فوائد البنوك التقليدية والربا

فوائد البنوك التقليدية والربا

Al Mudarabah Channel Video at You Tube

https://youtu.be/BFIwYeQzffg

هل فائدة البنوك التقليدية ربا؟ أم هي لقاء المخاطرة بعدم قدرة المدين على السداد، أو لقاء منفعة المال أو حق الإنتفاع بالمال في فترة الدين، أم هي الربح الذي يقدره البنك وفق دراسات الجدوي التي يقوم بها، أم هي تعويض إنخفاض القيمة الشرائية للعملات المالية الرائجة نتيجة التضخم، أم هي ليست ربا لأنها ينتفي عنها عنصر الإستغلال والتحكم الذي يقول البعض أنه كان في ربا الجاهلية الذي كان أضعافا مضاعفة ولهذا حرمه الشرع، والذي عندنا اليوم قليل ولهذا لا بأس به. 

يحاول البعض التفريق بين الفائدة المُتعامل بها فى البنوك التقليدية والربا، فالربا عندهم هو القرض الاستغلالي، أما الفائدة التى ينتفي فيها عنصر الاستغلال ويتوافر فيها تراضي الأطراف فهذه ليست الربا. وهذه المحاولات نابعة عن ظنهم، وقد نشئوا فى هذا النظام الاقتصادي المؤسس عليها، أن المعاملات لا تصلح دونها، ولصعوبة تخيله دونها؛ فقد أصبحت من البديهيات المسلم بصحتها، وهى ليست كذلك.

لم تعرف المجتمعات الأسلامية البنوك الربوية إلا منذ حوالي مائة وأربعون سنة، كان الناس يتعاملون قبل ذلك بالمضاربة والمشاركة والمزارعة والمساقاة وغيرهم من المشاركات التي يتوفر فيها العدل.

والشارع حرم الربا أي كانت نسبته من الدين، والبيان في الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} سورة البقرة، في قوله تعالى لكم رؤوس أموالكم، يبين بوضوح أن الذي يعود الى الدائن رأس ماله فقط ولا يزداد عليه شيء، أي دون أي زيادة صغرت كانت أو كبرت.

وهذا يرد على القائلين أن الربا المحرم هو فقط الأضعاف المضاعفة، إذ في قوله سبحانه وتعالى:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً { آل عمران:130} هو بيان ما كانوا عليه لا اختصاص التحريم بحالة المضاعفة .قال الشوكاني في فتح القدير:  وقوله {أضعافا مضاعفة } ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين”. أي أن النهي كان عن كل ما زاد عن رأس المال، ليس فقط عن الأضعاف المضاعفة والتي كانت لذكر واقع ما كان بعضهم عليه. ولهذا، وإستنادا على الآية التي ذكرناها من سورة البقرة، فأي زيادة دون عوض على مال مضمون، فهي ربا.

وحيث إن الشارع لم يبين علة تحريم الربا، والعلة هى ما يدور معها الحكم الشرعى وجوداً وعدماً، يبقى النص الشرعى بالتحريم قائماً بغض النظر عن الظروف والأسباب، فلا يرتبط التحريم باستغلال أو غيره؛ فقد نزلت آيات التحريم والناس يتعاملون بالربا عن رضى فأبطلت الشرط الربوى أى كانت الأسباب التى نشأ عنها.

وحكمة تحريم الربا كما ذكر الإمام الرازى أنه يقتضى؛ أخذ مال الإنسان من غير عِوض. والحكمة هى مقصد الشارع من الحكم الشرعى. وعلى هذا .. فإن كل زيادة لا يقابلها عوض تكون محرمة لأنها تدخل فى باب أكل أموال الناس بالباطل.

وإذا بحثنا الزيادة الناتجة عن فائدة ربوية تضاف إلى دين، فهذا كسب والكسب الشرعي فى الإسلام يُتحصل عليه إما بالمال أو بالضمان أو بالعمل.

المال إما له نماء طبيعي كالسوائم أي الحيوانات التي ترعى في الأرض الكلأ، أو ينمو بالعمل كالتجارة والإستثمار، بناء على القاعدة الشرعية الخراج بالضمان؛ أى إن المالك له نماء ماله لقاء تحمله إحتمال خسارة بعضه أو هلاكه. وأن المدين له نماء هذا المال إذا دفعه للعمل فربح فالربح له لأنه ضمنه لمن أعطاه المال، فإن كان قد خسر فعليه الخسارة من ماله ويرد للدائن كامل الدين أو القرض.

أما العمل فهو بيع منفعة بمال؛ أي عندما يؤجر مالك بيت البيت، فأنه يبيع منفعة البيت وهو السكن فيه لفترة محددة لقاء مال. وعمل الرجل منفعة فيمكن استئجار العامل والنجار فتكون الأجرة ثمن المنفعة، أما إذا كان العمل هو عمل مضارب في مضاربة، فالمضارب يشارك بقيمة العمل – وهى مال – فيستحق الكسب بأكثر من قيمة عمله لقاء قبوله بتحمل خسارة قيمة العمل لو لم ينمُ المال.

وقبل أن نترك موضوع الضمان، دعونا ننظر في قاعدة الخراج بالضمان والغنم بالغرم: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”الخراج بالضمان“ وقال صلى الله عليه وسلم: ”الغلة بالضمان“ أي إن المنفعة والنماء لمن يملك، و معني الملك هنا هو من يخسر اذا هلك المال. فان كانت المال مملوكاً من رجل فاقرضه أو أسلفه أو داينه -وهي عقود تمليك- الي آخر فقد ملّكه هذا المال الي أجل أو الي أن يرده، فإن هلك المال عند المقترض فعليه أداء مثله ولهذا فالخراج له.

أما الوديعة والأمانة والرهن فهؤلاء لا يفارقون ملك صاحبهم ولهذا إن هلك المال المودع أو المرهون فالخسارة علي صاحبه لا علي الأمين الذي أودع عنده المال الا اذا تعدى، فإن تعدى ضمن فله غنم المال وعليه غرمه لأنه يكون انذاك قد ملكه بالضمان (ويتعدى الأمين إذا تاجر بالمال المودع لديه لإنه تصرف في مال غيره دون أذنه فيضمنه).

قلنا أن الرهن أمانة في يد المرتهن ولا يضمن الا بالتعدي، ولا ينتفع به المرتهن الا اذا كان مما له نفقة فينتفع به نظير نفقته فتكون المنفعة عوض النفقة، قال الرسول صلعم ”الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلي الذي يركب ويشرب النفقة“ وهذا مذهب أحمد واسحاق وخالفهم الجمهور لإحتمال عدم تساوي النفقة والمنفعة، وقالوا مؤونة الرهن وأجرة حفظه على مالكه وله منافعه ونماؤه، والمقصود تساوى العوضين فان اتفقا وتراضا أجر المؤونة والنفقة لقاء المنفعة جاز، وإن شاءا أن تكون النفقة على الراهن وله أجرة المنفعة صح، فإن لم يكن له مال كان ديناً عليه وكان ثمن المنفعة قضاء لهذا الدين أو لبعضه، ولا يصعب الحساب في هذا الأمر والمرتهن أمين لأن الرهن أمانة، والنماء في الحالتين للراهن، قال الرسول صلعم ”لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه“، ولو هلك المرهون في يد المرتهن من غير تعدِ فالغرم علي الراهن، والدين علي حاله، واذا حل أجل الدين وعجز الراهن عن السداد تباع العين المرهونة ويضاف خراجها مدة الرهن وتخصم نفقتها، فيسدد الدين من المال وما فضل لصاحبها وان نقص مال فعليه.

أما القرض، فهو في الشرع ليس من المعاملات التى يقصد منها الكسب، وإنما هى نوع من أنواع الصدقة، ومن أعمال الخيروالتعاون بين الناس، وله أجر وعِوض عند الله. أما الدّين إلى أجل مسمى، فقد يكون مساعدة أيضاً أو قد ينتج عن معاملة تجارية أو عقد، وقد يكون لقاء رهن؛ أى إن مسئولية المال وضمانه تصبح على  المدين، ولهذا فليس للدائن زيادة على ماله. إلا لو كان الضمان عليه مثل الدين الناتج عن البيع المؤجل فيه الثمن.

لو نظرنا الى التبريرات التي يحاول البعض تقديمها لبيان أن الفائدة البنكية ليست ربا، نجد أنها ليست صحيحة وتنافي الفكر السليم.

الفائدة لقاء المخاطرة:

فإذا قيل أن الدائن يتحمل مخاطرة أن لا يستطيع المدين رد الدين، ولهذا فيصح له أخذ الزيادة؛ لأن هذه الزيادة لقاء هذه المخاطرة، ففي هذا غرر، فالمخاطرة مجهولة وعوضها معلوم وهو الزيادة أي الفائدة الربوية، ولا يجوز أن يجهل أحد العوضين فى معاوضة، لأن الزيادة عوض مخاطرة مجهولة الكم تتراوح بين الوجود والعدم؛ فإن حدثت فلها كم ولكنه ليس بالضرورة مساوياً للعوض وهو الزيادة المتفق عليها.

وهى إن حدثت .. أي أن المدين لا يستطيع سداد بعض أو كل الدين، فإن الزيادة والنقص فى الأصل لن يتمكن المدين من سدادهما، ولهذا فشرط الزيادة عوض عدم تمكن المدين من سداد الأصل هو شرط لا يمكن تطبيقه إذا أصبح المدين غير قادرا على سداد الأصل فكيف يسدد الزيادة. وإن لم يحدث تقصير فى السداد يدفع المدين الزيادة التى كانت لقاء احتمال عدم قدرته على السداد، وهو قد سدد فانتفى الاحتمال وانتفت بالتالي أسباب الزيادة فإن دفعها يكون قد دفعها دون عوض، وهذا ربا.

والحقيقة أن اشتراط زيادة هى عوض مخاطرة احتمال عدم سداد المدين أصل مال الدين؛ والذى لو حدث فلن يتم تسديد هذه الزيادة أصلاً، وإن لم يحدث لم تستحق، هو شرط لا معنى له، والشرط الذى يناقض مقتضاه ويستحيل تنفيذه لغو ولا يعمل به ولا يقبله المنطق السليم.

وهذا يختلف عن المخاطرة المقصودة فى الاقتصاد الإسلامي وهى المخاطرة التى يتعرض لها مال مستثمر بهدف العائد؛ الذى يحتمل أن يكون ربحا ويحتمل أن يكون خسارة؛ والربح هنا حلال لقاء قبوله باحتمال الخسارة إن حدثت، وكلاهما مجهولان وقت مباشرة الاستثمار، ويعودان إلى مالك واحد؛ فإن كان ربح فله وإن كانت خسارة فعليه؛ أى إن العائد الموجب وهو الربح يكون لقاء مخاطرة حقيقية فلا يمكن أن يجتمع الربح والخساره فى معاملة واحدة فهما صفتين لشيء واحد هو عائد الاستثمار.

والمعاملات إما معاوضات ويشترط فيها تساوي العوض والمعوض، او مقابلات فيشتركان في الربح والخسارة، أما الربح أو الخسارة فلا يعرف أو تعرف إلا من خلال دورة شراء ثم بيع، وهذان معاملتان لا معامله واحد؛ بينما الدين الربوي معامله واحدة يجتمع فيها ربح احدهما وخسارة الثانى دون بيع أو مشاركة.

والمخاطرة لا تباع وتشترى وإنما هي طبيعة معامله، المقصود منها أن نتيجة هذا الاستثمار قد يكون ربح او خسارة، أي أن الربح ليس ثمن المخاطرة ولكنه ناتج الاستثمار الفعلي، ولو كان ثمة ثمن موجب للمخاطرة لكان كل استثمار رابح (كما هو الحال في القروض الربوية، المقرض دائمًا رابح).

كما ذكرنا قبلا، الربح الحلال هو ما ينتج عن العمل في المال ويتولد من العمل والمال، وليس لقاء الأجل أو التأجيل، وعلى هذا الأساس صحت المضاربة وهي إذا دفع المستثمر ماله إلي من يعمل فيه فإن ربَح المال فله بعض الربح وعليه كل الخسارة، وباقي الربح للمضارب نظير عمله الذى لا يأخذ أجر عليه؛ فإن لم يكن ثمة ربح فلا شئ للمضارب والمال لصاحبه، لأن عمل المضارب يقاس  بمعيار نماء المال؛ فإن لم ينم المال بالعمل.. فلا قيمة للعمل.

وقد قلنا إن المخاطرة المحتملة في استثمار مال تبيح الكسب لصاحبه إذا كان هذا الكسب شرعياً ومتولداً عن نماء مال او عمل، والمخاطرة هنا لا تعني سوى تحمل صاحب المال مسئولية هذا الاستثمار في حالة الخسارة، والخسارة هي هلاك بعض او كل المال المستثمر، ويجب أن نذكر هنا أن كل صاحب مال يتحمل وحده مسئوليه ماله المعرض للخسارة أو الهلاك وان لم يدفع به في مجالات الاستثمار؛ – فهذا من طبيعة الاموال- كما هو الحال في السوائم، ولهذا كان نماء المال وخراجه وغلته لصاحبه.

أما النقود فليس لها نماء طبيعي – وليست معرضة للهلاك (عدا تعرضها للسرقة او الغصب). قلنا ليست معرضة للهلاك كغيرها من بقية الأموال كالطعام والحيوان والبيوت اذا لم يتصرف بها بيعاً أو شراء. فاذا اقرضها –أي النقود- فإن من إقترضها يصبح ضامناً لها ومزكياً فيها من ماله، وفي الحالات التي قد يعجز المدين عن السداد فانه يظل مديناً لصاحبه حتي يوفيه دينه، فإن عجز فإن في أموال الزكاة باب للصرف علي الغارمين، فان لم يك في أموال الزكاة وبلغ المدين أجله قضي دينه من بيت المال فان لم يك تطوع أهله واصحابه، أو عفا الدائن ومن عفا عن معسر فله أجره عند الله.

أما ما يعبر عنه الفقهاء بقاعدة الغنم بالغرم، فلا تعني هذه القاعدة جواز أن يكون عوض المخاطرة مالاً، فلا يوجد أى استدلال منطقى قد يوصلنا الي هذه النتيجه

فالغنم بالغرم لا تعني اكثر من أن نماء المال – لمالكه – سواء كان مالكاً أو ضامناً أو متصرفاً بعقد تمليك، وأن نقصانه عليه، وبخروج المال الي مجال الاستثمار بغرض الانماء قد يتعرض للخسارة و بهذا قد نقول مجازاً إنه يخاطر بالمال، وهذا بالطبع لم يكن قصده فهو استثمر بقصد الربح لا المخاطرة، والربح يولد عن المال والعمل ولا يولد عن المخاطرة فهي وصف لحالة و ليست من المسببات. والغنم وهو الكسب والفوز يقابله الغرم والمقصود بالغرم هنا تحمل المسئولية وبذل الجهد بهدف الربح مع إحتمال عدم تحقق الربح وحدوث الخسارة ، وهذان يمكن الجمع بينهما، أما الفوز لقاء المخاطرة باحتمال حدوث الخسارة أى الفوز بالخسارة فهذان لا يجتمعان، إما ربح وإما خسارة. والمعنى الذى يحلل المكسب لقاء المخاطرة وحدها ينفيه كلية تحريم القرآن الكريم للميسر وتحريم الرسول صلى الله عليه وسلم لبيع الغرر، وكلاهما قد يؤدى إلى كسب لقاء مخاطرة فيفوز أحدهما من خسارة الثانى دون عوض وهذا حرام. فان قال قائل أن البيع قد يفوز فيه أحدهما ويخسر الثاني، وهذا ما جائت به الإية الكريمة {….ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ …..} آية 275 سورة البقرة، فالبيع يشترط فيه تساوي العوضين، أي تساوي الثمن وقيمة العين المباعة، ودليل التراضي. أما الربا، فعدم التساوي واضح إذ يقول أعطيك ألف درهم وتردهم بعد سنة ألف ومائة، لا تساوي هنا، ولا يفيد التراضي هنا لأن عدم التساوي بين واضح.

الغُنم المسموح به هو غُنم رب المال نماء ماله لقاء تحمله مسئولية أو ضمانه هذا المال، وهذه معاملة فى مال واحد بعينه ولربه ولا يدخل فيها طرف آخر يأكل أحدهما من مال الآخر دون عوض أي بالباطل، والدين المضمون ينفصل غنمه وغرمه عن صاحبه فيكون حكمه حكم المال المملوك للمدين بتحمله مسئولية رده أى بضمانه.

ولهذا فمفهوم لفظ المخاطرة التى تحلل الكسب، يقصد به مخاطرة المستثمر – فقط – أى قبوله المسئولية والتبعات التى قد تنتج عن دفع ماله أو عمله – وهو مال – فى استثمار مشروع بقصد انماءه، فإن لم ينم المال وأصابته وضيعه فعليه وحده هذه الخسارة. ولا يعنى أبداً استحقاق الكسب كعوض للمخاطرة أو لقاء المخاطرة بماله، فهذه ليست من المال ليُبادل مال بها، ولا ثمن لها، وإنما يعرف الكسب أو الخسارة عند انتهاء الاستثمار وعودة المال إلى نوعه الأصلى. والكسب إذا تحقق لا ينتج أو يتولد عن المخاطرة وإنما يتولد عن الأصلين المال والعمل.

أما ما يحدث فى الديون – فى أرض الواقع – فهو أن الدائن أي البنك يأخذ الضمانات الكافية لاسترداد الدين وبهذا يكون قد ضُمن له ماله فانفصل عنه، ويكون للمدين الذى ضمن غُنم المال وعليه غُرمه، فإن أخذ البنك زيادة على ماله المضمون فقد أربى. أما فى حالات عجز المدين عن السداد مع عدم كفاية الضمانات والرهون وهى نادرة، فإن البنك لا يصيبه ضررا لأنه يأخذ الزيادة أو الفائدة من آلاف المقترضين، فيغطى من الزيادة التي أخذها من كل هؤلاء خسارة أحدهم، وفى هذا ظلم لأنه يأخذ مالاً من الناس لتعويض خسارة فى معاملة أخرى لم يكن لهم فيها مصلحة أو ضمان يشتركوا به فى كسبها ليتحملوا خسارتها. بل وهم أدوا ما عليهم من دين ولم يتخلفوا عن السداد فلماذا يدفعوا للبنك ثمن عجزهم عن الوفاء بالدين وهم قد سددوه. ففى هذا أكل أموال الناس بالباطل.

الفائدة لقاء التنازل عن حق الانتفاع:

وقد يقال أيضاً إن الزيادة هى ثمن حق الإنتفاع الذى تخلى صاحبه عنه خلال مدة القرض، والمال لا ينتفع به إلا بصرفه أي بهلاكه، أى لا نفع منه إذا ظل فى يد صاحبه وليس من صفاته النماء الطبيعي كالشجر والحيوان فهو إن بقى فى يد صاحبه ولم يستثمر لن يزيد. وحق الإنتفاع الذى يملكه صاحبه لا يحصل إلا بإستثماره في تجارة أو غيرها،  وهذا لا يعرف نتيجته سالبة تكون أو موجبة، ولا يجوز بيع المعدوم غير المعروف هل سيوجد أم لا لعدم جواز بيع الغرر. ولهذا فإن هذا الانتفاع مجهول لا تعرف نتيجته وبالتالى لا يجوز تقييمه والإلزام به وقت العقد.

الفائدة ثمن منفعة النقود:

وقد يقال إنه يبيع منفعة المال أى يؤجر المال، ولا يجوز تأجير ما يستهلك أصله عند الإنتفاع به، أو ما لا نفع له مع بقاء أصله، كالنقود – وإنما عقد الإجارة هو بيع منفعة معلومة – وإن كانت معدومة وقت العقد إلا أنه يغلب الظن بحدوثها – لقاء ثمن معلوم مع بقاء الأصل، مثل إجارة الدار والدابة والآلة والسيارة وغيرهم مما يؤجر أو تباع منافعه مدة معينة مع بقاء أصله – أى إن الإجارة هى عقد على منفعة العين مع بقاء العين على حالها دون تبدل أو تحول من صورة إلى أخرى، ولا يُستحق الأجر إلا بتحقق المنفعة واستيفائها، فإن لم تتحقق المنفعة لطالبها لم تجب الأجرة، وهذا شرط هام في عقود الإجارة، فإن أجرت سيارة ولم تعمل لم تجب الأجرة . والنقود لا منفعة لها إلا بصرفها. فإن أجرت وجب على المؤجر أن يضمن تحقق منفعتها لقاء الأجر وعليه وحده ضمان أصل العين المؤجرة، والأجر يجب أن يكون مساوياً للمنفعة لأن الإجارة من عقود المعاوضات التى يشترط فيها تساوي العوض والمعوض، ولهذا فالدين ليس من باب الإجارة في شيء لعدم جواز تأجير ما لا منفعة له مع بقاء أصله على حاله، وأن ساوى الأجر المنفعة فتوجب حدوث المنفعة ليستحق الأجر فيصبح له ربحه وعليه خسارته.

فماذا إذا افترضنا مبادلة هذا المال النقد مع مال له منفعة كعقار أو آلة، ثم بعنا منفعة الدار إلى من يستأجر الدار لمدة سنة مثلاً، ثمن هذه المنفعة فى السنة هو أجر الدار أى ثمن منفعة الدار، وفى نهاية مدة الاجارة تعود الدار إلى صاحبها فيبيعها لقاء نقد، فإن فرضنا أنه باعها بنفس ما اشتراها به فقد انتفع بالمال بقيمة الأجرة. وهذه حلال لأنه ملك الدار ومنافعها وضمن الدار والمنفعة، فأصبح الخراج بالضمان، ولم يضمن أحد له ثمن الدار، وكان من الممكن أن يبيع الدار في نهاية السنة بأقل مما اشتراها به فيتحمل وحده مسؤولية استثماره هذا وينقص ماله.

والحقيقة أن هذه المعاملة هى معاملة شراء دار شاملة منفعتها، ثم بيع المنفعة وحدها فى عقد اجارة وبيع الدار فى عقد بيع بعد انتهاء عقد الإجارة، وهذا شراء وبيع وينطبق عليه الآية الكريمة {وأحل الله البيع وحرم الربا} إذ لم يضمن له أحد ماله ولم يأكل مال أحد دون عوض، وإنما باع ما اشتراه فى بيعتين، أولهما بيع منفعة لفترة محددة، وبعد ذلك، بيع العين نفسها. والإجارة والبيع عن تراض كان يحتمل فيهما الكسب أو الخسارة، أما القياس عليه فلا يصح لأن الدين الربوي مضمون والزيادة مضمونة.

 

الفائدة ربح المال المحدد المقدر مسبقًا:

وقد يقال إن الفائدة هى ربح المال الذي قدّره البنك مقدماً، إذ يحدد الخبراء في البنك الأرباح مقدمًاً وفق دراسة الأسواق العالمية والمحلية وغيرها من العوامل المؤثرة على نتائج الأستثمار وفق دراسة جدوى دقيقة من قبل خبراء ذوي علم ودراية، فيُعرف تقدير مقدار الربح قبل حدوثه، وهذا في قول القائل بهذا الرأي من المتوقع والمؤكد ما سيحدث، ولهذا قال يصح أن يضمن البنك المال والربح للمودع.

أولا، أن المودع الذي ضمن له ماله، لا يجوز له أن يأخذ الزيادة لأنها زيادة على مال مضمون وهذا ربا.

وثانيًا؛ القول أن الربح الذي سينتج عن الإستثمار الفعلي سيكون مماثلاً ومطابقًا لذاك الذي قدره الخبراء، فهذا يستحيل في الظروف المتغيرة المتبدلة للسوق والإستثمارات، ويعرف هذا كل أصحاب الأعمال وحتى الحكومات والتي في كثير من الأوقات تتجاوز تكاليف مشروعاتها تقديرات دراسات الجدوي، وهذا يحدث في كل الدول المتقدمة.

لا يمكن لأحد تقدير نتيجة أي استثمار بهذه الدقة والتطابق بين التقديري والفعلي المتحقق، فإن تجاوزنا وقلنا أنه حدث في مشروع، لا يمكن القول أنه حدث في كل المشروعات الأخرى وبنفس نسب الربح مع اختلاف المكان ونوع الإستثمار والإدارة!! وأن يتكرر هذه التماثل كل سنة! ولنا في قوله سبحانه وتعالى { وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ). (سورة لقمان: 34) ما يمنع الأخذ بهذا التقدير بأكثر من كونه تقديراً. إذ يستحيل في أرض الواقع أن يكون الربح الذي تحقق فعلاً مساوياً ومطابقًا للمقّدر، فإن دفُع المحدد تقديراً وأختلف الفعلي عنه، كان في هذا أكل أحدهم لمال الآخر بالباطل.

وهذا بفرض أن البنك أستثمر المال وفق خبراته- والتي حدد بها الربح مسبقاً – مباشرة في التجارة أو الإجارة أو من خلال الاستثمار في شركة أو مشاركة أو مضاربة. ولكن الحقيقة أنه لا يستثمرها بنفسه، وأنما يقرضها الى من يستثمرها.

دعونا نفرض أن البنك يأخذ الأموال من المودعين بعقد مضاربة، فيحسب دراسة يقرر بها الربح الذي بموجبه يلتزم بالعائد الذي سيعطيه للمودعين ويلتزم لهم وقت إيداعهم المال بإعادة رأس مالهم وبهذا الربح. (وسبق أن قلنا إن الإلتزام بإعادة مالهم مع زيادة فهذا ربا، ولكن لنعود للمثل الذي نعرضه).

ثم يدفع البنك هذه الأموال مضاربة مرة أخرى إلى من يستثمرها فيحدد ربح هذه المعاملة الثانية مقدماً أيضاً بناء على الدراسات التي تحدد ما سيعمله المستثمر (في المضاربة لا يحدد صاحب المال العمل وأنما يحدده المضارب دون تدخل صاحب المال، ما علينا ولندع البنك يقدر الربح)، وهذا الربح يكون عادة أعلى من الربح الذي حدده للمودعين.

الذي أخذ المال ليستثمره، لا يهم البنك إن كان ربح أو خسر، فقد ألزمه بإعادة المال ومعه الربح أي الزيادة، أي كان نتيجة المشروع الإستثماري الذي نفذه. فإن أخذ البنك الزيادة على ماله المضمون فقد أربى.

أما القول أنه شاركه في الربح والخسارة، وان البنك ربحه مضمون، فهذا خداع  للنفس، فلا شيء مضمون. والقول أن البنك أستثمر المال بنفسه، فكلنا نعلم أن هذا ليس صحيحا، فإن فعل وخسر البنك أو نقص الربح عن المقدر، يظل ملتزما أمام المودع بالمال وربحه، والمودع يأخذ ربحا على مال مضمون  فيكون قد أربى. 

لا مانع في التقدير إذا كان تقديراً وإذا نَص العقد على أن الربح بينهما والخسارة على المودع،  وعلى ألا يؤخذ بالتقدير وإنما يؤخذ بالنتائج الفعلية أيما تكون، أما العقد القائم على الأخذ بالتقدير -مع إمكانية معرفة الربح الحقيقي- فهو عقد تكتنفه جهالة ولا يصح معها. ولا يجوز لمسلم أن يقبل بربح مضمون على ماله المضمون، فإن حقق ماله ربحاً سقط حقه في الربح بقبوله ضمان ماله.

الحقيقة أن هذا البنك يأخذ المال من المودع لقاء فائدة يسميها ربح أو كيفما يشاء فهي تظل فائدة وان اختلفت المسميات، ويقرضها إلى أصحاب الأعمال لقاء فائدة أعلى مما يدفعه إلى المودع، ولا يأبه إن ربح إستثمار أصحاب الإعمال أو خسر. ولو نظرنا الى الفوائد أو الأرباح التي تدفع عن مختلف العملات، نجد أنها لا تتحدد نسب هذه الفوائد وفق الأرباح المقدرة وإنما تحدد غالباً وفق سياسات إقتصادية في بلاد العملات الرئيسية وتختلف وفق العملة لا وفق التجارة أو الإستثمار، وإلا كيف يمكن تفسير إختلاف فائدة وديعة الدولار عن الإسترليني عن غيرهم من العملات في بلد واحد وظروف إستثمار واحدة. وكيف تكون أرباح كل التجارات والأستثمارات في الصناعة والزراعة والعقار وغيرهم في بلد واحد كلها متساوية كأن كل المشروعات خلال هذه السنة أنتهت على نفس الربح، كلام لا يصدقه صاحب عقل سليم..

الربا بيّن وواضح ولا يصح التقول فيما ورد في تحريمه نص قرآني، لا شك هنا ولا ريبة، والربح قبل حدوثه في عالم الغيب، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً، ولا يجوز في الشريعة الخرص أي التقدير إلا إذا تعذر معرفة الكيل أو الوزن، وهذا يسمح به في بعض البيوع والزكاة والمقاسمة، أما إذا أمكن معرفة الكيل أو الوزن لم يجز الخرص أي التقدير، ولهذا لا يجوز الأخذ بالتقدير مع إمكانية العلم بالعائد الفعلي عند نهاية الإستثمار. بل والخرص أي التقدير الذي جاء ذكره وأباحه الشرع في الحدود الضيقة المذكورة هو تقدير شئ موجود حاصل تراه العين وتقدره ولا يحتمل فيه الغرر بمعنى تقلب الشيء بين الوجود والعدم، أما التقدير المستقبلي الملزم مع إحتمال الغرر فيه فهذا لا يجوز.

وأخيرًا، كلنا نعلم أن البنك الربوي لم يقم بأي دراسة جدوى، ولم يقّدر أي ربح، وفي العموم؛ ليس في نيته الإستثمار في مشروع يحتمل الربح والخسارة، فهو دائما رابحا، لأنه في الواقع يقرض المال لأصحاب الأعمال وغيرهم لقاء فائدة، ومال القرض والفائدة مضمونان، فتكون الفائدة زيادة بغير عوض على مال مضمون، وهذا هو الربا.

 

الفائدة هي تعويض نقص القيمة الشرائية للمال:

وهناك أيضاً موضوع العملات –غير الذهب والفضة- التي قد يغلب عليها إحتمال تغير قيمتها الشرائية زيادة أو نقصاناً بدرجة كبيرة. القرض قد يكون عدداً من العملات الرائجة يرد بنفس العدد من نفس العملات الرائجة، أو –في حالة العملات التي يغلب عليها أحتمال تغير قيمتها الشرائية- يكون القرض بالقيمة الشرائية لهذه العملة المحتمل تغيرها على أن ترُد نفس القيمة الشرائية لها في الأجل، ونلفت الإنتباه هنا أن جواز القرض على القيمة مختلف فيه بين الفقهاء، والأكثر لا يجيزه، لأن الديون تٌقضى بأمثالها، وما تناولوه هو قرض على عدد من النقود الرائجة، نقصت قيمتها بعد تسليمها، فلما جاء أوان سدادها إختلف المتعاقدان هل يرد العدد أم القيمة، فرأى أكثر الفقهاء أنه يرد العدد، وقال البعض لو كان الإختلاف في القيمة فاحشا، أي الثلث أو أكثر، إما يرد القيمة أو يتقاسما. وهذا الموضوع يحتاج دراسة خاصة به، وما نعرضه يختلف عما ذكرناه، إذ أنهما يتفقان إما على العدد أو على القيمة ويتعاقدا على أحدهما قبل تسليم المال. ولهذا نرى الجواز شرط أن يتم تثمين القيمة وفق أدق المعايير من قبلِ خبير شرعي متخصص في التثمين. ومتى أجاز الفقهاء هذا القرض بشروطه، يصح القول آنذاك بجواز العقدين متى أتفقا وتحدد أيهما عند التعاقد، أي إما العقد على العدد أو العقد على القيمة.

وجواز الأول لأن صاحب المال قد رضى أن يكون ضمان قيمته عليه فإن أرتفعت فله وإن إنخفضت فعليه، والمقترض كذلك، فجاز لأن الخراج بالضمان، ولهذا يشترط الإتفاق المسبق.

أما جواز الثاني، لأنهما أتفقا على القيمة فأقرضه قيمة المال وكان على الثاني رد قيمته، كأنه أقرضه ذهبا أو فضة أو عروضًا، فوجب عليه رد ثمن مثل الذهب أو الفضة أو العروض عند حلول الأجل أي يكون ثمن المثل آنذاك.  شرط أن يتم الأتفاق المسبق وفق ايهما؛ فإن كان على العدد رد مثله، وإن كان على القيمة رد مثلها كثر العدد ام قل. 

ويجب التأكيد هنا على أهمية شرط الإتفاق وتحديد هل القرض على العدد أم على القيمة عند الإتفاق وقبل تسليم المال. ومتى أتفقا على أحدهما يعقدان عليه ولا ذكر للآخر في العقد.  

فإن كان عقدهما على القيمة تحدد القيمة الحاضر يوم تسليم المال بتحديد أن المال يشترى وزنًا يحدد من الذهب أو من الفضة أو غيرهما مما يتفقا عليه ويجيزه الشرع. فإذا جاء أجل أداء القرض يثمّن في وقته ثمن ما اتفقا عليه ويعاد هذا الثمن سدادا للقرض، أي كان العدد أكثر أو أقل. ويقوم بالتثمين في الوقتين خبير تثمين له دراية في التجارة وفي العلوم الشرعية.

وهذا يدخلنا في موضوع مهم، هو أن الدائن قد حفظ قيمة ماله النقدي لو إنخفضت قيمة هذا النقد وبهذا يكون قد انتفع من القرض، إلا أن هذا ليس صحيحاً، فهو قد قرر فى ذلك الوقت أن هذه الأوراق النقدية الرائجة يغلب الظن أن تنخفض قيمتها ولو لم يقرضها لحولها هو إلى مال آخر كالذهب أو العروض أو الغلة أو غيرهم مما يحافظ على قيمته، فهو إن لم يظن احتمال انخفاض قيمتها فلماذا يربطها بقيمتها الحال وليس بعددها. والذى يأخذ مال القرض يستهلكه فى حينه بقيمته الشرائية آنذاك فيستبدله بغيره أو يستثمره فيُستبدل بمال غيره، فإن فعل فقد ملك سلعة أو صورة أخرى من المال حتى أوان سداد الدين فإن باعها يبيعها بقيمتها من النقد الرائج وقت البيع وهذا هو ما عليه رده، أى إنه أخذ النقد ليشترى به قدراً معيناً من الطعام أو العروض فإذا حل الأجل فعليه رد مثل هذا القدر من الطعام أو العروض، لأن المال وسيط فى هذه الحالة وكأنه داينه العروض مباشرة، ولا يصح أن يبقى النقد فى يده طوال مدة الدين فإن فعل فلماذا أخذه من صاحبه فى المقام الأول. وأيضًا قد يرغب المقترض أن يقترض بالقيمة لو توقع إرتفاع قيمتها، ليردها بقيمتها الحاضر لأنه أستخدمها وبدلها وقت القبض.

ولا يجوز هذا القرض بالقيمة فى إقراض الذهب أو الفضة أو الأموال غير النقدية كالعروض والغلة والتى ترد مثل عددها أو كيلها أو وزنها مثل بمثل، وأنما يوصى به فقط فى العملات الورقية أو المعدنية التى اكتسبت قيمتها باتفاق الناس وقبولهم، والتى تزيد قيمتها عن قيمة معدنها أو ورقها، والتي تتقلب قيمتها الشرائية زيادة ونقصانا بدرجة كبيرة، وما خبرناه في العقود الخمسة الماضية أن قيمتها الشرائية في الأغلب تنقص كل سنة عن التي قبلها.

وأخيراً، نعود لنرد على القائلين أن الفائدة البنكية هي لتعويض نقص القيمة الشرائية للنقود الرائجة، فنقول أنه لا يجوز وقت قبض القرض إشتراط زيادة معلومة عوض تغير في القيمة مجهول، لا يعرف أتنخفض قيمة النقد أو ترتفع، وان انخفضت وإن أرتفعت فبكم؟  كل هذا في علم الغيب ولا يعرف التعويض إلا عند حلول الأجل. ولا يصح العقد لما يكتنفه من غرر وجهالة، الغرر الذي لا يدرى هل يحصل أم لا، والجهالة في عدم تحديد تغير القيمة وعدم تساوي العوضين.

  

والنتيجة التي نصل إليها: الفائدة البنكية ربا.

مما سبق .. نجد أن الفائدة التى تدفعها البنوك التقليدية لقاء الأجل هي زيادة على مال مضمون، ، وكل زيادة دون عوض على مال مضمون فهي ربا.. وكذلك الفائدة التي يتقاضاها البنك زيادة على ما يقرضه للمحتاجين ولأصحاب الأعمال فهي ربا لأنها أيضًا زيادة دون عوض أشترطها المقرض زيادة على ماله المضمون.

وقد نهى الإسلام عن إكتناز المال وتعطيله لما في هذا من إضرار بالمجتمع وبصاحبه، وحث على تنمية المال وعلى العمل فلا تُعطل الطاقات المنتجة في المجتمع الإسلامي، والسبل الشرعية لإنماء المال هي إما بالعمل فيه أو بدفعه إلى من يعمل فيه.وقد حرم الشرع الفائدة الربوية، ولا يحرم الشرع معاملة يحتاجها الناس إلا ووفر بديل لها أفضل منها. وقد وفر الإسلام معاملة المضاربة لقضاء حاجة الناس الذي يرغبون تنمية أموالهم وليس لهم قدرة أو خبرة في مجال الإستثمار، ولقضاء حاجة من لديه الخبرة والقدرة على العمل ويعوزه التمويل. المضاربة هي المعاملة يقوم عليها الإقتصاد الأسلامي الصحيح، والتي نأمل أن تتعامل بموجبها البنوك والمؤسسات الإسلامية مع المودع من جهة، ومع أصحاب الأعمال الذين تمول مشروعاتهم من الجهة الأخرى.

Introduction

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Almudarabah.com & islamandsciencetoday.com are websites established to publish contemporary Islamic research, with the aim of providing a venue for Muslim scholars and intellectuals to review and discuss such issues.

Our researches are in the Arabic language because this is the language of the holy Quran, Hadith, and the majority of the Muslim scholars’ writings accumulated throughout the various ages of Islam. Gathering and reviewing such information from its original sources is essential to ensure that none of the original meaning is lost or misinterpreted during translation, especially for the verses of the Holy Quran and Hadith.

Although our researches are in the Arabic language, and at this time, only a few articles are published in the English language, we will Inshaa’Allah put an effort to write brief articles in the English language to summarize the outcome and conclusions reached in our studies, hoping to involve the very important and valued contribution of the non-Arab Muslim scholars, who during the history of Islam, have played a major role in advancing and enriching our culture and knowledge.

On the other hand, we consider translating the full published research and studies is of great importance, but this is an enormous task beyond our means and ability. That is why, we welcome any serious party willing to carry out part or parts of this tremendous task, their reward like ours, will be Inshaa’Allah the blessings of Allah.

Finally, we are hoping that this site will become a virtual conference place or a kind of workshop for all serious open-minded Muslim thinkers to review, share, discuss and hopefully guide and advance this research.

In today’s world of vast; varied and specialized knowledge, which is continuously advancing and opening new fields and horizons, no one man can master and conclude any subject. However, serious studies and research shall start from one point, then it should be placed in the open, to be reviewed by many intellectuals each in his or her specialized field, to scrutinize, examine and contribute toward advancing such research till it reaches its final or near final conclusion.

I have also advanced the researches and I am publishing them on Amazon/Books: 

Click here to go to the page of ‘List of Published Books‘.

www.amazon.com    Category books and put in the search box: Wassim Lababidi

Image of the Book Covers are shown under this Introduction and how to read the eBooks on any device.

The English language books are published on Paperback and eBooks.

The Arabic language books (shown on the Arabic Front Page) are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone.

All books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim (Arrange by “Oldest” to view the videos in order) And YouTube. 

To view the newly downloaded videos, Please click here to reach the page with the new addresses.

Please visit the YouTube channel and view a video, leave a comment or subscribe, so I know it is working and to avoid YouTube closing it. Thank you.

The main studies we are introducing on this site are:

Al Mudarabah: comprehensive research; which was printed a couple of decades ago in a 440 pages book and was distributed to academics, scholars and intellectuals working in the various fields of Islamic banking & financial institutions. The whole book is published again in digital form in this website, providing a valuable reference and materials useful to researchers, economists and bankers.

The research reviewed and listed the conditions of the Mudarabah contract, and its application in our modern times, and showed that it can be safely used as it has built in, adequate safeguards and conditions to equally protect the interest of the two partners and to ensure a satisfactory outcome of the business transaction. It also provides the means to justly measure the value of each party’s contribution and accordingly its fair share of the profit. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Al Mudarabah/Introduction’.  

Al Zakat: Scholars have differed since early Islam on the rules of and dues under Zakat. Based on the Quran, Sunnah, Hadith, and other Islamic sources, the research provides a different and new understanding of this religious duty (فريضة الزكاة), leading to a well-defined rule applicable equally to all types of money, investments and economic activities. A more detailed brief is published on page ‘Menu/Al Zakat’.

Creation: In this 21st century, the issue of creation is still troubling all religions, and the debate is still as engaged as it was 160 years ago when the concept of evolution was first published. However, we –Muslims- are blessed with the holy book which was revealed to our prophet (PBUH) some 1400 years ago.

Our research methodology is 1) to gather and list all the relevant verses in the Quran which cover the topics of creation, the observed universe and life. In the same time, 2) review and summarize the latest scientific theories and concepts covering various fields of the present human knowledge, 3) review and study the early scholar’s interpretations of the gathered Quranic verses relevant to this subject. 4) we looked at the direct meaning of the words as listed in the early accepted Arabic dictionary books (Ma’ajem  معاجم اللغة), to reach the direct meaning of the Quranic verse.

In all the verses we studied; the direct interpretation of these verses did not disagree with any of the contemporary scientific understandings, including the concepts of evolution and the creation of the universe. This research extended to almost 400 pages, with Chapter 3 dealing with the creation of man and Chapter 4 dealing with the creation of the universe and with the physics of the observed world. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Creation’.

I sincerely hope that you will read and contribute to these researches. May Allah bless this great nation and direct us to the straight path.

Wassim Lababidi


The following are the books published on Amazon/books/Wassim Lababidi

For the eBooks:
All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile and computer.
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To get the App on your mobile, it is in the Google Play Store

To install the Kindle app on an Android device (mobile): Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install” Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it. 

To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password. 

Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.

                


Added Pages:

        Index of the Videos published on the Channel on FaceBook.

Blog/ Al modawanah

YouTube Channel ‘Al Mudarabah’ Addresses of Videos published are listed with links on the page titled Videos here in this website. The Links are not working because YouTube terminated the Channel. A new channel on Facebook is already established and I am republishing the videos on Contemporary Islamic Research | Facebook.

Important Notice: To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account / page.


I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim

Index of the Videos Published in the English Language on Facebook:

Unfortunately all the links to the videos are not working, so please go the Facebook page  Contemporary Islamic Research (you need to have Facebook account) and you will find many of these videos there.

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.


©

Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.



Update: 13/04/2023 

A new page/ channel is established on Facebook pages. Please click on the following address: Contemporary Islamic Research | Facebook

So far I uploaded most videos. You need to have a Facebook page or account. Please visit and write to me. Best regards.

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة:

ما يمكله المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف، والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضا من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: أعمل برأيك، أو كما شئت. وأخيراً هنا تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها، أو يأذن بها صراحة.

1- الشراء:

قال الجمهور إن العامل إذا اشترى بغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. وليس للغبن الفاحش حد شرعي، ويرجع فيه إلى العرف، وعند الأحناف… يكون الغبن فاحشاً إذا اختلف الثمن عن تقدير خبير واحد بأكثر من 5% في المنقولات، أو 10% في الحيوان، 20% في العقارات. ويترواح الغبن الفاحش عند المذاهب الأخرى بين السدس والثلث، واعتبرت مجلة الأحكام العدلية –المقننة من المذهب الحنفي- أن الغبن يكون فاحشاً إذا اختلف الثمن عن تقدير خبير واحد بأكثر من 5%  في المنقولات، أو 10% في في الحيوان، أو 20% في العقارات.(الدكتور محمد أنس الزرقا، مجلة بحوث الاقتصاد الإسلامي العدد الثاني 1991 ص 53.54) ويقول الدكتور الزرقا في معرض حديثه عن المبادلات: “لا ريب أن الغبن الكثير يخل إخلالاً شديداً بقاعدة العدالة. وقد نتوقع لذلك أن يكون حكمه الشرعي هو: جواز فسخ العقد من قبل الطرف المغبون، لكن اللافت للنظر أن جمهور الفقهاء لا يرون الغبن وحده ولو كان كثيراً يجيز الفسخ. ومع تعدد أرائهم في الموضوع – والتي يخرج عرضها عن نطاق هذا البحث- نراهم يكادوا يتفقون على الحكم الأساسي التالي: لا يؤثر الغبن الكثير وحده في العقد، لكن إذا لابسته مخالفة شرعية أخرى، أو كان يصعب على الطرف المغبون التوقي منه، فإن للمغبون حينئذ فسخ العقد”.

وما سبق قد عنى بغبن المشتري أو البائع، والمضارب إن اشترى بغبن فاحش… فله أن يرجع على البائع، إن كانت لابسته مخالفة شرعية أخرى كالغش، ولا يمكن القول إن العامل صاحب الخبرة كان يصعب عليه التوقي منه.

ولكن الغبن الذي وقع فيه العامل هو غبن يلحق برب المال لأنه وكيله في التصرف، وعليه… يكون الشراء لنفسه لا من مال المضاربة إلا أن يرجع المشترى إلى البائع.

فإن اختلفا فقال رب المال إن العامل اشترى بغبن فاحش، وقال العامل بل هو شراء صحيح… فإن الحكم لا يكون لأحدهما، بل يعينا خبيرين يقدران ثمن المثل – بشرط أن يكون للسلعة مثل- وأن يكون تقديرهما لثمن السلعة كما لو كانت ستشتري في نفس الفترة والظروف التي اشترى بها العامل… فإن كان ثمن المشترى يزيد أكثر من الثُمن (1/8)- أو أي نسبة معقولة أخري- عن أعلى التقديرين كان الغبن فاحشاً ويصبح المشترى للعامل ويدفع ثمنه من ماله، أو ان قبل رب المال يدفع العامل الفرق عن أعلى التقديرين من ماله، وأجر الخبيرين من مال العامل. أما إذا كان الثمن أقل من أعلى التقديرين مضافاً إليه ثُمن (1/8) التقدير الأعلى… يكون الغبن يسيراً ويدفع رب المال أجر الخبيرين من ماله.

ويمكن تحاشى الوقوع في هذا الخلاف لأن أثمان الشراء قد سبق تقديرها من قبل العامل في دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، والذي على أساسه أو بعد تعديله عقدت المضاربة، فإن صادف العامل شراء يختلف في سعره عن التقدير، فله أن يعود إلى رب المال ويعلمه فيكون تصرفه بعد ذلك بإذن رب المال فينتفي إحتمال الخلاف، وليس في رجوعه إلى رب المال تقييداً لحريته فهو إنما رجع إليه تحاشياً لأسباب النزاع ومن قبيل الاستعانة فقد يدله رب المال إلى من يبيعه بأقل.

أما إذا لم يكن للسلعة ثمن، أو كان حجم الشراء يسمح، فيشترط أن يعد العامل كراسة المواصفات والشروط مبيناً الكمية المطلوبة ومكان وتاريخ التسليم، ويدعو ثلاثة موردين أو أكثر إلى التقدم بعطائاتهم في يوم محدد، يختار منها الجهة التي يرغب في الشراء منها، وينطبق نفس الترتيب على تلزيم الأعمال التي تزيد قيمتها عن مبلغ محدد يعين في العقد.

فإن ظهر أنه وبرغم المناقصة قد اشترى بغبن فاحش، وبشرط أن يثبت بالبينة أن هذا الغبن الفاحش قد رافقته مخالفة شرعية من قبل المضارب كالنجش- أي يتفق العامل مع ثلاثة موردين على أن يرفعوا أسعارهم- أو غيره، فيبطل الشراء ويكون كشراء العامل لنفسه من ماله ولو كان رب المال قد أذن له بهذا الشراء، ونقترح أن يفقد العامل نصيبه من الربح إذا ظهر ربح، ولا نفقة له ولا شيء وإن كان قد نص عليها في العقد، ونقترح أن تفقد الشركة العامل شخصيتها الإسلامية لمدة معينة فلا يضارب معها. وكذلك في البيع إذا تواطؤ المشترون مع العامل بتخفيض عروضهم ليشتري أحدهم بثمن منخفض فيه غبن على مال المضاربة، ولا يشترط أن يكون الغبن فاحشاً… فإن ثبت التواطؤ فالغبن اليسير يكون له حكم الغبن الفاحش؛ لأن الخيانة في حد ذاتها كافية إذا ثبتت بالدليل البين، ولا يجوز الركون إلى الظن أو وشاية أحد من الناس وإن كانوا كثرة في العدد، عملاً بالآية الكريمة: ( يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (سورة الحجرات الآية6)

وليس للعامل أن يشتري بأكثر من مال المضاربة، فإن رأى الخير في ذلك فعليه أن يطلب الأذن والضمان من رب المال، فإن أجازه جاز له ذلك، بشرط ألا يتعدى الضمان القيمة الصافية لمال الشركة رب المال، فإن تعداها يضمن أصحابها من أموالهم الخاصة.

2- البيع:

والبيع مثل الشراء، وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير… فإن باع بغبن فاحش فإما يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص. وينطبق هنا ما سبق ذكره في بند الشراء.

والأصلح ألا يجوز له أن يبيع بالنسيئة إلا بأذن رب المال الصريح لكل بيع بالنسيئة، ولا يكفي التفويض أو الآذن عند العقد وإنما يجب عليه أن يراجع رب المال قبل كل بيع إلا إذا تعسر ذلك فيكتفي بالاذن وقت العقد. لأن مدة تأجيل الثمن تتراوح بين القصيرة كعدة أشهر، والطويلة كسنة أو عدة سنوات، ورب المال وخاصة إذا كان بنك عليه التخطيط لنفسه ولعملائه فيما فيما يتعلق بالسيولة النقدية، وله أيضاً أن يقارن بين العائد الذي يعود عليهما من البيع بالنسيئة، وبين العائد التقديري لو بيع حالاً وضورب بالمال أو استثمر خلال هذه المدة- وهو ما يسميه الاقتصاديون المقارنة بربح الفرصة المضاعة- وهذا لا يمكن تقديره وقت العقد.

وبيع النسيئة المؤجل فيه الثمن تكون فيه زيادة عن ثمن الحال، وهذا لقاء انتفاع المشتري بالعرض المشترى حتى يدفع ثمنه، وفي أغلب الأحيان… أن العرض له ثمن حال ومشتري يرغب في الشراء في الحال، وله أيضاً ثمن مؤجل ومشتري يرغب في الشراء المؤجل، والعامل له في الربح فإن باع نسيئة زاد ربحه لقاء تأخير الدفع وهذا لا عمل له فيه إلا أنه فاوض واختار، وهو لن يبذل جهدا خلال فترة التأجيل. فتكون مصلحته في بيع النسيئة إذا علم أن رب المال لن يدفع إليه المال مضاربة مرة أخرى إذا باع حالاً.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة …فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال ربح فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

والمقصود من المضاربة هو تحقيق الربح، والمضارب هو وحده من يملك القرار، فإن اشترى أو باع على الغير … فإنه سيفاصل ويساوم ويجتهد للشراء بأقل وفي البيع بأكثر، فهذا من طبيعة عمله، فإن كان هو البائع والمشتري، تضاربت المصالح وتعارضت مصلحة المضاربة مع مصلحة نفسه، فأما أن يظلم نفسه أو يظلم المضاربة.

فإن كان في المال ربح …لم يجز شراءه لنفسه لأن له حقاً في المال، وإن لم يظهر ربح فقد قال بعض الفقهاء له أن يشتري ومنع ذلك البعض الآخر، فإن سمح له بالشراء … فعليه أن يشتري بثمن المثل، ويفضل أن يعرف ثمن المثل بعد بيع جزء من العروض لأجنبي عن العقد فيقارن بها، أما أن يشتري كل العروض … فإن كان فيها ربح لم يجز، وإن لم يكن فيها ربح فالأغلب أن يكون فيها خسارة، فهذا سيدعو إلى التساؤل لماذا يشتريها العامل إذن إن لم ير فيها وجه الخير، إلا أن يثبت أنها لإستهلاكه الخاص أو لتصنيعها، أي ألا يكون قد اشتراها ليبيعها مرة أخرى، لأن الأجدر أن يعمل هذا وهي مال مضاربة.

وعليه … فإن العامل لا يجوز له الشراء من مال المضاربة إلا أن يكون شراؤه لإستهلاكه الخاص لا لإعادة البيع بحالتها كما هي، وأن يكون في المضاربة ربح، وأن يكون لها ثمن مثل يفضل أن يكون من بيع سابق لجزء من المال.

وبالرغم من منع الفقهاء لشراء المضارب من مال المضاربة إذا كان فيها ربح، فالأولى بالسماح إذا كان المضارب يحتاج لإستهلاكه الخاص جزءاً من المال، عملاً برأي الشافعية والرأي الأظهر عند الأحناف والقائل بالجواز.

أما أن يبيع المضارب شيئاً من ماله، كأن يأخذ مال المضاربة فيشتري من نفسه سلعاً ليبيع، فهذا لا يجوز مطلقاً لتضاد المصالح؛ ولأن في بيعه للمضاربة ربحاً، ولا يجوز له أن يربح من مال المضاربة ما هو أكثر مما شرط له في العقد، وهو نصيبه من ربحها عند القسمة لا غير، فإن بيعه على المضاربة بيع تولية… فلا يخلو الأمر أن يكون أصل شرائه لهذه السلع بثمن فيه غبن يسير أو كثير، بل وتقوم المضاربة على تجارته بالمال وهو صاحب المال فلماذا عقد المضاربة أصلاً إن كان قصده بيع ما عنده. فإن كان عقدها لاحتياجه المال للصرف والنقل وغيرهما، فالأولى أن يشارك رب المال بالعروض التي يمتلكها فتقيم بثمن مثلها فيصبح شريكاً في المال من جهة، وعاملاً من جهة أخرى، وقد سبق ذكر هذا النوع من المضاربة بالعروض عندما تقتضيها الضرورة.

وما ينطبق على عدم جواز شرائه العروض من نفسه للمضاربة بمالها… يسري على شراء أو بيع المنافع والحقوق، فلا يجوز له أن يستأجر من نفسه للمضاربة ؛ لأن الاجارة تملك المنافع، والاستئجار فيه تحديد مدة والإتفاق على أجر واستيفاء منفعة، والمدة والأجر هو الذي يحددهما كمؤجر وكمستأجر، وهو الذي عليه استيفاء المنفعة من نفسه، والأجر يشتمل على ربح لا يجوز له أخذ من مال المضاربة، زيادة عما شرط له.

فإن كان لديه أعيان للمضاربة حاجة لمنافعها، وكان عليه أن يستأجرها من الغير إن لم يستأجرها من نفسه، ولأنها منافع لا تصلح أن تكون رأس مال لما يشوب تقديرها من جهالة، ولأنها منفعة عمل لا يقصد لذاته… فيدفع بها إلى المضاربة بنصيب من الربح.

جاء في كتاب فقه المضاربة (ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الاستذكار للإمام ابن عبد البر: ”قال مالك: لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن  يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دونأنأ صاحبه، مع القراض بيع ولا اكراء ولا عمل ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحدهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الإجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافيء أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه، فإذا وفر المال وحصل عزل رأس المال ثم أقتسما الربح على شرطهما، فإن لم يكن للمال ربح أو دخلته وضيعة لم يلحق العامل من ذلك شيء إلا ممن أنفق على نفسه ولا من الوضعية وذلك على رب المال من ماله، والقراض جائز على ما تراضى عليه رب المال من نصف الربح أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر“.

4- استدانته للمضاربة:

اشترط جميع الفقهاء أن يأذن المالك للعامل بالإستدانة حتى يجوز له ذلك، وتختلف صورة هذا الإذن عند الفقهاء ولأن زيادة مسؤولية وضمان المالك من الأمور التي يفضل تحديدها والرجوع فيها إلى الضامن ليعرف حدود التزاماته … فإن الأفضل اشتراط موافقة المالك المسبقة، وقبوله الالتزام من ماله بسداد الثمن المؤجل لو هلك مال القراض أو لو حان أجل الثمن وكان مال القراض عروضاً ولم ينضض بعد. وهذا لا يعني عدم جواز الموافقة اللاحقة إلا أنه في هذه الحالة يكون له حق الإختيار، وقد ذهب المالكية والإمامية إلى جواز اذن المالك بعد الشراء.

والرأي الأظهر هو انه إذا استدان باذن رب المال وضمانه لكل الدين الذي وقع على المضاربة… كان الدين إضافة إلى مال القراض ووقع عليه حكم المضاربة، أما إذا استدان المضارب بدون إذن رب المال كان الشراء الزائد لنفسه له ربحه وعليه خسارته.

ولو نظرنا إلى الشراء الزائد المؤجل فيه الثمن والذي ضمنه رب المال، نجد أنه يكون عادة وفق برنامج زمني؛ مخطط فيه أن تباع عروض مال المضاربة قبل حلول الأجل فيسدد منها ثمن الشراء الزائد، ولهذا… فإن سارت الأمور وفق الخطة التي رسمها العامل فلن يحتاج إلى مال إضافي، فتظل المضاربة على حالها الأول، فينضض عروض الشراء الزائد ويسدد منه رأس المال وما بقى يقتسماه بالشرط.

وقد لا تسير الأمور بنا خطط لها، فيتعطل بيع كل أو بعض عروض المضاربة، أو يصيب مالها وضيعة، ويحين أوان سداد الثمن المؤجل، فيتوجب على رب المال دفع الثمن المؤجل كله أو ما نقص منه، فيزيد رأس مال المضاربة بهذا القدر الذي دفعه، ويرد من ثمن بيع العروض كلها وما بقى يقتسمانه بشرط الربح الأصلي.

فيكون ربح المال – الأصلي بالمال والزائد بالضمان- كله لرب المال، وربح العمل كله للعامل. ولا يستحق العامل حصة من ربح البيع الأول وحده لأنها أصبحت مضاربة واحدة وبعض مالها آنذاك عروضاً ولا يظهر الربح إلا عندما يكون المال كله ناضاً، وفي بعض المذاهب لا يملك العامل ربحه إلا بالقسمة، إضافة إلى أن هذه تمت بإختيار العامل ولم يشترط هذا رب المال.

وما ذهب إليه الأحناف في إعتبار الدين المؤجل شركة وجوه… فهذا لأن المضاربة لاتجوز إلا في مال بعينه، فذهبوا إلى فصل المضاربة عن الشراء الجديد، والذي يكون بينهما شركة وجوه، وقسموا ربحها بنسب التفاضل في الضمان. وشركة الوجوه الجائزة عند الأحناف والحنابلة هي شركة على الذمم يكون ربحها بينهما على قدر نصيب كل منهما في الملك، ولهذا… فنحن نفترض أن الأحناف بفصلهم المضاربة عن هذه الشركة لا يسمحون أن يسدد الثمن المؤجل من إيراد بيع المضاربة، وإلا اختلت نسب الضمان التي ذكروها وهذه الشركة لا تعوض العامل عن جهده وعمله وإنما يقتسمان الربح بنسب تفاضلهما في الضمان.

وهما ان اشتركا في المال في مضاربة فللمال ربحه وللعمل ربحه، والضمان له مثل المال في الربح وخراج المال بضمانه، ولهذا … فشركة الوجوه فيها انتقاص لعوض العامل عن جهده.

ومما سبق لا يجوز للعامل الشراء بأكثر من مال المضاربة أو الإستدانة إلا بأذن رب المال الصريح وضمانه للزيادة من ماله، فإن لم يأذن رب المال … كان الشراء لنفسه من ماله وعليه ضمان الزيادة، ولأن الضمان والعمل منه يكون كل ربح الزيادة له والخسارة عليه، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ولو فعل العامل هذا في تجارة ما، كأن يشتري بكل رأس المال سلعة ثم ينقلها على أن يدفع لمتعهد النقل في الأجل… فإن هذه الزيادة تكون من ماله إذا طلب الأذن من رب المال فرفض، فإن ربحت البضاعة أي كان ثمن المبيع أكثر من رأس المال وثمن النقل، قسم الربح على المال وثمن النقل، فكان له ربح ثمن النقل بضمانه وعمله وله ربح العمل في رأس المال. أما لو خسر… فتكون الوضيعة في المال وثمن النقل بالتناسب فيدفع من ماله وضيعة ثمن النقل.

أما لو اشترى بألف المضاربة بضاعة ثم اشترى بألف ومائة مؤجلة بضاعة مثله… فإن رفض رب المال الأذن له وأصبح الضمان من ماله، فعليه ألا يخلطهما فتكون كل تجارة على حدة، فإن خلطهما كان البيع الأول هو بيع عروض المضاربة وما تبقى بعده هو من بضاعته، ويقسم المال متى انتهى من بيع عروض المضاربة ولا تصح المشاركة هنا.

والأغلب ألا يكتفى بتفويض أمر المضاربة لاعتبار إذن رب المال، والأخذ بالرأي القائل باشتراط اذن رب المال الصريح وضمانه، ويجوز قبل الإستدانة أو بعدها، فإن كان العامل قد اشترى ثم طلب الأذن فرفض رب المال وقع ضمان الشراء الزائد على العامل فكان له ربح الزيادة وعليه خسارتها.

5- الرهن والارتهان:

قال الجمهور إن للمضارب أن يرهن ويرتهن، ومنع الشافعية ذلك، وحيث إن الجمهور قد منعوا الإستدانة إلا بأذن رب المال… فإنه يشترط ألا يترتب على الرهن التجارة بأكثر من رأس المال أو الإستدانة.

6- التوكيل:

يجوز للمضارب أن يوكل غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، والتوكيل هنا يقتصر على الإنابة في ما كان يستدعي حضوره بنفسه والقيام ببعض الأعمال التنفيذية وغيرها، أما التوكيل لغيره باتخاذه القرارات المهمة أو القيام بكل أعمال المضاربة دون إشراف منه على هذا الوكيل… فهذا يستوجب إذن المالك الصريح، إلا إذا عجز العامل عن قيام بالعمل والإدارة، ويشترط إعلام المالك بذلك.

7- الإبضاع:

يشترط موافقة المالك لإبضاع العامل للغير… فإن فعل ذلك دون الرجوع إلى رأي المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترطت الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف إن الإبضاع من عادة التجار ولهذا… فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة… فلهم رأيان: رأي يجيز له ذلك ورأي يشترط موافقة رب المال.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك. ولو نظرنا إلى ما يدعو العامل الذي استلم  رأس مال نقدي إلى المقايضة… نجد أن هذا لن يحدث إلا إذا اشترى عروضاً ثم رأى أن يستبدلها بغيرها، وهذا وإن كان في مصلحة المضاربة… إلا أنه تصرف غريب؛ فالتاجر يشتري ليبيع لا ليبادل، وقد يكون علامة على حدوث مشكلة أو خطأ في التقدير يوجب معه إعلام المالك، ونرى أن نكتفي بإعلامه وليس بطلب الأذن منه فالمقايضة هي مبادلة وهو من البيع و الشراء  وهما مما يجوز له بمضمون عقد  المضاربة.

9- الحولة:

أجاز الأحناف له الحوالة بينما اشترط المالكية اذن رب المال، والحوالة تتأتى من بيعه بالنسيئة، وهذه تتطلب إذن رب المال ولهذا فالأصلح أن يطلب الأذن فيهما معاً.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العامل:

يجوز الخلط قبل العمل عند الجمهور بإذن رب المال، وبشرط أن يكون العامل قادراً على الإتجار بالمالين، أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل… فقد منعه جمهور الفقهاء عن ذلك؛ لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح.

وجهالة الربح تقع لعدم معرفة الربح العائد إلى المالين كل على حدة بفرض اختلافه، ففي نهاية المشروع… سيكون الربح معروفاً للمضاربة ككل، ونصيب العمل فيه واحد فلا جهالة في هذا الجزء، وقد اجتهد الفقههاء لضمان ألا ينال مال ربح يعود إلى مال غيره.

وبالنظر إلى السبب الذي سيدعو العامل إلى خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل… نجد أن الأمر قد يكون لأحد سببين:

–   إما لأنه رأى الخير فيها فأراد أن يدفع ماله ليحقق ربح لنفسه إضافة لربح العمل، وهذا قد يتسبب في جهالة الربح لأن المال المخاطر به حتى هذه المرحلة لا يتساوى ربحه مع المال الذي يدفع به بعد أن تبين احتمال تحقق الربح، وقد يؤدي دفعه بماله إلى أن يباع بعض المال ويتعطل بعضه فيجر ماله وضعية إلى مال المضاربة، ولهذا… يجب إعطاء رب المال الأولوية في الإضافة، فإن لم يرغب فليس للعامل أن يخلط، لأنه إذا دفع بماله إلى المضاربة فكل نماء هذا المال له، فيكون قد جر إلى نفسه منفعة مال غيره الذي خوطر به أولاً، فقد تباع معظم العروض ويتعطل بعضها وقد تكون مما دفع به العامل من ماله، فيصيب رب المال وضيعة ما ليس من خسارة ماله، فيكون الأفضل عدم الجواز، والعامل- إن لم يشترط عليه رب المال ألا يفعل- له أن يتاجر بماله خارج المضاربة بدون الحاجة إلى الخلط، فإن كان قد اشترط عليه… فهو إما أن يكون غير قادر على الإتجار بأكثر من رأس المال فيمنع، أو أن تكون النفقة على رب المال فيتفقا على غير ذلك، مثل أن تكون النفقة على المالين، فإن تاجر بماله فعليه ألا يخلط العروض فيكون ربح أو وضيعة كل منهما معروفاً.

– والسبب الثاني، الذي قد يدعو إلى الخلط هو نقص المال أو حاجه العمل للتمويل الإضافي، ونقص المال في التجارة لابد أن يكون قد نتج عن تصرف العامل وتجارته بأكثر من رأس المال، وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فإن فعل فيكون هذا من قبيل الإستدانة؛ فإن لم يأذن له رب المال… كان الشراء لنفسه من ماله وعليه ضمان الزيادة، ولأن الضمان والعمل منه يكون كل ربح الزيادة له والخسارة عليه، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

وهذا يسهل في التجارة: أما لو كان المشروع عقارياً أو صناعياً فنقص المال قد يحدث لخطأ في تقدير الميزانية أو لتغير في الظروف: كإرتفاع كلفة المراحل المختلفة والغلاء وغيرهم، ويصعب فصل الشراء الزائد لأنه مصاريف المراحل المتأخرة من المشروع الذي لم يكتمل بعد، وهو ليس من قبيل الإستدانة إلا لو رهن المشروع وليس له أن يرهن إلا بالأذن… فإن طلب من رب المال ما نقص من المال فامتنع رب المال، فامتناعه قد يكون إما لعدم توفر المال لديه، أو لأن لديه اقتناعاً أن في المشروع خسارة.

– فإن كان امتناعه لعدم توفر المال لديه؛ فالمشروع مهدد بالخسارة إذا لم يكتمل وبيع ناقصاً… فإن أراد العامل أن يدفع بماله دون شرط عليه رغبة منه في إنقاذ نصيبه من الربح… فلن يكون هذا سوى عند ثقته بربح المشروع إذا اكتمل، ويكون ماله الذي دفع به مخاطراً به مثله مثل مال رب المال وإن اختلفت مدة المخاطرة، فالإولى الجواز طالما كانت هذه رغبة العامل وبإذن رب المال والذي كان في قدرته رهن المشروع لقاء المال الذي نقص، ولا يجوز التقدير وانقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية؛ لأن من طبيعة الخسارة المرحلية أن تنجبر من ربح مرحلة لاحقة، وهي لا تتأكد إلا بإنضاض المال.

فإن دفع العامل ماله يكون مشاركاً في رأس المال بالقدر الذي دفعه، ولأنه دفعه بمحض إختياره وعلمه بظروف المشروع وبعد امتناع رب المال… فله نصيب من ربح المال بحصة ماله وله كل نصيب ربح العمل.

والجهالة التي ستكون في نصيب مالهما من الربح هي جهالة يسيرة؛ فلولا توقعه الربح لم يدفع ماله إلى المضاربة؛ أي إن احتمال جبران خسارة رب المال من ماله غير واردة؛ لأنه لو كان ثمة خسارة لما دفع ماله صيانة لنصيبه من الربح كما افترضنا أعلاه.

ولهذا… فالأرجح – والله أعلم – أن تجاز هذه الحالة الخاصة حماية لمصالحهما، ولأن في منعها ضرراً يصيب طرفي العقد، ولأن الإتفاق يتم بالرضى والقبول.

وهناك سبيل أخر… يستطيع العامل فيه أن يصون ما يتوقعه من ربح عمله، وهو في إقراض المال إذا توفر لديه إلى رب المال، فيستحق رب المال كل ربح المال في المضاربة بماله وبالضمان للدين الذي أصبح في ذمته، ولا يتعرض مال العامل للخطر ولا يختلط بمال رب المال فتنتفي الجهالة.

– أما إذا امتنع رب المال عن تمويل ما ينقص من المال لشكه في إمكانية حدوث الربح؛ مما يوحي بتوقع حدوث الخسارة… فإن رغب العامل في التمويل برغم هذا؛ فرأيه مسبق على رأي المالك لخبرته ودرايته بدقائق وخبايا المشروع، فأما يجاز بأذن المالك ودون شرط إذا كانت هذه رغبته وفق توقعاته المدروسة… فإن لم تكن كذلك وتوقع الخسارة أيضاً، فمصلحة رب المال في إكمال المشروع لتقليل خسارة ماله، ومصلحة العامل هذا أيضاً لما قد يصيب اسمه ومركزه في السوق إذا بيع المشروع قبل اكتماله… فإن امتنع رب المال لنقص المال لديه… فيلجأ عندئذ إلى التقدير بالإتفاق بينهما، فتقدر الخسارة وينقص رأس المال بقدرها.

ويدفع العامل برضاه وبأذن رب المال ما نقص لإكمال المشروع، فإذا نضض المال… عاد لرب المال ماله المنقوص، وعاد للعامل ماله، وقسم ربح المال بحصص رأس المال الجديد، وأخذ العامل كل ربح العمل، وإن كان ثمة وضيعة تحملاها بالحصص هذا عن المال المنقوص، وذاك عن المال الذي دفع به مؤخراً.

ومن القواعد المهمة:

– لا يملك العامل أو رب المال الربح إلا بظهوره، ولا يظهر الربح إلا عند إنضاض كل المال، ولايستحق الربح لأحدهما إلا بالقسمة وبعد إعادة رأس المال.

– حتى يتم إنضاض كل المال، وطالما كان بعض المال عروضاً، تنجبر خسارة مرحلة أو تجارة من ربح مرحلة أو تجارة أخرى سابقة كانت أو لاحقة.

– يؤخذ بتقدير الربح والخسارة وبعض المال عروض كربح أو خسارة شركة المضاربة لا غير، ولا يجوز إنقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية التقديرية إلا في حالات خاصة. وإن وزع ربح مرحلي… كان ديناً في ذمة من استلمه حتى تنتهي المضاربة فيخصم من حقه فيها أو يرد.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

والمفهوم مما جاء أن الفقهاء منعوا الخلط إذا كان المال عروضاً؛ حماية للعامل وخوفاً أن يجبر ربح مال خسارة مال أخر، والعامل له في الربح وليس عليه في الخسارة فينقص حقه إن ربحت واحدة وخسرت الأخرى. وهذا بفرض أن العامل يوظف المال في مشروعات مختلفة… فإن كان المال الأول قد وظف في إستثمار واحد معين ثم تغيرت ظروف هذا الإستثمار – دون تعد منه – مما استدعى زيادة رأس المال لمصلحة المشروع أو للضرورة التي بدونه لن يكتمل المشروع… فإن من مصلحة الطرفين الإستمرار في العمل وزيادة رأس مال المضاربة، وهذه مضاربة واحدة وفي مشروع واحد فتكون نسب توزيع ربح  المال الثاني نفس نسب الأول، ورب المال لم يشترط هذا وإنما الذي رغب فيه وطلبه هو العامل، وقد أجاز المالكية الخلط إذا كان هذا رأيه.

ويجب التنويه هنا أن هذه المضاربة في هذا الوقت ليست بالضرورة خاسرة، وإنما ينقصا المال الذي طلبه العامل من رب المال، وهو لم يطلب المال إلا لإكمال المشروع وتحصيل الربح، فالخسارة ستحدث إن لم يوفر له المال اللازم، وعليه… فلا يتوقع أن يجبر ربحه المستقبلي خسارة رب المال الحالية إذ ليست هناك خسارة أنذاك، وبفرض منع هذا التمويل الإضافي فالضرر يقع على العامل فالمشروع لاربح فيه بدون المال الإضافي؛ فيخسر جهده إذا انفسخت المضاربة أو بيع المشروع ناقصاً، والأغلب أن تحدث الخسارة في مثل هذا البيع الاضطراري، حتى وإن كان المشروع رابحاً عند إكماله؛ فيصيب الضرر العامل كما يصيب رب المال، وهذا ما لم يقصده الفقهاء حين منعوا الخلط والمال الأول عروض.

وحيث إن العامل هو الذي طلب المال الإضافي بنفس شروط المضاربة الأولى، ولم يشترط هذا رب المال، وفيه مصلحة للطرفين، وأي تقييم للمشروع في ذلك الوقت سيظهر ربحاً إذا توفر له التمويل المطلوب، فمتى انتفى احتمال جبران الخسارة بالربح المستقبلي، يكون بذلك التمويل الإضافي لا يتعارض مع أي من شروط صحة المضاربة.

أما إذا فرض أن تقييم المشروع – في ذلك الوقت – قد أظهر احتمال الخسارة المستقبلية، أو أن بيعه ناقصاً لن يغطي رأس المال… فإن هذا التقييم هو تقديرات لا يصح معها تحديد الخسارة وتحميل رب المال هذه الخسارة التقديرية بإنقاص رأس المال الأول بقدرها؛ لأن المشروع لم ينته، والعامل مازال يرى وجه الربح فيه إذا تمكن من إكماله، وإلا فلماذا يسعى طالباً المال الثاني وباذلاً الجهد والعمل حتى يكتمل، فيكون الخيار للعامل وهو من قصد الفقهاء حمايته… فإن رأى الاستمرار فله هذا، وليس من المنطق نص الشروط التي تقرر ما هو خير له بقصد حمايته، فهو أدرى بمصلحته إن لم يتعارض مراده مع الشروط الشرعية.

وقد لايرى العامل الخير في الاستمرار، فله فسخ المضاربة لنقص المال فتباع العروض ويضيع عليه جهده وعمله، أو أن يتم الاتفاق مع رب المال على تقدير وإنقاص ما هلك من رأس المال الأول، يدفع بعدها رب المال المال الأضافي؛ رغبة منه في تعويض ما نقص إذا ربح المشروع أو تقليل الخسارة، ويصبح رأس المال هو الأصلي المنقوص وهذا المال الإضافي.

وما سبق يتعلق بمشروع واحد، فماذا عن مال المضاربة الذي وزع في عدة مشروعات، مثل وضع المودع في البنك الذي يوزع البنك ماله في عدة مشروعات، والمودع لن يشترط، فمضاربته مع البنك مطلقة، ولهذا… فالعامل له الخيار، ولكن العامل هنا هو البنك وهو رب المال في المضاربة الثانية، فإن نقص مال في المضاربة الثانية وقبل البنك طلب العامل الثاني بالتمويل وبدون شرط عليه… وجب عليه أن يجمع المال بنفس الحصص السابقة من أصحاب الودائع، فلا يدفع مال غيرهم في نفس المشروع، حتى لا يجبر ربح أحدهم خسارة الآخر، ولا يكسب أحدهم مما حق له فيه، فهذا لا يجوز وإن وافق الجميع، فإن لم يكن مال عند المودعين أو امتنعوا ورأى البنك الخير في إكماله، يقيم المشروع بدقة فتكون قيمته هي رأس مال جديد من ودائع أخرى، ويتساوى أرباب المال أنذاك في الربح والخسارة. وهذا الترتيب في رؤوس الأموال لا علاقة له في حصة المضارب الثاني ولا في حصة البنك من الربح وهي حصص ربح العمل، والذي لا يحدد إلا عند إنتهاء المضاربة، مع توفر شرط الاختيار لهما فإن شاءا أكمل المضارب الثاني المشروع وإن أبى أحدهما تنفسخ المضاربة.

12- مضاربته للغير:

لا يجوز للمضارب أن يأخذ مال أخر مضاربة إلا أن يأذن له رب المال، ويجب النص في العقد على ذلك، فإن أذن له وكانت النفقة من المال الأول… تقسم النفقة على المالين.

فإن لم يأذن رب المال أو منع العامل في العقد عن ذلك فأخذ مالا مضاربة من غيره… فإن ربح المضارب  من المضاربة الثانية، يرد ربحه إلى المضاربة الأولى كربح لها.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

لا يجوز للعامل أن يشارك غيره في مال المضاربة إلا بإذن رب المال.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

يجوز أن يدفع العامل مال المضاربة إلى مضارب ثان إذا أذن له رب المال صراحة بذلك في العقد، وقد اكتفى الفقهاء غير المالكية والشافعية بالتفويض، إلا أننا في هذا العصر نجد أن الأدوار محددة وموزعة فمن يدفع ماله إلى بنك إسلامي أو شركة استثمار أموال يعرف أن البنك أو الشركة قد يدفعان به إلى مضارب ثان، ولا مانع في هذه الحالة أن نكتفي بالتفويض، إلا أن الأذن صراحة في العقد أسلم لأن التفويض المطلق قد يشتمل على أذون أخرى وقد لا يعرف صاحب المال ما قد يشمله هذا التفويض المطلق.

بينما رب المال الذي يقصد تاجراً أو شركة عاملة، لايود – في الأغلب – أن تعطي هذه الشركة ماله إلى مضارب أخر فهو قد قصدها لتستثمر ماله في أعمالها، ولهذا… يجب أن ينص العقد صراحة إن أرادت الشركة ذلك فيعرف رب المال فيأذن أو يرفض.

ويفضل الحرص في إعطاء الإذن للعامل – غير البنك والشركة المتخصصة – حق دفع المال مضاربة مع الغير لما فيه من تفويض يؤثر على نصيب رب المال من الربح، وقد يستغل هذا التفويض من قبل البعض القليل من العمال الذين قد يجدون فيه طريقة جائزة لمضاعفة نصيبهم من الربح، فيدفعون المال إلى شركات أخرى قد تكون مملوكة لهم أو جهة تخصهم؛ فيتوزع الربح نصفه مثلاً للعامل الثاني والنصف بالشرط بينهم وبين رب المال، ولاداعي لإعطاء العامل – غير البنك والشركات المتخصصة – هذا الحق فإن أصاب العامل ما يمنعه عن العمل فإما يستأجر أو يعود إلى رب المال فيطلب الأذن بإعطاء المال مضاربة، وهذه حالات نادرة.

أما ما قال به الشافعية من عدم جواز دفع مال المضاربة مضاربة؛ لأن القراض موضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملا ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح. فإن البنك الإسلامي له دور مهم في هذه المضاربة فهو يجمع الأموال من عدة مودعين، ويوزع الإستثمار على عدة عمليات لتقليل درجة المخاطرة، ويقوم بالدراسات والأبحاث لاختيار أفضل المشروعات، ويتأكد من قدرة وأهلية وأمانة العامل، ولهذا العمل أثر بالغ في تحقيق أعلى عائد ربحي مع تقليل احتمالات الخسارة، ونظراً لطبيعة هذا العمل وأثره على الربح… يفضل أن يقاس جزاء من يقوم به بمعيار ما حققه من ربح، فتتوفر له الحافز الذي لم يكن ليتوفر بنفس الدرجة لو استؤجر عليه أو وكل به لقاء أجر.

ومتى وقع اختيار البنك على العامل… تختلف الأدوار فيكون البنك العامل في المضاربة الأولى، رب المال في المضاربة الثانية، وهو إن لم يكن يملك المال… إلا أنه  يملك التصرف فيه بالوكالة، فيصبح في المضاربة الثانية منه المال بالوكالة فيدفعه إلى العامل الثاني الذي منه العمل.

ونجد أن المضاربة إذا تشعبت مجالاتها فشملت الصناعة وغيرها من مجالات الاستثمار المتنوعة … فإن دور البنك والشركات المتخصصة … دور لا يمكن الاستغناء عنه، وهذه المؤسسات تمتلك الخبرة والقدرة والمعرفة وسيكون لها أثر كبير في ضبط وتطبيق هذه المعاملة التي سيعود نفعها بالخير على المجتمع عامة، والمشروعات التي تحتاج للتمويل في هذا العصر أغلبها ذو حجم أكبر من أن يمول من مال رب مال واحد، وليس من المنطقي أن يشترك أرباب الأموال معاً إلا من خلال هذه القنوات التي تتمتع بالخبرة والعلم وثقة الناس بها، ومصلحة الأمة في اجازة هذه المضاربات والأخذ برأي الجمهور الذي أفتى بجوازها.

ولهذا… يجب التفريق بين الاجازة في حالة البنوك والشركات المتخصصة، والكراهة فيما عداهم إلا في بعض الحالات النادرة، منها أن يرى المضارب- من غيرهما- أن الخير والمصلحة يكونان في دفع جزء من العمل مع دفع جزء من المال- أو دون دفع مال- إلى جهة معينة لقاء نصيب من الربح.

أما عن طريق تقسيم الأرباح… فالأنسب هو ما ذهب إليه الأحناف والزيدية من أن: لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله: خذ هذا المال على أن مارزقك الله من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح، فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزق الله للمضارب الأول، النصف للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي؛ أي لكل منهما ربع الربح الذي حققه المضارب الثاني.

أما لو دفع العامل مضاربة إلى عامل ثان، دون إذن رب المال فتجر فيه العامل الثاني فهلك جزء من رأس المال، فالرأي كما يلي:

إن كانت المضاربتان صحيحتين، وتصرف العامل الثاني في المال، يضمن العاملان رأس المال لربه… فإن كان العامل الثاني يعرف أن المال مال مضاربة أولى، يحق لرب المال مطالبة أي من العاملين بما تلف من المال، فإن طالب العامل  الثاني فعليه الأداء، ولا يحق للعامل الثاني أن يطالب العامل الأول. وإن طالب رب المال العامل الأول … فعليه الأداء ويحق له أن يطالب العامل الثاني؛ أي إن العامل الثاني هو الضامن الأخير لعلمه ولأن المال تلف في يده. وقال المالكية بتضمين العامل الأول لأنه والأغلب قد تعدى، وقال الأحناف بتضمين الأول لأنه غر الثاني بالعقد، وهذا لا يحدث في حالة علم العامل الثاني.

وقد أخذنا بتضمين الثاني في حالة علمه؛ لأنه في حالة الربح… يكون تصرف العامل الأول مفيداً للمضاربة.

أما لو لم يعرف المضارب الثاني بالمضاربة الأولى … يكون الأول غره بالعقد فيضمن الإثنان؛ فإن طالب رب المال الأول … لم يكن له أن يرجع على الثاني، وإن طالب الثاني كان له أن يرجع على الأول لأنه غره.

أما لو لم تكن المضاربة الأولى صحيحة لتخلف ركن من أركانها أو شرط من شروط صحتها، فقد قال الأحناف إن فساد الأولى يوجب فساد الثانية ويصبحان أجيرين ولا ضمان عليهما، وإن صحت الأولى وفسدت الثانية قالوا يصبح العامل الثاني أجيراً عند الأول والأول له أن يستأجر فتصح المضاربة الأولى ولا ضمان عليه.

أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح؛ فالمشكلة تقع هنا لأن الضمان قد حدث عندما تصرف العامل الثاني في المال، فضمن لرب المال ماله، فلم يعد يطيب له ربح ما ضمن له، فإن لم يكن له الربح كان كله للعاملين… فإن تحقق الربح من المضاربة الثانية، ينال العامل الأول أكثر بتعديه مما كان ليناله لو لم يتعد أو كان قد طلب الإذن وإذن له.

وقدا اختلف الفقهاء فيمن يحق له الربح:

فقال الحنابلة والزيدية في رأي لهم إن الربح كله لرب المال ولا شيء للعاملين.

وقال الزيدية في رأي لهم الربح بين رب المال والعامل الأول، على أن يدفع الأول للثاني أجرة عمله.

وقال الشافعية – في رأيهم القديم – إن نصف الربح للمالك والنصف بين العاملين بالتساوي، وفي القول الجديد للإمام الشافعي رحمه الله أن الربح كله للغاصب، واختار الإمام السبكي أن يكون الربح للثاني.

وقال المالكية الربح بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للأول.

وقال الأحناف والزيدية – في رأي لهم – إن الربح بين العاملين، وقال الأحناف إذا لم تكن المضاربتان صحيحتين… كان الربح كله لرب المال، وللعامل الأول أجر عمله على المالك، ويرجع الثاني على الأول بأجر عمله.

وقد اختلفت اجتهادات الفقهاء للمشكلة التي ذكرناها، وهي اجتماع الضمان والربح، والضمان وقع قبل حدوث الربح وكان من الممكن أن يكون مكلفاً لأحد العاملين لو لم يتحقق الربح، ولهذا… يجب التفريق بين من يقع عليه الضمان في حالة هلاك رأس المال أو تلف جزء منه وكانت المضاربتان صحيحتين… فإن كان الضمان سيقع على الأول لعدم معرفة الثاني بأصل المال، فالربح بينهما هذا بضمانه وذاك بعمله، ولرب المال ماله ولا شيء له في الربح. وإن كان الضمان سيقع على العامل الثاني لمعرفته بالمضاربة الأولى… فله نصيبه وما كان لرب المال من الربح، الجزء الأول بعمله والثاني بضمانه، ويجب إعلام رب المال حال عقد المضاربة الثانية وله في هذه الحالة إما أن يأذن، أو يفسخ، أو يقبل الضمان… فإن قبل الضمان صح ما سبق ذكره هنا.

وإعلام المالك هو من مسؤولية المضارب الأول إن لم يعرف الثاني حقيقة المال، فإن لم يعلمه المضارب الأول فالضمان لم يعط لرب المال في ذلك الوقت، فإن عرف الحقيقة عند حدوث الربح أو الخسارة… فله أن يجيز فتصح المضاربة ويطيب له ربحه، أو لا يجيز فيحق له ضمان ماله، وبالطبع سيجيز لو كان في المال ربح، وسيمتنع إن كانت فيه خسارة، وهذا لا يتعارض مع حقه في الربح لأن الضمان لم يقع، وهو حتى علمه بالأمر كان مخاطراً بماله أي ضامناً له.

ونحتاج هنا إلى دراسة متى يقع الضمان، واتفق الفقهاءأن الضمان يقع عند التعدي، والتعدي هنا هو بدفع المال إلى المضارب الثاني، ولكن العامل قد دفع المال لفائدة ترجى من استثمار مع العامل الثاني، والشروط عامة يمكن تعديها إلى ما هو أفضل بشرط تحقق الأفضل، وفي حالة الاستدانة والشراء للمضاربة بأكثر من المال مع تأجيل الثمن بدون إذن… أجاز المالكية والإمامية أن يعود العامل إلى رب المال؛ فإن أذن له جاز، وإن لم يأذن… كان شراء العامل بالثمن المؤجل لنفسه، فلا يفسد العقد تلقائياً بالتعدي الذي يرجى منه الخير فيخير المالك فإن أبى ضمن العامل هذه الزيادة، ويصبح الشراء الزائد لنفسه وتستمر المضاربة في المال الأصلى غير المضمون من العامل، ولهذا… فإن تعدي العامل بدفعه المال مضاربة لمصلحة يراها، هو رهناً بإذن رب المال، والذي لا يزال من الممكن تصور الحصول عليه لاشتراكهما في المصلحة، فإن رفض المالك وكان المضارب الثاني قد باشر العمل… وقع أنذاك الضمان على العامل، ومتى وقع الضمان فليس لرب المال إلا رأس ماله، والله أعلم.

أما إذا عرف المضارب الثاني بحقيقة مال المضاربة الأولى، فمسؤولية إعلام رب المال تقع عليهما معاً، فإن أعلماه أو أعلمه أحدهما وأبى أن يأذن… كان على العامل الثاني أن يعيد المال، ومتى عاد المال… كانت المضاربة الأولى صحيحة إلا أن يفسخها رب المال، أما إذا لم يعلماه فالعامل الثاني تقع عليه المسؤولية لأن العامل الأول إنما دفع المال لما رأى من المصلحة، بينما الثاني قد أخذ المال، مع علمه أن صاحبه لم يجز له أن يتصرف فيه وهو ما أخذ المال ليعمل فيه إلا راجياً الربح، فإن عمل وربح أو خسر، وعلم رب المال بالأمر فله أن يختار بين أن يجيز ما فعله الأول أو يأذن به، فإن أجاز… صحت المضاربتان وكان الربح على الشرط، وإن رفض ضمن الثاني له ماله، فإن طالب الأول رجع الأول على الثاني.

15- سفره للمضاربة:

للمضارب أن يسافر بالمال، إن لم ينه رب المال عن ذلك أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

ولا يجوز له الإقراض أو التبرع من مال المضاربة، إلا بأذن رب المال.

17- المخاصمة والمقاضاة:

والخصومة تنشأ عن تصرف العامل أو اعتداء الغير دون تعد من العامل؛ ولأن العامل يملك المعلومات والأدلة التي تيسر له المقاضاة… وجب عليه أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير، أو يدافع عن مالها لو تعدى الغير… فإن كانت الخصومة ناتجة عن تقصير بين من جانبه يتحمل هو تكاليفها من ماله وإلا كانت من مال المضاربة.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة

المضارب متصرف بالأذن فلا يتصرف في غير ما إذن له فيه كالوكيل.

ما يملكه المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف. والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضاً من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: اعمل برأيك أو كما شئت، وأخيراً هناك تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها صراحة أو يأذن بها.

أما الذي ليس للمضارب أن يعمله، فشراء ما لا يملك بالقبض ولا يجوز بيعه فيه إذا قبضه، مثل: الخمر والخنزير والميتة والدم والخبائث والمحرمات والمغصوب.

1- الشراء:

وله أن يشتري بثمن المثل أو بأقل أو بما يتغابن الناس في مثله، فإن اشترى بأكثر من ثمن المثل وبغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. ويجوز له شراء المعيب إذا رأى المصلحة فيه، ويجوز له أن يرد المشتري إذا وجد فيه عيباً، وليس له أن يشتري في الذمة دون إذن رب المال.

2- البيع:

وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير … فإن باع بغبن فاحش، فإما: يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص في الحالتين أن تعذر رد المبيع أو الرجوع على المشتري بالفرق. وهذا ما قال به الجمهور وذهب إليه الإمامان أبو يوسف ومحمد من الأحناف، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة؛ إذ جاء في الدر المختار (جزء 8 ص 288): ”ولو باع مال المضاربة بما لا يتغابن فيه أو بأجل غير متعارف جاز عند الإمام“.

ولم يجز المالكية والشافعية والإمامية للعامل أن يبيع بالنسيئة إلا أن يأذن له رب المال بذلك، وأجاز الحنابلة له ذلك إن فوَّض رب المال أمر المضاربة إليه، كقوله له: أعمل برأيك أو تصرف في المال كيف شئت. وأجاز الإمام أبو حنيفة للمضارب أن يبيع مال المضاربة نسيئة دون حاجة إلى إذن من رب المال، وإلى هذا ذهب الزيدية أيضاً.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 39): ”وفي البيع نسيئة روايتان: أحداهما: ليس له ذلك. وهو قول مالك وابن أبى ليلى والشافعي لأنه نائب في البيع لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والإحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال، وقرينة الحال تقيد مطلق الكلام فيصير كأنه قال: بعه حالاً. والثانية: أنه يجوز له البيع نساء وهو قول أبى حنيفة وإختيار ابن عقيل؛ لأنه أذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر“.

وجاء في فقه السنة في باب الوكالة (جزء 3 ص 230): ”قال الإمام أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء نقداً أو نسيئة، وبدون ثمن المثل وبما لا يتغابن الناس بمثله وبنقد
البلد وبغير نقده، لأن هذا هو معنى الإطلاق. وقد يرغب الإنسان في التخلص من بعض ما يملك ببيعه ولو بغبن فاحش“.

ويضيف المرجع السابق: ”هذا إذا كانت الوكالة مطلقة، فإذا كانت مقيدة فإنه يجب على الوكيل أن يتقيد بما قيده به الموكل ولا يجوز مخالفته إلا إذا خالفه إلى ما هو خير للموكل، فإذا قيده بثمن معين فباعه بأزيد أو قال بعه مؤجلاً فباعه حالاً صح هذا البيع. فإذا لم تكن المخالفة إلى ما هو خير للموكل كان تصرفه باطلاً عند الشافعي، ويرى الأحناف أن هذا التصرف يتوقف على رضا الموكل فإن أجازه صح وإلا فلا. وعند الحنابلة أن الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو الثمن الذي قدره له الموكل بما لا يتغابن الناس فيه عادة صح الشراء للموكل وضمن الوكيل الزيادة، والبيع كالشراء في صحته، وضمان الوكيل النقص في الثمن، أما ما يتغابن فيه الناس عادة فعفو لا يضمنه“.

وجاء في رأي في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 458): ”أن فعل العامل شيئاً مما ذكر من التصرف بالغبن أو بالنسيئة لا مع الأذن وقف على الأجازة ولا يقع باطلاً عند القائلين بجواز عقد الفضولي فإن أجازه المالك نفذ وإلا بطل“.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك كما جاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 231)، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال
ربح … فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول: ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة، سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

أما عن شراء الوكيل، جاء في المغني (جزء 5 ص 117): ”شراء الوكيل من نفسه غير جائز وكذلك الوصى. وجملة ذلك: أن من وكل في بيع شئ لم يجز له أن يشتريه من نفسه في إحدى الروايتين نقلها ههنا. وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئاً لنفسه في إحدى الروايتين. وهو مذهب الشافعي، وحكى عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما.

والرواية الثانية: عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين.

أحدهما: أن يزيدا على مبلغ مثله في النداء.

والثاني: أن يتولى النداء غيره. قال القاضي: يحتمل أن يكون إشتراط تولى غيره النداء واجباً. ويحتمل أن يكون مستحباً. والأول أشبه بظاهر كلامه. وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني: أن يولى من يبيبع ويكون هو أحد المشترين.

ويضيف نفس المرجع: وقد روي ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك فرساً فقال الوصي: أشتره؟ قال: لا“.

وجاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شئ هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لأن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الإجتهاد في الزيادة، وبين الغرضين مضادة“.

والمضارب حتى يتحقق الربح وكيل؛ فإن ظهر ربح يصبح شريكاً في المال بقدر نصيبه من الربح.

4- استدانته للمضاربة:

اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فلو اشترى سلعة برأس المال كله، ثم اشترى أكثر بثمن مؤجل أو استدان لنقلها … يكون هذا من قبيل الإستدانة، وليس من حقه أن يستدين على المضاربة دون إذن رب المال؛ فرب المال لم يضمن سوى رأس المال الذي دفع به إلى المضارب، ولا يجوز إلزام رب المال ضمان الزيادة، التي لم يرض بها أصلاً، ولأن المالك لم يضمن الزيادة … فلا يحق له شيئاً من ربحها، وليس عليه غرمها.

أما لو أذن له المالك أو فوضه أمر المضاربة بما يخول له القيام بذلك … فإن الرأي كما يلي:

أجاز الشافعية للمضارب، إذا أذن له المالك أن يشتري بضاعة، ويدفع جزءاً من الثمن والباقي دين على المضاربة، جاء في الرملي (جزء 5 ص 231): ”ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال إلا بإذن المالك“.

أما لو لم يأذن رب المال فلا يقع الزائد على مال المضاربة، ويلزمه الثمن من ماله.

ويرى الحنابلة أن رب المال لو أذن للمضارب بالإستدانة … جاز له ذلك وكان ديناً على المضاربة. أما لو استدان المضارب من غير إذن أو تفويض مسبق … فإن الشراء الزائد يكون كما يشتريه لنفسه، وكان ربح البضاعة – التي اشتراها بثمن مؤجل – له وخسارتها عليه.

وذهب الأحناف إلى عدم جواز الإستدانة إن لم يأذن المالك … فإن أذن المالك للمضارب جاز له، إلا أنهم قالوا إن ما يستدينه المضارب يكون بينهما شركة وجوه، وعلى هذا … يكون المشتري بثمن مؤجل بين المالك والمضارب نصفين، إلا إذا اشترطا غير ذلك من التفاضل في الضمان … فإن شرطاً التفاضل في الضمان … كان الربح كذلك، ويصير الثمن ديناً عليهما من غير مضاربة، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ومنع المالكية العامل أن يشتري للقراض بالدين وإن أذن له رب المال، إلا أن يأذن له أن يشتري على القراض على أنه إن ضاع مال القراض كان – أي رب المال – ضامناً لذلك في ذمته … فإن ضمن رب المال يجوز وتكون السلعة من مال القراض. وذكروا بأن المضارب لو اشترى بأكثر من رأس المال … فإن اشترى بمؤجل في ذمته لنفسه يصبح شريكاً لرب المال بما زاده على مال المضاربة، ولأن رب المال لم يضمن هذا المال، ولأن العمل من المضارب … يختص المُضارب عندئذ بربح الزيادة وخسرها.

وأجاز الإمامية للمضارب أن يشتري بثمن مؤجل إن أذن له المالك، فإن لم يأذن واشتراه لنفسه صح شراءه لنفسه … أما إن اشتراه وذكر المالك، ولم يجزه المالك بعد ذلك … بطل شراؤه، سواء كان في حق المضاربة أو لنفسه، وبطلان الشراء في حق المضاربة لعدم إجازة المالك، وبطلان الشراء لنفسه فلأنه لم يكن قاصد الشراء لها.

وأجاز الزيدية إستدانة المضارب إذا أذن المالك، وأضافوا الدين إلى رأس مال المضاربة السابقة.

5- الرهن والإرتهان:

قالت الأحناف بجواز أن يرهن المضارب بدين على المضاربة من مالها، وأن يرتهن بدين له منها، ورأى ذلك المالكية والإمامية والزيدية – في أظهر القول – قياساً على أن هذه الأمور من متطلبات التجارة، وله أن يفعل كل ما كان عملاً من أعمالها.

ورأى الحنابلة قياساً على الشركة عندهم أن للشريك أن يرهن وأن يرتهن إذا دعت الحاجة، وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الشافعية الذي يمنعون فيه الشريك من ذلك؛ لأن فيه خطرًا ومجازفة.

6- التوكيل:

رأى الأحناف والزيدية بجواز أن يوكل المضارب غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، ورأى المالكية عدم جواز أن يوكل غيره … فإن فعل وتصرف وكيله … كان عليه ضمان ما يهلك أو يتلف من المال، ورأى الحنابلة في رأي لهم عدم الجواز، إلا إذا عجز المضارب عن القيام بالأمر والذي وكل فيه، وفي رأي آخر لهم … قالوا بجواز التوكيل في الشركة، والمضاربة نوع من الشركة.

7- الإبضاع:

اشترط المالكية موافقة المالك لإبضاع العامل للغير … فإن فعل دون الرجوع إلى المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترط الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف أن الإبضاع من عادة التجار، ولهذا فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة … فلهم رايان: رأي يجيز له ذلك، ورأي يشترط موافقة رب المال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87): ”وله أن يدفع المال بضاعة لأن الإبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح والإبضاع طريق إلى ذلك، ولأنه يملك الإستئجار فالإبضاع أولى لأن الإستئجار استعمال في المال بعوض والإبضاع استعمال فيه بغير عوض فكان أولى، وله أن يودع لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة“.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك.

9- الحوالة:

وهي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وتكون هنا في بيعه من مال المضاربة بثمن مؤجل إلى من يريد نقل الدين من ذمته إلى ذمة رجل آخر، والرأي عند الحنفية هو أن الحوالة من عادة التجار وله ذلك، وأجاز الحنابلة للشريك في الشركة أن يتعامل بها، بينما اشترط المالكية موافقة رب المال … فإن فعل دون إذنه ضمن.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العمل:

ذهب الحنابلة والأحناف والزيدية والإمامية – في رأي لهم- إلى جواز خلط المضارب ماله بمال المضاربة، بإذن رب المال وقبل بدء العمل، وأعتبروا تفويض رب المال أمر المضاربة إليه كافياً، جاء في بدائع الصنائع عند الأحناف: ”القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له أعمل برأيك وإن لم ينص عليه، فالمضاربة والشركة والخلط“.

بينما ذهب الشافعية –في الرأي الأظهر- إلى منع الخلط، وفي رأي آخر إلى إشتراط الأذن الصريح الواضح بالخلط، وإلا فسد القراض. وقال المالكية بجواز الخلط إذا كان العامل قادراً على التجر بالمالين، ومنعه إن لم يكن قادراً … فإن تجر في ماله وعطل مال رب المال، فيكون عليه رأس المال في أظهر القول عندهم، ويكون عليه ما حرمه من الربح في قول آخر.

أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل، فقد منعه الفقهاء عن ذلك لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح، جاء في الروضة عند الأحناف (جزء 5 ص 148): ”إن خلط العامل مال المضاربة بماله صار ضامناً، وكذا لو قارضه واحد على مالين بعقدين فخالطهما ضمن، فلو دفع إليه الفا قراضاً ثم ألفا وقال ضمه إلى الأول، فإن لم يكن تصرف بعد في الأول جاز“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله، فإن فعل ولم يتميز ضمنه، لأنه أمانة فهي كالوديعة. فإن قال له أعمل برأيك جاز له ذلك. وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضمان أن فعله لأن ذلك ليس من التجارة. ولنا: أنه قد يرى الخلط أصلح له. فيدخل في قوله أعمل برأيك“.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

يجوز ذلك إذا كان مال المضاربة الأولي مازال ناضاً، أما إذا كان المال الأول قد أصبح عروضاً … قال الحنابلة لا يجوز الخلط؛ لأن ضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، ولو شرط رب المال ذلك في العقد الثاني يفسد العقد الثاني. جاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”إذا دفع إليه ألفاً آخر، لم يجز له ضم أحدهما إلى الآخر، لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم، فلم يملك تغييره، فإن أمره بضمهما قبل التصرف فيهما أو بعد أن نضا جاز، وصار مضاربة واحدة، وإن كان بعد التصرف وقبل أن ينضا لم يجز“. وذهب الإمامية في الرأي إلى مثل ما ذهب إليه الحنابلة.

أما المالكية فقد قالوا بجواز الضم إذا اشترطا ذلك في العقد الثاني وكان العامل لم يبدأ العمل في المال الأول سواء كان نصيب العامل في الربح متفقاً في العقدين أو مختلفاً، أما إذا لم يشترطا خلط المالين أجازوا للعامل أن يخلطهما من تلقاء نفسه لو كان نصيبه في الربح بنسبة واحدة في المالين وكان المال الأول لم يزل ناضاً (التاج والإكليل جز 5 ص 264).

أما إذا كان المال الأول عروضاً … أجازوا له الخلط، لو كان نصيبه من الربح في المالين متفقاً، وعلى ألا يشترط رب المال الخلط في العقد؛ لأن الإشتراط يكون زيادة يشترطها رب المال على العامل فلا يجوز، ولرب المال أن يشترط خلط المالين بعد نضوض الأول؛ بشرط أن يكون القراض الأول لا ربح فيه ولا خسارة، وأن يكون ما شرط للعامل في المال الثاني مثل ما شرط له في المال الأول.

والأغلب أن الشافعية يمنعون الخلط، سواء كان المال ناضاً أو عروضاً.

والمقصود عند من منع العامل من الخلط من تلقاء نفسه، إذا اختلفت نسب الربح في المضاربتين وكان المال الأول ناضاً لم يتصرف فيه بعد، هو أن العامل إذا خلطهما وتاجر في عدة سلع، يؤدي هذا إلى جَهالة الربح الناتج عن كل منهما على حدة، وقد يخصص العامل الجزء الأكبر من الربح إلى المضاربة، التي نصيبه فيها أكبر. أما إذا قلنا يقسم الربح بين المضاربتين بنسب رأس المالين، ففي هذا جهالة قدر نصيب كل مضاربة من الربح، وهو إن خلط وخسرت تجارة سلعة من السلع التي تاجر بها وكانت بقدر أحد المالين … صعب عليه اقناع المالك بأن أحد المالين خسر،؛ فينجبر خسران مضاربة من ربح الأخرى فينقص ربحه المتوجب له من المضاربة الرابحة، وإن أصر على حقه قد يظن المالك أنه لم ينصفه، فيؤدي هذا كله إلى النزاع.

والأولى أن تنفسخ الأولى من البداية؛ حيث إنه لم يباشر العمل بعد، ويدفع رب المال المالين إلى العامل في مضاربة جديدة تكون نسبة العامل فيها من الربح متوسط النسبتين، فإن كان له نصف الربح في الألف الأولى؛ والربع في الألفين الثانية؛ يكون له الثلث من ربح المضاربة الجديدة ذات الثلاثة آلاف رأس مال.

فإن كانت النسب واحدة، وكان المال الأول لم يزل ناضاً، جاز له الخلط من تلقاء نفسه إذا كان هذا ما يرغب به ويرى فيه المصلحة، ولا يشترط قبول رب المال؛ لأن الضرر إن حدث سيصيبه هو ولن يصيب رب المال، لأنه إن لم يخلط لا يجبر ربح واحدة الأخرى … فإن خلط صار المال كله مضاربة واحدة، وهذا لمصلحة رب المال، فكان الإختيار فيه للعامل إن لم يشترط ذلك رب المال، وجاز لأنه لا يؤدى إلى النزاع، وليس فيه جَهالة في الربح لأن المضارب متى خلطهما صارا مضاربة واحدة.

والمقصود عند من منع الخلط، وكان العامل قد باشر في العمل:

أ‌-   إن للعامل في الربح وليس عليه في الخسارة، فإن ربح أحد المالين وخسر الآخر، فللعامل ربح الأول ولا شيء عليه في الثانية. أما لو خلط المالين جبر ربح الأول خسارة الثاني … فلم يظهر ربح فيها، فيصبح لا شئ للعامل في مجموعهما، فيخسر من جراء ذلك.

ب‌- إن رب المال إن اشترط هذا، ففيه زيادة وفائدة له؛ فلم يجيزوا له
هذا الشرط، ولأن المنع كان لحماية العامل فقد جوز المالكية الخلط للعامل إذا كان هذا رأيه ودون شرط عليه.

12- مضاربته للغير:

ذهب المالكية والحنابلة والإمامية إلى أن المضارب ليس له أن يأخذ من آخر مالا مضاربة إن كان في ذلك ضرر على رب المال الأول، إلا أن يأذن له.

وقال الحنابلة في الإنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”إن دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فأنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الإستحباب وإن فعل فلا شئ عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

أما لو ضارب مع غير رب المال دون إذنه، وكان في أخذه المال الثاني ضرر على المضاربة الأولى … ذهب أكثر فقهاء الحنابلة إلى أن ربح المضارب من المضاربة الثانية، يرد إلى المضاربة الأولى كربح للمال الأول.

وقال الشافعية بالجواز إذا كان ذلك في وقت واحد، جاء في مغني المحتاج (جزء 2 ص 315): ”ويجوز أن يقارض الإثنان عاملاً واحداً، لأن ذلك كعقد واحد ثم إن تساويا فيما شرط فذاك وإن تفاوتا كأن شرط أحدهما النصف والآخر الربع؛ فإن أبهما لم يجز، أو عينا جاز إن علم بقدر ما لكل منهما“.

وقال الأحناف في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 315): ”ولو سافر بماله ومالها أو خلط بإذن أو بمالين لرجلين أنفق بالحصة“.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

قال المالكية في المدونة (جزء 4 ص 55): ”لا يجوز للعامل أن يشارك بالقراض إلا بأمر رب المال“.

أما الأحناف والحنابلة … فقد اعتبروا أن تفويض رب المال أمر المضاربة للعامل بمثابة إذن له في المشاركة مع غيره، قال الكاساني (جزء 6 ص 95): ”فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، وأن يشارك غيره في مال المضاربة شركة عنان، وأن يخلط مال المضاربة بمال نفسه، إذا قال له رب المال أعمل برأيك، وليس له أن يعمل شيئاً من ذلك إذا لم يقل له ذلك“.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

أ-  أجمع الفقهاء على عدم جواز إعطاء العامل رأس المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال. جاء في شرح الخرشي لمختصر خليل في الفقه المالكي: ”يضمن العامل إذا قارض في مال القراض بغير إذن ربه، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال ولا ربح للعامل الأول، لما علمت أن القراض جعل لا يستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل فلا ربح له“.

واعتبروا ذلك تعدياً منه إن فعل ذلك، جاء في بداية المجتهد: ”ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأنصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر فإنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حظه مما بقى من المال“.

”ويرى أبو قلابة ونافع وأحمد واسحاق: أن المضارب إذا خالف فهو ضامن والربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب ويتصدق به، والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معاً“.

وذهب المالكية والأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية إلى أن للعامل أن يدفع بمال المضاربة مضاربة إلى عامل آخر لو أذن له رب المال بذلك، وخالف الشافعية وحدهم في القول الأصح عندهم، وقالوا بعدم جواز ذلك، فجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 227): ”ولو قارض العامل شخصاً آخر بإذن المالك، ليشاركه ذلك الآخر في العمل والربح لم يجز في الأصح. وقالوا في تعليل منعهم: لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملاً ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح“.

ب- أما عن صيغة إذن رب المال … فقد رأى الأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية أن تفويض رب المال أمر المضاربة إلى العامل يكفي لدفعه المال مضاربة إلى غيره، كقول رب المال له أعمل برأيك أو بما أراك الله. جاء في بدائع الصنائع: ”فأما إذا قال له أعمل برأيك، فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، لأنه فوض الرأي إليه، وقد رأى أن يدفعه مضاربة فكان له ذلك“.

وذهب الحنابلة والإمامية في رأي آخر لهما إلى ما ذهب إليه المالكية أن التفويض لا يكفي، واشترطوا إذن رب المال في ذلك صراحة.

جـ- وإذا حصل ربح في المضاربة الثانية عند صحتها وفق ما اشترط كل فقيه عن صورة إذن المالك … ذهب الحنابلة والمالكية والإمامية إلى أن العامل الأول ليس له شيئاً من الربح، وعللوا ذلك لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح يستحق بأحدهما.

جاء في المغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي: ”وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً، ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك، فإذا دفعه إلى آخر، ولم يشترط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً، وأن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح، لأنه ليس من جهته مال ولا عمل والربح يستحق بواحد منهما“.

            بينما رأى الأحناف أن الربح بين الثلاثة كما يلي:

إذا أطلق رب المال الربح في عقد المضاربة أي لم يضفه إلى المضارب، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزق الله فهو بيننا نصفان، جاء في البدائع (جزء 6 ص 97): ”فإن أطلق الربح ولم يضفه إلى المضارب، ثم دفع المضارب الأول المال إلى غيره مضاربة بالثلث، فربح الثاني؛ فثلث جميع الربح للثاني، لأن شرط الأول للثاني قد صح، لأنه يملك نصف الربح، فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول فجاز شرطه للثاني؛ فكان ثلث جميع الربح للثاني ونصفه لرب المال، لأن الأول لا يملك من نصيب رب المال شيئاً، فانصرف شرطه إلى نصيبه لا نصيب رب المال، فبقى نصيب رب المال على حاله وهو النصف وسدس الربح للمضارب الأول، لأنه لم يجعله للثاني فبقى له بالعقد الأول، ويطيب له ذلك، لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه“.

أما لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزقك الله تعالى من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح؛ فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزقه الله للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي.

وذهب الزيدية إلى رأي الأحناف الأخير حيث جاء في البحر الزخار (جزء 4 ص 83): ”فإن قال رب المال للعامل ما ربحت أو كسبت فهو بيننا نصفان، فضارب العامل غيره بالنصف، كان لرب المال الربع“.

د-  اتفق المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة والزيدية، عن عدم جواز أن يدفع المضارب مال المضاربة، مضاربة إلى عامل آخر من غير إذن رب المال، وعللوا ذلك بأن رب المال قد دفع المال إليه ليضارب به هو، وإن دفع المضارب بالمال لغيره يوجب فيه حقاً للغير، ولو فعل العامل ذلك دون إذن رب المال … فتصرف العامل الثاني في المال وخسر، اختلفت آراء الفقهاء فيمن يكون عليه الضمان.

قالت المالكية بضمان العامل الأول، ورأى الأحناف إن الضمان على العامل الأول ولرب المال أن يضمّن أيهما يشاء، ولو ضمن العامل الأول لا يرجع بما ضمن على الثاني، وإن ضمّن العامل الثاني … رجع بما ضمن على الأول، وصار حاصل الضمان على الأول؛ لأن الأول غرَّه بالعقد، فصار مغروراً من جهته، فكان له أن يرجع عليه بما ضمن.

وقال الشافعية إن تَلفَ في يد العامل الثاني وعلم بالحال فغاصب؛ فقرار الضمان عليه، وإن جَهلَ فعلى العامل الأول.

وقال الحنابلة والإمامية إن لرب المال أن يطالب من يشاء من العاملين برد المال … فإن ضمن العامل الأول … فله أن يرجع على العامل الثاني، إن كان الثاني يعرف حقيقة الأمر، وإلا … فعليه الضمان. وإن ضمن رب المال العامل الثاني، لم يرجع الثاني على العامل الأول إذا كان يعرف حقيقة الأمر … فإن لم يكن يعرف فلهم رأيان: أحدهما يرجع عليه لأنه غره، والثاني لا يرجع، لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه. وقال  العاملي في مفتاح الكرامة في الفقه الإمامي عن الرأي الأخير؛ بتضمين العامل الثاني وإن لم يكن عالمًا بالحال، أنه رأي ضعيف جداً.

وأتفق المالكية والشافعية والحنابلة والإمامية، وبعض الأحناف، بإلزام الضمان بمجرد دفع المضارب الأول المال للمضارب الثاني، سواء كانت المضاربة الأولى أو الثانية صحيحة أو فاسدة، وسواء باشر المضارب الثاني بالعمل أو لم يباشر.

أما من الأحناف … فقد قال الأئمة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن لضمان المال على المضارب الأول شرطين، الأول صحة المضاربتين، والثاني أن يتصرف المضارب الثاني بالمال في أمر من أمور التجارة، وعللوا ذلك أن فساد الثانية يجعل العامل الثاني أجيراً وللأول أن يستأجر من يعمل في المال، وفساد الأولى يوجب فساد الثانية، لأن الأولى لما فسدت صارت إجارة، فلا تصح الثانية؛ لأن الأجير ليس له أن يشارك غيره، فتفسد الثانية بالضرورة، ويصبحا أجيرين، وكذا إذا كانتا فاسدتين، وإذا كانا أجيرين … لا يضمن واحد منهما. أما إذا هلك المال ولم يكن المضارب الثاني قد تصرف فيه فأنه يهلك أمانة، ولا ضمان إلا مع العدوان أو التقصير، ولو غصب المال من المضارب الثاني … يجب الضمان على الغاصب فقط، وكذلك لو استهلك المضارب الثاني المال في غير أعمال المضاربة كتصدقه به أو كهبته المال فالضمان يلزم المضارب الثاني فقط.

هـ- أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح، فالرأي في من يختص بالربح يكون كما يلي:

قال المالكية إن الربح يكون بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للعامل الأول لتعديه.

وقال الشافعية إن تصرف العامل الثاني تصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه؛ لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل، وإن اشترى بعين المال فباطل شراؤه، وإن اشترى في الذمة وسلم ما أخذه من مال القراض فيما اشتراه وربح، فالربح نصفه للمالك، ونصفه بين العاملين سواء. وعلى القول الجديد للإمام الشافعي الربح كله للغاصب، ويكون في هذه الحالة للعامل الأول، وعليه أن يدفع للعامل الثاني أجرة عمله، وللشافعية رأي آخر أن يكون الربح في المسألة المذكورة للثاني من العاملين.

وذهب الأحناف إلى أن المضارب الأول إذا ضمن … صحت المضاربة الثانية والربح بينهما على ما إتفقا, وكذلك لو ضمن المضارب الثاني فرجع على المضارب الأول بما ضمن, فيصير حاصل الضمان على الأول, ولما تقرر عليه الضمان, كان له ربح ما ضمن, بشرط أن تكون المضاربتين صحيحتين. أما لو فسدت المضاربتان, كان الربح كله لرب المال, وللمضارب الأول أجر عمله على المالك, وللمضارب الثاني أجر عمله على الأول. ولو كانت فاسدة والثانية صحيحة؛ فالربح لرب المال وللمضارب الأول أجر المثل على رب المال, وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح. وإن كانت الأولى صحيحة والثانية فاسدة … كان للمضارب الأول ما شرط من الربح وللمضارب الثاني أجر مثل عمله على المضارب الأول.

وقال الحنابلة إن الربح كله لرب المال, ولا شيء منه لأحد العاملين, فالمضارب الأول لم يوجد منه مال ولا عمل, ويستحق الربح في المضاربة بأحدهما, والمضارب الثاني قد عمل في مال غيره بغير إذن منه ولا شرط, فلا شيء له من الربح قياساً على عدم إستحقاق العامل شيئاً من الربح في المضاربة الفاسدة.

15- سفره للمضاربة:

إن لم يشترط المالك ألاَّ يسافر العامل بالمال ولم ينهه عنه, أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين, ورأي المضارب المصلحة في السفر, قال المالكية له ذلك دون الرجوع إلى الرب المال, وكذلك قال الأحناف والزيدية والحنابلة في أظهر القول عندهم, وأشترطوا أن يكون سفره إلى جهة آمنة لا يتعرض فيها أو في الطريق إليها للأخطار وفق ظنه.

وقال الشافعية لا يجوز أن يسافر بالمال إلاَّ بإذن رب المال, وبهذا قال الإمامية والحنابلة في رأي لهم.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

اتفق جمهور الفقهاء على عدم جواز إقراضه وتبرعه ووهبه شيئاً من المال إلا بإذن رب المال.

17- أخذه وإعطاؤه سفَتجة:

السفَتجة من المعاملات التي كانت تستخدم ليأمن بها التجار مخاطر الطريق، فيأخذ الرجل مالاً أو بضاعة من آخر, ويعطيه صكاً بثمنها يصرفه عند وكيل له في بلد آخر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 92) :” ولا يأخذ سفتجة لأن أخذها إستدانة وهو لا يملك الإستدانة, وكذا لا يعطي سفتجة لأن إعطاء السفتجة إقراض, وهو لا يملك الإقراض إلا بالتنصيص عليه, هكذا قال محمد عن أبي حنيفة أنه قال: ليس له أن يقرض ولا أن يأخذ سفتجة حتى يأمره بذلك بعينه فيقول له خذ السفاتج وأقرض“.

وإلى هذا … ذهبت الزيدية والحنابلة, إلا أن الحنابلة –في رأي لهم – أجازوا له أخذه سفتجة دون أن يشترطوا موافقة رب المال, بينما اشترطوا الإذن في حالة الإعطاء.

18- المخاصمة والمقاضاة:

للفقهاء رأيان عند الأعتداء على مال المضاربة من قبل شخص آخر، أولهما: أن للعامل أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير, ولو كان للغير حق عليها فللغير أن يخاصم العامل من أجل حقه, هذا هو رأي الأحناف وأحد الرأيين عند الشافعية والحنابلة والزيدية, والرأي الثاني عندهم أن المضاربة عقد على التجارة ولا تدخل الخصومة فيه.

<< previous page next page >>

الفصل السادس

فوائد البنوك التقليدية والربا

هل فائدة البنوك التقليدية ربا؟ أم هي لقاء المخاطرة بعدم قدرة المدين على السداد، أو لقاء منفعة المال أو حق الإنتفاع بالمال في فترة الدين، أم هي الربح الذي يقدره البنك وفق دراسات الجدوي التي يقوم بها، أم هي تعويض إنخفاض القيمة الشرائية للعملات المالية الرائجة نتيجة التضخم، أم هي ليست ربا لأنها ينتفي عنها عنصر الإستغلال والتحكم الذي يقول البعض أنه كان في ربا الجاهلية الذي كان أضعافا مضاعفة ولهذا حرمه الشرع، والذي عندنا اليوم قليل ولهذا لا بأس به. 

يحاول البعض التفريق بين الفائدة المُتعامل بها فى البنوك التقليدية والربا، فالربا عندهم هو القرض الاستغلالي، أما الفائدة التى ينتفي فيها عنصر الاستغلال ويتوافر فيها تراضي الأطراف فهذه ليست الربا. وهذه المحاولات نابعة عن ظنهم، وقد نشئوا فى هذا النظام الاقتصادي المؤسس عليها، أن المعاملات لا تصلح دونها، ولصعوبة تخيله دونها؛ فقد أصبحت من البديهيات المسلم بصحتها، وهى ليست كذلك.

لم تعرف المجتمعات الأسلامية البنوك الربوية إلا منذ حوالي مائة وأربعون سنة، كان الناس يتعاملون قبل ذلك بالمضاربة والمشاركة والمزارعة والمساقاة وغيرهم من المشاركات التي يتوفر فيها العدل.

والشارع حرم الربا أي كانت نسبته من الدين، والبيان في الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} سورة البقرة، في قوله تعالى لكم رؤوس أموالكم، يبين بوضوح أن الذي يعود الى الدائن رأس ماله فقط ولا يزداد عليه شيء، أي دون أي زيادة صغرت كانت أو كبرت.

وهذا يرد على القائلين أن الربا المحرم هو فقط الأضعاف المضاعفة، إذ في قوله سبحانه وتعالى:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً { آل عمران:130} هو بيان ما كانوا عليه لا اختصاص التحريم بحالة المضاعفة .قال الشوكاني في فتح القدير:  وقوله {أضعافا مضاعفة } ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين”. أي أن النهي كان عن كل ما زاد عن رأس المال، ليس فقط عن الأضعاف المضاعفة والتي كانت لذكر واقع ما كان بعضهم عليه. ولهذا، وإستنادا على الآية التي ذكرناها من سورة البقرة، فأي زيادة دون عوض على مال مضمون، فهي ربا.

وحيث إن الشارع لم يبين علة تحريم الربا، والعلة هى ما يدور معها الحكم الشرعى وجوداً وعدماً، يبقى النص الشرعى بالتحريم قائماً بغض النظر عن الظروف والأسباب، فلا يرتبط التحريم باستغلال أو غيره؛ فقد نزلت آيات التحريم والناس يتعاملون بالربا عن رضى فأبطلت الشرط الربوى أى كانت الأسباب التى نشأ عنها.

وحكمة تحريم الربا كما ذكر الإمام الرازى أنه يقتضى؛ أخذ مال الإنسان من غير عِوض. والحكمة هى مقصد الشارع من الحكم الشرعى. وعلى هذا .. فإن كل زيادة لا يقابلها عوض تكون محرمة لأنها تدخل فى باب أكل أموال الناس بالباطل.

وإذا بحثنا الزيادة الناتجة عن فائدة ربوية تضاف إلى دين، فهذا كسب والكسب الشرعي فى الإسلام يُتحصل عليه إما بالمال أو بالضمان أو بالعمل.

المال إما له نماء طبيعي كالسوائم أي الحيوانات التي ترعى في الأرض الكلأ، أو ينمو بالعمل كالتجارة والإستثمار، بناء على القاعدة الشرعية الخراج بالضمان؛ أى إن المالك له نماء ماله لقاء تحمله إحتمال خسارة بعضه أو هلاكه. وأن المدين له نماء هذا المال إذا دفعه للعمل فربح فالربح له لأنه ضمنه لمن أعطاه المال، فإن كان قد خسر فعليه الخسارة من ماله ويرد للدائن كامل الدين أو القرض.

أما العمل فهو بيع منفعة بمال؛ أي عندما يؤجر مالك بيت البيت، فأنه يبيع منفعة البيت وهو السكن فيه لفترة محددة لقاء مال. وعمل الرجل منفعة فيمكن استئجار العامل والنجار فتكون الأجرة ثمن المنفعة، أما إذا كان العمل هو عمل مضارب في مضاربة، فالمضارب يشارك بقيمة العمل – وهى مال – فيستحق الكسب بأكثر من قيمة عمله لقاء قبوله بتحمل خسارة قيمة العمل لو لم ينمُ المال.

وقبل أن نترك موضوع الضمان، دعونا ننظر في قاعدة الخراج بالضمان والغنم بالغرم: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”الخراج بالضمان“ وقال صلى الله عليه وسلم: ”الغلة بالضمان“ أي إن المنفعة والنماء لمن يملك، و معني الملك هنا هو من يخسر اذا هلك المال. فان كانت المال مملوكاً من رجل فاقرضه أو أسلفه أو داينه -وهي عقود تمليك- الي آخر فقد ملّكه هذا المال الي أجل أو الي أن يرده، فإن هلك المال عند المقترض فعليه أداء مثله ولهذا فالخراج له.

أما الوديعة والأمانة والرهن فهؤلاء لا يفارقون ملك صاحبهم ولهذا إن هلك المال المودع أو المرهون فالخسارة علي صاحبه لا علي الأمين الذي أودع عنده المال الا اذا تعدى، فإن تعدى ضمن فله غنم المال وعليه غرمه لأنه يكون انذاك قد ملكه بالضمان (ويتعدى الأمين إذا تاجر بالمال المودع لديه لإنه تصرف في مال غيره دون أذنه فيضمنه).

قلنا أن الرهن أمانة في يد المرتهن ولا يضمن الا بالتعدي، ولا ينتفع به المرتهن الا اذا كان مما له نفقة فينتفع به نظير نفقته فتكون المنفعة عوض النفقة، قال الرسول صلعم ”الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلي الذي يركب ويشرب النفقة“ وهذا مذهب أحمد واسحاق وخالفهم الجمهور لإحتمال عدم تساوي النفقة والمنفعة، وقالوا مؤونة الرهن وأجرة حفظه على مالكه وله منافعه ونماؤه، والمقصود تساوى العوضين فان اتفقا وتراضا أجر المؤونة والنفقة لقاء المنفعة جاز، وإن شاءا أن تكون النفقة على الراهن وله أجرة المنفعة صح، فإن لم يكن له مال كان ديناً عليه وكان ثمن المنفعة قضاء لهذا الدين أو لبعضه، ولا يصعب الحساب في هذا الأمر والمرتهن أمين لأن الرهن أمانة، والنماء في الحالتين للراهن، قال الرسول صلعم ”لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه“، ولو هلك المرهون في يد المرتهن من غير تعدِ فالغرم علي الراهن، والدين علي حاله، واذا حل أجل الدين وعجز الراهن عن السداد تباع العين المرهونة ويضاف خراجها مدة الرهن وتخصم نفقتها، فيسدد الدين من المال وما فضل لصاحبها وان نقص مال فعليه.

أما القرض، فهو في الشرع ليس من المعاملات التى يقصد منها الكسب، وإنما هى نوع من أنواع الصدقة، ومن أعمال الخيروالتعاون بين الناس، وله أجر وعِوض عند الله. أما الدّين إلى أجل مسمى، فقد يكون مساعدة أيضاً أو قد ينتج عن معاملة تجارية أو عقد، وقد يكون لقاء رهن؛ أى إن مسئولية المال وضمانه تصبح على  المدين، ولهذا فليس للدائن زيادة على ماله. إلا لو كان الضمان عليه مثل الدين الناتج عن البيع المؤجل فيه الثمن.

لو نظرنا الى التبريرات التي يحاول البعض تقديمها لبيان أن الفائدة البنكية ليست ربا، نجد أنها ليست صحيحة وتنافي الفكر السليم.

الفائدة لقاء المخاطرة:

فإذا قيل أن الدائن يتحمل مخاطرة أن لا يستطيع المدين رد الدين، ولهذا فيصح له أخذ الزيادة؛ لأن هذه الزيادة لقاء هذه المخاطرة، ففي هذا غرر، فالمخاطرة مجهولة وعوضها معلوم وهو الزيادة أي الفائدة الربوية، ولا يجوز أن يجهل أحد العوضين فى معاوضة، لأن الزيادة عوض مخاطرة مجهولة الكم تتراوح بين الوجود والعدم؛ فإن حدثت فلها كم ولكنه ليس بالضرورة مساوياً للعوض وهو الزيادة المتفق عليها.

وهى إن حدثت .. أي أن المدين لا يستطيع سداد بعض أو كل الدين، فإن الزيادة والنقص فى الأصل لن يتمكن المدين من سدادهما، ولهذا فشرط الزيادة عوض عدم تمكن المدين من سداد الأصل هو شرط لا يمكن تطبيقه إذا أصبح المدين غير قادرا على سداد الأصل فكيف يسدد الزيادة. وإن لم يحدث تقصير فى السداد يدفع المدين الزيادة التى كانت لقاء احتمال عدم قدرته على السداد، وهو قد سدد فانتفى الاحتمال وانتفت بالتالي أسباب الزيادة فإن دفعها يكون قد دفعها دون عوض، وهذا ربا.

والحقيقة أن اشتراط زيادة هى عوض مخاطرة احتمال عدم سداد المدين أصل مال الدين؛ والذى لو حدث فلن يتم تسديد هذه الزيادة أصلاً، وإن لم يحدث لم تستحق، هو شرط لا معنى له، والشرط الذى يناقض مقتضاه ويستحيل تنفيذه لغو ولا يعمل به ولا يقبله المنطق السليم.

وهذا يختلف عن المخاطرة المقصودة فى الاقتصاد الإسلامي وهى المخاطرة التى يتعرض لها مال مستثمر بهدف العائد؛ الذى يحتمل أن يكون ربحا ويحتمل أن يكون خسارة؛ والربح هنا حلال لقاء قبوله باحتمال الخسارة إن حدثت، وكلاهما مجهولان وقت مباشرة الاستثمار، ويعودان إلى مالك واحد؛ فإن كان ربح فله وإن كانت خسارة فعليه؛ أى إن العائد الموجب وهو الربح يكون لقاء مخاطرة حقيقية فلا يمكن أن يجتمع الربح والخساره فى معاملة واحدة فهما صفتين لشيء واحد هو عائد الاستثمار.

والمعاملات إما معاوضات ويشترط فيها تساوي العوض والمعوض، او مقابلات فيشتركان في الربح والخسارة، أما الربح أو الخسارة فلا يعرف أو تعرف إلا من خلال دورة شراء ثم بيع، وهذان معاملتان لا معامله واحد؛ بينما الدين الربوي معامله واحدة يجتمع فيها ربح احدهما وخسارة الثانى دون بيع أو مشاركة.

والمخاطرة لا تباع وتشترى وإنما هي طبيعة معامله، المقصود منها أن نتيجة هذا الاستثمار قد يكون ربح او خسارة، أي أن الربح ليس ثمن المخاطرة ولكنه ناتج الاستثمار الفعلي، ولو كان ثمة ثمن موجب للمخاطرة لكان كل استثمار رابح (كما هو الحال في القروض الربوية، المقرض دائمًا رابح).

كما ذكرنا قبلا، الربح الحلال هو ما ينتج عن العمل في المال ويتولد من العمل والمال، وليس لقاء الأجل أو التأجيل، وعلى هذا الأساس صحت المضاربة وهي إذا دفع المستثمر ماله إلي من يعمل فيه فإن ربَح المال فله بعض الربح وعليه كل الخسارة، وباقي الربح للمضارب نظير عمله الذى لا يأخذ أجر عليه؛ فإن لم يكن ثمة ربح فلا شئ للمضارب والمال لصاحبه، لأن عمل المضارب يقاس  بمعيار نماء المال؛ فإن لم ينم المال بالعمل.. فلا قيمة للعمل.

وقد قلنا إن المخاطرة المحتملة في استثمار مال تبيح الكسب لصاحبه إذا كان هذا الكسب شرعياً ومتولداً عن نماء مال او عمل، والمخاطرة هنا لا تعني سوى تحمل صاحب المال مسئولية هذا الاستثمار في حالة الخسارة، والخسارة هي هلاك بعض او كل المال المستثمر، ويجب أن نذكر هنا أن كل صاحب مال يتحمل وحده مسئوليه ماله المعرض للخسارة أو الهلاك وان لم يدفع به في مجالات الاستثمار؛ – فهذا من طبيعة الاموال- كما هو الحال في السوائم، ولهذا كان نماء المال وخراجه وغلته لصاحبه.

أما النقود فليس لها نماء طبيعي – وليست معرضة للهلاك (عدا تعرضها للسرقة او الغصب). قلنا ليست معرضة للهلاك كغيرها من بقية الأموال كالطعام والحيوان والبيوت اذا لم يتصرف بها بيعاً أو شراء. فاذا اقرضها –أي النقود- فإن من إقترضها يصبح ضامناً لها ومزكياً فيها من ماله، وفي الحالات التي قد يعجز المدين عن السداد فانه يظل مديناً لصاحبه حتي يوفيه دينه، فإن عجز فإن في أموال الزكاة باب للصرف علي الغارمين، فان لم يك في أموال الزكاة وبلغ المدين أجله قضي دينه من بيت المال فان لم يك تطوع أهله واصحابه، أو عفا الدائن ومن عفا عن معسر فله أجره عند الله.

أما ما يعبر عنه الفقهاء بقاعدة الغنم بالغرم، فلا تعني هذه القاعدة جواز أن يكون عوض المخاطرة مالاً، فلا يوجد أى استدلال منطقى قد يوصلنا الي هذه النتيجه

فالغنم بالغرم لا تعني اكثر من أن نماء المال – لمالكه – سواء كان مالكاً أو ضامناً أو متصرفاً بعقد تمليك، وأن نقصانه عليه، وبخروج المال الي مجال الاستثمار بغرض الانماء قد يتعرض للخسارة و بهذا قد نقول مجازاً إنه يخاطر بالمال، وهذا بالطبع لم يكن قصده فهو استثمر بقصد الربح لا المخاطرة، والربح يولد عن المال والعمل ولا يولد عن المخاطرة فهي وصف لحالة و ليست من المسببات. والغنم وهو الكسب والفوز يقابله الغرم والمقصود بالغرم هنا تحمل المسئولية وبذل الجهد بهدف الربح مع إحتمال عدم تحقق الربح وحدوث الخسارة ، وهذان يمكن الجمع بينهما، أما الفوز لقاء المخاطرة باحتمال حدوث الخسارة أى الفوز بالخسارة فهذان لا يجتمعان، إما ربح وإما خسارة. والمعنى الذى يحلل المكسب لقاء المخاطرة وحدها ينفيه كلية تحريم القرآن الكريم للميسر وتحريم الرسول صلى الله عليه وسلم لبيع الغرر، وكلاهما قد يؤدى إلى كسب لقاء مخاطرة فيفوز أحدهما من خسارة الثانى دون عوض وهذا حرام. فان قال قائل أن البيع قد يفوز فيه أحدهما ويخسر الثاني، وهذا ما جائت به الإية الكريمة {….ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ …..} آية 275 سورة البقرة، فالبيع يشترط فيه تساوي العوضين، أي تساوي الثمن وقيمة العين المباعة، ودليل التراضي. أما الربا، فعدم التساوي واضح إذ يقول أعطيك ألف درهم وتردهم بعد سنة ألف ومائة، لا تساوي هنا، ولا يفيد التراضي هنا لأن عدم التساوي بين واضح.

الغُنم المسموح به هو غُنم رب المال نماء ماله لقاء تحمله مسئولية أو ضمانه هذا المال، وهذه معاملة فى مال واحد بعينه ولربه ولا يدخل فيها طرف آخر يأكل أحدهما من مال الآخر دون عوض أي بالباطل، والدين المضمون ينفصل غنمه وغرمه عن صاحبه فيكون حكمه حكم المال المملوك للمدين بتحمله مسئولية رده أى بضمانه.

ولهذا فمفهوم لفظ المخاطرة التى تحلل الكسب، يقصد به مخاطرة المستثمر – فقط – أى قبوله المسئولية والتبعات التى قد تنتج عن دفع ماله أو عمله – وهو مال – فى استثمار مشروع بقصد انماءه، فإن لم ينم المال وأصابته وضيعه فعليه وحده هذه الخسارة. ولا يعنى أبداً استحقاق الكسب كعوض للمخاطرة أو لقاء المخاطرة بماله، فهذه ليست من المال ليُبادل مال بها، ولا ثمن لها، وإنما يعرف الكسب أو الخسارة عند انتهاء الاستثمار وعودة المال إلى نوعه الأصلى. والكسب إذا تحقق لا ينتج أو يتولد عن المخاطرة وإنما يتولد عن الأصلين المال والعمل.

أما ما يحدث فى الديون – فى أرض الواقع – فهو أن الدائن أي البنك يأخذ الضمانات الكافية لاسترداد الدين وبهذا يكون قد ضُمن له ماله فانفصل عنه، ويكون للمدين الذى ضمن غُنم المال وعليه غُرمه، فإن أخذ البنك زيادة على ماله المضمون فقد أربى. أما فى حالات عجز المدين عن السداد مع عدم كفاية الضمانات والرهون وهى نادرة، فإن البنك لا يصيبه ضررا لأنه يأخذ الزيادة أو الفائدة من آلاف المقترضين، فيغطى من الزيادة التي أخذها من كل هؤلاء خسارة أحدهم، وفى هذا ظلم لأنه يأخذ مالاً من الناس لتعويض خسارة فى معاملة أخرى لم يكن لهم فيها مصلحة أو ضمان يشتركوا به فى كسبها ليتحملوا خسارتها. بل وهم أدوا ما عليهم من دين ولم يتخلفوا عن السداد فلماذا يدفعوا للبنك ثمن عجزهم عن الوفاء بالدين وهم قد سددوه. ففى هذا أكل أموال الناس بالباطل.

الفائدة لقاء التنازل عن حق الانتفاع:

وقد يقال أيضاً إن الزيادة هى ثمن حق الإنتفاع الذى تخلى صاحبه عنه خلال مدة القرض، والمال لا ينتفع به إلا بصرفه أي بهلاكه، أى لا نفع منه إذا ظل فى يد صاحبه وليس من صفاته النماء الطبيعي كالشجر والحيوان فهو إن بقى فى يد صاحبه ولم يستثمر لن يزيد. وحق الإنتفاع الذى يملكه صاحبه لا يحصل إلا بإستثماره في تجارة أو غيرها،  وهذا لا يعرف نتيجته سالبة تكون أو موجبة، ولا يجوز بيع المعدوم غير المعروف هل سيوجد أم لا لعدم جواز بيع الغرر. ولهذا فإن هذا الانتفاع مجهول لا تعرف نتيجته وبالتالى لا يجوز تقييمه والإلزام به وقت العقد.

الفائدة ثمن منفعة النقود:

وقد يقال إنه يبيع منفعة المال أى يؤجر المال، ولا يجوز تأجير ما يستهلك أصله عند الإنتفاع به، أو ما لا نفع له مع بقاء أصله، كالنقود – وإنما عقد الإجارة هو بيع منفعة معلومة – وإن كانت معدومة وقت العقد إلا أنه يغلب الظن بحدوثها – لقاء ثمن معلوم مع بقاء الأصل، مثل إجارة الدار والدابة والآلة والسيارة وغيرهم مما يؤجر أو تباع منافعه مدة معينة مع بقاء أصله – أى إن الإجارة هى عقد على منفعة العين مع بقاء العين على حالها دون تبدل أو تحول من صورة إلى أخرى، ولا يُستحق الأجر إلا بتحقق المنفعة واستيفائها، فإن لم تتحقق المنفعة لطالبها لم تجب الأجرة، وهذا شرط هام في عقود الإجارة، فإن أجرت سيارة ولم تعمل لم تجب الأجرة . والنقود لا منفعة لها إلا بصرفها. فإن أجرت وجب على المؤجر أن يضمن تحقق منفعتها لقاء الأجر وعليه وحده ضمان أصل العين المؤجرة، والأجر يجب أن يكون مساوياً للمنفعة لأن الإجارة من عقود المعاوضات التى يشترط فيها تساوي العوض والمعوض، ولهذا فالدين ليس من باب الإجارة في شيء لعدم جواز تأجير ما لا منفعة له مع بقاء أصله على حاله، وأن ساوى الأجر المنفعة فتوجب حدوث المنفعة ليستحق الأجر فيصبح له ربحه وعليه خسارته.

فماذا إذا افترضنا مبادلة هذا المال النقد مع مال له منفعة كعقار أو آلة، ثم بعنا منفعة الدار إلى من يستأجر الدار لمدة سنة مثلاً، ثمن هذه المنفعة فى السنة هو أجر الدار أى ثمن منفعة الدار، وفى نهاية مدة الاجارة تعود الدار إلى صاحبها فيبيعها لقاء نقد، فإن فرضنا أنه باعها بنفس ما اشتراها به فقد انتفع بالمال بقيمة الأجرة. وهذه حلال لأنه ملك الدار ومنافعها وضمن الدار والمنفعة، فأصبح الخراج بالضمان، ولم يضمن أحد له ثمن الدار، وكان من الممكن أن يبيع الدار في نهاية السنة بأقل مما اشتراها به فيتحمل وحده مسؤولية استثماره هذا وينقص ماله.

والحقيقة أن هذه المعاملة هى معاملة شراء دار شاملة منفعتها، ثم بيع المنفعة وحدها فى عقد اجارة وبيع الدار فى عقد بيع بعد انتهاء عقد الإجارة، وهذا شراء وبيع وينطبق عليه الآية الكريمة {وأحل الله البيع وحرم الربا} إذ لم يضمن له أحد ماله ولم يأكل مال أحد دون عوض، وإنما باع ما اشتراه فى بيعتين، أولهما بيع منفعة لفترة محددة، وبعد ذلك، بيع العين نفسها. والإجارة والبيع عن تراض كان يحتمل فيهما الكسب أو الخسارة، أما القياس عليه فلا يصح لأن الدين الربوي مضمون والزيادة مضمونة.

 

الفائدة ربح المال المحدد المقدر مسبقًا:

وقد يقال إن الفائدة هى ربح المال الذي قدّره البنك مقدماً، إذ يحدد الخبراء في البنك الأرباح مقدمًاً وفق دراسة الأسواق العالمية والمحلية وغيرها من العوامل المؤثرة على نتائج الأستثمار وفق دراسة جدوى دقيقة من قبل خبراء ذوي علم ودراية، فيُعرف تقدير مقدار الربح قبل حدوثه، وهذا في قول القائل بهذا الرأي من المتوقع والمؤكد ما سيحدث، ولهذا قال يصح أن يضمن البنك المال والربح للمودع.

أولا، أن المودع الذي ضمن له ماله، لا يجوز له أن يأخذ الزيادة لأنها زيادة على مال مضمون وهذا ربا.

وثانيًا؛ القول أن الربح الذي سينتج عن الإستثمار الفعلي سيكون مماثلاً ومطابقًا لذاك الذي قدره الخبراء، فهذا يستحيل في الظروف المتغيرة المتبدلة للسوق والإستثمارات، ويعرف هذا كل أصحاب الأعمال وحتى الحكومات والتي في كثير من الأوقات تتجاوز تكاليف مشروعاتها تقديرات دراسات الجدوي، وهذا يحدث في كل الدول المتقدمة.

لا يمكن لأحد تقدير نتيجة أي استثمار بهذه الدقة والتطابق بين التقديري والفعلي المتحقق، فإن تجاوزنا وقلنا أنه حدث في مشروع، لا يمكن القول أنه حدث في كل المشروعات الأخرى وبنفس نسب الربح مع اختلاف المكان ونوع الإستثمار والإدارة!! وأن يتكرر هذه التماثل كل سنة! ولنا في قوله سبحانه وتعالى { وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ). (سورة لقمان: 34) ما يمنع الأخذ بهذا التقدير بأكثر من كونه تقديراً. إذ يستحيل في أرض الواقع أن يكون الربح الذي تحقق فعلاً مساوياً ومطابقًا للمقّدر، فإن دفُع المحدد تقديراً وأختلف الفعلي عنه، كان في هذا أكل أحدهم لمال الآخر بالباطل.

وهذا بفرض أن البنك أستثمر المال وفق خبراته- والتي حدد بها الربح مسبقاً – مباشرة في التجارة أو الإجارة أو من خلال الاستثمار في شركة أو مشاركة أو مضاربة. ولكن الحقيقة أنه لا يستثمرها بنفسه، وأنما يقرضها الى من يستثمرها.

دعونا نفرض أن البنك يأخذ الأموال من المودعين بعقد مضاربة، فيحسب دراسة يقرر بها الربح الذي بموجبه يلتزم بالعائد الذي سيعطيه للمودعين ويلتزم لهم وقت إيداعهم المال بإعادة رأس مالهم وبهذا الربح. (وسبق أن قلنا إن الإلتزام بإعادة مالهم مع زيادة فهذا ربا، ولكن لنعود للمثل الذي نعرضه).

ثم يدفع البنك هذه الأموال مضاربة مرة أخرى إلى من يستثمرها فيحدد ربح هذه المعاملة الثانية مقدماً أيضاً بناء على الدراسات التي تحدد ما سيعمله المستثمر (في المضاربة لا يحدد صاحب المال العمل وأنما يحدده المضارب دون تدخل صاحب المال، ما علينا ولندع البنك يقدر الربح)، وهذا الربح يكون عادة أعلى من الربح الذي حدده للمودعين.

الذي أخذ المال ليستثمره، لا يهم البنك إن كان ربح أو خسر، فقد ألزمه بإعادة المال ومعه الربح أي الزيادة، أي كان نتيجة المشروع الإستثماري الذي نفذه. فإن أخذ البنك الزيادة على ماله المضمون فقد أربى.

أما القول أنه شاركه في الربح والخسارة، وان البنك ربحه مضمون، فهذا خداع  للنفس، فلا شيء مضمون. والقول أن البنك أستثمر المال بنفسه، فكلنا نعلم أن هذا ليس صحيحا، فإن فعل وخسر البنك أو نقص الربح عن المقدر، يظل ملتزما أمام المودع بالمال وربحه، والمودع يأخذ ربحا على مال مضمون  فيكون قد أربى. 

لا مانع في التقدير إذا كان تقديراً وإذا نَص العقد على أن الربح بينهما والخسارة على المودع،  وعلى ألا يؤخذ بالتقدير وإنما يؤخذ بالنتائج الفعلية أيما تكون، أما العقد القائم على الأخذ بالتقدير -مع إمكانية معرفة الربح الحقيقي- فهو عقد تكتنفه جهالة ولا يصح معها. ولا يجوز لمسلم أن يقبل بربح مضمون على ماله المضمون، فإن حقق ماله ربحاً سقط حقه في الربح بقبوله ضمان ماله.

الحقيقة أن هذا البنك يأخذ المال من المودع لقاء فائدة يسميها ربح أو كيفما يشاء فهي تظل فائدة وان اختلفت المسميات، ويقرضها إلى أصحاب الأعمال لقاء فائدة أعلى مما يدفعه إلى المودع، ولا يأبه إن ربح إستثمار أصحاب الإعمال أو خسر. ولو نظرنا الى الفوائد أو الأرباح التي تدفع عن مختلف العملات، نجد أنها لا تتحدد نسب هذه الفوائد وفق الأرباح المقدرة وإنما تحدد غالباً وفق سياسات إقتصادية في بلاد العملات الرئيسية وتختلف وفق العملة لا وفق التجارة أو الإستثمار، وإلا كيف يمكن تفسير إختلاف فائدة وديعة الدولار عن الإسترليني عن غيرهم من العملات في بلد واحد وظروف إستثمار واحدة. وكيف تكون أرباح كل التجارات والأستثمارات في الصناعة والزراعة والعقار وغيرهم في بلد واحد كلها متساوية كأن كل المشروعات خلال هذه السنة أنتهت على نفس الربح، كلام لا يصدقه صاحب عقل سليم..

الربا بيّن وواضح ولا يصح التقول فيما ورد في تحريمه نص قرآني، لا شك هنا ولا ريبة، والربح قبل حدوثه في عالم الغيب، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً، ولا يجوز في الشريعة الخرص أي التقدير إلا إذا تعذر معرفة الكيل أو الوزن، وهذا يسمح به في بعض البيوع والزكاة والمقاسمة، أما إذا أمكن معرفة الكيل أو الوزن لم يجز الخرص أي التقدير، ولهذا لا يجوز الأخذ بالتقدير مع إمكانية العلم بالعائد الفعلي عند نهاية الإستثمار. بل والخرص أي التقدير الذي جاء ذكره وأباحه الشرع في الحدود الضيقة المذكورة هو تقدير شئ موجود حاصل تراه العين وتقدره ولا يحتمل فيه الغرر بمعنى تقلب الشيء بين الوجود والعدم، أما التقدير المستقبلي الملزم مع إحتمال الغرر فيه فهذا لا يجوز.

وأخيرًا، كلنا نعلم أن البنك الربوي لم يقم بأي دراسة جدوى، ولم يقّدر أي ربح، وفي العموم؛ ليس في نيته الإستثمار في مشروع يحتمل الربح والخسارة، فهو دائما رابحا، لأنه في الواقع يقرض المال لأصحاب الأعمال وغيرهم لقاء فائدة، ومال القرض والفائدة مضمونان، فتكون الفائدة زيادة بغير عوض على مال مضمون، وهذا هو الربا.

 

الفائدة هي تعويض نقص القيمة الشرائية للمال:

وهناك أيضاً موضوع العملات –غير الذهب والفضة- التي قد يغلب عليها إحتمال تغير قيمتها الشرائية زيادة أو نقصاناً بدرجة كبيرة. القرض قد يكون عدداً من العملات الرائجة يرد بنفس العدد من نفس العملات الرائجة، أو –في حالة العملات التي يغلب عليها أحتمال تغير قيمتها الشرائية- يكون القرض بالقيمة الشرائية لهذه العملة المحتمل تغيرها على أن ترُد نفس القيمة الشرائية لها في الأجل، ونلفت الإنتباه هنا أن جواز القرض على القيمة مختلف فيه بين الفقهاء، والأكثر لا يجيزه، لأن الديون تٌقضى بأمثالها، وما تناولوه هو قرض على عدد من النقود الرائجة، نقصت قيمتها بعد تسليمها، فلما جاء أوان سدادها إختلف المتعاقدان هل يرد العدد أم القيمة، فرأى أكثر الفقهاء أنه يرد العدد، وقال البعض لو كان الإختلاف في القيمة فاحشا، أي الثلث أو أكثر، إما يرد القيمة أو يتقاسما. وهذا الموضوع يحتاج دراسة خاصة به، وما نعرضه يختلف عما ذكرناه، إذ أنهما يتفقان إما على العدد أو على القيمة ويتعاقدا على أحدهما قبل تسليم المال. ولهذا نرى الجواز شرط أن يتم تثمين القيمة وفق أدق المعايير من قبلِ خبير شرعي متخصص في التثمين. ومتى أجاز الفقهاء هذا القرض بشروطه، يصح القول آنذاك بجواز العقدين متى أتفقا وتحدد أيهما عند التعاقد، أي إما العقد على العدد أو العقد على القيمة.

وجواز الأول لأن صاحب المال قد رضى أن يكون ضمان قيمته عليه فإن أرتفعت فله وإن إنخفضت فعليه، والمقترض كذلك، فجاز لأن الخراج بالضمان، ولهذا يشترط الإتفاق المسبق.

أما جواز الثاني، لأنهما أتفقا على القيمة فأقرضه قيمة المال وكان على الثاني رد قيمته، كأنه أقرضه ذهبا أو فضة أو عروضًا، فوجب عليه رد ثمن مثل الذهب أو الفضة أو العروض عند حلول الأجل أي يكون ثمن المثل آنذاك.  شرط أن يتم الأتفاق المسبق وفق ايهما؛ فإن كان على العدد رد مثله، وإن كان على القيمة رد مثلها كثر العدد ام قل. 

ويجب التأكيد هنا على أهمية شرط الإتفاق وتحديد هل القرض على العدد أم على القيمة عند الإتفاق وقبل تسليم المال. ومتى أتفقا على أحدهما يعقدان عليه ولا ذكر للآخر في العقد.  

فإن كان عقدهما على القيمة تحدد القيمة الحاضر يوم تسليم المال بتحديد أن المال يشترى وزنًا يحدد من الذهب أو من الفضة أو غيرهما مما يتفقا عليه ويجيزه الشرع. فإذا جاء أجل أداء القرض يثمّن في وقته ثمن ما اتفقا عليه ويعاد هذا الثمن سدادا للقرض، أي كان العدد أكثر أو أقل. ويقوم بالتثمين في الوقتين خبير تثمين له دراية في التجارة وفي العلوم الشرعية.

وهذا يدخلنا في موضوع مهم، هو أن الدائن قد حفظ قيمة ماله النقدي لو إنخفضت قيمة هذا النقد وبهذا يكون قد انتفع من القرض، إلا أن هذا ليس صحيحاً، فهو قد قرر فى ذلك الوقت أن هذه الأوراق النقدية الرائجة يغلب الظن أن تنخفض قيمتها ولو لم يقرضها لحولها هو إلى مال آخر كالذهب أو العروض أو الغلة أو غيرهم مما يحافظ على قيمته، فهو إن لم يظن احتمال انخفاض قيمتها فلماذا يربطها بقيمتها الحال وليس بعددها. والذى يأخذ مال القرض يستهلكه فى حينه بقيمته الشرائية آنذاك فيستبدله بغيره أو يستثمره فيُستبدل بمال غيره، فإن فعل فقد ملك سلعة أو صورة أخرى من المال حتى أوان سداد الدين فإن باعها يبيعها بقيمتها من النقد الرائج وقت البيع وهذا هو ما عليه رده، أى إنه أخذ النقد ليشترى به قدراً معيناً من الطعام أو العروض فإذا حل الأجل فعليه رد مثل هذا القدر من الطعام أو العروض، لأن المال وسيط فى هذه الحالة وكأنه داينه العروض مباشرة، ولا يصح أن يبقى النقد فى يده طوال مدة الدين فإن فعل فلماذا أخذه من صاحبه فى المقام الأول. وأيضًا قد يرغب المقترض أن يقترض بالقيمة لو توقع إرتفاع قيمتها، ليردها بقيمتها الحاضر لأنه أستخدمها وبدلها وقت القبض.

ولا يجوز هذا القرض بالقيمة فى إقراض الذهب أو الفضة أو الأموال غير النقدية كالعروض والغلة والتى ترد مثل عددها أو كيلها أو وزنها مثل بمثل، وأنما يوصى به فقط فى العملات الورقية أو المعدنية التى اكتسبت قيمتها باتفاق الناس وقبولهم، والتى تزيد قيمتها عن قيمة معدنها أو ورقها، والتي تتقلب قيمتها الشرائية زيادة ونقصانا بدرجة كبيرة، وما خبرناه في العقود الخمسة الماضية أن قيمتها الشرائية في الأغلب تنقص كل سنة عن التي قبلها.

وأخيراً، نعود لنرد على القائلين أن الفائدة البنكية هي لتعويض نقص القيمة الشرائية للنقود الرائجة، فنقول أنه لا يجوز وقت قبض القرض إشتراط زيادة معلومة عوض تغير في القيمة مجهول، لا يعرف أتنخفض قيمة النقد أو ترتفع، وان انخفضت وإن أرتفعت فبكم؟  كل هذا في علم الغيب ولا يعرف التعويض إلا عند حلول الأجل. ولا يصح العقد لما يكتنفه من غرر وجهالة، الغرر الذي لا يدرى هل يحصل أم لا، والجهالة في عدم تحديد تغير القيمة وعدم تساوي العوضين.

  

والنتيجة التي نصل إليها: الفائدة البنكية ربا.

مما سبق .. نجد أن الفائدة التى تدفعها البنوك التقليدية لقاء الأجل هي زيادة على مال مضمون، ، وكل زيادة دون عوض على مال مضمون فهي ربا.. وكذلك الفائدة التي يتقاضاها البنك زيادة على ما يقرضه للمحتاجين ولأصحاب الأعمال فهي ربا لأنها أيضًا زيادة دون عوض أشترطها المقرض زيادة على ماله المضمون.

وقد نهى الإسلام عن إكتناز المال وتعطيله لما في هذا من إضرار بالمجتمع وبصاحبه، وحث على تنمية المال وعلى العمل فلا تُعطل الطاقات المنتجة في المجتمع الإسلامي، والسبل الشرعية لإنماء المال هي إما بالعمل فيه أو بدفعه إلى من يعمل فيه.وقد حرم الشرع الفائدة الربوية، ولا يحرم الشرع معاملة يحتاجها الناس إلا ووفر بديل لها أفضل منها. وقد وفر الإسلام معاملة المضاربة لقضاء حاجة الناس الذي يرغبون تنمية أموالهم وليس لهم قدرة أو خبرة في مجال الإستثمار، ولقضاء حاجة من لديه الخبرة والقدرة على العمل ويعوزه التمويل. المضاربة هي المعاملة يقوم عليها الإقتصاد الأسلامي الصحيح، والتي نأمل أن تتعامل بموجبها البنوك والمؤسسات الإسلامية مع المودع من جهة، ومع أصحاب الأعمال الذين تمول مشروعاتهم من الجهة الأخرى.

 

<< previous page next page >>