الفصل السابع – المضاربة بالقدرات الممتدة

وصلت المرحلة الأولى من مراحل تطبيق الإقتصاد الأسلامي إلى مفترق الطرق؛ وعلى فقهاء هذه الأمة واجب حتمي وعاجل وفورى؛ يتمثل في تقديم صور المعاملات الشرعية التي يمكن تطبيقها وتعود بالخير على المتعاقدين والمجتمع؛ وليس بين أيدينا من العقود العملية سوى عقود المعاوضات وعقدي المرابحة والمشاركة؛ فهناك بشكل نظري عام المعاملات التي تغطي كل متطلبات التعامل التجاري إلا أن تطبيقاتها العملية تحتاج إلى الدراسة والتطوير لتناسب متطلبات هذا العصر؛ هناك المضاربة إلا أن صورة المضاربة الحالية غير عملية ولهذا فهي لا تمارس إلا فيما ندر؛ أما عقود المبادلات والإجارة بأنواعها فهذه وإن كانت لها أهميتها إلا أنها ليست كل الإقتصاد ولا يبنى عليها اقتصاد أمة ترجو التقدم والإنتاج. فهذه والمرابحة من المعاوضات؛ فإن أعتمدت أمتنا على هذه المعاملات فقط أصبحنا أمة مستهلكة غير منتجة. وعلى أهل الفقه والإفتاء أن يتحروا بالغ الدقة والحذر فيما يمنعون أو يجيزون؛ فمن هذا المنع أو الإجارة تتحدد الخطوط الرئيسية لإقتصاد هذه الأمة؛ إما مستهلكة أو منتجة؛ اما زراعية تجارية أو صناعية؛ اما خاملة أو متقدمة متطورة؛ من هذا الإفتاء أو من عدمه  يتقرر مصير هذه الأمة ومستقبل أجيالها القادمة، وقد رأينا كيف منع أغلب فقهاءنا على مدى العصور السابقة المضاربة في مجال الصناعة؛ دون الإستناد على أسس شرعية؛ ولو بينوا الإسباب الوقتية التي دعتهم إلى ذلك لتمكن من لحقهم من الإجتهاد إذا تغيرت الظروف وإنتفت هذه الأسباب؛ وقد أدى هذا المنع إلى عدم توفر التمويل للصناع فقام إقتصاد هذه الأمة على التجارة والزراعة؛ أما الصناعة فعندما تطورت وخرجت من نطاق الحرف المحدودة إلى نطاق المصانع الكبيرة وإحتاج قطاعها المال الكثير؛ لم يتوفر هذا المال لها ولم تتعد مصانعنا الكبيرة ما كان ممولا من الدولة مثل صناعة السفن والصناعة الحربية وغيرهما؛ بينما أذنت الكنيسة- على خطأ تشريعي- في أوروبا بالتمويل الربوي في القرن السادس عشر ميلادي فتوافر المال اللازم وقامت بعد ذلك ما تسميه أوروبا بالثورة الصناعية؛ بينما وفر لنا شرعنا معاملة أعدل وأحل من التمويل الربوي المحرم علينا وعليهم؛ إلا أننا منعناها عن أنفسنا دون سبب شرعي، فكان من أحد نتائج هذا المنع- والله أعلم- أن أصبحنا أمة تعتمد على التجارة والزراعة وليس لنا في الصناعة إلا القليل؛ ولا نقول هنا نأذن بالربا الظالم والعياذ بالله؛ وإنما نجيز البديل العادل الذي وفره لنا الشرع وهو المضاربة ونسمح بها في كل مجالات الإستثمار؛ والتي قال عنها الإمام مالك رضى الله عنه أنها سنة المسلمين.

لقد أجاز بعض الفقهاء المرابحة وهاجمها البعض الآخر؛ وتدور في الباكستان مناقشة حول مدى شرعية بعض المعاملات التي يقوم عليها النظام المصرفي الباكستاني؛ ومنها الإقراض بالبيع؛ وقد أصدرت المحكمة الشرعية الإتحادية في نوفمبر 1991م حكمها بحظر التعاملات الربوية واعتبرت الإقراض بالبيع منها؛ واستأنفت المصارف والحكومة الحكم أمام المحكمة العليا التي لم تصدر قرارها بعد. والنظام المصرفي الذي التزم بالشريعة منذ سنة 1985م يعتمد في كثير من أعماله- مثله مثل البنوك والمؤسسات الإسلامية الأخرى- على هذه المعاملة، ثم قال الدكتور أحمد النجار : ”أن رؤساء بعض المصارف الإسلامية سألوني كيف نعمل دون سعر فائدة؟ ووجد هؤلاء المصرفيون في المرابحة الحل وتم إستخدام المرابحة في تبرير كل العمليات المصرفية بعد ذلك، بل تحقيق نسب أرباح كبيرة تفوق سعر الفائدة بكثير، وأضاف قوله أن المرابحة تعتبر أكبر حل اجرامي في التاريخ الإسلامي فهي سعر فائدة ولكنه مضمون 100%“. ويدل كل هذا على خطورة هذه المرحلة وأهمية أن يقوم علماء الأمة بواجبهم المتمثل في تقديم المعاملات الشرعية التي يقبل عليها الناس من مؤسسات وأفراد وتفي بكافة إحتياجاتهم.

ان إقتصاد هذه الأمة يجب أن يقوم على تشجيع إستثمار متوازن في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والعقارات وغيرها؛ وعلى أهل الإفتاء أن يحذروا من ترك قطاع ما دون توفير المعاملات التي يحتاجها لنموه وتقدمه؛ والنظام الإسلامي لا يمنع معاملة دون أن يقدم بديل عنها؛ وعلى فقهاء هذا العصر أن ينظروا إلى متطلبات هذه الأمة وأن يلبوها، فالإقتصاد الذي يشرعون له منه مستقبلها ومصيرها. وبارك الله تعالى للباكستان ولكل الأمة الإسلامية التي قامت مخلصة لتطبق شريعة الله تعالى في إقتصادها؛ وعلى كل مسلم واجب تقديم العون و الدعم وتيسير الطريق إلى بلوغ هذا الهدف السامي؛ الذي يحمل بين طياته أسباب الرخاء والتقدم وأهم من كل هذا رضى الله سبحانه وتعالى.

والمضاربة بالقدرات الممتدة؛ هي عقد يوفر إجتماع صاحب المال المستثمر مع الشركة العاملة – بقدراتها الإداربة و الفكرية وخبراتها الإستثمارية – صاحبة الأصول من مكاتب ومتاجر أو معدات أو مصانع او مزارع أو وسائل نقل وغيرها؛ فتكون مشاركة بين منفعة مال هذا ومنفعة أصول ذاك وخبرته، فان كان في المال نماء كان للمنافع أثر وقيمة، وإن لم يكن لا يكون لها قيمة؛ فيكون لرب المال ما تبقى من ماله؛ ويكون للشركة أصولها فحسب ولا أجرة ولا نفقة ولا شيء لها غير ذلك. فيشتركا في الربح وفي الخسارة.

والقول أن النقود لها منفعة يجرنا إلى أن ما له منفعة يمكن تأجيره وهذا بالطبع ربا؛ المنفعة التي نقصدها هنا هي النماء العائد إليه والناتج عن العمل في المال واستثماره، أي أن النقود إذا إستثمرت فعلا وتحمل صاحبها إحتمال هلاكها أو هلاك جزء منها؛ فنمت من خلال هذا الإستثمار فقد جرت منفعة إلى صاحبها تحل له شرعاً، وهذه المنفعة التي نتحدث عنها لا تباع وتشترى ولا تستحق إلا عند ظهورها أو ظهور أثرها في النماء. والنقود لا تصح إجارتها لأنها مما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه؛ وعقد الإجارة يرد على المنفعة لا العين؛ وهذه منفعتها لا يمكن أن تتحقق مع بقاء الأصل- العين- على حاله (أو بدون نقصانه إلا بقدر لا تعتد به؛ أو يكافئ قيمة المنفعة المباعة)، ولأن هذه المنفعة غير معروفة عند التعاقد ولا يمكن وصفها أو تحديدها بل وليس من المؤكد حدوثها أو حصول المستأجر عليها؛ ولأن الأجر لا يستحق إلا عند تحقق المنفعة واستيفائها حقيقة؛ ولأن العين- التي منها المنفعة المباعة- ضمانها على المؤجر فإن هلكت فعليه غرمها؛ فكل هذه الشروط لا تتوفر في بيع منفعة النقود ، وبهذا لم يصح تأجيرها، وإن صح فيجب أن يتكافئ الأجر مع المنفعة حقيقة، ومنفعة المال في قدرته على النماء بالعمل فيه، فإن نما كان الأجر بعض من هذا النماء فإن لم يكن ثمة نماء فلا أجر وضمان الأصل أو العين على المؤجر فإن هلك فعليه؛ فيكون العقد إبضاعا إذا كان الربح لرب المال؛ أو مضاربة إذا كان بينهما؛ أو إجارة إذا كان للعامل الأجر على إستثمار المال بشرط معرفة وتحديد العمل الذي سيقوم به أو أن يسلم نفسه مدة معلومة. والقاعدة الشرعية كل قرضا جر نفعا فهو ربا، فالقرض في هذه المعاملة مضمون ويبقى المال أو يعاد مثل أصله؛ بينما لا ضمان هنا لا في المال ولا في المنفعة؛ ويتبدل المال من حال إلى حال ويتحمل صاحبه إحتمال هلاكه.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي (جزء 29 ص101): ( انا نعلم بالا ضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم، وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا).

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه إلى منفعة المال في المضاربة؛ ويمكن تجاوز تسميتها منفعة- لو فضلنا ذلك لحساسية هذا اللفظ الذي يربطه في بعض الأذهان بالربا لا لمعناه ومقصده- اذا بدلنا الألفاظ فاستخدمنا نماء محل منفعة، فتكون مشاركة هذا بقدرة ماله على النماء؛ مع ذاك بالنماء المتولد عن إستخدام معداته وأصوله كما أطلق عليها الحنابلة إذ قالوا يدفع الدابة بنماءها؛ أو كما ذكرنا إستهلاكها.

ولو نظرنا إلى المضاربة بالقدرات الممتدة؛ نجد انه كلما ازدادت قدرات الشركة العامل المستخدمة في هذه المضاربة كلما زاد عامل الأمان عند رب المال؛ لهذا فان أرباب الأموال والبنوك الإسلامية سوف توجه أموالها إلى الشركات الكبيرة ذات المعدات والمصانع والمتاجر وغيرها؛ وقد يؤدي هذا إلى حرمان الشركات الصغيرة وأصحاب الحرف من التمويل اللازم لأعمالهم؛ وهذا صحيح إلى درجة ما؛ إلا أن البنوك عامة توزع مالها على القطاعات المختلفة لأن الأرباح التي تحصل عليها من الشركات الصغيرة توازن درجة المخاطرة، وهي إذا توفر لها عامل أمان من الشركات الكبيرة سوف تجد لديها القدرة على تمويل الشركات البادئة والصغيرة. وفي كل الأحوال فان التمويل متى توفر للشركات الكبيرة فسوف يوفر الأعمال لغيرها، والوضع حالياً وفي كل النظم الإقتصادية الأخرى لا تختلف عن هذا فالبنوك لا تمول إلا الشركات القوية التي تجد عندها القدرة على السداد، وهذه خطوة أولى بوجه عام؛ ومتى كثر التعامل بالمضاربة فلا بد أن يكتسب البنك كفاءات يتمكن من خلالها من التعاقد بثقة مع الشركات الصغيرة والبادئة. وبالطبع هناك عقود أخرى يمكن عن طريقها تمويل هذا القطاع مثل الشركة والمشاركة.

وقد قدمت لهذا الفصل بوجوب توفير المعاملات الشرعية لكل قطاعات الإنتاج ولا نقتصرها على المعاوضات والوكالة والوديعة وغيرها من المعاملات التي قد تحصر بناءنا الإقتصادي في الحدود التجارية الاستهلاكية ذات طابع الخدمات دون الإنتاج الحقيقي؛ والذي يحتاج إلى المشاركات والمقابلات؛ والذي بين أيدينا منها يغلب عليه أن يكون شركات وهذه تختلف في طبيعتها عن المضاربة وغيرها من المشاركات التي تقدم مجال الاستثمار للقطاع الأكبر من الناس الذين لا خبرة لهم ولا قدرة لهم على الإدارة والعمل؛ ولهذا فإن النظام الإقتصادي يجب أن يهتم في المقام الأول بتجميع هذه الأموال وتوجيهها إلى المجالات الإنتاجية بغرض إنمائها وإنماء المجتمع الذي جمعت منه، وخاصة ان هذه القطاعات توجد فرص عمل جديدة لأفراد هذا المتجتمع.

 

في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمارات العقارية؛ لدينا المضاربة والمزارعة والمشاركات لتمويل هذه القطاعات وبالصيغة العملية التي وردت في هذا البحث؛ أما في مجال التمويل الإستهلاكي؛ فلو أخذنا تمويل المساكن الخاصة- كما هي الحالة في الإقتصاد الغربي- فيمكن تصميم معاملة يشتري العميل والبنك المنزل ويمتلكاه بينهما مشاركة بحصص المال؛ وليكن الخمس للعميل والأربعة أخماس للبنك؛ ويسكن العميل المنزل كله وفق عقد إجارة منفصل فيستحق البنك أجرة أربعة أخماس البيت، بينما يقسم ما دفعه البنك على عشرة ىسنوات مثلا يدفع العميل العشر منها كل سنة؛ فتؤول ملكية هذا العشر إليه فلا يدفع أجر هذا العشر في السنوات التي تليه؛ وهكذا حتى تؤول ملكية البيت كله إلى العميل فتنتهي المشاركة. وهذه معاملة صحيحة بشرط ألا يجبر العميل على أجرة فيها غبن أو تختلف عن أجور مثل هذه الدار، وقد لا يجوز أن يجبر علي الإستئجار إن شاء بعد أول عام أن ينتقل منه إلى غيره؛ فهذا عقد إجارة ولا علاقة له بعقد المشاركة؛ إلا أنه يتعرض في هذه الحالة إلى تغير الأجرة وفق تغير أسعار السوق عند التعاقد في الفترات اللاحقة. وربما جاز أن يتفقا على عقد إجارة مدته عشرة أعوام عندها لا يحق له الإنتقال لأن الإجارة عقد لازم لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا إذا وجد ما يوجب الفسخ. وفي كل حال فالعين موجودة فان بيعت رد لكل من الشريكين نصيبه من ثمنها بحصص مالهما. وهناك أكثر من طريقة لهذا التمويل الإستهلاكي:

1- أن يشتري البنك العقار ثم يبيعه الى العميل وفق عقد بيع مؤجل فيه بعض الثمن أو كله؛ ويجوز للبنك أن يبيعه بثمن أكثر مما أشتراه به إذا لم يكن قد أخذ ضمانات من العميل بشراءه وكان للعميل حق الخيار حتى توقيعه على عقد الشراء الخاص به؛ أما إذا أخذ من العميل وعدا ملزما بالشراء فلا يحق له الربح وإنما يحق له تقاضي قيمة المنفعة التي ينتفع بها العميل عن الجزء من الدار خلال المدة التي سكن فيها ولم يدفع الثمن بعد، فيكون الثمن المؤجل يساوي ثمن الحال زائد أجر الجزء المنتفع به حتى يتم تسديد ثمنه، وهذا العقد- بصورته الملزمة للعميل بالشراء- ملزم للطرفين في الثمن ومواعيد الدفع. فإن امتنع أو عجز العميل عن الدفع يحق للبنك أن يبيع العقار ويأخذ من ثمن البيع بقية مستحقاته وفق العقد وما يتبقى يأخذه العميل.

2- أن يشتركا في الشراء والملكية وفق عقد مشاركة؛ ثم يستأجر العميل الدار وفق أجور المثل وطبقاً لعقد إجارة، ويشتري العميل أجزاء من حصة البنك وفق عقود بيع.

  •     عقد الإجارة إما يكون ثابتا لمدة العشر سنوات أو أكثر؛ أو يكون كل سنة مثلا؛ فإن كان ثابتا لمدة طويلة يكون ملزما وعليه دفع الأجرة المتفق عليها لشركة المشاركة وتقسم الأجرة بينهما بحصة كل منهما في ذلك العام، وإن كان يجدد كل عام فكذلك إلا أنه يجب الإتفاق عليه أول كل فترة جديدة وبشرط أن يكون مثل أجور مثله، وعقد الإجارة لا علاقة له بالمشاركة وله أن يستأجر أو إن يمتنع إن شاء ذلك، أي يكون كالأجنبي عن المشاركة.
  •     أما عقد البيع فهذا اما يتفق عليه بنفس ثمن شراء المشاركة للعقار؛ فيشتري من البنك جزء من حصته كل عام وهذا إن تعاقدا على أجزاء معينة وفق تواريخ مستقبلية معينة يكون عقدا ملزما لهما. أو يُتفق عليه بموجب سعر السوق في هذه الأوقات المستقبلية فلا يكون ملزما لهما. فإن إختلفا يباع العقار ويقسم المال بنسب المشاركة. وعقد البيع المستقبلي عقد لا يتخلله ما نهي عنه مثل عدم التقابض والغرر وغيرهما مما يشوب العقود المنهي عنها، فهذا بيع موجودة فيه العين ومملوكة للبائع ومقدور على تسليمها؛ تأخر فيه تسليم العين وتسليم الثمن. فإن جاز السلم وجاز البيع المؤجل يجوز تأجيل العين والثمن والله أعلم.

 وهذا عرض عام- ويحتاج إلى بحث مفصل مطول آخر- يمكن تطبيقه على السلع الإستهلاكية الأخرى من سيارات إلى أجهزة منزلية وغيرها؛ والأساس في حساب الزيادة نظير تأجيل دفع الثمن أنها يجب أن تساوي ثمن منفعة العين في هذه الفترة المؤجلة أي أجرتها، ولا يجوز هذا النوع إلا في الأعيان ذات المنفعة أي التي يمكن إجارتها وتنضبط بأثمان هذه المنافع. أما ما لا يمكن اجارته فقد وفر الشرع له البيع المؤجل فيه الثمن والأرجح أن ضابطه هو الثمن المستقبلي لهذه السلعة، وهذه بيوع تحدد أثمانها قوى السوق المنافسة. ولا يصح أن يكون ضابطه ربح المثل لأن هذا بيع فإن إتفقا على ربح المثل في هذه المدة ضُمن هذا الربح ثم قُبض دون إستثمار أو تعرض أصل المال للمخاطرة، هناك خط يفصل بين ربح المثل أو ربح الفرصة المضاعة وبين الفائدة الربوية؛ يتمثل في إستخدام ربح المثل للمقارنة فقط مع عدم إستحقاقه إلا عند تحقق الربح الفعلي حقيقة. فإن إستحق دون إستثمار فعلي كان ربا.

أما عن تمويل المشروعات الحكومية مثل الطرق والمستشفيات وشبكات الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات التي تتعهدها الدولة فهذه تعاونية تمول من أموال الضرائب فإن لم تكف يمكن تمويل النقص بإكتتاب فينفذ المشروع وتستأجره الدولة من أموال الضرائب المستقبلية ويعود الأجر إلى مساهمي الإكتتاب على أن تحدد طريقة وثمن شراءه بطريقة مقاربة لتلك التي ذكرت فيما قبل.

ان الإقتصاد الإسلامي قادر على تلبية كل متطلبات واحتياجات البشر وبصورة عملية ذات قيم عادلة؛ تؤدي إلى تشجيع المعاملات والاستثمار بما يعود بالخير والرخاء على المجتمع الذي يأخذ به ويطبقه وفق أسلوب عملي معاصر وصادق. ومن أحد العوامل المهمة في إنجاح تطبيقه هي أن يقتنع به العاملون في أجهزته؛ ويؤمنون إيمانا مطلقا به كنظام عملي يقوم على قوانين ومعادلات ويستمد مبادئه من مثاليات وأخلاقيات، وأن يتخلوا عن الفكرة السائدة أن معاملاته تقوم على الثقة والأخلاقيات وحدها، فهذا غير صحيح وقد عرضنا هذه الدراسة آخذين في الإعتبار عدم توافر الثقة فوجدنا في هذا النظام ما يكفل الأمان حتى إذا اعتدى أو خان طرف؛ مالم نجده في النظم الأخرى، فهذا نظام إنساني عملي لو بحثنا فيه بجدية وإقتناع سنخرج منه بالنظام الإقتصادي المثالي والعملي معا؛ والذي ليس لدي أدنى شك في أن العالم كله سيأخذ به في المستقبل القريب؛ ففيه علاج كل المشاكل الإقتصادية والاجتماعية التي عانى وما زال يعاني منها نتيجة انتفاء العدالة في هذه النظم. فلنتوكل على الله تعالى ولنعمل بما أنعم به علينا؛ ونحن أولى بما إصطفانا سبحانه وتعالى به؛ لا يسبقنا إليه أحد من العالمين؛ وما التوفيق إلا من عند الله عز وجل.

تم والحمد لله، سنة 1993 ميلادي

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – أركان عقد المضاربة

عقد المضاربة

ينعقد العقد بالإيجاب والقبول، وذلك بألفاظ تدل عليها بأن يقول رب المال خذ هذا المال مضاربة و الربح بيننا على كذا من نصف أو ربع، أو غير ذلك من أجزاء الربح. ويقول المضارب أخذت أو رضيت أو قبلت. وأركان عقد المضاربة هي أطراف العقد، ومحل العقد، والصيغه وهي مايدل على الأذن في التصرف بمعني المضاربة. وأركانها أيضا كما ذكرها الجمهور خمسة هى رأس المال والعمل، والربح، والصيغه، والعاقدان، وقد اعترض البعض على اعتبار العمل والربح من الأركان لأنهما يوجدان بعد العقد.

أولاً: المتعاقدان

يشترط فى رب المال وصاحب العمل ما يشترط فى العقود عامة؛ فيشترط في رب المال الأهلية والولايه وما يشترط في الموكل، فيكون ممن يملك فعل ما وكل فيه بنفسه، وفي العامل أن يكون صالحاً وأهلاً لأن يكون وكيلاً وصحة مباشرته لنفسه للتصرف الذي وكل فيه.

رب المال:

صاحب المال هو كل من يملك مالاً، ويريد إنماءه بالمضاربة، وصاحب المال – هذا في أغلب الأحيان – غير قادر على إنماء ماله بنفسه بالكفاءة التى قد يمكن تنمية المال بها إذا دفع به إلي من هو أكثر منه خبرة وعلماً في مجال الإستثمار فالذي يعمل في وظيفة تدر عليه دخل يستطيع إنماء الفائض من ماله بدفعه إلى مضارب، بينما يبقي هو في وظيفته، وكذلك المريض العاجز، وقليل الخبرة، وصاحب الأعمال الذي تكون لديه فائض مالي لا يستطيع توظيفه في العمل الذي يديره هو، والنساء اللاتي يردن خوض مجالات الإستثمار، والعجوز والوصى على أموال اليتامي والوقف، وكل من لديه مال يفيض عن حاجته.

ويجوز أن يكون رب المال من أهل الذمة؛ جاء في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي (جزء 5 ص 18): ”ولا يشترط إسلامهما فتصح المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي“.

وكما يكون رب المال في عقد المضاربه شخصًا واحدًا، يجوز أيضا أن يكون عدة أشخاص يشتركون في رأس المال، ويجوز أن يكون شركة، أو حكومة، وكل من لهم أهلية التعاقد والولاية أو مليكة التصرف في المال المعقود عليه.

العـامـل:

العامل هو من لديه الخبرة، ويملك القدرة على القيام بعمل، يتوقع أن ينتج عنه نماء المال، ويشترط فيه الأهلية وما يشترط في الوكيل والشريك؛ فهو موكل ومفوض في التصرف بمال المضاربة؛ فإن تحقق ربح أصبح شريكاً في نماء المال.

ويجوز إعطاء المال إلي عاملين أو أكثر، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه.

وأجاز الأحناف وحدهم للصبي العاقل أن يكون عاملا لرب مال، و لم يشترطوا إذن وليه له بذلك.

وكره جمهور الفقهاء أن يدفع رب المال المسلم ماله مضاربة إلي عامل لا يفقه أمور الحلال والحرام ؛ لأن هذا العامل قد لا يتحرز عن البيع والشراء بالمحرم لعدم علمه وتفقه، وقد لا يعرف الأسباب المفسدة للعقد. وتنتفي الكراهة عند الفقهاء إن كان معه عامل ذو علم ومعرفة، فلا ينفرد بالتصرف دون صاحبه، فلا يقعان في المحرم، ويأمن رب المال إلي حلال ماله وربحه، وأجاز الأحناف أن يدفع المسلم ماله مضاربة إلي الذمي إذا فقه في أمور الحلال والحرام.

ثانياً: شروط المحل أو المعقود عليه

والمعقود عليه هو الربح – وفي رأي اخر هو رأس المال- ويتعين الربح بما يبقي بعد إعادة رأس المال إلي صاحبه، ولهذا كانت لرأس المال شروط، يتعين بها فيعرف الربح وينتفي عنه الجهالة والغرر.

والربح في اللغة معنا النماء فى التجر، وهو الكسب أيضاً وعرف الإمام ابن تيمية النماء الحاصل من عملية المضاربة بأنه ما يولد عن الأصلين (المال والعمل)، والربح هو الزيادة الناتجة عن مبادلة يتقلب فيها المال من حال إلي حال بالعمل.

شروط رأس المال:

أن يكون نقداً معلومًا معينًا ومسلمًا إلي العامل.

1- يشترط في رأس المال أن يكون ذهبا أو فضة مضروبين كالدنانير والدراهيم أو نقداً رائجًا صالحًا للتعامل به، ولا يصح أن يكون عروضاً أو تبراً أو حلياً، ولا يصح أن يكون ديناً أو مالاً غائبًا أو جزافاً.

– وقد أجاز الأحناف، وفي الرأي الأظهر للحنابلة، وفي رأي للزيدية أن يدفع رب المال العروض للعامل على أن يبيعها ويضارب بثمنها،
وقال الظاهرية بمثل هذا،  واشتراطو أن يحدد رب المال ثمن بيع تلك العروض، وإشترط المالكية أن يبيع العروض شخص اخر غير العامل، قالت الزيدية – في رأيهم الآخر – أن يتم العقد على المضاربة بعد بيع وقبض ثمن العروض. أما الشافعية… فقد قالوا بعدم الجواز إن دفع إليه عرضاً وأمره بيبعه والمضاربة بثمنه، وعللوا منعهم بأن ثمن البيع عند العقد مجهول والقراض بالمال المجهول باطل، وبمثل هذا قال الإمامية.

جاء فى بدائع الصنائع (جزء5 ص 82): ”أنه لو دفع إليه عروضاً فقال بعها وأعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز، لأنه لم يضف المضاربة إلي العروض وإنما أضافها إلي الثمن والثمن تصح به المضاربة“.

ويوضح ابن قدامة في المغنى (جزء5 ص 17) سبب عدم جواز
أن تكون العروض رأس مال: ”لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها. ولا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلي أن يشاركه الأخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح. ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلي التنازع وقد يقوّم الشئ بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الأخر في العين المملوكة. ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي أشتراها به، فقد خرج عن مكانه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فأنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك“.

وذهب بعض الحنابلة والأحناف إلي جواز المضاربة بالعروض المثلية، وتجعمل قيمتها وقت العقد ورأس مال له.

– أما الدين … فإن كان على شخص ثالث غير العامل بأن قال رب المال للعامل أقبض المال الذي لي على فلان واعمل به مضاربة فقبضه وعمل به، يجوز هذا عند الحنفية والحنابلة والزيدية، ولا يصح عند المالكية والشافعية والإمامية، واشترطوا قبض العامل للدين بحضرة صاحبه. أما إذا كان الدين على العامل و قال له صاحب المال اعمل بدينى الذي في ذمتك مضاربة والربح بيننا، فالمضاربة فاسدة على رأي جمهور الفقهاء، وللحنابلة رأيان: رأي يمنعها، ورأي اخر يجيزها؛ إستناد على أنها ليس فى تجويزها أية مخالفة شرعية ”الإنصاف (جزء5ص 431) والمقنع (جزء2ص174)“.

-أما المنفعة.. فلا تصلح أن تكون رأس مال مضاربة؛ لأنها معدومة وقت العقد، جاء عند الشافعية عنها في تحفه المحتاج (جزء2ص417): بأنها لا تصح أن تكون رأس مال في المضاربة. وجاء فى روضة الطالبين (جزء5ص119): ولا يجوز جعل رأس المال سكني دار، لأنه إذا لم يجعل العرض رأس مال فالمنفعة أولى.

2- يشترط أن يكون رأس المال معلوم المقدار والصفة والجنس، ومعيناً تعييناً ينفي الجهالة به؛ كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه، والذي يملكه رب المال وحده، من  الربح الذي يشتركان في ملكيته. جاء في مفتاح الكرامة (جزء 7ص 445): ”أن يكون معلوماً فلاتصح على المجهول قدره“.

3- يشترط أن يكون رأس المال حاضرًا وأن يسلم إلي العامل؛ حتي تتحقق التخلية بين العامل والمال. والأصل في المضاربة أن تكون صيغتها منجزة وأن يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم رأس المال إلي العامل. ويصح عند الحنابلة إضافتها إلي زمن مستقبل، كأن يقول: ضاربتك بهذا المال ابتداء من الشهر القادم. أما تعليقها على شرط مستقبلي فالأغلب عند بعض الفقهاء هو عدم الجواز.

والتخلية تعني تمكين العامل من التصرف في رأس المال وفق مشيئته، ولا تتحقق الإ بتسليم المقارض المال إلي العامل و أن تترك له حرية التصرف فيه.

وأجمعت المذاهب على شرطي تسليم المال و التخلية، وعلى فساد المضاربة إذا اشترط رب المال بقاء المال تحت يده هو، وذهب بعض الحنابلة والإمامية – في رأي أخر- إلي أن المضاربة تصح ولو اشترط رب المال بقاء يده على المال يوفي منه ثمن ما يشتريه العامل.

أما عن عدم ترك حرية التصرف للعامل، كاشتراط رب المال العمل مع المضارب.. فقد ذهب أكثر الفقهاء إلي عد صحة هذا الشرط وفساد المضاربة، فهكذا قال المالكية والأحناف والشافعية، وكذلك رأى الحنابلة والزيدية. جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص85): ”ولو شرط في المضاربة عمل رب المال فسدت المضاربة سواء عمل رب المال معه أو لم يعمل، لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال وأنه شرط فاسد، ولو سلم رأس المال ولم يشترط عمله ثم استعان به على العمل أو دفع إليه المال بضاعة جاز لأن الإستعانة لا توجب خروج المال عن يده، وسواء كان المالك عاقداً أو غير عاقد لابد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة“.

وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الإمامية، يقولون فيه بجواز أن يشترط رب المال عمله أو عمل غلامه مع العامل. جاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص446): ”أما لو شرط أن يكون مشاركا في اليد أو يراجعه التصرف أو يراجع مشرفه فالأقرب الجواز. ولو شرط أن يعمل معه غلام المالك جاز“.

والرأي هو جواز ذلك من قبيل الإستعانة والمراجعة، على أن يكون القرار في يد العامل وحده؛ فتتحقق التخلية بين العامل وبين المال، والتي تعتبر من شروط صحة المضاربة.

وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصى عليه تصرفاته، وقد اتفق جمهور الفقهاء على جواز أن ينيب رب المال من يكون بمثابة المساعد للعامل.

شروط الربح

الربح هو الزيادة الحاصلة في رأس المال نتيجة العمل؛ وهو نماء المال بالعمل. والربح هو ما تبقي عند انتهاء المضاربة بعد إعادة رأس المال إلى ربه. وفيه حق للعامل استحقه لقاء عمله، وحق لرب المال لقاء ماله، فيشتركان في ملكه وفق الشرط.

1- يشترط في العقد أن يتفق صاحب المال وصاحب العمل على نصيب كل منهما من الربح كجزء منه، أو يكتفي بذكر نسبة المضارب دون الإشارة إلي نسبة رب المال؛ لأن الربح تابع رأس المال وهذا لربه، أما المضارب فيستحق نصيبه بالشرط ولهذا توجب بيانه.

ولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه دراهم معلومة أو قدراً معيناً من الربح، لأنه لو اشترط فلا ينال الآخر شيئا، وهذا مخالف المقصود من العقد الذي يراد به نفع كل من المتعاقدين.

وأجاز الزيدية، وحدهم في رأي ثان لهم، أن يشترط أحد المتعاقدين لنفسه مبلغاً من المال إن جاوزه الربح، كما جاء في البحر الزخار (جزء4 ص 82): ” فإن قال أحدهما على أن لى عشرة إن ربحنا أكثر منها، أو مما يزيد عليها، صحت ولزم الشرط، إذ لا مقتضي للفساد“.

2- ويشترط أن يكون  إيراد المضاربة نقداً أو مالاً من نفس جنس رأس المال (إلي أقل حد معادل لقدر رأس المال)، فيعرف الربح الذي يتم توزيعه بينهما.

3- قإن كانا قد اتفقا أن كل الربح للعامل، ولم يذكرا لفظ المضاربة أو القراض أو ما يؤدي إليهما، تصبح قرضأ؛ فيضمن العامل رأس المال، ويكون الربح له الوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال، يكون الربح له والوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال… تكون إبضاعاً؛ فيكون العامل قد عمل متبرعاً في المال.

فإن نص العقد على أنها مضاربة أو قراض… يكون العقد فاسداً؛ لأن من الشروط المضاربة أن يكون الربح بينهما. والرأي الأغلب هو أن يكون للعامل أجر المثل عن عمله.

ولا يجوز اشتراط جزء من الربح لطرف ثالث أجنبي عن العقد، إلا أن يشترط قيامه بعمل من أعمال المضاربة؛ فيكون بمثابة ما لو دفع رب المال ماله إلي عاملين. وقد اعتبر الحنفية الشرط باطلاً والمضاربة صحيحة في حالة عدم عمله في المضاربة. جاء في الروضة: ”فلو شرط بعضه لثالث، فقال على أن يكون ثلثه لك، وثلثه لزوجتي، أو لابني، أو لأجنبي لم يصح إلا أن يشرط عليه العمل معه، فيكون قراضا مع رجلين“.

أما المالكية فقد قالوا إن المضاربة صحيحة والشرط صحيح؛ لأن طرفي المضاربة لهما أن يهبا مالهما.

4- ولا يجوز أن يشترط لأحدهما ربح صنف، أو مبلغ، أو سفر، أو عملية معينة، كأن يتفقان على المضاربة في عمليتين ربح الأولى لرب المال و الثانية للعامل.

5- ولا نصيب للمضارب إلا من الربح فقط، فلو شرط له شيء من رأس المال، أو منه ومن الربح فسدت المضاربة، إلا أن تكون نفقة سفر، أو نفقة حضر كما جاء عند الحنابلة بالشرط. ولا يجوز للعامل أن يأخذ شيئاً من ربحه، إلا بحضرة رب المال، وإن أخذ شيئاً فهو ضامن لما أخذ وإن أذن له رب المال حتي يتحاسبا فيستوفي رب المال رأس ماله، ثم يتقاسمان الربح على الشرط، فإن لم يك له في الربح مثل ما أخذ رد الزيادة فيما أخذ.

وإذا تلف أو هلك جزء من رأس المال … فإنه يحسب من الربح أولاً؛ لأن الربح وقاية رأس المال، ولأن الربح تبع ورأس المال أصل؛ فإذا تجاوز التالف الربح وسري إلى رأس المال … كانت الوضيعة على رب المال ما لم يتعد العامل.

ثالثاً: شروط الصيغة

الإيجاب والقبول الصادران ممن لهما أهلية وولاية التعاقد، ولا يشترط لفظ معين، بل يتم العقد بكل ما يؤدي إلى معنى المضاربة، ويشترط توافق الإيجاب والقبول. بمعني أن يرد كل من الإيجاب والقبول على معنى واحد فإن اختلفا لا تنعقد.

وذهب المالكية والحنابلة أن القبول يتم بكل ما يدل على الرضا، واعتبروا الفعل قبولاً، جاء في كشف القناع للحنابلة (جزء3ص508) :” وتكفى مباشرته أى العمل قبولاً“ بينما ذهب الأحناف والشافعية إلى إشتراط القبول لفظاً.

ويجب أن ينص العقد على ما يبيح للعامل أن يتصرف فى المال بما يعتاده التجار من بيع وشراء، ويحمل لفظي المضاربة أو القراض هذا المعنى، وعلى أن ينص على تعيين حصة العامل من الربح بجزء شائع. محدد النسبة، وأن يكون رأس المال معلوماً قدراً وجنسا وصفة.

جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص80): ”وروى عن بشر عن أبي يوسف في رجل دفع إلي رجل ألف درهم ليشتري بها ويبيع، فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف ، لانه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعني المضاربة وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة على وعليك فهذه مضاربة والربح بينهما والوضيعة على رب المال، لان شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط وتبقي المضاربة“.

وأجاز الشافعية والحنابلة إجتماع المضاربة والشركة في عقد واحد، والذى يظهر من كلام الأحناف أنهم لا يمانعون ذلك، بينما كره الإمام مالك أن تجتمع الشركة والمضاربة في عقد واحد.

ويشترط لإنعقاد المضاربة: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وذهب الشافعية والزيدية إلى عدم إشتراط اتحاد المجلس. والقبول قد يكون بالفعل كما سبق ذكره؛ كأن يقول له خذ هذا المال واتجر به والربح بيننا؛ فيأخذه ويتصرف به، ولهذا … لم يشترط اتحاد المجلس عند من قال بالإكتفاء بالفعل الدال على القبول.

ويشترط فى الصيغة أن تكون منجزة يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم المال إلي العامل، سواء كان ذلك في المجلس أم بعد ذلك، كما قال الحنابلة وسبق ذكره، وذهب الأحناف والحنابلة والزيدية إلي جواز تعليق المضاربة وإضافتها إلي زمن مستقبلي، بينما ذهب المالكية والشافعية أن العقد لا يقبل التعليق والإضافة.

<< previous page next page >>

الحول

الحول: الأصل أن يكون أثنى عشر شهر قمريُا، أي سنة هجرية، ولكن أغلب الأقطار الأسلامية تتخذ السنة الشمسية أساسًا لمعاملاتها المالية بما فيها الميزانيات وحساب الأرباح والضرائب وغيرهم، فان أشترطنا السنة الهجرية صعب ذلك على الناس لأن عليهم حفظ التكاليف والحساب مرتين، مما تكثر معه تكلفة الحساب بلا فائدة ترجى للأمة أو تصل الفقراء، بل قد تأكل من الربح. وقد رأينا كيف ذهب الشرع الى التقدير في زكاة السائمة، وسمح بالخرص في تقدير الزرع. ولهذا فعلينا أن نعمل العقل للتيسير وتحقيق النفع.

الحول هو مدة زمنية محددة بالسنة الهجرية وتطبق في الأساس على المال المعطل وعلى السوائم. أما المال المعطل فقد قدر الشرع أنه لو كان قد استثمر لحقق ربحًا صافيًا بقدر ربع المال في الحول الواحد، ولو أستثمر حولا وثلث شهر أي سنة شمسية، يمكن حساب ما قد يكون قد حققه من الربح بنفس الطريقة الأولى، وهذا سيصبح بدل الربع أي 25% سيكون 25,80% ويُستحق عشر هذا الربح زكاة منه أي بدل 2,5% يكون المستحق تقريبًا 2,58% في السنة الشمسية. وهذا يطبق عند الشركات والشركاء الذين عليهم أخراج حسابات سنوية ميلادية، وفي الأغلب ألا يكون لديهم مالا معطلا، وأنما يستخدم هذا إذا أضطروا للتقدير لصعوبة الحساب. أما في حالة الأفراد، حيث أن المال المعطل لا يحتاج حساب الميزانيات وغيرها، فلن نجد صعوبة أن بقي على السنة الهجرية، لهذا لا داعي لإتباع السنة الشمسية، إذ يسهل هنا تقيد الناس بالسنة الهجرية وأخراج الزكاة عند إنقضاء الحول.

أما السوائم فلا صعوبة تذكر أن بقيت على السنة الهجرية ولا داعي للتعديل. وان اردنا إتباع التقويم الشمسي لضرورة تتطلبها الحسابات والميزانيات، فربما يصح أن يحسب العدد كل سنة شمسية، حيث أن النماء الأضافي عن الأيام الإحدى عشر الإضافية سوف يظهر في العد ويؤخذ عنه زكاته والله أعلم.

أما أرباح التجارة والمعاوضات والمعدن، يحسب ربح كل تجارة أو استثمار عند تحققه، فلو كان مشروعًا تجاريًا يباع المنتج في نهايته كاستثمار عقاري مثلاً، تستحق زكاته عند انتهاء المشروع وبيع كل الوحدات –ولو كانت مدته عدة سنوات- وتحقق الربح الصافي، وتخرج الزكاة عشر هذا الربح، ويمكن حسابها عند حدوث الربح أو في كل فترة زمنية كالسنة الهجرية أو الشمسية، حيث أن الزكاة هنا تتعلق بصافي النماء وهي جزء منه ولا تتعلق بالحول.

والذي يؤخذ على ما جاء بخصوص الربح السنوي، بعض الحالات الخاصة، مثل التاجر المدير قد يربح في نصف السنة الأولى ثم يخسر في النصف الثاني، وتنتهي السنة دون ربح فلا يترتب عليه زكاة، بينما لو أخذنا الزكاة عند تحقق كل ربح، لدفع زكاة ربح النصف الأول عند حدوثه، ولم يدفع شيئا في النصف الثاني من السنة لعدم تحقق الربح، فتكون المحصلة أنه دفع زكاة في التخريج الثاني، ولم يدفع شيئا في الأول.

وقد قلنا سابقا أن الزكاة تستحق عند حدوث النماء أسوة بالزرع، ولكن هذا يطبق إذا كانت التجارة محددة المدة معروف ربحها، الزرع له حصاد واحد يحدث مرة واحدة في كل المحصول، أما التجارة فان أمكن معرفة الربح تستحق منه الزكاة وقت تحققه وتنضيض المال، وان لم يمكن أو صعب تحديده كما هو الحال في السائمة، فهؤلاء يحدث النماء فيهم كل يوم، ومع ذلك فلم يطلب الشرع أخراج الزكاة كل شهر مثلا، أو كل نصف سنة، ولو فعلنا وأخذنا في نصف السنة نصف ما حدده الشرع في السنة، ثم عدنا في نهاية السنة وأخذنا أيضا نصف ما حدده الشرع، نكون قد أخذنا تقريبًا أقل قليلا مما نأخذه لو أخذنا الزكاة مرة واحدة في نهاية السنة، هذا لو ظل معدل النماء واحد في نصفي السنة، ولكن ماذا لو هلك نصف السوائم في النصف الثاني، نكون بالحساب النصف سنوي قد أخذنا زكاة أكثر بكثير مما سنأخذه وفق الحساب السنوي. وهذا ما أرتآه الشارع وقرره، ولم يعتبر في تقدير الزكاة فيما يصعب حسابه، كالسوائم، بالنماء في الفترات التي تقل عن السنة، وأكتفى بالعد في نهاية الحول.

ولهذا فعلى التاجر – الذي يسميه الفقهاء المحتكر – وهو الذي يقوم بعمليات تجارية أو استثمارية محددة مستقلة – إخراج الزكاة عند حدوث الربح، فان خسر بعد ذلك في معاملة أخرى، فلا زكاة فيها. أي أنه يحدد الربح بعد سلامة رأس المال في كل معاملة أو استثمار. فان صعب ذلك كونه تاجرا مديرا مثلا، أي أنه يشتري ويبيع كل يوم أو تختلط التجارات لديه وتتسم تجارته بتدوير المال مرات عديدة خلال السنة، أو أي حالات أخرى يصعب فيها التحديد، إذ تختلط فيها الأموال مع الأرباح والخسائر فلا يستطيع تحديد كل معاملة على حدة، فيمكن التيسير آنذاك ويحسب مجمل الربح أو الخسارة في نهاية السنة المالية التي يتبعها في حساباته، ثم يخرج عشر الربح الصافي زكاة عن أعماله، فان لم يكن ربحًا فلا زكاة عليه.

ويجب التفريق بين حكم السائمة وحكم التاجر المدير، في السائمة، لو نمت الأبل وزادت في النصف الأول من السنة، ثم أصابها ما أهلك بعضها في النصف الثاني، أخذت الزكاة مما بقي ولو نقص عددها. لأن ما تبقى منها حيًا بالضرورة قد نما، وهذه زكاته أن كان في المتبقي النصاب. بينما التاجر المدير لو هلك بعض المال في نهاية السنة، فلم يتحقق له ربح فلا زكاة عليه، والسبب من جهة أن أموال النقد لا تنمو بذاتها، ومن جهة أخرى أن ماله الذي خسره قد يكون قد أضاف مالا الى السوق، قد يكون قد استفاد منه العمال والتجار وغيرهم، وقد يكون هذا المال قد ذهب كسبا عند آخر استحقت منه الزكاة.

ولو نظرنا الى أسباب نقص السوائم، نجد أنها إما لأنه ذبح بعضها طعاما لأهله وعشيرته وضيوفه، وإما لأنه باعها أو أنها هلكت، فان كان ذبحها، تصبح مما يحتاجه لمعاشه وليس فيها زكاة، وان كان باعها فعليه عشر الربح عند تحققه أسوة بالتاجر، أما إن كانت هلكت، فعليه زكاة نماء ما تبقى من السوائم.

ويجب أن نلاحظ هنا أن الشرع قد يسر في زكاة السوائم، فالسائمة عند أوان العد، يكون بعضا من النماء قد استهلك، مثل اللبن والصوف وما قد يذبح منها، وما قد يضحى به، وما قد يباع، لهذا لا يعتد فيها بالعدد أول الحول وآخره، فنقصانها لا يعنى بالضرورة أن لا نماء فيها، أو أن فيها خسارة، ولكن من الممكن أن يكون كذلك. ولهذا قدر الشرع النسب وسمح بالأوقاص، التي تخفض المتوجب على الأعداد الكبيرة، حتى أن نسبة المتوجب من الغنم تنخفض حتى تصل في أدناها ثلاثة أرباع عُشر العشر (0,75%). ولهذا فالزكاة الواجبة على السوائم أخذ فيها بكثير من  الإعتبارات والتقدير والتسهيل على صاحب المال وعلى جامع الزكاة، وذكرنا فيما سبق صعوبة حساب النماء، ولهذا قدرها الشارع على ما جاءنا، فان استطعنا تحديد النماء في المعاملات الأخرى يؤخذ منه العشر ولا حاجة للتقدير.

<< previous page next page >>