفر الرزق فلهم الأكثر لأن الغنم بالغرم وكذلك العامل.

فإن عدنا إلى المشاركات التي قال بها الحنابلة… فالأولى أن يشترط في التقسيم على أن يكون بتفاضل حصص المنافع بعضها على البعض، وذلك أدعى للتعبير عن العوض الحقيقي فلا ينال أحدهم من مال صاحبه.

فإن قلنا إن الرزق بضمان تقبل العمل، فإن ضمن صاحب الدابة وصاحب الراوية للعامل منفعتها وتقبل العامل العمل بضمانه المبني على ضمان نفسه وضمانهما كان كسب كل منهما لقاء ضمان نصيبه؛ فيقتسم الكسب بالنصف للعامل والربع لكل من صاحب الدابه وصاحب الرواية؛ لأنه إذا هلكت الدابة… كان على صاحبها أن يبدلها وكذلك الراوية. والضمان يقع عليهم جميعاً؛ لأنه إذا لم يبدلها صاحب الدابة يستأجر العامل غيرها ويتم العمل ويقع الأجر من مال الكسب؛ أولاً من حصة صاحب الدابة فإن نقص… كان في حصص العامل وصاحب الراوية بنسبهما؛ فيكون الضمان بنفس النسب التي اتفقوا عليها، والله أعلم.

وإن أخذ باجازة الحنابلة لهذه المعاملة، لحاجة الناس لها فهي لا تتيسر بالاجارة بدون غرم أحدهم إلا أن تكون كما قال صاحب مفتاح الكرامة.

فيطلق عليها مشاركة كسب المنافع؛ لأن الحقيقة أن هذا يشارك بمنفعة عمله، وهذان بمنفعة أعيانها والشركة في الرزق وهو مال يمكن أن يشتركوا فيه؛ فإن لم يحصل رزق فلا شركة.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة مال من طرف وعمل من الطرف الثاني

الشركة العامل التي تخصصت في مجال معين من مجالات الاستثمار وليكن التجارة، هي كيان مستقل لها مكتبها الرئيسي بما فيه من الموظفين الإداريين والتنفيذين ومعاونيهم، وتملك في الأغلب أدوات ومعدات وشاحنات ومخازن ومتاجر، واكتسبت شهرتها القائمة على هذه الأصول الثابتة من جهة، وعلى خبرات أجهزتها الإدارية والتنفيذية من جهة أخرى. ولها سجل سابق أعمال وحسابات ووضع مالي وذمة منفصلة. وهذه الشركة- بكل كيانها- تأخذ محل العامل في عقد المضاربة، الا أن قدرتها تتناسب مع حجمها الأكبر بكثير من قدرة العامل الشخص، وهذا الحجم قد وجد ليناسب حجم الاعمال التي تطلبه مشروعات الاستثمار في هذا العصر، فلم يعد في قدرة الفرد القيام وحده بالمشروعات الكبيرة والتي تتطلب اجتماع خبرات مختلفة، كما لم يعد في قدرة التاجر الفرد منافسة الشركات التجارية الكبيرة والتي تمتد متاجرها ومخازنها في طول البلاد وعرضها.

وكذلك رب المال… فلم يعد مال رب مال واحد يكفي للاستثمار في المشروعات التجارية أو الصناعية التي تحتاج لأموال كثيرة، فجاءت البنوك الاسلامية لتجميع روؤس الاموال من أصحابها وتوجيهها إلى الاستثمار ذي الحجم القادر على المنافسة وتحقيق الربح. وهذا بغرض رفع كفاءة الانتاج بتقليل نسبة تحميل التكاليف الثابتة على المنتج.

ولهذا… كان التطور الطبيعي لمواجهة متطلبات العصر أن يتسع عقد المضاربة من الشكل الثنائي أو المتعدد بين أشخاص، إلى أن يشمل الشكل الثنائي أو المتعدد بين شركات لها شخصيتها المعنوية الخاصة بها ولها ذمتها المستقلة – بشرط ألا تستدين هذه الشركات أو تتاجر بأكثر مما تملك، وهذا الشرط لم يشترطه الفقهاء على طرفي المضاربة اذا قبل أحدهما بضمان الدين وكان الضمان أكثر من ماله- ولا يوجد ما يمنع هذا التوسع فالوكالة والمشاركة وكل التصرفات التي تحق لطرف المضاربة تحق للشركة، ومتى تم التعاقد وحررت اتفاقية المضاربة الصحيحة… فليس ما يمنع من تنفيذها وفق الشروط الصحيحة التي ينص عليها، وما ينطبق على الشخص ينطبق على الشركة.

نعود إلى الشركة التي لها كيان مستقل، وهي العامل، فنجد أن مصاريف مكتبها الرئيسي بموظفيها ومفروشاتها وادواتها وكافة المصروفات الثابتة والتي تصرفها على نفسها سواء عقدت المضاربة ام لم تعقدها هي نفقتها، وتعامل مثلها مثل نفقة العامل.

 وما تملكه هذه الشركة من متاجر وشاحنات والآت هي ما يكون قدراتها، والعمل الذي تقوم به هذه الأعيان والأصول هو من صميم العمل الذي يؤدي إلى نماء مال المضاربة والذي يكون منه- أي النماء- عوضها عن العمل والفكر الذي بذلته، ولولا هذه القدرة لما توجه اليها أصحاب الاموال.

أما ما تستأجره من الغير أو تستأجر الغير عليه… فمن مال المضاربة، ولها أن تختار ما تشاء بشرط أن ينعكس هذا على نصيبها من الربح والذي فيه عوضها عن ما تستخدمه من قدراتها.

المضاربة في مشروع معين:

لا يحق لرب المال أن يشترط على المضارب نوع العمل إلا في الحدود التي بينها الفقهاء، الا أنه لا يوجد مانع في أن يتوجه المضارب إلى رب المال بتجارة معينة فيقنعه بجدواها؛ فإذا اقتنع ووافق عقدت المضاربة على هذا الاساس، ولا يعود بعدها لرب المال الحق في التدخل، وأغلب الظن أن تجارة قوافل الشام واليمن في العصر الجاهلي والاسلامي الأول كانت تمول بمضاربات بقصد هذه التجارة؛ أي إن مجال ووجهة وربما نوع التجارة كان محدداً أو معروفاً.

وهذه الشروط التي ينص عليها العقد هي شروط جعلية (وضعية) انبثقت من العرض الذي تقدم به المضارب، وليس لرب المال يد فيها، ولأنها شروط مبنية على توقعات… فلا يوجب فيها الإلزام إلا ما كان يؤثر على الربح؛ فإذا اتفقا ان العامل يقدم عمله وعمل شاحنته وله من الربح الثلثين… فإن استأجر شاحنة غيره لتقوم بنفس العمل لزمه الاجر من ماله لأن له عوض ذلك من الربح.

والمعتاد ان تتقدم الشركة إلى البنك بدراسة الجدى الاقتصادية للمشروع، وفيه تفصيل التكاليف والإيرادات المتوقعة، ولو أخذنا مثالاً لدراسة جدوى عملية تجارية مبسطة؛ فسيكون ما يقدمه العامل من تقديرات كما يلي:

Chapter5-Pg273

مما سبق .. نجد أن مصاريف المكتب الرئيسي – وقد اعتبرناها نفقة العامل – يمكن أن يتحملها العامل من ماله مادام مقيماً، ويكون عوضه عنها جزء من الربح.

ويجب التنويه هنا أن أجرة البائع على العمل الذي يقوم به، من الأعمال التي جرت العادة أن يقوم بها التاجر بنفسه؛ فتتحملها الشركة العامل من مالها؛ فالأعمال التي سيقوم بها كالعرض والمساومة وقبض المال وغيرها من صميم أعمال المضارب التي وصفها الفقهاء وهي إن استأجر عليها… فمن ماله، لا من مال المضاربة ولا من ربحها.

فإن افترضنا وبعد الأخذ بعين الاعتبار تحمله مصاريف المكتب الرئيسي وأجر البائع من ماله وعوضه عن الجميع في ربحه، وأن الاتفاق المبدئي نص على أن الربح سيكون بينهما بالتساوي، تعدل الدراسة كما يلي مع تثبيت رأس المال على ما كان عليه:

Chapter5-Pg274

ولو استأجر الشاحنة من الغير… يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو227.5، وله مثله؛ وحيث إنه يود استئجار الشاحنة والمتجر من نفسه… يمكن أن يكون عوضه عنهما من النماء أيضاً.

وعمال التحميل – وإن عملوا في الشركة – إلا أنهم ليسوا من المصاريف الثابتة كالمكتب الرئيسي؛ فلا يصح اعتبارهم من النفقة أو من عمله الذي يلزمه في العقد، ويعتبرون كطرف ثالث، وما يدفع مباشرة لهم من مال المضاربة على الا يصل للعامل منه شيئاً.

فيعاد صياغة الجدول كما يلي:

Chapter5-Pg275

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل- الشاحنة والمتجر- ويعود اليه استحقاقه وهي 135، ونسبتها 22.88% من الربح، وما يتبقى يقتسم بينهما بالنصف؛ فيأخذ رب المال 227.5؛ أي 38.56 %من الربح الموزع، ومثلها للعامل.

وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 61.44% للعامل، و38.56% لرب المال.

فيكون عوض العامل عن أعيانه بقيمة منافعها، مضافاً إليها ما تربحه مثل ربح المشترى، وهي أعلى من نسبة نماء مال المضاربة؛ لأننا افترضنا في المال أن التكاليف الأخرى – غير الشراء – لن تتغير بتغير كمية الشراء، أي إن ثمن تحميل ونقل وعرض المشترى لن يزيد بزيادته، فإذا كانت مما يتأثر بزيادة كمية المشترى… يكون الصحيح من الجدولين الثاني والثالث كما يلي:

الجدول الثاني:

Chapter5-Pg276-1

أي لو استأجر الشاحنة والمتجر من الغير … يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو 215.5.

الجدول الثالث:

Chapter5-Pg276-2

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل، ويعود إليه استحقاقها، وهي 141.3، ونسبتها 24.7% من الربح، وما يتبقى …
يقتسم بينهما بالنصف لرب المال 37.65%؛ أي 215.5 لرب المال ومثلها للعامل، وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 62.35% للعامل و37.65% لرب المال.

والفرق يسير بين التعديل والأصل، إلا أن التعديل بغرض التأكد أن أحدهما لاينال مما ليس له فيه مال أو عمل، وقد اعتنى الفقهاء بهذا وحرصوا عليه، وبالرغم من تركهم تحديد النسب وفق اتفاق الطرفين… إلا أنهم حرصوا على صحة ودقة الحساب متى حددت هذه النسب.

وإن كان ثمن البيع أقل من رأس المال… تكون الوضيعة على رب المال وليس على العامل إلا ما قدمه من منافع، وتعود إليه أعيانه والتي لم تفارق ملكه.

ويتضح مما سبق… أنه يجب على العامل الذي يتقدم بدراسة إلى البنك، أن يكون حريصاً في أن تكون دراسته دقيقة وصحيحة، فكل ما قد يقدمه سوف يعاير بمعيار الربح الذي تظهره دراسته، فإن أظهر هذا الربح أكثر من الحقيقة بقصد اقناع البنك بجدوى مشروعه… فإن الأعيان التي تقدمها شركته إن قيمت بمعيار هذا الربح، كان الضرر عليه إذا كانت حقيقة الربح أقل مما جاء في دراسته، ولو أنقص الربح في دراسته – متعمداً – لزيادة نسبة هذه الأعيان منه، فقد يفقد المشروع جدواه الاقتصادية.

والمضاربة ليست كما قد يظنها البعض أن يدفع الرجل مال إلى من يأخذ المال فيصرف منه على التجارة وعلى نفسه كما يشاء، ثم قد يعود إلى رب المال خاسراً فيتحمل رب المال هذه الخسارة وحده، بل إنها تختلف عند الفقهاء المتقدمون؛ فالعامل لا يصرف من مالها على نفسه شيئاً- إلا باذن رب المال في بعض الحالات كالنفقة والتي حصرها الفقهاء وفصلوا البينود التي تصرف فيها
– بل ويصرف من ماله عليها إذا استأجر من يعمل ما لزمه هو من العمل، وعمله وفكره وما يبذله فيها لا قيمة له إذا لم يتحقق نماء، فهو من يتحمل الجزء الأول من خسارة المضاربة قبل أن تصل الخسارة إلى مالها، وربح المضاربة ليس هو الربح الصافي بعد تنزيل كل مصروفات المعاملة بما فيها قيمة عمله والذي قام به بدلا من استئجار الغير كما قد يقول البعض، وإنما ربح المضاربة الذي يوزع بينهما بالشرط هو الفرق بين إيرداها – بعد تسديد أي ديون أو أثمان مؤجلة عليها مأذون بها من قبل رب المال – ورأس المال؛ وليست ربح التجارة كما نفهمه في عصرنا الإيراد بعد خصم كل التكاليف. والمضاربة التي وضع أسسها الفقهاء المتقدمون هي المضاربة العملية العادلة التي يمكن تطبيقها في هذا العصر وفي أي عصر. أما ما جرت عليه العادة اليوم… فليس عملياً ويؤدي إلى النزاع ولهذا … يفشل تطبيقه ليس لعدم مناسبة هذا العقد وإنما لخطأ في فهمه.

ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة لهذا المعاملة؛ نظرا لتشعب سبل الإستثمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الإستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أقنية استثمارية تحكمها الضوابط والأحكام الشرعية التي توفر العدل والأمان وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالطمأنينة والرضى.

والمضاربة هي المعاملة التي وجدت فيها البنوك الإسلامية الصيغة المناسبة- بل وكأنها صممت لهذا الغرض- لتنظم العلاقة بينهما وبين المودعين، إلا أنها عزفت- في أكثر الأحيان- عن استخدامها في علاقتها مع طالبي التمويل.

ونتعرف على الأسباب من أقوال الإقتصاديين والعاملين في هذا المجال:

واقع التمويل بالمشاركة في البنوك الإسلامية العاملة في السودان- للدكتور عابدين سلامة- ص59-70 مجلة البنوك الإسلامية عدد71.

جاء في البحث: ”هناك رغبة للبنوك الإسلامية العاملة للعمل وفق صيغة المرابحة لما في ذلك من ضمان أموال المودعيين  من أن تتعرض لمخاطر المشاركة.

وفي مجال المشاركة في القطاع التجاري جاء: وبعض هذه الحالات تؤكد ما توصل إليه الباحثين من أن بعض العملاء يلجأ إلى التحايل في بيع البضاعة بسعر وإظهاره في فاتورة صورية بسعر آخر أو محولات تدوير المبلغ والاستفادة منه لمصلحة العميل فقط دون اشراك البنك أو محاولة حجب النواحي المالية والإدارية من البنك واخفائها والإنفلات الزمني للعمليات ويكون للعميل ضلع كبير فيه وللباحث صاحب الدراسة المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات الحالة التي استعرضناها وما توصل إليه بعض المفكرين في هذا المجال إذ أوضحوا أن ضعف القيم ووالأخلاقيات في المعاملات قد ضيق من تعامل البنوك الإسلامية على أساس المشاركة والمضاربة واتجهت كما شاهدنا من المعلومات الاحصائية التي استعرضناها إلى المرابحة حيث لا حاجة لها إلى فحص حسابات العميل“.

وجاء في البحث: ضيغ التمويل الاسلامي للدكتور سامي حمودة مجلة البنوك الاسلامية ص40

ص42: ”فالخلط بين الامواال في عقود المضاربة الشرعية لا يجوز بعد بدء العمل حتى لو كان بين ذات المتعاقدين رب المال المضارب، لأن كل عقد يستقل بحكمه بحيث لو وجد عقدان ربح الاول وخسر الثاني فان الخسارة في العقد الثاني لا تنزل من الربح المتحصل في العقد الأول، ولو حصل ذلك لكان فيه إهدار لحق العامل في المال.

كما ان طريقة قسمة الارباح المقترحة  لا تتفق مع الاصول والقواعد الفقهية المتفق عليها في المضاربة حيث يفترض في قسمة الربح في المضاربة تنضيض المال اي اعادة رأس المال نقوداً كما كان لكي يسترد رب المال كامل رأس المال إذا سلم مع نصيبه من الربح، ويأخذ المضارب حصته من الربح بحسب ما كان قد أتفق عليه من أبتداء العمل في المضاربة وهذا هو نصيب البنك الاسلامي من الربح الذي يدخله في ميزانيته ويطرح منه مصاريفه ورواتب موظفيه وسائر نفقاته.

 

أما بالنسبة لما يفعله االبعض من البنوك الاسلامية من ناحية تنزيل النفقات ورواتب العاملين في البنك ممن لهم علاقة بأعمال المضاربة ومن ليس لهم علاقة بذلك ثم يعطى للمودعين المستثمرين ما يقرره مجلس الادارة من ارباح فان ذلك التصرف يخالف القواعد الفقهية للمضاربة الشرعية.

وإذا كان تطبيق القواعد الخاصة بعقد المضاربة بصورتها الواردة فى المؤلفات الفقهية أمر متعذر عملياً في المؤسسات المصرفية، فإن الحل لا يكون بالتغاضي عن التقيد بتلك الشروط والأحكام الفقهية، وإنما يكون الحل بالتبصر فيما يلزم تقريره من أحكام لهذا الوضع الجديد.

وان الحل الذي رأيناه يمثل في الحاجة إلى استحداث عقد جديد له خصائص متميزة عن عقد المضاربة الفردية حيث يحكم هذا العقد علاقات المضاربة المشتركة بكل ما تحتويه من عناصر التعدد في المشاركين وأحكام الاستمرار فيما لا تتم تصفيته من الأموال الداخلة مع المستثمرين“.

ص47: ”ذلك أن البنوك الاسلامية- برغم نجاحها الكبير في اجتذاب المدخرات الوطنية في البلاد التي وجدت فيها- مازالت غير قادرة على إيجاد الوسائل الاستثمارية المناسبة لتوظيف السيولة الفائضة لديها والاسهام في انتقال روؤس الاموال الاسلامية داخل بلاد العالم الاسلامي. وليس هناك من اسرار يفضي بها عندما نقول بأن البنوك الاسلامية تعتمد إلى حد كبير على الاسواق المالية العالمية في أوربا وأمريكا لاستثمار فائض السيولة لديها في اسواق السلع الدولية وتمويل التجارة العالمية. وبذلك تكون البنوك الاسلامية قد أسهمت من غير قصد في استنزاف المزيد من ثروات العالم الاسلامي تاركة بلاد المسلمين تحت وطأة الحاجة للمال الذي يخرج ولا يعود“.

ويقول الشيخ صالح كامل في مجلة التجارة عدد شوال 1410هـ: ”أين هو المسلم الأمين الذي نأتمنه على أموال الناس“.

وقد خرجنا من هذا البحث أن المضاربة- كما وردت في كتب الفقه- هي عقد رائع وصالح للتطبيق العملي، ويحمل في أحكامه ما يكفل الحماية لأطراف العقد وضمان العدل في توزيع منافعه. وأن القاعدة العامة في المصروفات التي تكون من مال المضاربة: إن ما يصرف من مالها هو ما يعاوض به الغير فتدفع إلى أطراف أجنبية عن العقد مقابل معاوضات لا مقابلات، إلا بالإذن في حالة المقابلات كالمشاركة والمضاربة، ولا يجوز للعامل أن يأخذ من رأس المال سواء أكان بعوض أم بدون عوض، إلا في حالة النفقة في السفر أو الحضر، وبالشرط فقط في الحضر.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – المشاركات

ومنها شركة العقد وهي خمسة أنواع ومنها المزارعة والمساقاة.

الشركة:

الشركة عامة هي عقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه، أو على الاشتراك في ربحه دون الاشتراك في رأس المال، أو الإشتراك في أجر العمل، أو الإشتراك فيما يباع ويشتري دون أن يكون هناك رأس مال لهم يتجر فيه. (الشيخ علي الخفيف – في الشركات في الفقه الإسلامي – ص 19، 20).

والشركة عقد جائز غير لازم، وأنواعها:

شركَّة العَّنان : وهي أن يشترك إثنان أو أكثر بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع. ولا يشترط فيها التساوي في المال أو التصرف أو الربح، فإذا كان ثمة خسارة فتكون بنسبة رأس المال.

شركة الأبدان : وهي أن يشترك إثنان أو أكثر بعمل أبدانهما، وليس فيها رأس مال، وتسمى أيضاً شركة الصنائع لأن رأس مالهما صنعتهما، وشركة التقبل لأنهما يشتركان في تقبل العمل، وشركة الأعمال لأنها مشاركة أعمال. وهي جائزة عند المالكية والأحناف والحنابلة. وذهب الشافعية والإمامية الظاهرية إلى بطلانها.

شركة الوجوه : هي أن يشتري إثنان فأكثر دون أن يكون لهما رأس مال؛ اعتماداً على جاههم وثقة التجار بهما، على أن يكون الربح بينهما، وهي أيضاً شركة  الذمم وشركة المفاليس؛ لأنها تقوم على الذمم من غير صنعة ولا مال ويجوز تفاوتهما في ضمان الملك ويكون الربح بينهما على قدر حصص الضمان. وهي جائزة عند الأحناف والحنابلة. وأبطلها الشافعية والمالكية.

شركة المفاوضة : هي عند الأحناف أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما، ويكون كل منهما كفيلاً عن الآخر في كل ما يلزمه من عهدة ما يشتريه، كما أنه وكيل عنه. وصفتها عند المالكية هي أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته، ولا يكون شريكه إلا بما يعقدان الشركة عليه، ولا يشترط تساوي المال. ويرى الحنابلة المفاوضة أن يشتركا في جميع أنواع الشركات، مثل أن يجمعها بين شركة العنان والأبدان والوجوه وذهب الشافعية إلى إبطالها.

المضاربة : هي أن يدفع الرجل ماله إلى من يتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

المزارعة : هي أن يدفع الرجل أرضه إلى من يزرعها على أن يكون الزرع بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

المساقاة : هي أن يدفع الرجل شجره إلى من يسقيه ويقوم عليه على أن يكون الثمر بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

الأرض الزراعية

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه“.

على صاحب الأرض الزراعية أن يزرعها بنفسه، فإن لم يتمكن … فيعيرها من يقدر على زراعتها دون مقابل، أو أن يدفعها إلى من يزرعها بآلته وبذره وحيوانه على أن يكون له جزء معلوم مما يخرج منها. واشترط البعض في هذه المعاملة أن يقدم صاحب الأرض البذر أو الآلة.

أما عن تأجير الأرض الزراعية … فقد منع البعض تأجيرها بجعل ثابت، استناداً إلى نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض. وتعود العلة في المنع إلى أن عقد الإجارة هو عقد تبادل منفعة معروفة بمال معلوم، فالذي يستأجر البيت سوف ينتفع بسكناه ويستطيع رؤية الدار فتتضح المنفعة التى سوف يستفيد منها خلال مدة العقد، أما الأرض الزراعية … فقد يستأجرها المزارع، ويزرعها ويقوم عليها بقصد أن يحصل على منفعتها وهو الزرع، وقد يحصل الزرع وقد لا يحصل؛ فالمعقود عليه هو منفعة الأرض، ويشترط فيه أن يكون مقدور الاستيفاء حقيقة.

وتختلف منفعة الأرض أيضاً عن منفعة سكنى الدار، فمنفعة الأرض المرادة هي في الحصول على نتاجها وليس في زرعها، وقد تتحقق بالعمل والإنفاق عليها، وقد لا تتحقق بهما؛ فقد يقوم عليها المستأجر بماله وجهده ولا تتحقق لآفة تصيب الزرع أو أن لا يسقط مطر ولا يصلها ماء الري. بينما تتحقق منفعة الدار دون عمل، وتتحقق منفعة الآلة بالعمل، وإن لم تتحققا لعيب منهما فلا تجوز الأجرة.

وحيث أن الزراعة تحتاج المال والعمل والأرض؛ والعوض مجهول … كان من العدل اشتراك مالك الأرض والمزارع فيما يرزق الله، وهذا أولى من أن يفوز صاحب الأرض بالأجر دون أن ينتفع بها المستأجر إن لم يصلح زرعها، وفي الحديث الشريف في وضع الجوائح ما يرجح هذا ”أرأيتم إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ وفي رواية أخرى : بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟“.

والعلة الأخرى أن الأرض مال لا يستهلك ولا ينقص؛ أي إنه مضمون بطيبعته ولا يطيب ربحه اتباعاً لقاعدة الغنم بالغرم؛ وفقاً للحديث الشريف الخَراج بالضمان. والقول إن صاحبها قد دفع فيها مالاً جمعه بجهده وعمله، وإنها حزمة منافع مثلها مثل الدار والآلة، يستفاد من منافعها على مر الزمان، فالآلة والدار يستهلكان وينقصان باستهلاك منافعهما، بينما تبقى الأرض على حالها، وما دفعه في شرائها باق فيها ويستعيده حين يبيعها، وله الربح إن باع بأكثر، وعليه الوضيعة إن باع بأقل، وبينما هي في ملكه يدخل عليه جزءاً من محصولها الذي ساهم فيه بالبذر أو غيره من نفقاتها.

وجاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ. وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمُحاقلة. قال والمُحاقَلة كِراءُ الأرض.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي ص 244، 245: ”إذا قلنا إن رأس المال هو مجموع مدخر من مجهودات سابقة في صورة مادية قصد استغلالها في استثمار لاحق، فإن الإسلام يبيح هذا التملك ما دام المستمثر يبذل عملاً أو يتحمل خطراً. والقاعدة الإسلامية في هذا: الغنم بالغرم. ويضيف الدكتور في مكان لاحق: وهذا ينطبق على رجل أدخر مالاً ثم اشترى أرضاً زراعية ولم تسمح له ظروفه باستغلالها بنفسه، هل له أن يكريها أو لا؟ الجواب الذي لا خلاف فيه بالنفي، فكراء الأرض ككراء رأس المال سواء بسواء. ويضيف الدكتور في ص 264 في نفس المرجع وفي معرض المقارنة بين كراء الأرض الزراعية وكراء غيرها فيقول: ما بالنا نسمح لصاحب الدار والآلة أن يؤجر داره وآلته ولا نسمح لصاحب الأرض بمثله، جواب ذلك يسير، فالدار والآلة كلتاهما سلعة استهلاكية وإن كان استهلاكهما طويل المدى، وسيأتي وقت بَعُدَ أم قَصُرَ يصبحان فيه أثراً بعد عين. واستغلالهما هو دون شك استغلال لمنفعتهما؛ يستلزم بحكم الضرورة استهلاكاً للعين ذاتها، وصاحب الآلة والمنزل عليه دواماً أن يعمل على صيانتهما وترميمهما وحفظها من التلف الذي لا يمكن تلافيه كلية سواء استعملا أم أهملا.

ذلك أن طبيعة الأشياء الاستهلاكية أن تفنى باستعمالها، فمالكها مجبر على اقتضاء ثمنها (أو اقتضاء ثمن منفعتها حالة تأجيرها) وإلا استهلكت فاستهلك رأس المال المستغل فيها دون مقابل للجهد المبذول في إنشائها أو صناعتها، وبعبارة أخرى … مثل هذه السلع الإستهلاكية إنما تصنع أو تنشأ حتى يستفيد صاحبها من استثمار عمله فيها، وظاهر أن وضع الأرض مخالف تماماً لمثل هذه السلع، فهي ليست إستهلاكية، ولا تفنى بحكم الاستغلال والاستثمار كما أنها ليست (أو على الأقل ليس أغلبها) من عمل الناس وإنشائهم ولكنها كما سبق القول من عمل الطبيعة ومواهب الخالق تبارك وتعالى. هنا يعرض سؤال آخر : إذ لو قلنا بهذا فما حكم مالك الدار أو الآلة الذي يَرْتَزق من تأجير آلته أو داره ويقوم بعمل آخر؟ هذا عندنا رزق حلال؛ إذ هو أجر لاحق لعمل سابق، وهذا الأجر لن يستمر أبداً بل سينتهى بانتهاء الدار أو الآلة، وحينئذ عليه أن يعمل من جديد ليبني داراً أخرى أو يصنع آلة ثانية، وقياس هذا الوضع بصاحب الأرض بيِّن الخلاف“.

أما من لم يمنع تأجير الأرض إستناداً على الحديث الشريف عن رافع بن خديج – فإما بالذهب والورق فلا بأس – فقد اشترط شروطاً يقدمها المالك مع الأرض كتوفير المياه وغيرها من الشروط التي تقدم منفعة إضافية، أو اشتراط أَلاَّ تدفع الأجرة إلا عند تحقيق المنفعة، أو ربط حق استيفاء الأجرة بسقوط المطر.

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 30، ص257) : ”وسئل رحمه الله عمن استأجر أرضاً، فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع. هل توضع الجائحة؟ فأجاب : إما إذا استأجر أرضا للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق العلماء، بل إن تعطلت بطلت الإجارة بلا فسخ في الأظهر. وأما إذا نقصت المنفعة، فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة، نص على هذا أحمد بن حنبل وغيره، فيقال كم أجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد؟ فيقال ألف درهم. ويقال كم أجرتها مع نقص المطر هذا النقص؟ فيقال خمسمائة درهم. فيحط عن المستأجر نصف الأجرة المسماة، فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل التمكن من استيفائها، فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه“.

ولو افترضنا صحة إكراء الأرض بجعل ثابت … فإن عقد الإجارة هو عقد بيع منفعة معروفة، مقدورة الاستيفاء حقيقة، ويشترط القدرة على تسليم العين مع اشتمالها على المنفعة، والمنفعة هي ما تطلب العين من أجلها، ومنفعة الأرض الزراعية تتمثل في قدرتها الإنباتية، تلك الخاصية التي أودعها لله فيها، ولهذا طلبها الناس؛ فالمباع هنا هو هذه الخاصية ولا يظهر أثرها إلا بصلاح الزرع، ومتى تحقق شروط استيفاء المنفعة وجب الأجر، ولكن هذه المنفعة مجهولة القدر وقت التعاقد، وقد تنبت الأرض محصولاً وافراً أو أقل من ذلك، لهذا … فمن العدل أن يكون الأجر أو ثمن المنفعة متناسباً مع قدر استيفاء هذه المنفعة ولا يكون هذا إلا أن يكون الأجر جزءاً شائعاً مما تنبته، وهذه هي المزارعة.

وإن قيل إن الآفة التي تصيب الزرع لا علاقة لها بخاصية الأرض الإنباتية فالنبات قد ظهر قبل حدوث الآفة … فإن خاصية الإنبات والآفة والريح المدمرة كلها من عند الله سبحانه وتعالى، والخَراج بالضَّمان فصاحب الأرض له من خراجها بضمانه منفعة الإنبات، ولا يستفاد من هذه الخاصية إلا بصلاح الزرع، والمستأجر أو المزارع لا يضمن العين المستأجرة – الأرض شاملة منفعتها – والتي دفع بها صاحبها مزارعة … إلا بما أتلفت يده أو إذا تعدى، والتعدي هنا يكون في عدم زرعها أو إهمالها مما يؤدي إلى تلف الزرع أو أن يتعمد إتلافه … فإن تعدى يكون عليه ضمان ما أتلف وهو قيمة المنفعة وتحسب بنصيب صاحب الأرض في مزارعة مثلها، وعليه إصلاح الأرض إن أصابها ضرر.

المــزارعــة

معنى المزارعة في اللغة هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ومعناها هنا هو إعطاء الأرض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب بجزء شائع، مما يخرج منها كالنصف أو الثلث أو وفق ما يتفقان عليه.

والمزارعة هي نوع من التعاون بين المزارع وصاحب الأرض بقصد الكسب لهما، فقد يكون المزارع ماهراً في الزراعة وهو لا يملك أرضاً، وقد يكون مالك الأرض عاجزاً عن زراعتها، فشرعها الإسلام لما تعود به بالنفع على الطرفين وعلى المجتمع ككل. وهي مشاركة بين الطرفين في النماء الحاصل بالعمل.

وقال محمد الباقر بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا ويزرعون على الثلث والربع. ويستدل من هذا انتشار المزارعة في المدينة. وزارع على رضى الله عنه وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين. رواه البخاري.

ويشترط أن يكون نصيب كل طرف غير معين بمقدار أو بجزء معين من مساحة الأرض أو بنوع مما تنتجه لو اختلف نتاجها، بل يكون نصيب كل طرف جزء مما تنتجه الأرض فيتساويا في النوع والجودة وغيرهما مما قد يختلف فيه الزرع أو الثمار، فيأخذ كل منهما نصيبه الذي اتفق عليه. وقد اشترط هذا لضمان عدالة توزيع منافع هذه المعاملة … فإن اشترط جزء معين من الأرض لأحدهما … فقد يسلم الزرع في هذا الجزء، ويهلك في الجزء الآخر فيظفر بالثمر والزرع من اشترط له، ولا ينال الآخر شيئاً، وتكون المزارعة في هذه الحالة فاسدة لما فيها من الغرر والجهالة، ولأنها تؤدي إلى النزاع والشقاق.

وقد ذكر البخاري في صحيحه : أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عامل الناس على : إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشَّطر (النصف)، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا.

حديث جابر : عن الأوزاعي عن عطاء بن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن أبى فليمسك أرضه.

(البخاري)

أحاديث رافع بن خديج : روى البخاري عن رافع ابن خديج قال : كنا أكثر أهل الأرض – أي المدينة – مزروعاً، كنا نكري الأرض بالناحية منا تسمى لسيد الأرض، فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا.

وروى مسلم عن رافع بن خديج قال : إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله بما على الماذيانات – ما ينبت على حافة النهر ومسايل الماء وإقبال الجداول – أوائل السواقي وأشياء من الزرع. فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كرى إلا هذا فلذلك زجر عنه.

وروى البخاري عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما تصنعون بمحاقلكم (مزارعكم)؟ قالوا نؤجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال : لا تفعلوا – ومعنى هذا أنهم كانوا يحددون لهم مكيلاً معيناً يأخذونه من فوق الرؤوس – كما يقال – ثم يقتسمون الباقي مع المزارعين على الربع.

وعن البخاري عن أن رافع بن خديج قال لابن عمر حين سأله ابن عمر وكان يكري مزارعة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. فقلت : بالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس. رواه الخمسة إلا الترمذي. وفي لفظ آخر : فأما بشئ معلوم مضمون فلا بأس.

والحديث المسند إلى رافع بن خديج في كراء الأرض بالذهب والفضة يبطله ما ورد عن عيسي بن سهل بن رافع انه قال : إني يتيم في حجر جدي رافع بن خديج وحججت معه، فجاء أخي عمران بن سهل قال : أكرينا أرضنا فلانة بمائتي درهم. فقال : دعه فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي ص 254 : ”وقد جاء في كتب الحديث الصحيحة ما لا يدع مجالاً للشك في أنها جميعاً تحرم كراء الأرض لا بذهب ولا بفضة ولا بغير ذلك. وقد فصل ابن حزم في المحلى هذا البحث وأورد كثيراً من الروايات التي تبطل ما أسند إلى رافع بن خديج قوله : فأما بالذهب والورق فلم ينهنا“.

وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف رضى الله عنهم. فكان طاووس فقيه اليمن والتابعي الجليل يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالربع والثلث بأساً. ولما احتج عليه بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض؛ قال: قدم علينا معاذ بن جبل – مبعوث رسول الله إلي اليمن – فأعطى الأرض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم. (فكأنه يرى الكراء المنهي عنه هو الكراء بالذهب والفضة أما المزارعة فلا بأس) – وقد روي مثل هذا عن محمد بن سيرين وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنهما كانا لا يريان بأساً أن يعطي أرضه على أن يعطيه الثلث أو الربع أو العشر، ولا يكون عليه من النفقة شيء. (كما ورد في كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي).

المُســـاقاة

وهي دفع الشجر المثمر لمن يقوم بسقيه ويتعهده حتى يبلغ تمام نضجه نظير جزء معلوم من ثمره. فهي مشاركة بين صاحب الشجر والمساقي يكون فيها الشجر من جانب والعمل فيه من جانب، والثمرة الحاصلة مشتركة بينهما بنسبة وفق ما يتفقان عليه كالنصف والثلث ونحو ذلك.

وقد اتفق الفقهاء على جوازها للحاجة إليها، ما عدا أبى حنيفة الذي رأى أنها لا تجوز.

وفي نيل الأوطار : قال الحازمي : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلي وابن شهاب الزهري، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، فقالوا : تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع. قالوا : ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين، فتساقيه على النخل وتزارعه على الأرض كما جرى في خيبر.

ويشترط في عقدها ما يشترط في العقود، وصيغتها الإيجاب والقبول. ويشترط فيها أيضاً أن يكون الشجر المساقي عليه معلوماً، وأن تكون مدتها معلومة ولو انتهت مدتها قبل نضج الثمار … تترك للمُساقي إلى أن تنضح، وأن يكون العقد قبل بدء الصلاح، وأن يكون للمساقي جزء معلوم مشاع من الثمر كالنصف والثلث.

وتفسد المساقاة متى فقد شرط من هذه الشروط، فإن كان قد مضى فيها المساقي ونما الشجر بعمله فله أجر مثله، ونَماء الشجر لمالكه.

وجاء في بداية المجتهد: ”واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط – أي صاحب الشجر – وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لأنها إجارة بما لم يخلق“.

وما يقوم به المساقي من عمل كما جاء عن النووي: ”إن عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر، واستزادته مما يتكرر كل سنة، كالسقي وتنقية الأنهار وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنحية الحشيش والقضبان عنه وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك“.

وقال مالك : ”إذا عجز العامل وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره، ووجب عليه أن يستأجر من يعمل. وإن لم يكن له شئ استؤجر من نصيبه من الثمر“.

وقال الشافعي تنفسخ المساقاة بالعجز.

وإذا مات أحد المتعاقدين … يستمر العمل في الشجر، الذي لم يبد صلاحه، حتى ينضج.

 

معاملة الأنصار والمهاجرين:

روي البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنهما إن الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال : لا. فقالوا – أي قالت الأنصار للمهاجرين – تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا : سمعنا وأطعنا؛ أي إن الأنصار أرادوا أن يشركوا معهم المهاجرين في النخيل؛ فعرضوا ذلك على رسول الله ” فأبى فعرضوا أن يتولى المهاجرين المؤونة ولهم الشطر من الثمر فأجابهم.

ومن الصعب القياس على هذه المعاملة لظروفها الخاصة، وكونها لاحقةً للعرض الأول، وهو أن يَهِبَ الأنصار بعض نخلهم للمهاجرين. والمنح قد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه. والقصد هنا – والله أعلم – أن تُعَارَ الأرض لا أن تملك، وأن يكون صاحبها غير قادر أو غير راغب في زرعها، وأن من تعطى له قادر على زراعتها. ولم تكن لدى المهاجرون خبرة الزراعة، فأبقى الرسول صلى الله عليه وسلم الأرض على ملك أصحابها من الأنصار، ونتج عن هذا أن تعلم المهاجرين حرفة الزراعة وانتفع الجميع بما يخرج من الأرض.

يهود خيبر:

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشَطْر ما يخرج منها من زرع أو ثمر.

ومن الروايات الأخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفع أرض خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم، بشَطْر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

وقد روي عن مالك مرسلاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لليهود: أقركم ما أقركم الله.

وروي عن هشيم أخبرنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : ”دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر – أرضها ونخلها – إلى أهلها مقاسمة على النصف“.

وجاء فى المغنى لابن قدامة (جزء5 ص 384): ”هذا أمر مشهور عمل به رسول اللهصلى الله عليه وسلم  حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدين حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق فى المدينة أهل بيت إلا عمل به. وعمل به أزواج النبى صلى الله عليه وسلم من بعده … ومثل هذا مما لا يجوز أن ينسخ، لأن النسخ إنما يكون فى حياة رسول الله صلعم  فإما شئ عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفاؤه بعده وأجمعت الصحابة – رضوان الله عليهم – عليه، وعملوا به ولم يخالف فيه منهم أحد. فكيف يجوز نسخه؟ فإن كان نسخه فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فكيف عمل به بعد نسخه؟ وكيف خفى نسخه فلم يبلغ خلفاءه مع إشتهار قصة خيبر وعملهم فيها؟ فأين كان راوى النسخ حتى لم يذكروه ولم يخبرهم به“.

واعتمد الفقهاء على معاملة خيبر فيما اعتمدوا عليه فى جواز المزارعة، بينما اعتبرها بعض الفقهاء شاذة عن القاعدة؛ لأن أرض خيبر هى أرض فيء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن هزمهم، قبل رجاءهم بأن يبقيهم، يعملون فى الأرض ويشاطرهم نصف ما يخرج منها. وهذه المعاملة لم تتوفر فيها إرادة أحد الطرفين الحرة، وعليه … فلا يجوز عندهم التشريع على أساسها، وهذا صحيح إلا أن ما عمل به الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم من مزارعة صحيح أيضاً، ولا ينطبق شذوذ معاملة يهود خيبر على المزارعات الأخرى التى عمل بها.

ولهذا فمعاملة خيبر وغيرها من المزارعات، يقاس عليهم بجواز المزارعة والمساقاة، ولأن هذه المعاملات من المشاركات مثل المضاربة ولا يشوبها ما يؤدى إلى أكل المال بالباطل أو ربا أو غَرر، أو ظلم لأى من المتعاقدين.

ويقول ابن تيمية فى مجموع الفتاوَى (جزء30 ص 226): ”إن المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر، وكلاهما جائز عند فقهاء الحديث كالإمام أحمد وغيره، مثل ابن خزيمة وابن المنذر وعند ابن أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد وعند الليث ابن سعد وغيرهم من الأئمة جائزة، كما دل على جواز المزارعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع أصحابه من بعده، والذين نهوا عنها ظنوا أنها من باب الإجارة، فتكون إجارة بعوض مجهول وذلك لا يجوز“.

ويضيف فى صفحة 356: ”ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة، فإن المؤاجرة مخاطرة والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فإنهما يشتركان فى الغنم والغرم، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما فى المؤاجرة“.

ويقول ابن تيمية فى مجموع الفتاوى (جزء29 ص94): ”وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم، كأحمد بن حنبل وأصحابه كلهم من المتقدمين والمتأخرين، وإسحاق بن راهوية وأبى بكر بن أبي شيبة وسليمان بن داوود وأبى خيثمة زهير بن حرب، وأكثر فقهاء الكوفة كسفيان الثورى ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد صاحبى أبى حنيفة، والبخاري صاحب الصحيح، وأبى داوود وجماهير فقهاء الحديث من المتأخرين، كابن المنذر وابن خزيمة والخطابي وغيرهم، وأهل الظاهر وأكثر أصحاب أبى حنيفة إلى جواز المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف“.

<< previous page next page >>