الفصل الثالث – تاريخ قصة الخلق في المعرفة البشرية

          تواجد الإنسان على كوكب الأرض منذ عدة ملايين من السنين، ويعود أقدم ما وجد من أدوات حجرية بدائية إلى ما قبل مليون وتسعمائة ألف سنة تقريبًا، ويُعتقد أنه كان يمارس مهنة الزراعة منذ أحد عشر ألف سنة، أما الكتابة، فتعود أول النقوش المكتوبة على الحجر الى ما قبل خمسة آلاف وخمسمائة سنة، وهو زمن قريب نسبيًا.

          وقد واجه الإنسان قضية وجوده في هذا الكون المترامي، وحاول تفسير ما يحيط به من قوى الطبيعة، فتولدت الأساطير التي كانت في عصرها بمثابة النظريات القائمة على إفتراضات، تعتمد بالدرجة الأولى على القدرات الإقناعية وإمكانات التخيل البشرية، والتي بطبيعة الحال لا تحتاج برهان ولا يمكن إثباتها بالمشاهدة أو غيرها، وإنما يشترط التصديق والإيمان بها، وقد تستند في حالات كثيرة، على الرغبة في الإعتقاد بها. وقد لا يختلف هذا عن فرض الإيمان الغيبي الذي تتطلبه الرسالات السماوية، والذي يتطلبه أيضًا بصورة غير مباشرة، أشباه نظريات العلم الحديث مثل نظرية ال Superstring  ، وغيرها مما لا يمكن أثباته بالتجربة، لأن الموضوع الذي نتعامل معه وهو الخلق الكوني، يخرج عن قدرات معاملنا ومُسارِعاتنا، (بينما قد تفيدنا إكتشافاتنا في موضوع الخلق التطوري للإنسان)، ولهذا قد يتوجب علينا في كثير من الأحيان الإعتماد على العقل، ولكن الإعتماد على العقل (والتجربة الفكرية) فقط قد يؤدي بنا إلى أن نضل طريقنا، كما حدث عندما إعتقد أرسطو بناء على الإستدلال المنطقي أن الأرض ثابتة، وبالتالي فان الحركة التي نشاهدها في السماء هي حركة سماوية، وليست كما نعرف الآن -في معظمها- نتيجة دوران الأرض حول نفسها. وهناك أيضًا موضوع حدود صحة الظاهرة عند تطبيقها العملي، إذ أننا يجب أن نضع كل فكرة في حدودها التي وردت فيها، فلو ورد في فكرة ما أن الأرض مسطحة، لا يعني هذا خطأ الفكرة وإنما قد يشير الى نسبيتها ومحدوديتها، فاذا كانت الأرض تعنى قطعة الأرض التي يسكنها أنسان ما، فهذه يمكن التعامل معها على أنها مسطحة، وهذا ما نفعله حتى اليوم عندما نستخدم هندسة أقليدس المستوية في تخطيط منشآتنا، وإن كانت تعنى الأرض ككوكب فسطحه ليس مسطحا، أي أن حدود النظرية ونسبيتها تحدد حدود صحتها ونسبية هذه الصحة، ومتى خرجنا عن هذه الحدود تفقد مصداقيتها، والنظرية المطلقة التي تغطى كل شئ وفي كل الحدود ما زالت من أهداف العلم ولم يبلغها بعد.

          لقد تطورت تفسيرات الإنسان لهذا الكون وكيفية خلقه ونشأته، خلال حقب كثيرة من تاريخ تطوره على الأرض، وكانت في أغلب الأحيان تعكس تقدمه الفكري من جهة، ورغبات السلطة من جهة أخرى، إلا أننا نجد عددا من الطفرات التي حدثت، وتمثل بعضها في الرسالات السماوية، وبعد ذلك في ظهور العلم الحديث، ونبدأ ببعض النماذج عن الأساطير التي تداولها الناس في العصور القديمة، نعرضها من كتاب (الله جل جلاله والإنسان) للدكتور السامرائي: 

           “” تشير أغلب الأساطير القديمة، إلى الماء كأصل الخلق أو أنه المادة الأزلية، ” وأقدم ما تخيله المصريون في أصل العالم المعمور أنه عيلم واسع من الماء طفت عليه بيضة خرج منها رب الشمس وأنجب أربعة من الأبناء، هم شو وتفنوت القائمان بالفضاء و وجب رب الأرض و توت رب السماء، ثم تزاوجت السماء والأرض فولد لهما أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس فهم تسعة آلهة في مبدأ الخليقة نشأوا من تزاوج الأرض والسماء ” . وفي قصة الخليقة الهندية شبه بقصة الخليقة المصرية، حيث تقول’’ فالحياة خرجت من بيضة ذهبية كانت تطفو على سطح الماء في العماء والإله الأكبر كان ذكرًا وأنثى فهو الأب والأم للأحياء . وتتفق مصر وبابل والهند على أن الإله الأكبر قد خلق الأرض بكلمة ساحرة فأمرها بأن توجد فبرزت على الفور إلى حيز الوجود‘‘ .

          ومن متابعة القصص والإساطير الروايات والوقوف عند الآلهة التي مثلت عقائد الإنسان في العراق نجد أن القوى التي تجمعت فيها عقائد الإنسان تمثلت بالعناصر والمظاهر والقوى الآتية :

1-  كان في البدء عنصر الماء الذي أزليًا وإلهًا في الوقت نفسه ..

2-  تولد من عنصر الماء عنصر آخر هو عنصر الأرض والسماء متحدتين، وكانت الأرض والسماء إلهين كذلك .

3-  وتولد من السماء والأرض المتحدتين عنصر غازي هو الهواء المتمدد الذي فصل بتمدده السماء عن الأرض، وجسموا الهواء وجعلوه إلهًا هو الإله إنليل …

4-  وتولد من الهواء القمر، ومن القمر ولدت الشمس، وجسموا كلا من القمر والشمس وعدوهما إلهين .

5-  وبعد إنفصال الأرض عن السماء نشأت أنواع الحياة الأخرى من نبات وحيوان وإنسان على الأرض، وقد تصوروا أن أصل الحياة والأشياء من إتحاد الهواء والتراب (الأرض)، (الماء) بمساعدة الشمس وهذه هي نظرية العناصر الأربعة . “”  ((من كتاب ‘الله جل جلاله والإنسان’ الدكتور السامرائي، صفحات 32 و33و50 عن كتابي “الله” للعقاد و “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة” لطه باقر .))

           وقد أدخلت الأساطير أيضًا عناصر: الوجود والعدم، الحياة والموت، والنور والظلام، والشر، الخطيئة والعقاب، تناسخ الأرواح، الخلود، الزفانا الأرضية والصمدية، وتخبطت بين آلهة كثيرة ربما تكون الشمس أهمها، والذي يهمنا من كل هذا أن الأنسان كان لديه عقائد تختلف وتتشابه – في بعض الأحيان – من حضارة إلى أخرى . وما قصة الطوفان التي تكررت عند أغلب الحضارات والأديان إلا دليلاً على قدم القصة، مما جعلها من التراث الذي حملته معها القبائل الأولى المهاجرة، ولا شك أن الحضارات كانت تتأثر وتنقل عن بعضها، ولهذا لا غرابة أن نجد تشابه بين الأساطير، ولا عجب أيضًا أن نجد إختلاف بينها إذ تتطور بعد إنتقالها بما يتوافق مع ثقافة وظروف كل مجتمع  .

           ومن أوائل الرسالات التي أشارت إلى خلق الكون بشيء من التفصيل، أحتواها سفر التكوين في العهد القديم، ونحن لا ندري بدقة تاريخ سفر التكوين، والذي يعيده بعض المؤرخون إلى عصر النبي موسى عليه السلام، أي حوالي 1275 ق.م ، وربما كان قبل ذلك، ولا ندري أيضًا من دوَّنه، بالطبع هو جزء من الرسالة اليهودية التي أصل مصدرها الله سبحانه وتعالى، ولكن الأصل ربما يكون قد تغير من جراء التدخل البشري في محاولتهم التوفيق بين المعتقدات التراثية والنص، أو إضفاء قدرات أعظم -وفق تصورهم- الى الخالق تعالى .

           وتتكون كتب الدين اليهودي من ثلاثة أجزاء ويحتوي كل جزء منها على العديد من الكتب، التوراة ( القانون) وهي كتب النبي موسي، وهي الكتب الخمسة الأولى، التي لم تصل إلى صورتها التي نعرفها حتى نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، ومنها سفر التكوين . والجزء الثاني الأنبياء، وهي الكتب القصصية التاريخية . والجزء الثالث هو الكتابات.

           ويجب ملاحظة أن ترتيب الكتب في العهد القديم؛ ليس بالضرورة هو تاريخ كتابتها، وقد نجد في كتاب واحد فقرات من كتب أخرى في عصور أخرى، ونجد في أغلب الحالات أن كتابات من العصور السابقة قد أعيد كتابتها من قِبل كتاب لاحقين، مما أدى إلى وجود أكثر من نص يعبر عن نفس الحدث. وقد كُـتب الكتاب اليهودي أصلاً باللغة العبرية، ثم ترجم إلى الآرامية ثم اليونانية في عصر الإسكندر الأكبر ((ويجب أن نتذكر أن ما وصلنا هو ترجمة النص الأصلي، الذي وصلنا عبر عدة لغات، والترجمة تعبر عن فهم المترجم للنص الأصلي، والذي ينتج من تفاعل النص مع المعارف الإنسانية في زمن الترجمة، وهذه ليست بالضرورة المعاني التي قد يعبر عنها النص الأصلي، لو اختلفت هذه المعارف في زمان لاحق، أي ان الترجمة تجمد معنى النص، فيتوقف عند زمان الترجمة.)) .

           وحتى وقت قريب، كان أقدم نسخة تحتوى على الجزء الأكبر من الكتاب اليهودي تعود إلى القرن التاسع ميلادي، إلا أنه تم مؤخرًا في الأربعينات من هذا القرن إكتشاف نسخًا من أجزاء الكتاب اليهودي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وهي ما تسمى مخطوطات البحر الميت.

           وقد أحتوى الكتاب المسيحي المقدس، على أكثر كتب العهد القديم (ومنها سفر التكوين) مضيفًا إليه الأناجيل التي كُتبت بعد عهد السيد المسيح عليه السلام .

           ولو نظرنا إلى سفر التكوين وحده بمنظار ثقافتنا وعلمنا المعاصر، لن يساورنا شك أن هذا النص لا يعبر عن الحقيقة، ولكننا لو نظرنا إلى النص بمنظار معرفة العصر الذي ظهر فيه، وقارناه بالأساطير المتداولة آنذاك، وبالرغم من وجود بعض عناصر التشابه معها، إلا أن النص يعتبر قفزة  في الفكر البشري . فهو يحتوي على إيجابيات كثيرة، قد تقرب النص إلى علمنا الحديث مسافة أقرب عما كانت عليه الأساطير، بالطبع ما زالت المسافة المتبقية كبيرة وشاسعة أيضًا، إلا أنها على أقل تقدير، كانت قفزة في اتجاه الطريق الصحيح .

 النص كما ورد في سفر التكوين عن الكتاب المقدس عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط:

          { في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه . وقال الله ليكن نور فكان نور . ورأي الله النور أنه حسن . وفصل الله بين النور والظلمة . ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلاً . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا واحدًا .

          وقال الله ليكن جلد ( أو رقيع وهو شئ مبسوط ) في وسط المياه . وليكن فاصلاً بين مياه ومياه . فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد . وكان كذلك . ودعا الله الجلد سماء . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا ثانيًا .

          وقال الله لتجمتع المياه تحت السماء إلى مكان واحدٍ ولتظهر اليابسة، وكان كذلك . ودعا الله اليابسة أرضًا . ومجتمع المياه دعاه بحارًا . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وقال الله لتنبت الأرض عشبًا وبقلاً يبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمرٍ يعمل ثمرًا كجنسه بزرهُ فيه على الأرض . وكان كذلك . فأخرجت الأرض عشبًا وبقلاً يبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بزره فيهِ كجنسه . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا ثالثًا .

          وقال الله لتكن أنوارٌ في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل . وتكون لآيات وأوقات وأيامٍ وسنين . وتكون أنوارًا في جلد السماء لتنير على الأرض، وكان كذلك . فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل؛ والنجوم . وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض؛ ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا رابعًا.

          وقال الله لتفض المياه زحَّافاتٍ ذات نفس حيةٍ . وليطير طيرٌ فوق الأرض على وجه جلد السماءِ .  فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كاجناسها وكل طائرٍ ذي جناحٍ كجنسهِ . وباركها الله قائلاً أثمري واكثري وإملإي المياه في البحار . وليكثر الطير على الأرض . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا خامسًا .

          وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها . بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها، وكان كذلك . فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها، ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض . فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم . وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض . وقال الله أني أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه كل الأرض وكل شجرًا فيه ثمر شجرٍ يبزر بزرًا لكم يكون طعامًا، ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعامًا . ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنٌ جدًا . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا سادسًا .

          فأكملت السماوات والأرض وكل جندها . وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه . لأنه فيه إستراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا .      

          هذه مبادئ السماوات والأرض حين خلقت، يوم عمل الرب الأله الأرض والسماوات . كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد . لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان إنسان ليعمل الأرض . ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض . وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حيةً . وغرس الرب الأله جنة في عدن شرقًا ……. } أنتهى

 وورد هنا موضوع الستة أيام، الذي يتناقض مع بلايين السنوات التي أستغرقها الكون منذ نشأته الأولى حتى ظهور الإنسان، وهذا موضوعًا سوف نتعرض إليه عند دراسة نصوص الآيات القرآنية، إلا أنه يجب التنويه هنا أننا لا نتوقع أن تتضمن أي رسالة سماوية إلى أهل الأرض في تلك الأزمان، أن مرحلية الخلق أستغرقت بلايين السنوات أو حتى ثلاثمائة ألف سنة، نحن نتذكر أنه حتى عدة قرون مضت، كان البشر يعتقدون أن عمر الأنسان على الأرض لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، وإله يحتاج إلى بليون أو ثلاثمائة ألف سنة  – في نظر البشر في تلك العصور القديمة – ليس هو الإله القوى القادر، بل هم لم يكونوا يستطيعون تخيل مثل هذه الأرقام، والتي يصعب حتى علينا أن نتخيلها. ولهذا فمعنى الستة أيام نسبي ومرحلي رمزي، ونفترض أن هذا المعنى سيتضح بصورة أفضل عندما يصبح الإنسان مؤهلاً لفهم أن هذه الحقيقة إنما تعبر عن عظمة وقدرة الله تعالى .

 أما ما يأخذه البعض على أن فترة الخلق التي عبر عنها بوحدة الأيام الزمنية، لا يصح لأن اليوم هو دورة الأرض حول نفسها، والصباح والمساء يتعلقان بوجود الشمس، بينما الأيام الثلاث الأولى لم يكن هناك لا شمس ولا أرض. إلا أن هذا النقض ينطبق أيضًا على العلماء الذين يؤرخون مراحل التكوين بالسنوات، فيقولون مثلاً أن الشعاع ذو الموجات الطويلة Background Radiation  صدر عن الكون عندما كان عمره 300,000 سنة، والسنة التي يقصدونها هي زمن دورة الأرض حول الشمس، ولم يكن أيهما قد وجد آنذاك.

           بعد سفر التكوين، أو مزامناً له، نجد أن أهم المحاولات البشرية لتفسير الكون، هي النظريات الفلسفية اليونانية، ونلاحظ أن الفكر العلمي اليوناني تأسس على نظريات تقوم على العقل دون أن يكون لها أي أساس تجريبي، إذ بدأ ديمقريطس حوالى سنة 400 قبل الميلاد، بنظريته أن كل المواد والأجسام مكونة من تجمع واتحاد أعداد كبيرة جدًا من الدقائق الصغيرة التي لا نستطيع رؤيتها، وسمى هذه الدقائق الذرات بمعناها في اللغة اليونانية “الغير قابلة للإنقسام” أي أننا يمكننا تقسيم المواد إلى أجزاء أصغر حتى نبلغ الحد الصغير جدّا وهو الذرة ولن يمكننا تقسيمها أقل من ذلك . وأعتقد ديمقريطس أن هناك أربعة أنواع مختلفة من هذه الوحدات أو الذرات، ذرة الحجر، ذرة الماء، ذرة الهواء، وذرة النار .

           وفي سنة 384 ق.م ، ولد أرسطو والذي أشتهر لعبقريته الفذة، والذي تتلمذ الإسكندر المقدوني على يديه، وبالرغم من عبقرية أرسطو في مختلف مجالات المعرفة، إلا أن تصوره الخاطئ للكون قد طبع الفكر البشري طيلة ألفي سنة بنظريته، لدرجة أنها لم تصبح فقط أساس الفكر اللاهوتي المسيحي، وأنما غدت من المسلمات والبديهيات التي لم يجد البشر حاجة في البحث في أمر صدقها. 

           ان فكرة أرسطو عن الكون، والتي سيطرت قرابة ألفي عام، كانت مبنية على المشاهدة البشرية، هناك نجوم ثابتة لا تتغير مواقعها في السماء التي تدور حولنا، وهناك خمسة نجوم متحركة بالنسبة للنجوم الثابتة سميت كواكب، وهناك الشمس والقمر وهما يدوران أيضًا حول الأرض، وقد فسر أرسطو هذه المشاهدات على أن الكون عبارة عن ثمان قبب بلورية فوق بعضها البعض مثبت على كل قبة على التتالي الشمس والقمر والكواكب الخمسة (كل كوكب على قبة) ثم كل النجوم الثابتة في آخر وأعلى قبة، وتدور هذه القبب أبديًا حول الأرض الثابتة في مركزهم. 

           إن فكر أرسطو الذي كان من المسلمات العلمية حتى القرن السادس عشر، لم يكن صحيحًا، وقد وجد جاليليو عدم صحته عندما تناول موضوع أن الأرض ثابتة وأن الأجسام السماوية تتحرك في أفلاك حولها، فالأرض ثابتة وفق فكر أرسطو؛ لأن الأشياء تسقط على الأرض من الأماكن العالية (كبرج مثلاً) وفق مسار رأسي تمامًا، ولو كانت الأرض تتحرك لسقط في مسار مائل ولاصطدم بسطح الأرض بعيدًا عن قاعدة البرج، لأن البرج يكون قد تحرك مع الأرض أثناء سقوط الجسم، وليكن حجرًا مثلاً ، ولأن الحجر يسقط عند قاعدة البرج وليس بعيدًا عنها فأن هذا يعني أن الأرض وما عليها ثابتة لا تتحرك. وكلنا نعرف اليوم أن الأرض تدور حول نفسها دورة كل 24 ساعة، ومع ذلك فالحجر يسقط من أعلى البرج ويصطدم بالأرض أسفل البرج مباشرة. ويسهل تفسير ذلك لأن الحجر عند تحرره وسقوطه من البرج، يحمل معه سرعة أفقية مثل تلك التي تدور بها الأرض حول نفسها، ونرى ذلك عندما نشاهد رواد الفضاء يخرجون من سفينتهم التي تدور حول الأرض، مثل محطة ميرس الفضائية، فهم يسبحون حولها وكأنها ثابتة، بينما نعلم أنها تدور حول الأرض بسرعة فائقة.

           وقد نشأ إعتقاد أرسطو من فكرة أن الأجسام تتحرك نتيجة قوة مؤثرة عليها، ومتى توقفت القوة توقف الجسم، مثل العربة التي يجرها حصان فهي تتوقف عندما يتوقف الحصان عن الجري، ولهذا ظن الناس حتى القرن السادس عشر، أن حجرًا يقع من صارية سفينة متحركة على سطح الماء سوف يصطدم بسطح السفينة عند مؤخرتها، لأن الحجر الذي يسقط من السفينة ينفصل عنها فيتوقف تأثير قوة دفعها بينما تستمر السفينة في الحركة أثناء سقوطه الرأسي فيصطدم بسطحها عند المؤخرة.

           والفكر العلمي اليوناني، يعتمد على المنطق العقلي بصورة أساسية ولا يهتم بالتجربة، وكان الإقتناع العقلي كافيًا لصحة أي نتيجة علمية، ولم تكن التجربة لها أهمية فمن المسلم به أن ما هو منطقي سوف يثبت بالتجربة ولهذا فإجراء التجربة يعتبر في رأيهم مضيعة للوقت، ولو كلف أي بحار نفسه بإلقاء حجر من أعلى صارية السفينة لوجد أن الحجر يسقط رأسيًا عند قاعدة الصاري بالرغم من أنه أنفصل عن السفينة لحظة رميه، وأن السفينة ظلت بعد ذلك تتحرك على سطح الماء .

           لأننا لو أسقطنا حجر من فوق صارية سفينة بخارية مثلاً متحركة بسرعة ما، فإن هذا الحجر سوف يسقط تحت الصاري مباشرة، والسبب أن الحجر عند لحظة إسقاطه يكون له سرعة أفقية مساوية لسرعة السفينة وفي نفس إتجاهها، ولهذا فسوف يستمر أثناء سقوطه الرأسي في حركة أفقية موازية لحركة السفينة ومساوية لها، وسيبقى دائمًا فوق قاعدة الصاري، بينما يؤدي سقوطه الرأسي الحر (وفق معدل التسارع من أثر الجاذبية) الى أن يسقط بجاور قاعدة الصاري مباشرة تحت النقطة التي أسقط منها . إن المثال السابق يمكن تقريبه إلى أذهاننا بفرض أننا نجلس في طائرة تطير بسرعة 500 ميل في الساعة، فلو سقط منا قلم فهو يقع رأسيًا تحت مقعدنا ولا يقع في مسارمائل تحت مقعد في عدة صفوف خلفنا، وهذا واضح لدينا الآن، إلا أن الإعتقاد البشري حتى القرن السادس عشر، أي قبل عصر جاليلو، كان غير ذلك .

           وقد ناسبت نظرية أرسطو معتقدات الكنيسة، والكتب السماوية آنذاك. الأرض ثابتة والسماء تدور حولها، والقبب البلورية تتحرك في دقة ونظام بقدرة الله تعالى، ولهذا فقد حاربت الكنيسة كل من كانت تسول له نفسه تغيير هذا النظام الذي يعتمد إعتمادًا كليًا على الله سبحانه وتعالى. وكان من أهم نظرياته أيضًا أن كل شئ يتحرك إنما يتحرك نتيجة فعل قوة عليه، أي أن لكل متحرك محرك، وطالما أن هذا سوف يأخذنا في سلسلة من المتحركات والمحركات، فلابد أن ننتهي إلى محرك أول، هو الخالق. وبالرغم أن أرسطو لم يقل أن المحرك الأول هو الله تعالى، إلا أن المؤسسات الدينية وجدت في هذه النظرية الدليل العلمي الذي تحتاج إليه للإستدلال على وجود الخالق عز وجل.

           وهناك أيضًا قضية تناسب الكون وكمال تصميمه، في شكليه الميكانيكي والعضوي، وقد شغلت هذه القضية منذ بزوغ الحضارة وحتى القرن التاسع عشر، الجزء الأكبر من الجهد الفكري اللاهوتي والفلسفي،  ولها صداها في علومنا الحديثة مثل علم أنثروبي Anthropy  ((Teleology: Doctrine of final causes, view that developments are due to the purpose or design that is served by them. Anthropy: study of man and society)).             لقد بدأ الإنسان في ملاحظة روعة وكمال التصميم منذ قديم الزمان البشري، ونجد هذا في الفكر اليوناني عند سقراط وبلاتو ثم ارسطو، وقد سبقهم الطبيعيون وأولهم طاليس (624-550 ق.م) والذي ذهب إلى أن الماء أصل كل شئ، بينما عارضه في ذلك انكسمندر، والذي ذهب إلى أن المادة لامتناهية لا في الكم ولا في الكيف، وهي مزيج من المتضادات، كانت كلها في البدء شيئًا واحدًا وبفعل الحركة حدثت إنفصالات وتجمعات بين بعضها والبعض الآخر بنسب متفاوتة فتكونت عنها الأشياء الطبيعية المختلفة، منوهًا بأهمية دور الحرارة في هذه التكوينات. واستنتج أن المادة لامتناهية ثابتة غير حادثة وأبدية غير مندثرة، وتوجد الأشياء بطريق الحركة التي تجمع الأشياء وتفرقها، وليس لهذه الحركة أي غاية أو هدف . ثم جاء انكزمنيس الذي رأى أن أصل العالم هو الهواء، وذهب هيرقليطس الى أن أصل العالم النار وهي المبدأ الأول للوجود . بينما ذهب فيثاغورث إلى أهمية الأعداد والنغم، وأعاد أصل العالم الى الأعداد. واقترب ديمقريطس بعض الشئ من الحقيقة حين قال أن أصل الأشياء هو الذرة التي لا تنقسم الى ما هو أصغر منها، وما الأشياء إلا تجمع عدد من الذرات وما فسادها إلا نتيجة تفرق الذرات التي تكونها، وبالرغم أن مذهب ديمقريطس مادي إلا أن أحد أتباع مدرسته وهو أنكسجوراس قال أن الحركة التي تجمع هذه الذرات أو تفرقها في نظام وجمال لا يمكن أن تكون بفعل قوة عمياء أو بمحض الصدفة، وإنما تسيرها وتحكمها قوة عاقلة واعية ذكية، توجهها نحو هدف وغاية محددة.  

           وبعد ذلك، كان سقراط وتلميذه أفلاطون، الذي اعتمد دليل النظام الظاهر في كل أجزاء الكون، وأعتمد على الحركة الجارية فيه والمتعاقبة على كل الموجودات، للتدليل على وجود القوة المدبرة للكون والمهيمنة عليه. واعتقد سقراط أن الحقائق حاصلة في العقل، وجاء أفلاطون بنظرية المثل، لتقريب الحقيقة التي لا يدركها العقل بمثلها أو ما هو أقرب شئ لها من الموجودات التي يستطيع العقل أن يحسها.

           واعتقد أرسطو أن كل شئ له سبب وغاية وهدف، ولا يوجد شئ في هذا العالم دون غاية أو وجد هباء   in vain وان كل شئ يجري في العالم يعود الى علة أولى ومحرك أول، وتحريكه الأشياء لعلة وغاية، فكل متحرك لابد له من محرك، وهذا المحرك لا بد له من محرك، ويتسلسل الأمر حتى نصل إلى المحرك الأول الأزلي، الذي يحرك ولا يتحرك أو لا يحتاج إلى محرك، وإلا لتسلسل الأمر إلى ما لانهاية، وهذا المحرك الأول هو الله Y، ولم يوضح أرسطو صلة إلهه بالكون، هل هي صلة أولى أم مستمرة. وقال أن معرفة ظروف نشأة الكون أو البدء ليس لها أهمية لأنها ليس لها تأثير على وضعه الراهن، واعتقد أنه على الأغلب أنه لم يكن للكون بدء، وأنه موجود هكذا منذ الأزل ولا يتغير، وحيث أن كل موجود له غاية يسعى اليها، فالمهم هو معرفة غايات ونهايات الأشياء. واعتبر أرسطو الزمان مقياس للحركة، ولهذا لا يتحدد الزمان إلا بوجود حركة ومتحرك وعقل يعي حركة المتحرك ويقيسها. أما المكان فهو ما حوى شئ موجود، ولهذا ينكر وجود الفراغ المطلق الخالي من أي شئ .

           وكونت هذه المدرسة اليونانية نموذج كوني من عدة قبب سماوية مركزها الأرض، الثلاثة الأولى الأقرب إلى الأرض إحتوت على الماء والهواء والنار، يعلوها سبعة قبب تحتوي كل منها على أحد الأجسام السماوية المتحركة، ويعلوهم قبة خارجية تحتوي كل النجوم الثابتة . ولاحظ أرسطو الإنتظام والسمو في حركة ودوام الأجسام السماوية العليا، التي لا يعتريها تغير وتتميز بالحركة الدائرية والتي إعتبرها -أي الدائرة- أسمى الأشكال الهندسية لتماثلها التام، وهذا الدوام والإنتظام يختلف عن الأجسام الأرضية التي تتعرض للتغير والتحلل والفناء .

           وقد استدل ديوجين ( 400-325ق.م) من تعاقب الشتاء والصيف والليل والنهار والمطر والريح وغيرهم من الكثير من المظاهر الطبيعية، أن هذا التنظيم المتكامل لا بد أن يكون ناتجًا عن تحكم قوة مفكرة، وقد إعتقد أن هذه القوة تكمن في الهواء. وعارض ثيوفوستوس (372-287ق.م) صحة قضية أن كل شئ في الكون له هدف وغاية، مستدلاً بأمثلة منها القحط والفيضان والمجاعات، التي ليس لها هدف بناء، ونوه أن شرط الهدف والغاية لا ينطبق على كل الظواهر، وانه لا يجب إلقاء أهمية كبيرة عليه .

          بينما ظهرت في نفس الفترة أيضًا الأفكار المادية بدءًا بديمقريطس (450ق.م) كما ذكرنا، ثم بالمدرسة الأبيقورية المادية ( 341-270ق.م) التي قالت أن العالم بدأ في وقت معين في حالة فوضى مطلقة، تطورت – ربما بطريق الصدفة- من خلال عمل قوى طبيعية بحتة، لينتج عالم منتظم به حركة دائرية منتظمة، ولم تهتم المدرسة الأبيقورية بتقديم هيكل النموذج الكوني لعدم إهتمام الأبيقوريين بالبحث المنطقي أو العلمي .

          وقد أعتبر المفكرون اليونانيون المتأخرون أمثال سيسيرو (106-43ق.م) بوجود الآلهة بدليل وجود التصميم في الكون، وتبعه الطبيب جالين (131-201م) في بيان قدرة  وروعة التصميم الألهي في أعضاء المخلوقات وخاصة فيما يتعلق بتناسق وتكامل الجسم البشري، واعتبر أنه يستحيل أن يمكننا أن نحسن في تصميم الجسد البشري.

           ولم تقدم الحضارة الرومانية أي جديد في العلوم الفلسفية والكونية، ودخلت الأفكار اليونانية الى المعتقدات المسيحية، ويبدو التوفيق واضحًا بين بعض المذاهب اليونانية كفلسفة أرسطو والمعتقدات اللاهوتية المسيحية، حيث اتفقا على أن العالم قد وجد من أجل غاية معينة، بينما ناسب نموذج كون أرسطو سفر التكوين، فاتخذته الكنيسة نموذجًا دينيًا . 

           أما بالنسبة للعصر الإسلامي، قد اعتمد القرآن الكريم دلائل التصميم الكوني والعضوي، بقصد تقديم الحجج المقبولة من البشر آنذاك {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} الغاشية 17-20 ، ولهذا فقد صيغ النص بما يؤدي إلى معنى ظاهر مقبول ينبثق من تفاعل النص مع المعارف البشرية، ولهذا فاذا تغيرت المعرفة البشرية تغير المعنى الظاهر، أما المعنى الحقيقي المطلق، فلا يُبلغ إلا عند بلوغ المعرفة البشرية الحقيقة المطلقة.

           وقد قام العرب بدور هام في ترجمة الكتب اليونانية والمحافظة عليها، وأسهموا بدور فعال وهام في تقدم علوم الفلك والفلسفة، وكانوا أول من طبقوا مبادئ العدل والمساواة بين كل الأجناس، ووضعوا علم الجبر والمقابلات (المعادلات) وعلوم الأحياء والكيمياء والجغرافيا وعلم الإجتماع، واخترعوا الاسطرلاب وقدموا الأرقام العربية وكانوا اول من استخدم الصفر في الحساب، بينما شرح ابن رشد فلسفة أرسطو وأضاف الكثير إليها، وتلقفت أوروبا علومه وعلوم العرب لتبدأ عصر التنوير الذي تأسس على العلوم التي أخذتها عن العرب. وفضل حضارة الاسلام وما قدمته الى الحضارة البشرية أعظم من أن تشمله بضع سطور في هذا البحث، وليس هنا مكان سرده حيث أنه مفصلاً في العديد من الكتب المتخصصة، العربية منها والأجنبية.

          أما عن البلاغ القرآني فيما يتعلق بالكون والخلق، فقد جاء القرآن بصورة كونية مكملة من جهة، ومصححة من الجهة الأخرى للمعلومات التي سبقته، {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه} المائدة 48 ، وفي حدود المتطلبات التي بيناها في الباب الأول. وسيرد بالتفصيل إن شاء الله في البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب.

وفي العصور الوسطي، ومرورًا بعصري التنوير والنهضة، كان الجدال بين أصحاب مذاهب الإستدلال على وجود الخالق بدقة وكمال التصميم – في المجالين الكوني الميكانيكي والعضوي – وأصحاب المذاهب المادية القائلين بعدم جدوى هذا الإستدلال لأنه ليس حاسمًا ولأنه يمكن الإستدلال منه أيضًا عن عدم كفاءة وعدم كمال التصميم .

           ان التفسيرات التي قدمتها الفلسفات اللاهوتية، ركزت على تكامل وتناسب المخلوقات مع بيئتها، والذي يعود الى التصميم الرائع الذي وضعه الله تعالى في هذا الكون، وركزت أيضًا على التصميم الميكانيكي للحركة الدقيقة التي تتبعها الأجسام السماوية، وأهمية مواقعها وتأثير بعضها على البعض، مما نشأ عنه الظروف الطبيعية والمناخية الملائمة للمخلوقات، ودللوا على أن أي إختلاف بسيط في هذا التوازن سوف يؤدي إلى فناء الحياة، وأن القدرة الإلهية هي التي أوجدت هذا التوازن الدقيق وهي التي ترعاه وتحافظ عليه. وكان الإعتقاد اللاهوتي حتى القرن التاسع عشر، أن المخلوقات تتدرج في سلم يبدأ في أسفله بالمخلوقات ذات الخلية الواحدة، ويتدرج في الترقي حتى يصل الى الإنسان الذي يشغل مكانًا متوسطًا، يعلوه الملائكة. وكانت هذه الأنواع ثابتة غير متطورة، لا تزيد أو تنقص لأن الله تعالى خلقها وما خلقه الله على كماله لا يمكن تحسينه أو فناءه إلا بمشيئته. وكانت هذه الأفكار مقبولة وراسخة حتى تحدتها نظرية أصل الأنواع (النشوء والإرتقاء) وأدت الى تقويضها، والتقويض – الظاهري أو المرحلي – لكل الإستدلالات التي إعتمدت دقة التصميم البيولوجي العضوي للكائنات الحية، فملائمة الأعضاء الدقيقة لإستخداماتها، لم ينشأ عن تصميم وإنما نشأ عن تطور هذه الإعضاء لتناسب البيئة والعمل المطلوب منها، فالعين لا ترى لأنها صممت لترى الأطوال الموجية الغالبة من الشعاع الشمسي، وإنما لأنها بدأت كرد فعل لما حولها ثم تطورت لتستخدم الموجود من الأطوال الموجية، لنقل المعلومات اللازمة للبقاء النوعي، ولأنها تطورت لتناسب الموجود ناسبت الموجود بدقة، ولم تناسب غيره، مما بدا لنا كدقة في التصميم، وهو ليس إلا تفاعلاً بين الكائن الحي وبيئته.   

           أما الإستدلال بدقة التصميم الكوني (( لقد أخرج كوبرنيكس وكبلر وجاليلو الإنسان من موقعه المميز في مركز هذا الكون، وأخرجه داروين من مركزه المميز بين المخلوقات، إلا أن الفكر البشري وجد أن أهمية الإنسان لا تعود إلى الموقع أو المركز الذين قد يشغلهما، وإنما إلى قدرته على التفكير، وبالأحرى قدرته على المشاهدة والرصد، والتساؤل، ثم قدرته على تبادل المعلومات وحفظها جيل بعد جيل.)) ، أي الإستدلال الميكانيكي، فقد قضي عليه ظاهريًا أيضًا، بفكرة أن الجزء الذي نحيا فيه من الكون قد يكون هو الوحيد الصالح للحياة، ولهذا وجدنا فيه، وان الكون من الكبر والكواكب من الكثرة، حتى أنه يمكن إحتمال تصادف وجود واحدًا منها بالظروف التي وجد فيها كوكبنا، ولهذا فالإحتمال -وإن كان ضعيفًا- إلا أنه يمكن حدوثه، ولأنه حدث وبمحض الصدفة، فقد أدى إلى وجودنا، ولأننا نتجنا عنه، نستطيع أن نتساءل ونتعجب من دقة ملائمة الظروف لوجودنا، ثم نستدل من ملائمة الظروف وتوازنها الدقيق على روعة التصميم، والحقيقة التي يعتقدها أصحاب هذا التفسير، أننا وجدنا بمحض المصادفة ونتيجة تجمع هذه الظروف التي أدت إلى نشأتنا ووجودنا. وقد تطور هذا التفكير، إلى الإعتقاد بوجود أجزاء أخرى من الكون الذي نراه، والذي لا نراه، لم يسعدها الحظ بتوافر الظروف والعوامل التي تؤدي إلى نشوء الحياة فيها، ولهذا فهي أجزاء ميتة لا حياة فيها، ثم تطورت الفكرة مع ظهور نظرية النشأة المفردة، والتي تبين منها أن الكون نفسه تطور من خلال عمليات متعاقبة دقيقة الإتزان، إلى أن هناك عدد لا متناه من الأكوان الأخرى التي لم تتطور مثل كوننا، ولم تؤدِ إلى ظهور حياة، أي أكوان فاشلة بمقاييس البشر؛ والتي تعتبر أن النجاح لا يكون إلا في تطور الأكوان حتى تستطيع خلق المناخ الملائم لظهور الحياة التي تتطور بدورها حتى ظهور الإنسان. 

          وبالرغم أن الإستدلالات السابقة يمكن الإعتقاد بصحتها المرحلية، ونقصد بهذا أنها نجحت لفترة طويلة في تقديم تفسيرات تحل محل التفاسير التي تعتمد على التصميم، إلا أنها لا تسقط مطلقًا صحة فكرة الإستدلال على وجود الخالق بأدلة التصميم، حيث أنها تقدم تفسيرًا آخر، وإن كان لا يعتمد على القوى الغيبية، إلا أنه قد يتجاوز الحدود المعقولة للإعتقاد في إمكانية حدوث ما يمكن قبول إحتمال حدوثه ولو مرة واحدة في عدد لا متناهي من المحاولات.         

 أن نظرية أصل الأنواع لداروين (النشوء والإرتقاء) مع تعديلاتها الحديثة، لا تتعارض مع التصميم الألهي، وخاصة لو كان التطور من سمات هذا التصميم، والفكر الفلسفي اللاهوتي السابق لنظرية داروين، أعتمد مبدأ الخلق الآني المتكامل لكافة المخلوقات، أي أن الله تعالى قد خلق كل أنواع المخلوقات الحية في وقت واحد، الطيور والأسماك والحيوانات والزواحف والأشجار والنباتات والإنسان، كل هؤلاء في الستة أيام، وبالرغم من المذكور في سفر التكوين، إلا أن آيات الخلق القرآنية، وخاصة تلك التي تشير الى الستة أيام؛ لم تدل على خلق أي من المخلوقات الحية في هذه الفترة، وإنما أشارت الى خلق الكون من سماوات ومادة وطاقة. أما عن خلق الحياة، فهذا ما سنفصله في الباب الثالث.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – المعرفة البشرية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } النساء 82

 

يعتبر أصحاب المذهب العقلاني مثل ديكارت ان الأفكار العقلية فطرية تولد مع الأنسان، وأن الحقيقة وليدة التصورات. بينما يعتبر التجريبيون مثل هيوم أن الأفكار مستمدة من التجربة الحسية عند الطفل وينكرون أي وجود للأفكار الفطرية، وأخذ “كانت” طريقًا وسطًا فقال ان حدود المعرفة الممكنة هي عالم الظواهر فقط، وأنكر قدرة العقل على أي فهم في مجالات الميتافيزيقا لأنها لا تخضع للتجربة الحسية.

 وعليه فان المجال الذي يجب أن ينحصر فيه البحث المقارن هو في المعرفة الطبيعية التي تدخل وعي الانسان عن طريق تفاعله مع مشاهداته في الطبيعة، أما المعرفة الغيبية فهذه لا يعرفها الإنسان إلا عن طريق الوحي و الرسل و الكتب السماوية.

          يعَّلمنا القرآن أن المعرفة أولها فطري، ثم تجريبي حسي، والمعرفة الفطرية التي يتناولها القرآن هي معرفة وجود الله تعالى. وفي الآيات الكريمة: {وكذلك أنزلناه قرآنًـا عربيا وصّرفنا فيهِ من الوعيد لعلهم يتقون أو يُحدِثُ لهم ذِكرًا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيهُ وقل ربِ زدنى علمًا * ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزمًا} طه: 113-115 .  يُحدث تدل على أن يكون الشىء بعد أن لم يكن. وذَكَرت الشىء خلاف نسيته، ثم حمل عليه الذكر باللسان أى الصيغة الصوتية اللغوية، والمعنى الأرجح هنا هو الذى يدل على التذكر؛ ولو أخذنا بهذا المعنى، فأن {..ويُحدث لهم ذكرًا..} ((جاء في تفسير الطبري: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} يَقُول : أَوْ يُحْدث لَهُمْ هَذَا الْقُرْآن تَذْكرَة , فَيَعْتَبرُونَ وَيَتَّعظُونَ بفعْلنَا بالْأُمَم الَّتي كَذَّبَتْ الرُّسُل قَبْلهَا , وَيَنْزَجرُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْه مُقيمُونَ منْ الْكُفْر باَللَّه.))  تدل على أن القرآن قد يجعلهم يتذكرون، ويُحدث تدل أنهم يتذكرون شيئًا جديدًا عليهم لأن يُحدِثُ تدل على حدوث شيء بعد أن لم يكن. أى أنهم وان كانوا يتذكرون، فأنهم يتذكرون شيئًا وان كان فى ذاكرتهم، إلا أنه مدفونًا ولم يطَّلعوا عليه من قبل فى حياتهم هذه. وإذا عدنا الى أول العهد البشرى عندما جعل الله آدم ، وعندما أشهد كل ذرية بني آدم {وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} الأعراف:17. والمراد بالاشهاد هو فطرهم على معرفة الخالق، وفى قوله تعالى {فأقم وجهك حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} الروم 30. والحنيف هو الميل عن الباطل الى الحق.

 ومعرفة وجود الله تعالى، تدخل في الموضوعات الغيبية، التي لا يقوم عليها دليل حسي مادي، وإنما يمكن الإستدلال عليها من خلال الوجود الكوني والحياة والوجود الإنساني ذاته، وليس من الممكن البرهان المطلق على هذا الإستدلال، وأنما يسلم له ويؤمن به، ولهذا فطرها الله في خلقه رحمة بهم.

           والعالم وفق النظرة الإسلامية يمثل نظاما أخلاقيا له غرض وغاية، وقد تكفل القرآن ببيان حدود الخير والشر، والغرضية الكلية للعالم، كما قدم تشبيهات للغيبيات، ودعا الى التسليم والإيمان بها، بينما ترك للبشر البحث عن المعارف والأسباب في العالم المشاهد. في قوله تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(78) النحل. ما يدلنا أن المعرفة تكتسب بعد الولادة من خلال الحواس والعقل. أما الفطرة التي ذكرناها، فهذه فطرة وليست علما يقينيا.

 

الإستدلال بوجود التصميم :      

 الإستدلال على الوجود الألهي من خلال روعة ودقة التصميم، وأن الكون الموجود يستدعي بالضرورة من يوجده، هما نظريتان أتخذ كثير من العلماء والفلاسفة موقفًا معارضًا لهما، وبالرغم من اعتقادهم ان نظرية النشوء والإرتقاء والفهم الحديث للنظام الكوني قد قدما تفسيرًا يبين كيف يمكن لهذا الكون أن يصل الى روعة ودقة التصميم الذي هو عليه، دون الحاجة الى الإعتماد على القوى الغيبية. إلا أن التفسير أو التفسيرات التي قدموها، اعتمدت مبدأ الإحتمالات، لحل مشكلة الدقة اللامتناهية التي احتاجها الكون في كل خطوة خطاها في مسلسل تطوره. يقول مبدأ الإحتمالات أنه إذا كان إحتمال حدوث شيء ممكن، وكان عدد المحاولات لانهائيًا، فأنه سيحدث ولو مرة واحدة. ولأننا نحيا في كون ناجح من وجهة نظرنا، يمكننا القول أن واحدًا قد نجح؛ بينما هناك عددًا لا يحصى من الأكوان التي فشلت.

  يستطيع العقل العلمي المادي أن يقبل إمكانية حدوث مثل هذا، عن أن يسلم للقوة الخالقة المهيمنة. وكما ذكرنا فلا بأس أن نقبل بما يقول، إلا أن تقديم تفسيرا لا يقوم عليه دليل مادي أو تجريبي، لن يتعدى كونه تفسيرا آخر، التصديق به قضية إعتقادية وليست علمية، ولكل إنسان الحرية أن يختار أي من التفسيرين.

 كل ما نعلمه من البحث العلمي أن خلق الكون والحياة كان تطوريًا. بل وان قامت الأدلة العلمية على صحته، فلن يدل هذا بالضرورة أن الخالق غير موجود، إذ ليس هناك علاقة منطقية أو مباشرة بين هذه المقدمة وهذه النتيجة، بل ولماذا لا يكون التخطيط الألهي يشتمل على أن يكون الكون وليد تصميم تطوري معقول، أو وليد خطة محكمة ليبدو لنا كأنه وليد الصدفة ((الصدفة تعبيرًا يستخدمه الناس، بينما الفرض العلمي تولد من مبدأ الإحتمالات، أي لو كان هناك عددا لانهائيًا من المحاولات، فمن الممكن نجاح واحدة على الأقل في إنتاج شيء مفيد، ولأن كوننا موجود، فنحن نعرف أن واحدَا على الأقل قد نجح بينما فشل عددا كبيرًا غيره (عدد المحاولات الذي يقصدونه يتجاوزآلاف البلايين) .))  أو الإنتخاب الطبيعي، أليس هذا ما سوف نتوقعه عندما تعتبر الأديان ان الحياة الدنيا مكان إختبار.

 نحن لا نختلف في ان علومنا الحديثة قد وصلت الى درجة تستطيع معها أن تفسر الكثير مما في هذا الكون، دون الحاجة الى اللجوء الى قوى غيبية كلما عجزنا عن تفسير ظاهرة ما، بل ان ما لا تستطيع هذه العلوم تفسيره مثل نقطة بدء الكون عندما تنهار كل القوانين الطبيعية التي نعرفها، لا يصح وفق المنطق العلمي الحديث، أن نلجأ الى القوى الغيبية لتفسر ما نعجز عنه، لأن اعادة كل ما نعجز وقتيًا عن فهمه الى القدرة الإلهية، يعطل قدراتنا الفكرية عن البحث في الأسباب الطبيعية، وهو ان خرج عن قدراتنا العلمية اليوم، فقد نستطيع تفسيره في المستقبل.

 إن احتمال ان نجد تفسيرا كاملاً لهذا العالم إن كان هناك مثل هذا التفسير، لا يعني مطلقًا أن الخالق ليس موجودًا، فكون العالم معقولا ليس له دلالة منطقية على أنه مخلوقًا أو غير مخلوق.

ومن الأصل، ليس من فروض الفكر الديني أنه في كون معقول، بمعنى يمكن فهمه وفك ألغازه، أن تكون وظيفة الخالق التدخل من آن الى آخر لسد النواقص التي لم تستطع مخططاته وقوانينه الطبيعية القيام بها، ولو كان الأمر كذلك، لكان التصميم الكوني ناقصًا، والنقص هو ما ننزه عنه الخالق. أي أن شرط أن يكون الكون معقولا، يمكن أن يرتبط إرتباطًا وثيقًا بكمال التصميم، ولو أشترطنا أن الخالق ضروريًا لإكتمال التفسير الطبيعي للكون، لتناقضنا مع أنفسنا، ولهدمنا الفكرة ذاتها التي سلمنا بصحتها وهي كمال التصميم.

           وتعتمد فكرة الإستدلال على وجود الله سبحانه وتعالى من دقة وروعة التصميم، على أن كل شئ في الكون سواء كان في السماء أو في الأرض، قد وجد ملائمًا الى درجة فائقة من الدقة، للغرض المطلوب منه، فالأرض مثلا على مسافة من الشمس بحيث تعطي الحرارة والدفء اللازمين للحياة على الأرض، ولو اختلف موقعها فاقتربت قليلا من الشمس فستزداد درجة الحرارة على سطحها ولاستحالت الحياة كما نعرفها عليها، وكذلك لو ابتعدت قليلا لانخفضت الحرارة ولاستحالت الحياة أيضًا، ولو لم تكن تدور حول نفسها، لما كان تعاقب النهار والليل، وما يقال عن الأرض، يقال عن أي شئ آخر، كتوافق التصميم المعقد للعين مع العمل المطلوب منها وهو الرؤية، وهناك الكثير من الأمثلة التي تبين توافق الأعضاء والمخلوقات والأجرام السماوية مع أغراضها، والتي نتجت من تعاون العدد الهائل من الأسباب بدقة متناهية، لتتمكن من تحقيق هذه النتائج أو الأغراض بنجاح فائق. ومع هذه الدقة، كان لا بد للعقل البشري أن يفترض وجود الفكرة والغرض والتخطيط المسبق والتنفيذ، والذي يستدعي وجود المصمم . المشكلة في هذا البرهان أنه يمكن أيضًا منطقيًا تفسيره بانه من الممكن أن تكون الصدفة وحدها هي التي تسببت في وجود الأرض في مكانها التي هي فيه، إذ أنها لو لم تكن وجدت في هذا المكان، لما نشأت حياة ولما كنا وجدنا على سطحها، ولما كنا لنسأل الأسئلة التي نسألها الآن!

 والصدفة التي نتحدث عنها ليست عمياء، بل أنها وليدة مبدأ الإحتمالات، ففي كون فيه آلاف البلايين من الشموس (النجوم)، من الممكن توقع وجود عددا كبيرا من المجموعات الشمسية التي تشبه مجموعتنا، وعندما تكون الأعداد المحتملة كبيرة جدًا، فمن المعقول ان نتوقع ان يصادف عدد ما من هذه الكواكب موقعًا مناسبًا حول شمسه، بحيث يتولد فيه مناخ ملائم كذلك الذي وجد على كوكبنا، وبالطبع لا يمكننا الجزم بوجود كوكب آخر في الكون المدرك مماثلا للأرض، بل ولا نستطيع حتى رؤية مجموعة شمسية أخرى، لأن الكواكب معتمة، وبالرغم أنه قد تم إكتشاف عدة مجموعات قليلة منذ بضعة سنوات، الا اننا علميًا نفترض وجود هذه المجموعات بكثرة ولكن ليس لدينا دليل مشاهد للجزم بوجودها.

 القصد من التدليل السابق، أن العلم يقول لنا، أن احتمال وجود أرضا بالصفات التي تسمح بنشوء حياة عليها ممكن وفق الإحتمالات التي ذكرناها، ونعلم أن واحدة على الأقل موجودة لأننا نحيا عليها. أي أننا وُجِدنا على الأرض، لأن ظروف الأرض وصفاتها أدت إلى وجودنا، وليس لأن الأرض وضعت بهذه الصفات وفي هذا المدار المحدد لتكون ملائمة ومناسبة لحياتنا عليها.   

 المثال الثاني الذي عرضناه هو نجاح العدد الهائل من الأسباب في التعاون لتكوين العين، أو اليد، أو الرئة، وتلائم الأعضاء ((ولا يوجد غرضية مسبقة عند الكائن ذاته لتكوين عضو ما أو عين، وانما هو رد فعل خلايا الكائن الأول لما حوله، فان كان في مكان شديد البرودة مثلا، سمك غشاءه الخارجي، وان كان يتعرض للضوء، اختصت بعض الخلايا لإستشعار الضوء، وهكذا.  بدأ الكائن كخلية بسيطة من وتعتمد على التفاعلات الكيميائية الموجودة في الطبيعة، واستغرق بليوني سنة ليتطور الى خلية لها نواة محددة، ثم تجمعت بعض الخلايا مع بعضها لتكون كائن بسيط متعدد الخلايا، واستغرق تطوره بليوني سنة أخرى ليصل الى التنوع الموجود اليوم. ))  مع بيئتها وغاياتها، هذا أيضًا قد لا يعود إلا لبقاء الناجح منها وتطوره بينما يضمر الفاشل ويندثر، وعندما نتحدث عن عدة بلايين من السنين استغرقها تطور الحياة على الأرض، فمن الممكن ان ينتج هذا التنوع الهائل من أنواع الحياة الملائمة لبيئتها ومن الأعضاء الملائمة للأغراض المطلوبة منها، ليس إلا لأن هناك عددًا أضخم بكثير قد لا يمكن حصره من المحاولات الفاشلة التي اندثرت، ولهذا فنحن قد لا نعلم عنها شيئا، أو قد نجد بعضها في الحفريات التي يقوم بها علماء تطور الأنواع، نحن لا نرى في زماننا هذا الا النجاح، ومنه نظن ان التخطيط الواعي الناجح هو ما أدى اليه، بينما من الممكن أيضًا – ونقول من الممكن ولا نقول بالضرورة أو حتمًا – أن يكون قد نتج عن طريق التطور وفق الإنتخاب الطبيعي أو أي عملية أخرى.

 تقوم فكرة البرهان بوجود التصميم، على تعاون الأسباب الكثيرة المعقدة، بدقة كبيرة على انتاج شيء مفيد في الغالب، ولكن في الحقيقة لو تتبعنا أسباب أي حدث في الكون، سواء كان مفيدًا أو مدمرًا، لوجدنا أنه ينتج عن تعاون عدد هائل من الأسباب المعقدة، واغلب الحوادث الضارة لم تنتج الا من تعاون عدد هائل من الأسباب، وبالرغم من ذلك، فاننا في الأغلب لا نطلق عليها انها نتاج تصميم بارع.

 فالفكرة تقوم دائمًا على أمثلة خيّرة، كالأرض، والعين، والشجر، والماء . ولكن الكون يمتلأ بالأشياء الخيرة والأشياء الشريرة وفق مقايسنا، وكلاهما ينتج من تعاون عدد هائل من الأسباب لينتج شئ معين، فالأوبئة التي تقضي على آلاف الناس، والزلازل والأعاصير والكوارث، كلها تنتج عن عدد هائل من الأسباب التي تعاونت مع بعضها البعض بدقة متناهية لينتج الفيروس أو الميكروب أو الإعصار. وحيث أن الناتج قد يكون خيرًا أو شرًا دون تمييز، يجد بعض الفلاسفة ان تفسير الصدفة أفضل لأن هذا ما سوف نتوقعه من الصدفة العمياء، بينما قد يعيد المؤمن وجود الشر الى حكمة إلهية، ومن الممكن أن نعيد وجود كلا من الخير والشر في عالمنا هذا الى الأرادة الإلهية ذاتها، والتي بالضرورة من مبادئ التصميم المتوقع لعالم يُختبر فيه الناس، إذ لن يصح هذا الإختبار إذا كان في هذا العالم خير فقط.   

           مما سبق، نجد أن فرضية الخالق لتفسير روعة التصميم ليست الفرضية الوحيدة التي تفسر الموجودات في الكون، الصدفة أيضًا قد تفسره، وكما سبق، لا يعني الإستدلال السابق أن فيه البرهان على صحة أي تفسير منهما وخطأ الآخر، بل يعني أنه لا يوجد برهان قاطع، كلاهما يفي بالغرض ويوفر التفسير المطلوب، ومع غياب الدليل الحسي التجريبي خاصة في لحظة البدء، يبقى التفسيران كما هما، تفسيران لا أكثر، ومع صلاحية التفسيرين، يصبح موضوع إختيار أحدهما ورفض الآخر موضوعًا إعتقاديًا لا علميًا، بل وكما جاء سابقًا نحن نجد انه من الممكن أيضًا الإعتقاد في الفكرتين معًا، طالما أن المخطط الألهي قد يشتمل على مبدأ الخلق التطوري المعقول، أي الذي يستطيع البشر عقله.

           المشكلة الأخرى التي قد يوردها أصحاب التفسير بالصدفة، أو ما أُطلق عليه معقولية العالم، هي أنه لو كان الكون مخلوقا، فما الداعي لبلايين السنوات التي استغرقها هذا الخلق حتى نصل الى ما وصلنا اليه، وحتى يصبح العقل البشري قادرًا على تلقي هذه الرسالات السماوية التي تعده للإختبار الدنيوي الذي نتحدث عنه. هل التصميم يستدعي هذا التطور البطيء والإنتخاب الطبيعي الذي عرض المخلوقات لعدد لا يحصى من المحاولات الفاشلة والأنواع المنقرضة ليستمر الناجح منها فقط في سلم التطور، لو كان الكون مخلوقًا وفق تصميم رائع كما يدعي أصحاب برهان التصميم، لسار وفق الخطة المحددة دون المحاولات العمياء التي تشير اليها نظرية الإنتخاب الطبيعي. نحن عندما نصمم منزلا، وان نمر بكثير من المحاولات التصميمية التي توصلنا في النهاية الى التصميم السليم، نبنيه ونعلم أنه صحيح، ولا نبني عددا كبيرا من المنازل ينهار معظمها حتى ينجح أحدها فنسكنه، ثم نبني الباقي على منواله ((لاشك أن أول أنسان فكر في بناء مسكن، بنى عددا من المنازل الفاشلة التي إنهارت، حتى توصل الى الطريقة التي يمكن أن يبنى بها مسكنًا لا ينهار، ولكن المقارنة هنا مع إنسانا قادرًا على التصميم الصحيح ولديه الوسائل التي تمكنه من تصور المنزل وحساب مكوناته وعناصره قبل التنفيذ.)) . الرد على هذا يعود بنا الى ان الكون يجب أن يكون معقولاً، دون أن يبرهن بالدليل القاطع على وجود الخالق، حتى لا تنتفي شروط الإختبار الدنيوي، وأليس هذا بالضبط ما نحن فيه الآن، العالم معقولاً، ويمكننا تفسيره بالعقلانية البحتة، وبالوجود الألهي، ولدينا الحرية الكاملة في الإختيار بين أي من التفسيرين.

 وهل لا يكون العالم معقولاً لو اتبع التطور بضعة قوانين يتم التطور من خلالها بنجاح دائم دون الحاجة للمحاولات الفاشلة!  القوانين موجودة وهي وحدها ما ينتج عنها الإنتخاب الطبيعي وربما البقاء للإصلح، أما ما سنحتاجه آنذاك هو خطة واضحة ذات غرض وغاية، ومع وجود الخطة والغرض والغاية سيكون العالم آنذاك أيضًا معقولاً، ولكن الخطة الحتمية سوف تدل بقوة وببرهان لا يقبل الشك على غاية التصميم، وبالتالي ستكون دليلا قاطعا على وجود المصمم، وهذا ما حرص التصميم على تجنبه. بالطبع التطور الطبيعي له قوانين تحكمه، الإختلاف هنا في غياب الخطة أو الغاية. أو ربما يمكن القول في إخفاءها عنا. أما الإمتداد الزمني فلا أهمية له، خاصة أننا نعلم أن الزمن ما هو الا من نسيج وخصائص عالمنا نحن، لا عالم الخالق، وما قد نظن أنه زمن طويل قد لا يتعدى لحظة مقارنة بعالم لا زمان فيه، إن صح التعبير!

           وهناك إضافة نود عرضها بخصوص المحاولات الفلسفية والدينية لإثبات وجود الله إعتمادًا على العقل وحده، إن القرآن الكريم يستهل آيات السورة الأولى بعد الفاتحة {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}   ويتضح من هذا أن الإيمان في هذه الأمور يجب أن يكون غيبيًا، وأتوقع أن تفشل كل المحاولات البشرية لتقديم الاثبات القاطع بوجود الخالق، سواء كان علميًا أو فلسفيًا. وهذا منطقيا إذا قبلنا بفكرة الوجود البشري في مرحلة الإختبار، إذ تنهار فكرة الإختبار، والخير والشر، وتصبح الحياة الدنيا بلا معنى فور ظهور الإثبات القاطع، وفي قوله سبحانه وتعالى ما يبين مثل هذا { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمامِ والملائكة وقضي الأمرُ وإلى الله ترجع الأمورُ} البقرة 210، وقوله تعالى: {ولو شاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض} سورة محمد 4 ، فجُعل هذا في غير متناول البشر وخارج عن حدود قدراتهم، ولهذا حتى القرآن ذاته وهو كلام الله تعالى، ليس مفروضًا فيه أن يكون دليلاً قاطعًا، إذ يمكن أن تعمى عنه القلوب والأفئدة. يقول الله تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: { وإن كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} 6/36

          إلا ان الرسالة بينت أن القرآن فوق قدرات البشر، وقد تحدت من أنكروه أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة مثله، وقضت بعدم إستطاعتهم،  وهذا الدليل القاطع لا يراه إلا المؤمن، أما الكافر فقد يجادل فيه. أي أن هذا التحدى بالرغم من قطعه بفشل كل من يحاول أن يأت بمثله، لم يؤدي في حينه الى إسلام كل مشركي مكة، وهو بهذا لا يكون الدليل القاطع.

ولو شاء الله لآمن كل من في الأرض، إلا أن الأرض دار إختبار، كما يتبين في قوله تعالى: {…وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ…}  المائدة. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} الأنعام.  {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} النحل.

<< previous page next page >>

الفصل السادس – تصرفات رب المال في مال المضاربة

1- استرداده جزءاً من رأس المال:

اذا استرد رب المال جزءاً من رأس ماله… يكون الجزء المسترد من المال قد انفسخت فيه المضاربة، والباقي من المال هو رأس مالها؛ فإن كان في المضاربة ربح أو خسارة، فيوزع الربح والخسارة على القسم المسترد وعلى ما تبقى من المال. ولا يجبر ربح المسترد خسارة ما بقي من المال في يد العامل، ولا تنجبر خسارة المسترد من ربح ما بقى في يد العامل لمفارقته إياه.

وفرق الأحناف بين أن يكون مال المضاربة نقداً أو عروضاً، فقالوا إن رب المال ان كان استرد مال المضاربة بدون رضى العامل، وهو مازال نقداً ولم يتصرف فيه العامل فإن المضاربة تبطل، والربح كله لرب المال اذا عمل فيه رب المال بعد ذلك وربح، لأنه عمله ليس من قبيل الإعانة لعدم رضى العامل. اما لو استرد المال بعد أن أصبح عروضاً، فباع وربح، كان الربح بينهما على ما شرطا، وكان عمل رب المال من قبيل الاعانة للمضارب فلا تنقض المضاربة هنا لأن رب المال لا يملك نقضها لأن العامل عمل وترتب له حقوق بموجبها, (انظر المبسوط جزء22 ص85)

وعليه… فإن رأس مال المضاربة قابل للإنقاص، أي إن لرب المال أن يأخذ جزءاً من رأس المال تنفسخ فيه المضاربة، فيه ربحه ومنه خسارته، وتستمر المضاربة بعد ذلك دون حاجة لعقد مضاربة جديدة، ولم يشترط الفقهاء رضى العامل، ويمكن أن نفترض هنا ان الجزء المنفسخ تحكمه شروط فسخ المضاربة بإرادة رب المال، فإن كان المال نقداً، فله ربحه وعليه خسارته، وان كان المال عروضاً فالفسخ الكلي عند أغلب الفقهاء يسري على الشراء وليس على البيع؛ أي إن للعامل أن ينضض المال إذا كان فيه ربح بعد علمه بالفسخ، فإن كان فيه ربح فكما شرطا، وقد عامل الفقهاء هنا هذا الفسخ الجزئي كالفسخ الكلي في هذا الجزء. فعليه ان كان بعض المال عروضاً… كان على العامل ان يبيع العروض، ولكن ماذا إن كان بعض المال عروضاً وبعضه نقداً، وطالبه بالنقد، فلن يعرف الربح أو الخسارة إلا بعد تنضيض العروض، فإن اعتبر كلاً منهما منفصلين… فإن كان النقد ايراد بيع سابق بربح وخسرت العروض عند بيعها، أخذ العامل ربحه من الأولى فلم تنجبر الثانية فيخسر المالك لانه سيتحمل وضيعتها وحده، وكذلك إن كان النقد فيه وضيعة والعروض فيها ربح عند بيعها، ولهذا… فإن كان المالك هو من رغب في هذا مع معرفته بما يصيبه من جراء هذا التقسيم فقد أجاز له الفقهاء لاحتمال اضطراره إلى المال.

والأولى في هذه الحالة أن يأخذ النقد الموجود بموافقة العامل بمثابة دين عليه للمضاربة حتى تنضض العروض وتتم القسمة.

وهناك مسألة تفويت فرصة الربح على العامل في الفسخ والمال عروض، سواء كان جزئياً أو كلياً، فإن أطلق له البيع أو أنيب ولي الأمر على البيع … فلا يوجد فرصة ضائعة. أما اذا أخذ المال العروض أو جزءاً منه بدون رضى العامل فباعه كما قال الأحناف، فالأغلب أن للعامل في الربح أو أجر المثل، فالأحناف قالوا في الفسخ الكلي أن الفسخ اذا حدث والمال عروض فللعامل أن يبيعه وينضض المال ولا يمنعه العزل عن ذلك، ويقوم العامل بالبيع سواء رضى رب المال أم لم يرض، جاء في شرح العناية على الهداية(جزء7 ص76): ”وإذا علم المضارب بعزله والمال عروض، فله أن يبيعه ولا يمنعه العزل عن ذلك، نقداً أو نسيئه، حتى لو نهاه عن البيع نسيئة لم يعمل بنهيه، لان حقه قد ثبت في الربح بمقتضى صحة العقد، والربح انما يظهر بالقسمة، والقسمة تبتنى على رأس المال بتمييزه، ورأس المال إنما ينض، أي يتيسر بالبيع“.

ورب المال حين فسخ المضاربة في هذا الجزء ثم أخذ العروض، قد خالف شرطاً من شروط المضاربة بعدم سماحه للعامل بالبيع، والعامل لو تعمد فعل ما نهاه عنه رب المال يصبح غاصباً، ورب المال تعمد أخذ العروض وقد نهى عنه فيمكن القول أنه أضر بشرط التخلية وهو من شروط الصحة في المضاربة، فأقل ما يكون عليه أجر المثل إن لم يكن هناك ربح في العروض التي أخذها وباعها بدون رضى العامل، لأنه ضيع على العامل ما بذله من جهد في هذه العروض.

وماذا لو أراد أحد مودعي البنك إنهاء مضاربة له سهم فيها لحاجته للمال، بينما لم يرغب الآخرون في ذلك أو لم يصدر عنهم ما يدل على ذلك، وكان المال عروضاً، وهذا من حقه، فإن أراد ذلك… فيمكن معاملته بمثل ان يسترد رب المال جزءاً من رأس المال.

2- رده للمعيب:

لرب المال رد العرض المبيع بموافقة العامل، فإن اختلفا… عملا بما فيه المصلحة، أو يحكمان بينهما من يفصل في الأمر.

3- انتفاعه بعرض من مال المضاربة:

لا يحق لرب المال استعمال أو الاستفادة أو الانتفاع  بعروض المضاربة أو بمنافعها أو بما قد يستأجر بمالها، وليس له ان يجر إلى نفسه منفعة من وراء المضاربة مباشرة كانت أو غير مباشرة، وليس له أن يشترط أي من ذلك لأن فيه اشتراط زيادة قد تكون كل الربح. فإن كان أذن العامل ولم يكن في هذا تعطيل لمال أو لعمل المضاربة… وجب عليه دفع ما يدفعه الأجنبي من الأجر.

وليس للعامل أي شيء من ذلك إلا أن يدفع من ماله أجر المثل للمضاربة بإذن المالك، وبموافقة المالك على الأجر والمدة، والأغلب كراهة ذلك إذا كان العامل هو المنتفع لأنه هو يقرر إذا كان في هذا التأجير تعطيل للمضاربة وله رغبة في الاستئجار فتتعارض المصلحتان، ويننتفي هذا إذا أجر لأجنبي أو لرب المال.

4- إتلافه لشيء من مال المضاربة:

لو أتلف رب المال أو استهلك شيئاً من مال القراض… يخرج الهالك من القراض، ويكون ما تبقى من المال هو رأس مالها… فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه، وله حصة المثل مما هلك إن كان قد هلك بعد تصرفه في المال.

5- شراؤه من مال المضاربة:

لا يجوز لرب المال أن يشتري لنفسه شيئاً من مال المضاربة الا اذا كان شراؤه لاستهلاكه الشخصي وصح قصده بأنه لم يرد أن يأخذ شيئاً من الربح قبل المفاصلة؛ لانه ليس من حق أحدهما أن يأخذ شيئاً من الربح قبل القسمة.

وجاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص500): ”ولا يصح أن يشتري المالك من العامل شيئا من مال القراض ولا أن يأخذ منه بالشفعة“.

ويجوز أن يتصرف رب المال في عرض من عروض المضاربة كالبيع، بشرط أن يكون بمثل قيمة ما بيع من مثله أو أكثر، ويكون ذلك من قبيل المعاونة وبشرط موافقة العامل ورضاه.

6- طلبه الشفعة:

لا شفعة لرب المال، إذا باع المضارب داراً تعود للمضاربة.

7- إعطاء رب المال مال المضاربة إلى عاملين:

يجوز لرب المال إعطاء مال المضاربة إلى عاملين، ولا يشترط تساويهما في الربح، وليس لأحدهما أن يتصرف دون إذن صاحبه. 

8 – الإشراف والمتابعة:

من مفهوم المضاربة ان العامل هو من يملك الخبرة والقدرة على استثمار المال، ومن شروط صحتها التخلية، فيترك للعامل حرية التصرف فيما يراه الأنسب لبلوغ القصد منها وهو أفضل نماء لرأس المال، ولأنه له حقا في هذا النماء ولأن تنمية المال هي وظيفته في المضاربة؛ فقد منع الفقهاء رب المال من التدخل في العمل، إلا من قبيل المساعدة لا من قبيل الاشراف أو الإدارة، ولو اشترط رب المال العمل مع المضارب تفسد المضاربة عند أغلب الفقهاء، إلا أن يكون هذا من قبيل اعانة العامل ومساعدته بدون أجر منه أو من مال المضاربة، وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصي عليه تصرفاته.

وما قصده الفقهاء هو منع رب المال من القيام بأي عمل يكون من ِشأنه التأثير على نتائج المشروع لأن هذا ليس من اختصاصه ومن المفترض في المضاربة ان العامل أكثر منه قدرة وخبرة، ولو كان هذا الفرض خطأ في مضاربة ما… فكان رب المال أقدر من العامل؛ فإما ان يكون رب المال قد دفع ماله لانشغاله في اعمال أخرى وبهذا الانشغال… ينتفي تفاضل خبرته وقدرته لعدم توافرها متى احتيج اليها، أو كان بلا عملا اخر فيحالا إلى نوع أخر من الشركات التي وفرها لهما الاسلام. والإشراف والرقابة قد يؤثران بطريق غير مباشر على قدرة العامل على تركيز كل طاقاته على عمله في المضاربة، أو يشغلانه في أمور الحصول على موافقة الجهة المشرفة أو تفسير تصرفاته لها، عدا احتمال رفضها لبعض ما كان ينوي أو يعزم على عمل، فلا تتحقق له حرية التصرف في المال والذي هو شرط من شروط الصحة.

ولا ينكر أحد في هذا العصر أهمية الرقابة والاشراف والمتابعة، بل إن هذا الجهاز من الاجهزة المتواجدة في داخل المؤسسات التجارية والمالية، والذي دعا المؤسسة إلى إيجاد جهاز متابعة ورقابة منها وعليها، هو الفائدة المتوقعة مما يصدره هذا الجهاز من تقارير وتوصيات دورية، تعين أجهزة التنفيذ وتوفر لهم وضوح الرؤية فيما يفوت عليهم لانشغالهم في العمل، فهي تراجع نتائج المراحل التي تم تنفيذها وتخطط للمراحل القادمة، وتتأكد من جودة الانتاج أو المشترى ومطابقته للمواصفات التي يقبل عليها العملاء أو المشترون، وعليها التوصية بالتعديل أو التغيير في الوقت المناسب وقبل ان يفوت الأوان فتصبح تكاليف الإصلاح باهظة، وهذا بالطبع من صميم عمل الإدارة والتي هي من اختصاص العامل، ولكن العامل قد يكون مؤسسة كبيرة وقد يكون تاجراً بسيطاً وليس لديه مثل هذه الامكانيات.

والمقصود الحقيقي من الإشراف والرقابة عند رب المال المعاصر، هو التأكد من تصرف العامل وفقاً لقواعد الأمانة، وهناك أيضاً مقاصد أخرى كضمان التزام العامل بشروط المضاربة؛ إضافة إلى ماذكرناه من مراجعة.

والطريق إلى اطمئنان رب المال وقد يكون في تعيين عامل ثان، فقد ذهب الفقهاء إلى جواز إعطاء المال إلى عاملين، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه. والمفهوم من هذا أن العامل الثاني يعمل مع العامل الأول لا أن يراقبه، ولهذا… فله من الربح وفق الشرط، فلو كان العامل الثاني جهة متخصصة في أعمال الإدارة والمراجعة والتخطيط، وكان عملها هذا مفيداً للمضاربة، صح كونها طرفاً فيها، وصح اشتراط رب المال اعطاء ماله إلى عاملين، فلا ينفرد أحدهما بالتصرف دون صاحبه، بشرط ألا يكون العامل الثاني ملزماً أكثر من العامل الأول بتقديم تقارير أو بالرجوع إلى المالك، ويكون ولاء العاملين للمضاربة ولتحقيق الربح لا لرب المال؛ أي إن رب المال متى عين العامل الثاني يرفع يده ويمنع عن التدخل الا في الحدود الصحيحة، وإن نص العقد على تسلمه تقارير دورية أو معلومات عن سير العمل والتوقعات المستقبيلة يتسملها من إدارة المشروع أو منهما معاً وليس من أحدهما أو من المضارب الثاني.

ويجب التنوية هنا أن هذا الحق لرب المال، له أن يستخدمه مرة واحدة فقط وقت العقد ومتى استخدمه لا يعود له الحق في التدخل، فتتم التخلية الكاملة ويكون للعاملين حرية التصرف.

والعامل الثاني سيكون أحد المكاتب ذات السمعة الطيب والمتخصصة في مجالات الاستثمار أو التصميم والهندسة أو التجارة والتسويق وغيرهم، والتي بمرور الوقت… سوف تتخصص أكثر في مجالات معينة فيستفيد العامل ويضيف خبرتها إلى خبرته فينفذ المشروع على أفضل الاسس العملية والخبرات العملية وفق تخطيط ومراجعة وتعديل دوري بما يناسب بما بناسب الواقع، مما ينتج عنه فائدة لاطراف العقد.

<< previous page next page >>

» الفهرس

كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون

يمكنكم الذهاب الى أي فصل من فصول الكتاب عبر الضغط على عنوانهِ في الفهرس :