الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

الفصل الثالث – آيات كونية

ونورد هنا بعض الدلائل القرآنية الأخرى التي قد تشير إلى تفسير الأرض بمعنى النفضة أو الرعدة:

{ أولم يروا إنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب } 13/41

إختلف المفسرون الأوائل في معنى هذه فقال ابن عباس : أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض، وقال الحسن والضحاك : هو ظهور المسلمين على المشركين، وقال نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض، وقال الشعبي : لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات . وقال ابن عباس في رواية : خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضًا : هو موت العلماء .

 { .. أفلا يرون أنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } 21/44

وقد تحير المفسرون الأوائل في تفسير هاتين الآيتين، وقيل أن معناها الظاهري لا يؤخذ لأن الأرض لو تناقصت وضاقت لأطبق جدران البيت على أهله، ووصلوا إلى أن المعنى الأرجح أن تضيق معايش الناس.

ولو نظرنا الى لفظ الأرض بمعنى طاقة، والطاقة الكونية كانت أقصاها عند بدء الخليقة، وأخذت تتناقص في صورتيها الحرارية والترددية منذ ذلك الوقت حتى يومنا، نتيجة تحول بعضها الى مادة ونتيجة ما يستنفذ منها في تمدد الكون ومقاومة الجاذبية التي تحاول إيقاف هذا التمدد، ويتضح هذا من التناقص المستمر لمعدل حرارة الكون منذ البدأ، وستستمر الطاقة في التناقص حتى إما يصل التمدد الى أقصاه وهذا في حالة الكون المغلق، أو تستمر في التناقص حتى يصبح الكون كله باردًا لا حياة فيه في حالة الكون المفتوح، وكلا الحالتين يدلان على انتهاء حياة كوننا.

ونقصان الطاقة لا يعنى زوالها، وانما تحولها الى صورها الأخرى من مادة مرئية وربما أيضًا معتمة، وطاقة غير مفيدة أنتروبي.

وفقًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فان اتجاه انتقال الحرارة يكون دائمًا من الجسم الساخن الى البارد. وأنها لا يمكن أن تنتقل من الجسم البارد الى الحار. وإن الإنتروبي لأي نظام فيزيائي مغلق وغير متزن حراريًا، سوف يتجه دائمًا نحو الإزدياد مع مرور الوقت، حتى يصل هذا النظام الى حالة الإتزان الحراري، حين تصبح الإختلافات بين الطاقات الحرة لأجزاءه معدومة أو تقترب من المعدومة. أي أن الطاقة الحرة المفيدة للقيام بعمل ما ستظل تقل باستمرار في أي نظام مغلق، بينما ترتفع الطاقة الغير مفيدة (إنتروبي) حتى تتلاشى الطاقة المفيدة تمامًا ويصبح النظام مستقرًا أو ساكنًا. ولا يمكن مطلقًا عكس هذا الإتجاه (وهذا يمنع عكس إتجاه الزمن). وعليه يكون الإنتروبي يمثل قياسًا لمقدار الطاقة التي لا يمكن استخدامها، في نظام فيزيائي مغلق، أي أنها تمثل قياسًا لمدى العشوائية ومقياسا لمقدار الطاقة الحرارية التي لا يمكن تحويلها الى عمل.

لا يخفى على العلماء الراسخين في العلم أهمية القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يعتبر واحدا من أهم ما توصل إليه العلم الحديث.

بدأ الكون معظمه طاقة حرة مفيدة، وسينتهى معظمه طاقة عشوائية لا يمكن إستخدامها، وما بين البدء والنهاية، تتناقص الطاقة المفيدة باستمرار، ولا يمكن عكس هذه العملية.

ذكرنا أن لفظ الأرض إذا ورد في بدء خلق الكون، فأنه يدل على الطاقة آنذاك، وهي الطاقة المفيدة الحرة، والمقدر لها أن تتناقص دومًا الى أن يؤول الكون الى نهايته.

ألا تتضح دلالات الآيتين، ثم أنظر الى قوله تعالى : ”وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ” أي لا راد لحكمه، يقول القرطبي : أَيْ لَيْسَ يَتَعَقَّب حُكْمه أَحَد بِنَقْصٍ وَلَا تَغْيِير.

 

{ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا } 20/107

 العوج هو الميل والأمت هو الإنثناء. والآية تصف نهاية الكون، والأرض بمعنى الطاقة ونمثلها هنا بموجات الطاقة، فانها تفقد تحدبها وتصبح خطًا مستقيمًا، أي يصبح معدل ترددها صفرًا.

إن شرط وجود النجوم والمجرات والكواكب والأرض والحياة هو عوج بسيط جدًا في سطح الكون، أو إختلافًا بسيطًا في درجة حرارة أجزاءه أو اختلافًا يسيرًا في توزيع الطاقة فيه، يهيأ الفرصة لتكاثف بعض الغاز مع بعضه لتظهر جاذبية محلية ينتج عنها تكون النجوم، فاذا انتظم توزيع الطاقة بكل صورها وتساوى في كل نقاط الكون، يتوقف كل شيء، فلا تبادل حراري ولا جاذبية ولا تمدد. فيكون قوله سبحانه وتعالى (لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا) اشارة علمية الى إنتهاء الحياة والطاقة في الكون، أو إنتظام توزيعها دون أي إختلافات.

 

{ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } ق 38

الستة أيام كانت في بدء الخلق، وذكر في عدة آيات أن الله كما بدء الخلق يعيده، وفي يوم القيامة عندما يعيد الله تعالى الخلق، فإن اليوم يكون مقداره 50,000 سنة، { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } 70/4  وتشير هذه الآية إلى يوم القيامة وهو إعادة الخلق المماثل للخلق الأول، أي أن الفترة الكلية للستة أيام الأولى من خلق السماوات والأرض، تعادل 300,000 سنة، وهي الفترة الزمنية الأولى التي يعتقد العلماء المعاصرون أنها ما إستغرقها الكون في تكوينه الأوّلي والتي عندها أنفصل الإشعاع عن المادة وأصبح الكون مرئي ((وكما بينا في الفصل السابق: ونظرًا للزمن النسبي في هذه المرحلة، والذي تبين من سورة فصلت أنه ستة أيام وفق زمن السائلين، أو ثمانية أيام وفق الوقت زمن الحدث، فيكون العدد ثمانية أيام تساوى أربعمائة ألف سنة حتى يصبح الكون مرئيًا))، وأهمية هذه اللحظة، أنه عندها بدأ تكون أنوية ذرات العناصر الخفيفة وثباتها، والتي منها تكونت النجوم ثم الكواكب والحياة.  ولا يجب في زماننا هذا إعتبار أن الأيام الستة تعبر عن ستة فترات متساوية، وانما هي ستة أوقات (ثلاثة مراحل) غير متساوية، مجموعها هو الذي يساوي ما بين الثلاثمائة الى الأربعمائة ألف سنة.

 

{الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}

{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}   الأنبياء

إن هذا التمثيل الرائع يبين أن الكون يطوى مرة أخرى، وهذا أقرب تشبيه ممكن لوصف الكون المغلق أي الذي يتمدد حتى يتوازن عندما توقف الجاذبية التمدد ثم تعيده في حالة إنكماش كما تنطوي الصحيفة وينطوي غلاف الكتاب فيعود كما بدأ منغلقًا على الصفحات، وكان العرب في القرن السابع لا يعرفون سوف الصحف التي تطوى في شكل إسطواني بعد الإنتهاء من مطالعتها، والتمثيل العلمي لهذه العمليه هي ان الكون مثل سطح البالون يتمدد عندما ينتفخ ثم ينكمش عندما يسمح للهواء بالخروج منه بانتظام . وقد يكون إسطواني مفتوح مثل سرج الحصان ولكن هذا يتمدد الى الأبد حتى تصل حرارته الى نقطة الصفر أي تنتهى طاقته. إلا أن التشبيه بلفظ مطويات بيمينه يشير الى الأنغلاق والكروية أكثر من غيرهم من الأشكال.

          وحتى يومنا هذا لا يعرف العلماء أي كون كوننا، منغلق أو مفتوح، وكلاهما ينتهي بهلاك الكون وموته بعد عشرات أو مئات البلايين من السنين، إلا أن الفهم المرحلي القرآني، يشير الى الكون المنغلق، والأدلة القليلة التي تتجمع لدى العلماء في السنوات القليلة الماضية، تشير الى أن الكون حتى يكون مغلقًا يجب أن تكون مادته أكثر بكثير مما نرى، أي أن ما لا نراه من مادة الكون أكثر من تسعة أعشاره، وأطلقوا أسم المادة المعتمة على هذا الكم من الكون الغير مرئي، وهو مادة لأنه يجب أن يكون له جاذبية تضاف الى جاذبية الكون المرئي فتتمكن من إيقاف تمدد الكون ثم جذبه لينقلب التمدد الى إنكماش.

          ولاحظ في الآية أن عملية الطوي ذاتها لم تشمل السماوات السبع، والتي أبعادها لم تتمدد من الأصل أكثر من ثابت بلانك، والذي يشمله فعل الطوي هو السماء الدنيا في قوله تعالى {نطوي السماء كطي السجل للكتب} ، وهي فقط التي تمددت، بينما ذكرت كل السماوات في وصف الحالة التي ستكون عليها يوم القيامة بأنها مطويات بيمينه، وهذا بعد أن تنطوي السماء الدنيا وتجمع مع بقية السماوات الست التي لم تتمدد من الأصل ولهذا لم يشملها الطوي الأخير.

         

{ والسماء ذات الـحُبُكِ } 51/7

الحبك : يقول صاحب مقاييس اللغة أن حبك هو إحكام الشئ في امتداد واطراد. والسماء الدنيا فقط هي التي تتمدد وتتسع.

 

{ ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا الى الله إني لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلهًا آخر إني لكم منه نذير مبين }الذاريات 49 – 51

{ لينذر يوم التلاقِ } 40/15

{.. ليس كمثله شيء ..}الشورى 11

 الله تعالى وحده الواحد الأحد، وكل شئ في الكون يوجد في صورة زوجين، وكل شيء يشمل الحي وغير الحي كالحجر، والزوجين هنا هما  المادة وضد المادة، وهذان أحدهما موجب الشحنة والآخر سالب الشحنة، ، وعليه لو ألتقيا يفنيان، وقد حدث فصل بينهما في بدء التكوين. لاحظ قوله سبحانه وتعالى: ففروا الى الله، بعد تذكير الناس أنهم خلقوا من زوجين مما يستدعي خوفهم، ولاحظ قوله تعالى: لينذر يوم التلاقِ.

أما حدوث الخلق من العدم لجسيم موجب وجسيم سالب ثم إلتقاءهما وفناءهما خلال جزء صغير من الثانية، فهذا يحدث في فضاء كوننا كل الوقت.

 

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ..}

{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا…}

العمد هي جمع عمود وهو ما يستند ويرفع عليه السقف، والسماوات بما فيها من مجرات وما في المجرات من نجوم وكواكب وأقمارا وغيرهم من ما نعلمه ومن ما لا نعلمه، مستقرة بتعادل قوة الجاذبية مع قوة الطرد، وهما أعمدة هذا الكون التي تحفظ استقراره وتوازنه بالرغم من توسعه المستمر المنتظم، ونحن لا نرى هذه القوى العاملة في الكون وانما نعرف وجودها من آثارها. 

 

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}   (الطلاق 12)

 سبق أن ذكرنا أن تعبير السبع سماوات يدل على أبعاد الكون فتكون سبعة أرتفاعات، تمدد منها واحد فقط هو السماء الدنيا، بينما بقيت الستة إرتفاعات الأخرى بمسافة ”ثابت بلانك”. ولكن كل نقطة في هذا الكون ذو التسعة أبعاد مكانية، وبعد واحد زمني، لها كل هذه الأبعاد، وكل نقطة على الأرض الكوكب المادة، لها مثل هذه الأبعاد، وهذا قد يفسر قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن).

 

{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاك مَا الطَّارِق * النَّجْم الثَّاقِب * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}الطارق.

الطارق الذي بينه الله تعالى أنه النجم الثاقب، أقسم به وقال لنبيه ما أدراك به، أي هو نجم لا تدري عنه، ثم تبع الآيات أن كل نفس لعليها حافظ، أو إلا عليها حافظ.

ولو أخذنا لفظ ثاقب بمعناه المؤدي الى الخرق، والطارق بمعناه المؤدي الى دق وطرق الأشياء فوق بعضها البعض بقوة، يكون لدينا نجم مضغوط ذو جاذبية هائلة، إذا وقع شيء عليه فكأنه ضربه  بمطرقة وصكه وأطبقه بعضه فوق بعضه، نجد لدينا وصف النجم الذي يسميه علماء العصر الحديث، الثقب الأسود،  Black Hole . وأطلقوا عليه أسود لأنه لا يُرى أبدًا لأن الضوء الذي يسقط عليه لا يستطيع أن يهرب من شدة جاذبيته، أما لماذا أطلقوا عليه أنه ثقب، ففي أول الأمر، لأن ما يسقط عليه لا يعود أبدُا فشبهوه بالثقب الذي أن سقطت الأشياء فيه تعتبر في حكم المفقودة، ثم وجدوا أنه من شدة إنضغاطه وعظم كتلته وكثافته، فأنه يقعر النسيج الكوني حتى يثقبه. وهذا النجم كان ضخمًا منيرًا حتى استهلك كل الغاز فيه فانهار على نفسه مكونًا كتلة مضغوطة ذات كثافة هائلة.

الآية الكريمة أطلقت على نجم لا يدري الناس شيء عنه في ذلك العصر ولا يستطيع أحد أن يراه حتى اليوم، أنه الطارق الثاقب، الطارق تدل على الضغط والكثافة الهائلة التى هو عليها، ولأن له تأثير المطرقة على كل ما يسقط عليه فينضغط كإنما دق وطرق، والثاقب لأنه يثقب النسيج الكوني ولأن ما يسقط عليه يُفقد.

وقد أطلق عليه العلماء أيضًا أنه مقبرة لكل ما يقترب منه، أي أنه خطرًا محدق، والآية التي تبعت الآيات التي ذكر فيها النجم الثاقب، بينت أن كل نفس لعليها حافظ.

إن في هذه الآيات إشارة الى نوع من النجوم، لم يعرفه البشر إلا في القرن العشرين، وهو من أهم إكتشافاتهم، إذ توقعوا وجوده ثم عرفوه بتأثيره وليس بذاته، وعندما عرفه علماء الغرب الذين لم يقرأوا هذه الآيات، أطلقوا عليه أسم الثقب الأسود. ليس لأنه ثقب وإنما لأنه ثاقب.

 

{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56

من معاني لفظ العبادة الطاعة، والمشيئة الإلهية نافذة مقضية، فإذا خلق الله الجن والإنس ليعبدون، بمعنى العبادات والإيمان والتسليم، فهذا ما يجب أن نجدهما عليه في كل الأوقات، ولكن منهم العاصي والجاحد والكافر والملحد، أما لو أخذنا بمعنى العبادة على أنها الطاعة، فسنجد أنهما يطيعان ويخضعان للقوى التي وضعها الله في الكون، كالجاذبية في حالة الإنسان، والتي لا نملك كلنا إلا أن نطيعها ونرضخ لها، حتى عندما نتمكن من السفر في السماء الدنيا، فأننا لا نتحرك إلا وفق قوانينها. وقد نجد مثل هذا في تعبير (وشددنا أسرهم) أي في هذا الكون المغلق عليهم.

 

{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ….} الأعراف

يقول القرطبي في معرض تفسيره للآية: ” ” قَبِيله ” جُنُوده . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . اِبْن زَيْد : ” قَبِيله ” نَسْله . وَقِيلَ : جِيله .  قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ ; لِقَوْلِهِ ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” قِيلَ : جَائِز أَنْ يُرَوْا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَشَفَ أَجْسَامهمْ حَتَّى تُرَى . قَالَ النَّحَّاس : ” مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ” يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ إِلَّا فِي وَقْت نَبِيّ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى نُبُوَّته ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ . وَذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا فِي وَقْت الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّ بَنِي آدَم لَا يَرَوْنَ الشَّيَاطِين الْيَوْم .“ وجاء عنه أيضًا: ” وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ” الْبَقَرَة “ وَقَدْ جَاءَ فِي رُؤْيَتِهِمْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ.“

الشيطان وقبيله من الجن يستطيعون أن يرونا بينما لا نستطيع أن نراهم، والأغلب وفق دلالة المعنى أننا لا نراهم لأن المكان الذي هم فيه لا يمكن لنا رؤيته ورؤية من فيه، وهذا بدلالة ”من حيث“ والتي تدل على مكان. ولا تبين الأية أننا لا نراهم لأنهم في صور غير مرئية، كما ورد مثله في قول النحاس المذكور أعلاه: ” لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ.“ لأن السبب الذي تبينه الآية أن المكان الذي يعيشون فيه، يستطيع أهله رؤيتنا بينما لا نستطيع رؤيتهم. ووفقًا للإستدلال العلمي، يمكن أن يكون هذا المكان هو الذي يقع في بعد أعلى من الأبعاد التي نحيا فيها، أي في أحد السماوات الست غير سماءنا.

ولنبين المعنى الذي نقصده، نورد المثال التخيلي التالي: نحن نحيا في كون ثلاثي الأبعاد المكانية((ما تعلمناه هو الأحداثيات: طول وعرض وارتفاع، أي: س، ص ، ع))، لو تخيلنا كائنًا يحيا في عالم له بعدين مكانيين فقط، أي يحيا في كون مسطح مستوي، ليس فيه أي إرتفاعات، فقط طول وعرض. وستكون قياسات هذا الكائن طول وعرض فقط، أي مبطط، ولن يستطيع أن يرى البعد الثالث، أي الإرتفاع، ولأنه لا يراه، يعتقد أنه لا وجود له.

إلا أن هذا العالم الثنائي الأبعاد موجود ضمن عالم ثلاثي الأبعاد، يحيا فيه كائنات مثلنا، ولا يرانا هذا الكائن إلا عندما تتقاطع أجسامنا مع المستوى الأفقي الذي يعيش فيه، فلا يرى سوى المقطع، والذي لن يستطيع أن يكون منه صورة معقولة لأي منا. بينما يمكن لنا أن نراه ونرى كل شيء في عالمه.

هذا لو كان الفرق بين العالمين بعدًا إضافيًا واحدًا، وكلما زاد الفرق، كلما تلاشى المشاهد .

وما سبق ينطبق على سكان العالم ذو الثلاثة أبعاد إذا كانوا ضمن عالما ذو أربعة أبعاد، فنحن لن نستطيع رؤية البعد المكاني الرابع. وهكذا ينطبق على البعدين الخامس والسادس.

وعليه فلو كان الجن يعيشون في أحد السماوات الست الأخرى، والتي لها أبعاد أعلى من أبعاد عالمنا الثلاث، فسيستطيعون رؤيتنا بينما لا نستطيع نحن رؤيتهم.

والآيات الأخرى التي تناولت الجن مثل الجن الذين عملوا لسليمان وذاك الذي عرض أن يأتي بعرش ملكة سبأ، تدخل في باب المعجزات، وعلميًا يصح أن يقوم كائن من بعد مكاني أعلى بأعمال في بعد مكاني أدنى، إذ أنه موجود فعلاً وليس خيالا. أما قوله تعالى في سورة الجن (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) فالسماء التي حاولوا الإستماع خلالها هي سماءهم، أحدى السماوات الست الأخرى وليست السماء التي نعرفها. وعلميًا فان أي كائنات تسكن أحد السماوات أو الأبعاد الأعلى، تلمس وتحس وتستشعر كل ما في السماوات الأدنى منها، بما فيها السماء الدنيا، أي عالم الثلاثة أبعاد، بما فيها من كواكب ونجوم وشهب. بينما لا تستطيع الكائنات التي في الأبعاد الأدني أن ترى أو تستشعر سوى إسقاطات أو مقاطع هذه العوالم الأعلى.

 

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بسلطان} الرحمن 33

 المنع هنا من النفاذ من السماء الدنيا الى السماء الأعلى منها، والأعلى بعد ذلك، وعليه فان السفر في فضاء سماءنا، ممكنًا وليس ممتنعًا علينا، وهذا يغطى كل كوننا المقصود به كون الثلاثة أبعاد. وفي حالة الجن المنع من النفاذ الى السماء الأعلى من سماءهم مباشرة، ومن ما بعدها، وسماءهم أعلى من سماءنا ولا ندري أي سماء هي.

لقد ذكرت في الباب الأول عدم الخوض في موضوع الغيبيات والجن منها، إلا أن هذه الآيات تعلقت بمكانهم وهذا فقط يتعلق بالكون المشاهد والذي يعتقد بعض العلماء في هذه المرحلة من تطور المعرفة أنه متعدد الأبعاد، ولهذا يمكن أن يشمله التفسير المرحلي الذي قد يتطور مع تقدم معارفنا.

 

 

تم هذا الباب بحمد الله  في يناير 1999  

وقد تم إضافات وتعديلات عليه بعد ذلك وحتى نهاية 2006

<< previous page next page >>

الباب الرابع – الفصل الأول

 الآيات القرآنية في خلق الكون

أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟

نبدأ هنا بموضوع خلق الأرض والسماء :

{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم} 2/29

جاء في مختصر تفسير ابن كثير (ج1/48) تعقيبًا على تفسير هذه الآية  :

”ففي هذا دلالة على أنه تعالى إبتدأ بخلق الأرض أولاً ثم خلق السماوات سبعاً، وهذا شأن البناء إذ يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره. فأما قوله تعالى { أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها *  والأرض بعد ذلك دحاها } فقد قيل أن ( ثم ) في الآية 2/29  إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:

قل لمن ساد ثم ساد أبوه           ثم قد ساد قبل ذلك جده

وقيل : أن الدحي كان بعد خلق السماوات والأرض رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

وقال مجاهد في قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} قال : خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سماوات} قال: بعضهن فوق بعض وسبع أرضين يعني بعضهن تحت بعض ((لاحظ أن هذه السبع أرضين ووصفهن أنهن بعضهن تحت بعض هي من قول المفسرين وليست من القرآن الكريم ولم يرد مثل هذا في القرآن وكل ما ورد بهذا الشأن { ومن الأرض مثلهن} ويجوز أن تكون مثل السبع سماوات .)) . وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما في آية السجدة { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاع بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى { والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها} قالوا فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض “.

”وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا وقد حررنا ذلك في صورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى : {أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها} ففسر الدحي ((دح : يدل على إتساع وتبسُّط . قال إعرابي : مُطرنا لليلتين بقيتا من الشهر، فاندحت الأرضُ كَلأً . تقول العرب : دححت البيت وغيره ، إذا وسَّعته .))  بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة الى الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية، دحى بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على إختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة والله سبحانه وتعالى أعلم“ .

           مما سبق نجد أن أسبقية خلق الأرض عن خلق السماء كان من الموضوعات التي تعرضت للمناقشة، وبالرغم أن غالبية علماء المسلمين كانوا على إقتناع أن الأرض خلقت قبل السماء إلا أن عددًا منهم – قد لا نعرف منهم سوى قتادة ونقل رأيه ابن جرير، لم يوافقهم على ذلك، وإعتقد هؤلاء أن السماء خلقت أولا ثم خلقت الأرض، والحقيقة أن القرآن يوحي ظاهرًا بالإحتمالين، وباطنًا بخلق السماء قبل الأرض، ففي كل آيات خلق السماوات والأرض، ذكرت السماوات قبل الأرض، أي لم يذكر خلق الأرض والسماوات.

          أما ما فهمه الأوائل من أنها لا تحتوى ترتيبًا زمنيًا وإنما ذكر السماوات والأرض بسياق الخبر لا بسياق الترتيب الزمني، حيث أنهم إعتقدوا بأسبقية خلق الأرض على خلق السماء، فقد كان سماحًا مرحليًا لما كان من منطقهم الذي يرتاحون إليه كما جاء عن ابن كثير : ”وهذا شأن البناء إذ يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك.“، وهذا ما إشتهر عند اليهود والنصاري عن طريقة الخلق، إذ جاء عندهم في سفر التكوين أن الله خلق الأرض ثم السماء . وكان الإسلام في فجره غني عن الدخول في مناقشة ومجادلة علمية مع بشر ليسوا مؤهلين بعد لتقبل هذه الحقائق، وليس لها أي تأثير على غرض الرسالة من هدى وحجة، وبالرغم من هذا فإن القرآن قد حرص على أن يحتوي الحقيقة العلمية التي يستطيع البشر في مراحل لاحقة أن يجدوها فيه عندما يصبحون مؤهلين علميًا لفهمها ، وعندما لا تعارض منطقهم ولا تؤدي إلى بلبلة وإضطراب أفكارهم. ولهذا وبرغم صحة المرحلية لمعنى (ثم) على أنها زمنية، إلا أن الأرض التي وردت في هذه الآية ليست بالضرورة كوكبنا الذي نحيا عليه، فاللفظ يحمل أكثر من معنى، وخاصة أن الآية الأخرى تنبهنا إلى ذلك : {يوم تُبدلُ الأرضُ غير الأرضِ والسماواتُ وبرزوا لله الواحد القهار} 14/48  وهنا في يوم الحساب تبدل الأرض غير الأرضِ.

 ويوم الحساب هو يوم الخلق الأخر { الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون } 30/11  {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الأخرة إن الله على كل شئ قدير} 19/29-20  النشأة الأخرة هي يوم القيامة . {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } . وكل هذا يدل على أن البعث أو النشأة الأخرى هي بمثابة إعادة الخلق، والإعادة هو تكرار ما سبق، أي تكرار الخلق الأول.

 وحيث أن لفظ الأرض اذا ورد في آيات الخلق الآخر (النشأة الأخرة)  يعبر عن أرض غير الإرض التي نحيا عليها، فعليه يمكن الإستدلال أنه إذا ورد لفظ أرض في مرحلة الخلق ألأول فهذه أيضًا غير الأرض التي نعرفها.

           ولو عدنا الى الآية { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم } 2/29، سنجد أن السماء التي استوى الله إليها كانت موجودة قبل أن يستوي إليها، والحدث اللاحق لحرف ”ثم“ هو تسويتهن سبع سماوات.

           ولكن ماذا يقول لنا العلم الحديث، أيهما وجد أولاً ؟ كما سبق عرفنا أن المكونات التي منها تكونت النجوم والأرض والكواكب وكل ما في هذا الوجود خلقت مرة واحدة، في شكل طاقة تحول جزء منها إلى جسيمات أولية تكونت منها البروتونات (وهي أنوية الهيدروجين) والإلكترونات والنيوترونات، ومن هذه الجسيمات تكونت الغازات الخفيفة؛ التي تجمعت لتكون السحب الفضائية، والتي تكونت بها بفعل الجاذبية تكثفات محلية؛ ولدت منها نجوم الجيل الأول، التي إحترقت بدورها لتطبخ في أنويتها ( أفرانها) العناصر الأثقل ومنها الأكسجين والكربون والحديد وبقية العناصر الثقيلة، وما أن انتهى مخزون الطاقة في بعض نجوم الجيل الأول، انفجر بعضها وتناثرت مكوناته فاختلطت المواد الثقيلة مع السحب الفضائية، وفي هذه السحب الفضائية ولدت نجوم الأجيال التالية مثل سابقتها، ونتيجة دورانها حول محورها تسببت القوة الطاردة المركزية بطرد المواد الثقيلة لتخرج من النجم على هيئة ذراع، ثم تكونت من هذه الذراع كواكب تحتوى على هذه العناصر الثقيلة، والأرض أحد هذه الكواكب. ثم ظهرت الحياة ذات الأساس الكربوني على الأرض وأستغرقت زهاء أربعة بلايين ونصف بليون سنة حتى ظهر الأنسان.

           بالطبع، ولأول وهلة سوف نقول أن السماء خلقت قبل الأرض، وفي ذهننا أن السماء هي هذه القبة فوقنا بما فيها من نجوم، فالأرض هي من أواخر ما ظهر في السرد العلمي الذي أوردناه، وهذا ليس صحيحًا، إذ يجب أن نحدد ما هي السماء ((سمو : تدل على العلو، وسما علا . ويقول صاحب القاموس المحيط سما سموا أرتفع والسماء سقف كل شئ، كل بيت ورواق البيت كسماوته ، والسحاب والمطر .))  أولاً، إذا كانت هي القبة التي فوقنا فالأرض جزء لا يتجزء منها، وكلاهما نتج عن عملية تطورية واحدة، نعم في السماء التي نشاهدها ما هو أقدم بكثير من الأرض، ولكن فيها أيضًا ما هو أحدث من الأرض، أي ليست كل السماء أقدم أو أحدث من الأرض، وهذا مبدأيًا ينفي صحة السؤال: من وجد أولاً ؟ لأن كوكب الأرض جزء من كل، وكذلك السماء، جزء من كل، والكل هو الكون بكل ما فيه.

           نحن نعرف أن ما أوجد في البدء هو البذرة الأولى التي ستنمو لتكون السماوات والأرض، أي أن السماوات والأرض لم يكونا منفصلين ليتحدد أيهما سابق للآخر، وهذا صريح في قوله تعالى : { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما ..} الأنبياء 30 . أي أن السماوات والأرض كانتا متحدتين ثم إنفصلتا، وهذه الآية بفرض الأخذ بدلالة لفظ الأرض إلى كوكبنا، تنفي صحة إحتمال خلق الأرض قبل خلق السماوات، أو خلق السماوات قبل خلق الأرض، فهما وجدا معًا، إذ كانتا رتقًا. ولهذا فالآيات التي أشارت الى خلق الأرض قبل السماء، والأخرى التي أشارت الى خلق السماء قبل الأرض، لا بد أن لفظا السماء والأرض فيهما لا يعنيان الأرض التي تحتنا والسماء التي تعلونا. وقد أعلمنا القرآن الكريم وكما جاء سابقًا أن لفظ الأرض إذا ورد في الخلق الآخر، تكون الأرض غير الأرض. أي غير الأرض التي هي كوكبنا الذي نحي عليه، قد تكون الأولى أرضًا أخرى تشبهها ولكنها ليست ذاتها، وقد يكون القصد أن معنى لفظ الأرض لا يشير إلى معنى ما تحتنا وإنما إلى معنً آخر من معاني لفظ الأرض في اللغة العربية، التي نبهنا القرآن الكريم إلى أهمية كونه بلسان عربي أي باللغة العربية.

وحيث أننا نعلم من النص أن السماء والأرض كانتا رتقًا قبل أن يتم الفصل بينهما، وبالتالي فالأرض والسماء كانتا متحدتان، ثم انفصلتا عن بعضهما ((ونعلم من علومنا الحديثة أن الكون في أول لحظاته، كان جسيم ميكرسكوبي غاية في الصغر يحتوى كل طاقة الكون ومادته، كان معظمه طاقة، وأنه كان يرزخ تحت ضغطا هائل وحرارة تبلغ البلايين من الدرجات. ثم بدأ نشأته وبدأ معها الزمن عندما بدأ يتمدد بسرعة كبيرة، وأنه بعد لحظة تضخم فجأة وللحظة قصيرة تمدد بسرعة تفوق سرعة الضوء بمرات عديدة، عاد بعدها الى التمدد بالمعدل السابق، المادة كانت جسيمات أولية ولم تكن أي من ذرات العناصر المعروفة اليوم تستطيع أن تتكون، لأنه كلما تكونت تصدمها وتفرقها الطاقة الكبيرة التي كانت موجودة معها، وبعد مرور زهاء ثلاثمائة ألف عام، عندما تمدد الكون بما يكفي لتقليل كثافته وحرارته، أنفصلت الطاقة عن المادة، وعندها استطاعت ذرات الغازات الأولية أن تتكون، ويسمي العلماء هذه اللحظة أن الكون أصبح مرئيًا.  )) ،  واللفظبن اللذين وردا في النص هما السماوات والأرض، فهل يمكن لهاتين الكلمتين أو أحدهما وفق  اللغة العربية المعروفة قبل نزول القرآن أن يؤديا الى هذا المعنى. خاصة وأننا عرفنا من النص القرآني ”يوم تُبدلُ الأرضُ غير الأرضِ والسماواتُ“ أن الأرض والسماوات في ذلك اليوم غير ما نقف عليه وغير ما يعلونا.

 ولو نظرنا في معاني لفظ ”أرض“ نجد ما يلي:

في القاموس المحيط : ”مؤنثة؛ أسم جنس أو جمع بلا واحد، ومن معانيها كل ما سَفَلَ، وأسفل قوائم الدابة، والنفضة؛ والرعدة، وفي قول العرب هو ابن أرض أي غريب، ولا أرض لك أي لا أم لك.“

ويقول صاحب مقاييس اللغة ”أن أرض ثلاثة أصول : أصل يتفرع وتكثر مسائله، وأصلان لا ينقاسان، فأما هذان الأصلان فالأرض الزُّكمةُ ؛ رجل مأروض أي مزكوم، والآخر الرَّعدة، يقال بفلان أرض أي رعدة . أما الأصل الأول فكل شئٍ يسفل ويقابل السماء، يُقال لأعلى الفرس سماءٌ ولقوائمه أرض، ومنه الأرض التي نحن عليها وتجمع أرَضين.“

 ولو إستثنيا معنى الأرض كوكبنا ومعنى الأرض الزكمة، يتبقى لنا معناها النفضة أو الرعدة، والأولى  من النفض وهو تحريك شئ، ويغلب أن يكون تحريكًا فجائيًا وسريعًا؛ والثانية الرعدة وتدل على حركة وإضطراب، وهذين قريبين في التعبير وكلاهما يعبران عن حركة. والحركة إذا حدثت في شيء ساكن، تدل على طاقة وضعت في هذا الشيء الساكن فأخرجته عن سكونه. إضافة أن معنى لفظ الرعدة يحمل معه تكرار وتردد، وكلاهما الحركة والتردد من صور الطاقة.

 وهذا أحسن ما يمكن أن يعبر عن الطاقة الأولى التي بدأ بها الخلق الكوني، باستخدام ألفاظ اللغة في عصر الإسلام الأول، وخاصة أن نفس اللفظ يعبر أيضًا في معناه الشائع عن الأرض التي نقف عليها وهي ما توقع الناس في ذلك العصر أن تكون قصة الخلق متعلقة بها. وبحيث يؤدي اللفظ معناه المرحلي آنذاك، ومتى تقدمت علومنا، نستطيع أن نجد في نفس اللفظ معناه المرحلي المعاصر لنا، والذي يتوافق مع علومنا.

الألفاظ الأخرى التي كانت موجودة عند العرب زمن التنزيل منها لفظي الطاقة ((الطاقة: القدرة على الشيءِ وقيل هي اسم لمقدار ما يمكن الإنسان أن يفعلهُ بمشقة. وذلك تشبيهٌ بالطوق المحيط بالشيءِ. (لسان العرب) ))  والقدرة ((القُدْرة: القوَّة على الشيءِ والتمكُّن منهُ. أو هي صفةٌ تؤَثّر تأْثيرًا موافق الإرادة. وقال في التعريفات القدرة هي الصفة التي يتمكَّن بها الحيُّ من الفعل وتركهِ بالإرادة. (لسان العرب) )) ،  كلاهما ليس في معانيهما ما يدل أيضًا الى معنى الأرض التي نحيا عليها، ولم تكن علوم العرب أو البشر آنذاك، تعرف الطاقة كما نعرفها اليوم، ولا تعرف أن الطاقة صورة من صور المادة، وأن المادة صورة من صور الطاقة، ولا أن الخلق الكوني بدأ فجأة بنفضة عظيمة، ولم يكن القصد تعليم الناس علوم الطبيعة كما سبق ذكره في الباب الأول.

{يَوْمَ تُبَدّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ}ابراهيم : 48

 تفسير الألوسى: ”وقوله تعالى : ( والسموات ) عطف على المرفوع أي وتبدل السموات غير السموات والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير ومنه قوله تعالى : ( بدلناهم جلودا غيرها ) وقد يكون في الصفات كما في قولك : بدلت الحلقة خاتما إذا غيرت شكلها.“

 والمعنى لو كان تبديل صفات فإن صفة الأرض الكوكب أنها مادة، وتبديل المادة الى شكلها الآخر يكون تبديلاً الى طاقة. ولو كان التبديل لمدلول اللفظ وفق معاني كلمة الأرض في اللغة، فيصبح تبديل معنى ”كل ما سَفَلَ“ أي كوكب الأرض الى معنى النفضة والرعدة (وكلاهما يدل على الطاقة). وقوله تعالى ” والسماوات“ أي تبدل الى مثل ما بدلت إليه الأرض، أي الى طاقة أيضًا.

وعليه يمكن أن يعبر لفظ ”أرض“ اذا ورد في بدء الخلق، الأول والأخر، أنها تدل على الحركة أو النفضة، وكلاهما من التعبيرات التي تدل على وجود الطاقة. أما إذا وردت في غير هذين الحدثين، فينظر الى المعنى المناسب للنص، فقد تعني ما سفل، ومنه الأرض التي نقف عليها. ومن صفاتها أنها مادة، ومن صفاتها أيضًا أنها مسطحة (( هي مسطحة للواقف عليها ”وفق الهندسة الأقليديسية“ للمساحات المحدودة، وكروية للذي يراها من الفضاء.)) ، من قوله تعالى {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} حيث أن ما يسفل ويقابل السماء هو سطح الأرض، إضافة الى معنى الطاقة، ويتحدد أي من هذه المعاني وفق مناسبته لزمان الحدث ولمدلول الجملة.

قلنا منه المسطح لأن الأرض تبدو مستوية في عموميتها، ولأن أصل لفظي الأرض والسماء يعبران عن أبعاد ومستويات، يمكن إعتبار الأرض التي نقف عليها تعبر عن مستوى له بعدين متعامدين، ”س“ و ”ص“، بينما السماء والتي أصل لفظها يعبر عن علو وارتفاع، تكون معبرة عن بعد واحد هو الأرتفاع  ”ع“. فيكون تعبير السماء والأرض، يعبر عن ثلاثة أبعاد مكانية، ولو أضفنا اليهم البعد الزمني الرابع، يكون لدينا أبعاد الكون المشاهد الذي نحيا فيه، وهو الذي يعبر عنه القرآن بالسماء الدنيا، أو كلما ورد اللفظ سماء مفردًا.

معاني لفظ سماء:

”سمو : تدل على العلو، وسما علا ، وسما لي شخصٌ : أرتفع حتى إستثبته أو إستبنته ، والعرب تسمي السحاب سماء والمطر سماءً وجمعه إذا أريد به المطر سُمِىّ ، والسماء : سقف البيت، وكل عال مطلًّ سماء، حتى يقال لظهر الفرس سماء ويتسعون حتى يسموا النبات سماء، يقول الشاعر : (إذا نزل السماءُ بأرضِ قومٍ        رعيناهُ وإن كانوا غضابا) ويقولون : مازلنا نطأُ السماءَ حتى أتيناكم، يريدون الكلأ والمطر. ويقول صاحب القاموس المحيط سما سموا أرتفع والسماء سقف كل شئ، كل بيت ورواق البيت كسماوته ، والسحاب والمطر.“

وذكرنا أيضًا أن صفة الأرض التي نحيا عليها أنها مادة، ويمكن للمادة ان تتبدل الى طاقة، ويمكن أيضًا للطاقة ان تتبدل الى مادة، وفق معادلة أينشتين الشهيرة، وكلاهما وجهان لشيء واحد. قلنا أن الأرض بمعناها اللغوي تعني الأرض التي نحيا عليها وهذه مادة لها كثافة وتشغل حيزًا، واللفظ يعني أيضًا الطاقة قياسًا على الأصلين النفضة والرعدة، وعليه فقوله تعالى {يوم تُبدلُ الأرضُ} أي تبدل الى طاقة فتصبح  {غير الأرضِ}  أي غير الأرض التي نحيا عليها وهي مادة.

ويجب التنبيه هنا أن الأرض والسماوات الآن معظمهم مادة وان كان بهما طاقة، بينما عند بدء الخلق يكون ما في الكون معظمه طاقة وبه القليل القليل من المادة.

وعليه يكون المقصود من لفظ الأرض إذا ورد عند بدء الخلق التعبير عن الطاقة بصورتيها التردد والحركة السريعة، وهي ما بدأ بها الخلق الكوني. والحركة أيضًا تعبر عن الزمان، وأول الحركة بدء الزمان، وبهذا تكون معاني الآيات السابقة تدل أن الأرض بمعنى الطاقة وجدت أولاً ثم تشكل الكون وهو السماوات والتي كانت دخان ثم النجوم والكواكب ومنها الأرض.

وفي قوله عز وجل : {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم} الأرض هنا هي الطاقة، أي الطاقة التي خرج منها كل الكون، بمادته وطاقته واتساعه، بمجراته ونجومه وكواكبه، بالقوى والثوابت التي تعمل فيه، أي هو الذي خلق لكم الطاقة وكل ما فيها، من صفات وقوى وخصائص وكم، ينتج منها كل ما يحتويه هذا الكون.

أما قوله عز وجل  {أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها}  فالأرض هنا تدل على كوكبنا وهو آخر الخلق لورود لفظي  {بعد ذلك} وهذا يفيد مرحلة زمنية لاحقة متأخرة. ويجدر الإشارة الى ما قاله الأولين أن الدحي غير الخلق.

<< previous page next page >>

الباب الثاني

تمهيد

الكون وفق معارف القرن العشرين

 

         الشمس هي نجم متوسط الحجم، وكغيرها من النجوم، هي كرة غازية تحترق نواتها لعدة بلايين من السنوات بفعل الإندماج النووي، فتضيء ما حولها مانحة النور والدفء لكواكبها التي تدور حولها، والأرض كوكب من كواكب المجموعة الشمسية، تدور حول الشمس دورة كل سنة، ويدور حول الأرض تابع لها هو القمر، أي كلا في فلك يسبحون؛ القمر يدور حول الأرض في فلك له، والأرض تدور حول الشمس في فلك لها، والشمس  تقع على طرف تجمع نجمي يسمى مجرة، وتدور بدورها حول مركز المجرة.

 تتجمع النجوم لتكون تجمعات نجمية ضخمة هي المجرات، وتحتوي  المجرة الواحدة في المتوسط على عشرات البلايين من النجوم، ويوجد في أفقنا المشاهد أكثر من مائة بليون مجرة، وهناك أيضًا تجمعات مجرية كبري، والمسافات الكونية بين النجوم شاسعة، هناك نجوم قريبة منا، يستغرق ضوئها ((سرعة الضوء 300,000 كيلومتر في الثانية، أي أن المسافة التي يقطعها الضوء في السنة الواحدة هي 9,460,000,000,000 كيلومتر أي أكثر من تسعة آلاف بليون كيلومتر. وسعة الكون المرئي تزيد عن 14 بليون سنة ضوئية.))  عدة سنوات ليصل إلينا، بينما تقبع نجومَا ومجرات على مسافات بعيدة، فيستغرق ضوءها عدة بلايين من السنين ليقطع المسافة في رحلته نحونا. وكل هذه المجرات تتباعد عن بعضها في حركة مستمرة يمكن معها تشبيه سطح الكون بفقاعة متمددة مستمرة الإتساع. ويوجد في الكون أيضًا سحب غازية فضائية هائلة، ومادة معتمة لا نراها ولا نستطيع رصدها، ونعرفها بآثار جاذبيتها.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – يقينية تفسير النص

{أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها} سورة محمد 24


          إذا أخذنا بمعاني النصوص الدينية المتعلقة بالكونيات والخلق، التي ذهب اليها السلف بناء على علومهم ومعارفهم، فسوف نجد تعارضًا في بعض هذه المعاني مع ما توصلت اليه المعارف العلمية الحديثة. ويمكن حصر موضوعات هذا التعارض، في موضوعين أساسين، هما الخلق الكوني، وخلق الإنسان، ولهذا فعلينا  إعادة النظر في هذه النصوص، لنرى حقيقة توافق أو تعارض هذه النصوص ذاتها – وليس تفسيرها التراثي – مع علومنا المعاصرة.

           وكما جاء في مقدمة الكتاب، قد يتخلف التفسير في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف، كما هو حاصل في عصرنا هذا، حيث أن التفسير يتطلب الألمام بالكثير من العلوم الدينية والإنسانية وعلوم الطبيعة، ولا يستطيع أنسان أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قد يتخلف التفسير الموضوعي، عندما تتولى أمور التفسير فئة ليس لديها القدر المطلوب من العلوم الحديثة، وقد ينحو البعض منهم الى إنكار بعض النظريات وتخطيئها، مثل ما حدث للمسيحية منذ عدة قرون، مما أدى الى تنازل الكنيسة عن المعنى المطلق لسفر التكوين وركونها الى رمزية النصوص، وبالرغم أننا نأخذ بمبدأ متطلبات الصيغة الرمزية ((ضرب الله تعالى الأمثال للناس في مواقع كثيرة في القرآن، مبينًا رمزية السرد خاصة فيما يتعلق بالغيبيات وغيرها لتقريب المعنى الى ذهن البشر بما يعقلونه. وفي قوله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ما يدل أن معناها الحقيقي يتجاوز المعنى المباشر الذي قد يفهمه عامة الناس. {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}47/3 وهي تبين أن الأمثال صيغت بما يتناسب مع فهم الناس. ولفظ مثل الذي ورد كثيرًا في القرآن يقصد به التشبيه والتصوير، والمجاز هو تجاوز المعنى المباشر للعبارة إلى معنى آخر يتعلق به تعلقًا ما. ))  لهذه النصوص، التي نفترض أنها لم يقصد منها الخطاب العلمي البحت، إلا أننا يجب أن نتبين أسباب أختيار الأسلوب الرمزي، والقواعد التي يجب أن تحكمه، فقد تكون من الأسباب إضفاء البعد الروحي؛ أو التيسير مراعاة للقدرات الفكرية الخاصة بالمتلقي لهذا الخطاب، أو غيرهما. إلا أن هناك قاعدة أساسية يجب أن نتوقعها من الأسلوب الرمزي، وهي أنه لا يجب أن يؤدي الإسلوب الرمزي إلى الإخلال بالخبر، الى درجة تؤدي الى مدلول يتناقض مع حقيقته.

 

التأويل والتفسير المرحلي:

           الآيات الكريمة التي أشارت الى خلق الكون وخلق الحياة، تدخل ضمن الآيات  المتشابهات، والتي وردت في الآيتين الكريمتين: {هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات * فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (7) آل عمران. والتأويل هو إما أعادة الشئ إلى أوله أو إلى ما سيؤول إليه، وقد يبدو من ظاهر هاتين الآيتين، أن هذه المعرفة القاطعة المطلقة إما أنها فوق قدرات فهم البشر ((قد لا تفيد هذه الآية بعجز البشر عن التأويل، وقد ذهب البعض من الأوائل إلى القراءة  بما يؤدي إلى أن الراسخون في العلم قادرون على تفسيره، وفي الحديث أن رسول الله صلعم دعا لإبن عباس فقال : (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)  وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. (مختصر تفسير ابن كثير 265/الجزء الأول) )) ، أو أن القرآن قد وضع بطريقة لا يمكن معها تأويله قبل أوانه.

 ويهمنا النظر ببعض التفصيل، في  موضوع الآيات المتشابهات، لأن له إتصال وثيق بموضوع هذه الدراسة.

 أختلف الفقهاء في تعريف المحكم والمتشابه، وفي رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها؛ ومنها كل ما يتعلق بالغيبيات وآيات الخلق الكوني والأمثال.

 جاء في تفسير الطبري:  ”وَأَمَّا قَوْله : { مُتَشَابِهَات } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مُتَشَابِهَات فِي التِّلَاوَة , مُخْتَلِفَات فِي الْمَعْنَى.“

 التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، هو ما يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، وقد يكون هذا التغير نتيجة طبيعية لتطور المعارف البشرية. وهذا التفسير قد لا يطبق إلا على آيات الكون المشاهد بما فيه من ظواهر طبيعية وأحياء، أما الإخبار بأمور الغيب، فهذه لا نعلم بها وقد تخرج عن قدرات العقل البشري في تأويلها، ولهذا فهذه لا تؤول وأنما يؤمن بها.

 جاء في تفسير القرطبي: ”اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “ هَلْ هُوَ اِبْتِدَاء كَلَام مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , أَوْ هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله فَتَكُون الْوَاو لِلْجَمْعِ . فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّهُ مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , وَأَنَّ الْكَلَام تَمَّ عِنْد قَوْله ” إِلَّا اللَّه “.“

 ”وَمَذْهَب أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْوَقْف التَّامّ فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا هُوَ عِنْد قَوْله تَعَالَى : ” وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه “ وَأَنَّ مَا بَعْده اِسْتِئْنَاف كَلَام آخَر , وَهُوَ قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ“ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأُبَيّ بْن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة . وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ نَسَق ”الرَّاسِخُونَ“ عَلَى مَا قَبْله وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ . وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَة فَقَالَ : مَعْنَاهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ آمَنَّا ; وَزَعَمَ أَنَّ مَوْضِع ”يَقُولُونَ“ نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَعَامَّة أَهْل اللُّغَة يُنْكِرُونَهُ وَيَسْتَبْعِدُونَهُ ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُضْمِر الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعًا , وَلَا تَذْكُر حَالًا إِلَّا مَعَ ظُهُور الْفِعْل ; فَإِذَا لَمْ يَظْهَر فِعْل فَلَا يَكُون حَال،“

 ”قُلْت : مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجَاهِد غَيْره فَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الرَّاسِخِينَ مَعْطُوف عَلَى اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْم الْمُتَشَابِه , وَأَنَّهُمْ مَعَ عِلْمهمْ بِهِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ;“

”وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَيْضًا بِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْم ; فَكَيْفَ يَمْدَحهُمْ وَهُمْ جُهَّال وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس: ( أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ) وَقَرَأَ مُجَاهِد هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ;“

 ” قُلْت : وَقَدْ رَدَّ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل فَقَالَ : وَتَقْدِير تَمَام الْكَلَام ” عِنْد اللَّه “ أَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه يَعْنِي تَأْوِيل الْمُتَشَابِهَات , وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَ بَعْضه قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا بِمَا نَصَبَ مِنْ الدَّلَائِل فِي الْمُحْكَم وَمَكَّنَ مِنْ رَدّه إِلَيْهِ . فَإِذَا عَلِمُوا تَأْوِيل بَعْضه وَلَمْ يَعْلَمُوا الْبَعْض قَالُوا آمَنَّا بِالْجَمِيعِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا , وَمَا لَمْ يُحَطْ بِهِ عِلْمنَا مِنْ الْخَفَايَا مِمَّا فِي شَرْعِهِ الصَّالِح فَعِلْمه عِنْد رَبّنَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : قَدْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّاسِخِينَ بَعْض تَفْسِيره حَتَّى قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا أَدْرِي مَا الْأَوَّاه وَلَا مَا غِسْلِين ) قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَدْ عَلِمَ بَعْد ذَلِكَ فَفَسَّرَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ . وَجَوَاب أَقْطَع مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانه لَمْ يَقُلْ وَكُلّ رَاسِخ فَيَجِب هَذَا فَإِذَا لَمْ يَعْلَمهُ أَحَد عَلِمَهُ الْآخَر . وَرَجَّحَ اِبْن فُورك أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيل وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ ; وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِ عَبَّاس : ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل ) مَا يُبَيِّن لَك ذَلِكَ , أَيْ عَلِّمْهُ مَعَانِي كِتَابك .

وَالْوَقْف عَلَى هَذَا يَكُون عِنْد قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “. قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن عُمَر : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ تَسْمِيَتهمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب . وَفِي أَيّ شَيْء هُوَ رُسُوخهمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَم الْجَمِيع .

لَكِنَّ الْمُتَشَابِه يَتَنَوَّع , فَمِنْهُ مَا لَا يُعْلَم الْبَتَّة كَأَمْرِ الرُّوح وَالسَّاعَة مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِغَيْبِهِ , وَهَذَا لَا يَتَعَاطَى عِلْمه أَحَد لَا اِبْن عَبَّاس وَلَا غَيْره . فَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاء الْحُذَّاق بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْم الْمُتَشَابِه فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْع , وَأَمَّا مَا يُمْكِن حَمْله عَلَى وُجُوه فِي اللُّغَة وَمَنَاحٍ فِي كَلَام الْعَرَب فَيُتَأَوَّل وَيُعْلَم تَأْوِيله الْمُسْتَقِيم , وَيُزَال مَا فِيهِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَتَعَلَّق مِنْ تَأْوِيل غَيْر مُسْتَقِيم ; كَقَوْلِهِ فِي عِيسَى : ” وَرُوح مِنْهُ “ [ النِّسَاء : 171] إِلَى غَيْر ذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى أَحَد رَاسِخًا إِلَّا أَنْ يَعْلَم مِنْ هَذَا النَّوْع كَثِيرًا بِحَسْب مَا قُدِّرَ لَهُ . “ أنتهى

             

       عليه، فقد ذهب بعض الفقهاء الى أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل، بينما ذهب البعض الآخر الى أنهم يعلمونه، وفي آخر فقرة من المنقول عن تفسير الطبري، بين أن بعضه يمكن علم تأويله، وبعضه الآخر -الذي يدخل في باب الغيبيات- لا يعلم تأويله.

 ويتضح من الآية أن الرسوخ في العلم هو الطريق الوحيد الى فهم معاني المتشابه الممكن تأويله، شرط أن يجتمع العلم مع الإيمان، لقوله تعالى{يقولون آمنا به كل من عند الله}. أما المحكم فقد جاء عنه ” أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب“.

 وفي قوله تعالي {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } (19) القيامة . ما يدلنا أن بيان معاني القرآن هو مرحلة تعقب قرءانه وقد تكون مستمرة.

 والذي يدل أن الله سيبين للناس آياته العلمية المتعلقة بالكون المشاهد وبأنفسهم قوله تعالى : {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت. يقول ابن كثير:  ”سَنُرِيهِمْ آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أَنْفُسهمْ“ أَيْ سَنُظْهِرُ لَهُمْ دَلَالَاتنَا وَحُجَجنَا عَلَى كَوْن الْقُرْآن حَقًّا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْد اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَائِل خَارِجِيَّة ” فِي الْآفَاق “ مِنْ الْفُتُوحَات وَظُهُور الْإِسْلَام عَلَى الْأَقَالِيم وَسَائِر الْأَدْيَان قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ وَدَلَائِل فِي أَنْفُسهمْ قَالُوا : وَقْعَة بَدْر وَفَتْح مَكَّة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ نَصَرَ اللَّه فِيهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحْبه وَخَذَلَ فِيهَا الْبَاطِل وَحِزْبه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ مَا الْإِنْسَان مُرَكَّب مِنْهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ مِنْ الْمَوَادّ وَالْأَخْلَاط وَالْهَيْئَات الْعَجِيبَة كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي عِلْم التَّشْرِيح الدَّالّ عَلَى حِكْمَة الصَّانِع تَبَارَكَ وَتَعَالَى.“ 

 وفي قوله تعالى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (93) النمل، ما يدل على قدرتنا معرفة هذه الآيات عندما يكشفها الله تعالى لنا.

 ولفظ الآيات المذكور في الآيتين السابقتين وغيرهما يراد به المعجزات، ومنها الآيات الكونية وآيات الخلق، وهذه معجزات تدل على الخالق المهيمن. بينما تعود الهاء في أنهُ في {..حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ .. } الى {..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} 41 فصلت. وهذا يدل على تطابق الآيات الكونية التي سنراها في الآفاق وفي أنفسنا مع الآيات المتعلقة بهذين الموضوعين في القرآن الكريم.

 ونلاحظ في هذه الآية الكريمة من سورة فصلت، أن رؤية الآيات تحدد في موقعين، في الآفاق وفي أنفسنا، أما الآفاق، وهي منتهى البصر وحدوده، أي أقصى ما يمكن أن نشاهده في السماء، فهذا كما اكتشف العلماء مؤخرًا، نرى فيها تاريخ الخلق الكوني، فنحن عندما ننظر في الآفاق، نرى الكون كيف كان منذ بلايين السنين، وهي الفترة التي استغرقها الضوء حتى يقطع هذه المسافات الكونية الهائلة، بل وأن كل فهمنا العلمي لمعجزة بدء الخلق الكوني وتاريخه، أستمده العلماء من خلال النظر الى هذا الأفق السماوي، باستخدام تلسكوبات منها الفضائية كهابل ودبليو ماب. أما المعجزة الثانية وهي خلق الحياة فهذه تبينها لنا دراسة الجسم الحي، والتي من خلال علوم التشريح والوراثة والخلايا وعلوم الحفريات والمتحجرات يتمكن العلماء من تكوين فهم لمعجزة خلق الحياة. هاتين هما معجزتي الكون المشاهد، واللتين يمكننا أن نراهما في كل الأزمان والعصور، أما معجزات ما هو خارج الكون المشاهد وما هو خارج الكون، فلم يرد ذكرهما لأنهما من الغيبيات.     

 أما قوله تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} الاسراء.. فيدلنا أن عقولنا لا تقدر على الخوض في أمور الغيب لأن علومنا يحدها مجال العالم المشاهد، أنظر قوله تعالى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}. وتمنع هذه الآيات البشر من الخوض في الأمور الغيبية رحمة بهم، بينما تدعو الآيات من سورتي فصلت والنمل والكثير غيرهما، الى التفكر في أمور الكون المشاهد كقوله تعالى {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) آل عمران. وقوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}(21) الذاريات.

          مما سبق نجد في آيتي سورة آل عمران وبناء على ما قال به السلف، أن الراسخين في العلم قد يعلمون تأويل الآيات المتشابهات المتعلقة بالعالم المشاهد، بينما نجد في قوله سبحانه وتعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علمٍ هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ….. } 7/53  وهذه الآيات لم تحدد المتشابهات، وإنما شملت الكتاب كله، وحددت ان تأويله يكون عند إنتهاء الزمان أو البعث، والمخاطب هنا هم المشركين والتأويل هنا كناية عن عاقبة الأمور وما ستؤول إليه وتحقق ما كانوا يوعدون به من حساب وجزاء.

 وقد يدل هذا أن التأويل المطلق أي تحقق كل ما في القرآن من معان سوف يكون في نهاية الزمان، عندما تؤول الأشياء إلى نهاياتها، بينما دلتنا الآيات في سورة   فصلت أن الله تعالى سيرينا الآيات في الآفاق وفي أنفسنا فنعرفها فيتبين لنا أن القرآن حق، ويكون هذا في حياتنا وقبل يوم البعث، وحيث أن هذه المعرفة أو الفهم للآيات ليس هو التأويل أي معرفة منتهى الحقيقة المطلقة، وحيث أن المتشابهات تدل على التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، أي يتقدم فهمنا لها مع تقدم ما نراه ونتعلمه في الأفاق وفي أنفسنا، وهذا يسمح باستنباط المعاني المرحلية التي تنبثق عن تفاعل النص الثابت مع المعارف الإنسانية في مراحل تقدمها، ليولد المعنى الذي نطمئن إليه لأننا لا نجد فيه تعارضًا مع معارفنا العلمية المرحلية التي نعتقد بصحتها. وقد ذهب السلف الصالح الى تفسير الآيات المتشابهات في الموضوعات التي نحن بصددها وفق معارفهم وعلومهم واطمأنوا إليها.

 نعلم أننا في هذا الأفتراض قد أضفنا أن النص لن يتعارض مع العلوم التي يتفق علماء عصر ما على صحتها، وان ثبت عدم صحتها في عصر لاحق، وهذا لم نستدل عليه من النصوص، وإنما مما وجدنا عليه تفسير السلف الذي وافق معارفهم واطمئنوا اليه، وما وجدناه في هذه النصوص من موافقة لعلومنا الحديثة والتي اختلفت جذريًا عما كانوا في السابق يعتقدون به. ولأن التأويل الصحيح المطلق لن يكون إلا في نهاية الزمان، وعليه ففهمنا سيكون مرحليا، وحيث أن هذا الفهم المرحلي سيوافق معارفنا، سيعلم الذين أرتابوا أن النص حق.

 وهذا الفرض الذي وضعناه هو فرض بشري يمكن أسقاطه إذا تبين خطأه، وحتى الآن فهو صحيحًا بالدلالات التي أوردناها، والتعميم الذي اتبعناه مستدلين بحالة واحدة صح فيها، ليس كافيُا لدعم الفرض، ولهذا نقول أنه قد يكون صحيحًا حتى يتم نقضه فنسقطه، إذ أن مرجعنا الأول هو دلالة النص.

 لقد وضع العلماء في هذا العصر شروطًا وقواعد تحدد صحة الإستدلال العلمي، يصعب معها اجتماعهم على صحة نظرية قد يثبت في المستقبل خطأها في كليتها، وانما يمكن تطويرها الى الأقرب ثم الأقرب من الحقيقة. ولهذا فإن أهم مرحلة كان يتعين على النص أن يتخطاها هي المرحلة التي خطتها المعارف البشرية من عصور المعرفة التي لم تقم على أسس علمية، الى عصر العلم الحديث الذي تتشكل وتتقدم فيه المعارف وفق أصول وقواعد هذا العلم. هذه هي المرحلة الأصعب، وقد إستطاع النص الثابت مواكبتها.

 ولهذا نفترض أن الآيات المتعلقة بموضوع العالم المشاهد أي الطبيعة وآيات خلق الإنسان؛ قد صيغت بحيث تتفاعل مع المعارف البشرية حتى يولد المعنى، وطالما أن المعارف بطبيعتها متطورة، فالتفاعل عملية مستمرة، والمعاني متطورة. وكما رأينا كيف أن النص لم يتعارض مع علوم السلف، والتي تبين عدم صحة بعضها، لهذا نتوقع أن النص ذاته لن يتعارض مع علومنا، التي نعتقد بصحتها المرحلية.

 وحيث أننا افترضنا تغير معنى النص الثابت، فلن يكون هذا تأويلا، وإنما هو فهمًا بما يتناسب مع مرحلية المعارف البشرية. وهذا لا يختلف عن النظريات العلمية المتطورة التي لا يدعي أي من العلماء أنها الحقيقة المطلقة أو التأويل المطلق لكتاب الطبيعة المشاهد والمحسوس.

           أن عجزنا عن التأويل المطلق للنص؛ يقابله عجزنا العلمي عن بلوغ الحقيقة المطلقة، أي أننا عندما نحاول المقارنة ، فاننا نقارن بين فهم تقريبي وعلم تقريبي، إلا أن ما ييسر الأمر علينا، أننا نبدأ ولدينا بعض المعنى الذي نعتقد أن النص يشير إليه، وقد يقول قائل أن المعنى طالما أنعكس عن مرآة المعرفة، لن يتعارض بالطبع معها، إلا أن هذا ليس باليسر الذي ينوه اليه هذ القول، فالنص ألفاظه ثابتة، ومدلولات الألفاظ متفق ومتعارف عليها منذ قديم الزمان، وتحكمنا في هذه العملية قواعد اللغة العربية والتقيد بالمعاني الثابتة لكلماتها، وكل هؤلاء؛ من نص وقواعد ومعاني الألفاظ ومباني الجمل؛ ثوابت لا نملك تعديلها أو تغييرها، وقد أعتمدنا على معاجم اللغة التي سطرت منذ ما يقرب من ألف سنة، وثبتت على ذلك، وأصحابها اعتمدوا على المعاني في اللغة المتداولة قبل وأثناء عصر النبوة، فان أدت هذه المعاني اللغوية الى ما لا يتعارض مع علومنا المعاصرة، فسيكون هذا إعجازًا.

          ويجدر القول هنا أن بعض فقهاء الأمة منذ عدة عقود، قد نظروا الى هذا الأمر من زاوية مختلفة، بعد أن تبين لهم أن العلم متطور، وأن نظرياته دومًا متغيرة ومتبدلة، تحل الواحدة محل الأخرى وتنسخها، فقالوا أنه ليس من الحكمة أن نوفق بين معاني النصوص القرآنية ونظريات علمية قد تندثر بعد حين.  وهذه وجهة نظر يؤخذ عليها أننا في هذا العصر، بالرغم من علمنا أن العلوم السابقة التي أخذ بها السلف في معرض تفسيرهم للآيات العلمية قد تغيرت وتبدلت، ومع ذلك بقيت تفاسير السلف لهذه الآيات تتداول بين الناس، فأين الحكمة في إبقاء ما نعلم أنه ليس صحيحًا، لأننا ننتظر أن يتوصل العلم الى الحقائق النهائية المطلقة.

 قد لا يوجد في العلوم الطبيعية نظريات ثابتة أو مكتملة، إذ أن النظريات حتى الصحيح منه، تظل تتقدم من صحيحة إلى أصح، ومن قريبة من الحقيقة إلى الأقرب، وقد لا تصل أبدًا الى الحقيقة ذاتها. ولا يدعي العلماء أن أي نظرية لديهم وإن ثبتت بالتجارب ووافق المشاهد في الطبيعة توقعاتها أو تنبؤاتها، أنها أصبحت مطلقة أو أن نتائجها حتمية، وإنما تعنى أن إحتمال حدوث النتيجة عند توفر الأسباب والظروف يصبح إحتمالا كبيرًا الى درجة عالية. ولهذا فان إنتظار توصل العلم الى الحقائق الثابتة المطلقة قد يطول، وخاصة أن من الموضوعات الأساسية التي تهمنا، خلق الكون وخلق الحياة، لن يمكن البت فيهما ربما لزمن طويل، وربما أبدًا.

 هناك فرقًا بين ما نعلمه ونحدده ونصفه من المشاهدة والنظر في الطبيعة Observation, identification, description،    وبين ما نستنتجه كتفسير للظاهرة Theoretical explanation of phenomena. بعد إجراء التجارب واستنباط المعادلات التي تحكم العلاقة بين الأسباب والنتائج وبعد مطابقة تنبؤاتها مع الواقع.

 إن الذي قد يتغير ويتبدل هو النظرية التي تفسر هذه الظواهر، والى حد ما المعادلات التي يمكن أن تستبدل بما هو أكثر منها دقة أي أقرب للحقيقة ولكن لا تخطئها، مثال ذلك استبدال قوانين الجاذبية لنيوتن بقوانين أينشتين. أما المشاهدات فهذه لا تتغير وإنما يمكن أن يضاف عليها كلما صنع العلماء أجهزة حسية أقوى أو أفضل، أو استطاعوا وضعها في الفضاء لتتمكن من نقل صورة أوضح وابعد.

           ولهذا فعندما تصف علومنا الكون أن به نجوم ومجرات وتجمعات، وأن عمره يقدر ببلايين السنين، وأن الحياة وجدت على الأرض منذ بلايين السنين، وأن الإنسان ظهر عليها منذ ملايين السنين، فهذه كلها مشاهدات وحقائق لا يصح أن ينكرها أحد.

          أما النظريات التي لها أسس علمية تجريبية سليمة، فقد يمكن أن نجد أكثر من نظرية تفسر نفس الظاهرة، حتى يتبين من مشاهدات ومعلومات جديدة، ترجيح واحدة على الأخرين.

 وهناك نظريات مثل تلك التي تبحث في نشأة الكون، تقوم على افتراضات ومعادلات رياضية ونماذج حسابية Computer models، ولدينا عدة نظريات متنافسة، أقدمها الكون المستقر الأبدي،  ثم النشأة المفردة أو التي تسمى الإنفجار الكبير، مرورًا بالأوتار الفائقة ونظرية (م)، ثم الكون المتذبذب  cyclic universe و kpyrotic scenario . وفيما عدا نظرية النشأة المفردة، فان بقية النظريات تهدف الى ايجاد الكون من شيء آخر سابق له، أي تتحاشى فكرة الخلق أو الوجود من لا شيء، أو تقول بأنه موجود منذ الأبد. وغالبًا تتفق كل هذه النظريات في الأحداث التي أعقبت نقطة النشأة وبعد تكون الذرات. وحاليًا تُرجح نظرية النشأة المفردة، فيما يتعلق بالأحداث التى أعقبت حالة ال Singularity، خاصة بعد نتائج المكوك WMAP التي اعلنت في 2006 .

           كل هذا تفاصيل ليس لها تأثير على موضوعنا، فان قالت هذه النظريات أن الكون نشأ من نشأة مفردة أو عبر سلسلة من الأكوان السابقة، فالمنطق العقلاني يرجح أن يكون هناك بدءًا لهذه الأكوان السابقة، كل ما تفعله هذه النظريات هو في إرجاع نقطة البدء الى زمان أسبق، ولكنها كلها تتفق أن هناك بدءًا لكوننا هذا وان كان هناك ما قبله ((ليس في النص ما يدل على أنه لم يكن هناك أي شيء قبل خلق العالم، بل وتدل الآيات عن وجود الماء والعرش، والكون المخلوق يستدعي بالضرورة أن هناك ما قبله وما حوله وما بعده، وكل هؤلاء من الغيبيات التي ليس لنا مصدر لمعرفتها إلا النص، نؤمن به كما نزل، ولا نبحث فيه.)) ، أما من قال أنه كذلك منذ الأبد، فليس هذا من العلم به، وانما افتراضًا لا يقوم على أي دليل من جهة، وهروبًا من البدء في الجهة الأخرى، وهذه نظرية هجرها أغلب العلماء منذ سبعينات القرن العشرين.

           فيما عدا المشاهدات التي يجب علينا اعتمادها على أنها صحيحة، يمكن الأخذ بالنظريات على أنها تفسيرات مرحلية لظواهر الكون، والذي يهمنا هنا أننا نقارن بين نظريات علمية تقريبية، وفهمًا مرحليا للنصوص المتعلقة بهذه الموضوعات، والتي وردت في الآيات المتشابهات، والتي نعلم أن تأويلها الصحيح لن يكون إلا في نهاية الزمان، ولهذا فمن الممكن تفسيرها مرحليًا، وكما أن التفسير السابق في المراحل السابقة أدى دوره وقبله الناس لأنه وافق معارفهم، يكون تفسيرعصرنا الحالي وفق علومنا مرحليًا ولا نقول أنه التفسير المطلق، وقد ياتي زمان في المستقبل، يجد فيه أهله تفسيرًا مرحليًا آخر يختلف عن الذي نراه، فلا يخطئون تفسيرنا وانما يقبلون أنه كان تفسيرًا مرحليًا وافق معارفنا.

 

وظيفة النص العلمي في الخطاب الديني:

           نتوقع من أي رسالة سماوية أن تحتوى على إجوبة مقنعة للأسئلة التي تدور في أذهان الناس، عن من أين جاء هذا الكون، وكيف خلقنا وما هو مصيرنا وهل هناك شيئا بعد الموت.

           ولو نظرنا في المعلومات المتعلقة بعالم الشهادة، أي العالم المشاهد، سترد هذه المعلومات في الرسالة السماوية بقصد تأكيد صدقها، أي كحجة وبرهان، ولهذا لا نتوقع أن يرد ذكر موضوع خلق الكون كمادة علمية مجردة، لأنه لو ورد كمادة علمية لما أدى دوره كحجة وبرهان لدى قوم يجهلون النظريات العلمية الصحيحة، ولهذا كان من الحكمة أن تصاغ المعلومات الصحيحة في صيغة تتناسب مع معارف المتلقي، فالحجة يجب أن تكون مقنعة حتى تقوم بالغاية المطلوبة منها. ولأن الحجة لا يراد منها أن تصبح قضية يُجادل فيها؛ توجب فيها ألا تتعارض مع المعارف الإنسانية في أي مرحلة من مراحل تطوره.  

           وقد بدأنا القول بما يؤدي الى أن الفهم البشري للنصوص في هذا العصر؛ قد يتعارض بعضه فعلا مع العلم المعاصر، وأن السبب في ذلك يعود الى تخلف التفسير عن مواكبة التطور العلمي، وأنه ما زال يعتمد في أكثره على تفاسير السلف؛ دون أن يتفاعل هذا النص مع المعارف الحديثة حتى يتولد الفهم المرحلي الجديد.

           وعليه، نجد أن النصوص الكونية ونصوص الخلق في القرآن، وردت على إنها حجة وبرهان لدعم جوهر الرسالة الروحي، وأنها ليست مقصودة في حد ذاتها أي بمعناها العلمي البحت، وليس الغرض منها تعليم الناس أو إحداث طفرة علمية لبشر ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها.

           من الصحيح ان الدين الإسلامي قد جاء بطفرة أو ثورة إجتماعية سياسية إقتصادية غيرت من أخلاق وتقاليد وعادات المجتمع العربي خاصة والبشر عامة، ولكن ليس صحيحًا أو مطلوبًا أن يأتي الدين الإسلامي أو غيره بثورة علمية. لقد جابهت الدعوة الإسلامية الجديدة معارضة عنيفة كادت أن تودي بها في المهد، وليس من المنطق السليم أن نتوقع منها إحداث ثورة علمية أيضًا. لقد كان الرسول صلعم محاطًا باليهود ينظرون في الآيات ويمحَّصونها ويحكمون بصحتها أو زيفها بناء على معتقداتهم التوراتية، وخاصة فيما يتعلق بالكونيات وقصة خلق البشر، وكان بعض العرب الذين يتلقون هذه الرسالة يرجعون إليهم ويعتبرون برأيهم ويحكمون بموجبه على مصداقيتها، والتي أعلنت عن نفسها أنها آخر الرسالات السماوية وإنها مصححة ومكملة وخاتمة لما سبقها. أضف إلى كل هذا أن مبلغ العلوم الكونية عند العرب والبشر عامة؛ كان لا يتعدى خليطًا من النصوص السابقة؛ ومن كون أرسطو وأفلاطون؛ وما تفتقت عنه الأساطير والمعتقدات القديمة، فلماذا تأتِ الرسالة بطفرة علمية تحدثها في قوم ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها. أو تتضمن برهان عليها يحتاج في حد ذاته إلى برهان.

           ذكرنا أنها ثورة في أكثر من مجال فلماذا قلنا أنها لا تكون علمية أيضًا.  إضافة الى أن هذا يخرج بالرسالة عن موضوعها الأساسي، سوف نجد أن العلم يختلف عن غيره من المعارف، ولا يستفاد منه إلا بالترقي فيه درجة درجة وجيلا بعد جيل، العلم لا يمكن إيجازه في كتاب، وإنما هو ثمرة محاولات وتقدم وتجارب ومشاهدات.

           يقول لسنج ( مجموعة مؤلفات لسنج عن تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور – هامش ص259- نقلاً عن كتاب في فلسفة ابن رشد – الدكتور محمد بيصار -ص95): ”لا ينحصر فضل الإنسان في إمتلاكه الحقيقة، وإنما فضله في الجهد الذي يبذله مخلصًا في السعي إليها . ولا تنمو ملكات الانسان بامتلاك الحقيقة، بل بالبحث عنها، وكماله المتزايد ينحصر في هذا وحده، بل إن إمتلاك الإنسان للشئ يميل به إلى الركود والكسل والغرور. ولو أن الله وضع الحقائق كلها في يمينه، ووضع في شماله شوقنا المستمر إليها وإن أخطئناها دائمًا؛ ثم خيَّرني، لسارعت إلى إختيار ما في شِماله “.

           ان الرسالات السماوية ليس من أغراضها إحداث طفرة علمية، وإنما الإرتقاء الروحي والتوجيه الأخلاقي، ولهذا تحرص على عدم خلخلة الفكر العلمي المعاصر لها، ولهذا جاءت كلها بحيث لا تتعارض مع المعتقدات العلمية آنذاك، ولأنها رسالة إلى كل البشر اللاحقين، والذين سوف تتطور معارفهم العلمية وتتغير، كان يجب على هذه الآيات إما:

(أ) أن تخاطب بشر المستقبل بما لا يتعارض مع معارفهم، أو

(ب) تعتمد على تقديرهم أن الجزء العلمي الذي تضمنته الرسالة، إنما كان وقتيا ليتناسب مع معارف ذلك العصر السابق، لتفادي إحداث زلزلة فكرية قد تضر بالتدرج التطوري للفكر الإنساني. وأنه متى إستـتبت الرسالة الدينية وقويت، فان عنصر الإيمان الغيبي سوف يتغلب على عدم توافق بعض هذه الآيات العلمية مع المعرفة الحديثة، وسوف يستطيع الإنسان المتأخر زمنيًا والمتقدم علميًا أن يعي مرحلية هذه الآيات ورمزيتها.

 ولا شك أن (ب) هو ما نراه حولنا الآن، فبالرغم من تنازل المسيحية عن المعنى المطلق لسفر التكوين، فالمسيحيون عامة مؤمنون بالدين المسيحي وبالوجود الألهي، ومقتنعون بفكرة القصد الرمزي لها. بينما إستطاع المسلم أن يمضى في طريقه دون التأثر كثيرًا بالمعركة التي دارت رحاها في أوروبا في القرون الأربعة الماضية .

 إلا أن ثراء النص الإسلامي والتفصيل الذي ورد فيه، وقدرته على التفاعل مع الفكر المعرفي في كافة عصور التطور البشري، لا يسمح لنا بالتقاعس واللجوء الى مقولة رمزية النص، إذ أنه الدين المصحح المتمم الخاتم.                        

 وقبل أن نترك هذا الفصل، يجب التنويه هنا أن البرهان الذي ذكرناه ليس هو البرهان التجريبي القاطع، وأنما هو البرهان الكلامي المقنع، الذي تطمئن إليه النفوس لأنه يوافق المعروف والمتعارف عليه. وقد سبق أن بينًا أن البرهان المطلق القاطع ليس متاحًا في هذه الحياة الدنيا.                        

 

حدود الخطاب الديني:

            أما وقد تبين لنا أن الغرض من سرد النصوص الكونية قد يكون الحجة والبرهان، مع تصحيح ما شاب نصوص الرسالات السابقة من جراء الإضافات التي قام البشر بوضعها عن حسن أو سوء نية، علينا أن ننظر الى وسيلة الخطاب الديني ومدى قدرتها على نقل المعلومات، ووسيلة الخطاب هي اللغة ((تحمل اللغة  دلالات و معان ورموز للتعبير عن عالم الأشياء و الظواهر.)) ، واللغة لا تصلح إلا بناء على معرفة سابقة، ليس بها فقط وإنما بالموضوع ذاته أو ما يماثله أو يشبهه، وقد تعجز اللغة في حالات كثيرة أو نضطر لتقريب المعنى الى درجة قد يفقد معها الكثير من واقعه، منها كيف نصف عوالم أخرى تختلف كلية عن عالمنا ولا يوجد لها مثل فيه.

          لا شك أن هناك حالات يستحيل فيها التعبير اللفظي، فاللغة لا تستطيع سوى التعبير الدقيق عن الموجودات التي يمكن معرفتها بالجوارح، وما يمكن الإشارة إليه أي الأسماء. فيما عدا ذلك فاللفظ المعبر عن أي شئ يعود الى التجربة السابقة ودرجة الفهم والقدرة على التخيل، وهذا ينطبق على كل ما هو ليس بمحسوس كالزمن والجاذبية والضمير والروح والغيبيات، وأغلبها نعرفها بآثارها وليس بذاتها، وعجزنا عن معرفة الذات الإلهية هو عجز مطلق، يبينه قوله تعالى {ليس كمثله شئ وهو السميع البصير} الشورى 11.

           نحن نصف الإشياء، والوصف هو استخدام محسوس أو مشاهد لتقريب شيء غيبي، ولكن ماذا عن محاولة وصف ما لم يره أو يحسه أحد منا قط (عدا الواصف طبعًا)، يشترط في الواصف أن يستدل بأشياء محسوسة ليدل على أشياء غيبية، فلو لم تتوفر الأشياء المحسوسة التي من خلالها يمكن وصف الشئ الغيبي، كان عليه الإستدلال بأقربها شبهًا، أو تركيب أجزاء من المتشابهات لوصف الكل الذي ليس له مثل، وفي هذا تنازلاً عن الدقة المطلقة رغبة في نقل المعلومات، أي أن الفرق بين الفكرة والتعبير اللغوي عنها قد يكون كبيرًا الى حد قد يصل إلى أن تتشوه معه صورة الفكرة الأصلية. 

           البلاغ الديني هو الخطاب الصادر عن الله تعالى إلى البشر في صورة الرسالة اللغوية الثابتة والدائمة ( القرآن الكريم)، وفي صورة السنة الوقتية المجسمة في مُبلّغ الرسالة وهو الرسول صلعم، وإقتصار الرسالة الدائمة على وسيلة التعبير اللغوي فقط يحصر إمكاناتها، في حدود قدرة هذه اللغة على البيان من خلال حجم مفرداتها وإرتباط هذه المفردات بالمعاني التي تدل عليها، واللغات بصورة عامة تتطور في حجم ودلالات مفرداتها، إلا أنها تظل محدودة بحدود الأفق المعرفي للمجتمع الذي يستخدمها، ولا يمكن أن تعبر اللغة في أي وقت عما لا يعرفه هذا المجتمع، أي لا يمكن أن يوجد لفظ في لغة يدل على شئ لا يعرفه الناس بعد، خيالا ((حتى الخيال يجب ان يكون مركبًا من محسوسات، فالملائكة قد نتخيلها كمخلوقات لها أجنحة وكلاهما معروف.))  كان أم حقيقة ، ولهذا فإن قدرة البلاغ اللغوي محدودة في إطاري قدرات اللغة ومعارف الأمة، وحيث أن المعرفة مستمرة في النمو والتطور، فإن على اللغة المعبرة عن هذه المعارف أن تستمر في النمو والتطور لمواكبة متطلبات النماء الفكري والعلمي (خاصة)، ولا شك أن التعبيرات اللغوية العلمية في القرن السابع كانت محدودة للغاية، وقد تعجز لغات العالم عن التعبير لمواكبة الطفرات العلمية المستوردة، ولهذا نشأت المصطلحات العلمية التي يُتفق بين العلماء على مدلولاتها.

           جاء القرآن برسالة إلى كل البشر في كل العصور، ولهذا لم يعتمد كغيره من الرسالات التي سبقته على المعجزات المباشرة، فالمعجزة لا يمكن إعادة إجراءها في كل عصر، ولو تم هذا لفقدت صفة المعجزة، واصبحت من الظواهر الكونية المتكررة ولوجدنا لها قانونًا يحكمها. والمعجزة رهن بصدق المشاهد وتصديق المتلقي لخبرها، وتفتح بابًا للمجادلة والإنكار، لا يمكن معه التحقق العلمي من صحتها، والعهود اللاحقة ليس لديها سوى الكتاب والسنة. التفاسير والكتابات البشرية التراثية تعاملت مع الكتاب في آيات الكون والخلق بفكر عصرها، ولا يفترض فيها ما يصح أن يفترض في القرآن، ولهذا يجب أن يكون الإعتماد الأول في الآيات العلمية على الكتاب، الذي بين أيدينا كما نزل من عند الله تعالى، وهو الرسالة السماوية الموجهة إلى عصرنا وإلى غيره من العصور البشرية.

 

حدود قدرات المتلقي:

           والرسالة لها أركانها، الـمُرسلُ والموضوع والوسيلة والـمرسل إليه، والمُرسل هو الله تعالى ذو العلم المطلق والقدرة المطلقة، والمرسل إليهم هم البشر ذوي القدرات المحدودة، والموضوع هو الهدى وتعليم الحكمة؛ والوسيلة هي اللغة المنطوقة أي الكلام، وتحددت اللغة بالعربية  (({إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} الزخرف 3 ، { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} الدخان58، { كتاب فصلت آياته قرءانًا عربيًا لقوم يعلمون} فصلت 3، { وكذلك أوحينا إليك قرءانًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها …} الشورى 6))  فكانت معاني الألفاظ طبقًا لدلالات الكلمات في هذه اللغة {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} يوسف2. ولهذا فعلينا أن نسلم أن الرسالة حتى تكون مفيدة يجب أن تصاغ في حدود قدرات من يتلقون الرسالة وفي حدود إمكانيات لغتهم. أي أن محدودية الرسالة منوطة بمحدودية المتلقي وقدرات لغته؛ ولا علاقة لها البتة بقدرات المُرسل طالما كانت أرقى من قدرات المتلقي في كل النواحي الفكرية وغيرها (( يقول السيد سعدون محسن ضمد تحت عنوان  حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني: ”وهنا تبرز إشكالية قصور آلة الإدراك الإنسانية ـ من جهة المتلقي، حيث أن هذه الآلية ستعمل على تقييد المعطيات المستوردة من جهة ما وراء الطبيعة لجهة الطبيعة، وعندها ستفقد تلك المعطيات الكثير من قيمتها باعتبارها منزلة من قوة فوق إنسانية، لأنها ستترجم بلغة أو بمفاهيم الإنسان، وحينها ستتحول إلى معطيات إنسانية، أو لا أقل، إلى معطيات نصف إنسانية، ولن تعود معطيات فوق إنسانية مئة بالمئة. فكيف يتسنى للإنسان أن يفهم المعطيات الغير طبيعية، وهو يعتمد على آلية المعالجة، التي تستند بدورها لجمة مفاهيم طبيعية، بعبارة أوضح، فعندما تعمل هذه الآلية على استيراد مفهوم ماوراء طبيعي، فإنها وخلال عملية فهمه، ستضطر لمعالجته (مقارنة، تشبيه، استنباط)، بالمفاهيم الطبيعية، وهكذا ستجري عملية قياس يكون نتيجتها مفهوم إنساني (طبيعي أو نصف طبيعي)..“)).

 

قضية التعارض:

           نسلم أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارضًا بين المعتقدات الصحيحة المنبثقة عن الفهم الصحيح للنصوص الدينية التي تتعلق بأي من الموضوعات العلمية كالكونيات والخلق والطبيعة، وتلك التي توصل إليها العقل البشري بطريق وسائل المشاهدة والإستدلال والإستنباط العلمي، فكلاهما يعود إلى نفس المصدر الإلهي، وكلاهما يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية، التي بالضرورة الدينية نشأت نتيجة الإرادة الإلهية، ولهذا فإتباعًا لأسس الفكر الديني نجد أن الطبيعة والنص الديني صادرين عن مصدر واحد، ولا يجوز أن يشوبهما أي تعارض. ويتم فهم الرسالة الدينية ورسالة الطبيعية من خلال العقل البشري، الأولى من خلال النصوص والثانية من خلال المشاهدة والإستنباط العلمي والتجربة، ولو فرض وجود تعارض فالتعارض سيكون بالضرورة نتيجة خطأ في الفهم لأي من الرسالتين. ويجب أن لا يغيب عن ذهننا أن فهمنا رهن بتطور وصحة معارفنا، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن معارفنا البشرية قد إكتملت، بل وفي هذا العقد من الزمان، يعرف الراسخون في العلم أننا بعيدون عن ذلك، أبعد مما كنا نعتقده عندما نعمت البشرية بالثقة المفرطة في عالم نيوتن ذو الزمان والمكان المطلقين .

           من المسلمات الدينية الغير قابلة للجدل، أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارض بين الدين والعلم. والدين من جانبه يدعو الإنسان إلى طلب العلم وتطويره، حيث أن العلم أداة هامة في عملية إعمار الأرض المنوط بها الإنسان، إضافة إلى أن العلم يؤدي إلى فهم أفضل لطبيعة الكون، ويمتلأ القرآن بالآيات المشيرة إلى أهمية العلم، ويخاطب العلماء خاصة لقدرتهم على الفهم الأفضل لعظمة الخلق بل ولإعجاز القرآن ذاته، إن دعوة القرآن الى الإهتمام بالعلم والحث عليه جلية واضحة لا تترك ذرة من شك في مضمونها.

           ولهذا فنحن نجد أن الدعوة القرآنية لتحصيل العلم وممارسته، وأسلوبها في الحث على المشاهدة والإستنباط دعوة متقدمة على وسائل الفكر العلمي آنذاك، الذي كان يقوم على المنطق العقلي وحده، والذي يعود إلى فلاسفة اليونان، قد لا نستطيع البت في أن أسلوب التجربة قد ورد في القرآن، إلا أنها نتيجة طبيعية للمشاهدة، فالتجربة هي في أبسط صورها محاولة تكرار الظاهرة التي تبينت من المشاهدة، وقد نجد في قصة النبي إبراهيم عليه السلام، التي وردت في القرآن الكريم، { وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم أدعهن يأتينك سعيًا واعلم إن الله عزيز حكيمٌ} 2/260، نوعًا من حث البشر على التساؤل والتيقن بالتجربة، فإن صحت في واحد من موضوعات المعتقدات الدينية الغيبية، فأولى بها أن تصح في علوم الطبيعة.

          وتعود قضية هذا الخلاف مع العلم الى القرن السادس عشر الميلادي، عندما اتخذت الكنيسة المسيحية موقفًا متشددًا من كوبرنيكس وجاليليو، لقولهما أن الأجسام السماوية لا تدور حول الأرض وإنما حول الشمس، وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه الأفكار تتعارض مع النصوص والمعتقدات الدينية، وحاربتها بضراوة إلا أنها إضطرت مكرهة الى التراجع والتنازل عن موقفها بعد إنتشار نظريات نيوتن وثبوتها بالتجارب والمشاهدات، وكانت نهاية الصراع لصالح العلماء عندما صدر كتاب أصل الأنواع لداروين في منتصف القرن التاسع عشر، واعتبرت الكنيسة أن التصوير الديني للأمور العلمية هو تصويرا رمزيًا ولا يجب أن يؤخذ كحقيقة علمية مجردة. وقد نتج عن هذا الموقف انفصال الفكر الديني عن الفكر العلمي، ومع توالي الإكتشافات العلمية وما قدمته للبشرية من مخترعات كثيرة، أتخذ العلم لنفسه مركزًا مرموقًا اتسم عند البعض بالغرور وأتاح لهم الفرصة لنقض الفكر الديني والتطاول عليه .

           قد لا يكون هذا الخلاف حقيقيًا، لأنه قد نتج إما عن فهم الكنيسة الخاطئ للنصوص الدينية، أو إعطاءها قدسية لنصوص ليست دينية من الأصل، إذ أن فكرة دوران الكواكب والشمس والقمر والنجوم حول الأرض ليست مستنبطة من النصوص المقدسة وإنما هي نتاج الفكر الفلسفي اليوناني، ولا يوجد نص ديني يقول بذلك، أما موضوع نظرية تطور المخلوقات فقد لا تتعارض أيضًا مع النصوص السماوية، أي أن الخلاف بين العلم والدين، ليس خلافًا بين العلم والنصوص الدينية؛ وإنما هو خلافًا بين العلم والفهم الخاطئ للنصوص الدينية. وسوف نبين في هذا البحث الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة .

           وبالرغم من أهمية هذه القضية، إلا أن الأديان كلها تتواري عن مجابهتها وجهًا لوجه بأسلوب يعتمد على العقل، والعقل هو العامل المشترك، العقل والفؤاد هما المخاطبين في الخطاب الديني، بينما العقل وحده هو المخاطب في الخطاب العلمي، وحتى يصح التحاور بين الدين والعلم، يجب القبول بالإلتزام في حدود الحوار العقلي فقط، أي عدم الخوض في الحوار الميتافيزيقي أو الثيولوجي.

 **************

يقينية العلم:

 يقول برتراند راسل : أن العلم يقرر أحكامًا على سبيل التقريب لا على سبيل اليقين .

 تقوم النظم الرياضية على إنسجام قضاياها فيما بينها بطريقة صورية، وقد لا تكون لها علاقة بالواقع، ومقياس اليقين هو مطابقة الفكر مع الواقع، ولا يقين إذا تطابق الفكر مع إفتراضاته.   

 ان المبدأ العلمي الذي يقول بوجود الإضطراد في الطبيعة، وينكر الأخذ بالصدفة في القوانين العلمية، يقبل بوجود الصدفة في أهم موضوعاته العلمية وهو وجود هذه القوانين ذاتها ووجود موضوع البحث العلمي وهو الكون الذي تعمل فيه القوانين العلمية .

 نحن بصورة عامة نفترض صدق وصحة كل ما هو علمي، ولكن أكثر النظريات العلمية ينحصر تطبيقها في مجالات محددة، ولا تدعي لنفسها أنها صحيحة في كل المجالات والأبعاد، وتفقد مصداقيتها متى خرجت عن هذه الحدود.  وقد تتعارض تصورات النظريات العلمية مع بعضها إذا خرجت عن حدودها، مثال ذلك، تصورات النظرية النسبية العامة لتأثير المادة على النسيج الكوني ولطبيعة قوة الجاذبية وكلاهما يعمل بصورة دقيقة في حدود العالم التلسكوبي؛ تختلف وتتعارض هذه التصورات مع تصورات نظرية الكم (الكوانتم) للقوى في العالم الميكروسكوبي والأصغر منه، ويتعارض مبدأ الحتمية الذي تدل عليه نظريات نيوتن ومن بعده أينشتين، بالقول بامكانية معرفة مستقبل أي جسم إذا عرفنا موقعه وسرعته الحالية واتجاهها والقوى الخارجية التي تؤثر عليه، مع مبدأ هيزنبرج في عدم إمكانية التيقن عند إجراء القياسات لموقع وعزم حركة الجسيمات الأولية مثل الإلكترونات وما مثلها، ويعجز العلم عند محاولة فهم طبيعة الزمن، وأسباب وجود القوانين والثوابت الفيزيائية على ما هي عليها، أضف الى هذا عشرات النظريات التي تقوم على افتراضات ونماذج ومعادلات رياضية يضعها العلماء، وتنشغل بها أكبر المعاهد والمؤسسات العلمية لعشرات السنوات ثم يهجرونها الى غيرها وغيرها.

          إن من الأهمية البالغة إزالة وهم رسخ في أذهان الناس وأصبح حقيقة لا تقبل الجدل، وهي الثقة المطلقة في العلم، التي أصبحت من المسلمات التي يعتقد بها الإنسان العادي، ولهذا فعلينا أولاً الفصل بين العلم النظري والعلم التطبيقي ، العلم التطبيقي – التكنولوجيا – هو الذي وفر لنا كل المخترعات التي ننعم بها، وأساسه العلم النظري، ولكن نجاح المخترعات لا يعنى بالضرورة صحة فهمنا المطلق أو شمولية النظرية التي تقوم عليها هذه المخترعات، فكل أجهزتنا الكهربائية مثلاً تقوم على معلوماتنا المتعلقة بالكهرباء، وأهم مكوناتها الإلكترون، وبالرغم من نجاح هذه الأجهزة من تليفزيونات وحاسبات إلكترونية وغيرهم، إلا أننا لا نستطيع حتى الآن معرفة كنه الإلكترون، هل هو جسيم أم موجة أم كليهما، فلو تعاملنا معه كموجة وجدناه يتصرف مثل الموجات، ولو تعاملنا معه كجسيم نجده يتصرف كجسيم، ونحن نعرف الإلكترون من آثاره وليس من ذاته، وبالرغم أن القوة الكهرومغناطيسية، هي المسئولة عن تنوع العناصر وفقًا لعدد الشحنات الموجبة (البروتونات) والسالبة (الإلكترونات) في هذه العناصر، وهي المسئولة أيضًا عن تنوع المواد المركبة وفقًا لطُرق تبادل الإلكترونات بين ذرات عناصرها، إلا أننا لا نستطيع مثلاً قياس موقع الإلكترون وحركته ( السرعة والإتجاه) في آن واحد (Heisenberg Uncertainty Principle) ، وإنما أفضل ما نستطيعه هو أن نتبع مبدأ تقدير أفضل الإحتمالات Probabilities))، لا شك إن الطبيعة الإزدواجية -الجسيمية والموجية – للعالم الأصغر من الميكروسكوبي تتعارض مع المنطق العقلاني ومع المعقول وفق مسلماتنا، فالشئ لا يمكن أن يكون جسيم وموجة في آن واحد، الجسيم هو ما له كتلة وحجم، والموجة في أبسط صورها تخلخل في الوسط، وليس لها كتلة. وقد جابه فكر نظرية الكم معارضة عنيفة تزعمها ألبرت أينشتين، ومساجلاته مع بوهر أبو نظرية الكوانتم مشهورة، وبالرغم من هذا إلا أن نظرية الكم أصبحت واقعًا يقبله كل العلماء؛ أي أنهم يؤمنون بصحته وإن اعترفوا بعجزهم عن تفسيره وفق المنطق العقلي الذي يبنون عليه كل نظرياتهم، ولو تجاوزنا مشكلة إزدواجية الإلكترون والبروتون وكل مكونات الذرة، والتي تنطبق أيضًا على الفوتونات وهي الكم الضوئي، قد نتعجب أكثر من مشكلة التنسيق أو تبادل المعلومات عن بعد، بين اتجاه الدوران حول المحور Spin لإلكترونين بدءا متساويين في العزم، إصطدما فاتجها إتجاهين متعاكسين، المفروض أن مجموع عزمهما سيكون مساويًا لما قبل التصادم، واتجاه دوران كل منهما حول محوره معاكسًا للآخر، ودائمًا لو قسنا إتجاه الدوران في أحدهما نجد الآخر ولو كان على بعد شاسع يضبط إتجاه دورانه ليضاد الذي قسناه في الآخر، وكأن هناك إتصال معلوماتي آني، وهذا يشترط معه إمكانية إنتقال المعلومات والتنسيق بسرعة آنية، وهذا يتعارض مع النظرية النسبية التي تؤدي الى عدم تخطى أي شئ في كوننا لسرعة الضوء .

           وفي العلم أيضًا يوجد العلم اليقيني، والعلم الشبه يقيني، وأهل العلم قد يصرون على أنه لا يوجد شئ أسمه علم شبه يقيني، وأنا أتفق معهم في ذلك بفرض توصلهم للمعرفة المطلقة ولو في أحد الجوانب العلمية، ولكنهم يعلمون جيدًا أن علومهم ذاتها تتعارض في أسسها -بعض الأحيان- مع بعضها الآخر، فكما ذكرنا فإن النظرية النسبية لأينشتاين، تتعارض في تحديد طبيعة القوى مع نظرية الكوانتم، (إينشتاين يعتبر أن المادة والطاقة تحددان إنحناءات النسيج الكوني وإنحناء النسيج الكوني يحدد تصرف المادة والطاقة، وأن الجاذبية هي تقعر/تحدب في هذا النسيج، بينما نظرية الكوانتم تعتبر أن القوى تنتج عن تبادل جسيمات صغيرة ومنها جرافيتون الجاذبية) وكلاهما ثابتة صحته بصدق توقعاته ثم تأكدها بالمشاهدة أو التجربة، كلاهما يعتبر صحيح في مجاله، أي ان التعارض لا يعني بالضرورة خطأ نظرية وصحة الأخرى، وإنما صحة كل نظرية في مجالها وفي داخل حدودها، وعندما يقبل العلماء بهذا التعارض، يعلمون أنهم لم يصلوا بعد إلى النظرية المطلقة التي تفسر كل القوى تفسيرًا متجانسًا.

           والذي يجدر الإشارة إليه ههنا؛ أن النظرية ليست إلا تفسيرا للحقيقة، وليست هي الحقيقة ذاتها، فهي ليست إلا تقريب لها، وتستبدل النظرية بأخرى أفضل منها كلما أقتربت الأخيرة أكثر من الحقيقة، ولا يكون هذا إلا إذا جاءت بتفسير أفضل أو بمعنى آخر أكثر دقة. ومثال ذلك النظرية النسبية التي حلت محل نظرية نيوتن في أكثر من مجال. ومثال آخر هو الحدود الضيقة لتطبيقات الهندسة الإقليديسية في القياسات المساحية، والتي اعتقد الناس بكمالها قرابة ألفين عام، بينما هي محدودة بقياسات المساحات المستوية، وكوننا ثلاثي الأبعاد وكذلك سطح كرتنا الأرضية، إلا أننا نستطيع التغاضي عن هذه الحقيقة في المساحات الصغيرة نسبيًا، وحتى في هذه الحالات الضيقة، فنتائجها وإن كانت قريبة جدًا من الحقيقة ومفيدة للغاية من الوجهة العملية، إلا أنها ليست الحقيقة ذاتها.

 ويهمنا هنا أن التعارض بين أهم نظريتين علميتين في عصرنا الحديث، لم يمنع العلماء من الأخذ والعمل بهما معًا كلا في مجاله، ولم ينادي أي مناصر لأحدهما بإلغاء الأخرى لتعارضها مع نظريته، بل قبل الجميع أن كلا منهما صحيح في مجاله، والمجال هنا هو في الحجم الكوني لنظرية النسبية والحجم الذري لنظرية الكوانتم، وهذا يدعونا إلى التساؤل هل تعارض أي نظرية علمية مع الدين يستدعي نقض أحدهما، أم أنه هنا أيضًا قد يكون للمجال تأثير بالغ على قراراتنا، فالعلم يتعلق بالماديات، بينما الدين يتعلق بالأمور الإعتقادية والأخلاقية والروحية.         

           أما عن العلم الشبه يقيني، وهو ما تعمل في مجاله أكثر هيئات الأبحاث الجامعية وغيرها من المنابر العلمية المتقدمة، من أشباه نظريات لم ترتقي بعد إلى مستوى النظرية المقبولة علميًا، والتي إنما توصلوا إليها عن طريق المعادلات الرياضية Mathematical Theories، مثل Superstring & Super Symmetry ، ولا أحاول هنا التقليل من أهمية هذه النظريات العلمية التي لن يتوفر للإنسان القدرة على إجراء تجارب لإثبات صحتها أو عدم صحتها ربما لعدة قرون، وربما إلى الأبد، وإنما أحاول أن أذّكر العلماء أن الشروط التي يضعونها للبحث العلمي، عندما يتناول هذا البحث الأمور الكونية أو الأمور المتناهية في الصغر أو حالات Singularity فإنهم قد يضطرون إلى مواصلة البحث دون الإعتماد على التجربة، والقبول بالنتائج التي يتوصلون إليها عن طريق المعادلات الرياضية والنماذج أو التجارب الفكرية Thought Experiment، أي بما يمكن تسميته بالعلم الغيبي، والغيب هنا في غياب التجربة المعملية أو المشاهدة.

           نحن لا نحاول التقليل من أهمية العلم وإنما نضعه في مكانه الصحيح، خاصة عندما يضع نفسه في موقع الحاكم المطلق على صحة أو خطأ غيره، مستندًا إلى ما قدمه الى البشر من مخترعات لا ينكر أحد منا فضلها في تحقيق الرفاهية للناس، وما هي إلا علوم تطبيقية لا تختلف كثيرًا عن الحجر الذي وجده الإنسان الأول فصقله وصنع منه أدواته وسلاحه، وكما لم يتبحر الإنسان الأول في الحجر نفسه وأخذه على ما هو عليه، فمخترعاتنا كلها ما هي إلا إستخدام لما هو موجود أمامنا، ومسخر لنا، والعلم لم يخلق حجرًا من العدم ولا يستطيع ذلك. أما فهمنا المطلق لهذا الكون وما فيه، فما زال العلم بعيد عنه. ولهذا يجب أن نفصل بين العلم، وهو الفهم التقريبي النسبي المحدود بالظروف التي وجدنا أنفسنا فيها، وبين الحقيقة المطلقة. بل وكل علومنا محدودة بمشاهداتنا في أفقنا الكوني، ولا نعلم هل هذا الأفق الكوني هو كل الكون أم جزء صغير منه، وهل يمكننا أن نفترض أن ما لا نشاهده أو نحسه بأجهزتنا مثل ما نشاهده، إن من الغرور العلمي – الغير مستند على أي دليل منطقي أو علمي- أن يظن أي من البشر أنه في موقعًا يمكنه أن يحكم بصحة أو عدم صحة أي نموذج لما سبق بدء الخلق الكوني، أو أي نموذج لما هو خارج هذا الكون، إذ لا يوجد لدى العلماء الوسيلة أو التجارب التي من خلالها يستطيعون إثبات أو نقض أي نظرية علمية تفسر بدء خلق الكون، ومع غياب التجربة ليس لدينا سوى المنطق العقلاني الغيبي، والتاريخ العلمي البشري مليء بالنظريات الزائفة التي تكونت من خلال هذه العملية، ويعلم العلماء أنفسهم كم قاسوا لنقض وتجاوز بعض هذه النظريات الزائفة.

           وأخيرًا، وقبل أن نترك هذا الموضوع، يجب أن نعود ونؤكد على أهمية العلم، وصحة الكثير مما توصل إليه، طالما حرصنا على معرفة الحدود الزمانية والمكانية التي تعمل فيها نظرية معينة، واعترفنا أن هذه النظرية وإن فسرت المشاهدات ونتائج التجارب التي نقوم بها؛ وتنبأت بنتائج مستقبلية ثبتت صحتها، إلا أنها لا تتعدى مجرد كونها تفسيرا مرحليا تقريبيا لهذه الظواهر؛ وليست التفسير الوحيد الممكن، ومن المحتمل بل ومن المتوقع أن تظهر في المستقبل نظرية أخرى تفسر هذه الظواهر بصورة أكثر دقة وأوسع حدودًا.

ويجب أن نتذكر دائمًا أن العلم لم يقدم لنا حتى الآن نظرية كاملة تكفي لتفسير كل شيء،  Theory of Every Thing ولا يستطيع أن يتطرق إلى ما هو خلف العالم المحسوس، فيما يتعلق بما قبل التكوين، وما خارج الكون، وما بعد نهايته، ولم يقدم لنا أي تفسير لماذا الكون يتبع هذه القوانين والثوابت الطبيعية ومن أين أتت، ومازال يبحث عند نقطة البدء singularity  ، العلم يصف لنا فقط ما هو عليه الكون، ولا يعرف وربما لا يهتم أن يعرف لماذا هو كذلك.   

 لا نشك أن المنهج العلمي هو أحد الطرق الأساسية نحو المعرفة، ولكنه له حدوده وقدراته، وحتى يستطيع العلم أن يصل الى الحقيقة أو قريبًا منها، يشترط أن تكون هذه الحقيقة معقولة وفقًا لمبادئ الفكر البشري؛  وقابلة للمعرفة، وبعبارة أخرى أن تسمح له.

 

تم الباب الأول في ديسمبر 1995م

وجرت إضافات وتعديلات بعد ذلك.

<< previous page next page >>

» المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الأنسان وفي خلق الكون

Contemporary Interpretation of the Quranic Verses related to the Creation of Life & the Universe.

تمهيد

           قد يتخلف تفسير النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف الإنسانية، كما هو حاصل في عصرنا هذا. إذ تعود معظم التفاسير المعتمدة والمجمع عليها، بما فيها تفاسير هذه النصوص العلمية، الى عصور تختلف فيها المعارف الإنسانية عما وصلت إليه في عصرنا هذا، ولا بد أن المفسرين المتقدمين قد تأثروا بتلك المعارف في معرض تفسيرهم هذه الآيات، ومن الطبيعي أن يكونوا قد حمَّلوها بعض المعاني التي تتوافق مع العلوم التي كانت شائعة في زمانهم. وقد نتج عن هذا وجود بعض التعارض بين تفسير السلف الصالح لهذه الآيات وما تدل عليه علومنا الحديثة، بما يتطلب إعادة النظر في معاني هذه النصوص.

 الجهد الكبير الذي بذله المخلصون من مفكري هذه الأمة خلال العقود الماضية، قد قطع شوطًا نحو تحقيق هذا الهدف. إلا أن الكثير منهم، ما زال يرفض بعض النظريات العلمية الحديثة، كما هو الحال عند بعض الهيئات المسيحية التي ما زالت ترفض هذه النظريات وتسعى نحو منع تدريسها في بعض المحافل التعليمية الغربية. إلا إن الرسالة التي بين أيدينا تختلف عن الرسالات التي قبلها، حيث أنها جاءت مصححة ومتممة وخاتمة، وتحتوي نصوصها على كثير من المعاني التي عرفها الإنسان المعاصر، عندما أنعكست ألفاظها وتراكيب جملها على مرآة معارفه الحديثة، ومثال ذلك قوله تعالى {والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون}، الجميع فهم منها معنى تمدد الكون واتساعه المستمر، هذا المعنى الذي لم يتوصل العلماء إلى معرفته إلا منذ ثمانية عقود، وهناك مثلها الكثير من الآيات، نذكر منها النصوص التي تصف مراحل تطور الجنين في الرحم.

أديان من سبقنا لم تُفصَّل أو تحتوي نصوصها مثل الكم الكبير الموجود بين أيدينا من الآيات التى أصطلح أن يطلق عليها الآيات العلمية، فلا يصح لنا أن نحذو حذوهم، لهم أن يرفضوا النظريات الحديثة لأنها تتعارض مع نصوصهم التي ربما تدخل البشر فيها بالإضافة أو الحذف، أما نحن فلو أمعنا النظر في النصوص التي حفظها الله لنا، وبذلنا الجهد الذي أمرنا به، والذي يتطلبه البحث الجاد المتعمق في كل لفظ وجملة، فلن نجد إن شاء الله إلا ما وعدنا به سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

لو أمعنا النظر في تفسيرات السلف الصالح لهذه النصوص العلمية، لوجدنا أنهم قد واجهوا شيئًا من الصعوبة عند تفسير بعض الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، والتي يتيسر بيان مرادها وفق علومنا المعاصرة. ولهذا نجد أن علينا مسؤولية كبيرة، وواجب لا يصح أن نمتنع عنه، قانعين بما لدينا من تفاسير مرحلية لهذه الآيات مضى زمانها، راضين بالتفسيرات العصرية المتجزأة، آية من هنا وآية من هناك، التفسير الموضوعي المكتمل يجب أن يشتمل على كل النصوص المتعلقة بالموضوع الجاري بحثه.  

 إن واجبنا نحو الرسالة القرآنية، هو أن نبذل كل الجهد يحدونا إيماننا أن هذه الرسالة هي القول الحق، المشتمل على كل المعارف التي توصَلنا إليها، والتي قد نتوصل إليها في المستقبل، ويشتمل أيضًا على المعارف التي لن نتوصل إليها في هذه الدنيا. {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

***********

 

 البحث:

يتطلب التفسير أن يكون المفسر ملمًا بعلوم اللغة والقرآن والسنة وأصول الفقه والقياس والمقاصد والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغيرهم، فإذا تطرق الى موضوعات الكون والطبيعة والحياة، فسيتطلب التفسير الإلمام أيضًا بكافة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. ولا يستطيع شخص بمفرده أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قال البعض بتوجب أن يتصدى لهذا العمل السامي هيئة منتقاة من العلماء والفقهاء الراسخين والمتخصصين كلا في مجاله المحدد.

المحاولات الفردية في هذا العصر، هي محاولات يقوم بها أصحابها من الذين لديهم معلومات عامة تغطي معظم أو بعض هذه العلوم، ولكن ينقصهم التخصص والتعمق فيها، ولهذا يجب أن تؤخذ نتائجهم على أنها إجتهادات إبتدائية، بقصد عرضها للبحث والتدقيق والمراجعة، على أن يقوم بهذه المراجعة أكثر من عالم وفقيه، من الراسخين في علومهم، كلا ينظر في هذه الإجتهادات من زاوية العلم الذي يتخصص فيه، حتى يرتقي هذا العمل درجة بعد درجة، ليصل الى مستوى التفسير المرحلى الذي قد تجتمع عليه الأمة.

هذا البحث هو اجتهاد، يضاف إلى سلسلة طويلة من اجتهادات المخلصين لهذا الدين القيم، هو محاولة لفهم النصوص وفق المعارف الحديثة. كنت قبله كلما قرأت القرآن الكريم، أمر على الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، فأستشعر منها معانٍ تدور في نفس الإطار الذي يشير إليه التصور العلمي المعاصر. وهذا ما يتوقعه المؤمن، فالقرآن من عند الله تعالى، والنظريات تُستنبط من الكون الذي أوجده الله سبحانه وتعالي، كلا من عند الله.

إلا أنني وجدت غير تلك المعاني التي وردت في كتب تفاسير السلف الصالح، الذين فسروا هذه الآيات العلمية وفق معارف عصرهم، فأحسنوا جزاهم الله خيرًا في الوصول الى التفسير المرحلي الذي اطمئن الناس اليه إذ وافق علومهم. أما وقد تغيرت المعارف والعلوم، توجب علينا النظر فيها.

فتوكلت على الله وعزمت على أن أخوض في هذا الأمر الجلل، فكان هذا البحث الذي توخيت فيه الخشية والإتقاء والحذر. لقد ترددت كثيرًا قبل عرضه، بين أن أتركه فأكون قد منعت علمًا قد يكون نافعًا، أو أعرضه فأكون قد تجاوزت قدري، وليس لي في الأمر إلا غيرتي على هذا الدين القيم، وأخيرًا توكلت على الله تعالى راجيًا أن يوفقنا ,ان يغفر لي إن جانبني الصواب.

وعليه، فهذا البحث هو اجتهاد، ينحصر في محاولة فهم دلالات النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في الكون المشاهد، وما وضعه هنا إلا لعرضه على علماء الأمة، وما التوفيق إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

                                                           وسيم محمد رفيق

1427هـ – 2006م

*********

 

مقدمة الكتاب

 يُفضل أن يُجرى البحث في موضوع ما، بمعزل عن ودون التأثر بالمعاني المسبقة في الذهن، إلا أن هذا قد يستحيل علينا، لأننا نبحث في معاني ألفاظ وتراكيب لغوية، وينبثق معني الكلام من توافق الألفاظ مع الصور الذهنية الموجودة في العقل، والتي تتكون من نتاج المعارف المكتسبة من قبل. ولهذا فلا مفر من البحث في معاني هذه النصوص ولدينا فكرة مسبقة لما يفترض أن تدل عليه ((أما البحث بمعزل من الأفكار المسبقة، فهذا يفترض فيه أن نتمكن من استخراج المعلومات العلمية من النصوص، قبل أن تتوصل اليها المعارف البشرية، ولا نعتقد أن هذا هو المقصود من وجودها ضمن الرسالة السماوية. )) ، وبهذا فنحن معنيين بالمقارنة، وسيقتصر بحثنا على المقارنة وبالتالي بيان مدى وجود أو عدم وجود أي تعارض.

وقد لاحظنا أن النص ذاته لم يتعارض مع المعارف الشائعة في العصور السابقة، والتي اتفق علماء تلك العصور على صحتها آنذاك، حيث أنهم فسروه الى حد ما وفقًا لتلك المعارف واطمئنوا إلي هذه التفسيرات، وما عصى عليهم – مثل أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء – أرجعوه الى المتشابهات وقالوا آمنا به كلا من عند ربنا، إلا أن معظمه وافق تصوراتهم في خلق آدم مباشرة من الطين وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وما ساعدهم وطمأنهم أن مثله كان قد ورد في شرع من قبلهم. 

إلا أننا في بحثنا هذا، سنفترض أن نفس النص الثابت سوف لن يتعارض مع معارفنا العلمية الحديثة، ولا مع المعارف المستقبلية، أي أننا نفترض أن النص القرآني الثابت قد صيغ ليكون قادرًا على عدم التعارض مع المعارف المرحلية -المتفق عليها بين العلماء- في أي من عصور التطور المعرفي الإنساني. فإن صح هذا الفرض، وتبين عدم التعارض مع معارفنا الحديثة، يكون في هذا النص إعجازًا أكبر من إعجاز النص الذي يستدل منه فقط على الحقيقة العلمية المطلقة، فلا يصلح إلا في عصر اكتشافها، ويسبب بلبلة فكرية في كل العصور التي تسبقه.

ويقوم منهج البحث على الإطلاع –بصورة عامة- على أحدث المعارف الإنسانية والنظريات العلمية المقبولة والمجمع على صحتها من قبل معظم الأوساط العلمية. والإطلاع على المعارف والعلوم التي كانت معروفة زمن التنـزيل. ثم تجميع الآيات القرآنية المتعلقة بموضوعي خلق الحياة وخلق الكون، كلاً على حدة، واعتماد معاني الألفاظ كما وردت في معاجم اللغة المتقدمة، ثم الإطلاع على تفاسير السلف الصالح لهذه الآيات، ثم الإستدلال الى المعنى المباشر الذي يتأتى من معاني الألفاظ وتراكيب الجمل، وبيان مدى توافقه أو تعارضه مع المعارف العلمية الحديثة.

والنتيجة التي يبينها هذا البحث، أن النص الثابت، فيما يتعلق بموضوعي خلق الكون وخلق الحياة، لا يتعارض مع المعارف العلمية الحديثة، وهذا ما يدل عليه البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب.

 

تناول الباب الأول موضوع الرسالة والعلم. وناقش الفصل الأول بعض الأسس المنهجية للفكرين الديني والعلمي ومناطق إتفاقهما حتى ينحصر فيها التحاور بينهما. وتناول الفصل الثاني المعرفة البشرية وقضية الإستدلال بالتصميم، والثالث محددات الخطابين الديني والعلمي ومدى يقينية العلم.

يقدم الباب الثاني موجزًا لما توصل اليه العلم المعاصر من نظريات ثبت صحتها بالتجربة ومن تصورات نظرية وافقت توقعاتها صفات الكون المشاهد. ثم يوجز الباب تاريخ قصة الخلق في مسيرة المعرفة الإنسانية (( وليتبين ما كانت عليه  معارف الناس في عصر التنزيل.)) .

وخصص الباب الثالث لموضوع خلق الحياة والإنسان، والباب الرابع لموضوع خلق الكون وصفاته، ودُرس الموضوعين (في الحدود التي قدرنا الله عليها) كما وردا في الآيات القرآنية الكريمة. مع بيان تفاسير السلف الصالح لهذه النصوص، واعتماد معاني الألفاظ من معاجم اللغة المعتمدة.

                                                           وسيم محمد رفيق

 

 تعريفات:

ونشير هنا إلى أنه كلما ورد في هذا الكتاب أي من الألفاظ التالية فأنها يقصد منها المعاني المبينة هنا:

النص؛ النصوص؛ الآيات؛ الآيات العلمية أو الآيات الكونية: القصد منها يكون الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بالكون المشاهد والموضوعات العلمية والطبيعة وخلق الكون والحياة والإنسان. وقد بينا ذلك قدر الإمكان في بعض الكتاب، واكتفينا بلفظ النص أو الآيات الكريمة في البعض الآخر تجنبًا للتكرار وحيث أن السياق يشير إلى التخصيص.

الكون؛ العالم : الكون المشاهد هو عالم المكان والزمان، وهو كل ما ندركه وما يمكن أن ندركه بحواسنا وعلومنا التجريبية، وهو كل ما يخضع للقوانين الكونية والثوابت الطبيعية.

العلم، العلوم، العلمي، العلم الحديث، علوم الطبيعة، الفكر العلمي: هي طريقة التفكير والعلوم التي تقوم على مبدأ السببية وتعتمد التجربة ما أمكن.

<< Index الفهرس next page >>

الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ


مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة سنة 1993م، بينما نعرض في هذا الموقع أبحاث في موضوعات الإقتصاد الإسلامي، وفي الزكاة، وفي الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون، وفي تطور كتابة مصاحف القرن الهجري الأول، وأبحاث ترد على الشبهات ومنهم شبهة كعبة البتراء، وغيرهم.

قنوات جديدة:

ما تم تحميله على التك توك وقناة اليوتيوب الجديدة حتى الآن مدرج في هذه الصفحة. رجاء أنقر هنا لتصل الى الصفحة الجديدة لمشاهدة الفيديوهات.

أرجو منكم زيارة قناة اليوتيوب ومشاهدة أحد الفيديوهات والإشتراك أو ترك تعليق حتى أتأكد أنها تعمل وأن يوتيوب لن تغلقها. وشكرًا

إصدار الكتب ونشرها:

ولهذا فقد أكملت وأضفت الكثير على هذه الأبحاث ووضعتها في كتب نشرتها على منصة أمازون (مدرجة في صفحة على هذا الرابط) وتجدونها بالبحث في:

www.amazon.com    Category: books and put in the search box: Wassim Lababidi  or وسيم اللبابيدي for the Arabic Books.

The Arabic language books are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone, PC & Laptops. The English language eBooks can be read on all devices. All the books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

وقد وضعت صور هذه الكتب أسفل هذه المقدمة. وأدرجتها في صفحة قائمة الكتب    List of Published Books


كما قمت بإعادة نشر معظم الفيديوهات في قناة جديدة على الفيسبوك (يجب أن يكون لديك  حساب في فيسبوك لتستطيع مشاهدة القناة) Contemporary Islamic Research

لمشاهدة الفيديوهات على الفيس بوك يجب أن يكون لديك صفحة على الفيسبوك وأن تنسخ العنوان وتلصقه داخل صفحتك على الفيس بوك، ويفضل إستعمال Edge Browser



وحيث أن هذه الدراسات المفصّلة تقدم معلومات ومفاهيم جديدة في غاية الأهمية، وحتى لا تُهمل وتندثر، توجب علينا جميعًا نشرها وإبلاغ المسلمين بها. لهذا أرجو من القراء والمشاهدين، الذين إطّلعوا وإقتنعوا ووافقوا على النتائج التي بينتها هذه الدراسات، أن ينضموا إلينا لنكّون مجموعة هدفها نشر العلم الذي منه صلاح الأمة. قال الرسول ﷺ: خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ. وقال ﷺ : خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ. آملين أن يبارك الله لنا. وعسى أن يكون في إجتماعنا هذا، الرد على ما نجحوا فيه من إسكات صوتنا في اليوتيوب. آملاً منكم التواصل معي على بريد هذا الموقع بإقتراحاتكم وتشجيعكم.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،

                                                                                    وسيم لبابيدي

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah


©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف وسيم لبابيدي ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.

Copyright ©.  The Copyright of all contents published on this website and all listed videos are registered and owned by the Author Wassim Mohammed Rafiq. No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.


الى زوار الموقع الأفاضل :  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني مشاركاتكم وإقتراحاتكم. ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة والثواب عند الله سبحانه وتعالى.

email address:        [email protected]


قائمة الكتب التي نشرتها على منصة أمازون / كتب / وسيم اللبابيدي والتي تحتوى على دراسات متقدمة في موضوعات هذا الموقع:

The Books & eBooks are published on Amazon/Books/ Search for the book name or my name Wassim Lababidi أو للكتب باللغة العربية: وسيم اللبابيدي

رجاء أنظر تحت صور الكتب لبيان كيفية قراءة الكتب الإلكترونية

All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk

جميع الكتب الإلكترونية باللغة الإنجليزية متاحة للقراءة على أجهزة الكمبيوتر الشخصية وأجهزة ماك، وعلى جميع الأجهزة الأخرى مثل الأجهزة اللوحية وأجهزة آيباد، بما في ذلك الهواتف المحمولة.

جميع الكتب الإلكترونية باللغة العربية متاحة للقراءة على جميع الأجهزة، بما في ذلك الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والأيباد والكمبيوتر.

جميع الكتب الإلكترونية متاحة بأقل سعر تسمح به الأمازون 2.99 دولار أمريكي على موقع أمازون دوت كوم، و 1.99 جنيه إسترليني على موقع أمازون المملكة المتحدة (دوت كو دوت يوكه).

 

لقراءة كافة الكتب الإلكترونية، يمكن تنزيل كيندل آب: فقط عليك تنزيل كيندل آب من الويب، أو من جوجل بلاي ستور الموجود على الموبيل:
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To install the Kindle app on an Android device (mobile):

  • Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install”
  • Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it.
  • To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password.
Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.
رابط صفحة الكتب                   

 ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في القناة على الفيسبوك:

فهرس الفيديوهات باللغة العربية التي تم نشرها على قناة (Contemporary Islamic Research ) للأسف بعض روابط الفيديوهات لا تعمل، أذهب الى الفيسبوك Contemporary Islamic Research وستجدها إن شاء الله هناك:

1) موضوع خلق الإنسان   

2) موضوع خلق وصفات الكون 

3) الرد على إدعاء أن القرآن نقل عن الكتب التي سبقته وأنه بشري المصدر  

4) الزكاة، المعاملات والإقتصاد الإسلامي

5) الرد على إدعاءات دان جيبسون إن الكعبة وبدء الإسلام كان في البتراء وليس في مكة الحجاز.

6) مخطوطة قرآن جامعة برمنجهام وكتابة مصاحف القرن الهجري الأول. الجزء الأول – الجزء الثاني

7) موضوعات متنوعة


Index of Videos Published in English Language on the new Facebook channel (You can only open the videos uploaded on Facebook from your Facebook page) Please go the the facebook page: Contemporary Islamic Research and you will find the videos there (but not all):

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.

 




13 أبريل 2023  الموقع هو  Contemporary Islamic Research وقد نشرت فيه بضع فيديوهات، وجاري نشر البقية. أرجو زيارته وأخباري برأيكم، والسلام عليكم،


6 / 6/ 2023 الحمد لله تعالى، تم اليوم رفع معظم الفيديوهات باللغتين العربية والإنجليزية على صفحة الفيسبوك. ووضعت الفهرس مع الروابط وتجدوه أعلاه في هذه الصفحة. 


13/04/2023  A new page/ channel is established on Facebook pages Contemporary Islamic Research So far I uploaded few videos, please visit and write to me. Best regards. (To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account)


فهرس المقالات مع روابطها على هذا الموقع:

الخلق التطوري الموجه بقدرة الله تعالى . دلالات آيات خلق الإنسان في ضوء علومنا الحديثة. (رابط المقال)

Was Evolution Guided? Or By Mutations & Natural Selection? The Case for Intelligent Design  [Article ]

هل كان التطور عشوائي أم تطور موّجه وفق تصميم وغاية؟  (رابط المقال على هذا الموقع)

نحو فهم جديد في فريضة الزكاة

مناقشة المفكر خليد بنعكراش في ما قال به في موضوع الربا (الفيديو)

Al Zakat – Contemporary Study – Towards A New Understanding

التضخم وتغَيرُ القيمة الشرائية للنقود الورقية وهل يرد القرض بالعدد أم بالقيمة

Death of a Galaxy – The Holy Quran Verses 81:15 to 18

{Why was the Quran not revealed to him all at once?} – Is there a Repetition in the Holy Quran?

الرد على إدعاء التكرار في القرآن الكريم – وقال الذين كفروا لولا نُزًل عليه القرآنُ جُملة واحدة

   التأويل والتفسير المرحلي لآيات خلق الكون وخلق الحياة في ضوء معارفنا وعلومنا الحديثة   رابط الموضوع  

 The Birmingham Manuscript & the History of the Writing of the Early Mushaf (Quran) Episode 1 of 4

مناقشة حلقة الدكتور إياد قنيبي حفظه الله: فانظروا كيف بدأ الخلق، هل أشار القرآن لتطور الإنسان؟

Quran & Science “The Creation & Working of our Universe”

On The Day When The Earth Is Replaced By Other Than The Earth

Al Naskh (Abrogation) in Quran. Legislative, Historical & Critical Study.

By Professor Mustafa Zaid

Response to Dan Gibson Claim that Petra Not Mecca was the Birthplace of Islam

الرد على إدعاء دان جيبسون أن الصحابي ابن الزبير (رضي الله عنه) نقل الكعبة من البتراء الى مكة

Response to Dan Gibson Claim: Ibn Al Zubair moved Al Kaaba from Petra to Mecca

Episode 1: Is Petra the Birthplace of Islam?     URL of Episodes 2 11 listed in Episode 1   

Response to Dan Gibson Claim that he found the First Kaaba was in Petra

الرد على إدعاء دان جيبسون أنه وجد بقايا الكعبة الأولى في البتراء

Creation & Evolution (Episode 1 of 9),  (2),  (3),  (4),  (5),  (6),  (7),  (8),   (9) .

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ

The 6 Days of Creation and the Big Bang Theory

إيداع المال في البنوك الإسلامية وإستثماره وفق قواعد معاملة المضاربة

موجز مختصر عن “كتاب النسخ في القرآن الكريم” الدكتور مصطفي زيد رحمه الله 

الشمس تغرب في عين حمئة – ذو القرنين

هل كان الخلق إعجازيا أم تطوريا؟ القرآن الكريم ودلالات الخلق التطوري 1 من 8

Creation or Evolution

وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين   

The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47

الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق

Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy

Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟

The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)

Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price

مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

  مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير 

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


 

الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.