الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

الفصل الثاني – النظر في آيات خلق الكون

تمهيد

          هذا الجزء من البحث، هو اجتهاد القصد من سرده هو عرضه على علماء المسلمين المتخصصين في كلا من العلوم الكونية (Space Time metrics)  والنسبية والفيزياء الكمية (الكوانتم فيزيكس) وخاصة فيما يتعلق بتأثر الزمن بتمدد النسيج الكوني في مرحلة التضخم في أول لحظات البدء. وحيث أن هذه الموضوعات متخصصة للغاية، يجب أن يؤخذ المذكور في هذا البحث على أنه رهنًا بمراجعة العلماء المتخصصين، وتم سردها هنا لعرضها على من يتكرم منهم بمراجعتها والإدلاء والإضافة بما يجدونه في علومهم.  أضف الى ما سبق أن النظريات العلمية المعاصرة، وخاصة الجزء الخاص بمرحلة التضخم في نظرية النشأة المفردة، ونظرية الأوتار الفائقة، ما زالت تتطور وتتعدل وقد تتبدل هذه النظريات أو التصورات، إلا أنها أفضل ما توصل إليه الفكر البشري في هذه المرحلة في الطريق نحو تفسير صفات الكون الذي نحيا فيه، ولهذا فلا بأس أن تُعتمد حيث أن التفسير الذي نحن بصدده له أيضًا صفة المرحلية.

 *************

أيام الخلق الستة ( ستة أم ثمانية ؟)

نبدأ بالنظر في أربعة آيات قرآنية هامة تعرضت للخلق الأول بالتفصيل : 

 (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) سورة فصلت الآيات 9 الى 12

           إن هذه الآيات، التي تناول القرآن فيها كيفية الخلق الأول بشيء من التفصيل، ربما تكون قد حيرت بعض علماء المسلمين، والتي تلقفها بعض المستشرقون بكتاباتهم، لأن مجموع الأيام التي وردت فيها بلغ ثمانية أيام، بينما خلق الكون كما ذكر في عدة آيات قرآنية أخرى لم يستغرق سوى ستة أيام، { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ..} الأعراف 54، وقد وجد هؤلاء المستشرقون في هذا الإختلاف تناقضًا، قفزوا منه بسطحية فأعتبروا أن هذا التناقض لا يكون إلا بشريًا في مصدره، هادفين بذلك الإستدلال به على بشرية مصدر القرآن نفسه.

           وقد أجاب علماء المسلمين على دعوى الإختلاف الزمني أن الأيام الأربعة الخاصة بالأرض في الآية الثانية، هي شاملة لليومين في الآية الأولى؛ وبهذا يكون المجموع الإجمالي ستة آيام، وبهذا لا يوجد إختلاف. وهذا الجواب مما تدل عليه الآيات ويصح لغويًا، وهذه الآيات كونية ينطبق عليها المدلول المرحلي المتغير المتطور، ولهذا قد يفترض فيها أن يحمل النص الثابت معان متطورة، وما يفهمه إنسان القرن السابع ليس بالضرورة ما قد يفهمه منها إنسان القرن العشرين.

           ولو كان من عند البشر لقوموه آنذاك، ولكنه لم يقّوم. إذ لا بد أن هذا الإختلاف قد لوحظ في زمن الإنزال، وحيث أنه ترك على ما هو عليه، فهذا في حد ذاته يشير إلى عدم تدخل البشر فيه من قريب أو بعيد، حتى وإن تعارض المجموع مع ما علموه عن الستة أيام كما ورد في آيات أخرى.

ربما لم يكن هناك إختلاف من الأصل، لأن الفهم العام آنذاك هو ما قال به العلماء حتى الآن، من شمولية الأيام الأربعة لليومين، والسرد يسمح بذلك، وذكر الستة أيام قد ورد في سبعة مواضع، وورد مثله في كتب الدين المسيحي والدين اليهودي، مما يعزز أن الخلق قد حدث في ستة أيام لا ثمانية .

          ولهذا فأجد أن وضعه في هذه الآية هي وضع مقصود، ويشير الإنتباه إليها داعيًا إلى البحث والفحص، جيلا بعد جيل، كلا وفق علمه، وقد تطورت علومنا إلى درجة أعلى قليلا عمن سبقنا، ولهذا يتوجب علينا إعمال الفكر فيها كما عمل من قبلنا، فان وجدنا فيها فهمًا جديدًا فالحمد لله، وإن لم نجد فالتفسير السلفي يمكن الإستناد والركون اليه مؤقتًا، إلى أن يتقدم العلم أكثر، خاصة أننا ما زلنا في مرحلة نحن فيها أقرب إلى الخرص العلمي فيما يتعلق بالنشأة الأولى للكون منا إلى اليقين العلمي، وكل ما نصبو اليه هو فهم الآيات بالنسبة إلى معارفنا المعاصرة، أي الفهم المرحلي، أما الفهم المطلق أو التأويل النهائي لآيات الخلق الكوني ولآيات نهايته، فهذا لن يكون إلا بالمشاهدة والتجربة، أي عندما تقوم الساعة.

          والجمع المباشر يبلغ ثمانية أيام يعارض ما ورد في سبعة مواضع أخرى من الخلق في ستة أيام ، وهذا التعارض من الوضوح مما كان يعرفه كل أهل القرن السابع، ومع هذا فلم ينسخ ولم يبدل، بل أبقى القرآن عليه كما هو ولم يُنسخ أو تنسخه آيات أخرى؛ وهذا ما يصبح معه مقصودًا، لغرض إيصال معلومات معينة، ربما القصد منها قد يكون أحد التفسيرات التالية؛ أو غيرها:

– إن الستة أو الثمانية أيام رمزية، والستة لتتناسب مع إدراككم ومع المعلومات التي وصلتكم من الكتب السابقة، والثمانية لتعلموا أن هذه الستة أيام ليست حقيقة ما حدث، ولا أهمية للعدد في هذه المرحلة، وخاصة للسائلين، وهذا مشابه للأعداد التي وردت في قصة أصحاب الكهف، فالمغزي لا يتأثر إن كانوا خمسة أو ستة أو أي عدد آخر، فالنقاش في هذا الموضوع والمجادلة فيه لغو لا خير منه، والمقصود من القرآن هو الهدى وليس تبليغ علوم الطبيعة التي يترك أمر إكتشافها إليكم لتستفيدوا منها في معاشكم وعمران الأرض.

–         أن الأربعة أيام شاملة اليومين اللذين سبقا من خلق الأرض.

أما بخصوص علومنا المعاصرة، نجد أن الزمان كونه بعدًا رابعًا في كوننا، وليس مطلق، أي ليس هناك زمان واحد لكل مكان ولكل حال، فالزمان نسبي يختلف باختلاف سرعات الراصدين. ولو فرضنا شخصين؛ أحدهما ظل على الأرض بينما أستقل الثاني مركبة فضائية وانطلق في الفضاء بسرعة كبيرة قد تقترب من سرعة الضوء، ولو كانت السفينة تسير بسرعة 0،866 من سرعة الضوء (ثمانمائة وستة وستون من الألف من سرعة الضوء) فعند عودته الى الأرض سنجد أن رائد الفضاء قد مر عليه يومًان فقط وفق الساعة الموجودة في سفينته، بينما زميله على الأرض مر عليه أربعة أيام وفق الساعة الموجودة على الأرض. أي أن الساعة التي توجد في وسط متحرك سوف تبدو بطيئة إذا قيست مع ساعة توجد في وسط ثابت، أو متحرك بسرعة تقل عن الأولى. والسبب أن الزمن ينكمش كلما أقتربت السرعة من سرعة الضوء. وينكمش الزمن أيضًا في المجالات التي تحتوي على مجال جاذبية ضخم الى حد كبير، وهذا ما كان عليه حال الكون آنذاك.

وعليه نجد أن الكون قبل التضخم كان يتوسع بسرعة معينة، وكان قياس الزمن في هذه المرحلة يومان، ثم تضخم فجأة بسرعة تفوق سرعة الضوء عدة مرات، ثم عاد ليتوسع بسرعة قد تكون مماثلة أو قريبة من سرعة التوسع في المرحلة الأولى، وقد نتوقع مع هذا التضخم انكماش الزمان مقارنة بقياس المرحلة الأولى والمراحل اللاحقة. ونحن نعرف أن الذي تضخم هو نسيج الكون وأن الطاقة والجسيمات كانت محمولة عليه، أي أن سرعة الفوتونات والجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، والذي توسع هو الكون نفسه، ولهذا لا يستطيع الباحث البت في هذه الأمور، والتي نتركها لعلماء الطبيعة والكونيات، كل ما نصبو إليه هنا هو بيان إمكانية أن تساوي أربعة أيام مقاسة بساعة ثابتة، يومان وفق ساعة متحركة بسرعة كبيرة أو قريبة من مجال جاذبية ضخمة.

وعليه نرى أن الأربعة أيام الثانية هي بقياس الأيام المستخدم بحساب الفترة الأولي، وفي قوله تعالى أربعة أيام سواء للسائلين، والسواء هو الإعتدال بين شيئين، أي بالقياس المساوي أو المعادل للزمان الذي منه قياس اليومين الأولين، أما القياس الخاص بهذه الفترة الثانية فهما يومين فقط، وحيث أنه لا وجود لشئ في الكون آنذاك لم يشمله حركة التضخم، فالجمع الحقيقي يأخذ باليومين وليس بالأربعة، لأن هذا هو الزمان الكوني الوحيد آنذاك، أما الأربعة فهي للمقارنة ولبيان هذه الحقيقة؛ ولأننا عدنا الى معدل التمدد الأقل في زمن السائلين. وسبق أن بينا أن هذا هو ما يتوقعه العلم عند الإختلافات الكبيرة للسرعات التي يتحرك بها الكون والتي تؤثر على قياسات المكان والزمن   (Space & Time distortion)  (Time Dilation).

          والسواء هو الإعتدال بين شيئين، ولهذا فقد ذكرت الأيام الأربعة المعادلة لليومين في الفترة الثانية وفق معيار القياس عند الفترة الأولى؛ فكانت أربعة أيام نسبية وليست فعلية، وهنا جاء لفظ سواء ليبين هذه الحقيقة.

          وقضية الزمان النسبي، تعود الى موقع المشاهد وسرعته وقوة مجال الجاذبية في محيطه، نحن لا نعرف مدى وكيفية حساب إنكماش الزمن خلال هذه العملية، وإنما نعلم أن الزمن قد انكمش وأن الأيام الأربعة التي استغرقها هذا التضخم بالنسبة لمن هو خارجه ستكون فعليًا أقل لمن هو داخله، والله أعلم.

وبهذا يكون المجموع ستة أيام، يومان في المرحلة الأولى ثم يومان فعليًا وحقيقة (يراهم السائل الذي لم يتحرك أربعة أيام)، ثم اليومين الأخيرين، والمجموع الكوني ستة أيام.

دراسة في الآيات المذكورة:

 { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين}

سبق أن بينا أن الأرض عندما ترد في أول الخلق، فان اللفظ لا يدل على الأرض التي نعرفها والتي نقف عليها، قد يدل عليها وقد يدل على غيرها، والحكم يبنى من تفاعل سياق الجملة مع معارفنا، والعلم يقول لنا أن خلق الأرض التي نقف عليها يكون مرحلة متأخرة من مراحل التكوين وليس أوله .

          والأرض التي ذكرت في الآية قد تعنى الأرض الصلبة مثل الأرض التي نقف عليها، أو النفضة، أو الرعدة؛ أو كلهم، أو بعضهم، ويتحدد المدلول وفق تركيب الجملة ضمن المعنى المناسب، والنفضة هي الحركة التي يمكن أن نعبر عنها مجازًا بالتي تحدث فجأة، وبسرعة، أي حركة بعد عدم حركة، والرعدة هي الحركة أيضًا بإضطراب أي بتكرر وإهتزاز ( وهذا يشبه حركة الموجات الكهرومغناطيسية أو تردد جسيم ذو طاقة عالية)، إن خلق الكون نتج عن حركة منتفضة أو مرتعدة إما من لا وجود، وإما من بعد سكون وإما من بعد حركة منتظمة هادئة، أي بعد إتزان وإنتظام. أي أن ما تبلغنا إياه هذه الآية أن أول خلق الكون كان نفضة ورعدة، أي خلق الحركة؛ وحيث أن الحركة أحدى صور الطاقة، أي خلق الطاقة.

 {وجعل فيها رواسي من فوقها}

 رسى : تدل على ثبات واستقرار والله أرسى الجبال أي أثبتها، قيل أن الرواسي هي الجبال، وقد ورد في القرآن في ذكر الأرض التي نقف عليها أن الله سبحانه وتعالى جعل فيها وألقي فيها رواسي حتى تثبت وتستقر فلا تميد بنا (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ )  (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)  (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) وقال المفسرون أن الرواسي هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض كالأوتاد، ونحن نعلم ان الجبال تثبت القشرة الأرضية، وهذا ما تصفه الآيات المذكورة والتي اشارت الى الأنهار والمسالك والأودية وكلهم من تضاريس القشرة، أي أن الأرض المذكورة هي ما تحت أقدامنا وهذه هي القشرة. أما الأرض ككل فما يثبتها هو قوة الجاذبية التي تجذب الأشياء نحو مركزها والتي تعادلها قوة الضغط الواقع على الأجسام في اتجاه رأسي معاكس لاتجاه الجاذبية المتجه نحو المركز.

وفي الآية ( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) يقول ابن كثير: ”أَيْ قَرَّرَهَا وَأَثْبَتَهَا وَأَكَّدَهَا فِي أَمَاكِنهَا“. وعليه نجد أن الجبال التي عليها أن تقوم بتثبيت الأرض، يجب أن تثبت أولاً، وهذا يكون بفعل الجاذبية، ومتى ثبتت الجبال، تكون رواسي للقشرة الأرضية، فيما يتعلق بالحركات الأفقية لهذه القشرة.

وفي الآية (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) يقول ابن كثير : ”وَالْقُدُور الرَّاسِيَات أَيْ الثَّابِتَات فِي أَمَاكِنهَا لَا تَتَحَرَّك وَلَا تَتَحَوَّل عَنْ أَمَاكِنهَا لِعِظَمِهَا.“ قدرٌ راسيةٌ قيل لا تبرح مكانها لِعِظمِها. وخاصة لثقلها الكبير، والثقل بمعنى الوزن دليل على الجاذبية التي هي قوة تجمُع بين الأجسام.

وفي الآية {أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} يقول ابن كثير: ”( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْض قَرَارًا ) أَيْ قَارَّة سَاكِنَة ثَابِتَة لَا تَمِيد وَلَا تَتَحَرَّك بِأَهْلِهَا وَلَا تَرْجُف بِهِمْ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْش وَالْحَيَاة بَلْ جَعَلَهَا مِنْ فَضْله وَرَحْمَته مِهَادًا بِسَاطًا ثَابِتَة لَا تَتَزَلْزَل وَلَا تَتَحَرَّك كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ( اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء)“ ثم يقول ابن كثير: (وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ)  أَيْ جِبَالًا شَامِخَة تُرْسِي الْأَرْض وَتُثَبِّتهَا لِئَلَّا تَمِيد بِكُمْ. وهنا نجد أن الأرض ككل جعلت قَرارًا،“ وهذا من أثر الجاذبية، ولكن هذا لا يكفي لتثبيت القشرة الأرضية، والتي قد تتحرك أفقيًا ولهذا جعل لها رواسي تثبتها وأحدها الجبال بأوتادها أو جذورها الممتدة نحو الأسفل.

مما سبق نجد أن لفظ رواسي يعبر عن الشيء أو القوة التي تثبت الأرض أو غيرها من الأجسام الفضائية.

أما الآية {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} فهذه تعود الى البذرة التي سيكون منها السماوات والأرض، والتي معظمها طاقة، والجديد هنا قوله تعالى {من فوقها}، وهذا التعبير لم يرد في أي من الآيات السابقة، بالطبع يمكن الفهم المرحلي أن الله تعالى جعل في الأرض جبالا من فوقها، وان كان حرف (من) زائد ولم يرد مثله في الآيات التي ذكرناها، ولكننا قلنا أنه في هذه المرحلة من الخلق لم تكن الأرض قد أوجدت بعد، ولم يكن هناك سوى التجمع المكون معظمه من الطاقة. الجاذبية التي نعرفها، تجذب كل شيء نحو المركز، ومصدرها مركز مجموع الطاقة والجسيمات، فان كانت تعمل من فوقها، تكون إما من أعلى أو كأنها من أعلى، وهذا قد يحدث إذا كان تأثير الجاذبية طاردًا وليس جاذبًا . ولكن الجاذبية بالضرورة قوة جاذبة  attractive force وليست نافرة  repulsive force، وهي تؤثر من مركز الشئ بجذبه إليها، فلو عملت من فوقه أي من خارجه فإنها تجذبه إلى الأعلى أي تنفره من المركز وتطرده عنه، وهذا ما نراه من أثر جاذبية القمر على الأرض مثل ما نراه من حركات المد في البحار والأنهار، ودوران الأرض حول الشمس من أثر جذب الشمس للأرض، ولكننا نحلل هنا طبيعة قوة جذب على الكون عند بدء خلقه عندما لم يكن شيئًا سواه، ولهذا فأي قوة مؤثرة يجب أن تكون من وفي الكون نفسه، أذ يفترض أنه لا شئ هناك غيره أو خارجه، ولهذا فهل يمكن أن تكون الجاذبية نفسها قوة طاردة في حالات خاصة، ربما يمكن ذلك، ليس لأننا نعلم، ولكن لأننا لا نعلم شئ عن كيفية عمل القوة الموحدة الأولى التي جمعت الأربعة قوى العاملة في الكون الآن، ولم تكن آنذاك أي منهم قد إنفصلت أو تعمل بمفردها، أضف الى هذا أن الأغلب أن الكون كان عبارة عن طاقة هائلة مركزة، وليس لدينا أي علم يستطيع أن يسبغ غور هذه القوة الواحدة لحظة مولد الكون. العلماء توصلوا أن قوة نافرة طاردة (عكس الجاذبية) أثرت على الكون أول لحظات نشأته، وتسببت في تمدده واتساعه، وهذا ما عبر عنه النص في هذه الآية، أما ماهية هذه القوة، أو هل هي قوة أو نتيجة إنكسار التماثل، أو نتيجة الإنتقال بين مستويات الطاقة Phase Transition ، أو نتيجة إنعكاس أثر القوى مع إقتراب الجسيمات الدقيقة الأولية من بعضها، فلنا مثال على ذلك القوة النووية الجاذبة بوجه عام، فهذه تصبح طاردة Repulsive force عندما تقل المسافة بين الجسيمات الى أقل من نصف فيرون، وربما هذا ما يحدث لقوة المجموعة المتحدة، وكلاهما الجاذبية والقوة النووية القوية نصف هذه المجموعة. أو غيرهم، فهذا مما على العلم أن يصل إليه. الذي يعنينا أنها قوة فعلها عكس الجاذبية.

          ولهذا فمصطلح الرواسي من فوقها أهم ما فيه هو هذه الإضافة ”من فوقها“، والتي هي من شروط البدء المؤدي إلى نجاح هذا الكون ليصبح بعد بلايين السنين الى ما هو عليه الآن .

          ووفقًا لعلمنا الحديث، فقد كانت القوى الأربعة متحدة، وقوة الجاذبية كان أول القوى التي انفصلت وكان هذا في هذه المرحلة الأولى.

ولا شيء علمي ثابت هنا، سوى أن البذرة الأولى تمددت وتوسعت، وهذا يدل أن قوة ما فعلها عكس فعل قوة الجاذبية، قد لا نعرف كنهها بعد، أثرت عليها. والكون المتمدد أو المتحرك، يظل يقال عنه راسيًا طالما أن الحركة منتظمة، ونعرف اليوم أن أرضنا دائمة الحركة، ومع ذلك فهي مستقرة وثابتة، والجبال الرواسي تمر مر السحاب، وهذا ما بلغنا به القرآن {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}، وهذا قد يدل على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس.

ولهذا فأقرب صيغة لغوية تعبر عما حدث آخذين في الإعتبار حدود اللغة وقدرات المستمع لفهم الخطاب في القرن السابع وحتى العقد الماضي، وربما حتى اليوم، هي تعبير ”رواسي من فوقها“ لتعبر لنا في هذا العصر عن قوة طاردة منفرة منتظمة (( يميل العلماء في سنة 2015 إلى وجود المادة المظلمة والطاقة المظلمة وهما يكّونان 95% من الكون الذي نحيا فيه، وأن لهما جاذبية طاردة منفرة، وهذا لتفسير ما وجدوه من تمدد الكون  المتسارع (تباعد المجرات عن بعضها بسرعات متزايدة باستمرار)  )) . وقد أعقب هذه القوة الطاردة:

{وبارك فيها}

البركة : قال الخليل البركة من الزيادة والنماء . وبركت السحابة اشتد إنهلالها. .

وقوله سبحانه وتعالى: وبارك فيها، أي وضع الزيادة والنماء فيها، فنمت وزاد حجمها بسرعة هائلة تفوق سرعة الضوء مرات عديدة، وهذا التعبير يناسب مرحلة التضخم، لأن التمدد المنتظم الذي تبعه عبر عنه القرآن بلفظ : (وإنا لموسعون) .

إلا أن الرأي العلمي خلال العقد الماضي، أصبح يميل إلى تفسير التضخم على أنه إنتقال من مستوى طاقة أعلى غير متزن إلى مستوى طاقة أقل أكثر إتزانًا، ويمكن تفسير ذلك بحالات الماء ((يوجد الماء في الطبيعة في ثلاثة حالات، غازي وسائل وصلب، أو بخار وماء وثلج، وهي تتوقف على درجة الطاقة في جزيئات الماء، وأعلاها البخار وأقلها الثلج، واذا تغير الماء من حالة الى أخرى فإنه يفقد طاقة إذا تغير من بخار إلى سائل ومن سائل إلى ثلج، ويحتاج أن يكتسب طاقة إذا كان تغيره عكس الدورة السابقة . ويشبه العلماء تضخم الكون المفاجئ ولفترة قصيرة للغاية بهذه الظاهرة، فإذا حدث في الجزيئات الأولية في أول خلق الكون مثل هذا التغير في الحالة، فان الطاقة الحرارية المفقودة سوف تسرع تمدده كثيرًا في لحظة معينة، وهذا تمثيل وتقريب لما يعتقد العلماء بحدوثه في أول أجزاء الثانية من عمر الكون، عندما تضخم الكون فجأة للحظة زمنية قصيرة ثم عاد إلى معدل تمدده الأول. أي أن الكون قد حول طاقة الى حركة سارعت من تمدده حتى وصل الى مستوى الطاقة الأقل والأكثر إتزانًا، والتي أكملت تمدده المنتظم حتى يومنا هذا.)) .

وهذا التضخم وإن كان قصيرًا إلا أنه يفسر الكثير مما نجده في الكون في زمننا هذا، فهو يفسر حالة الإستواء والكثافة قرب الحرجة، ويفسر كبرحجم الأفق الكوني عن ذلك الذي يمكن للموجات الإشعاعية أن تنتشر بين طرفيه خلال عمر الكون الحالي، ويحل مشكلة المغناطيس المفرد القطب الذي أظهرت النظريات العلمية حتمية توفره في الكون مع انعدام مشاهدته أو رصده، ويفسر التجانس التوزيعي والإنتظام الدقيق لمادة الكون في كل الأفق المرئي .

وأي كان سبب التضخم، فتعبير (وبارك فيها) يدل على الزيادة والنماء الكثيرين، والبركة الصادرة عن الله تعالى، لابد أن تكون أكثر بكثير مما نعتقد أن قوانين الطبيعة الكونية تسمح به، أي تجاوز سرعة الضوء، وقد علل العلماء هذا بأن الذي تمدد بسرعة تجاوزت سرعة الضوء هو نسيج هذا الكون وليس مكوناته من طاقة أو جسيمات أولية، أي أن هؤلاء حُملوا على هذا النسيج.

{وقدر فيها أقواتها}

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ.

القوت: يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشئ، ومن الباب القوت ما يمسك البدن وسمي قوتا لأنه مساك البدن وقوته.

التقدير هو في تحديد مسار نماء وتطور هذا الكون ومبلغه ونهايته، وقياس القوى والأشياء وعددها والنسب بينها، ولفظ القوت هو ما يدل على إمساك وحفظ وقدرة على الشيء، يعبر عن القوى الأربعة التي ستمسك الكون وتطوره وتبنيه وتحفظه ثم تبلغه نهايته.

وهنا، وهذا في نهاية مرحلة التضخم والجزء الضئيل من الثانية بعده؛ نجد ثلاثة أحداث هامة لنجاح كوننا :

الأول: هو السرعة التي أنطلق بها الكون والتي تقترب إلى درجة متناهية من الدقة من السرعة الحرجة، وهذه من العجائب التي تحير علمائنا ولولاها لما كان هذا الكون ولما كنا نحن.

والثاني: في إنفصال قوة الجاذبية أولاً عن القوة الواحدة، ثم تلتها بعد ذلك وعندما أصبح عمر الكون عُشر البليون من الثانية، إنفصلت القوة النووية القوية أيضًا عن المجموعة المتحدة، وأصبح في الكون ثلاث قوى، هم الجاذبية والقوة النووية القوية والقوة المتحدة، والأخيرة إنفصلت (عندما كان عمر الكون جزء من مائة مليون من الثانية) إلى قوتين هما القوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية، وبهذا أصبح في الكون أربعة قوى تؤثر عليه وتضبطه وتحدد مستقبله .

والثالث: في أول لحظات التكوين، ظهرت الجسيمات الأولية من تبدل الطاقة، وأدى تصادم كثير من الجسيمات مع ضد الجسيمات إلى فناءهما وصدور أشعة عن هذه العملية، إلا أن العلماء يقدرون أن عدد الجسيمات كان أكبر قليلا من ضد الجسيمات، مما تبقى وكون بعد ذلك مادة الكون. ويقدر العلماء أنه كان هناك جسيم واحد أكثر في كل بليون جسيم وضد جسيم، نتج عن هؤلاء هذا الكون الذي تقدر جسيماته 10 80 جسيم.

{في أربعة أيام سواء للسائلين}

           اضافة الى ما سبق في هذا الموضوع، نضيف هنا، أن خلق الطاقة في يومين، ثم كان التضخم الفجائي الذي تغير حجم الكون فيه، بمعدل يكبر كثيرًا عن معدل تمدده السابق، وكبر في زمن قصير للغاية من حجم  أصغر من جسيم ذري أولى (Elementary Particle ) إلى حجم كبير نسبيًا قد يوازي حجم كرة متوسطة،  أن هذه الحركة السريعة وتركيز الطاقة والمادة في حيز صغير، يكون لهما الآثر في أن يبطء الزمن وفق النظرية النسبية لأينشتين، فتكون الأربعة أيام بقياس سرعة التمدد المنتظم آنذاك، ليست سوى يومين من الأيام الفعلية في زمن التضخم، أي من الممكن  أن الزمن (الحديث التكوين والذي هو جزء من نسيج الكون يتأثر به ويؤثر عليه) قد تأثر بهذه الحركة الفجائية التي جاوزت سرعتها سرعة الضوء، مسببة   space & Time distortion

 الذي نفهمه من الآية أن التضخم قد غير مقياس الزمن عن ذاك الذي قيس به الفترة التي سبقته، ونعلم أن الزمن يبطء في حالتين، السرعة والقرب من مجال جاذبية كبيرا جدًا (((نعرف أن الزمان يبطء بقرب الثقوب السوداء   Black holes وقد تتجمد اللحظة عند أفقها))) ، وكلاهما كان موجودًا في أول الخلق، وبأرقام لا متناهية في الكبر، ولهذا فالزمان المقارن آنذاك كان بطيئا لدرجة كبيرة، ولا يوجد زمان مطلق في كل هذا الكون حتى نستطيع القياس بالنسبة له.

ليس لدينا ما نستطيع به البت في هذه الأمور، ولكن علومنا تؤيد إمكانية أن تساوي أربعة أيام يومين أو أي عدد آخر، إذا كانت سرعتا الشيئين المقارن بينهما تختلف إختلافًا كبيرًا جدًا، المعنى القرآني يدل على حقيقة أن الزمان له قياس نسبي، أما أن تكون أربعة أيام مساوية ليومين فعلاً، فهذا قد يكون فعليًا أو على سبيل المثال لبيان الفكرة دون الإهتمام بالأعداد الفعلية، والله أعلم.

          ويجدر الإشارة هنا أن الذي تمدد خلال التضخم بسرعة تفوق سرعة الضوء هو النسيج الكوني وليس الفوتونات والجسيمات الأولية، والتي كانت محمولة على هذا النسيج، وبالتالي فان سرعة الجسيمات لم تتجاوز سرعة الضوء، وبهذا لا يكون هناك تعارضًا مع النظرية النسبية التي تقول أن لا شيء (شعاع أو جسيم) في كوننا يستطيع أن يتحرك أسرع من سرعة الضوء.

          أما لماذا أيامًا وليس أجزاء متناهية في الصغر من الثانية، فهذا الأمر نسبي أيضًا ويجب أن نتذكر أن الزمن يبطء الى درجة كبيرة بالقرب من مجال جاذبية كبيرة، ولا بد أن الكون الذي كان مركزًا كله في نقطة واحدة، بكل طاقته ومادته التي نراها اليوم والتي لا نراها، لابد أن يكون هذا الكم الهائل له قدر هائل من الجاذبية، تبطء الزمن الى درجة كبيرة.

ويصح أيضًا أن تفسر هذه الأيام على أنها من متطلبات الأسلوب الرمزي، لما ذكرناه أن الأجيال السابقة لن تعي أو تتقبل هذه الفترات الزمنية القصيرة للغاية في أول الخلق، ثم الكبيرة للغاية بعد ذلك وحتى يومنا هذا. الكون الذي خلق وتشكل في أجزاء صغيرة من الثانية، استغرق قرابة أربعة عشر بليون سنة حتى ظهر فيه الإنسان. والله تعالى أعلم .

 {ثم استوى الى السماء }

يقول صاحب القاموس المحيط: ”أستوى إلى السماء تعنى صعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى ((وقد ذهب بعض المفسرين الأوائل الى معنى استولي، ورفض آخرون هذا المعنى لأن الأستيلاء يستوجب الضد وهذا لا يصح.)) ، وسواه تسوية وأسواه جعله سويًا واستوت به الأرض وتسوت وسويت عليه أي هلك فيها“ والاستواء يكون على السطح المستوي، قال الطبري: ”وَقَوْله : {رَفَعَ سَمْكهَا فَسَوَّاهَا} يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَوَّى السَّمَاء , فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل“ . وهذا ما يسميه العلماء Flatness أي استواء الى درجة كبيرة من الدقة، وهذا من أثر التضخم السريع الذي مسح أو فرد إلى درجة كبيرة أية تعاريج كانت بها.

{وهي دخان} 

          وكان هناك فقط ليبتون وكوارك . وعند عُشر المليون من الثانية، كان الكون قد برد بدرجة كافية، (تستطيع معها جسيمات الكوارك أن تجتمع معًا لتكون الجسيمات الأولية . فأصبح الكون حمأ من جسيمات أولية (بروتون ونيوترون وإلكترون وكل بقية الجسيمات الأولية القصيرة العمر)، والبروتون هو نواة غاز الهيدروجين، وبعد هذا كان في الكون ليبتون وبحر من الجسيمات الأولية . وكلما أتحد بروتون ونيوترون لتكوين نواة بفعل القوة النووية القوية، صدمتها الجسيمات الأخرى والأشعة وشتتت مكوناتها.

وبين دقيقة واحدة وثلاثة دقائق : عندما أنخفضت حرارة الكون إلى تحت البليون درجة كلفن، تسارع حدوث التفاعلات النووية بفعل القوة النووية القوية بينما قلت قدرة قوة الصدم على تشتيت النوى، فتكونت نَوًى أو أنوية الغازات الأولية كالهليوم والديوتيرم ثم الليثيوم، إلا أن هذا التفاعل الإتحادي النووي توقف بعد ذلك بفترة قصيرة نتيجة إستمرار تمدد الكون وإنخفاض الكثافة والحرارة بسرعة نحو المائة مليون درجة كلفن،  وإستمر الكون في التمدد بعد ذلك، مع تناقص حرارته وكثافته .      

لاحظ أن الجزء المادي من الكون آنذاك كان عبارة عن نَوًى الغازات الأولية وأقرب تعبير لهذا هو ”وهي دخان“.

{فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين}

عن القرطبي: ” وَقَالَ : ” طَائِعِينَ“  وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ عَلَى اللَّفْظ وَلَا طَائِعَات عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُمَا سَمَوَات وَأَرَضُونَ“

          وهنا الأرض ما زالت هي الطاقة المتمثلة في الفوتونات، والسماء هي المادة المتمثلة في كل الجسيمات الأولية وأنوية الغازات، وكان الكون في هذه المرحلة يتمدد بفعل طاقته بينما تحاول الجاذبية إيقاف هذا التمدد، والأتيان هو الحركة التمددية والطوع هو في الإنقياد في إتجاه الحركة، والكره أي بمشقة من أثر الجاذبية.

{فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها}

 عن ابن كثير ”فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ“ أَيْ فَفَرَغَ مِنْ تَسْوِيَتهنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ أَيْ آخَرَيْنِ“ وعن القرطبي ”أَيْ أَكْمَلَهُنَّ وَفَرَغَ مِنْهُنَّ . وَقِيلَ . أَحْكَمَهُنَّ “

والسماء التي ترد قبل قضائهن ليست هي السماء الدنيا، لأن السماء الدنيا واحدة من السماوات السبع، والسماء التي أحكمها الله وقضاها سبع سماوات، هي كلهن متحدين أو أصلهن، ولهذا جاء لفظ ”طائعين“ للجمع، والمجموع قد يكون أكثر أو أقل من سبع، وقضى تدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته  وجهته هو سبع سماوات لكل سماء منها خصائصها ومقدراتها، أي إنه هنا ربما يكون تم إحكام الفصل بين هذه السماوات السبع وإنفاذ كل منها الى وجهته، بأن جعل لكل سماء صفات وقوانين وثوابت تخصها.

وهذا يبينه قوله تعالى { وأوحى في كل سماء أمرها} وأوحى أي ألقى علمًا في إخفاء، والإخفاء هنا ليس عن حي إذ لم يكن آنذاك غيره سبحانه وتعالى، { وما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} وإنما هو إخفاء بين السماوات، أي أن لكل سماء أمرها، والأمر هنا ما يستوجب الطاعة، ويكون في إطاعة وخضوع كل ما في الكون للقوانين والثوابت الفيزيائية التي تحدد العلاقة بينها وكيفية تصرفها. وعليه فلكل سماء صفاتها التي تختلف عن بقية السماوات، وليس لنا إطلاع إلا على السماء الدنيا والأرض، وهذا واضحًا في قوله تعالى ”يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ“ وأُعتبر ”فَانْفُذُوا“ أَمْر تَعْجِيز. أي أننا لن نستطيع النفاذ خارج سماءنا وارضنا، أي خارج عالمنا ذو الثلاث أبعاد مكانية والبعد الزمني الرابع.

          أي أن السماوات أو السماء جعلت سبع سماوات، وهذا يدخلنا في موضوع السبع سماوات الذي تكرر في القرآن الكريم . وقد ظهر مؤخرًا في العلم الحديث نظريات جديدة مفادها أن كوننا له عشرة أبعاد  (تسعة مكانية وبعد زمني واحد) ويمكن القول أن التسعة المكانية هم أثنين في المستوى الأفقي وسبعة إرتفاعات، ولو مثلنا بالأرض كوكبنا والسماء التي نراها، فالأرض لنا أي للشخص الواقف عليها مستوية لها أحداثين؛ والسماء لها إحداثيا واحدا هو الإرتفاع، وهؤلاء ثلاث إحداثيات، فلو قلنا أن هناك ستة سماوات أخرى غير هذه السماء ( أي مجموع السماوات سبع) فمعنى هذا أن هناك ستة إرتفاعات أخرى، تضاف الى الثلاثة التي نعرفها لتعطينا تسعة أحداثيات مكانية وبعد واحد زمني في الكون ككل، بما مجموعه عشرة احداثيات. وهؤلاء عدد الأبعاد لعالم المكان والزمان الذي يعتقد بعض علماءنا أنه من صفات كوننا.  إلا أننا نحيا في حيز السماء الدنيا فقط، والتي لها ثلاثة إحداثيات مكانية وواحد زمني أي أربعة أحداثيات في السماء الدنيا، وهذه هي دنيانا التي نحيا فيها .

          وفقًا لنظرية الأوتار الفائقة  Superstring Universe  ، التي ظهرت في العقد الماضي وهي نظرية حسابية أي انبثقت من معادلات رياضية بحتة، وتتمتع بقبول عدد لا بأس به من العلماء، وفقًا لهذه النظرية أن الكون كان كثير الأبعاد عند لحظة خلقه، ذو ستة وعشرون بعدًا أو ذو عشرة أبعاد، وعندما تمدد في الجزء الأول من الثانية، المعادل لثابت بلانك، 10-43 من الثانية، وأصبح قطره  10-33 سم، توقف تمدد ستة من الأبعاد العشرة، بينما أستمر أربعة في التمدد حتى اليوم ، وهم الثلاثة أبعاد المسافية (طول وعرض وارتفاع) والبعد الزمني الرابع. ولا يوجد دليل تجريبي على وجود هذه الأبعاد الستة التي توقفت عن النمو، ونظرًا لصغرها فمن المستحيل رصدها أو قياسها.

          وهذا الاستدلال قد يفسر خلق السماوات السبع والأرض، حيث أنها تدلنا أن كوننا خلق ذو عشرة أبعاد، تسعة مكانية وواحد زمني، وأننا نحيا في ونستشعر فقط السماء الدنيا، وهذه ذات أربعة أبعاد فقط، ثلاثة مكانية وواحد زمني.

إلا أنه يجدر التنبيه أن هذه النظرية لها عدة فروع، يختلف أحدهم (نظرية M) في أعداد الأحداثيات المكانية لتصبح عشرة أبعاد مكانية وبعد زمني يصبح معه المجموع أحد عشر. أي أنهم زادوا بعدًا مكانيًا عاشرًا في نظرية (م) حيث يتناسب هذا البعد الإضافي مع نماذجهم، وهذا المستوى الأعلى من السماء السابعة، قد نجده في حديث الإعراج والذي قد يكون فيه سدرة المنتهى، والله أعلم .

من حديث الإعراج في تفسير الطبري: ”……وَمُوسَى فِي السَّابِعَة بِتَفْضِيلِ كَلَامه اللَّه , فَقَالَ مُوسَى : رَبّ لَمْ أَظُنّ أَنْ يُرْفَع عَلَيَّ أَحَد ! ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْق ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , حَتَّى جَاءَ سِدْرَة الْمُنْتَهَى“

           ويدلنا القرآن أن السماء الدنيا، وهي ذات الثلاثة أبعاد مكانية والبعد الرابع الزمني، هي الوحيدة التي تتسع وتتمدد، بينما لا تتسع السماوات الست الأخرى، أو الأبعاد الست الأخرى. في قوله سبحانه وتعالى: { والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون }  51/47  ونلاحظ هنا أن السماء التي وردت هنا بمعنى السماء الدنيا هي الوحيدة التي شملها التوسع أو التمدد المستمر، إذ لم تذكر السماوات الست الأخرى، وإنما السماء وحدها، مفردة، والسماء الدنيا تعبر عن دنيانا التي نحيا فيها، والسماء إذا ذكرت بعد الخلق، فهذه تعبر عن كوننا ذو الأبعاد الثلاثة المكانية والبعد الرابع وهو الزمن، وتوسع البعد الزمني هو في المسافة التي دومًا تتزايد بين البدء والحاضر، بينما لم يشمل التوسع بقية السماوات الست حيث لم يأت ذكرها في هذه الآية، وهي الأبعاد الستة التي طويت على نفسها وتوقفت عن النمو في أول الخلق، إلا أنها موجودة ببعد متناهي في الصغر (ثابت بلانك).

{وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم } 

      وهنا الحديث عن السماء الدنيا دون السماوات الأخرى، وهي التي استمر تمددها واتساعها، والمصابيح جمع مصباح من صبح، ويدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، وسمي المصباح مصباحًا لحمرته، وقد تدل الآية تدل على ظهور اللون في السماء الدنيا وهذا عندما إنفصلت الأشعة عن المادة فأصبح الكون مرئي، فظهرت الألوان والأرجح أن اللون كان يميل إلى الحمرة لإرتفاع حرارته، وحفظًا لأن الأنوية إستطاعت أن تحفظ الإلكترونات في مداراتها وتحتفظ بها لتتكون الذرات وهي لبنة هذا الكون كله.

           إن الكون بدأ كونًا معظمه طاقة في الكون المرئي ((إلا ان العلماء يعتقدون بوجود الجزء الأعظم من الكون في المادة والطاقة المعتمتين))، ثم تدرج ليصبح كونًا معظمه مادة، وقد تكونت ذرات الهيدروجين والغازات البسيطة بتعلق الكترون مع بروتون عندما انخفضت درجة الحرارة الى 4000 – 3000 ْ كلفن . وهذا عندما انفصلت الأشعة عن المادة، وحدث هذا عندما أصبح عمر الكون زهاء 300,000 سنة، وقبل ذلك كانت الجسيمات (إلكترونات وأنوية) في حالة حرة، يسميها العلماء سائل البلازما، وكان كلما أنضم إلكترون حول نواة، صدمه جسيم سريع وأخرجه من مداره، وكان وجود الإلكترونات السالبة الحرة يشتت الأشعة، فلما إجتمع الإلكترون مع النواة الموجبة في ذرة متعادلة، أنفصل الشعاع عن المادة إلى الأبد، ومضى كلا منهما في طريقه. .

وبعد ذلك أنتشرت المادة وقلت الكثافة مع تمدده، وتكونت السحب الفضائية، التي تولد في داخلها النجوم وتكونت المجرات من تجمعات النجوم، ثم تكونت الكواكب من الجيل الثاني، وعلى كوكب نائي منعزل فيها، ظهر الأنسان كآخر سلسلة في العملية التطورية المادية .

          ويحمل معنى المصابيح أيضًا معنى النجوم، وهذه الآية جاءت متأخرة في الترتيب الزمني، فالنص الذي ذكرت فيه، لا يصف أحداثًا حدثت ضمن الأيام الستة، بل أنه يشير الى حدوثها بعد آخر يومين، ولم يحدد النص متى حدثت، سوى أنه كان في مرحلة لاحقة للأيام الستة. والملاحظ هنا تسمية النجوم بالمصابيح، والتي أصلها في اللغة يدل على لون من الألوان قيل أصله الحمرة، والمرئي اليوم أن الضوء الصادر عن كل المجرات والنجوم البعيدة والذي يصلنا اليوم، هو ضوءًا له خاصية الإزاحة نحو الحمرة، والتي تدل أن هذه المجرات تبتعد عنا، وهو ما أدى الى أهم الإكتشافات العلمية سنة 1929 واستنبط منه أن الكون في حالة توسع، ومن هذه الظاهرة توصل العلماء الى ظاهرة توسع الكون ومنها خرجت معظم النظريات الحديثة التي تفسر نشأة الكون.

          والحفظ منه تثبيت الشيء وإبقاءه، أي أن الخلق وصل عند هذه المرحلة الى النمو المستقر، والاستقرار الذي نقصده قد نمثله بثبات الذرات بعد تكونها وعدم تفككها مثلما كان الأمر عليه في المراحل الأولى، وقد نفسره ان النجوم هي مطبخ تكوين العناصر الأثقل من الغازات كالكربون والحديد، ومنها تكونت الكواكب، والنجوم هي ما يحفظ الكواكب في مساراتها ويمدها بالطاقة والحرارة اللازمة لنشوء وبقاء الحياة على أرضنا.

{ذلك تقدير العزيز العليم }

قدر : يدل على مبلغ الشئ وكنهه ونهايته، والقدر : قضاء الله تعالى في الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها . وقدر الرزق قسمه، القَدْرُ القوة، والتضييق كالتقدير، وقياس الشئ بالشئ،

          الكون بدأ بنفضة ورعدة، وكلاهما حركة والحركة تعبر عن طاقة ، أي بدأ الكون كطاقة ومن الطاقة تكونت المادة،  ثم التضخم ، ثم التمدد الذي أستمر حتى يومنا هذا. وهذه هي بالضبط مراحل نظرية النشأة المفردة للكون.  The Big Bang , The Singularity

          وهناك أمر بالغ الأهمية تحتويه هذه الآيات الشريفة ولم يسبقها إليه نص بشري أو سماوي آخر، إذ يجب ملاحظة أن هذه الآيات التي تناولت بشئ من التفصيل الخلق خلال الأيام الست الأولى، لم تشر من قريب أو بعيد إلى خلق الحياة من نباتات وأسماك وطيور وحيوانات برية أو إنسان، بل وتؤكد الآيات التي استعرضناها أن هذا لم يحدث آنذاك، ولا يوجد في أي مكان آخر في القرآن ما يشير الى غير هذا، وهذه الحقيقة أوردها القرآن مخالفا ومصححًا بها ما ورد في العهد القديم في سفر التكوين، من خلق أنواع الحياة كلها في الأيام الستة الأولى، وهذا كما علمنا خلال القرن الماضي فقط، يمثل حقيقة ما حدث، إذ أن الحياة ذاتها لم تظهر في الكون سوى في مراحله وعصوره الأخيرة، والتي يمكن أن نطلق عليها الحديثة نسبيًا، لأنها ظهرت بعد مرور البلايين من السنين بعد الأيام الستة.

وقبل أن نترك هذه الحقبة الأولى من خلق الكون، قد نجد في هذه الآيات معان تدعم ما سبق:{أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها  * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها} النازعات، فقد نجد مرحلة التضخم في ”رفع سمكها فسواها“ – يقول القرطبي: ” رَفَعَ سَمْكَهَا “ أَيْ أَعْلَى سَقْفهَا فِي الْهَوَاء ; يُقَال : سَمَكْت الشَّيْء أَيْ رَفَعْته فِي الْهَوَاء , وَسَمَكَ الشَّيْء سُمُوكًا : اِرْتَفَعَ.  فلو أخذنا معنى لفظ ”سمكها“ تعبيرًا عن قطر نسيج الكرة الكونية الأولى، والذي أرتفع فجأة، فنتج عنه تضخم واتساع سطح الكون، فاختفت منه التجعدات ”فَلَا شَيْء أَرْفَع مِنْ شَيْء , وَلَا شَيْء أَخْفَض مِنْ شَيْء , وَلَكِنَّ جَمِيعهَا مُسْتَوِي الِارْتِفَاع وَالِامْتِدَاد“ ويتبين من الآية الكريمة أن القصد من التضخيم هو التسوية، تمامًا كما توصل اليه العلم منذ عقدين قريبين. ثم نجد في ”وأغطش ليلها وأخرج ضحاها“ انفصال الطاقة عن المادة ليغدو الكون مرئيًا ((أصبح الكون مرئيًا ولكن ضبابيًا، ولم يصبح الكون مرئيا صافيًا كما نراه الآن إلا بعد مرور مائتي مليون سنة تقريبًا. )) ، وحدث هذا بعد ثلاثمائة ألف سنة ((هذا الرقم هو ما تداولته الأوساط العلمية منذ عقود، إلا أنهم في السنوات الأخيرة ذكروا أيضًا 380,000 سنة و 400,000 سنة وقد يعود هذا الى أن هذا الحدث ليس لحظيًا وانما استغرق مدة طويلة من بدءه حتى نهايته. ))  تقريبًا.

{ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }، تتعلق هذه الآية بالبعث، وهو إعادة الخلق، وحيث أن اليوم آنذاك سيكون مقداره خمسين ألف سنة، فأننا يمكن أن نستنبط أن الأيام الستة الأولى التي خلق فيها الكون، مقدارها ثلاثمائة ألف سنة، وهي الفترة التي استغرقها الكون ليصبح مرئيًا. ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا.

 ولا يعني هذا الإستنباط المرحلي، سوى أن مدة الستة أيام مجتمعة، قد تعادل ثلاثمائة أو أربعمائة ألف سنة، أما طول كل يوم على حدة فلا يساوي خمسين ألف سنة، ويجب أن ننظر الى هذه الأيام على أنها ثلاثة مراحل، أستغرقت الأولى يومان، والثانية أربعة ولكنها يومان بمعيار الأولى، والمرحلة الثالثة يومان بمعيار لم يبين، وإن كان الأرجح أنه بمعيار اليومين الأولين. وحتى وفقًا لعلومنا الحديثة، نعلم أن هذه الأوقات حدثت في ظروف كانت الحرارة والضغط والجاذبية والسرعة هائلة الى حد كبير جدًا، بما تتغير معه معايير القياس الى درجة قد لا ندري فيها كيف يحسب الزمان، ولهذا نكتفي هنا بالمجموع وليس باليوم الواحد.

أما المرحلة اللاحقة، (والأرض بعد ذلك دحاها) فالأرض هنا هي الكوكب الذي نحيا عليه.

<< previous page next page >>

» المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الأنسان وفي خلق الكون

Contemporary Interpretation of the Quranic Verses related to the Creation of Life & the Universe.

تمهيد

           قد يتخلف تفسير النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف الإنسانية، كما هو حاصل في عصرنا هذا. إذ تعود معظم التفاسير المعتمدة والمجمع عليها، بما فيها تفاسير هذه النصوص العلمية، الى عصور تختلف فيها المعارف الإنسانية عما وصلت إليه في عصرنا هذا، ولا بد أن المفسرين المتقدمين قد تأثروا بتلك المعارف في معرض تفسيرهم هذه الآيات، ومن الطبيعي أن يكونوا قد حمَّلوها بعض المعاني التي تتوافق مع العلوم التي كانت شائعة في زمانهم. وقد نتج عن هذا وجود بعض التعارض بين تفسير السلف الصالح لهذه الآيات وما تدل عليه علومنا الحديثة، بما يتطلب إعادة النظر في معاني هذه النصوص.

 الجهد الكبير الذي بذله المخلصون من مفكري هذه الأمة خلال العقود الماضية، قد قطع شوطًا نحو تحقيق هذا الهدف. إلا أن الكثير منهم، ما زال يرفض بعض النظريات العلمية الحديثة، كما هو الحال عند بعض الهيئات المسيحية التي ما زالت ترفض هذه النظريات وتسعى نحو منع تدريسها في بعض المحافل التعليمية الغربية. إلا إن الرسالة التي بين أيدينا تختلف عن الرسالات التي قبلها، حيث أنها جاءت مصححة ومتممة وخاتمة، وتحتوي نصوصها على كثير من المعاني التي عرفها الإنسان المعاصر، عندما أنعكست ألفاظها وتراكيب جملها على مرآة معارفه الحديثة، ومثال ذلك قوله تعالى {والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون}، الجميع فهم منها معنى تمدد الكون واتساعه المستمر، هذا المعنى الذي لم يتوصل العلماء إلى معرفته إلا منذ ثمانية عقود، وهناك مثلها الكثير من الآيات، نذكر منها النصوص التي تصف مراحل تطور الجنين في الرحم.

أديان من سبقنا لم تُفصَّل أو تحتوي نصوصها مثل الكم الكبير الموجود بين أيدينا من الآيات التى أصطلح أن يطلق عليها الآيات العلمية، فلا يصح لنا أن نحذو حذوهم، لهم أن يرفضوا النظريات الحديثة لأنها تتعارض مع نصوصهم التي ربما تدخل البشر فيها بالإضافة أو الحذف، أما نحن فلو أمعنا النظر في النصوص التي حفظها الله لنا، وبذلنا الجهد الذي أمرنا به، والذي يتطلبه البحث الجاد المتعمق في كل لفظ وجملة، فلن نجد إن شاء الله إلا ما وعدنا به سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

لو أمعنا النظر في تفسيرات السلف الصالح لهذه النصوص العلمية، لوجدنا أنهم قد واجهوا شيئًا من الصعوبة عند تفسير بعض الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، والتي يتيسر بيان مرادها وفق علومنا المعاصرة. ولهذا نجد أن علينا مسؤولية كبيرة، وواجب لا يصح أن نمتنع عنه، قانعين بما لدينا من تفاسير مرحلية لهذه الآيات مضى زمانها، راضين بالتفسيرات العصرية المتجزأة، آية من هنا وآية من هناك، التفسير الموضوعي المكتمل يجب أن يشتمل على كل النصوص المتعلقة بالموضوع الجاري بحثه.  

 إن واجبنا نحو الرسالة القرآنية، هو أن نبذل كل الجهد يحدونا إيماننا أن هذه الرسالة هي القول الحق، المشتمل على كل المعارف التي توصَلنا إليها، والتي قد نتوصل إليها في المستقبل، ويشتمل أيضًا على المعارف التي لن نتوصل إليها في هذه الدنيا. {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

***********

 

 البحث:

يتطلب التفسير أن يكون المفسر ملمًا بعلوم اللغة والقرآن والسنة وأصول الفقه والقياس والمقاصد والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغيرهم، فإذا تطرق الى موضوعات الكون والطبيعة والحياة، فسيتطلب التفسير الإلمام أيضًا بكافة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. ولا يستطيع شخص بمفرده أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قال البعض بتوجب أن يتصدى لهذا العمل السامي هيئة منتقاة من العلماء والفقهاء الراسخين والمتخصصين كلا في مجاله المحدد.

المحاولات الفردية في هذا العصر، هي محاولات يقوم بها أصحابها من الذين لديهم معلومات عامة تغطي معظم أو بعض هذه العلوم، ولكن ينقصهم التخصص والتعمق فيها، ولهذا يجب أن تؤخذ نتائجهم على أنها إجتهادات إبتدائية، بقصد عرضها للبحث والتدقيق والمراجعة، على أن يقوم بهذه المراجعة أكثر من عالم وفقيه، من الراسخين في علومهم، كلا ينظر في هذه الإجتهادات من زاوية العلم الذي يتخصص فيه، حتى يرتقي هذا العمل درجة بعد درجة، ليصل الى مستوى التفسير المرحلى الذي قد تجتمع عليه الأمة.

هذا البحث هو اجتهاد، يضاف إلى سلسلة طويلة من اجتهادات المخلصين لهذا الدين القيم، هو محاولة لفهم النصوص وفق المعارف الحديثة. كنت قبله كلما قرأت القرآن الكريم، أمر على الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، فأستشعر منها معانٍ تدور في نفس الإطار الذي يشير إليه التصور العلمي المعاصر. وهذا ما يتوقعه المؤمن، فالقرآن من عند الله تعالى، والنظريات تُستنبط من الكون الذي أوجده الله سبحانه وتعالي، كلا من عند الله.

إلا أنني وجدت غير تلك المعاني التي وردت في كتب تفاسير السلف الصالح، الذين فسروا هذه الآيات العلمية وفق معارف عصرهم، فأحسنوا جزاهم الله خيرًا في الوصول الى التفسير المرحلي الذي اطمئن الناس اليه إذ وافق علومهم. أما وقد تغيرت المعارف والعلوم، توجب علينا النظر فيها.

فتوكلت على الله وعزمت على أن أخوض في هذا الأمر الجلل، فكان هذا البحث الذي توخيت فيه الخشية والإتقاء والحذر. لقد ترددت كثيرًا قبل عرضه، بين أن أتركه فأكون قد منعت علمًا قد يكون نافعًا، أو أعرضه فأكون قد تجاوزت قدري، وليس لي في الأمر إلا غيرتي على هذا الدين القيم، وأخيرًا توكلت على الله تعالى راجيًا أن يوفقنا ,ان يغفر لي إن جانبني الصواب.

وعليه، فهذا البحث هو اجتهاد، ينحصر في محاولة فهم دلالات النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في الكون المشاهد، وما وضعه هنا إلا لعرضه على علماء الأمة، وما التوفيق إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

                                                           وسيم محمد رفيق

1427هـ – 2006م

*********

 

مقدمة الكتاب

 يُفضل أن يُجرى البحث في موضوع ما، بمعزل عن ودون التأثر بالمعاني المسبقة في الذهن، إلا أن هذا قد يستحيل علينا، لأننا نبحث في معاني ألفاظ وتراكيب لغوية، وينبثق معني الكلام من توافق الألفاظ مع الصور الذهنية الموجودة في العقل، والتي تتكون من نتاج المعارف المكتسبة من قبل. ولهذا فلا مفر من البحث في معاني هذه النصوص ولدينا فكرة مسبقة لما يفترض أن تدل عليه ((أما البحث بمعزل من الأفكار المسبقة، فهذا يفترض فيه أن نتمكن من استخراج المعلومات العلمية من النصوص، قبل أن تتوصل اليها المعارف البشرية، ولا نعتقد أن هذا هو المقصود من وجودها ضمن الرسالة السماوية. )) ، وبهذا فنحن معنيين بالمقارنة، وسيقتصر بحثنا على المقارنة وبالتالي بيان مدى وجود أو عدم وجود أي تعارض.

وقد لاحظنا أن النص ذاته لم يتعارض مع المعارف الشائعة في العصور السابقة، والتي اتفق علماء تلك العصور على صحتها آنذاك، حيث أنهم فسروه الى حد ما وفقًا لتلك المعارف واطمئنوا إلي هذه التفسيرات، وما عصى عليهم – مثل أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء – أرجعوه الى المتشابهات وقالوا آمنا به كلا من عند ربنا، إلا أن معظمه وافق تصوراتهم في خلق آدم مباشرة من الطين وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وما ساعدهم وطمأنهم أن مثله كان قد ورد في شرع من قبلهم. 

إلا أننا في بحثنا هذا، سنفترض أن نفس النص الثابت سوف لن يتعارض مع معارفنا العلمية الحديثة، ولا مع المعارف المستقبلية، أي أننا نفترض أن النص القرآني الثابت قد صيغ ليكون قادرًا على عدم التعارض مع المعارف المرحلية -المتفق عليها بين العلماء- في أي من عصور التطور المعرفي الإنساني. فإن صح هذا الفرض، وتبين عدم التعارض مع معارفنا الحديثة، يكون في هذا النص إعجازًا أكبر من إعجاز النص الذي يستدل منه فقط على الحقيقة العلمية المطلقة، فلا يصلح إلا في عصر اكتشافها، ويسبب بلبلة فكرية في كل العصور التي تسبقه.

ويقوم منهج البحث على الإطلاع –بصورة عامة- على أحدث المعارف الإنسانية والنظريات العلمية المقبولة والمجمع على صحتها من قبل معظم الأوساط العلمية. والإطلاع على المعارف والعلوم التي كانت معروفة زمن التنـزيل. ثم تجميع الآيات القرآنية المتعلقة بموضوعي خلق الحياة وخلق الكون، كلاً على حدة، واعتماد معاني الألفاظ كما وردت في معاجم اللغة المتقدمة، ثم الإطلاع على تفاسير السلف الصالح لهذه الآيات، ثم الإستدلال الى المعنى المباشر الذي يتأتى من معاني الألفاظ وتراكيب الجمل، وبيان مدى توافقه أو تعارضه مع المعارف العلمية الحديثة.

والنتيجة التي يبينها هذا البحث، أن النص الثابت، فيما يتعلق بموضوعي خلق الكون وخلق الحياة، لا يتعارض مع المعارف العلمية الحديثة، وهذا ما يدل عليه البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب.

 

تناول الباب الأول موضوع الرسالة والعلم. وناقش الفصل الأول بعض الأسس المنهجية للفكرين الديني والعلمي ومناطق إتفاقهما حتى ينحصر فيها التحاور بينهما. وتناول الفصل الثاني المعرفة البشرية وقضية الإستدلال بالتصميم، والثالث محددات الخطابين الديني والعلمي ومدى يقينية العلم.

يقدم الباب الثاني موجزًا لما توصل اليه العلم المعاصر من نظريات ثبت صحتها بالتجربة ومن تصورات نظرية وافقت توقعاتها صفات الكون المشاهد. ثم يوجز الباب تاريخ قصة الخلق في مسيرة المعرفة الإنسانية (( وليتبين ما كانت عليه  معارف الناس في عصر التنزيل.)) .

وخصص الباب الثالث لموضوع خلق الحياة والإنسان، والباب الرابع لموضوع خلق الكون وصفاته، ودُرس الموضوعين (في الحدود التي قدرنا الله عليها) كما وردا في الآيات القرآنية الكريمة. مع بيان تفاسير السلف الصالح لهذه النصوص، واعتماد معاني الألفاظ من معاجم اللغة المعتمدة.

                                                           وسيم محمد رفيق

 

 تعريفات:

ونشير هنا إلى أنه كلما ورد في هذا الكتاب أي من الألفاظ التالية فأنها يقصد منها المعاني المبينة هنا:

النص؛ النصوص؛ الآيات؛ الآيات العلمية أو الآيات الكونية: القصد منها يكون الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بالكون المشاهد والموضوعات العلمية والطبيعة وخلق الكون والحياة والإنسان. وقد بينا ذلك قدر الإمكان في بعض الكتاب، واكتفينا بلفظ النص أو الآيات الكريمة في البعض الآخر تجنبًا للتكرار وحيث أن السياق يشير إلى التخصيص.

الكون؛ العالم : الكون المشاهد هو عالم المكان والزمان، وهو كل ما ندركه وما يمكن أن ندركه بحواسنا وعلومنا التجريبية، وهو كل ما يخضع للقوانين الكونية والثوابت الطبيعية.

العلم، العلوم، العلمي، العلم الحديث، علوم الطبيعة، الفكر العلمي: هي طريقة التفكير والعلوم التي تقوم على مبدأ السببية وتعتمد التجربة ما أمكن.

<< Index الفهرس next page >>

الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ


مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة سنة 1993م، بينما نعرض في هذا الموقع أبحاث في موضوعات الإقتصاد الإسلامي، وفي الزكاة، وفي الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون، وفي تطور كتابة مصاحف القرن الهجري الأول، وأبحاث ترد على الشبهات ومنهم شبهة كعبة البتراء، وغيرهم.

قنوات جديدة:

ما تم تحميله على التك توك وقناة اليوتيوب الجديدة حتى الآن مدرج في هذه الصفحة. رجاء أنقر هنا لتصل الى الصفحة الجديدة لمشاهدة الفيديوهات.

أرجو منكم زيارة قناة اليوتيوب ومشاهدة أحد الفيديوهات والإشتراك أو ترك تعليق حتى أتأكد أنها تعمل وأن يوتيوب لن تغلقها. وشكرًا

إصدار الكتب ونشرها:

ولهذا فقد أكملت وأضفت الكثير على هذه الأبحاث ووضعتها في كتب نشرتها على منصة أمازون (مدرجة في صفحة على هذا الرابط) وتجدونها بالبحث في:

www.amazon.com    Category: books and put in the search box: Wassim Lababidi  or وسيم اللبابيدي for the Arabic Books.

The Arabic language books are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone, PC & Laptops. The English language eBooks can be read on all devices. All the books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

وقد وضعت صور هذه الكتب أسفل هذه المقدمة. وأدرجتها في صفحة قائمة الكتب    List of Published Books


كما قمت بإعادة نشر معظم الفيديوهات في قناة جديدة على الفيسبوك (يجب أن يكون لديك  حساب في فيسبوك لتستطيع مشاهدة القناة) Contemporary Islamic Research

لمشاهدة الفيديوهات على الفيس بوك يجب أن يكون لديك صفحة على الفيسبوك وأن تنسخ العنوان وتلصقه داخل صفحتك على الفيس بوك، ويفضل إستعمال Edge Browser



وحيث أن هذه الدراسات المفصّلة تقدم معلومات ومفاهيم جديدة في غاية الأهمية، وحتى لا تُهمل وتندثر، توجب علينا جميعًا نشرها وإبلاغ المسلمين بها. لهذا أرجو من القراء والمشاهدين، الذين إطّلعوا وإقتنعوا ووافقوا على النتائج التي بينتها هذه الدراسات، أن ينضموا إلينا لنكّون مجموعة هدفها نشر العلم الذي منه صلاح الأمة. قال الرسول ﷺ: خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ. وقال ﷺ : خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ. آملين أن يبارك الله لنا. وعسى أن يكون في إجتماعنا هذا، الرد على ما نجحوا فيه من إسكات صوتنا في اليوتيوب. آملاً منكم التواصل معي على بريد هذا الموقع بإقتراحاتكم وتشجيعكم.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،

                                                                                    وسيم لبابيدي

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah


©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف وسيم لبابيدي ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.

Copyright ©.  The Copyright of all contents published on this website and all listed videos are registered and owned by the Author Wassim Mohammed Rafiq. No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.


الى زوار الموقع الأفاضل :  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني مشاركاتكم وإقتراحاتكم. ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة والثواب عند الله سبحانه وتعالى.

email address:        [email protected]


قائمة الكتب التي نشرتها على منصة أمازون / كتب / وسيم اللبابيدي والتي تحتوى على دراسات متقدمة في موضوعات هذا الموقع:

The Books & eBooks are published on Amazon/Books/ Search for the book name or my name Wassim Lababidi أو للكتب باللغة العربية: وسيم اللبابيدي

رجاء أنظر تحت صور الكتب لبيان كيفية قراءة الكتب الإلكترونية

All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk

جميع الكتب الإلكترونية باللغة الإنجليزية متاحة للقراءة على أجهزة الكمبيوتر الشخصية وأجهزة ماك، وعلى جميع الأجهزة الأخرى مثل الأجهزة اللوحية وأجهزة آيباد، بما في ذلك الهواتف المحمولة.

جميع الكتب الإلكترونية باللغة العربية متاحة للقراءة على جميع الأجهزة، بما في ذلك الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والأيباد والكمبيوتر.

جميع الكتب الإلكترونية متاحة بأقل سعر تسمح به الأمازون 2.99 دولار أمريكي على موقع أمازون دوت كوم، و 1.99 جنيه إسترليني على موقع أمازون المملكة المتحدة (دوت كو دوت يوكه).

 

لقراءة كافة الكتب الإلكترونية، يمكن تنزيل كيندل آب: فقط عليك تنزيل كيندل آب من الويب، أو من جوجل بلاي ستور الموجود على الموبيل:
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To install the Kindle app on an Android device (mobile):

  • Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install”
  • Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it.
  • To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password.
Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.
رابط صفحة الكتب                   

 ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في القناة على الفيسبوك:

فهرس الفيديوهات باللغة العربية التي تم نشرها على قناة (Contemporary Islamic Research ) للأسف بعض روابط الفيديوهات لا تعمل، أذهب الى الفيسبوك Contemporary Islamic Research وستجدها إن شاء الله هناك:

1) موضوع خلق الإنسان   

2) موضوع خلق وصفات الكون 

3) الرد على إدعاء أن القرآن نقل عن الكتب التي سبقته وأنه بشري المصدر  

4) الزكاة، المعاملات والإقتصاد الإسلامي

5) الرد على إدعاءات دان جيبسون إن الكعبة وبدء الإسلام كان في البتراء وليس في مكة الحجاز.

6) مخطوطة قرآن جامعة برمنجهام وكتابة مصاحف القرن الهجري الأول. الجزء الأول – الجزء الثاني

7) موضوعات متنوعة


Index of Videos Published in English Language on the new Facebook channel (You can only open the videos uploaded on Facebook from your Facebook page) Please go the the facebook page: Contemporary Islamic Research and you will find the videos there (but not all):

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.

 




13 أبريل 2023  الموقع هو  Contemporary Islamic Research وقد نشرت فيه بضع فيديوهات، وجاري نشر البقية. أرجو زيارته وأخباري برأيكم، والسلام عليكم،


6 / 6/ 2023 الحمد لله تعالى، تم اليوم رفع معظم الفيديوهات باللغتين العربية والإنجليزية على صفحة الفيسبوك. ووضعت الفهرس مع الروابط وتجدوه أعلاه في هذه الصفحة. 


13/04/2023  A new page/ channel is established on Facebook pages Contemporary Islamic Research So far I uploaded few videos, please visit and write to me. Best regards. (To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account)


فهرس المقالات مع روابطها على هذا الموقع:

الخلق التطوري الموجه بقدرة الله تعالى . دلالات آيات خلق الإنسان في ضوء علومنا الحديثة. (رابط المقال)

Was Evolution Guided? Or By Mutations & Natural Selection? The Case for Intelligent Design  [Article ]

هل كان التطور عشوائي أم تطور موّجه وفق تصميم وغاية؟  (رابط المقال على هذا الموقع)

نحو فهم جديد في فريضة الزكاة

مناقشة المفكر خليد بنعكراش في ما قال به في موضوع الربا (الفيديو)

Al Zakat – Contemporary Study – Towards A New Understanding

التضخم وتغَيرُ القيمة الشرائية للنقود الورقية وهل يرد القرض بالعدد أم بالقيمة

Death of a Galaxy – The Holy Quran Verses 81:15 to 18

{Why was the Quran not revealed to him all at once?} – Is there a Repetition in the Holy Quran?

الرد على إدعاء التكرار في القرآن الكريم – وقال الذين كفروا لولا نُزًل عليه القرآنُ جُملة واحدة

   التأويل والتفسير المرحلي لآيات خلق الكون وخلق الحياة في ضوء معارفنا وعلومنا الحديثة   رابط الموضوع  

 The Birmingham Manuscript & the History of the Writing of the Early Mushaf (Quran) Episode 1 of 4

مناقشة حلقة الدكتور إياد قنيبي حفظه الله: فانظروا كيف بدأ الخلق، هل أشار القرآن لتطور الإنسان؟

Quran & Science “The Creation & Working of our Universe”

On The Day When The Earth Is Replaced By Other Than The Earth

Al Naskh (Abrogation) in Quran. Legislative, Historical & Critical Study.

By Professor Mustafa Zaid

Response to Dan Gibson Claim that Petra Not Mecca was the Birthplace of Islam

الرد على إدعاء دان جيبسون أن الصحابي ابن الزبير (رضي الله عنه) نقل الكعبة من البتراء الى مكة

Response to Dan Gibson Claim: Ibn Al Zubair moved Al Kaaba from Petra to Mecca

Episode 1: Is Petra the Birthplace of Islam?     URL of Episodes 2 11 listed in Episode 1   

Response to Dan Gibson Claim that he found the First Kaaba was in Petra

الرد على إدعاء دان جيبسون أنه وجد بقايا الكعبة الأولى في البتراء

Creation & Evolution (Episode 1 of 9),  (2),  (3),  (4),  (5),  (6),  (7),  (8),   (9) .

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ

The 6 Days of Creation and the Big Bang Theory

إيداع المال في البنوك الإسلامية وإستثماره وفق قواعد معاملة المضاربة

موجز مختصر عن “كتاب النسخ في القرآن الكريم” الدكتور مصطفي زيد رحمه الله 

الشمس تغرب في عين حمئة – ذو القرنين

هل كان الخلق إعجازيا أم تطوريا؟ القرآن الكريم ودلالات الخلق التطوري 1 من 8

Creation or Evolution

وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين   

The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47

الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق

Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy

Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟

The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)

Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price

مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

  مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير 

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


 

الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.