الفصل السابع – القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد ان يسلم رأس المال إلى صاحبه، فلا يكون ربح إلا بعد كمال رأس المال وما تبقى من المال بعد إعادة رأس المال يكون ربح المضاربة فيقسمانه على الشرط الذي اتفقا عليه.

ومن الأمور المهمة في المضاربة هو متى يملك ومتى يستحق أو يأخذ العامل نصيبه من الربح، والملك يقصد به هنا هو الملك الذي يعطي لصاحبه  الحق في المال ونمائه ولا يعطيه الحق في التصرف به خارج نطاق المضاربة، أي أن المال ماله الا أن تصرفه فيه مقيد بشروط عقد المضاربة فلا يجوز له أخذه من مال المضاربة إلا بعد القسمة، والاستحقاق هو الملك التام الذي يمنحه الحق في أخذ المال والتصرف فيه كما يشاء. والسؤال هو هل يملك المال بالظهور أم بالقسمة وتسليم رأس المال إلى صاحبه؟

قال ابن رشد (جزء 2 ص 237): ”ولا خلاص بينهم ان المقارض انما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال وانه ان خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح“.

ويقول ابن حزم في المحلى (جزء 8 ص 248): ”وما ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه. فإن لم يفعلا وتركا الأمر بحسبه ثم خسر في المال فلا ربح للعامل، وأما اذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه، فإن لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما وذلك مباح“.

ويقول ابن قدامة (جزء 5 ص 41): ”وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال، يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران وربح جبرت الوضيعة من الربح، وسواء كان الخسران والربح في مرة واحدة أو الخسران في صفقه والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى، لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح“.

وقد اتفق الفقهاء في كل المذاهب أن الخسارة في المال بعد تصرف العامل فيه تجبر بربح ما بعدها، إلا أن ينضض المال ويعاد ما بقى منه إلى صاحبه، فإن دفعه إلى العامل… كانت مضاربة جديدة لا يجبر ربحها خسارة السابقة. أما إذا كان التلف قد أصاب بعض المال قبل أن يتصرف العامل فيه… فإن المضاربة تفسد عند بعض الفقهاء في الجزء الذي هلك فقط، وتصح فيما سلم وبقى من رأس المال، فلا يجبر ربحه ما تلف قبل التصرف. وقال المالكية- وفي رأي عند الشافعية والإمامية- إن الربح يجبر ما تلف، إلا إذا أعاد العامل الباقي إلى رب المال فدفعه إليه رب المال مضاربة جديدة.

وقد قالت الحنابلة والزيدية والإمامية والشافعية في رأي لهم، إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وقالت المالكية والأحناف والشافعية في الرأي الأظهر عندهم، وفي رأي ثان عند الإمامية إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وللإمامية رأي ثالث… يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند إنضاض المال.

ومنع الأحناف والمالكية، وفي الرأي الأظهر عند الشافعية أن يأخذ أحد المتعاقدين شيئاً من الربح قبل القسمة، قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل فيه فربح، فأراد أن يأخذ حصته من الربح وصاحب المال غائب، قال: لا ينبغي له أن يأخذ منه شيئاً إلا بحضرة صاحب المال؛ وإن أخذ شيئاً… فهو له ضامن حتى يتحاسبا ويتفاصلا والمال غائب عنهما، حتى يحضر المال فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على شرطهما.

واتفق الفقهاء أن العامل لو أخذ نصيبه من الربح بعد القسمة بإذن رب المال والمضاربة مازالت بحالها، وحدث بعد ذلك خسر في المال لزمه رد ما أخذ من ربح؛ أي إن القسمة ليست انتهاء مضاربة وبدء مضاربة جديدة، ولا يكون هذا إلا برد المال إلى ربه واقتسام الربح بينهما وقبضه فتنتهي المضاربة. بينما قال الزيدية والظاهرية إن القسمة مانعة من استرداد الربح، وقالت الأحناف والمالكية بعدم جواز أخذ أحدهما شيئاً من الربح قبل القسمة وسلامة رأس المال.

مما سبق… نجد أن الصورة العامة لما تتفق عليه المذاهب هي كما يلي(والمذاهب التي أجازت ملك العامل للربح عند ظهوره تجيز بالطبع ذلك عند القسمة):

1- يجبر الربح خسارة ما سبقه، وتنجبر الخسارة من ربح ما سبقها، ما دامت المضاربة مستمرة ولم يقتسما المال، إلا أن تكون الخسارة قبل التصرف لسبب قاهري خارج عن إرادة العامل.

2- إن الربح لا يجب اعتبار تقديره والمال عروض، ولا يعرف إلا عندما يكون المال ناضا، فإذا أصبح المال ناضا وظهر فيه ربح، فإما أن يعاد رأس المال إلى ربه ويقتسمان الربح بينهما فيأخذ كل منهما نصيبه من الربح  وتنتهي المضاربة، أو أن يستمر العامل في المضاربة فيشتري ويبيع… فإن خسر يجبر ربح البيع الأول خسارة البيع الثاني.

وإن أصبح المال ناضا وظهرت فيه وضيعة، فإما أن يعيد العامل ما بقى من مال إلى ربه وتنتهي المضاربة، وإما أن يستمر العامل في المضاربة… فإن ربح جبر ربح التجارة الثانية خسارة الأولى.

3- يمتلك العامل ورب المال نصيبهما من الربح عند القسمة ورد رأس المال.

4- إذا أخذ العامل جزءاً من ربحه قبل القسمة وإن إذن له رب المال… كان هذا المال الذي أخذه بمثابة دين في ذمته وكان ضامنا له، حتى تتم القسمة ويرد رأس المال إلى صاحبه… فإن كان نصيبه من الربح أقل مما أخذ… فعليه أن يرد الفرق، وإن أصابت رأس المال وضعية رد كل ما أخذه.

5- إن المضاربة التي يتاجر فيها العامل عدة مرات, تعتبر مضاربة واحدة يجبر ربح تجارة فيها خسارة الأخرى.

6- تختلف النتيجة كليةًً إذا أعاد المضارب المال- سواء كان فيه ربح
أو خسارة- بعد كل تجارة وعند كل نضوض للمال فاقتسم مع رب المال, ثم دفع رب المال المال إليه قراض جديد ليتجر به, لا تنجبر خسارة تجارة بربح أخر، فيكون للعامل نصيبه من ربح كل المضاربات التي ربحت، ولا شيء عليه من وضيعة المضاربات التي خسرت.

ولو أخذنا بما سبق … نجد أن مصلحة العامل في إجراء القسمة لإنهاء كل مضاربة سواء كان فيها ربح أو خسارة، ومصلحة رب المال في الاستمرار إلى أن يحتاج المال، وللعامل حق إنهاء المضاربة كلما نض المال، فما الذي يدعوه إلى الاستمرار؟ قد يكون السبب خوف العامل ألا يدفع إليه رب المال المال مرة أخرى, فيستمر في العمل آملاً في تحقيق الربح إن كان خسر أول مرة أو زيادته لعدم ظنه الخسارة في التجارة الثانية. لكن رب المال له نفس الحق في إنهاء المضاربة وعند المالكية متى نض المال، وهو لن ينه المضاربة إن كان ينوي الاستمرار، فمصلحته أن يبقي كل الربح لتعويض ما قد يحدث في المستقبل من خسارة، ولا يعني هذا ظنه الخسارة لأنه إن ظن هذا… فلن يترك المال في يد المضارب، وإنماء لكون الربح الأول بمثابة عامل أمان ووقاية لرأس المال ومقصده… لم يزل في تحقيق الربح.

ورأى الحنابلة والإمامية وغيرهم أن العامل يملك الربح عند ظهوره أو عند إنضاض المال، والأغلب أن الحنابلة قصدوا بالظهور ظهوره عند إنضاض المال؛ لأنه إن لم ينض المال يكون الربح تقديراً جزافياً وهذا لا يعتد به لما يكتنفه من جهالة، هذا الرأي قد لا يتعارض مع الآراء الأخرى إن قصد غيرهم استحقاقه بمعنى أخذه من المال وهذا لا يحق له إلا بعد القسمة وإعادة رأس المال إلى صاحبه.

يقول ابن قدامة في المغني * (جزء 5 ص 57): ”لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح ولا نعلم في هذا خلافا، وأما ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرد الظهور قبل القسمة فظاهر المذهب أنه يثبت. هذا الذي ذكره القاضي مذهباً، وبه قال أبو حنيفة. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يملكه إلا بالقسمة، وهذا مذهب مالك. وللشافعي قولان كالمذهبين. واحتج من لم يملكه بأنه لو ملكه لاختص بربحه، ولوجب أن يكون شريكاً لرب المال كشريكي العنان“.

والربح مال حقيقي وقد جد فعلاً بعد التجارة الأولى، وهو مال يجب أن يكون له صاحب، والمضاربة هي عقد مشاركة في النماء، ومتى تحقق النماء … تحققت المشاركة فأصبح النماء مملوكاً بالشرط. أما استحقاق العامل حق التصرف فيه فيكون وفق شروط العقد، وهو بعد تسليم رأس المال إلى صاحبه، أما إذا قلنا أن المال مال المضاربة، وشركة المضاربة بشخصيتها الاعتبارية تملكه حتى تنفسخ أو تنتهي… لوجب إعادة صياغة أحكامها؛ لأنها مبنية على أن المال ملك رب المال، وأن العامل وكيل عنه في التصرف، فإن تحقق ربح فهي مشاركة في الربح، وهذا ما يجب أن يكون لطبيعتها الخاصة ولا يصح تغييره، وقال الحنابلة في المغني* (جزء 5 ص 57): ”أن هذا الربح مملوك فلا بد له من مالك، ورب المال لايملكه اتفاقاً، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يملكه للمضارب، ولأنه يملك المطالبة بالقسمة فكان مالكاً كأحد شريكي العنان. ولا يمنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب رأس المال من الربح، وبهذا امتنع اختصاصه بربحه. ولأنه لو أختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر مما شرط له ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه“.

جاء في كتاب الأم – المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، الطبعة الأولى 1321هـ (جزء 2 ص 235): ”قال الشافعي رحمه الله لا يجوز أن أقارضك بالشيء جزافا لا أعرفه ولا تعرفه. فلما كان هكذا، لم يجز أن أقارضك إلى مدة من المدد وذلك أني لو دفعت إليك ألف درهم على أن تعمل بها سنة، فبعت بها وأشتريت في شهر بيعا فربحت ألف درهم، ثم اشتريت بها كنت قد اشتريت بمالي ومالك غير مفرق، ولعلي لا أرضى بشركتك فيه، واشتريت برأس مال لي لا أعرفه، لعلي لو نض لي لم آمنك عليه أو لا أريد أن يغيب عني كله“.

فإن سلمنا بأن نصيب العامل من الربح مملوك له، وليس لأحد غيره ملك فيه، فإن له حقاً في نماء هذا المال إذا نما، فإن عمل بعد ذلك… كان هذا الجزء من المال منه والعمل منه، فكان له كل ربحه وعليه كل خسارته، فإن لم يكن له ذلك، فلمن يكون ورب المال لا مال له فيه ولا عمل؟ وقد يقال إن رب المال لن يصيب منه شيء أبداً، لأنه في حال الربح سيأخذه العامل، وفي حالة الخسارة … سيأخذ رب المال رأس ماله منقوصاً. وهذا ليس صحيحاً في حالة الربح؛ لأن الشرط في المضاربة التي عقداها أن العامل نصيبه من نسبة الربح العائدة إلى العمل، ورب المال يأخذ نسبة الربح العائدة إلى كل المال؛ فتشمل الجزء المخصص للمال من نماء الربح السابق للعامل، فيأخذ رب المال ما لا حق له فيه.

وبالطبع … لو اشترى العامل سلعة بنصف المال، وسلعة أخرى بنصف المال الثاني، تنجبر خسارة الأولى بربح الثانية، ولا حق أو ملك في ربح الأولى لأن المال لم يصبح كله ناضاً بعد، وكذلك لو أخر الثانية فاشترى بها بعد تنضيض الأولى وكذا؛ أي إن المال كله لم ينضض في وقت واحد، فنضوض كل المال شرط من شروط معرفة الربح، وهو لا يملك الربح إلا بظهوره ناضاً ومنفصلاً عن رأس المال.

فإن نض كل المال وظهر فيه ربح… فيمكن للعامل أن يقوم بإعلام رب المال باجتماعهما أو بالكتابة إليه بذلك، بحضور المال ل أو بحضور ما يفيد وجوده كوديعة في بنك وخلافه، فيقتسمان وإن اختارا استمرا وكان حكم الاستمرار حكم مضاربة جديدة… فإن أبقيا المال كما كان، يكون العامل شريكاً بربحه السابق ومشاركاً بعمله، وإن وزعا الربح فلرب المال أن يدفع رأس مال جديد إلى العامل في مضاربة جديدة، وللعامل أن يشارك في رأس مالها إن أراد ذلك دون شرط عليه.

جاء في كتاب الأم (جزء 2 ص 237): ”المحاسبة في القراض: قال الشافعي رحمه الله: وهذا كله كما قال مالك إلا قوله يحضر المال حتى يحاسبه فإن كان صادقا فلا يضره يحضر المال أو لا يحضره“.

ولا يوجد سبب يوجب عليهما- إن كان ما رغبا فيه هو مضاربة  جديدة – أن يتم تحويل المال من البنك إلى رب المال ثم إعادة تحويله مرة أخرى من حساب رب المال إلى العامل، وهذه تكاليف لا داع لها والعقود بالنيات والمقاصد، وطالما أنه ليست هناك شبهة في عدم وجود المال وأظهرته المستندات الثبوتية البنكية، وطالما أن الحساب النهائي والقسمة تم تثبيتها كتابياً، ثم عقدت المضاربة الثانية وفق الشروط الصحيحة، ولم يتخلل القسمة أو الحساب أو الاتفاق جهالة أو غرر أو ما قد يوشبها… فالأولى الاعتبار بها وإن لم يتم التسليم باليد، فهو قد تم حقيقة بالاتفاق والكتابة.

أما إذا وجد المضارب الخير في الاستمرار لعدم قدرته الاتصال برب المال، أو لأي سبب وجيه آخر يمنعه من ذلك… فله أن يستمر في المضاربة؛ فإن فعل تنجبر خسارة تجارة من ربح غيرها… إلا أنه يجب التنويه هنا أن من العدل اشتراط أن يعلم المضارب رب المال كلما نض المال إذا تيسر ذلك؛ وخاصة وإن المالكية قد قالوا إن العقد ملزم إذا كان المال عروضاً؛ فرب المال له حق في المال وقد يحتاجه، أو قد يعجل العامل بشراء العروض؛ ليبقى المال في يده إن هو خسر في أول تجارة. وإن كان العقد غير ملزم عند جمهور… إلا أن فسخه أصعب والمال عروض عن فسخه وهو ناض.

وموضع توزيع الأرباح بصورة دورية له بالغ الأهمية عند البنوك الإسلامية، لأهميته في إرضاء المودعين ولما جرت عليه العادة في هذا الزمان، والمودع وهو رب المال قد يحتاج الربح ولكنه يرغب في إعادة إستثمار ماله، والعامل من مصلحته إنهاء المضاربة عند كل إنضاض لحفظ حقه في الربح… إلا أنه يرغب أيضاً في الاستمرار، ومن طبيعة البنوك أنها تحبذ توزيع أرباح دورية لتجذب مودعين جدداً، ومتى اتفقت وصلحت النيات، يمكن الاتفاق بينهم- والمال ناضا في حساب البنك- على القسمة وبدء مضاربة جديدة، دون الرجوع إلى الشكليات كتسليم المال إلى المودع؛ لأن المال في الحساب البنكي هو أصلاً ملك المودع والبنك  وكيلا عنه في التصرف.

ولا يجوز بأي حال توزيع أرباح مضاربة  على المودعين أو العامل والمال أو بعض المال عروض، لما سيكتنف هذه التقديرات من جهالة ولأن الربح قد تعقبه خسارة… فإن أراد البنك توزيع أرباح تقديرية دورية إلى أرباب الأموال، فإما أن يكون هذا المال الموزع من احتياطي البنك كقرض من البنك يُسترد عند إعادة رأس المال، أو من رأس المال لأن رب المال له أن يسترد جزءاً من رأس المال برضى العامل في الرأي الأظهر، فينقص رأس مال المضاربة بهذا القدر، ولا يعاد إلا المتبقي منه عند إنضاض المشروع والقسمة، فيحتسب الربح بما يتبقى من مال المضاربة بعد إعادة رأس المال المنقوص. ولا يجوز توزيع أرباحاً تقديرية إلى البنك أو العامل؛ لأن لا مال لهما لأخذ ما دفع لهم إذا خسرت المضاربة في النهاية، ولأن المال الذي أخذاه ينقص رأس المال المضارب به وتقدير الربح لا يمكن الاعتبار به وبعض المال عروض.

وقد ذهب البعض- في عصرنا هذا- إلى الأخذ بتقدير الربح في الاستثمار الجماعي، ونحن إن كنا نتفق معهم في هذا فيما يتعلق برب المال، إما: بانقاص ماله أو بتضمينه لما أخذ والأصح إنقاص ماله، نجد أن تطبيقه فيما يتعلق بالمضارب لا يصح ولو بضمان منه برده إن كان في المال وضيعة فيما بعد؛ لأن المال يكون قد نقص فتقل التجارة ويقل الربح عما كان يجب أن يكون، إلا بالأذن الصريح من رب المال ويكون قرضاً للمضارب؛ فرب المال وحده له حق انقاص المال.

وأخيراً … تجدر الإشارة هنا إلى مسألتين لهما علاقة بهذا الموضوع، الأولى: أن الفقهاء قد منعوا خلط الأموال بعد بدء العمل؛ خاصة إذا اشترط رب المال هذا الخلط، حتى لا تنجبر خسارة مال من ربح الآخر فيصيب العامل ضرراً من جراء ذلك، وهذا مثل ما يحدث في المضاربات التي تتعدد فيها التجارة والأسفار دون قسمة.

والثانية: إن المضاربة منذ العصر الجاهلي حتى القرن الماضي، والتي تعلقت بسفر، مثل مضاربات قوافل الشام واليمن في الجاهلية والعصر الإسلامي ألاول… كان التاجر يأخذ المال في مكة؛ فيشتري بضاعة يتجه بها إلى الشام فيبيعها وينضض المال، فيستحيل عليه أن يقتسم وصاحبه في مكه، فيشتري بضاعة من الشام يحملها إلى مكة فيبيعها فينضض المال ثم يذهب إلى صاحبه فيعيد له رأس ماله، ويقتسمان الربح على شرطهما. وهو إن ربح في تجارة الذهاب، وخسر في تجارة الإياب جبر ربحه الأول الخسارة التالية، فليس هناك سبيل آخر للقسمة إلا أن تكون كلمة المضارب مصدقة، وهذا قد يؤدي إلى النزاع والخصام، وقد يستغله بعض النفوس الضعيفة من أصحاب العمل، ولو نظرنا إلى المصلحة العامة… لوجدنا أن اعتبارها مضاربة واحدة هو الصحيح في هذه الظروف، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء، فالمصلحة تفوق احتمال الضرر والذي قد يندر حدوثه لما سبق ذكره عن ربح هذه المضاربات شبه المؤكد، وفي حالة الربح… فإن الفرق متناه في الصغر ولا يعتد به إذا كان في تجارتين أو ثلاث.

أما… وقد تيسر الاتصال الهاتفي والبرقي وقربت المسافات بوسائل السفر الحديثة، فلا سبب يدعو لعدم حساب كل تجارة على حدة، إذا كان هذا ما يرغبه العامل عند كل إنضاض، ولم يمنعه أحد من الفقهاء عن هذا وإنما اشترطوا عليه أن يعيد رأس المال أو ما تبقى منه.

والمقصود من إعادة رأس المال في الأغلب، هو التأكد من وجوده، وإعطاء رب المال كامل الحرية في أخذه أو دفعه مرة أخرى إلى العامل في مضاربة جديدة، وربما بشروط جديدة أيضاً، وهذا يمكن إثباته فالمال الناض سيكون في حساب البنك.

جاء في المغني لابن قدامة * (جزء 5 ص 61 – 62): ”قال يقاسمه ما فوق الألف، يعني إذا كانت الألف ناضة حاضرة إن شاء صاحبها قبضها، فهذا الحساب الذي كالقبض. فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية. كما لو قبضها منه ثم ردها إليه“.

ورب المال متى أُعلم بنضوض المال له أن يعزل العامل أو يتفق معه من جديد. وهذا يمكن في المضاربة الثنائية أو الثلاثية، أما المضاربة التي يكون فيها أرباب المال هو مودعو البنك… فسيتصل العامل بالبنك ثم على البنك أن يتصل بعدد كبير من مودعيه، وهذا غير عملي، ولهذا… يتوجب على البنك أن يحصل على هذا التفويض عند العقد معهم؛ فيصنفهم وفقاً لأقل المدد التي يرغبون فيها استثمار أموالهم بناء على حاجتهم المستقبلية لها، فيجمع كل من استثمر لمدة واحدة في مضاربة واحدة، ويجب التنويه أن العقد غير ملزم ولهم فسخ المضاربة في أي وقت، إلا لو أخذنا برأي المالكية.

ولو قلنا إن اجتماع المودعين كرب مال المضاربة هو – في الحقيقة – شركة الغرض منها توظيف المال في المضاربة؛ إن المودعين يمكن أن يعقدوا شركة بينهم يكون البنك شريكاً فيها بسهم من رأس مالها، ويكون له التصرف والإدارة لقاء نصيب من الربح، فيدفع المال مضاربة إلى العامل ويكون تصرفه في المضاربة تصرف رب المال، وتكون هذه الشركة- والممثلة بالبنك- هي رب مال المضاربة وليس المودعين. وقد كره المالكية اجتماع شركة مع المضاربة بينما أجازها غيرهم من الفقهاء، جاء في المدونة (جزء 4 ص 58): ”وقال مالك لا يصلح أن يقول: أقارضك بألف على أن تخرج من عندك ألف درهم أو أقل أو أكثر على أن تخلطهما بألفي هذه تعمل بها جميعاً، فكره مالك هذا“. وقد علل المالكية ذلك بأن الشراء يكون أكثر، فيزداد الربح والفضل، فيصير رب المال الذي دفع المال قراضا قد جر إلى نفسه منفعة غيره، ونرى فيه اشتراط من قبل رب المال تفسد معه المضاربة.

وهذا يدور بين رب مال وعامل، ومنفعة الشراء الأكثر تعود على المالين، وفيه اشتراط من رب المال على العامل الذي رخصت المضاربة معه لعمله لا لماله. ولم يمانع الأحناف والشافعية والحنابلة اجتماع الشركة والمضاربة في عقد واحد، وقصدوا بذلك في الأغلب أن يكون المال من رب المال ومن المضارب، أو بين أرباب مال.

إلا أن الشركة هذه قد تعطي البنك تفويضاً أكثر مما تحتمله طبيعة علاقة المودع بالبنك، ويتم التعاقد بين أطراف الشركة باجتماعهم وهذا لا يحدث هنا، ولهذا… فالحل الوسط المناسب يكمن في الاكتفاء بتفويض البنك بالدخول في مضاربات متعددة متتالية، ويشمل التفويض تصرف البنك بإنهاء المضاربة والبدء بمضاربة أخرى جديدة، ومتى تم هذا يمكن للبنك توزيع أرباح المضاربة الأولى على مودعيه أو دفعها مع رأس المال كرأس مال جديد في المضاربة الجديدة، وهذا يتوقف على اتفاق البنك مع المودع في عقد الإيداع الأصلي.

أما عن عادة البنوك توزيع أرباح دورية بمعدل ربح واحد إلى كل مودعيها … فهذا يتنافى مع مفهوم المضاربة… فإن كان لابد منه… فيكون إنقاصاً للمال؛ حتى يثبت الربح ويتحقق بالتنضيض، وتوزيع معدل ربح واحد لكل مودعيه يعني بالضرورة أن هذه الأموال قد استثمرت في نفس المضاربات، وهذا لا يصح إلا لو كان الإيداع في وقت واحد، وهذا لا يقبله المنطق السليم، ولهذا… يجب أن يكون توزيع الربح عند انتهاء المضاربة ووفقاً لنصيب أرباب المال من المضاربات التي وزع عليها البنك أموالهم وليس من معدل نتائج استثمارات البنك ككل. فإن نتج عن هذا أن ربح بعضهم أكثر من بعض… فهذه هي المضاربة، ولا يصح تكييفها لإرضاء الناس، وعلى البنك أن يصدر كشف حساب بنكي لكل مودع يظهر فيه حسابه في صورة تبين أسماء المشروعات التي دفع ماله مضاربة فيها ونسبة ماله إلى رأس مال كل مضاربة، والتاريخ الذي دفع بالمال إليها، ونسبة نصيب رب المال من ربح كل مضاربة، فإن انتهت إحدى هذه المضاربات… بين في الكشف الذي يلي تاريخ انتهائها والربح الذي تحقق ونصيبه منها. ويجب إعلام المودع  صفة ما يوزع عليه بصورة دورية؛ فيبين الربح الذي تحقق فعلاً من الجزء الذي أُنقصَ به رأس ماله.

النماء الطبيعي والربح في المضاربة:

قال الظاهرية وكثير من غيرهم من الفقهاء إن النماء الذي يشارك فيه بين رب المال والعامل هو النماء الناتج عن العمل في المال، أما النماء الطبيعي فهو تبع للملك وهذا للمالك، كولد الماشية وثمر الشجر؛ لأنه شيء حدث في ماله، وإنما للعامل من حظه من الربح فقط، ولا يسمى ربحاً إلا ما نمى بالعمل فقط.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني: أركان عقد المضاربة: ثانياً: شروط المحل أو المعقود عليه

المعقود عليه هو الربح، ويتعين الربح بما يبقي في المال بعد إعادة رأس المال إلي صاحبه، ولهذا… كان لرأس المال شروط يتعين بها فيعرف الربح وتنتفي عنه الجهالة أو الغرر.

شروط رأس المال:

1- أن يكون رأس المال نقداً رائجًا، والقصد هنا أن يكون رأس المال وإيراد المضاربة من نفس الجنس والنوع فيعرف الربح، وأن يكون رأس المال معلوماً بالقدر حتي يتميز رأس المال من الربح. ولهذا… لاتصح المضاربة بالعروض، إلا أن يكون إيراد المضاربة من نفس جنس العروض فيعرف الربح، ومن الصعب تخيل مضاربة يكون رأس المال فيها سلعة أو عرض وإيرادها من نفس السلعة أو العرض، وإن أمكن تخيلها فلا تطبيق لها في عصرنا، ولا حاجة لنا ببحثها.

2- إن دفع رب المال بالعروض إلى العامل فيجب أن يبيعها العامل أولاً، ثم يضارب بعد إعلام المالك بثمنها، والذي يصبح رأس مال المضاربة، وبيعه للعروض خارجاً عن نطاق أعمال المضاربة، وله الأجر عليه من مال رب المال وليس من مال المضاربة أو ربحها.

أما إذا كان للعامل ولرب المال قصد في المضاربة بالعروض، يجوز في بعض الحالات أن يكون رأس المال عروضاً بشرط أن يكون مالاً مثلياً: أي ما له مثل ونظير في الأسواق من غير تفاوتاً يُعتد به كل ما يقدر بالكيل أو الوزن أو العد أو القياس، فيصلح تثمينه بالنقد دون بيعه. فقد يكون هذا المال سلعاً مما ينتجه رب المال، فوجد لها العامل سوق أخرى أربح من سوق بلدتهما، فرغب العامل في أن يبيعها في بلد أخر، ثم يشتري بثمنها بضاعة أخرى يبيعها في سوق بلدته، فمتى تم تثمين هذا المال… يمكنه إما: بيع جزء منه في سوق بلدته لإنضاض بعضه لتوفير النقد الذي سيحتاجه للمصاريف الأخرى كالنقل وغيره، أو أن يدفع إليه رب المال رأس المال في جزئين جزء عروض مثمن بنقد، وجزء أخر نقداً.

ومن المنطق السليم أن المزارع المنشغل في زراعته، والصانع المنشغل في مصنعه، يمكنها دفع إنتاجهما أو الفائض منه عن أسواقهما إلى تاجر يضرب في الأرض، وليس من المصلحة أن يشترط عليهما أن يبيعاه حتى يصبح نقداً، فالتجارة قائمه علي هذه البضاعة، وقد وجد صاحب العمل بخبرته سوقاً أربح لها، وقد يجد في هذه السوق بضاعة يربح منها لو جلبها، ومتي تحقق الوضوح في ثمن السلعة، فالأولى أن تجوز المعاملة لفائدتها.

وتثمين السلعة بثمن مثلها في السوق، يكون كأن صاحب المال قد نقلها من مخازنه إلى السوق، وباعها بثمن يشتمل علي ربح المنتج والتاجر، فيكون المنتج قد ربح قبل أن تبدأ المضاربة، وهذا لا يتعارض مع المنطق الصحيح؛ فهذا الكسب لا علاقة له بالمضاربة ويعود إلي عمله السابق في التصنيع أو الزراعة، والمضارب لا علاقة له بهما، وإن لم تحدث المضاربة… فإن رب المال سيبيعها في السوق، وسيحصل علي ربحه فيها والناتج عن عمله هو وحده. والتاجر ان لم يضارب مع صاحب المال هذا، لضارب مع صاحب مال أخر، يدفع له مالا نقدا فيشتري به هذه السلعة من السوق بثمن المثل، ولهذا… فالبند الوحيد الذي يجب أن يتفقا على خصمه هو تكلفة النقل وتكلفة البيع، وهذه تخصم كلها أو بعضها من ثمن المثل، وفق ما يتفقان عليه، ويكون الصافي هو رأس المال. وبهذا.. يكون التاجر صاحب العمل قد أنتفع من المال العروض أكثر مما كان انتفع به لو كان المال نقداً، ويكون صاحب المال قد انتفع بخبرة التاجر وعمله.

3- أما المضاربة بالدين… فإذا كان الدين على شخص ثالث، فلا مانع إن قبض العامل المال وعمل به، وله الأجر على هذا العمل الخارج عن نطاق أعمال المضاربة؛ فإن لم يستطع اقتضاء الدين… فلن تكون هناك مضاربة. أما إذا كان الدين علي العامل، فإما: أن المال موجودًا فالأصلح أن يرده العامل إلى رب المال، والذي له أن يدفعه بمشيئته ورضاه مضاربة إلى العامل، أو يبقيه في ملكه، فينتفي عن المضاربة أن يكون العامل قد ماطل في الدين على أمل أن يبقيه رب المال معه مضاربة، أو تكون الزيادة ملبسة ثوب الربح تحايلاً لتقاضي الربا، أو لا يكون المال أو بعضه متوفراً عند العامل فيعمل بأقل منه.

4-   أما المنفعة فقد قال عنها الشافعية في تحفة المحتاج (جزء2ص417): ”بأنها لا تصح أن تكون رأس مال في المضاربة“.

والمنفعة لا تجوز أن تكون رأس مال مضاربة؛ لأنها تستهلك ، ولا يمكن إعادتها إلي صاحبها كما يعاد رأس المال فلا يعرف الربح، والذي يتبقى بعد سلامة رأس المال. والمنفعة لا يمكن تقييمها بأثمان وقت التعاقد لأنها معدومة آنذاك، وتقيم وفق استيفائها في عمل أو خلال مدة زمنية، وكلاهما مجهولان عند التعاقد.

5- يشترط أن يكون رأس المال معلوم المقدار والصفة والجنس، ومعيناً تعييناً ينفي الجَهالة به، كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه، والذي يملكه رب المال وحده، من الربح الذي يشتركان في ملكيته.

6- يشترط أن يكون رأس المال حاضراً وموجوداً عند التعاقد، ويتحقق الحضور والوجود إذا سلم رب المال إلى العامل الوثائق التي تثبت وجوده، وتعطي العامل الحق في التصرف فيه، كأن يكون المال مودعاً في حساب بنكياً يكون للعامل حق التصرف فيه وفقًا لشروط العقد، فإذا كان رب المال بنكاً فيكتفي بالحساب المفتوح الذي يمنح العامل حق السحب إلي حد إقصى هو قيمة رأس المال، ويشترط ألا يحدد للعامل جدولاً للسحب أو حدودا لقيم الدفعات، طالما قيد هذا السحب بالحد الأقصى.

7-   يصح إضافتها إلي زمن مستقبلي كأن يقول ضاربتك بهذا المال من أول الشهر القادم، وعندئذ… لايحق للعامل التصرف في المال قبل هذا التاريخ كأن يشتري نسيئة.

8- لا يجوز تعليقها على شرط مستقبلي؛ لعدم فائدة التعليق، والأولى الإنتظار حتى يتأكد الطرف الذي يود تعليقها من حدوث ما كان يريد تعليقها لأجله، فالمضاربة يجوز لأي من طرفيها فسخها قبل التصرف، فتكون فترة التأجيل والتعليق لا إلزام فيها ولا جدوى من الاتفاق غير المنجز، بل وقد يضر هذا أحد الطرفين إذا امتنع عن دخول مضاربات أخري لأجلها ثم فاجئه الطرف الأخر بفسخها والمال ناض أو لم يسلم بعد، وتسري نفس الأسباب على إضافتها إلى زمن مستقبلي بعيد، كأن يتجاوز الثلاثة أشهر مثلاً.

9-   أما عن التخلية… ففي حالة المضاربة المطلقة والمقصود بها هي مضاربة المودع والبنك؛ فيجب أن يسلم المودع المال إلي البنك ويفوضه، ويمكّنه من التصرف الكامل فيه وفق مشيئته وفي حدود مضمون العقد، أما عن مضاربة البنك كرب مال مع العامل الثاني، ومراعاة للسيولة البنكية، ولأن المضارب في المشاريع الحديثه يصرف المال تدريجياً وفق جداول تدفقات نقدية يمككن تقديرها وضبطها… فالأفضل أن يفتح حساب للمضاربة في البنك يصدر منه العامل دفعات أعمال بحد أقصى يعادل رأس المال.

وهذا يوافق الرأي عند الحنابلة والرأي الأخر عند الإمامية من أن المضاربة تصح ولو اشترط رب المال بقاء يده على المال يوفي منه ثمن ما يشتريه العامل، جاء في مطالب أولي النهي في الفقه الحنبلي (جزء3): ”ولا يعتبر لمضاربة قبض عامل رأس مال، فتصح وإن كان بيد ربه، لأن مورد العقد العمل“. بينما منع  هذا الأحناف والمالكية والشافعية والزيدية والإمامية في رأي لهم. وفي ما قاله الشافعية يبين السبب الذي لأجله اشترطوا تسليم المال إلى العامل، والا يشترط رب المال بقاء يده عليه، وذلك لاحتمال ألا يجده العامل عند الحاجة- ويمكننا الجزم بأن هذا من النادر حدوثه إذا كان رب المال بنكًا.

ولا يزال شرط التخلية سارياً في حالة فتح حساب للمضاربة في البنك يكون للمضارب حق التصرف فيه، والمضارب إن استلم المال فسوف يودعه في جهة ما حتي يتصرف فيه، ومن باب أولى أن تكون هذه الجهة نفس البنك.

وقد يستثمر البنك المال الفائض عن حاجة المضارب حتي يحتاجه، ويجب أن يتحمل البنك مسؤولية توفير المال للمضارب حين يحتاجه بغض النظر عن جدول تدفقات الدفعات النقدية الذي قدمه المضارب؛ فقد يجد المضارب الخير في تغيير ما كان قد خطط له، ولا يجوز لرب المال التدخل في قراره؛ فللمضارب حق في الربح يمنحه حق القرار، ولن يعجز البنك في الأغلب عن توفير هذا المال.

أما عما يستثمره البنك من المال المعطل حتي يحتاجه المضارب، فهو وإن كان مال المضاربة… فإن البنك بإلتزامه دفع مثله إلي العامل عندما يحتاجه، يكون قد وفره للعامل متى شاء، وليس للعامل شيئاً من ربحه إذا عمل فيه البنك في إستثمارات قصيرة الأجل وربح، فالعامل لا عمل ولا مال له فيه فلا يطيب له ربحه، ويكون الربح مما يرزق الله للبنك فيضيفه إلي نصيبه من ربح المضاربة الثانية، ويقتسم الكل مع المودع كيفما اتفقا، بشرط أن يتحمل المودع الخسارة التي قد تصيب المال في هذه الإستثمارات قصيرة الأجل، وأن ينص عليها في عقده مع البنك، وإن تصرف البنك في المال دون إذن المودع الصريح ضمن، وكان الإستثمار القصير الأجل للبنك له غنمه وعليه غرمه.

الرقـابة:

أما عن ترك حرية التصرف للعامل، فهذا من الأمور المهمة لمصلحة المضاربة ولمصلحة أطرافها، وقد منع الفقهاء تدخل رب المال، وذهب المالكية إلى منعه من الرقابة؛ ففي رأي لهم فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب… فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً علي العامل يحصي عليه تصرفاته. والرقابة تعني الحفظ والحراسة، ولكن قد يقصد منها أيضاَ العلم بما يحدث لأسباب متعددة منها التأكد من إلتزام المضارب بشروط العقد، ومنها أن يعرف رب المال علي وجه التقريب موقفه المالي؛ حتى يستطيع التخطيط لإستثماراته المستقبلية، وهذا المعنى هو ما نعنيه هنا، والمنحصر في نظام يوفر لرب المال الحصول على المعلومات والبيانات التي تبين سير العمل، والتغيرات التي تطرأ على وضع السوق، والتقديرات المستقبيلة لاحتياجات المشروع المالية ولأرباحه. وهناك رأي عند الأمامية يجيزون فيه أن يراجع العامل رب المال في التصرف، كما جاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص446): ”أما لو شرط أن يكون مشاركا في اليد أو يراجعه في التصرف أو يراجع مشرفه فالأقرب الجواز، وهو والأصح كما جاء في الإيضاح“. وذهب ابن قدامة إلي جواز أن يشترك بدنان بمال أحدهما، فقال في المغني (جزء 5 ص 28):” وهو أن يكون المال من أحدهما والعمل منهما، مثل أن يخرج أحدهما ألفاً ويعملان فيه معاً والربح بينهما. فهذا جائز ونص عليه أحمد في رواية أبى الحارث، وتكون مضاربة. لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح بعمله في مال غيره. وهذه حقيقة المضاربة- ثم ذكر أن هذا الرأي يخالف الجمهور- وأضاف: وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي على أن رب المال عمل من غير إشتراط“.

ولا شك أن تدخل المالك الرقابي بمعنى المشرف الذي يمتلك حق الموافقة والرفض، لا يجوز إطلاقاً وقد يكون مضراً للمضاربة  ، خاصة وأننا افترضنا أن رب المال هذا منشغل وقليل الخبرة، وفي حالة أن المضارب يضارب مع غيره، وبالرغم من أن المضارب الذي أصبح رب مال في المضاربة الثانية يمتلك الخبرة… إلا أن الصحيح افتراض أن خبرته عامة، وأن خبرة المضارب الثاني أكثر من خبرته في المجال الذي يستثمر فيه المال، لأن افتراض عكس ذلك يدفع إلى التساؤل لماذا دفع إليه المال إذن؟ فإن كان قد دفعه لإنشغاله في أمور أخرى… فانشغاله هذا سيؤثر على قدرته، وسواء أكان أقل خبرة أو منشغلاً…ففي الحالتين، يكون المضارب الثاني أقدر منه على التصرف فلا يجوز لرب المال أو المضارب الأول أن يتدخل في صنع القرار. ولا يعني هذا أنه لو توفرت حالة يكون رب المال أقدر على صنع القرار من المضارب جاز له التدخل آنذاك، فهذا لا يصح مطلقاً؛ لأن العامل قد رضى المخاطرة بجهده وعمله لقاء ثقته بإدارته وخبرته هو، وله حق في الربح الذي يحققه فلا يجوز لرب المال إلا المساعدة تطوعاً وبشرط رضى العامل

والرقابة التي نعنيها – وإن كانت لا تسمح لرب المال بالتدخل في القرارات – إلا أن لها تأثيراً غير مباشر على القرارات ذاتها؛ فالمضارب يجد نفسه عند اتخاذ القرار يفكر في وقعه علي رب المال، كما يفكر في أهميته للعمل، فيصبح القرار وسطاً بين ما هو في مصلحة العمل وما هو مرضيا لرب المال؛ فالرقابة قد توجب عليه تفسير كل قرار وتقديم الحجج المقنعة والأسباب التي دعته لإتخاذ هذا القرار، التي قد تجد قبولاً وقد تجد عدم إستحسان. ورب المال وإن لم يكن له حق التدخل في القرار… إلا أن له الحق في فسخ العقد الغير لازم عند الجمهور عدا المالكية، وقد يقع الخلاف في وجهات النظر مما يؤثر على العلاقة بينهما، ومما قد يفضي برب المال إلى فسخ المضاربة عند ظهور أقل العلامات المشيرة إلى احتمال اللخسارة، وكل هذا يضع ضغوطاً على العامل قد تؤثر على كفاءته وإدارته، وهذا مخالف لطبيعة العمل الذي وكل فيه، ومخالف لشرط التخلية.

وحيث إن سبب منع رب المال من الرقابة، يعود إلى حرص الفقهاء على تحقيق التخلية وتحقيق الحرية للعامل لبلوغ القصد من المضاربة، لهذا… يجب تحقيق التوازن بين توفير المناخ المطلوب للإدارة؛ لتبلغ أعلى درجات الكفاءة والإبداع، وبين توفير الدرجة المعقولة من الطمئنينة لرب المال؛ لتشجيعه على الدخول في عقود المضاربة. لتحقيق هذا التوازن في ظروفنا المعاصرة… نجد أن رب المال المعاصر تتوافر لديه وسائل إستثمار أخرى غير المضاربة، منها: شراء أسهم الشركات القائمة، والمرابحة، والاجارة وغيرها. بل وفي هذه المرحلة الإنتقالية… يمكن القول إن لديه الإيداعات التي توفر العائد الربوي، فلو لم تتوفر له الطمأنينة… فلن يستثمر أمواله في المضاربة، فهو يخاطر بماله ولا يتوجب عليه أن يخاطر بأكثر من ذلك، ولهذا فالمنفعة التي تعود على العامل والمجتمع من جراء توفير الاطمئنان لرب المال، تفوق الضرر الناتج عن نقص كفاءة إدارة العامل، والذي قد يكون وهمياً إذا فرض عليه نوع من الرقابة المفيدة؛ خاصة إذا كان رب المال هذا هو العامل الأول، والذي يقدر ويعي ظروف ومشاكل العمل، ولن يصيبه القلق عند ظهور بوادر أية مصاعب، بل وقد يستطيع في حدود المعاونة تقديم المعلومات عن الوضع الاقتصادي العام و التنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية المستقبلية، التي قد تفيد العامل المنشغل في الجزئيات فلا يتسنى له الإطلاع على الصورة العامة.

وبالرغم من رأي الفقهاء في هذا الأمر… إلا أننا نجد أنهم أجازوا لرب المال رد المعيب مما قد يكون العامل قد اشتراه، وهذا لايمكن حدوثه إذا لم يكن رب المال على علم بما يحدث في المضاربة، بل وأباحوا له في هذه الحالة التدخل والرفض، وذكروا الرأي فيما يتعلق بإنتفاعه بعرض من عروض المضاربة، وشرائه منها وطلبه الشفعة، وذكروا أيضا رجوع المضارب إلى رب المال بطلب الأذن فيما قد لم يشمله العقد، مثل: الشراء بأجل بأكثر من رأس المال و الإستدانة وغيرها؛ مما يدل على أن العقد قابل للتعديل والإضافة إثناء التنفيذ، وهذا كله يوحى بعدم الممانعة عند الفقهاء، بأن يكون المالك على علم بما يحدث في المضاربة، ولهذا… فإن الأغلب أن المنع المقصود  عندهم هو الرقابة التي تشغل العامل عن عمله، وتكون بمثابة المحاسبة والتدخل في القرار والتي تعطي رب المال حق القبول والرفض، وحيث أن الواجب يقتضى الموازنة بين المصلحة والضرر؛ فالمصلحة تكون في السماح بجواز النص في العقد على نظام يقدم العامل بموجبه وبصورة دورية المعلومات الوافية عن سير العمل والتكاليف والتخطيط المستقبلي، على أن تكون هذه المعلومات غير ملزمة له فيما يتعلق بالتخيطيط والتقديرات المستقبلية، وله أن يعدل عنها، ويغير ما يشاء وفقا لما يراه الأصلح.

أما عن الإشراف، الذي يعطي رب المال حق وسلطة الموافقة والرفض، فهذا لا يجوز قطعياً بإجماع الفقهاء… إلا أن رب المال يستطيع إعطاء المال إلى عاملين، لكل منهما نصيب من الربح فلا يتصرف أحدهما دون الأخر، كما سيأتي تفصيله في بند الإشراف فيما بعد.

ويجب التنويه هنا مرة أخرى إلى ما جاء في المغني (جزء5 ص28-29) عن عمل رب المال مع العامل: ”أن يشترك بدنان بمال أحدهما. وهو أن يكون المال من أحدهما والعمل منهما. مثل أن يخرج أحدهما ألفاً ويعملان فيه معاً والربح بينهما، فهذا جائز. ونص عليه أحمد في رواية أبى الحارث، لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح بعمله في مال غيره. وهذه حقيقيه المضاربة، وقال أبو عبد الله بن حامد والقاضي وأبو الخطاب: إذا شرط أن يعمل معه رب المال لم يصح. وهذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأبى ثور وابن المنذر قال: لا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويخلي بينه وبينه، لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب. فإذا شرط عليه العمل فلم يسلمه لأن يده عليه فيخالف موضوعها، وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي على أن رب المال عمل من غير إشراط“.

شروط الربح:

الربح هو ما يتبقى عند انتهاء المشروع، بعد إعادة رأس المال إلى رب المال؛ وهو نماء المال فيتقسماه بينهما وفق ما اتفقا عليه.

ويشترط في العقد أن يتفق صاحب المال وصاحب العمل على نصيب كل منهما من الربح كجزء منه، كالنصف أو الثلث أو الربع، ولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه قدراً معيناً من الربح، لأنه لو اشترط هذا فقد لا يكون الربح سوى هذا القدر، فيأخذه من اشترط له فلا ينال الآخر شيئاً، وهذا يخالف المقصود من العقد الذي يراد به نفع كلا من المتعاقدين.

وما قاله الزيدية عن صحة الاتفاق إن قال أحدهما إن لي عشرة إن ربحنا أكثر منها، أو مما يزيد عليها يخالف شرط العقد يأن الربح شائع بينهما، فلو قلنا إن لرب المال العشرة إن ربحوا أكثر منهما، فهذا له وجهان، إما أن يكون للعامل فقط في كل مازاد عن العشرة، فتفسد المضاربة إن ربحا أقل منهما، وهذا مالم يقولون به، وإما أن يقتسما بالشرط أن ربحا أقل منهما… فإن ربحا أقل منهما فشرط العشرة لا فائدة منه. وإن ربحا أكثر فلرب المال العشرة، وما زاد بالشرط بينهما، فإن وجد العامل أنه سيربح أحد عشر، يجد أن نصيبه منهما أقل من نصيبه لو ربح تسعة واقتسما بالشرط، فتكون مصلحته أن يربح تسعة، لا أن يربح إحدى عشر، وواجبه أن يجتهد في زيادة الربح وهو إن فعل ضرً نفسه فيؤدي هذا التقسيم إلى تضاد بين مصلحة المضاربة ومصلحته، والشرط الذي يناقض مقتضى العقد شرط فاسد.

1- النسبة التنازلية أو التصاعدية:

من الأغلب عدم جواز الاتفاق على نسب تناقصية مع زيادة الربح، أي أن تختلف النسبة التي تطبق على الربح كله بقدر أجزاء هذا الربح، يقول رب المال  للعامل خذ الألف ولك نصف كل الربح إن ربحنا مثل خُمسها، أي خُمس الألف- أو أقل، ولك ثلث كل الربح إن ربحنا أكثر من خمسها، لما يؤدي هذا إلى تضاد المصالح إذا تجاوز الربح خمس رأس المال بمقدار يسير. ويجوز الإتفاق على أن للعامل نصف الربح المماثل لخمس المال، وثلث مازاد عن ذلك، وإن كان مكروها.

ويجوز الإتفاق على نسبة تصاعدية للعامل، كأن يقول له: لك ثلث الربح إن ربحنا مثل أو أقل من خمس رأس المال، ولك نصف ما نربح أكثر من ذلك. فيكون للعامل ثلث الربح المماثل لخمس المال، ونصف ما زاد عن ذلك؛ وهذا ما يؤدي إلى زيادة الحافز عند العامل ليحقق الربح الأكثر.

2- إيراد المضاربة:

ذكر أن إيراد المضاربة حتى تستوفى قيمة رأس المال، يجب أن يكون نقداً من نفس جنس رأس المال؛ فإن أستوفى رأس المال فلهما الاتفاق في العقد على اقتسام المال العروض بينهما؛ بشرط أن يكون من نفس الجنس والنوع والمواصفات، وأن يكون مما يكال أو يقاس، أو أن يستمرا في البيع حتى يصبح الربح كله نقداً فيقتسماه، أو أن يكون جزء من الربح نقداً، والجزء الآخر عروضاً وفق ما يتفقان عليه . وذلك بهدف أن ينتفع المتعاقدون بما ينتج عن المضاربة، فقد يكون أحدهما أو كلاهما في حاجه إلى هذه السلعة لإستعماله الخاص أو لأعماله… فإن اشترط بيعها قد يضطر لشرائها مرة أخرى، وربما بثمن أو تكلفة أكثر مما باعها به (فرق الثمن قد يكون فرق ما نسميه بيع الجملة والمفرق، أو الربح التاجر الذي اشتراها، والتكلفة الزائدة هي إعادة نقلها وخلافه).

3- ولا يجوز اشتراط جزء من الربح لطرف ثالث أجنبي عن العقد، إلا أن يشترط قيامه بعمل من أعمال المضاربة، فيكون بمثابة ما لو دفع رب المال ماله إلى عاملين. أما المالكية… فقد قالوا إن المضاربة صحيحة والشرط صحيح؛ لأن طرفي المضاربة لهما أن يهبا مالهما، والوهب ليس من مقصود المضاربة، ويستطيعان أن يهبا بعد القسمة أو قبلها، إلا أن هذا لا علاقة له بالمضاربة.

4- ولا يجوز أن يشترط أحدهما ربح صنف أو مبلغ أو سفر أو عملية معينة، كأن يتفقان على المضاربة في عمليتين ربح الأولى لرب المال والثانية للعامل؛ لأن شرط صحة المضاربة هو أن يكون نصيبهما من الربح شائعاً فيه.

5- ولا نصيب لرب المال إلا من الربح فقط، ولانصيب للمضارب إلا من الربح فقط، فلو شرط له شيءمن رأس المال، أو منه ومن الربح… فسدت المضاربة، إلا أن تكون نفقة سفر أو حضر. ولا يجوز للعامل أن يأخذ شيئا من ربحه إلا بحضرة رب المال، وإن أخذ شيئاً فهو له ضامن حتى يتحاسبا فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على ما شرطا.

6- يجب ألا يربح أحدهما إلا بماله أو بعمله أو بما ضمن، ولا يجوز أن يربح مما ليس له فيه مال أو عمل أو ضمان، ولايجوز لأحدهما أن يربح من المضاربة إلا من الجزء المخصص له من نماء رأس المال، سواء كان ذلك التخصيص للعمل أو للمال أو للضمان؛ فلا يبيع أو يشتري، أو يؤجر أو يستأجر من أو إلى مال المضاربة بربح له من إحدى هذه المعاملات أو غيرها مع شركة المضاربة.

7- إذا كان رأس المال عروضاً… يشترط فيه أن يكون المقصود من دفعه كرأس مال أن يباع وينضض، فلايصح في المضاربة دفع مال نقداً، ومعه دار أو ألة يستخدمهما المضارب في العمل، على أن تحتسب الأجرة مع النقد كرأس مال المضاربة؛ لأن الذي يستهلك في المضاربة من الدار والآلة هو المنفعة وليس العين، ولا يمكن تقدير قيمة المنفعة وقت التعاقد لعدم معرفة مدة المضاربة، وإن حددت مدة المضاربة… لا يعرف المدة التي ستستخدم فيها المنفعة، ولا يعرف هل ستستوفى أو يصيبها ما يقيد أو يمنع استيفاءها، ولهذا… لا يجوز أن تكون رأس مال مضاربة، حتى لا يجهل رأس المال فلا يعرف الربح فتفسد المضاربة، إلا أن يكون دفعها من قبيل الإعانة والتطوع، ولهذا .. كان دفع رب المال عامله ليساعد المضارب من قبيل الإعانة، فلم يحسب أجر هذا المساعد كرأس مال؛ إضافة إلى أنها استئجار ماله بماله.

أما المشاركات التي قال بها الحنابلة، والتي تصح أن دفع الرجل دابته إلى اخر ليعمل عليها والربح بينهما… فهي مشاركة منافع، وليس فيها رأس مال لا نقدي ولا عروض، ولهذا… لا يمكن القول بأنها مضاربة، وإنما هي نوع أخر من المشاركات، وإن شابه المضاربة التي هي من هذه المشاركات أيضاً، فيشارك هذا بمنفعة دابته ذاك بمنفعة عمله، ويقتسمان الرزق؛ أي إن هذه المشاركة تقوم على تساوي مجهولين معدومين وقت التعاقد، أو تفاضلهما بنسب يمكن معرفتها، فمنفعة الدابة يمكن تحديدها إذا علم العمل والمدة، وكذلك منفعة عمل عامل المشاركة، والعمل والمدة وإن لم يعرفا عند التعاقد… إلا أنهما نفس العمل والمدة للمنفعتين، فيمكن تحديد نسب التفاضل بينهما، وتكون هي نسب توزيع الرزق، أما الخسارة فهي من إستهلاك هذه المنافع خلال مدة المشاركة.

وحيث إن الوضيعة محدودة بالمنافع، ولا تمتد إلى العين… فإن هذه المشاركة أبسط من المضاربة، وقد لا تحتاج إلى الشروط التي تشترط في عقد المضاربة، مع إمكان توقيت هذه المشاركات، ومنع الإستدانة فيها إلا بتفاضل أو تساوي الضمان بنفس النسب التي سبق الإتفاق عليها، فإن اتفقا على أن يشتري العامل بضاعة بالأجل ليحملها على دابة صاحبه ويبيعها في السوق… كان ضمان الثمن المؤجل بينهما بنسب المشاركة في الرزق، والتي حسبت على أساس تفاضل المنافع، وليس بضمان أحدهما فقط لكل الثمن، أو تفاضلهما بالضمان بنسبة أخرى، لتعسر فصل ربح العمل عن ربح الضمان، وإحتمال جبران ربح العمل خسارة المال أو العكس ؛ فتوجب استمرارها بنفس نسب المشاركة إلا إذا أمكن حساب وفصل ربح العمل عن ربح المال.

وعليه… فإن رأس مال المضاربة لا يجوز أن يكون منفعة أو منفعة وأموال عينية، ولا يكون إلا نقداً أو عروضا كما بين الفقهاء أو نقداً وعروض مثلية، يمكن تقييمها بدقة، ويشترط أن يتحول رأس المال كله من نقد إلى عروض إلى نقد، أو من عروض مثلية إلى نقد ثم إلى عروض ثم إلى نقد. أما في المشاركات.. فيجوز المشاركة في الرزق الحاصل من استخدام أو إستهلاك هذه المنافع.

والمنع هنا هو الخلط بين النقد أو العروض المثلية مع المنافع المقيمة بمال، لجهالة الأخيرة وقت العقد، وإن قدرت بمال… وجب رد قيمتها مع رأس المال، فإن نما المال بهذا القدر فقط، أخذه كله رب المال عوضا عن ماله ومنفعة العين، في حين أن هذه القيمة هي ثمن منفعة، لم تقصد لذاتها، وإنما قصدت لأثرها في إنما المال، وهي مثل عمل العامل والذي يستحق عوضه عنه بجزء من النماء، وله في نماء المال حق المنفعة، فتعامل هذه بالمثل، ويكون العوض عليها لربها بالقدر الذي ساهمت به في نماء المال، فيتوزع النماء على المال والعامل والدار مثلاً

وقد يقول رب المال إن الدار لها قيمة الأجرة التي يتقاضاها من الغير لو لم يدفعها إلى المضاربة، وكذلك يمكن أن يقول العامل عن أجرة عمله، وهما بإختيارهما المضاربة آملين تحقيق ربح أعلى… وجب عليهما المخاطرة بإحتمال حدوث الأقل، حتى يجوز لهما الأكثر ان تحقق.

أو يقول رب المال إن العامل كان ليستأجر الدار من الغير، وإن هذا المال الذي كان سيدفعه إلى الغير قد توفر له ليستثمره، وهذا صحيح… ولهذا فله كل كسب هذا المال إذا حدث، ولهذا يدفع بها إلى المضاربة بكسبها، فإن إراد تأجيرها لشركة المضاربة أجرتها، وأن شاء استأجر غيرها ولا يجبر عليهما، فان استأجرها دفع إليه بقدر المدة واستوفى المنفعة فتحدد الأجر، ومتى إنتهى منها أعادها إليه فينقطع الأجر، وهذا لا يمكن تحديده وقت التعاقد ولا يصح أن يكون كرأس مال مضاف إلي النقد، لاحتمالات تغيره فيما يتعلق باستيفاء المنفعة والمدة.

وهو إن استأجر من رب المال، فالأجرة فيها ربح، فإن أخذ رب المال الأجرة يكون قد ربح من المضاربة قبل توزيع الأرباح، ويكون قد اشترط لنفسه درهماً لا يجوز معه القراض، فإن لم يشترط وكان للعامل فيها حاجة لمصلحة المضاربة، فإما تكون الأجرة بدون ربح لرب المال وهذا يصعب تحديده؛ فالأجر يتكون من عناصر عديدة منها في حالة الآلة الإستهلاك والصيانة والتشغيل والإدارة والربح، فيصعب الفصل بينهم، أو أن يدفعها بأثرها على إنماء المال فيكون لها جزء من نماء المال. فالعين التي لها منفعة مطلوبة في أحد مراحل المضاربة، تساهم بهذه المنفعة لتنمية رأس المال النقدي، كما يساهم العامل بمنفعة فكره وعمله، فإن نما المال… كانت لهذه المساهمة قيمة هي جزءاً من هذا النماء، وإن لم ينم المال فليست لها قيمة.

وقد منع الفقهاء رب المال أن يتقاضى أجر غلامه الذي يعمل مع المضارب، فإن كان له – أي للغلام – جزءاً من الربح … اشترطوا ألا يعود ربحه إلى رب المال، وهذا يعني أن رب المال لا يجب أن يكون له ربح غير نصيبه المتفق عليه، وهذا صحيح لو اشترط رب المال عمل غلامه، أما لو لم يشترط هذا، وكان العامل هو الراغب، فلا يوجد سبب يدعو إلى المنع، بفرض أن نصيب الغلام يقاس بجزء النماء المتحصل من منفعة عمله.

ولحساب نسبة نصيب هذه الدار من النماء – وهذا في حالة وجود دراسة جدوى اقتصادية- يقدر الأجر الذي كان سيستأجر به العامل مثل هذه الدار من الغير، وتحسب المضاربة مرة على أن الدار استؤجرت من الغير، ومرة أخرى على أنها دفعت من قبل رب المال، والفرق بينهما هو نصيب الدار فيحدد منه نسبة نصيبها من الربح؛ فإن حدث النماء المقدر يعود لرب المال عوضه عنها، وإن لم يحدث تساويا في الربح والخسارة.

ولنقرب هذا… نعرض المثال الآتي؛ رب مال يدفع 1000 دينار مضاربة إلى عامل، على أن له نصف الربح، ويملك داراً يرغب في أن يدفع بها إلى المضارب، والعامل يرغب فيها ويحتاجها لخزن المشترى، ولأنه إن لم تكن من رب المال فسيستأجر مثلها من الغير، فتكون الدراسة لو استؤجرت من الغير كما يلي:

 

ثمن شراء السلعة شاملاً كل المصاريف والتحميل والنقل          900

أجرة الدار من الغير                                                      100

إجمالي المصروف = رأس المال                                      1000

ثمن البيع (بفرض ربح 50 % على ثمن الشراء)                   1350

ربح المضاربة الموزع                                                   350

نصيب رب المال = نصيب العامل = نصف الربح                 175

 

أما لو دفع رب المال بداره إلى العامل فتكون كما يلي:

ثمن شراء السلعة شاملاً كل المصاريف والتحميل والنقل           1000 

إجمالي المصروف = رأس المال                                       1000

ثمن البيع (بفرض ربح 50% على ثمن الشراء)                     1500

ربح المضاربة الموزع                                                   500

نصيب رب المال = نصيب العامل                                     175

نصيب الدار                                                                150

 

فيكون نصيب رب المال = نصيب الدار (150 ÷ 500) + نصيب المال (175 ÷ 500) =65% من الربح الموزع

ويكون نصيب العامـل = نصيب العمل (175 ÷ 500)         = 35% من الربح الموزع

 

وتقدير الأجر لمعرفة نسبة نصيب الدار من النماء ليس كتقدير الأجر، وجعله كرأس مال يستحق إعادته إلى صاحبه، والإتفاق المبني على التقدير هو ما يعمل به لتحديد نصيب كل من العامل ورب المال من ربح المضاربة. وقد ذكر الفقهاء أن هذا يعود إليهما بالتراضي؛ فإن اختارا أن يبنى على أسس معينة فلا بأس.

ويمكن أن نستنتج مما سبق أن أعيان رب المال التي يدفعها إلى المضاربة، لا يصح أن تكون رأس المال فيها، ويمكن-تجاوزاً- السماح لرب المال أن يؤجر إلى عامل المضاربة داره أو ألته أو غيرهما من الأعيان، بمثل ما يستأجر العامل من الغير، ودون شرط عليه، والأغلب كراهة ذلك لأن لرب المال ربحاً في الأجر- وأخيراً وهو ما كان يجب أن يكون أولاً- أن الإجارة من عقود المبادلة، التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين، ولا يجوز تعاقد الشخص مع نفسه أو مع وكليه ليشتري ماله بماله، والإجارة بيع منافع. والأجدر برب المال أن يدفعها إلى المضاربة، ويكون له كل نماء مال المضاربة الحاصل نتيجة عملها؛ فإن كانت آلة وأصابها ما يعيبها… عليه أن يبدلها أو يستأجر مثلها من ماله وليس من مال المضاربة، وعليه توفير من يشغلها حتى يجوز له كل نصيبها.

وقد كره وربما منع الفقهاء أن يؤجر رب المال دابته أو داره للمضاربة، وقالو يدفع بهما مع ماله من قبيل الإعانة، والإعانة توفر المال للكسب فيناله منها زيادة في الربح.

جاء في الصنائع (جزء5 ص85): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً“.

وجاء في المغني (جزء5 ص29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه. ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

وفي كلام المغني صحة أن يدفع البهيمة منضمة إلى المال، ولما لم يكن له أن يضيفها إلى رأس المال؛ لأنها مال منفعة، وليس له أجر عليها… فقد يكون اما يدفعها متطوعاً معيناً، أو يدفعها بأثرها على النماء، والأخيرة أطيب لهما فلا يكسب المضارب مما لا مال له فيه ولا عمل.

8- وإذا تلف أو هلك جزء من رأس المال… فإنه يحسب من الربح، لأن الربح وقاية رأس المال، ولأن الربح تبع ورأس المال أصل، فإذا تجاوز التالف الربح، وسرى إلى رأس المال … كانت الوضيعة على رب المال؛ مالم يتعد العامل.

9- المضاربة التي تكون التجارة فيها عدة عمليات شراء وبيع متتالية متلاحقة:

الأغلب ألا يصح في المضاربة أن يدفع الرجل ماله إلى العامل فيشتري ويبيع ثم يشتري ويبيع عدة مرات، وإن كان هذا برضاهما أو لم يقل له: راجعني متى نض المال بعد البيع الأول، ولإن كان هذا غررا يمكن التوقي منه، ولا ضرورة أو حاجة تستدعي أن يباح لأجلها في الظروف الإعتيادية. ولهذا… يجب الإتفاق على القسمة كلما أمكن بعد كل بيع وشراء فينال العامل حقه، وإلا جبر ربح الأولى خسارة الثانية على حساب العامل؛ لأن له في الربح وليس عليه في الوضيعه. ولا يصح التقسيم إلا عندما يكون كل المال ناضا؛ فإن كان المال بعضه عروضا وبعضه نقداً يستمر الشراء والبيع؛ حتى يصبح كل المال نقداً فيتوجب عندئذ الحساب والقسمة.

أما إذا كان من طبيعة الشراء والبيع أن يتم كل يوم أو كل أسبوع، وكان عملاً متماثلاً متكرراً، فتجوز آنذاك التجارة المتلاحقة؛ بشرط أن تكون في نفس الجنس والنوع وفي نفس السوق، ولاحاجة للقسمة بعد كل بيع إن كان هذا ما رغب فيه العامل ودون اشتراط من رب المال، كأن يدفع رجلا ماله مضاربة إلى تاجر فاكهة اعتاد شراء الفاكهة من تاجر الجملة في الصباح فيبيعها للناس خلال النهار، فهذا يضارب معه ولا حاجة لإنهاء المضاربة عند كل إنضاض للمال؛ بشرط أن يكون هذا ما يريده التاجر مع علمه بما قد  يتسببه هذا من جبران خسارة يوم من ربحه في يوم أخر، وله أن يقتسم مع صاحبه في أي يوم يشاء، والسبب في الترخيص بهذه الحالة، هو أن النتائج ستكون في الأغلب متقاربة في معظم الأيام، ولا يتوقع حدوث خسارة في يوم ما قد تنجبر من ربح يوم أخر، ولأن الاختيار عائد للعامل، وفي القسمة اليومية مشقة وعمل إضافي هو في غنى عنهما بعد السعي والكد طول النهار.

 إلا أن هناك أثراً آخر لهذه المضاربة، وهو أن المال متى ربح في اليوم الأول، واشترى فاكهة في اليوم التالي بالمال وربحه؛ فإن هذا الشراء فيه مال للمضارب هو نصيبه من الربح في اليوم السابق، فيصبح العامل التاجر شريكاً بعد أول بيع بالأضافة إلى كونه مضارباً، ويتكرر هذا كل يوم فيزداد ماله المشارك به، ولهذا وجب الحساب إذا كانت المضاربة في يد مضارب قادر على الحساب اليومي، فإن كان تاجراً بسيطاً كتاجر الفاكهة الذي ذكرناه، فيشترط أن يقتسما كلما بلغ المال قدر رأس المال وعشره، أي عندما يصل الربح إلى عشر رأس المال إذا كان له نصفه، أو أن يبلغ ربح المضارب نصف العشر من رأس المال أياً كانت نسبته من الربح؛ لأن الغرر الناتج عن تأثير الربح المشارك به يكون يسيراً حتى هذا الحد، وما زاد عن ذلك يكون الأفضل معة القسمة.

ولا تجوز المضاربة المتكررة في التجارة التي تطول المدة فيها بين الشراء والبيع، أو تختلف أنواع البضاعة أو طبيعة العمل، فإذا اشترى ملابس في الصيف ليبيعها في الشتاء تجب القسمة متى أصبح المال ناضا، ولا يجوز أن يشتري بالمال ثياباً أخرى؛ لأنه إن كان قد ربح… فله حق في الربح، فإن أبقاه يصبح مشاركا به، وإن كان قد خسر لا يجبر ربحه المستقبلي هذه الخسارة السابقة؛ فهو ليس عليه شيئاً من الخسارة.

وتجوز المضاربة في البيوع المتلاحقة إذا تعذرت القسمة، وكان العامل يرغب فيها بمحض إختياره مع علمه بكافة الإحتمالات؛ لأنها جازت في حالات السفر البعيد في مضاربات العهد الإسلامي الأول، والتي كان الرجل يدفع ماله إلى من يشتري به بضاعة يرحل بها مع القافلة إلى الشام مثلاً فيبيعها، ثم يشتري من الشام بضاعة يعود بها ويبيعها في مكة، فكانت تجارة الذهاب وتجارة الإياب تعتبران مضاربة واحدة لإستحالة القسمة لبعد المسافة، فاقتضت المصلحة جوازها، فالمعروف أن الفقهاء أجازوها بالإجماع، ولم يشترطوا ظروفاً معينة لا تجوز لغيرها، فنجد العامل يتاجر أكثر من مرة في المال دون قسمة، وهذا – في أغلب الظن – يعود إستحالة الاتصال بينهما متى سافر المضارب، ولأن الرأي والإختيار له. إلا أن الوضع قد اختلف في عصرنا هذا؛ فانتفت الأسباب التي دعت إلى جوازها. والأولى أن يقتسما متى نض المال فيعود من السفر بمضاربة جديدة، إن كان هذا ما سيتفقان عليه عبر قنوات الاتصال الحديثة، إلا أن تكون طبيعة التجارة تستوجب ذلك لظروف خاصة، قد تظهر مع الممارسة، فيكون الرأي عندئذ للعامل فتجوز إن شاء ذلك ودون شرط عليه. والسبب الثاني الذي قد يكون قد دعا الفقهاء إلى إجازتها هو ان طلب القسمة في يد العامل كما هو في يد رب المال، والعامل هو من قد يصيبه الضرر وله أن يوازن بين مصلحته في إستلام الربح أو إبقاء المال في يده، فقد تكون رغبته في إبقاء المال في يده خوفاً من ألا يدفعه رب المال إليه في مضاربة ثانية.

<< previous page next page >>

الباب الرابع – المضاربة فى العصر الحديث

ودور البنوك وشركات الإستثمار الإسلامية

 

الفصل الأول

عقد المضاربة

يعتبر عقد المضاربة من العقود الشرعية الإسلامية ذات الأهمية الخاصة، لأنه من أنسب المعاملات التي تركها لنا السلف الصالح؛ ليقوم عليها النظام الاقتصادي الإسلامي الذي تصوره فقهاء عصرنا هذا، والذي نتج عن تصورهم الصحيح أن قامت البنوك الإسلامية لتؤدي رسالتها السامية؛ فالبنك الإسلامي يوفر السبل أمام المسلمين الصادقين الراغبين في إستثمار أموالهم وفق منهاج علمي مدروس مستوحى من الرسالة الخالدة، فيجمع أموالهم ويوجهها بخبرته وعلمه إلى مجالات الإستثمار التي تعود بالخير عليهم وعلى المجتمع.

والمضاربة هي العقد المناسب الذي يدفع الناس أموالهم بموجبه إلى البنك، ويدفع البنك المال بموجبه إلى أصحاب الأعمال، وكما كانت المضاربة في فجر الإسلام البديل الذي حل محل التمويل الرَبَوي، فهي البديل الآن في خروجنا من العصر الرَّبَوي وعودتنا إلى النظام الاقتصادي الذي فيه عُلُونا وخلاصنا من كل مشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية.

وسنتبع في تبويب هذا الجزء نفس نظام التبويب الذي اتبعناه في باب المضاربة في الفقه الإسلامي، وهذا الجزء هو اجتهاد عامل مضاربة، في محاولة مخلصة صادقة لفهم وتكييف بنود هذا العقد برؤية عصرية، يراعى فيها ظروف وطبيعة الإستثمار في هذا الزمان، وهو بالطبع لا يتعدى كونه اجتهاداً موضوعاً للبحث، قُصدَ منه أن يُدْلي أحد طرفي المضاربة بدلوه، راجياً أن يُبْحث هذا الأمر من قِبَلِ الأطَراف الأخرى من أصحاب مال واقتصاديين، وغيرنا من أصحاب العمل؛ حتى تتضح الصورة العملية، فيقوم الفقهاء في عصرنا هذا بالدراسة الفقهية المبنية على هذا التطبيق العملي، فيخرج عقد المضاربة الشرعي الحديث متكاملاً، يمكن تطبيقه عملياً بما يحفظ حقوق أطرافه ويحمي مصالحهم، ويحقق الخير لمجتمعاتنا.

ومن الأسباب التي دفعتنا إلى هذه الدراسة، الصعوبة التي يعاني منها أصحاب الأعمال الأمناء، نتيجة عزوف أرباب الأموال بما فيهم البنوك الإسلامية عن الإستثمار عن طريق المضاربة إلا فيما ندر. وقد صدرت فتاوي أهل الفقه والعلماء بالإجماع بأن الفوائد البنكية ربا، فامتنع أصحاب الأعمال المخلصين لدينهم عن تمويل أعمالهم بالقروض الربوية، واتجهوا إلى البنوك الإسلامية؛ فلم يجدوا عندها البديل في عقد المضاربة إلا في حالات قليلة نادرة.

ومن الأسباب التي منعت أرباب الأموال والبنوك الإسلامية من التعامل بالمضاربة هي أن شكل المضاربة الذي يفهمه الناس في هذا الزمان، أن الرجل يدفع ماله مضاربة إلى شركة فتستثمر المال، وتقتطع منه لنفسها مصاريف مكتبها الرئيسي ومصاريف وأجور معداتها وأعيانها … فإن لم تصب ربح بعد ذلك تحمل الخسارة رب المال، ولا شيء من الخسارة على الشركة، والتي ربما تكون قد ربحت من هذه الأجور التي اقتطعتها لنفسها، وهذا ما لم يقل به أحد من الفقهاء السابقون، فلا أجر لعامل المضاربة، وعمل العامل من ماله، وكذلك نفقته إذا كان شرطها عليه، فالعامل المضارب يخسر من ماله قبل خسارة رب المال، ولا يجوز له الربح من مال المضاربة إلا من نماء رأس المال وربحه.

ويتضح السبب الثاني مما جاء عن بعض العاملين في البنوك الإسلامية، وعن بعض الباحثين، وهو يتعلق بعدم أمانة بعض أصحاب الأعمال الذين يستغلون هذا العقد في تحقيق الربح لأنفسهم بطرق احتيالية، ولا ريب أن هذا ما حدث في بعض الحالات من قِبل فئة قليلة فاسدة، فأصيبت الغالبية الأمينة بجُرْم الأقلية الخائنة.

جاء في بحث: صيغ التمويل الإسلامي للدكتور سامي حمود – مجلة البنوك الإسلامية (ص 43): ”وقد جربت البنوك الإسلامية بكل حذر صيغة المضاربة فلم تجد الأمين من الناس إلا ما ندر. وكانت النتيجة المؤسفة التي توصلت إليها البنوك الإسلامية تتمثل في تقليص استعمال هذه الصيغة التمويلية الرائعة – أي المضاربة – واستبدالها بصيغ أخرى لا تحقق مقاصد الشريعة الخالدة في تحقيق التوازن في المجتمع الإسلامي المتكافل المتضامن“.

وجاء في بحث السيد م. رشيد شودري ”نظرة تقويمية للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ودورها المستقبلي“ – (ص 25 – 33 مجلة البنوك الإسلامية عدد 66): ”أن بعض الباحثين عن الثروة من رجال الأعمال قد يستغلون المزايا التي تمنحها البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لنفعهم الشخصي. وفي بعض الأحيان يلبسون قناع الدين ليخدعوا الهيئة الإدارية“.

وجاء عن دور البنوك الإسلامية، من نص محاضرة للدكتور أحمد النجار – مجلة البنوك الإسلامية – (العدد 70 ص 31-37): ”ومن أمثلة ذلك بيوع المرابحة التي كادت بعض البنوك الإسلامية تقصر نشاطها عليها والتي لا تمثل في تصوري بالنسبة لفلسفة النظام الاقتصادي الإسلامي سوى وسيلة محدودة وسيئة بل وتافهة إذا ما قورنت بأسلوب المشاركة الذي يعتبر الجوهر الأساسي لفلسفة عمل ونظام البنوك الإسلامية، حيث أن مقاصد النظام الاقتصادي الإسلامي لا تتحقق بأسلوب المرابحة، بل قد تكون هذه الوسيلة من وسائل التمويل مدعاة وذريعة لممارسات خاطئة تسيءإلى الفكر الاقتصادي الإسلامي“.

ويقول الشيخ صالح عبد الله كامل في كلمته التي ألقاها في ندوة الاقتصاد الإسلامي والتي نشرت في مجلة التجارة عدد شوال 1410 هـ: ”أما في جانب استخدام الأموال المجمعة فهناك وسائل عديدة أولها وأهمها والتي تمثل جوهر الطرق الإسلامية للإستثمار هي المضاربة الشرعية والتي تعني مال من طرف يملكه وعمل من طرف يملك الخبرة في ذلك المجال، يحصل التزاوج بينهما فتولد الأرباح بأذن الله … ويضيف: وهذه الأداة مستخدمة في بنوك البركة وغيرها من البنوك الإسلامية، ولكن بتحفظ وحذر فأين هو المسلم الأمين الذي نأتمنه على أموال الناس، ونثق أنه سيقوم بالعمل على الوجه المرضي، ويظهر النتائج كما وفق الله ولا يقوم باستخراج حسابات ختامية أحدها لشريكه والآخر للحكومة والثالث لنفسه، والبنوك الإسلامية كلما استطاعت أن تجد هذه النوعية قامت بالعمل معها بأسلوب المضاربة“.

وفي مقال تقويم مسيرة البنوك الإسلامية، عن مجلة البنوك الإسلامية (العدد 65 ص 23-32) وتحت عنوان حماية البنوك يقول الدكتور جمال الدين عطية: ”قد يستغرب البعض أن تكون البنوك الإسلامية بحاجة إلى حماية من عملائها، ولكن التجربة أثبتت أنها ضعيفة في مواجهة العملاء عديمي الخبرة وعديمي الضمير، والبنوك التقليدية بمنأى – من الناحية النظرية – عن كلا الخطرين، إذ أن علاقتها بعملائها المقترضين علاقة دائن بمدين، ثم هي تأخذ من الضمانات ما يزيد عن قيمة الدين ولا يهمها بعد ذلك إن كان العميل عديم الخبرة أو سيءالحظ فخسارته عليه على كل حال، وذلك بخلاف الحال في البنوك الإسلامية إذا استخدمت صيغتي المضاربة والمشاركة؛ إذ أنها تتحمل حينئذ مغبة هذه الخسارة، ومن هنا كان عليها عبء إضافي في دراسة المشروع المطلوب منها تمويله وفي التحري عن خبرة العميل وسابقة أعماله.

أما الخطر الثاني وهو إنعدام الضمير فإنه أن تمثل في تزييف العميل لحساباته فذلك لا يهم البنك التقليدي خلافاً للبنك الإسلامي على النحو السابق شرحه، وأن تمثل في تأخر العميل عن السداد فالفائدة التأخيرية – وهي أعلى من الفائدة في الإتفاقية – كفيلة بزجره عن التأخير وكفيلة بتعويض البنك التقليدي، أما البنك الإسلامي فلا يستطيع استخدام هذا الإجراء الذي نظمته القوانين الوضعية، ويبقى لذلك بدون حماية“. وقد  استطرد الدكتور ففصل علاج هذا الوضع في اتجاهين أولهما الاهتمام بالتوعية والتربية الإسلامية للمواطنين في خصوص أخلاقيات التعامل، وثانيهما يقتضى إصدار بعض القوانين وتعديل بعضها الآخر بما يحقق الحماية الضرورية للبنوك. انتهى.

ومثل هذا – في رأينا – يجب أن يعالجه ويتصدى له أصحاب الأعمال الأمناء، فهم أعلم بخبايا المهنة من غيرهم، وأقدر على منع هذه التجاوزات الخطيرة، التي تسيء إليهم، وهم أعلم بسبل سد الثغرات التي قد ينفذ منها أهل السوء. وقد درسنا هذه السبل في الأبواب الأخيرة من هذا البحث، وهو يعبر عن اجتهادنا وراينا الشخصي، وهو اجتهاد نعرضه على الفقهاء، وفي كل ما ورد في هذا البحث. وتجدر الإشارة هنا إلى قول الإمام علي رضي الله عنه: ”لا يصلح الناس إلا ذلك“. إلا أنه يجب التنويه هنا أنه لا ضمان على عامل مضاربة.

فالمقصود هنا هو تقديم محاولة صادقة للوصول إلى العقد العملي، الذي يتفق في بنوده مع الأسس ا لتي ذهب إليها الجمهور، بينما تراعى فيه ظروف وطبيعة الإستثمار في هذا العصر، الذي يهدف إلى التوسع في تطبيق معاملات النظام الاقتصادي الإسلامي؛ لإيماننا أن في هذا النظام وحده يمكن خلاصنا من كل مشاكلنا الإقتصادية والاجتماعية.

وقد حاولنا البحث في عقد المضاربة في الأسباب التي لأجلها منعت بعض التصرفات أو أجيزت، واضعين نُصْبَ أعيننا التفريق بين الشروط الشرعية، وبين الشروط الجعلية الوضعية، والأخيرة هي ما يتناولها هذا البحث، أما الشروط الشرعية … فبالإضافة إلى كونها من عند الخبير العليم، فهي خير أساس للنظام الإلهي الذي صَلُحَ عليه الكون، والذي أنعم الله به علينا فأخرجنا من الظلمات إلى النور، فكنا إذا عملنا به خير أمة أخرجت للناس.

وقد التزمنا بالمبدأ العام بأن الشرط الجعلي يكون مقبولاً، طالما كانت هناك حاجة ماسة له لتكييف العقد وبما يلائم مقتضاه، وتوفرت فيه الشروط التالية:

–   ألا يتعارض مع أي من الشروط أو الأحكام الشرعية.

–   ألا يخل بركن من أركان العقد، أو بشرط من شروط الصحة.

–   ألا يؤدي إلى الغبن بأحد المتعاقدين.

–   ألا يؤدي إلى الغرر الكثير أو المتوسط إلا أن يكون قليلاً لا يمكن التحرز منه، ولضرورة وحاجة لا يتوفر لها سبيل آخر.

–   ألا يؤدي مباشرة أو غير مباشرة إلى أكل المال بالباطل، أو الكسب دون عوض.

–   ألا يتعارض مع المنطق والقياس والعرف الصحيح.

–   ألا تكون فيه مضرة على أحد المتعاقدين أو على المجتمع عامة.

–   أن تكون للشرط حاجة ماسة لأثره، ويترتب عن عدمه الضرر بالمتعاقدين أو بالمجتمع.

– أن تكون ضرورته أهم بكثير من ضرره. وبشرط أن يكون في تجويزه مصلحة للمتعاقدين وللمجتمع، وألا تكون هناك وسيلة أخرى لبلوغ نفس المقصد.

–   ألا يحتوي على جهالة، قد تؤدي إلى التنازع والخلاف وألا يحد من تصرف المتعاقدين وفق متطلبات أو مصلحة العقد.

–   أن تتوفر فيه المباديءالعامة للشروط من أن يؤدي إلى الرضى والعدل وعدالة توزيع منافع المعاملة.

معاني الألفاظ المستخدمة فيما بعد:

ربح المضاربة: هو الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، ويتكون من جزءين هما ربح المال وربح العمل.

ربح المال: هو الجزء من الربح الذي يعود إلى رب المال لقاء مخاطرته بالمال، ووفقاً لقاعدة الغنم بالغرم، والحديث الشريف الخراج بالضمان؛ أي أن ربح المال هو نماء المال الصافي العائد إلى ربه، وهو نصيب المال من الربح الحاصل نتيجة العمل فيه وتقليبه من حال إلى حال.

ربح العمل: هو الجزء من الربح الذي يعود إلى العامل لقاء عمله وبذله الفكر والجهد لتنمية المال، ويستحقه لقاء العمل الذي يبذله والذي تظهر قيمته في مدى قدرته على إنماء الماء فتقيم بجزء منه. ويستحق العامل ربح العمل عند تنضيض المال وظهوره، ولهذا تفضل القسمة عند كل إنضاض؛ لأن ربح العامل لا يجب أن يجبر خسارة المال في تجارة لاحقة، ولأن له في المال – من ربح تجارته السابق – إذا تُجِرَ في المال مرة أخرى بدون قسمة.

القسمة: وهي التي تتم بحضور رب المال أو من ينيب عنه، وتتم عند تنضيض المال بعد تبدله من حال إلى حال، أو عند انفساخ المضاربة وبيع العروض.

ويجب التنويه هنا أن الفقهاء تركوا أمر الاتفاق على تقسيم الربح بين المال والعمل إلى المتعاقدين، فيجوز أن يكن الجزء الأكبر للمال أو العكس، والفقهاء في هذا تركوا أمر هذه النسب لتحددها القوى المؤثرة في سوق ما، فهي تعود إلى عوامل كثيرة منها: ظروف السوق من جهة توفر أو نقص المال أو العمال، ونوع المشروع، وكمية العمل المتوقعة، ودرجة المخاطرة، وخبرة المضارب وغيرهم من العوامل المتعددة، ولهذا … لا يمكن تحديد هذه النسب إلا عند التعاقد، وبالرغم من ترك الحرية للمتعاقدين … إلا أن تحديد هذه النسب يجب أن يراعى فيه عدالة توزيع ربح المعاملة مقابل ما يقدمه كل منهما.

ومتى حددت هذه النسب بالاتفاق والتراضي بين المتعاقدين … حرص الفقهاء أشد الحرص على ألا يصيب أحدهما من نصيب الآخر، وألا يجبر ربح العامل خسارة رب المال السابقة لتصرفه، إلا أنهم قد سمحوا بهذا في بعض الحالات الخاصة كالمضاربة التي يتاجر العامل في مالها أكثر من مرة؛ فتتحول النقود إلى عروض ثم إلى نقود وهكذا أكثر من مرة … فإن لم تتم القسمة بعد كل إنضاض، جبر ربح العامل في أحد الدورات خسارة رب المال في دورة أخرى، وقد سمحوا بهذا لأن المضارب في عصرهم كان يسافر فتنقطع سبل اتصاله برب المال فتستحيل القسمة، وهذا لا يحدث في عصرنا نظراً لتيسر سبل الاتصال.

إلا أن هناك حالات أخرى، قد نضطر فيها لسلوك نفس التيسير لمصلحة المتعاقدين والمجتمع، منها خلط مال العامل أو غيره بمال المضاربة بعد المباشرة بالعمل في حالة نقص المال وإمتناع أو عجز رب المال عن التمويل الإضافي، مع أذنه للعامل بالحصول عليه من رب مال آخر، إذا كان في هذا مصلحة ماسة لأعمال المضاربة ولهما.

التقدير وإعادة التقدير:

قد يضطر المتعاقدان – في إحدى المراحل – إلى زيادة رأس المال، ولا مناص آنذاك من الإعتماد على التقدير؛ لمعرفةالربح أو الخسارة في أحد مراحل المشروع غير المكتمل بعد، وقد جاء عند الفقهاء أن لرب المال أن يسترد جزءاً من المال تنفسخ المضاربة في هذا الجزء المسترد وتستمر فيما تبقى، وقالوا إن الجزء المسترد له ربحه وعليه خسارته، ويصعب معرفة هذا إلا بالتقدير؛ بشرط ألا يكتنف هذا التقدير غرراً، إلا أن يكون يسيراً يقل تأثيره.

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 20 ص 350): ”ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمحاقلة، وهو اشتراء الثمر والحب بخرص، وكما نهى عن بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى، لأن الجهل بالتساوي فيما يشترط فيه التساوي، كالعلم بالتفاضل، والخرص لا يعرف مقدار المكال، إنما هو حرز وحدس، وهذا متفق عليه بين الأئمة.

ثم أنه قد ثبت عنه أنه أرخص في العرايا يبتاعها أهلها بخرصها تمراً، فيجوز ابتياع الربوي هنا بخرصه، وأقام الخرص عند الحاجة مقام الكيل، وهذا من تمام محاسن الشريعة، كما أنه في العلم بالزكاة وفي المقاسمة أقام الخرص مقام الكيل، فكان يخرص الثمار على أهلها يحصي الزكاة، وكان عبد الله بن رواحة يقاسم أهل خيبر خرصاً بأمر النبي  صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنه إذا أمكن التقدير بالكيل فعل، فإذا لم يمكن كان الخرص قائماً مقامه للحاجة، كسائر الابدال في المعلوم والعلامة، فإن القياس يقوم مقام النص عند عدمه، والتقويم يقوم مقام المثل وعدم الثمن المسمى عند تعذر المثل والثمن المسمى.

وجاء في صفحة 556 : فإن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: لا تصروا الابل ولا الغنم، فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، أن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر. وهذا حديث صحيح.

ويضيف في صفحة 557: وهنا كان اللبن موجوداً في الضرع فصار جزءاً من المبيع، ولم يجعل الصاع عوضاً عما حدث بعد العقد بل عوضاً عن اللبن الموجود في الضرع وقت العقد، وأما تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع فلأن اللبن المضمون اختلط باللبن الحادث بعد العقد فتعذرت معرفة قدره، فلهذا قدر الشارع البدل قطعاً للنزاع، وقدر بغير المثل لأن التقدير بالجنس قد يكون أكثر من الأول أو أقل فيفضي إلى الربا“.

ومن القواعد المهمة:

– لا يملك العامل أو رب المال الربح إلا بظهوره، ولا يظهر الربح إلا عند إنضاض كل المال، ولا يُستحق الربح لأحدهما إلا بعد القسمة وإعادة رأس المال لصاحبه.

– حتى يتم إنضاض كل المال، وطالما كان بعض المال عروضاً … تنجبر خسارة مرحلة أو تجارة من ربح مرحلة أو تجارة أخرى سابقة كانت أو لاحقة.

– لا يجوز الأخذ بتقدير الربح والخسارة وبعض المال عروض، ولا يجوز إنقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية التقديرية، ولا يتحدد الربح أو الوضيعة إلا عند الإنضاض … فإن وزع ربح مرحلي – قبل الإنضاض والقسمة – كان ديناً في ذمة من استلمه حتى تنتهي المضاربة فيخصم من حقه فيها أو يُرد.

– لا يجوز أن يكسب أحدهما مما ليس له فيه مال أو عمل أو ضمان، ولا يجوز للعامل أن يتقاضى أجراً عن عمله لأن له نصيباً في الربح هو عوض عمله.

– لا يجتمع مع المضاربة إجارة أو بيع؛ أو شرط يشترطه أحدهما لنفسه قد يعود عليه بكسب أو منفعة، ولا يجوز لأحدهما الكسب أو الإنتفاع من المضاربة إلا من نصيبه من الربح.

ونحن إذ نعرض هذا البحث المقدم عن صاحب عمل ليبدي وجهة نظر العامل … نرجو من الله صادقين أن يوفق عملنا لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يسدد خطانا إلى ما يرضاه، ولا ندعي العلم فجلَّ من وَسِعَ علمه كل شئ، وإنما نجتهد وندلي بدلونا مع غيرنا في هذه المرحلة المهمة من الصحوة الإسلامية، فإن جاوزنا الصواب في بعض أو كل ما بحثناه، فنأمل أن يشفع لنا صدق مقصدنا، والله خير العالمين.

<< previous page next page >>