الفصل السادس – تصرفات رب المال في مال المضاربة

1- استرداده جزءاً من رأس المال:

اذا استرد رب المال جزءاً من رأس ماله… يكون الجزء المسترد من المال قد انفسخت فيه المضاربة، والباقي من المال هو رأس مالها؛ فإن كان في المضاربة ربح أو خسارة، فيوزع الربح والخسارة على القسم المسترد وعلى ما تبقى من المال. ولا يجبر ربح المسترد خسارة ما بقي من المال في يد العامل، ولا تنجبر خسارة المسترد من ربح ما بقى في يد العامل لمفارقته إياه.

وفرق الأحناف بين أن يكون مال المضاربة نقداً أو عروضاً، فقالوا إن رب المال ان كان استرد مال المضاربة بدون رضى العامل، وهو مازال نقداً ولم يتصرف فيه العامل فإن المضاربة تبطل، والربح كله لرب المال اذا عمل فيه رب المال بعد ذلك وربح، لأنه عمله ليس من قبيل الإعانة لعدم رضى العامل. اما لو استرد المال بعد أن أصبح عروضاً، فباع وربح، كان الربح بينهما على ما شرطا، وكان عمل رب المال من قبيل الاعانة للمضارب فلا تنقض المضاربة هنا لأن رب المال لا يملك نقضها لأن العامل عمل وترتب له حقوق بموجبها, (انظر المبسوط جزء22 ص85)

وعليه… فإن رأس مال المضاربة قابل للإنقاص، أي إن لرب المال أن يأخذ جزءاً من رأس المال تنفسخ فيه المضاربة، فيه ربحه ومنه خسارته، وتستمر المضاربة بعد ذلك دون حاجة لعقد مضاربة جديدة، ولم يشترط الفقهاء رضى العامل، ويمكن أن نفترض هنا ان الجزء المنفسخ تحكمه شروط فسخ المضاربة بإرادة رب المال، فإن كان المال نقداً، فله ربحه وعليه خسارته، وان كان المال عروضاً فالفسخ الكلي عند أغلب الفقهاء يسري على الشراء وليس على البيع؛ أي إن للعامل أن ينضض المال إذا كان فيه ربح بعد علمه بالفسخ، فإن كان فيه ربح فكما شرطا، وقد عامل الفقهاء هنا هذا الفسخ الجزئي كالفسخ الكلي في هذا الجزء. فعليه ان كان بعض المال عروضاً… كان على العامل ان يبيع العروض، ولكن ماذا إن كان بعض المال عروضاً وبعضه نقداً، وطالبه بالنقد، فلن يعرف الربح أو الخسارة إلا بعد تنضيض العروض، فإن اعتبر كلاً منهما منفصلين… فإن كان النقد ايراد بيع سابق بربح وخسرت العروض عند بيعها، أخذ العامل ربحه من الأولى فلم تنجبر الثانية فيخسر المالك لانه سيتحمل وضيعتها وحده، وكذلك إن كان النقد فيه وضيعة والعروض فيها ربح عند بيعها، ولهذا… فإن كان المالك هو من رغب في هذا مع معرفته بما يصيبه من جراء هذا التقسيم فقد أجاز له الفقهاء لاحتمال اضطراره إلى المال.

والأولى في هذه الحالة أن يأخذ النقد الموجود بموافقة العامل بمثابة دين عليه للمضاربة حتى تنضض العروض وتتم القسمة.

وهناك مسألة تفويت فرصة الربح على العامل في الفسخ والمال عروض، سواء كان جزئياً أو كلياً، فإن أطلق له البيع أو أنيب ولي الأمر على البيع … فلا يوجد فرصة ضائعة. أما اذا أخذ المال العروض أو جزءاً منه بدون رضى العامل فباعه كما قال الأحناف، فالأغلب أن للعامل في الربح أو أجر المثل، فالأحناف قالوا في الفسخ الكلي أن الفسخ اذا حدث والمال عروض فللعامل أن يبيعه وينضض المال ولا يمنعه العزل عن ذلك، ويقوم العامل بالبيع سواء رضى رب المال أم لم يرض، جاء في شرح العناية على الهداية(جزء7 ص76): ”وإذا علم المضارب بعزله والمال عروض، فله أن يبيعه ولا يمنعه العزل عن ذلك، نقداً أو نسيئه، حتى لو نهاه عن البيع نسيئة لم يعمل بنهيه، لان حقه قد ثبت في الربح بمقتضى صحة العقد، والربح انما يظهر بالقسمة، والقسمة تبتنى على رأس المال بتمييزه، ورأس المال إنما ينض، أي يتيسر بالبيع“.

ورب المال حين فسخ المضاربة في هذا الجزء ثم أخذ العروض، قد خالف شرطاً من شروط المضاربة بعدم سماحه للعامل بالبيع، والعامل لو تعمد فعل ما نهاه عنه رب المال يصبح غاصباً، ورب المال تعمد أخذ العروض وقد نهى عنه فيمكن القول أنه أضر بشرط التخلية وهو من شروط الصحة في المضاربة، فأقل ما يكون عليه أجر المثل إن لم يكن هناك ربح في العروض التي أخذها وباعها بدون رضى العامل، لأنه ضيع على العامل ما بذله من جهد في هذه العروض.

وماذا لو أراد أحد مودعي البنك إنهاء مضاربة له سهم فيها لحاجته للمال، بينما لم يرغب الآخرون في ذلك أو لم يصدر عنهم ما يدل على ذلك، وكان المال عروضاً، وهذا من حقه، فإن أراد ذلك… فيمكن معاملته بمثل ان يسترد رب المال جزءاً من رأس المال.

2- رده للمعيب:

لرب المال رد العرض المبيع بموافقة العامل، فإن اختلفا… عملا بما فيه المصلحة، أو يحكمان بينهما من يفصل في الأمر.

3- انتفاعه بعرض من مال المضاربة:

لا يحق لرب المال استعمال أو الاستفادة أو الانتفاع  بعروض المضاربة أو بمنافعها أو بما قد يستأجر بمالها، وليس له ان يجر إلى نفسه منفعة من وراء المضاربة مباشرة كانت أو غير مباشرة، وليس له أن يشترط أي من ذلك لأن فيه اشتراط زيادة قد تكون كل الربح. فإن كان أذن العامل ولم يكن في هذا تعطيل لمال أو لعمل المضاربة… وجب عليه دفع ما يدفعه الأجنبي من الأجر.

وليس للعامل أي شيء من ذلك إلا أن يدفع من ماله أجر المثل للمضاربة بإذن المالك، وبموافقة المالك على الأجر والمدة، والأغلب كراهة ذلك إذا كان العامل هو المنتفع لأنه هو يقرر إذا كان في هذا التأجير تعطيل للمضاربة وله رغبة في الاستئجار فتتعارض المصلحتان، ويننتفي هذا إذا أجر لأجنبي أو لرب المال.

4- إتلافه لشيء من مال المضاربة:

لو أتلف رب المال أو استهلك شيئاً من مال القراض… يخرج الهالك من القراض، ويكون ما تبقى من المال هو رأس مالها… فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه، وله حصة المثل مما هلك إن كان قد هلك بعد تصرفه في المال.

5- شراؤه من مال المضاربة:

لا يجوز لرب المال أن يشتري لنفسه شيئاً من مال المضاربة الا اذا كان شراؤه لاستهلاكه الشخصي وصح قصده بأنه لم يرد أن يأخذ شيئاً من الربح قبل المفاصلة؛ لانه ليس من حق أحدهما أن يأخذ شيئاً من الربح قبل القسمة.

وجاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص500): ”ولا يصح أن يشتري المالك من العامل شيئا من مال القراض ولا أن يأخذ منه بالشفعة“.

ويجوز أن يتصرف رب المال في عرض من عروض المضاربة كالبيع، بشرط أن يكون بمثل قيمة ما بيع من مثله أو أكثر، ويكون ذلك من قبيل المعاونة وبشرط موافقة العامل ورضاه.

6- طلبه الشفعة:

لا شفعة لرب المال، إذا باع المضارب داراً تعود للمضاربة.

7- إعطاء رب المال مال المضاربة إلى عاملين:

يجوز لرب المال إعطاء مال المضاربة إلى عاملين، ولا يشترط تساويهما في الربح، وليس لأحدهما أن يتصرف دون إذن صاحبه. 

8 – الإشراف والمتابعة:

من مفهوم المضاربة ان العامل هو من يملك الخبرة والقدرة على استثمار المال، ومن شروط صحتها التخلية، فيترك للعامل حرية التصرف فيما يراه الأنسب لبلوغ القصد منها وهو أفضل نماء لرأس المال، ولأنه له حقا في هذا النماء ولأن تنمية المال هي وظيفته في المضاربة؛ فقد منع الفقهاء رب المال من التدخل في العمل، إلا من قبيل المساعدة لا من قبيل الاشراف أو الإدارة، ولو اشترط رب المال العمل مع المضارب تفسد المضاربة عند أغلب الفقهاء، إلا أن يكون هذا من قبيل اعانة العامل ومساعدته بدون أجر منه أو من مال المضاربة، وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصي عليه تصرفاته.

وما قصده الفقهاء هو منع رب المال من القيام بأي عمل يكون من ِشأنه التأثير على نتائج المشروع لأن هذا ليس من اختصاصه ومن المفترض في المضاربة ان العامل أكثر منه قدرة وخبرة، ولو كان هذا الفرض خطأ في مضاربة ما… فكان رب المال أقدر من العامل؛ فإما ان يكون رب المال قد دفع ماله لانشغاله في اعمال أخرى وبهذا الانشغال… ينتفي تفاضل خبرته وقدرته لعدم توافرها متى احتيج اليها، أو كان بلا عملا اخر فيحالا إلى نوع أخر من الشركات التي وفرها لهما الاسلام. والإشراف والرقابة قد يؤثران بطريق غير مباشر على قدرة العامل على تركيز كل طاقاته على عمله في المضاربة، أو يشغلانه في أمور الحصول على موافقة الجهة المشرفة أو تفسير تصرفاته لها، عدا احتمال رفضها لبعض ما كان ينوي أو يعزم على عمل، فلا تتحقق له حرية التصرف في المال والذي هو شرط من شروط الصحة.

ولا ينكر أحد في هذا العصر أهمية الرقابة والاشراف والمتابعة، بل إن هذا الجهاز من الاجهزة المتواجدة في داخل المؤسسات التجارية والمالية، والذي دعا المؤسسة إلى إيجاد جهاز متابعة ورقابة منها وعليها، هو الفائدة المتوقعة مما يصدره هذا الجهاز من تقارير وتوصيات دورية، تعين أجهزة التنفيذ وتوفر لهم وضوح الرؤية فيما يفوت عليهم لانشغالهم في العمل، فهي تراجع نتائج المراحل التي تم تنفيذها وتخطط للمراحل القادمة، وتتأكد من جودة الانتاج أو المشترى ومطابقته للمواصفات التي يقبل عليها العملاء أو المشترون، وعليها التوصية بالتعديل أو التغيير في الوقت المناسب وقبل ان يفوت الأوان فتصبح تكاليف الإصلاح باهظة، وهذا بالطبع من صميم عمل الإدارة والتي هي من اختصاص العامل، ولكن العامل قد يكون مؤسسة كبيرة وقد يكون تاجراً بسيطاً وليس لديه مثل هذه الامكانيات.

والمقصود الحقيقي من الإشراف والرقابة عند رب المال المعاصر، هو التأكد من تصرف العامل وفقاً لقواعد الأمانة، وهناك أيضاً مقاصد أخرى كضمان التزام العامل بشروط المضاربة؛ إضافة إلى ماذكرناه من مراجعة.

والطريق إلى اطمئنان رب المال وقد يكون في تعيين عامل ثان، فقد ذهب الفقهاء إلى جواز إعطاء المال إلى عاملين، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه. والمفهوم من هذا أن العامل الثاني يعمل مع العامل الأول لا أن يراقبه، ولهذا… فله من الربح وفق الشرط، فلو كان العامل الثاني جهة متخصصة في أعمال الإدارة والمراجعة والتخطيط، وكان عملها هذا مفيداً للمضاربة، صح كونها طرفاً فيها، وصح اشتراط رب المال اعطاء ماله إلى عاملين، فلا ينفرد أحدهما بالتصرف دون صاحبه، بشرط ألا يكون العامل الثاني ملزماً أكثر من العامل الأول بتقديم تقارير أو بالرجوع إلى المالك، ويكون ولاء العاملين للمضاربة ولتحقيق الربح لا لرب المال؛ أي إن رب المال متى عين العامل الثاني يرفع يده ويمنع عن التدخل الا في الحدود الصحيحة، وإن نص العقد على تسلمه تقارير دورية أو معلومات عن سير العمل والتوقعات المستقبيلة يتسملها من إدارة المشروع أو منهما معاً وليس من أحدهما أو من المضارب الثاني.

ويجب التنوية هنا أن هذا الحق لرب المال، له أن يستخدمه مرة واحدة فقط وقت العقد ومتى استخدمه لا يعود له الحق في التدخل، فتتم التخلية الكاملة ويكون للعاملين حرية التصرف.

والعامل الثاني سيكون أحد المكاتب ذات السمعة الطيب والمتخصصة في مجالات الاستثمار أو التصميم والهندسة أو التجارة والتسويق وغيرهم، والتي بمرور الوقت… سوف تتخصص أكثر في مجالات معينة فيستفيد العامل ويضيف خبرتها إلى خبرته فينفذ المشروع على أفضل الاسس العملية والخبرات العملية وفق تخطيط ومراجعة وتعديل دوري بما يناسب بما بناسب الواقع، مما ينتج عنه فائدة لاطراف العقد.

<< previous page next page >>

الفصل الثامن

آثار المضاربة الفاسدة

أولاً : فساد المضاربة بتخلف شرط من شروط صحتها

إذا فسدت المضاربة نتيجة تخلف أو اختلال شرط من شروط صحتها، ولا تعدى من قبل العامل … فقد قال الفقهاء فيما يتعلق بالربح والضمان، وأجر المثل والتصرف ما يلي:

1- الربـح:

قال الحنابلة في المغني (جزء 5 ص 52): ”أن الربح جميعه لرب المال، لأنه نماء ماله، وإنما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط، فلم يستحق منه شيئاً“.

وقال الأحناف والشافعية والإمامية والزيدية بمثل هذا، فيكون رأي الفقهاء أن الربح في القراض الفاسد لرب المال، والخسارة عليه وللعامل أجر المثل.

أما المالكية … فقد قالوا في بعض حالات فساد القراض إن للعامل قراض المثل، وهو مثل ما يأخذه عامل آخر في قراض مماثل، وقد يكون قراض المثل أيضاً هو نفس القراض الذي فسد؛ إذا كان الشرط المفسد لا يؤثر في عمل المضارب وقدرته على تحقيق الربح والله أعلم. وقد ذكروا في المضاربة الفاسدة ثلاثة أوجه: الأول إذا قارض رب المال العامل على عرض يبيعه ويقارض بثمنه، أو وكله على تحصيل دين له من آخر ليعمل به قراضاً، فامتثل العامل وباع العرض أو حصل الدين وضارب بالمال، فيكون له أجر مثل عمله في توليه بيع العرض أو تحصيل الدين، وله ربح مثله إضافة لما تقدم إن عمل في المضاربة وربح (الشرح الكبير للدردير جزء 3 ص 456).

والثاني لو كان نصيب العامل من الربح مجهولاً، أو عين المالك له وقتاً تنتهي بإنتهائه، أو قيده بالبيع والشراء من شخص معين، أو شرط عليه الضمان، أو قيده بالتجارة فيما يوجد تارة وينعدم أخرى، أو اختلفا في جزء الربح فقال العامل لي الثلثان وقال المالك لك الثلث مثلاً وكان العرف لا يقر دعوى أحدهما، ففي هذا كله يكون للعامل قراض المثل، إن عمل في المال وربح وإن لم يحصل ربح فلا شئ له. (شرح الزرقاني جزء ص 215، 216).

وفيما عدا ما سبق … فللعامل أجر المثل، إذا فسدت المضاربة في غير هذين الوجهين، وله أجر المثل سواء ربح القراض أم لم يربح. وأضاف المالكية أن ما وجب فيه قراض المثل يستمر العامل في العمل حتى ينض المال، بخلاف ما وجب فيه أجرة المثل … فإنه لا يلزمه شئ من ذلك، وقالوا إن العامل في قراض المثل، يكون أحق من الغرماء، بينما هو اسوتهم في أجرة المثل.

وجاء في كتاب فقه المضاربة للدكتور علي حسن عبد القادر في صفحة 30، 31 – وانظر ص 59، 60: ”والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل أن قراض المثل متعلق بنماء ذلك المال وإن كان فيه ربح فله حصته وإن لم يكن له ربح فلا شئ له على الأظهر، وأما أجرة المثل فإنها متعلقة بذمة صاحب المال“.

ويضيف الدكتور علي حسن عبد القادر: ”ولا يستحق المضارب في المضاربة الفاسدة النفقة ولا الربح المسمى، وإنما له أجر عمله سواء كان في المضاربة ربح أو لم يكن؛ لأن المضاربة الفاسدة، في معنى الإجارة الفاسدة والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الاجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل والربح كله يكون لرب المال، ولأن الربح نماء ماله والخسران عليه“.

2- الضمان:

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”ولا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه“. وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية والإمامية والزيدية، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة.

3- أجر المثل:

وجاء في مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 518): ”وإذا فسدت المضاربة فالربح لرب المال، لأنه نماء ماله، والعامل إنما يستحق بالشرط، فإذا فسدت فسد الشرط، فلم يستحق شيئاً، وللعامل أجر مثله نصا، ولو خسر المال أو ربح“.

وقال الأحناف والشافعية والإمامية والزيدية بمثل هذا، فقد قال الرملي (جزء 5 ص 228، 229) عند الشافعية إذا فسدت المضاربة: ”نفذ تصرف العامل، والربح بكماله للمالك لأنه نماء ملكه، والخسران عليه، وعليه للعامل أجرة مثل عمله وإن لم يحصل ربح“.

وجاء في الفقه الحنفي في تكملة رد المحتار بوجوب أجر المثل عند فساد المضاربة، سواء كان في المال ربح أم لم يكن، وسواء زاد أجر المثل على ما سمي له من الربح أم لا.

جاء في تكملة فتح القدير (جزء 7 ص 60): ”والربح لرب المال، لأنه نماء ملكه وهذا هو الحكم في كل موضع لم تصح المضاربة، ولا تجاوز بالأجر القدر المشروط عند أبى يوسف خلافاً لمحمد كما بينا في الشركة، ويجب الأجر وإن لم يربح في رواية الأصل لأن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع أو العمل وقد وجد“.

أما المالكية … فقد أوجبوا أجر المثل، كما سبق – في بعض الحالات – كما أوجبوه، عندما يكون العمل المستحق عليه هذا الأجر، خارج نطاق عمل القراض.

4- التصرف:

جاء في الفقه الحنفي في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 326): ”كل ما جاز للمضارب في المضاربة الصحيحة من شراء أو بيع أو إجارة أو بضاعة أو غير ذلك، فهو جائز له في المضاربة الفاسدة“.

وجاء عند الحنابلة في المغني (جزء 5 ص 52): ”أنه – أي العامل – إذا تصرف نفذ تصرفه، لأنه أذن له فيه، فإذا بطل العقد بقى الأذن فملك به التصرف كالوكيل“.

وجاء مثل عند الإمامية والزيدية والمالكية، واتفق معهم الشافعية إلا في حالة إذا كان فساد القراض، ناتجاً عن قصور في أهلية العاقد، أو كان المتعاقد معه ولياً أو وكيلاً للمالك الأصلي، وجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 228، 229): ”وإذا فسد القراض وبقى الأذن لنحو فوات شرطه ككونه غير نقد، والمقارض مالك، نفذ تصرف العامل، نظراً لبقاء الأذن كالوكالة الفاسدة، أما إذا فسد لعدم أهلية العاقد أو والمقارض ولي أو وكيل فلا ينفذ تصرفه“.

ثانياً : فساد المضاربة بتعدي العامل

أما إذا فسدت المضاربة نتيجة تعدي العامل، وهو مخالفته لشرط من الشروط التي حددها المالك له في العقد، والتي يجوز للمالك اشتراطها، كأن ينهاه عن السفر بماله فيسافر به، أو أن يتعمد المضارب هذا الإخلال لتفسد المضاربة … فإن العامل يضمن المال، ويصير بمثابة الغاصب للمال، جاء في شرح الزرقاني (جزء 6 ص 222) في الفقه المالكي: ”وضمن – أي العامل – أن تعدى وخالف“. وجاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87) في الفقه الحنفي: ”إذا خالف شرط رب المال صار بمنزله الغاصب، ويصير المال مضموناً عليه“. وذهب أيضاً الشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية إلى تضمين العامل للمال إذا خالف ما شرطه عليه رب المال.

أما عن الربح … فقال المالكية والشافعية والإمامية إن خسارة المال على العامل، والربح له ولرب المال على ما كانا قد اتفقا عليه عند إبتداء المضاربة. جاء عن الإمام الحطاب في مواهب الجليل (جزء 5 ص 366): ”أن العامل إذا تعدى وقلنا أنه ضامن المال ان تلف وخسر فلا يختص بالربح ويقال أنه لما يضمن الخسارة فليستبد بالربح؛ بل الربح لهما على ما شرطا، لأنه يُتهم أن يكون قصد الإستبداد بالربح فعوقب بنقيض مقصوده، ولأننا لو قلنا الربح للعامل بتعديه لكان ذلك حاملاً على التعدي ليستقل بالربح، ولهذا قلنا أن كل من أخذ مالا للتنمية كالوكيل والمبضع فالعزم عليه والربح لرب المال، أما القارض فالربح لهما على شروطهما“.

وقال الحنفية أيضاً بضمانه لرأس المال، إلا أنهم قالوا إنه بضمانه لرأس المال … يكون له كل الربح، وذهب أبو حنيفة إن عليه أن يتصدق بالربح، بينما قال أبو يوسف لا يتصدق به، لأن الضمان قد لزمه فيطيب له أخذه.

أما الزيدية … فقد قالوا إن العامل لا يستحق شيئاً من الربح أو أجرة المثل، وفي رأي آخر لهما … إن على رب المال والعامل أن يتصدقا بالربح. وللزيدية آراء أخرى، منها أن الربح بينهما على ما اتفقا عليه، فإن لم يك ربحاً فليس للعامل شئ، ومنها إن كان ثم ربح وأجاز المالك؛ فللعامل في الصحيحة الأقل من المسمى وأجرة المثل.

أما الحنابلة … فقالوا إن العامل لا يستحق شيئاً من الربح، وفي رأي آخر لهم إن على رب المال والعامل أن يتصدقا بالربح، ولهم رأي ثالث إن العامل يستحق الأجر وإن خالف وتعدى، وفي مقدار هذا الأجر … عندهم روايتان، إحداهما أجر مثله إن كان أقل من الربح وثانيتهما الأقل من المسمى أو أجر المثل.

<< previous page next page >>

الفصل السابع

القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد أن يسلم رأس المال إلى صاحبه، وما تبقى من المال يكون ربح المضاربة فيقسماه على الشرط الذي اتفقا عليه، والخسارة هي النقص في رأس المال، والخسارة التي تحدث في المال تجبر بالربح، فلا يكون ربحاً إلا بعد كمال رأس المال.

وقد يهلك جزء من رأس المال قبل أن يتصرف فيه العامل، وقد يهلك جزء بعد التصرف فيه؛ فهلاك جزء المال قبل التصرف فيه لا علاقة له بتصرف العامل وتجارته، وعليه … فإن المضاربة تنفسخ في القدر الهالك من رأس المال؛ فيكون رأس المال هو الجزء الباقي، ولا يجيز ربحه الجزء الهالك. وإلى هذا … ذهب الحنابلة والشافعية في رأي لهم، أما المالكية فقالوا بجبر كل خسر يحدث في المال بربح ما يبقى من المال، سواء حصل الخسر قبل التصرف أو بعده. وما يهلك بعد التصرف … يجبر من الربح عند أغلب الفقهاء. وإن انفسخت المضاربة أو انتهت وتمت القسمة … كان ما بعدها عقداً جديداً فإن خسرا لا يجبر به ما حصل من ربح سابق.

وقال الحنابلة إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وأضافوا بأن المتعاقدين إذا اتفقا على قسمة الربح وإبقاء رأس المال فلهما ذلك … فإن امتنع أحدهما فله أن يمنع. وفي مذهب الزيدية والإمامية ما يوافق رأي الحنابلة، وذكر الشافعية في رأي عندهم أن العامل يملك سهمه من الربح عند ظهوره.

وذهب المالكية والأحناف إلى أن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وقالوا إن قسمة الربح تعتبر غير صحيحة قبل قبض رأس المال، وهذا هو الرأي الأظهر عند الشافعية والرأي الثاني للإمامية، وحكى أبو الخطاب مثل ذلك في رواية عن الحنابلة.

وللإمامية رأي ثالث، يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند انضاض المال.

وقال الحنابلة والإمامية والزيدية إنه إذا ظهر في المال ربح … لم يجز للمضارب أن يأخذ شيئاً منه بغير إذن رب المال.

أما عن أخذ رب المال شيئاً من الربح قبل القسمة … رأى الحنابلة والشافعية والزيدية والإمامية، أنه يجوز لرب المال أن يأخذ من ربح القراض قبل القسمة إذا وافق العامل على ذلك، بينما رأى المالكية والحنفية عدم جواز ذلك قبل أن يقبض رأس المال، وقال الكاساني (جزء 6 ص 107): ”لأن الربح زيادة والزيادة على الشئ لا تكون إلا بعد سلامة الأصل، ولأن المال إذا بقى في يد المضارب، فحكم المضاربة بحالها، فلو صححنا قسمة الربح، لثبتت قسمة الفرع قبل الأصل، فهذا لا يجوز“.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس

عمل المضارب

المقصود من عقد المضاربة هو تنمية المال، وهذا يتم بالعمل عليه والمتاجرة به، فالعامل إذا استلم رأس مال المضاربة … يملك أن يتصرف فيه فيما يتصرف به التجار عادة، فله أن يشتري به البضاعة التي يرى الخير في المتاجرة بها، وله أن يستأجر العمال والمخازن ووسائل النقل، وكل ما تحتاجه التجارة وما يتم به نجاحها، أما ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه … فعليه أن يقوم به بنفسه وليس له أن يستأجر لذلك الأجير، وذلك كإستلام البضاعة وعرضها وتنظيمها وبيعها وتصديرها، وتحرير العقود وإيداع الأموال وغيرها مما جرت عليه العادة؛ فإذا استأجر على هذه الأعمال، وكان بوسعه أن يقوم بها بنفسه … لزمته الأجرة من ماله الخاص، أما ما لا يلزمه من العمل، كان له أن يستأجر عليه من مال المضاربة.

وقد وصف الفقهاء الأعمال التي يقوم بها بنفسه من باب التوضيح لا الحصر، وحددَّوها بإنها كل ما جرت العادة عليه، وجاء في وصفهم ما يلي: نشر الثياب وطيها وذرعها وعرضها على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده وشد الكيس وإحرازه في الصندوق وإيداع الأموال ونحو ذلك، وكل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، وإن ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه، وإن استأجر على ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربح القراض.

ووصف الفقهاء أيضاً ما يحق له أن يستأجره، أو يستأجر عليه من مال المضاربة، من باب التوضيح أيضاً لا من باب الحصر: الأجراء ممن يشترون ويبيعون، والبيوت والدواب والسفن، والدلال والوزان، وغير ذلك مما لا يلزمه وتتطلبه التجارة ويقضي به العرف.

<< previous page next page >>

الفصل الرابع

أحكام المضاربة

والمقصود من أحكام المضاربة هنا: هو الآثار الأصلية المترتبة على العقد شرعاً، وتختلف هذه الآثار؛ وفقاً لكون المضاربة صحيحة أو غير صحيحة.

والمضاربة الصحيحة هي التي تتوفر فيها الأركان والشروط؛ وتترتب عليها آثارها من اقتسام أرباحها وفق الشرط، وأن العامل يصبح شريكاً بنصيبه من الربح، وعدم تضمين العامل لما قد يهلك من رأس المال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص86، 87): ”وأما بيان حكم المضاربة، فالمضاربة لا تخلو إما أن تكون صحيحة أو فاسدة ولكل منهما أحكام، أما أحكام الصحيحة فكثيرة بعضها يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة، وبعضها يرجع إلى عمل المضارب، ما لكل واحد منهما أن يعمله وما ليس له أن يعمله، وبعضه يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل وما يستحقه رب المال بالمال. أما الذي يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة، فهو أن رأس المال قبل أن يشتري المضارب به شياً أمانة في يده بمنزلة الوديعة لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة، فإذا اشترى به شياً صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع لأنه تصرف في مال الغير بأمره وهو معنى الوكيل … ويضيف : فإذا ظهر في المال ربح صار شريكاً فيه بقدر حصته من الربح لأنه ملك جزأ من المال المشروط بعمله، والباقي لرب المال لأنه نماء ماله. فإذا فسدت بوجه من الوجوه صار بمنزلة الأجير لرب المال؛ فإذا خالف الشرط صار بمنزلة الغاصب ويصير المال مضموناً عليه“.

أما المضاربة الغير الصحيحة فهي في رأي الأحناف: إما باطلة، وهي ما فقدت ركناً من أركانها، وإما فاسدة وهي التي تخلف فيها شرط من شروط صحتها، أو تخللها شرط مفسد للعقد. أما بقية المذاهب … فقد إعتبروا العقد فاسداً، سواء تخلف ركن من أركانه أو شرط من أشترطوه، ولم يفرقوا بين الباطل والفاسد كما فعل الأحناف.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص86): ”والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في هذا العقد أنه ينظر، إن كان يؤدي إلى جهالة الربح يوجب فساد العقد لأن  الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط وتصح المضاربة، وشرط الوضيعة عليهما شرط فاسد لأن الوضيعة جزء هالك من المال فلا يكون إلا على رب المال، لا أنه يؤدي إلى جهالة الربح فلا يؤثر في العقد فلا يفسد به العقد، ولأن هذا عقد تقف صحته على القبض فلا يفسده الشرط الزائد الذي لا يرجع إلى المعقود عليه كالهبة والرهن، ولأنها وكالة والشرط الفاسد لا يعمل في الوكالة“.

وتنقسم الشروط الفاسدة إلى ثلاثة أقسام:

–   شروط تتنافي مع مقتضى العقد، مثل بقاء المال مع صاحبه، أو إشتراط لزوم المضاربة، أو أن يوليه ما يختاره من السلع، أو ألا يعزله مدة بعينها.

–   شروط لا تلائم مقتضى العقد، مثل: الجهالة في حصص أحدهما أو كليهما من الربح، أو اشتراط قدر معين من الربح لأحدهما، أو ربح أحد السفرتين، أو يشترط جزء من الربح لأجنبي.

–   شروط يشترطها أحد المتعاقدين، وليست من مصلحة العقد: كاشتراط رب المال على العامل أن يتاجر في سلعة نادرة قد يصعب بيعها، أو أن يعطي المال بضاعة لشخص آخر، أو يشترط على المضارب ضمان المال أو سهماً من الوضيعة.

قد جاء في كتاب فقه المضاربة للدكتور علي حسن عبد القادر: عن كتاب الإستذكار لأبي عمر: ”قال مالك: لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح خالصاً دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شئ من الأشياء يزداد أحدهما على صاحبه، قال فإن دخل القراض شئ من ذلك … صار إجارة، ولا تصلح الإجارة إلا بشئ ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحداً ولا يتولى منها شيئاً لنفسه، فإذا وفر المال، وحصل عزل رأس المال ثم اقتسما الربح على شرطهما، فإن لم يكن للمال ربح أو دخلته وضيعة لم يلحق العامل من ذلك شئ إلا ممن أنفق على نفسه ولا من الوضيعة، وذلك على رب المال من ماله. والقراض جائز على ما تراضى عليه رب المال من نصف الربح أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر (ص 75)“.

وقد اختلف الفقهاء في الشروط التي تفسد أو يفسد تخلفها المضاربة؛ وفقاً لما رأوا من جواز أو عدم جواز هذه الشروط، فمن لم يجز شرطاً عد المضاربة فاسدة عند إشتراطه مثل إشتراط الأجل … فإن هذا الشرط يكون مفسداً للمضاربة عند الشافعية والمالكية، وغير مفسد لها عند الحنفية وبعض الحنابلة.

فإن فسدت المضاربة لما سبق، ودون تعد من جهة العامل فالرأي الغالب أن يصبح العامل فيها أجيراً، ويستحق أجر المثل عن عمله، ويكون المال والربح كله لرب المال وفي رأي المالكية … يكون للعامل قراض المثل في بعض حالات فساد المضاربة.

جاء في المبسوط (جزء 22 ص 22): ”المضاربة الصحيحة تنعقد شركة لا إجارة، والمضاربة الفاسدة تنعقد إجارة فإنما تعتبر بالإجارة الصحيحة في استحقاق الأجر عند إيفاء العمل، ولو تلف المال في يده فله أجر مثله فيما عمل ولا ضمان عليه“.

وجاء في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 437): ”وإذا فسد القراض لفوات شرط نفذت التصرفات، وكان الربح بأجمعه للمالك وعليه للعامل أجرة المثل“.

ولو تعدى العامل، أو لو تعمد العامل إفساد المضاربة بمخالفته قيدا من قيودها، بأن يخالف شرطاً اشترطه رب المال في العقد، وكان من الشروط الصحيحة التي يحق لرب المال إشتراطه في العقد … يكون العامل غاصباً، ويضمن رأس المال وتكون الوضيعة عليه من ماله.

<< previous page next page >>

الباب الثاني – المضاربة في الفقه الإسلامي

الفصل الأول

المضاربــة

هي عقد بين شخصين، يقدم أحدهما بموجبه مالاً إلى الآخر ليتجر فيه بنصيب من الربح، فإن لم يك ثمة ربح فالمال لصاحبه، وإن كان فيه وضيعة فمن المال، وليس على الذي اتجر في المال شيئاً من الوضيعة. ويسمى الطرف الذي يقدم المال، صاحب المال أو رب المال أو المالك أو المقارِض. ويسمى الطرف الذي يتولى التجارة والعمل: العامل أو صاحب العمل أو المضارب أو رب العمل أو الأمين أو المقارَض.

وأطلق عليها أهل العراق لفظ مضاربة، والمضارب هو من يضرب في الأرض؛ أي يسافر في الأرض ويسعى فيها ابتغاء الفضل، لقوله سبحانه وتعالى:

(..وأخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..)

                                                                    صدق الله العظيم

                                                                    (المزمل: 20)

بينما عرفها أهل الحجاز بلفظ القراض، والقراض من القرض بمعنى القطع، فكأن رب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها للعامل، واقتطع له جزءا من ربحها. والقراض أيضاً من الموازنة، يقال تقارض الشاعران إذا توازنا، وقد استخدم الحنفية والحنابلة الزيدية كلمة المضاربة بوجه عام، بينما فضل المالكية والشافعية كلمة القراض.

والقراض من عقود المعاوضة غير اللازمة والجائزة بالسنة التقريرية والإجماع، وهي مما كان معمولاً به فى الجاهلية فأقره الإسلام، وروى أبو نعيم وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضارب لخديجة رضي الله عنها قبل أن يتزوجها، بمالها إلى بصرى الشام، وأنفذت معه خادمها ميسرة، وكان هذا قبل النبوة، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم حكى ذلك بعد النبوة مقرراً له، وكذا بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكر عليهم، وذلك تقرير لهم على ذلك والتقرير أحد وجوه السنة. وقد عمل بها المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعملوا بها من بعده، وروي عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم: عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهم أجمعين، ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد ومثله يكون إجماعاً.

وجاء في الموطأ للإمام مالك ( جزء 2 ص 687، 688): ”عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق فلما قفلا، مرا على ابي موسي الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلي أمير المؤمنين، ويكون الربح بينكما، فقالا وددنا ذلك، ففعل وكتب إلي عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلي عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا لا فقال عمر أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه. فقال عمر أدياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال“.

والمضاربة وإن كان تطبيقها فى العهد الإسلامى الأول قد اقتصر على التجارة … إلا أنها قد تصلح للصناعة أيضاً، وكان المجتمع الإسلامي الأول فى المدينة يعتمد على التجارة والزراعة، ولم تتعد الصناعة أنذاك سوى بعض الصناعات البسيطة (الحرف)، وتوجد في قطاع الزراعة عمليتان مشابهتان للمبدأ الذي تقوم عليه المضاربة، وهما: معاملتا المزارعة والمساقاة، وكلهم معاملات تيسر تعاون من يملك المال مع من لديه القدرة على العمل بهدف تحقيق الربح لهما، ويجمعهم أن كل منهم عمل فى شئ ببعض نمائه مع جهالة العوض وقت العقد.

وهي إحدي المعاملات التي وفرها الإسلام للناس لإستثمار أموالهم وإنمائها، وأجازها الشارع تحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس و تلبية لحاجاتهم. وتكمن أهمية المضاربة في أنها من العقود التي تعود بالمنفعة على طرفي العقد وعلى المجتمع عامة، فمن يملك المال قد يكون غير قادر على إستثماره بنفسه، إما لإنشغاله أو لعجزه أو لقلة خبرته في أمور الإستثمار والتجارة، وصاحب العمل قد يكون ماهراً ذا خبرة ودراية في أحد مجالات الإستثمار والتجارة ولا مال له، فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين، فيتعاونا هذا بماله وذاك بعمله، وينتفع كل منهما بما يرزقهما الله به، ويعم الخير على المجتمع من جراء إستثمار المال في مشروعات نافعة تخلق فرص عمل وتدفع بعجلة الإنتاج والنمو.

وهي من العقود الجائزة غير اللازمة، ولكل من رب المال والعامل أن يفسخه ما لم يشرع العامل فى العمل، أما بعد البدء… فللفسخ أحكام فصلها الفقهاء ترد فيما بعد. جاء في بدائع الصنائع (جزء6 ص109 ): ”وأما صفة هذا العقد فهو أنه عقد غير لازم ولكل واحد منهما أعني رب المال والمضارب الفسخ لكن عند وجود شرطه وهو علم صاحبه لما ذكرنا في كتاب الشركه، ويشترط أيضا أن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ دراهم أو دنانير حتي لو نهي رب المال المضارب عن التصرف ورأس عروض وقت النهى لم يصح نهيه وله أن يبيعها لأنه يحتاج إلي بيعها بالدراهم والدنانير ليظهر الربح, فكان النهى والفسخ ابطالاً لحقه فى التصرف فلا يملك ذلك، وإن كان رأس المال دراهم أو دنانير وقت الفسخ والنهي صح الفسخ والنهي“.

تعريف المضاربة فى الفقه:

عرَّفها المالكية بأنها: توكيل على تجر فى نقد مضروب مسلم بجزء من ربحه إن علم قدرهما.

وعرفها الأحناف بأنها: عقد شركة فى الربح بمال من جانب وعمل من جانب.

وعرفها الحنابلة بأنها: دفع ماله إلي أخر يتجر فيه والربح بينهما.

وعرفها الشافعية بقولهم: القراض والمضاربة، أن يدفع إليه مالا ليتجر فيه والربح مشترك بينهما.

وعرفها الإمامية بقولهم: المضاربة هي أن يدفع مالا إلي غيره ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه.

والمضاربة هي شركة في النماء الناتج عن المال والعمل، ويسمى النماء ربحاً، والربح عامة يستحق كما جاء في الفقه الحنفي في قول الكاسانى: ”إما بالمال، إما بالعمل، وإما بالضمان. ويضيف : أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر، لان الربح نماء رأس المال فيكون لمالكه، لهذا استحق رب المال الربح فى المضاربة. وأما بالعمل، فان المضارب يستحق الربح بعمله، فكذا الشريك. وأما بالضمان، فان المال إذا صار مضموناً على المضارب يستحق المضارب جميع الربح، ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجا بضمان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: الخراج بالضمان فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له“.

والمضاربة فى أولها أمانة، لأن رب المال يسلم ماله إلي العامل أمانة فى يده؛ حتي يتصرف فيه، فيكون المال في هذه الفترة أمانة في يد العامل، ويجب عليه حفظه وصونه ورده إن طلب منه المالك ذلك، فإن بدأ العمل وتصرف فيه، تصبح وكالة لأن العامل يتصرف فى المال بإذن صاحبه فهو وكيله في التصرف؛ فإذا تحقق نماء في المال… تكون شركة لاشتراكهما في ملكية النماء، وإن هلك جزء من رأس المال، لا تحصل المشاركة لعدم ظهور الربح الذي يشتركان فى ملكه، ويظل العامل وكيلاً فلا يكون عليه شيء في الخسارة، وإن فسدت المضاربة دون تعد منه يصبح عند الشافعية والحنابلة والحنفية أجيراً، وعند المالكية يكون له قراض المثل في بعض الحالات، وأجر المثل في الحالات الأخرى. وليس على العامل ضمان فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه…فإن تعدى أو خالف إلى ما لم يأذن له فيه ضمن.

<< previous page next page >>