الفصل الثالث – تاريخ قصة الخلق في المعرفة البشرية

          تواجد الإنسان على كوكب الأرض منذ عدة ملايين من السنين، ويعود أقدم ما وجد من أدوات حجرية بدائية إلى ما قبل مليون وتسعمائة ألف سنة تقريبًا، ويُعتقد أنه كان يمارس مهنة الزراعة منذ أحد عشر ألف سنة، أما الكتابة، فتعود أول النقوش المكتوبة على الحجر الى ما قبل خمسة آلاف وخمسمائة سنة، وهو زمن قريب نسبيًا.

          وقد واجه الإنسان قضية وجوده في هذا الكون المترامي، وحاول تفسير ما يحيط به من قوى الطبيعة، فتولدت الأساطير التي كانت في عصرها بمثابة النظريات القائمة على إفتراضات، تعتمد بالدرجة الأولى على القدرات الإقناعية وإمكانات التخيل البشرية، والتي بطبيعة الحال لا تحتاج برهان ولا يمكن إثباتها بالمشاهدة أو غيرها، وإنما يشترط التصديق والإيمان بها، وقد تستند في حالات كثيرة، على الرغبة في الإعتقاد بها. وقد لا يختلف هذا عن فرض الإيمان الغيبي الذي تتطلبه الرسالات السماوية، والذي يتطلبه أيضًا بصورة غير مباشرة، أشباه نظريات العلم الحديث مثل نظرية ال Superstring  ، وغيرها مما لا يمكن أثباته بالتجربة، لأن الموضوع الذي نتعامل معه وهو الخلق الكوني، يخرج عن قدرات معاملنا ومُسارِعاتنا، (بينما قد تفيدنا إكتشافاتنا في موضوع الخلق التطوري للإنسان)، ولهذا قد يتوجب علينا في كثير من الأحيان الإعتماد على العقل، ولكن الإعتماد على العقل (والتجربة الفكرية) فقط قد يؤدي بنا إلى أن نضل طريقنا، كما حدث عندما إعتقد أرسطو بناء على الإستدلال المنطقي أن الأرض ثابتة، وبالتالي فان الحركة التي نشاهدها في السماء هي حركة سماوية، وليست كما نعرف الآن -في معظمها- نتيجة دوران الأرض حول نفسها. وهناك أيضًا موضوع حدود صحة الظاهرة عند تطبيقها العملي، إذ أننا يجب أن نضع كل فكرة في حدودها التي وردت فيها، فلو ورد في فكرة ما أن الأرض مسطحة، لا يعني هذا خطأ الفكرة وإنما قد يشير الى نسبيتها ومحدوديتها، فاذا كانت الأرض تعنى قطعة الأرض التي يسكنها أنسان ما، فهذه يمكن التعامل معها على أنها مسطحة، وهذا ما نفعله حتى اليوم عندما نستخدم هندسة أقليدس المستوية في تخطيط منشآتنا، وإن كانت تعنى الأرض ككوكب فسطحه ليس مسطحا، أي أن حدود النظرية ونسبيتها تحدد حدود صحتها ونسبية هذه الصحة، ومتى خرجنا عن هذه الحدود تفقد مصداقيتها، والنظرية المطلقة التي تغطى كل شئ وفي كل الحدود ما زالت من أهداف العلم ولم يبلغها بعد.

          لقد تطورت تفسيرات الإنسان لهذا الكون وكيفية خلقه ونشأته، خلال حقب كثيرة من تاريخ تطوره على الأرض، وكانت في أغلب الأحيان تعكس تقدمه الفكري من جهة، ورغبات السلطة من جهة أخرى، إلا أننا نجد عددا من الطفرات التي حدثت، وتمثل بعضها في الرسالات السماوية، وبعد ذلك في ظهور العلم الحديث، ونبدأ ببعض النماذج عن الأساطير التي تداولها الناس في العصور القديمة، نعرضها من كتاب (الله جل جلاله والإنسان) للدكتور السامرائي: 

           “” تشير أغلب الأساطير القديمة، إلى الماء كأصل الخلق أو أنه المادة الأزلية، ” وأقدم ما تخيله المصريون في أصل العالم المعمور أنه عيلم واسع من الماء طفت عليه بيضة خرج منها رب الشمس وأنجب أربعة من الأبناء، هم شو وتفنوت القائمان بالفضاء و وجب رب الأرض و توت رب السماء، ثم تزاوجت السماء والأرض فولد لهما أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس فهم تسعة آلهة في مبدأ الخليقة نشأوا من تزاوج الأرض والسماء ” . وفي قصة الخليقة الهندية شبه بقصة الخليقة المصرية، حيث تقول’’ فالحياة خرجت من بيضة ذهبية كانت تطفو على سطح الماء في العماء والإله الأكبر كان ذكرًا وأنثى فهو الأب والأم للأحياء . وتتفق مصر وبابل والهند على أن الإله الأكبر قد خلق الأرض بكلمة ساحرة فأمرها بأن توجد فبرزت على الفور إلى حيز الوجود‘‘ .

          ومن متابعة القصص والإساطير الروايات والوقوف عند الآلهة التي مثلت عقائد الإنسان في العراق نجد أن القوى التي تجمعت فيها عقائد الإنسان تمثلت بالعناصر والمظاهر والقوى الآتية :

1-  كان في البدء عنصر الماء الذي أزليًا وإلهًا في الوقت نفسه ..

2-  تولد من عنصر الماء عنصر آخر هو عنصر الأرض والسماء متحدتين، وكانت الأرض والسماء إلهين كذلك .

3-  وتولد من السماء والأرض المتحدتين عنصر غازي هو الهواء المتمدد الذي فصل بتمدده السماء عن الأرض، وجسموا الهواء وجعلوه إلهًا هو الإله إنليل …

4-  وتولد من الهواء القمر، ومن القمر ولدت الشمس، وجسموا كلا من القمر والشمس وعدوهما إلهين .

5-  وبعد إنفصال الأرض عن السماء نشأت أنواع الحياة الأخرى من نبات وحيوان وإنسان على الأرض، وقد تصوروا أن أصل الحياة والأشياء من إتحاد الهواء والتراب (الأرض)، (الماء) بمساعدة الشمس وهذه هي نظرية العناصر الأربعة . “”  ((من كتاب ‘الله جل جلاله والإنسان’ الدكتور السامرائي، صفحات 32 و33و50 عن كتابي “الله” للعقاد و “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة” لطه باقر .))

           وقد أدخلت الأساطير أيضًا عناصر: الوجود والعدم، الحياة والموت، والنور والظلام، والشر، الخطيئة والعقاب، تناسخ الأرواح، الخلود، الزفانا الأرضية والصمدية، وتخبطت بين آلهة كثيرة ربما تكون الشمس أهمها، والذي يهمنا من كل هذا أن الأنسان كان لديه عقائد تختلف وتتشابه – في بعض الأحيان – من حضارة إلى أخرى . وما قصة الطوفان التي تكررت عند أغلب الحضارات والأديان إلا دليلاً على قدم القصة، مما جعلها من التراث الذي حملته معها القبائل الأولى المهاجرة، ولا شك أن الحضارات كانت تتأثر وتنقل عن بعضها، ولهذا لا غرابة أن نجد تشابه بين الأساطير، ولا عجب أيضًا أن نجد إختلاف بينها إذ تتطور بعد إنتقالها بما يتوافق مع ثقافة وظروف كل مجتمع  .

           ومن أوائل الرسالات التي أشارت إلى خلق الكون بشيء من التفصيل، أحتواها سفر التكوين في العهد القديم، ونحن لا ندري بدقة تاريخ سفر التكوين، والذي يعيده بعض المؤرخون إلى عصر النبي موسى عليه السلام، أي حوالي 1275 ق.م ، وربما كان قبل ذلك، ولا ندري أيضًا من دوَّنه، بالطبع هو جزء من الرسالة اليهودية التي أصل مصدرها الله سبحانه وتعالى، ولكن الأصل ربما يكون قد تغير من جراء التدخل البشري في محاولتهم التوفيق بين المعتقدات التراثية والنص، أو إضفاء قدرات أعظم -وفق تصورهم- الى الخالق تعالى .

           وتتكون كتب الدين اليهودي من ثلاثة أجزاء ويحتوي كل جزء منها على العديد من الكتب، التوراة ( القانون) وهي كتب النبي موسي، وهي الكتب الخمسة الأولى، التي لم تصل إلى صورتها التي نعرفها حتى نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، ومنها سفر التكوين . والجزء الثاني الأنبياء، وهي الكتب القصصية التاريخية . والجزء الثالث هو الكتابات.

           ويجب ملاحظة أن ترتيب الكتب في العهد القديم؛ ليس بالضرورة هو تاريخ كتابتها، وقد نجد في كتاب واحد فقرات من كتب أخرى في عصور أخرى، ونجد في أغلب الحالات أن كتابات من العصور السابقة قد أعيد كتابتها من قِبل كتاب لاحقين، مما أدى إلى وجود أكثر من نص يعبر عن نفس الحدث. وقد كُـتب الكتاب اليهودي أصلاً باللغة العبرية، ثم ترجم إلى الآرامية ثم اليونانية في عصر الإسكندر الأكبر ((ويجب أن نتذكر أن ما وصلنا هو ترجمة النص الأصلي، الذي وصلنا عبر عدة لغات، والترجمة تعبر عن فهم المترجم للنص الأصلي، والذي ينتج من تفاعل النص مع المعارف الإنسانية في زمن الترجمة، وهذه ليست بالضرورة المعاني التي قد يعبر عنها النص الأصلي، لو اختلفت هذه المعارف في زمان لاحق، أي ان الترجمة تجمد معنى النص، فيتوقف عند زمان الترجمة.)) .

           وحتى وقت قريب، كان أقدم نسخة تحتوى على الجزء الأكبر من الكتاب اليهودي تعود إلى القرن التاسع ميلادي، إلا أنه تم مؤخرًا في الأربعينات من هذا القرن إكتشاف نسخًا من أجزاء الكتاب اليهودي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وهي ما تسمى مخطوطات البحر الميت.

           وقد أحتوى الكتاب المسيحي المقدس، على أكثر كتب العهد القديم (ومنها سفر التكوين) مضيفًا إليه الأناجيل التي كُتبت بعد عهد السيد المسيح عليه السلام .

           ولو نظرنا إلى سفر التكوين وحده بمنظار ثقافتنا وعلمنا المعاصر، لن يساورنا شك أن هذا النص لا يعبر عن الحقيقة، ولكننا لو نظرنا إلى النص بمنظار معرفة العصر الذي ظهر فيه، وقارناه بالأساطير المتداولة آنذاك، وبالرغم من وجود بعض عناصر التشابه معها، إلا أن النص يعتبر قفزة  في الفكر البشري . فهو يحتوي على إيجابيات كثيرة، قد تقرب النص إلى علمنا الحديث مسافة أقرب عما كانت عليه الأساطير، بالطبع ما زالت المسافة المتبقية كبيرة وشاسعة أيضًا، إلا أنها على أقل تقدير، كانت قفزة في اتجاه الطريق الصحيح .

 النص كما ورد في سفر التكوين عن الكتاب المقدس عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط:

          { في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه . وقال الله ليكن نور فكان نور . ورأي الله النور أنه حسن . وفصل الله بين النور والظلمة . ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلاً . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا واحدًا .

          وقال الله ليكن جلد ( أو رقيع وهو شئ مبسوط ) في وسط المياه . وليكن فاصلاً بين مياه ومياه . فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد . وكان كذلك . ودعا الله الجلد سماء . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا ثانيًا .

          وقال الله لتجمتع المياه تحت السماء إلى مكان واحدٍ ولتظهر اليابسة، وكان كذلك . ودعا الله اليابسة أرضًا . ومجتمع المياه دعاه بحارًا . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وقال الله لتنبت الأرض عشبًا وبقلاً يبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمرٍ يعمل ثمرًا كجنسه بزرهُ فيه على الأرض . وكان كذلك . فأخرجت الأرض عشبًا وبقلاً يبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بزره فيهِ كجنسه . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا ثالثًا .

          وقال الله لتكن أنوارٌ في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل . وتكون لآيات وأوقات وأيامٍ وسنين . وتكون أنوارًا في جلد السماء لتنير على الأرض، وكان كذلك . فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل؛ والنجوم . وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض؛ ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا رابعًا.

          وقال الله لتفض المياه زحَّافاتٍ ذات نفس حيةٍ . وليطير طيرٌ فوق الأرض على وجه جلد السماءِ .  فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كاجناسها وكل طائرٍ ذي جناحٍ كجنسهِ . وباركها الله قائلاً أثمري واكثري وإملإي المياه في البحار . وليكثر الطير على الأرض . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا خامسًا .

          وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها . بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها، وكان كذلك . فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها، ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض . فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم . وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض . وقال الله أني أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه كل الأرض وكل شجرًا فيه ثمر شجرٍ يبزر بزرًا لكم يكون طعامًا، ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعامًا . ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنٌ جدًا . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا سادسًا .

          فأكملت السماوات والأرض وكل جندها . وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه . لأنه فيه إستراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا .      

          هذه مبادئ السماوات والأرض حين خلقت، يوم عمل الرب الأله الأرض والسماوات . كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد . لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان إنسان ليعمل الأرض . ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض . وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حيةً . وغرس الرب الأله جنة في عدن شرقًا ……. } أنتهى

 وورد هنا موضوع الستة أيام، الذي يتناقض مع بلايين السنوات التي أستغرقها الكون منذ نشأته الأولى حتى ظهور الإنسان، وهذا موضوعًا سوف نتعرض إليه عند دراسة نصوص الآيات القرآنية، إلا أنه يجب التنويه هنا أننا لا نتوقع أن تتضمن أي رسالة سماوية إلى أهل الأرض في تلك الأزمان، أن مرحلية الخلق أستغرقت بلايين السنوات أو حتى ثلاثمائة ألف سنة، نحن نتذكر أنه حتى عدة قرون مضت، كان البشر يعتقدون أن عمر الأنسان على الأرض لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، وإله يحتاج إلى بليون أو ثلاثمائة ألف سنة  – في نظر البشر في تلك العصور القديمة – ليس هو الإله القوى القادر، بل هم لم يكونوا يستطيعون تخيل مثل هذه الأرقام، والتي يصعب حتى علينا أن نتخيلها. ولهذا فمعنى الستة أيام نسبي ومرحلي رمزي، ونفترض أن هذا المعنى سيتضح بصورة أفضل عندما يصبح الإنسان مؤهلاً لفهم أن هذه الحقيقة إنما تعبر عن عظمة وقدرة الله تعالى .

 أما ما يأخذه البعض على أن فترة الخلق التي عبر عنها بوحدة الأيام الزمنية، لا يصح لأن اليوم هو دورة الأرض حول نفسها، والصباح والمساء يتعلقان بوجود الشمس، بينما الأيام الثلاث الأولى لم يكن هناك لا شمس ولا أرض. إلا أن هذا النقض ينطبق أيضًا على العلماء الذين يؤرخون مراحل التكوين بالسنوات، فيقولون مثلاً أن الشعاع ذو الموجات الطويلة Background Radiation  صدر عن الكون عندما كان عمره 300,000 سنة، والسنة التي يقصدونها هي زمن دورة الأرض حول الشمس، ولم يكن أيهما قد وجد آنذاك.

           بعد سفر التكوين، أو مزامناً له، نجد أن أهم المحاولات البشرية لتفسير الكون، هي النظريات الفلسفية اليونانية، ونلاحظ أن الفكر العلمي اليوناني تأسس على نظريات تقوم على العقل دون أن يكون لها أي أساس تجريبي، إذ بدأ ديمقريطس حوالى سنة 400 قبل الميلاد، بنظريته أن كل المواد والأجسام مكونة من تجمع واتحاد أعداد كبيرة جدًا من الدقائق الصغيرة التي لا نستطيع رؤيتها، وسمى هذه الدقائق الذرات بمعناها في اللغة اليونانية “الغير قابلة للإنقسام” أي أننا يمكننا تقسيم المواد إلى أجزاء أصغر حتى نبلغ الحد الصغير جدّا وهو الذرة ولن يمكننا تقسيمها أقل من ذلك . وأعتقد ديمقريطس أن هناك أربعة أنواع مختلفة من هذه الوحدات أو الذرات، ذرة الحجر، ذرة الماء، ذرة الهواء، وذرة النار .

           وفي سنة 384 ق.م ، ولد أرسطو والذي أشتهر لعبقريته الفذة، والذي تتلمذ الإسكندر المقدوني على يديه، وبالرغم من عبقرية أرسطو في مختلف مجالات المعرفة، إلا أن تصوره الخاطئ للكون قد طبع الفكر البشري طيلة ألفي سنة بنظريته، لدرجة أنها لم تصبح فقط أساس الفكر اللاهوتي المسيحي، وأنما غدت من المسلمات والبديهيات التي لم يجد البشر حاجة في البحث في أمر صدقها. 

           ان فكرة أرسطو عن الكون، والتي سيطرت قرابة ألفي عام، كانت مبنية على المشاهدة البشرية، هناك نجوم ثابتة لا تتغير مواقعها في السماء التي تدور حولنا، وهناك خمسة نجوم متحركة بالنسبة للنجوم الثابتة سميت كواكب، وهناك الشمس والقمر وهما يدوران أيضًا حول الأرض، وقد فسر أرسطو هذه المشاهدات على أن الكون عبارة عن ثمان قبب بلورية فوق بعضها البعض مثبت على كل قبة على التتالي الشمس والقمر والكواكب الخمسة (كل كوكب على قبة) ثم كل النجوم الثابتة في آخر وأعلى قبة، وتدور هذه القبب أبديًا حول الأرض الثابتة في مركزهم. 

           إن فكر أرسطو الذي كان من المسلمات العلمية حتى القرن السادس عشر، لم يكن صحيحًا، وقد وجد جاليليو عدم صحته عندما تناول موضوع أن الأرض ثابتة وأن الأجسام السماوية تتحرك في أفلاك حولها، فالأرض ثابتة وفق فكر أرسطو؛ لأن الأشياء تسقط على الأرض من الأماكن العالية (كبرج مثلاً) وفق مسار رأسي تمامًا، ولو كانت الأرض تتحرك لسقط في مسار مائل ولاصطدم بسطح الأرض بعيدًا عن قاعدة البرج، لأن البرج يكون قد تحرك مع الأرض أثناء سقوط الجسم، وليكن حجرًا مثلاً ، ولأن الحجر يسقط عند قاعدة البرج وليس بعيدًا عنها فأن هذا يعني أن الأرض وما عليها ثابتة لا تتحرك. وكلنا نعرف اليوم أن الأرض تدور حول نفسها دورة كل 24 ساعة، ومع ذلك فالحجر يسقط من أعلى البرج ويصطدم بالأرض أسفل البرج مباشرة. ويسهل تفسير ذلك لأن الحجر عند تحرره وسقوطه من البرج، يحمل معه سرعة أفقية مثل تلك التي تدور بها الأرض حول نفسها، ونرى ذلك عندما نشاهد رواد الفضاء يخرجون من سفينتهم التي تدور حول الأرض، مثل محطة ميرس الفضائية، فهم يسبحون حولها وكأنها ثابتة، بينما نعلم أنها تدور حول الأرض بسرعة فائقة.

           وقد نشأ إعتقاد أرسطو من فكرة أن الأجسام تتحرك نتيجة قوة مؤثرة عليها، ومتى توقفت القوة توقف الجسم، مثل العربة التي يجرها حصان فهي تتوقف عندما يتوقف الحصان عن الجري، ولهذا ظن الناس حتى القرن السادس عشر، أن حجرًا يقع من صارية سفينة متحركة على سطح الماء سوف يصطدم بسطح السفينة عند مؤخرتها، لأن الحجر الذي يسقط من السفينة ينفصل عنها فيتوقف تأثير قوة دفعها بينما تستمر السفينة في الحركة أثناء سقوطه الرأسي فيصطدم بسطحها عند المؤخرة.

           والفكر العلمي اليوناني، يعتمد على المنطق العقلي بصورة أساسية ولا يهتم بالتجربة، وكان الإقتناع العقلي كافيًا لصحة أي نتيجة علمية، ولم تكن التجربة لها أهمية فمن المسلم به أن ما هو منطقي سوف يثبت بالتجربة ولهذا فإجراء التجربة يعتبر في رأيهم مضيعة للوقت، ولو كلف أي بحار نفسه بإلقاء حجر من أعلى صارية السفينة لوجد أن الحجر يسقط رأسيًا عند قاعدة الصاري بالرغم من أنه أنفصل عن السفينة لحظة رميه، وأن السفينة ظلت بعد ذلك تتحرك على سطح الماء .

           لأننا لو أسقطنا حجر من فوق صارية سفينة بخارية مثلاً متحركة بسرعة ما، فإن هذا الحجر سوف يسقط تحت الصاري مباشرة، والسبب أن الحجر عند لحظة إسقاطه يكون له سرعة أفقية مساوية لسرعة السفينة وفي نفس إتجاهها، ولهذا فسوف يستمر أثناء سقوطه الرأسي في حركة أفقية موازية لحركة السفينة ومساوية لها، وسيبقى دائمًا فوق قاعدة الصاري، بينما يؤدي سقوطه الرأسي الحر (وفق معدل التسارع من أثر الجاذبية) الى أن يسقط بجاور قاعدة الصاري مباشرة تحت النقطة التي أسقط منها . إن المثال السابق يمكن تقريبه إلى أذهاننا بفرض أننا نجلس في طائرة تطير بسرعة 500 ميل في الساعة، فلو سقط منا قلم فهو يقع رأسيًا تحت مقعدنا ولا يقع في مسارمائل تحت مقعد في عدة صفوف خلفنا، وهذا واضح لدينا الآن، إلا أن الإعتقاد البشري حتى القرن السادس عشر، أي قبل عصر جاليلو، كان غير ذلك .

           وقد ناسبت نظرية أرسطو معتقدات الكنيسة، والكتب السماوية آنذاك. الأرض ثابتة والسماء تدور حولها، والقبب البلورية تتحرك في دقة ونظام بقدرة الله تعالى، ولهذا فقد حاربت الكنيسة كل من كانت تسول له نفسه تغيير هذا النظام الذي يعتمد إعتمادًا كليًا على الله سبحانه وتعالى. وكان من أهم نظرياته أيضًا أن كل شئ يتحرك إنما يتحرك نتيجة فعل قوة عليه، أي أن لكل متحرك محرك، وطالما أن هذا سوف يأخذنا في سلسلة من المتحركات والمحركات، فلابد أن ننتهي إلى محرك أول، هو الخالق. وبالرغم أن أرسطو لم يقل أن المحرك الأول هو الله تعالى، إلا أن المؤسسات الدينية وجدت في هذه النظرية الدليل العلمي الذي تحتاج إليه للإستدلال على وجود الخالق عز وجل.

           وهناك أيضًا قضية تناسب الكون وكمال تصميمه، في شكليه الميكانيكي والعضوي، وقد شغلت هذه القضية منذ بزوغ الحضارة وحتى القرن التاسع عشر، الجزء الأكبر من الجهد الفكري اللاهوتي والفلسفي،  ولها صداها في علومنا الحديثة مثل علم أنثروبي Anthropy  ((Teleology: Doctrine of final causes, view that developments are due to the purpose or design that is served by them. Anthropy: study of man and society)).             لقد بدأ الإنسان في ملاحظة روعة وكمال التصميم منذ قديم الزمان البشري، ونجد هذا في الفكر اليوناني عند سقراط وبلاتو ثم ارسطو، وقد سبقهم الطبيعيون وأولهم طاليس (624-550 ق.م) والذي ذهب إلى أن الماء أصل كل شئ، بينما عارضه في ذلك انكسمندر، والذي ذهب إلى أن المادة لامتناهية لا في الكم ولا في الكيف، وهي مزيج من المتضادات، كانت كلها في البدء شيئًا واحدًا وبفعل الحركة حدثت إنفصالات وتجمعات بين بعضها والبعض الآخر بنسب متفاوتة فتكونت عنها الأشياء الطبيعية المختلفة، منوهًا بأهمية دور الحرارة في هذه التكوينات. واستنتج أن المادة لامتناهية ثابتة غير حادثة وأبدية غير مندثرة، وتوجد الأشياء بطريق الحركة التي تجمع الأشياء وتفرقها، وليس لهذه الحركة أي غاية أو هدف . ثم جاء انكزمنيس الذي رأى أن أصل العالم هو الهواء، وذهب هيرقليطس الى أن أصل العالم النار وهي المبدأ الأول للوجود . بينما ذهب فيثاغورث إلى أهمية الأعداد والنغم، وأعاد أصل العالم الى الأعداد. واقترب ديمقريطس بعض الشئ من الحقيقة حين قال أن أصل الأشياء هو الذرة التي لا تنقسم الى ما هو أصغر منها، وما الأشياء إلا تجمع عدد من الذرات وما فسادها إلا نتيجة تفرق الذرات التي تكونها، وبالرغم أن مذهب ديمقريطس مادي إلا أن أحد أتباع مدرسته وهو أنكسجوراس قال أن الحركة التي تجمع هذه الذرات أو تفرقها في نظام وجمال لا يمكن أن تكون بفعل قوة عمياء أو بمحض الصدفة، وإنما تسيرها وتحكمها قوة عاقلة واعية ذكية، توجهها نحو هدف وغاية محددة.  

           وبعد ذلك، كان سقراط وتلميذه أفلاطون، الذي اعتمد دليل النظام الظاهر في كل أجزاء الكون، وأعتمد على الحركة الجارية فيه والمتعاقبة على كل الموجودات، للتدليل على وجود القوة المدبرة للكون والمهيمنة عليه. واعتقد سقراط أن الحقائق حاصلة في العقل، وجاء أفلاطون بنظرية المثل، لتقريب الحقيقة التي لا يدركها العقل بمثلها أو ما هو أقرب شئ لها من الموجودات التي يستطيع العقل أن يحسها.

           واعتقد أرسطو أن كل شئ له سبب وغاية وهدف، ولا يوجد شئ في هذا العالم دون غاية أو وجد هباء   in vain وان كل شئ يجري في العالم يعود الى علة أولى ومحرك أول، وتحريكه الأشياء لعلة وغاية، فكل متحرك لابد له من محرك، وهذا المحرك لا بد له من محرك، ويتسلسل الأمر حتى نصل إلى المحرك الأول الأزلي، الذي يحرك ولا يتحرك أو لا يحتاج إلى محرك، وإلا لتسلسل الأمر إلى ما لانهاية، وهذا المحرك الأول هو الله Y، ولم يوضح أرسطو صلة إلهه بالكون، هل هي صلة أولى أم مستمرة. وقال أن معرفة ظروف نشأة الكون أو البدء ليس لها أهمية لأنها ليس لها تأثير على وضعه الراهن، واعتقد أنه على الأغلب أنه لم يكن للكون بدء، وأنه موجود هكذا منذ الأزل ولا يتغير، وحيث أن كل موجود له غاية يسعى اليها، فالمهم هو معرفة غايات ونهايات الأشياء. واعتبر أرسطو الزمان مقياس للحركة، ولهذا لا يتحدد الزمان إلا بوجود حركة ومتحرك وعقل يعي حركة المتحرك ويقيسها. أما المكان فهو ما حوى شئ موجود، ولهذا ينكر وجود الفراغ المطلق الخالي من أي شئ .

           وكونت هذه المدرسة اليونانية نموذج كوني من عدة قبب سماوية مركزها الأرض، الثلاثة الأولى الأقرب إلى الأرض إحتوت على الماء والهواء والنار، يعلوها سبعة قبب تحتوي كل منها على أحد الأجسام السماوية المتحركة، ويعلوهم قبة خارجية تحتوي كل النجوم الثابتة . ولاحظ أرسطو الإنتظام والسمو في حركة ودوام الأجسام السماوية العليا، التي لا يعتريها تغير وتتميز بالحركة الدائرية والتي إعتبرها -أي الدائرة- أسمى الأشكال الهندسية لتماثلها التام، وهذا الدوام والإنتظام يختلف عن الأجسام الأرضية التي تتعرض للتغير والتحلل والفناء .

           وقد استدل ديوجين ( 400-325ق.م) من تعاقب الشتاء والصيف والليل والنهار والمطر والريح وغيرهم من الكثير من المظاهر الطبيعية، أن هذا التنظيم المتكامل لا بد أن يكون ناتجًا عن تحكم قوة مفكرة، وقد إعتقد أن هذه القوة تكمن في الهواء. وعارض ثيوفوستوس (372-287ق.م) صحة قضية أن كل شئ في الكون له هدف وغاية، مستدلاً بأمثلة منها القحط والفيضان والمجاعات، التي ليس لها هدف بناء، ونوه أن شرط الهدف والغاية لا ينطبق على كل الظواهر، وانه لا يجب إلقاء أهمية كبيرة عليه .

          بينما ظهرت في نفس الفترة أيضًا الأفكار المادية بدءًا بديمقريطس (450ق.م) كما ذكرنا، ثم بالمدرسة الأبيقورية المادية ( 341-270ق.م) التي قالت أن العالم بدأ في وقت معين في حالة فوضى مطلقة، تطورت – ربما بطريق الصدفة- من خلال عمل قوى طبيعية بحتة، لينتج عالم منتظم به حركة دائرية منتظمة، ولم تهتم المدرسة الأبيقورية بتقديم هيكل النموذج الكوني لعدم إهتمام الأبيقوريين بالبحث المنطقي أو العلمي .

          وقد أعتبر المفكرون اليونانيون المتأخرون أمثال سيسيرو (106-43ق.م) بوجود الآلهة بدليل وجود التصميم في الكون، وتبعه الطبيب جالين (131-201م) في بيان قدرة  وروعة التصميم الألهي في أعضاء المخلوقات وخاصة فيما يتعلق بتناسق وتكامل الجسم البشري، واعتبر أنه يستحيل أن يمكننا أن نحسن في تصميم الجسد البشري.

           ولم تقدم الحضارة الرومانية أي جديد في العلوم الفلسفية والكونية، ودخلت الأفكار اليونانية الى المعتقدات المسيحية، ويبدو التوفيق واضحًا بين بعض المذاهب اليونانية كفلسفة أرسطو والمعتقدات اللاهوتية المسيحية، حيث اتفقا على أن العالم قد وجد من أجل غاية معينة، بينما ناسب نموذج كون أرسطو سفر التكوين، فاتخذته الكنيسة نموذجًا دينيًا . 

           أما بالنسبة للعصر الإسلامي، قد اعتمد القرآن الكريم دلائل التصميم الكوني والعضوي، بقصد تقديم الحجج المقبولة من البشر آنذاك {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} الغاشية 17-20 ، ولهذا فقد صيغ النص بما يؤدي إلى معنى ظاهر مقبول ينبثق من تفاعل النص مع المعارف البشرية، ولهذا فاذا تغيرت المعرفة البشرية تغير المعنى الظاهر، أما المعنى الحقيقي المطلق، فلا يُبلغ إلا عند بلوغ المعرفة البشرية الحقيقة المطلقة.

           وقد قام العرب بدور هام في ترجمة الكتب اليونانية والمحافظة عليها، وأسهموا بدور فعال وهام في تقدم علوم الفلك والفلسفة، وكانوا أول من طبقوا مبادئ العدل والمساواة بين كل الأجناس، ووضعوا علم الجبر والمقابلات (المعادلات) وعلوم الأحياء والكيمياء والجغرافيا وعلم الإجتماع، واخترعوا الاسطرلاب وقدموا الأرقام العربية وكانوا اول من استخدم الصفر في الحساب، بينما شرح ابن رشد فلسفة أرسطو وأضاف الكثير إليها، وتلقفت أوروبا علومه وعلوم العرب لتبدأ عصر التنوير الذي تأسس على العلوم التي أخذتها عن العرب. وفضل حضارة الاسلام وما قدمته الى الحضارة البشرية أعظم من أن تشمله بضع سطور في هذا البحث، وليس هنا مكان سرده حيث أنه مفصلاً في العديد من الكتب المتخصصة، العربية منها والأجنبية.

          أما عن البلاغ القرآني فيما يتعلق بالكون والخلق، فقد جاء القرآن بصورة كونية مكملة من جهة، ومصححة من الجهة الأخرى للمعلومات التي سبقته، {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه} المائدة 48 ، وفي حدود المتطلبات التي بيناها في الباب الأول. وسيرد بالتفصيل إن شاء الله في البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب.

وفي العصور الوسطي، ومرورًا بعصري التنوير والنهضة، كان الجدال بين أصحاب مذاهب الإستدلال على وجود الخالق بدقة وكمال التصميم – في المجالين الكوني الميكانيكي والعضوي – وأصحاب المذاهب المادية القائلين بعدم جدوى هذا الإستدلال لأنه ليس حاسمًا ولأنه يمكن الإستدلال منه أيضًا عن عدم كفاءة وعدم كمال التصميم .

           ان التفسيرات التي قدمتها الفلسفات اللاهوتية، ركزت على تكامل وتناسب المخلوقات مع بيئتها، والذي يعود الى التصميم الرائع الذي وضعه الله تعالى في هذا الكون، وركزت أيضًا على التصميم الميكانيكي للحركة الدقيقة التي تتبعها الأجسام السماوية، وأهمية مواقعها وتأثير بعضها على البعض، مما نشأ عنه الظروف الطبيعية والمناخية الملائمة للمخلوقات، ودللوا على أن أي إختلاف بسيط في هذا التوازن سوف يؤدي إلى فناء الحياة، وأن القدرة الإلهية هي التي أوجدت هذا التوازن الدقيق وهي التي ترعاه وتحافظ عليه. وكان الإعتقاد اللاهوتي حتى القرن التاسع عشر، أن المخلوقات تتدرج في سلم يبدأ في أسفله بالمخلوقات ذات الخلية الواحدة، ويتدرج في الترقي حتى يصل الى الإنسان الذي يشغل مكانًا متوسطًا، يعلوه الملائكة. وكانت هذه الأنواع ثابتة غير متطورة، لا تزيد أو تنقص لأن الله تعالى خلقها وما خلقه الله على كماله لا يمكن تحسينه أو فناءه إلا بمشيئته. وكانت هذه الأفكار مقبولة وراسخة حتى تحدتها نظرية أصل الأنواع (النشوء والإرتقاء) وأدت الى تقويضها، والتقويض – الظاهري أو المرحلي – لكل الإستدلالات التي إعتمدت دقة التصميم البيولوجي العضوي للكائنات الحية، فملائمة الأعضاء الدقيقة لإستخداماتها، لم ينشأ عن تصميم وإنما نشأ عن تطور هذه الإعضاء لتناسب البيئة والعمل المطلوب منها، فالعين لا ترى لأنها صممت لترى الأطوال الموجية الغالبة من الشعاع الشمسي، وإنما لأنها بدأت كرد فعل لما حولها ثم تطورت لتستخدم الموجود من الأطوال الموجية، لنقل المعلومات اللازمة للبقاء النوعي، ولأنها تطورت لتناسب الموجود ناسبت الموجود بدقة، ولم تناسب غيره، مما بدا لنا كدقة في التصميم، وهو ليس إلا تفاعلاً بين الكائن الحي وبيئته.   

           أما الإستدلال بدقة التصميم الكوني (( لقد أخرج كوبرنيكس وكبلر وجاليلو الإنسان من موقعه المميز في مركز هذا الكون، وأخرجه داروين من مركزه المميز بين المخلوقات، إلا أن الفكر البشري وجد أن أهمية الإنسان لا تعود إلى الموقع أو المركز الذين قد يشغلهما، وإنما إلى قدرته على التفكير، وبالأحرى قدرته على المشاهدة والرصد، والتساؤل، ثم قدرته على تبادل المعلومات وحفظها جيل بعد جيل.)) ، أي الإستدلال الميكانيكي، فقد قضي عليه ظاهريًا أيضًا، بفكرة أن الجزء الذي نحيا فيه من الكون قد يكون هو الوحيد الصالح للحياة، ولهذا وجدنا فيه، وان الكون من الكبر والكواكب من الكثرة، حتى أنه يمكن إحتمال تصادف وجود واحدًا منها بالظروف التي وجد فيها كوكبنا، ولهذا فالإحتمال -وإن كان ضعيفًا- إلا أنه يمكن حدوثه، ولأنه حدث وبمحض الصدفة، فقد أدى إلى وجودنا، ولأننا نتجنا عنه، نستطيع أن نتساءل ونتعجب من دقة ملائمة الظروف لوجودنا، ثم نستدل من ملائمة الظروف وتوازنها الدقيق على روعة التصميم، والحقيقة التي يعتقدها أصحاب هذا التفسير، أننا وجدنا بمحض المصادفة ونتيجة تجمع هذه الظروف التي أدت إلى نشأتنا ووجودنا. وقد تطور هذا التفكير، إلى الإعتقاد بوجود أجزاء أخرى من الكون الذي نراه، والذي لا نراه، لم يسعدها الحظ بتوافر الظروف والعوامل التي تؤدي إلى نشوء الحياة فيها، ولهذا فهي أجزاء ميتة لا حياة فيها، ثم تطورت الفكرة مع ظهور نظرية النشأة المفردة، والتي تبين منها أن الكون نفسه تطور من خلال عمليات متعاقبة دقيقة الإتزان، إلى أن هناك عدد لا متناه من الأكوان الأخرى التي لم تتطور مثل كوننا، ولم تؤدِ إلى ظهور حياة، أي أكوان فاشلة بمقاييس البشر؛ والتي تعتبر أن النجاح لا يكون إلا في تطور الأكوان حتى تستطيع خلق المناخ الملائم لظهور الحياة التي تتطور بدورها حتى ظهور الإنسان. 

          وبالرغم أن الإستدلالات السابقة يمكن الإعتقاد بصحتها المرحلية، ونقصد بهذا أنها نجحت لفترة طويلة في تقديم تفسيرات تحل محل التفاسير التي تعتمد على التصميم، إلا أنها لا تسقط مطلقًا صحة فكرة الإستدلال على وجود الخالق بأدلة التصميم، حيث أنها تقدم تفسيرًا آخر، وإن كان لا يعتمد على القوى الغيبية، إلا أنه قد يتجاوز الحدود المعقولة للإعتقاد في إمكانية حدوث ما يمكن قبول إحتمال حدوثه ولو مرة واحدة في عدد لا متناهي من المحاولات.         

 أن نظرية أصل الأنواع لداروين (النشوء والإرتقاء) مع تعديلاتها الحديثة، لا تتعارض مع التصميم الألهي، وخاصة لو كان التطور من سمات هذا التصميم، والفكر الفلسفي اللاهوتي السابق لنظرية داروين، أعتمد مبدأ الخلق الآني المتكامل لكافة المخلوقات، أي أن الله تعالى قد خلق كل أنواع المخلوقات الحية في وقت واحد، الطيور والأسماك والحيوانات والزواحف والأشجار والنباتات والإنسان، كل هؤلاء في الستة أيام، وبالرغم من المذكور في سفر التكوين، إلا أن آيات الخلق القرآنية، وخاصة تلك التي تشير الى الستة أيام؛ لم تدل على خلق أي من المخلوقات الحية في هذه الفترة، وإنما أشارت الى خلق الكون من سماوات ومادة وطاقة. أما عن خلق الحياة، فهذا ما سنفصله في الباب الثالث.

<< previous page next page >>

الباب الثاني: الفصل الأول – إيجاز وتبسيط لمسيرة المعرفة البشرية

          حتى القرن السادس عشر الميلادي، كان عالم السماء غير عالم الأرض، عالم الأرض هو عالم الزوال والتحلل والتآكل والفساد؛ بينما الأشياء في السماء خالدة دائمة منتظمة لا يعتريها تغير ولا فساد، كانت الأرض مسطحة وكان الكون كله مسخر من أجلها، الشمس والكواكب والنجوم كلهم مصابيح في القبة السماوية، تتحرك في أفلاك مركزها الأرض، كانت صورة الكون لم تزل كما هي منذ تصورها أرسطو وبطليموس، أي منذ سنة 340 ق.م، عندما أعتقد أرسطو أن الأرض ثابتة في مكانها وأن القمر والكواكب والشمس والنجوم تدور حولها، وطور بطليموس هذه الفكرة في القرن الثاني بعد الميلاد عندما صور نموذج الكون على أن الأرض في المركز يغلفها سبع قبب تدور فوقها، هي مستويات القمر – عطارد – الزهرة – الشمس – المريخ – المشتري – زحل، ويعلو الجميع قبة أو سقف السماء المعلقة عليه النجوم الثوابت .

          وقد تمكنت هذه الصورة من الفكر البشري حتى أصبحت الصورة الدينية للكون، أي التي تأخذ أهمية قدسية، وهي ليست كذلك. وقد أدى هذا إلى تكفير الكنيسة لكل من قال بعدم صحتها في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. ويجب التنويه هنا أنها ليست مذكورة في النصوص الإسلامية، والذي ورد في القرآن هو “السبع سماوات” والتي فسرها البعض على أنها تلك المستويات، ولكن النص ذاته لم يشر إلى ذلك مطلقًا.

           جاء في تفسير ابن كثير : ” الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل” ، وهذا ما كان في علوم القرن السابع الميلادي، وقد نحا أكثر المفسرون الأوائل إلى تفسير السماوات السبع على أنها هي هذه المدارات أو المستويات التي تشغلها هذه الأجسام السماوية، ولاحظ قولهم السيارات المتحيرة، لأنهم إتبعوا فكرة أنها تتحرك بالنسبة إلى الأرض الثابتة أو بالأصح بالنسبة للمشاهد الواقف على سطح الأرض، فكانت حركة الكواكب (الشمس والقمر ليسا من الكواكب) متحيرة لأنها لم تتبع فلك دائري منتظم بالنسبة للأرض (لأنها تدور حول الشمس).

 ولو أخذنا بتفسير السبع سماوات الذي جاء عن بعض المفسرين المسلمين الأوائل كما سبق، فإن المستوى الأخير الأعلى والذي به النجوم الثابتة – وفق علمهم آنذاك – يصبح مستوًا ثامنًا، وهذا التفسير شابه الى حد ما نموزج أرسطو وبطليموس الذي كان سائدًا في هذه العصور والذي احتوى القبة الثامنة، وهذا التوافق بين التفسير الغير صحيح والعلم الخاطئ كان كافيًا لتأدية الغرض المطلوب في تلك المرحلة. 

 ولا بد أن المفسرين الأوائل قد عانوا بعض الشيء من محاولة التوفيق بين النصوص وهذا المعنى، ففي القرآن الكريم {فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم } والمصابيح وفق علم القرن السابع هي النجوم الثابتة، وقد تعني الكواكب أيضًا، وجاء القمر كمصباح أيضًا، وهؤلاء كلهم في السماء الدنيا. وأيضًا { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } 37/6 وهذه سماء واحدة – من السبع سماوات – وفيها المصابيح والكواكب السيارة، ولهذا فلا يمكن أن يكون تفسير السماوات السبع هو المستويات التي تحدث عنها أفلاطون، والتي أعتبرها المفسرون ألأوائل ومثلهم الكنيسة التفسير الصحيح لما ورد في الرسالات.

           ولهذا فتفسير السماوات السبع كما سبق كان مرحليًا، وكان يعكس مدى علمهم ويناسب مداركهم ويقوم بالغرض المطلوب منه آنذاك، ولكنه ليس صحيحًا، لا علميًا ولا بالنصوص القرآنية كما بيَّنا، والخطأ العلمي يتأتي من أن الكواكب السيارة في الحقيقة أكثر من الخمسة الذين جاء ذكرهم، فهناك ثمانية كواكب أساسية وخمسة أقزام وفق التقسيم المعاصر، والنجوم كلا منهم على مستوى وهؤلاء لا يمكن حصر عددهم ، وكلهم في سماء واحدة، والأهم من هذا أن هذا التفسير لا يؤدي إلى أي مدلول ذي أهمية إذا قيست هذه الأجسام السيارة بحجم الكون المشاهد، فالكواكب والقمر والشمس لا يتعدون نقطة من بحر هذا الكون المترامي الإتساع.

           تنحو بعض التفسيرات المعاصرة الى تفسير السماوات السبع أنها المجرات، مع العلم أن في الجزء المشاهد من السماء أكثر من مائة بليون مجرة، وقد قالوا أن الرقم سبعة يشير إلى عدد هائل، كما هي العادة في الكتابات القديمة ومنها اليونانية، وقد أتخذ القرآن الأسلوب التشبيهي عند بيان الأعداد الكبيرة، مثل قوله سبحانه وتعالى: { ولو أنما في الأرضِ من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} لقمان 27، وقوله:  {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} سورة إبراهيم 34. ولكننا نعلم أن المجرات ما هي إلا تجمعات نجمية هائلة، وأن المجرات والنجوم كلها في السماء الدنيا، كما جاء في قوله تعالى {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} والمصابيح هي النجوم، ومن الأوصاف القرآنية للسماوات السبع أنها طباقًا، ولا يمكن وصف المجرات أنها طباقًا، فهي تختلف في الشكل والسُمك والعُمر وعدد النجوم ومنها الكبير ومنها ما دون ذلك.

           لا بد إن للسماوات السبع تفسير يتناسب مع مدارك القرن العشرين، ليس الكواكب أو المجرات أو غيرهم مما نجده في بعض التفسيرات المعاصرة، وسوف نقدم فهمًا مرحليًا نستنتجه في جزء لاحق من هذا البحث، وقد لا يصل الى درجة التفسير، ونترك الرأي فيه، مثله مثل كل ما يرد في هذا الكتاب، الى علماء وفقهاء الأمة، مع علمنا أن التفسيرات المرحلية قابلة للتعديل والتبديل والنسخ متى تقدمت علومنا البشرية وتقدم فهمنا للكون الذي نحيا فيه، وهذا ما سوف تبت فيه علوم ومدارك القرون القادمة.

           ونعود إلى القرن السادس عشر، لنجد أن مشاهدات الفلكيين تعقدت كثيرًا من جراء محاولاتهم تصوير هذا الكون وفق المفهوم الشائع آنذاك من مركزية الأرض في الكون، إذ كانت مسارات الكواكب تبدو لهم لولبية معقدة غريبة، وفي عام 1530م أتم الفلكي البولندي كوبرنيكس ((استفاد كوبرنيكس من زوج الطوسي وجاءت نماذج الأجرام التي طورتها مدرسة مراغة مناظرة رياضيًا لنماذج كوبرنيكس. (ص20 ج2 فجر العلم الحديث – توبي هاف – ترجمة د. أحمد محمود صبحي- سلسلة عالم المعرفة 220 ) ))  مشاهداته التي أظهرت له أن الشمس هي مركز الكون، وعندما جعل كل الأجسام السماوية تدور حولها، إنتظمت حركة الكواكب في مسارات دائرية أنيقة (( نعرف الآن أن هذه المدارات بيضاوية، ولهذا لدينا أربعة فصول في السنة.)) ، ولكن كوبرنيكس لم ينشر نتائجه إلا قبل وفاته بفترة قصيرة خوفًا من سلطة الكنيسة، ومر قرابة القرن قبل أن تؤخذ فكرة كوبرنيكس بجدية، عندما رأي جاليلو من خلال منظاره المكبر أن هناك أقمارًا تدور حول كوكب المشتري (جويبتر)، مما أكد أنه ليس صحيحًا أن كل الأجسام السماوية تدور حول الأرض . وعندما درس كيبلر جداول المشاهدات الفلكية لمن سبقوه وعدل مدارات كواكب كوبرنيكس الدائرية إلى مدارات بيضاوية، وافق حساب المدارات الفلكية مشاهدات المراصد .

          إلا أن هذا تعارض مع كبرياء الإنسان ورغبته في أن يكون موقعه في مركز كل شئ، أليس هذا ما ظن الإنسان أنه ما قالت به الأديان، ولم يدر بخلد أحد آنذاك أن يعيد النظر في صحة الفهم البشري للرسالات السماوية فيما يتعلق بالكونيات، الكنيسة تعجلت الحكم فحاربت بضراوة هذا الإكتشاف العلمي، وكفرت من تجاسر بالقول بمثل هذه الأقوال، لإعتقادها الخاطئ أن النص الإلهي يضع الأرض في مركز الكون.

          يعتبر الغربيون أن جاليليو (1564 – 1642م) هو أول من قام في المعمل بتجارب علمية ودون نتائجها وإستنبط منها علاقات تعمل في مجال حركة الأجسام على الأرض، وأن كيبلر ( 1571 – 1630 ) الذي عمل في مجال علم الفلك، هو أول من قام بدراسة وتحليل جداول وسجلات مشاهدات الفلكيون الذين سبقوه وأجرى الحسابات ووضع معادلات واكتشف أن مدارات الكواكب إهليجية بيضاوية وليست دائرية .

           ومع خلافنا مع هذه الأقوال، حيث أن كثير من العلماء المسلمين قد أعتمدوا التجربة ودونوا مشاهداتهم وإستنبطوا نتائج منها، وخاصة في علوم الكيمياء والأحياء والفلك . إلا أن ما يهمنا هنا هو أن كلا من جاليلو وكيبلر قد أعتمدا على التجربة عند الأول والمشاهدة عند الثاني؛ وقاما بتحليل المعطيات والخروج بنتائج علمية، بخلاف معاصريهم ومن سبقهم – في أوروبا – من الفلاسفة الذين كانوا يعتمدون على المنطق العقلي وحده .

           وفي القرن السابع عشر جاء نيوتن ( 1642- 1727 م) ليبين أن الأجسام التي تسقط على الأرض كالتفاحة التي إشتُهر أنها سقطت أمامه من الشجرة، إنما تسقط لأن هناك قوة هي الجاذبية بينها وبين الأرض، ووجد نيوتن أيضًا إن الجاذبية التي توقع الأشياء على الأرض، هي نفسها التي تحفظ القمر في مداره حول الأرض، وهي نفسها التي تحفظ الأرض في مسارها حول الشمس، فهي تحرف مسار الأرض المستقيم فينحني شيئًا فشيئًا حتي ينتهي في مدار حول الشمس، وتستقر في المدار بفعل تعادل الجاذبية مع القوة الطاردة المركزية .

 وأهمية إكتشاف نيوتن، أنه بيَّن أن الأجسام السماوية تخضع لنفس المعادلات الرياضية التي تحكم العالم الأرضي، فالقوة التي أوقعت التفاحة هي نفسها التي تحفظ القمر في مداره حول الأرض، وفجأة أصبحت الأجسام السماوية والأرض يتبعان نظاما كونيا واحدا، وكلاهما يدور وفق نظام محدد يستطيع العقل البشري أن يخوض فيه ويعقله، وبهذا أصبحت السماء والأرض في متناول العلم البشري، وولد آنذاك العلم الحديث، وولدت معه الثقة البشرية المفرطة في قدرتها على فك ألغاز هذا الكون إعتمادًا على العقل والمشاهدة والتجربة والإستنباط . وتوجت هذه الثقة عندما قدر أدموند هيلي  ( 1656-1742م) مدار المذنب المسمى بإسمه، وتنبأ بأنه سيعود للظهور مرة أخرى، فلما ظهر النيزك في ديسمبر 1758م؛ تأكد العلماء أن الكون يعمل وفق قوانين ثابتة مثله مثل الساعة المنتظمة.

لقد شهد القرن الثامن عشر بدء تحول الفكر الغربي في أوروبا من الإيمان المطلق بالروحانيات والترتيب الكوني والطبقات العليا، إلى تفكير علمي يعتقد بإمكانية وصول العقل البشري إلى الحقائق الكونية المطلقة، ثم تطور نتيجة الثقة المفرطة إلى تفكير مادي بحت لا مكان فيه للروحانيات. وشتان بين الغرور الذي أكتنف العلماء آنذاك، وحالة الشك التي تحيط بهم في عصرنا الحديث، وخاصة بعد نظريات الكوانتم، وغيرها من النظريات الكونية التي تمتلأ بها معاهد الأبحاث.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – يقينية تفسير النص

{أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها} سورة محمد 24


          إذا أخذنا بمعاني النصوص الدينية المتعلقة بالكونيات والخلق، التي ذهب اليها السلف بناء على علومهم ومعارفهم، فسوف نجد تعارضًا في بعض هذه المعاني مع ما توصلت اليه المعارف العلمية الحديثة. ويمكن حصر موضوعات هذا التعارض، في موضوعين أساسين، هما الخلق الكوني، وخلق الإنسان، ولهذا فعلينا  إعادة النظر في هذه النصوص، لنرى حقيقة توافق أو تعارض هذه النصوص ذاتها – وليس تفسيرها التراثي – مع علومنا المعاصرة.

           وكما جاء في مقدمة الكتاب، قد يتخلف التفسير في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف، كما هو حاصل في عصرنا هذا، حيث أن التفسير يتطلب الألمام بالكثير من العلوم الدينية والإنسانية وعلوم الطبيعة، ولا يستطيع أنسان أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قد يتخلف التفسير الموضوعي، عندما تتولى أمور التفسير فئة ليس لديها القدر المطلوب من العلوم الحديثة، وقد ينحو البعض منهم الى إنكار بعض النظريات وتخطيئها، مثل ما حدث للمسيحية منذ عدة قرون، مما أدى الى تنازل الكنيسة عن المعنى المطلق لسفر التكوين وركونها الى رمزية النصوص، وبالرغم أننا نأخذ بمبدأ متطلبات الصيغة الرمزية ((ضرب الله تعالى الأمثال للناس في مواقع كثيرة في القرآن، مبينًا رمزية السرد خاصة فيما يتعلق بالغيبيات وغيرها لتقريب المعنى الى ذهن البشر بما يعقلونه. وفي قوله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ما يدل أن معناها الحقيقي يتجاوز المعنى المباشر الذي قد يفهمه عامة الناس. {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}47/3 وهي تبين أن الأمثال صيغت بما يتناسب مع فهم الناس. ولفظ مثل الذي ورد كثيرًا في القرآن يقصد به التشبيه والتصوير، والمجاز هو تجاوز المعنى المباشر للعبارة إلى معنى آخر يتعلق به تعلقًا ما. ))  لهذه النصوص، التي نفترض أنها لم يقصد منها الخطاب العلمي البحت، إلا أننا يجب أن نتبين أسباب أختيار الأسلوب الرمزي، والقواعد التي يجب أن تحكمه، فقد تكون من الأسباب إضفاء البعد الروحي؛ أو التيسير مراعاة للقدرات الفكرية الخاصة بالمتلقي لهذا الخطاب، أو غيرهما. إلا أن هناك قاعدة أساسية يجب أن نتوقعها من الأسلوب الرمزي، وهي أنه لا يجب أن يؤدي الإسلوب الرمزي إلى الإخلال بالخبر، الى درجة تؤدي الى مدلول يتناقض مع حقيقته.

 

التأويل والتفسير المرحلي:

           الآيات الكريمة التي أشارت الى خلق الكون وخلق الحياة، تدخل ضمن الآيات  المتشابهات، والتي وردت في الآيتين الكريمتين: {هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات * فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (7) آل عمران. والتأويل هو إما أعادة الشئ إلى أوله أو إلى ما سيؤول إليه، وقد يبدو من ظاهر هاتين الآيتين، أن هذه المعرفة القاطعة المطلقة إما أنها فوق قدرات فهم البشر ((قد لا تفيد هذه الآية بعجز البشر عن التأويل، وقد ذهب البعض من الأوائل إلى القراءة  بما يؤدي إلى أن الراسخون في العلم قادرون على تفسيره، وفي الحديث أن رسول الله صلعم دعا لإبن عباس فقال : (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)  وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. (مختصر تفسير ابن كثير 265/الجزء الأول) )) ، أو أن القرآن قد وضع بطريقة لا يمكن معها تأويله قبل أوانه.

 ويهمنا النظر ببعض التفصيل، في  موضوع الآيات المتشابهات، لأن له إتصال وثيق بموضوع هذه الدراسة.

 أختلف الفقهاء في تعريف المحكم والمتشابه، وفي رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها؛ ومنها كل ما يتعلق بالغيبيات وآيات الخلق الكوني والأمثال.

 جاء في تفسير الطبري:  ”وَأَمَّا قَوْله : { مُتَشَابِهَات } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مُتَشَابِهَات فِي التِّلَاوَة , مُخْتَلِفَات فِي الْمَعْنَى.“

 التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، هو ما يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، وقد يكون هذا التغير نتيجة طبيعية لتطور المعارف البشرية. وهذا التفسير قد لا يطبق إلا على آيات الكون المشاهد بما فيه من ظواهر طبيعية وأحياء، أما الإخبار بأمور الغيب، فهذه لا نعلم بها وقد تخرج عن قدرات العقل البشري في تأويلها، ولهذا فهذه لا تؤول وأنما يؤمن بها.

 جاء في تفسير القرطبي: ”اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “ هَلْ هُوَ اِبْتِدَاء كَلَام مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , أَوْ هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله فَتَكُون الْوَاو لِلْجَمْعِ . فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّهُ مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , وَأَنَّ الْكَلَام تَمَّ عِنْد قَوْله ” إِلَّا اللَّه “.“

 ”وَمَذْهَب أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْوَقْف التَّامّ فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا هُوَ عِنْد قَوْله تَعَالَى : ” وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه “ وَأَنَّ مَا بَعْده اِسْتِئْنَاف كَلَام آخَر , وَهُوَ قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ“ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأُبَيّ بْن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة . وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ نَسَق ”الرَّاسِخُونَ“ عَلَى مَا قَبْله وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ . وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَة فَقَالَ : مَعْنَاهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ آمَنَّا ; وَزَعَمَ أَنَّ مَوْضِع ”يَقُولُونَ“ نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَعَامَّة أَهْل اللُّغَة يُنْكِرُونَهُ وَيَسْتَبْعِدُونَهُ ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُضْمِر الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعًا , وَلَا تَذْكُر حَالًا إِلَّا مَعَ ظُهُور الْفِعْل ; فَإِذَا لَمْ يَظْهَر فِعْل فَلَا يَكُون حَال،“

 ”قُلْت : مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجَاهِد غَيْره فَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الرَّاسِخِينَ مَعْطُوف عَلَى اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْم الْمُتَشَابِه , وَأَنَّهُمْ مَعَ عِلْمهمْ بِهِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ;“

”وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَيْضًا بِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْم ; فَكَيْفَ يَمْدَحهُمْ وَهُمْ جُهَّال وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس: ( أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ) وَقَرَأَ مُجَاهِد هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ;“

 ” قُلْت : وَقَدْ رَدَّ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل فَقَالَ : وَتَقْدِير تَمَام الْكَلَام ” عِنْد اللَّه “ أَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه يَعْنِي تَأْوِيل الْمُتَشَابِهَات , وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَ بَعْضه قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا بِمَا نَصَبَ مِنْ الدَّلَائِل فِي الْمُحْكَم وَمَكَّنَ مِنْ رَدّه إِلَيْهِ . فَإِذَا عَلِمُوا تَأْوِيل بَعْضه وَلَمْ يَعْلَمُوا الْبَعْض قَالُوا آمَنَّا بِالْجَمِيعِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا , وَمَا لَمْ يُحَطْ بِهِ عِلْمنَا مِنْ الْخَفَايَا مِمَّا فِي شَرْعِهِ الصَّالِح فَعِلْمه عِنْد رَبّنَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : قَدْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّاسِخِينَ بَعْض تَفْسِيره حَتَّى قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا أَدْرِي مَا الْأَوَّاه وَلَا مَا غِسْلِين ) قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَدْ عَلِمَ بَعْد ذَلِكَ فَفَسَّرَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ . وَجَوَاب أَقْطَع مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانه لَمْ يَقُلْ وَكُلّ رَاسِخ فَيَجِب هَذَا فَإِذَا لَمْ يَعْلَمهُ أَحَد عَلِمَهُ الْآخَر . وَرَجَّحَ اِبْن فُورك أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيل وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ ; وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِ عَبَّاس : ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل ) مَا يُبَيِّن لَك ذَلِكَ , أَيْ عَلِّمْهُ مَعَانِي كِتَابك .

وَالْوَقْف عَلَى هَذَا يَكُون عِنْد قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “. قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن عُمَر : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ تَسْمِيَتهمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب . وَفِي أَيّ شَيْء هُوَ رُسُوخهمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَم الْجَمِيع .

لَكِنَّ الْمُتَشَابِه يَتَنَوَّع , فَمِنْهُ مَا لَا يُعْلَم الْبَتَّة كَأَمْرِ الرُّوح وَالسَّاعَة مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِغَيْبِهِ , وَهَذَا لَا يَتَعَاطَى عِلْمه أَحَد لَا اِبْن عَبَّاس وَلَا غَيْره . فَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاء الْحُذَّاق بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْم الْمُتَشَابِه فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْع , وَأَمَّا مَا يُمْكِن حَمْله عَلَى وُجُوه فِي اللُّغَة وَمَنَاحٍ فِي كَلَام الْعَرَب فَيُتَأَوَّل وَيُعْلَم تَأْوِيله الْمُسْتَقِيم , وَيُزَال مَا فِيهِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَتَعَلَّق مِنْ تَأْوِيل غَيْر مُسْتَقِيم ; كَقَوْلِهِ فِي عِيسَى : ” وَرُوح مِنْهُ “ [ النِّسَاء : 171] إِلَى غَيْر ذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى أَحَد رَاسِخًا إِلَّا أَنْ يَعْلَم مِنْ هَذَا النَّوْع كَثِيرًا بِحَسْب مَا قُدِّرَ لَهُ . “ أنتهى

             

       عليه، فقد ذهب بعض الفقهاء الى أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل، بينما ذهب البعض الآخر الى أنهم يعلمونه، وفي آخر فقرة من المنقول عن تفسير الطبري، بين أن بعضه يمكن علم تأويله، وبعضه الآخر -الذي يدخل في باب الغيبيات- لا يعلم تأويله.

 ويتضح من الآية أن الرسوخ في العلم هو الطريق الوحيد الى فهم معاني المتشابه الممكن تأويله، شرط أن يجتمع العلم مع الإيمان، لقوله تعالى{يقولون آمنا به كل من عند الله}. أما المحكم فقد جاء عنه ” أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب“.

 وفي قوله تعالي {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } (19) القيامة . ما يدلنا أن بيان معاني القرآن هو مرحلة تعقب قرءانه وقد تكون مستمرة.

 والذي يدل أن الله سيبين للناس آياته العلمية المتعلقة بالكون المشاهد وبأنفسهم قوله تعالى : {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت. يقول ابن كثير:  ”سَنُرِيهِمْ آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أَنْفُسهمْ“ أَيْ سَنُظْهِرُ لَهُمْ دَلَالَاتنَا وَحُجَجنَا عَلَى كَوْن الْقُرْآن حَقًّا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْد اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَائِل خَارِجِيَّة ” فِي الْآفَاق “ مِنْ الْفُتُوحَات وَظُهُور الْإِسْلَام عَلَى الْأَقَالِيم وَسَائِر الْأَدْيَان قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ وَدَلَائِل فِي أَنْفُسهمْ قَالُوا : وَقْعَة بَدْر وَفَتْح مَكَّة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ نَصَرَ اللَّه فِيهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحْبه وَخَذَلَ فِيهَا الْبَاطِل وَحِزْبه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ مَا الْإِنْسَان مُرَكَّب مِنْهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ مِنْ الْمَوَادّ وَالْأَخْلَاط وَالْهَيْئَات الْعَجِيبَة كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي عِلْم التَّشْرِيح الدَّالّ عَلَى حِكْمَة الصَّانِع تَبَارَكَ وَتَعَالَى.“ 

 وفي قوله تعالى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (93) النمل، ما يدل على قدرتنا معرفة هذه الآيات عندما يكشفها الله تعالى لنا.

 ولفظ الآيات المذكور في الآيتين السابقتين وغيرهما يراد به المعجزات، ومنها الآيات الكونية وآيات الخلق، وهذه معجزات تدل على الخالق المهيمن. بينما تعود الهاء في أنهُ في {..حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ .. } الى {..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} 41 فصلت. وهذا يدل على تطابق الآيات الكونية التي سنراها في الآفاق وفي أنفسنا مع الآيات المتعلقة بهذين الموضوعين في القرآن الكريم.

 ونلاحظ في هذه الآية الكريمة من سورة فصلت، أن رؤية الآيات تحدد في موقعين، في الآفاق وفي أنفسنا، أما الآفاق، وهي منتهى البصر وحدوده، أي أقصى ما يمكن أن نشاهده في السماء، فهذا كما اكتشف العلماء مؤخرًا، نرى فيها تاريخ الخلق الكوني، فنحن عندما ننظر في الآفاق، نرى الكون كيف كان منذ بلايين السنين، وهي الفترة التي استغرقها الضوء حتى يقطع هذه المسافات الكونية الهائلة، بل وأن كل فهمنا العلمي لمعجزة بدء الخلق الكوني وتاريخه، أستمده العلماء من خلال النظر الى هذا الأفق السماوي، باستخدام تلسكوبات منها الفضائية كهابل ودبليو ماب. أما المعجزة الثانية وهي خلق الحياة فهذه تبينها لنا دراسة الجسم الحي، والتي من خلال علوم التشريح والوراثة والخلايا وعلوم الحفريات والمتحجرات يتمكن العلماء من تكوين فهم لمعجزة خلق الحياة. هاتين هما معجزتي الكون المشاهد، واللتين يمكننا أن نراهما في كل الأزمان والعصور، أما معجزات ما هو خارج الكون المشاهد وما هو خارج الكون، فلم يرد ذكرهما لأنهما من الغيبيات.     

 أما قوله تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} الاسراء.. فيدلنا أن عقولنا لا تقدر على الخوض في أمور الغيب لأن علومنا يحدها مجال العالم المشاهد، أنظر قوله تعالى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}. وتمنع هذه الآيات البشر من الخوض في الأمور الغيبية رحمة بهم، بينما تدعو الآيات من سورتي فصلت والنمل والكثير غيرهما، الى التفكر في أمور الكون المشاهد كقوله تعالى {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) آل عمران. وقوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}(21) الذاريات.

          مما سبق نجد في آيتي سورة آل عمران وبناء على ما قال به السلف، أن الراسخين في العلم قد يعلمون تأويل الآيات المتشابهات المتعلقة بالعالم المشاهد، بينما نجد في قوله سبحانه وتعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علمٍ هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ….. } 7/53  وهذه الآيات لم تحدد المتشابهات، وإنما شملت الكتاب كله، وحددت ان تأويله يكون عند إنتهاء الزمان أو البعث، والمخاطب هنا هم المشركين والتأويل هنا كناية عن عاقبة الأمور وما ستؤول إليه وتحقق ما كانوا يوعدون به من حساب وجزاء.

 وقد يدل هذا أن التأويل المطلق أي تحقق كل ما في القرآن من معان سوف يكون في نهاية الزمان، عندما تؤول الأشياء إلى نهاياتها، بينما دلتنا الآيات في سورة   فصلت أن الله تعالى سيرينا الآيات في الآفاق وفي أنفسنا فنعرفها فيتبين لنا أن القرآن حق، ويكون هذا في حياتنا وقبل يوم البعث، وحيث أن هذه المعرفة أو الفهم للآيات ليس هو التأويل أي معرفة منتهى الحقيقة المطلقة، وحيث أن المتشابهات تدل على التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، أي يتقدم فهمنا لها مع تقدم ما نراه ونتعلمه في الأفاق وفي أنفسنا، وهذا يسمح باستنباط المعاني المرحلية التي تنبثق عن تفاعل النص الثابت مع المعارف الإنسانية في مراحل تقدمها، ليولد المعنى الذي نطمئن إليه لأننا لا نجد فيه تعارضًا مع معارفنا العلمية المرحلية التي نعتقد بصحتها. وقد ذهب السلف الصالح الى تفسير الآيات المتشابهات في الموضوعات التي نحن بصددها وفق معارفهم وعلومهم واطمأنوا إليها.

 نعلم أننا في هذا الأفتراض قد أضفنا أن النص لن يتعارض مع العلوم التي يتفق علماء عصر ما على صحتها، وان ثبت عدم صحتها في عصر لاحق، وهذا لم نستدل عليه من النصوص، وإنما مما وجدنا عليه تفسير السلف الذي وافق معارفهم واطمئنوا اليه، وما وجدناه في هذه النصوص من موافقة لعلومنا الحديثة والتي اختلفت جذريًا عما كانوا في السابق يعتقدون به. ولأن التأويل الصحيح المطلق لن يكون إلا في نهاية الزمان، وعليه ففهمنا سيكون مرحليا، وحيث أن هذا الفهم المرحلي سيوافق معارفنا، سيعلم الذين أرتابوا أن النص حق.

 وهذا الفرض الذي وضعناه هو فرض بشري يمكن أسقاطه إذا تبين خطأه، وحتى الآن فهو صحيحًا بالدلالات التي أوردناها، والتعميم الذي اتبعناه مستدلين بحالة واحدة صح فيها، ليس كافيُا لدعم الفرض، ولهذا نقول أنه قد يكون صحيحًا حتى يتم نقضه فنسقطه، إذ أن مرجعنا الأول هو دلالة النص.

 لقد وضع العلماء في هذا العصر شروطًا وقواعد تحدد صحة الإستدلال العلمي، يصعب معها اجتماعهم على صحة نظرية قد يثبت في المستقبل خطأها في كليتها، وانما يمكن تطويرها الى الأقرب ثم الأقرب من الحقيقة. ولهذا فإن أهم مرحلة كان يتعين على النص أن يتخطاها هي المرحلة التي خطتها المعارف البشرية من عصور المعرفة التي لم تقم على أسس علمية، الى عصر العلم الحديث الذي تتشكل وتتقدم فيه المعارف وفق أصول وقواعد هذا العلم. هذه هي المرحلة الأصعب، وقد إستطاع النص الثابت مواكبتها.

 ولهذا نفترض أن الآيات المتعلقة بموضوع العالم المشاهد أي الطبيعة وآيات خلق الإنسان؛ قد صيغت بحيث تتفاعل مع المعارف البشرية حتى يولد المعنى، وطالما أن المعارف بطبيعتها متطورة، فالتفاعل عملية مستمرة، والمعاني متطورة. وكما رأينا كيف أن النص لم يتعارض مع علوم السلف، والتي تبين عدم صحة بعضها، لهذا نتوقع أن النص ذاته لن يتعارض مع علومنا، التي نعتقد بصحتها المرحلية.

 وحيث أننا افترضنا تغير معنى النص الثابت، فلن يكون هذا تأويلا، وإنما هو فهمًا بما يتناسب مع مرحلية المعارف البشرية. وهذا لا يختلف عن النظريات العلمية المتطورة التي لا يدعي أي من العلماء أنها الحقيقة المطلقة أو التأويل المطلق لكتاب الطبيعة المشاهد والمحسوس.

           أن عجزنا عن التأويل المطلق للنص؛ يقابله عجزنا العلمي عن بلوغ الحقيقة المطلقة، أي أننا عندما نحاول المقارنة ، فاننا نقارن بين فهم تقريبي وعلم تقريبي، إلا أن ما ييسر الأمر علينا، أننا نبدأ ولدينا بعض المعنى الذي نعتقد أن النص يشير إليه، وقد يقول قائل أن المعنى طالما أنعكس عن مرآة المعرفة، لن يتعارض بالطبع معها، إلا أن هذا ليس باليسر الذي ينوه اليه هذ القول، فالنص ألفاظه ثابتة، ومدلولات الألفاظ متفق ومتعارف عليها منذ قديم الزمان، وتحكمنا في هذه العملية قواعد اللغة العربية والتقيد بالمعاني الثابتة لكلماتها، وكل هؤلاء؛ من نص وقواعد ومعاني الألفاظ ومباني الجمل؛ ثوابت لا نملك تعديلها أو تغييرها، وقد أعتمدنا على معاجم اللغة التي سطرت منذ ما يقرب من ألف سنة، وثبتت على ذلك، وأصحابها اعتمدوا على المعاني في اللغة المتداولة قبل وأثناء عصر النبوة، فان أدت هذه المعاني اللغوية الى ما لا يتعارض مع علومنا المعاصرة، فسيكون هذا إعجازًا.

          ويجدر القول هنا أن بعض فقهاء الأمة منذ عدة عقود، قد نظروا الى هذا الأمر من زاوية مختلفة، بعد أن تبين لهم أن العلم متطور، وأن نظرياته دومًا متغيرة ومتبدلة، تحل الواحدة محل الأخرى وتنسخها، فقالوا أنه ليس من الحكمة أن نوفق بين معاني النصوص القرآنية ونظريات علمية قد تندثر بعد حين.  وهذه وجهة نظر يؤخذ عليها أننا في هذا العصر، بالرغم من علمنا أن العلوم السابقة التي أخذ بها السلف في معرض تفسيرهم للآيات العلمية قد تغيرت وتبدلت، ومع ذلك بقيت تفاسير السلف لهذه الآيات تتداول بين الناس، فأين الحكمة في إبقاء ما نعلم أنه ليس صحيحًا، لأننا ننتظر أن يتوصل العلم الى الحقائق النهائية المطلقة.

 قد لا يوجد في العلوم الطبيعية نظريات ثابتة أو مكتملة، إذ أن النظريات حتى الصحيح منه، تظل تتقدم من صحيحة إلى أصح، ومن قريبة من الحقيقة إلى الأقرب، وقد لا تصل أبدًا الى الحقيقة ذاتها. ولا يدعي العلماء أن أي نظرية لديهم وإن ثبتت بالتجارب ووافق المشاهد في الطبيعة توقعاتها أو تنبؤاتها، أنها أصبحت مطلقة أو أن نتائجها حتمية، وإنما تعنى أن إحتمال حدوث النتيجة عند توفر الأسباب والظروف يصبح إحتمالا كبيرًا الى درجة عالية. ولهذا فان إنتظار توصل العلم الى الحقائق الثابتة المطلقة قد يطول، وخاصة أن من الموضوعات الأساسية التي تهمنا، خلق الكون وخلق الحياة، لن يمكن البت فيهما ربما لزمن طويل، وربما أبدًا.

 هناك فرقًا بين ما نعلمه ونحدده ونصفه من المشاهدة والنظر في الطبيعة Observation, identification, description،    وبين ما نستنتجه كتفسير للظاهرة Theoretical explanation of phenomena. بعد إجراء التجارب واستنباط المعادلات التي تحكم العلاقة بين الأسباب والنتائج وبعد مطابقة تنبؤاتها مع الواقع.

 إن الذي قد يتغير ويتبدل هو النظرية التي تفسر هذه الظواهر، والى حد ما المعادلات التي يمكن أن تستبدل بما هو أكثر منها دقة أي أقرب للحقيقة ولكن لا تخطئها، مثال ذلك استبدال قوانين الجاذبية لنيوتن بقوانين أينشتين. أما المشاهدات فهذه لا تتغير وإنما يمكن أن يضاف عليها كلما صنع العلماء أجهزة حسية أقوى أو أفضل، أو استطاعوا وضعها في الفضاء لتتمكن من نقل صورة أوضح وابعد.

           ولهذا فعندما تصف علومنا الكون أن به نجوم ومجرات وتجمعات، وأن عمره يقدر ببلايين السنين، وأن الحياة وجدت على الأرض منذ بلايين السنين، وأن الإنسان ظهر عليها منذ ملايين السنين، فهذه كلها مشاهدات وحقائق لا يصح أن ينكرها أحد.

          أما النظريات التي لها أسس علمية تجريبية سليمة، فقد يمكن أن نجد أكثر من نظرية تفسر نفس الظاهرة، حتى يتبين من مشاهدات ومعلومات جديدة، ترجيح واحدة على الأخرين.

 وهناك نظريات مثل تلك التي تبحث في نشأة الكون، تقوم على افتراضات ومعادلات رياضية ونماذج حسابية Computer models، ولدينا عدة نظريات متنافسة، أقدمها الكون المستقر الأبدي،  ثم النشأة المفردة أو التي تسمى الإنفجار الكبير، مرورًا بالأوتار الفائقة ونظرية (م)، ثم الكون المتذبذب  cyclic universe و kpyrotic scenario . وفيما عدا نظرية النشأة المفردة، فان بقية النظريات تهدف الى ايجاد الكون من شيء آخر سابق له، أي تتحاشى فكرة الخلق أو الوجود من لا شيء، أو تقول بأنه موجود منذ الأبد. وغالبًا تتفق كل هذه النظريات في الأحداث التي أعقبت نقطة النشأة وبعد تكون الذرات. وحاليًا تُرجح نظرية النشأة المفردة، فيما يتعلق بالأحداث التى أعقبت حالة ال Singularity، خاصة بعد نتائج المكوك WMAP التي اعلنت في 2006 .

           كل هذا تفاصيل ليس لها تأثير على موضوعنا، فان قالت هذه النظريات أن الكون نشأ من نشأة مفردة أو عبر سلسلة من الأكوان السابقة، فالمنطق العقلاني يرجح أن يكون هناك بدءًا لهذه الأكوان السابقة، كل ما تفعله هذه النظريات هو في إرجاع نقطة البدء الى زمان أسبق، ولكنها كلها تتفق أن هناك بدءًا لكوننا هذا وان كان هناك ما قبله ((ليس في النص ما يدل على أنه لم يكن هناك أي شيء قبل خلق العالم، بل وتدل الآيات عن وجود الماء والعرش، والكون المخلوق يستدعي بالضرورة أن هناك ما قبله وما حوله وما بعده، وكل هؤلاء من الغيبيات التي ليس لنا مصدر لمعرفتها إلا النص، نؤمن به كما نزل، ولا نبحث فيه.)) ، أما من قال أنه كذلك منذ الأبد، فليس هذا من العلم به، وانما افتراضًا لا يقوم على أي دليل من جهة، وهروبًا من البدء في الجهة الأخرى، وهذه نظرية هجرها أغلب العلماء منذ سبعينات القرن العشرين.

           فيما عدا المشاهدات التي يجب علينا اعتمادها على أنها صحيحة، يمكن الأخذ بالنظريات على أنها تفسيرات مرحلية لظواهر الكون، والذي يهمنا هنا أننا نقارن بين نظريات علمية تقريبية، وفهمًا مرحليا للنصوص المتعلقة بهذه الموضوعات، والتي وردت في الآيات المتشابهات، والتي نعلم أن تأويلها الصحيح لن يكون إلا في نهاية الزمان، ولهذا فمن الممكن تفسيرها مرحليًا، وكما أن التفسير السابق في المراحل السابقة أدى دوره وقبله الناس لأنه وافق معارفهم، يكون تفسيرعصرنا الحالي وفق علومنا مرحليًا ولا نقول أنه التفسير المطلق، وقد ياتي زمان في المستقبل، يجد فيه أهله تفسيرًا مرحليًا آخر يختلف عن الذي نراه، فلا يخطئون تفسيرنا وانما يقبلون أنه كان تفسيرًا مرحليًا وافق معارفنا.

 

وظيفة النص العلمي في الخطاب الديني:

           نتوقع من أي رسالة سماوية أن تحتوى على إجوبة مقنعة للأسئلة التي تدور في أذهان الناس، عن من أين جاء هذا الكون، وكيف خلقنا وما هو مصيرنا وهل هناك شيئا بعد الموت.

           ولو نظرنا في المعلومات المتعلقة بعالم الشهادة، أي العالم المشاهد، سترد هذه المعلومات في الرسالة السماوية بقصد تأكيد صدقها، أي كحجة وبرهان، ولهذا لا نتوقع أن يرد ذكر موضوع خلق الكون كمادة علمية مجردة، لأنه لو ورد كمادة علمية لما أدى دوره كحجة وبرهان لدى قوم يجهلون النظريات العلمية الصحيحة، ولهذا كان من الحكمة أن تصاغ المعلومات الصحيحة في صيغة تتناسب مع معارف المتلقي، فالحجة يجب أن تكون مقنعة حتى تقوم بالغاية المطلوبة منها. ولأن الحجة لا يراد منها أن تصبح قضية يُجادل فيها؛ توجب فيها ألا تتعارض مع المعارف الإنسانية في أي مرحلة من مراحل تطوره.  

           وقد بدأنا القول بما يؤدي الى أن الفهم البشري للنصوص في هذا العصر؛ قد يتعارض بعضه فعلا مع العلم المعاصر، وأن السبب في ذلك يعود الى تخلف التفسير عن مواكبة التطور العلمي، وأنه ما زال يعتمد في أكثره على تفاسير السلف؛ دون أن يتفاعل هذا النص مع المعارف الحديثة حتى يتولد الفهم المرحلي الجديد.

           وعليه، نجد أن النصوص الكونية ونصوص الخلق في القرآن، وردت على إنها حجة وبرهان لدعم جوهر الرسالة الروحي، وأنها ليست مقصودة في حد ذاتها أي بمعناها العلمي البحت، وليس الغرض منها تعليم الناس أو إحداث طفرة علمية لبشر ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها.

           من الصحيح ان الدين الإسلامي قد جاء بطفرة أو ثورة إجتماعية سياسية إقتصادية غيرت من أخلاق وتقاليد وعادات المجتمع العربي خاصة والبشر عامة، ولكن ليس صحيحًا أو مطلوبًا أن يأتي الدين الإسلامي أو غيره بثورة علمية. لقد جابهت الدعوة الإسلامية الجديدة معارضة عنيفة كادت أن تودي بها في المهد، وليس من المنطق السليم أن نتوقع منها إحداث ثورة علمية أيضًا. لقد كان الرسول صلعم محاطًا باليهود ينظرون في الآيات ويمحَّصونها ويحكمون بصحتها أو زيفها بناء على معتقداتهم التوراتية، وخاصة فيما يتعلق بالكونيات وقصة خلق البشر، وكان بعض العرب الذين يتلقون هذه الرسالة يرجعون إليهم ويعتبرون برأيهم ويحكمون بموجبه على مصداقيتها، والتي أعلنت عن نفسها أنها آخر الرسالات السماوية وإنها مصححة ومكملة وخاتمة لما سبقها. أضف إلى كل هذا أن مبلغ العلوم الكونية عند العرب والبشر عامة؛ كان لا يتعدى خليطًا من النصوص السابقة؛ ومن كون أرسطو وأفلاطون؛ وما تفتقت عنه الأساطير والمعتقدات القديمة، فلماذا تأتِ الرسالة بطفرة علمية تحدثها في قوم ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها. أو تتضمن برهان عليها يحتاج في حد ذاته إلى برهان.

           ذكرنا أنها ثورة في أكثر من مجال فلماذا قلنا أنها لا تكون علمية أيضًا.  إضافة الى أن هذا يخرج بالرسالة عن موضوعها الأساسي، سوف نجد أن العلم يختلف عن غيره من المعارف، ولا يستفاد منه إلا بالترقي فيه درجة درجة وجيلا بعد جيل، العلم لا يمكن إيجازه في كتاب، وإنما هو ثمرة محاولات وتقدم وتجارب ومشاهدات.

           يقول لسنج ( مجموعة مؤلفات لسنج عن تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور – هامش ص259- نقلاً عن كتاب في فلسفة ابن رشد – الدكتور محمد بيصار -ص95): ”لا ينحصر فضل الإنسان في إمتلاكه الحقيقة، وإنما فضله في الجهد الذي يبذله مخلصًا في السعي إليها . ولا تنمو ملكات الانسان بامتلاك الحقيقة، بل بالبحث عنها، وكماله المتزايد ينحصر في هذا وحده، بل إن إمتلاك الإنسان للشئ يميل به إلى الركود والكسل والغرور. ولو أن الله وضع الحقائق كلها في يمينه، ووضع في شماله شوقنا المستمر إليها وإن أخطئناها دائمًا؛ ثم خيَّرني، لسارعت إلى إختيار ما في شِماله “.

           ان الرسالات السماوية ليس من أغراضها إحداث طفرة علمية، وإنما الإرتقاء الروحي والتوجيه الأخلاقي، ولهذا تحرص على عدم خلخلة الفكر العلمي المعاصر لها، ولهذا جاءت كلها بحيث لا تتعارض مع المعتقدات العلمية آنذاك، ولأنها رسالة إلى كل البشر اللاحقين، والذين سوف تتطور معارفهم العلمية وتتغير، كان يجب على هذه الآيات إما:

(أ) أن تخاطب بشر المستقبل بما لا يتعارض مع معارفهم، أو

(ب) تعتمد على تقديرهم أن الجزء العلمي الذي تضمنته الرسالة، إنما كان وقتيا ليتناسب مع معارف ذلك العصر السابق، لتفادي إحداث زلزلة فكرية قد تضر بالتدرج التطوري للفكر الإنساني. وأنه متى إستـتبت الرسالة الدينية وقويت، فان عنصر الإيمان الغيبي سوف يتغلب على عدم توافق بعض هذه الآيات العلمية مع المعرفة الحديثة، وسوف يستطيع الإنسان المتأخر زمنيًا والمتقدم علميًا أن يعي مرحلية هذه الآيات ورمزيتها.

 ولا شك أن (ب) هو ما نراه حولنا الآن، فبالرغم من تنازل المسيحية عن المعنى المطلق لسفر التكوين، فالمسيحيون عامة مؤمنون بالدين المسيحي وبالوجود الألهي، ومقتنعون بفكرة القصد الرمزي لها. بينما إستطاع المسلم أن يمضى في طريقه دون التأثر كثيرًا بالمعركة التي دارت رحاها في أوروبا في القرون الأربعة الماضية .

 إلا أن ثراء النص الإسلامي والتفصيل الذي ورد فيه، وقدرته على التفاعل مع الفكر المعرفي في كافة عصور التطور البشري، لا يسمح لنا بالتقاعس واللجوء الى مقولة رمزية النص، إذ أنه الدين المصحح المتمم الخاتم.                        

 وقبل أن نترك هذا الفصل، يجب التنويه هنا أن البرهان الذي ذكرناه ليس هو البرهان التجريبي القاطع، وأنما هو البرهان الكلامي المقنع، الذي تطمئن إليه النفوس لأنه يوافق المعروف والمتعارف عليه. وقد سبق أن بينًا أن البرهان المطلق القاطع ليس متاحًا في هذه الحياة الدنيا.                        

 

حدود الخطاب الديني:

            أما وقد تبين لنا أن الغرض من سرد النصوص الكونية قد يكون الحجة والبرهان، مع تصحيح ما شاب نصوص الرسالات السابقة من جراء الإضافات التي قام البشر بوضعها عن حسن أو سوء نية، علينا أن ننظر الى وسيلة الخطاب الديني ومدى قدرتها على نقل المعلومات، ووسيلة الخطاب هي اللغة ((تحمل اللغة  دلالات و معان ورموز للتعبير عن عالم الأشياء و الظواهر.)) ، واللغة لا تصلح إلا بناء على معرفة سابقة، ليس بها فقط وإنما بالموضوع ذاته أو ما يماثله أو يشبهه، وقد تعجز اللغة في حالات كثيرة أو نضطر لتقريب المعنى الى درجة قد يفقد معها الكثير من واقعه، منها كيف نصف عوالم أخرى تختلف كلية عن عالمنا ولا يوجد لها مثل فيه.

          لا شك أن هناك حالات يستحيل فيها التعبير اللفظي، فاللغة لا تستطيع سوى التعبير الدقيق عن الموجودات التي يمكن معرفتها بالجوارح، وما يمكن الإشارة إليه أي الأسماء. فيما عدا ذلك فاللفظ المعبر عن أي شئ يعود الى التجربة السابقة ودرجة الفهم والقدرة على التخيل، وهذا ينطبق على كل ما هو ليس بمحسوس كالزمن والجاذبية والضمير والروح والغيبيات، وأغلبها نعرفها بآثارها وليس بذاتها، وعجزنا عن معرفة الذات الإلهية هو عجز مطلق، يبينه قوله تعالى {ليس كمثله شئ وهو السميع البصير} الشورى 11.

           نحن نصف الإشياء، والوصف هو استخدام محسوس أو مشاهد لتقريب شيء غيبي، ولكن ماذا عن محاولة وصف ما لم يره أو يحسه أحد منا قط (عدا الواصف طبعًا)، يشترط في الواصف أن يستدل بأشياء محسوسة ليدل على أشياء غيبية، فلو لم تتوفر الأشياء المحسوسة التي من خلالها يمكن وصف الشئ الغيبي، كان عليه الإستدلال بأقربها شبهًا، أو تركيب أجزاء من المتشابهات لوصف الكل الذي ليس له مثل، وفي هذا تنازلاً عن الدقة المطلقة رغبة في نقل المعلومات، أي أن الفرق بين الفكرة والتعبير اللغوي عنها قد يكون كبيرًا الى حد قد يصل إلى أن تتشوه معه صورة الفكرة الأصلية. 

           البلاغ الديني هو الخطاب الصادر عن الله تعالى إلى البشر في صورة الرسالة اللغوية الثابتة والدائمة ( القرآن الكريم)، وفي صورة السنة الوقتية المجسمة في مُبلّغ الرسالة وهو الرسول صلعم، وإقتصار الرسالة الدائمة على وسيلة التعبير اللغوي فقط يحصر إمكاناتها، في حدود قدرة هذه اللغة على البيان من خلال حجم مفرداتها وإرتباط هذه المفردات بالمعاني التي تدل عليها، واللغات بصورة عامة تتطور في حجم ودلالات مفرداتها، إلا أنها تظل محدودة بحدود الأفق المعرفي للمجتمع الذي يستخدمها، ولا يمكن أن تعبر اللغة في أي وقت عما لا يعرفه هذا المجتمع، أي لا يمكن أن يوجد لفظ في لغة يدل على شئ لا يعرفه الناس بعد، خيالا ((حتى الخيال يجب ان يكون مركبًا من محسوسات، فالملائكة قد نتخيلها كمخلوقات لها أجنحة وكلاهما معروف.))  كان أم حقيقة ، ولهذا فإن قدرة البلاغ اللغوي محدودة في إطاري قدرات اللغة ومعارف الأمة، وحيث أن المعرفة مستمرة في النمو والتطور، فإن على اللغة المعبرة عن هذه المعارف أن تستمر في النمو والتطور لمواكبة متطلبات النماء الفكري والعلمي (خاصة)، ولا شك أن التعبيرات اللغوية العلمية في القرن السابع كانت محدودة للغاية، وقد تعجز لغات العالم عن التعبير لمواكبة الطفرات العلمية المستوردة، ولهذا نشأت المصطلحات العلمية التي يُتفق بين العلماء على مدلولاتها.

           جاء القرآن برسالة إلى كل البشر في كل العصور، ولهذا لم يعتمد كغيره من الرسالات التي سبقته على المعجزات المباشرة، فالمعجزة لا يمكن إعادة إجراءها في كل عصر، ولو تم هذا لفقدت صفة المعجزة، واصبحت من الظواهر الكونية المتكررة ولوجدنا لها قانونًا يحكمها. والمعجزة رهن بصدق المشاهد وتصديق المتلقي لخبرها، وتفتح بابًا للمجادلة والإنكار، لا يمكن معه التحقق العلمي من صحتها، والعهود اللاحقة ليس لديها سوى الكتاب والسنة. التفاسير والكتابات البشرية التراثية تعاملت مع الكتاب في آيات الكون والخلق بفكر عصرها، ولا يفترض فيها ما يصح أن يفترض في القرآن، ولهذا يجب أن يكون الإعتماد الأول في الآيات العلمية على الكتاب، الذي بين أيدينا كما نزل من عند الله تعالى، وهو الرسالة السماوية الموجهة إلى عصرنا وإلى غيره من العصور البشرية.

 

حدود قدرات المتلقي:

           والرسالة لها أركانها، الـمُرسلُ والموضوع والوسيلة والـمرسل إليه، والمُرسل هو الله تعالى ذو العلم المطلق والقدرة المطلقة، والمرسل إليهم هم البشر ذوي القدرات المحدودة، والموضوع هو الهدى وتعليم الحكمة؛ والوسيلة هي اللغة المنطوقة أي الكلام، وتحددت اللغة بالعربية  (({إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} الزخرف 3 ، { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} الدخان58، { كتاب فصلت آياته قرءانًا عربيًا لقوم يعلمون} فصلت 3، { وكذلك أوحينا إليك قرءانًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها …} الشورى 6))  فكانت معاني الألفاظ طبقًا لدلالات الكلمات في هذه اللغة {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} يوسف2. ولهذا فعلينا أن نسلم أن الرسالة حتى تكون مفيدة يجب أن تصاغ في حدود قدرات من يتلقون الرسالة وفي حدود إمكانيات لغتهم. أي أن محدودية الرسالة منوطة بمحدودية المتلقي وقدرات لغته؛ ولا علاقة لها البتة بقدرات المُرسل طالما كانت أرقى من قدرات المتلقي في كل النواحي الفكرية وغيرها (( يقول السيد سعدون محسن ضمد تحت عنوان  حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني: ”وهنا تبرز إشكالية قصور آلة الإدراك الإنسانية ـ من جهة المتلقي، حيث أن هذه الآلية ستعمل على تقييد المعطيات المستوردة من جهة ما وراء الطبيعة لجهة الطبيعة، وعندها ستفقد تلك المعطيات الكثير من قيمتها باعتبارها منزلة من قوة فوق إنسانية، لأنها ستترجم بلغة أو بمفاهيم الإنسان، وحينها ستتحول إلى معطيات إنسانية، أو لا أقل، إلى معطيات نصف إنسانية، ولن تعود معطيات فوق إنسانية مئة بالمئة. فكيف يتسنى للإنسان أن يفهم المعطيات الغير طبيعية، وهو يعتمد على آلية المعالجة، التي تستند بدورها لجمة مفاهيم طبيعية، بعبارة أوضح، فعندما تعمل هذه الآلية على استيراد مفهوم ماوراء طبيعي، فإنها وخلال عملية فهمه، ستضطر لمعالجته (مقارنة، تشبيه، استنباط)، بالمفاهيم الطبيعية، وهكذا ستجري عملية قياس يكون نتيجتها مفهوم إنساني (طبيعي أو نصف طبيعي)..“)).

 

قضية التعارض:

           نسلم أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارضًا بين المعتقدات الصحيحة المنبثقة عن الفهم الصحيح للنصوص الدينية التي تتعلق بأي من الموضوعات العلمية كالكونيات والخلق والطبيعة، وتلك التي توصل إليها العقل البشري بطريق وسائل المشاهدة والإستدلال والإستنباط العلمي، فكلاهما يعود إلى نفس المصدر الإلهي، وكلاهما يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية، التي بالضرورة الدينية نشأت نتيجة الإرادة الإلهية، ولهذا فإتباعًا لأسس الفكر الديني نجد أن الطبيعة والنص الديني صادرين عن مصدر واحد، ولا يجوز أن يشوبهما أي تعارض. ويتم فهم الرسالة الدينية ورسالة الطبيعية من خلال العقل البشري، الأولى من خلال النصوص والثانية من خلال المشاهدة والإستنباط العلمي والتجربة، ولو فرض وجود تعارض فالتعارض سيكون بالضرورة نتيجة خطأ في الفهم لأي من الرسالتين. ويجب أن لا يغيب عن ذهننا أن فهمنا رهن بتطور وصحة معارفنا، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن معارفنا البشرية قد إكتملت، بل وفي هذا العقد من الزمان، يعرف الراسخون في العلم أننا بعيدون عن ذلك، أبعد مما كنا نعتقده عندما نعمت البشرية بالثقة المفرطة في عالم نيوتن ذو الزمان والمكان المطلقين .

           من المسلمات الدينية الغير قابلة للجدل، أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارض بين الدين والعلم. والدين من جانبه يدعو الإنسان إلى طلب العلم وتطويره، حيث أن العلم أداة هامة في عملية إعمار الأرض المنوط بها الإنسان، إضافة إلى أن العلم يؤدي إلى فهم أفضل لطبيعة الكون، ويمتلأ القرآن بالآيات المشيرة إلى أهمية العلم، ويخاطب العلماء خاصة لقدرتهم على الفهم الأفضل لعظمة الخلق بل ولإعجاز القرآن ذاته، إن دعوة القرآن الى الإهتمام بالعلم والحث عليه جلية واضحة لا تترك ذرة من شك في مضمونها.

           ولهذا فنحن نجد أن الدعوة القرآنية لتحصيل العلم وممارسته، وأسلوبها في الحث على المشاهدة والإستنباط دعوة متقدمة على وسائل الفكر العلمي آنذاك، الذي كان يقوم على المنطق العقلي وحده، والذي يعود إلى فلاسفة اليونان، قد لا نستطيع البت في أن أسلوب التجربة قد ورد في القرآن، إلا أنها نتيجة طبيعية للمشاهدة، فالتجربة هي في أبسط صورها محاولة تكرار الظاهرة التي تبينت من المشاهدة، وقد نجد في قصة النبي إبراهيم عليه السلام، التي وردت في القرآن الكريم، { وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم أدعهن يأتينك سعيًا واعلم إن الله عزيز حكيمٌ} 2/260، نوعًا من حث البشر على التساؤل والتيقن بالتجربة، فإن صحت في واحد من موضوعات المعتقدات الدينية الغيبية، فأولى بها أن تصح في علوم الطبيعة.

          وتعود قضية هذا الخلاف مع العلم الى القرن السادس عشر الميلادي، عندما اتخذت الكنيسة المسيحية موقفًا متشددًا من كوبرنيكس وجاليليو، لقولهما أن الأجسام السماوية لا تدور حول الأرض وإنما حول الشمس، وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه الأفكار تتعارض مع النصوص والمعتقدات الدينية، وحاربتها بضراوة إلا أنها إضطرت مكرهة الى التراجع والتنازل عن موقفها بعد إنتشار نظريات نيوتن وثبوتها بالتجارب والمشاهدات، وكانت نهاية الصراع لصالح العلماء عندما صدر كتاب أصل الأنواع لداروين في منتصف القرن التاسع عشر، واعتبرت الكنيسة أن التصوير الديني للأمور العلمية هو تصويرا رمزيًا ولا يجب أن يؤخذ كحقيقة علمية مجردة. وقد نتج عن هذا الموقف انفصال الفكر الديني عن الفكر العلمي، ومع توالي الإكتشافات العلمية وما قدمته للبشرية من مخترعات كثيرة، أتخذ العلم لنفسه مركزًا مرموقًا اتسم عند البعض بالغرور وأتاح لهم الفرصة لنقض الفكر الديني والتطاول عليه .

           قد لا يكون هذا الخلاف حقيقيًا، لأنه قد نتج إما عن فهم الكنيسة الخاطئ للنصوص الدينية، أو إعطاءها قدسية لنصوص ليست دينية من الأصل، إذ أن فكرة دوران الكواكب والشمس والقمر والنجوم حول الأرض ليست مستنبطة من النصوص المقدسة وإنما هي نتاج الفكر الفلسفي اليوناني، ولا يوجد نص ديني يقول بذلك، أما موضوع نظرية تطور المخلوقات فقد لا تتعارض أيضًا مع النصوص السماوية، أي أن الخلاف بين العلم والدين، ليس خلافًا بين العلم والنصوص الدينية؛ وإنما هو خلافًا بين العلم والفهم الخاطئ للنصوص الدينية. وسوف نبين في هذا البحث الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة .

           وبالرغم من أهمية هذه القضية، إلا أن الأديان كلها تتواري عن مجابهتها وجهًا لوجه بأسلوب يعتمد على العقل، والعقل هو العامل المشترك، العقل والفؤاد هما المخاطبين في الخطاب الديني، بينما العقل وحده هو المخاطب في الخطاب العلمي، وحتى يصح التحاور بين الدين والعلم، يجب القبول بالإلتزام في حدود الحوار العقلي فقط، أي عدم الخوض في الحوار الميتافيزيقي أو الثيولوجي.

 **************

يقينية العلم:

 يقول برتراند راسل : أن العلم يقرر أحكامًا على سبيل التقريب لا على سبيل اليقين .

 تقوم النظم الرياضية على إنسجام قضاياها فيما بينها بطريقة صورية، وقد لا تكون لها علاقة بالواقع، ومقياس اليقين هو مطابقة الفكر مع الواقع، ولا يقين إذا تطابق الفكر مع إفتراضاته.   

 ان المبدأ العلمي الذي يقول بوجود الإضطراد في الطبيعة، وينكر الأخذ بالصدفة في القوانين العلمية، يقبل بوجود الصدفة في أهم موضوعاته العلمية وهو وجود هذه القوانين ذاتها ووجود موضوع البحث العلمي وهو الكون الذي تعمل فيه القوانين العلمية .

 نحن بصورة عامة نفترض صدق وصحة كل ما هو علمي، ولكن أكثر النظريات العلمية ينحصر تطبيقها في مجالات محددة، ولا تدعي لنفسها أنها صحيحة في كل المجالات والأبعاد، وتفقد مصداقيتها متى خرجت عن هذه الحدود.  وقد تتعارض تصورات النظريات العلمية مع بعضها إذا خرجت عن حدودها، مثال ذلك، تصورات النظرية النسبية العامة لتأثير المادة على النسيج الكوني ولطبيعة قوة الجاذبية وكلاهما يعمل بصورة دقيقة في حدود العالم التلسكوبي؛ تختلف وتتعارض هذه التصورات مع تصورات نظرية الكم (الكوانتم) للقوى في العالم الميكروسكوبي والأصغر منه، ويتعارض مبدأ الحتمية الذي تدل عليه نظريات نيوتن ومن بعده أينشتين، بالقول بامكانية معرفة مستقبل أي جسم إذا عرفنا موقعه وسرعته الحالية واتجاهها والقوى الخارجية التي تؤثر عليه، مع مبدأ هيزنبرج في عدم إمكانية التيقن عند إجراء القياسات لموقع وعزم حركة الجسيمات الأولية مثل الإلكترونات وما مثلها، ويعجز العلم عند محاولة فهم طبيعة الزمن، وأسباب وجود القوانين والثوابت الفيزيائية على ما هي عليها، أضف الى هذا عشرات النظريات التي تقوم على افتراضات ونماذج ومعادلات رياضية يضعها العلماء، وتنشغل بها أكبر المعاهد والمؤسسات العلمية لعشرات السنوات ثم يهجرونها الى غيرها وغيرها.

          إن من الأهمية البالغة إزالة وهم رسخ في أذهان الناس وأصبح حقيقة لا تقبل الجدل، وهي الثقة المطلقة في العلم، التي أصبحت من المسلمات التي يعتقد بها الإنسان العادي، ولهذا فعلينا أولاً الفصل بين العلم النظري والعلم التطبيقي ، العلم التطبيقي – التكنولوجيا – هو الذي وفر لنا كل المخترعات التي ننعم بها، وأساسه العلم النظري، ولكن نجاح المخترعات لا يعنى بالضرورة صحة فهمنا المطلق أو شمولية النظرية التي تقوم عليها هذه المخترعات، فكل أجهزتنا الكهربائية مثلاً تقوم على معلوماتنا المتعلقة بالكهرباء، وأهم مكوناتها الإلكترون، وبالرغم من نجاح هذه الأجهزة من تليفزيونات وحاسبات إلكترونية وغيرهم، إلا أننا لا نستطيع حتى الآن معرفة كنه الإلكترون، هل هو جسيم أم موجة أم كليهما، فلو تعاملنا معه كموجة وجدناه يتصرف مثل الموجات، ولو تعاملنا معه كجسيم نجده يتصرف كجسيم، ونحن نعرف الإلكترون من آثاره وليس من ذاته، وبالرغم أن القوة الكهرومغناطيسية، هي المسئولة عن تنوع العناصر وفقًا لعدد الشحنات الموجبة (البروتونات) والسالبة (الإلكترونات) في هذه العناصر، وهي المسئولة أيضًا عن تنوع المواد المركبة وفقًا لطُرق تبادل الإلكترونات بين ذرات عناصرها، إلا أننا لا نستطيع مثلاً قياس موقع الإلكترون وحركته ( السرعة والإتجاه) في آن واحد (Heisenberg Uncertainty Principle) ، وإنما أفضل ما نستطيعه هو أن نتبع مبدأ تقدير أفضل الإحتمالات Probabilities))، لا شك إن الطبيعة الإزدواجية -الجسيمية والموجية – للعالم الأصغر من الميكروسكوبي تتعارض مع المنطق العقلاني ومع المعقول وفق مسلماتنا، فالشئ لا يمكن أن يكون جسيم وموجة في آن واحد، الجسيم هو ما له كتلة وحجم، والموجة في أبسط صورها تخلخل في الوسط، وليس لها كتلة. وقد جابه فكر نظرية الكم معارضة عنيفة تزعمها ألبرت أينشتين، ومساجلاته مع بوهر أبو نظرية الكوانتم مشهورة، وبالرغم من هذا إلا أن نظرية الكم أصبحت واقعًا يقبله كل العلماء؛ أي أنهم يؤمنون بصحته وإن اعترفوا بعجزهم عن تفسيره وفق المنطق العقلي الذي يبنون عليه كل نظرياتهم، ولو تجاوزنا مشكلة إزدواجية الإلكترون والبروتون وكل مكونات الذرة، والتي تنطبق أيضًا على الفوتونات وهي الكم الضوئي، قد نتعجب أكثر من مشكلة التنسيق أو تبادل المعلومات عن بعد، بين اتجاه الدوران حول المحور Spin لإلكترونين بدءا متساويين في العزم، إصطدما فاتجها إتجاهين متعاكسين، المفروض أن مجموع عزمهما سيكون مساويًا لما قبل التصادم، واتجاه دوران كل منهما حول محوره معاكسًا للآخر، ودائمًا لو قسنا إتجاه الدوران في أحدهما نجد الآخر ولو كان على بعد شاسع يضبط إتجاه دورانه ليضاد الذي قسناه في الآخر، وكأن هناك إتصال معلوماتي آني، وهذا يشترط معه إمكانية إنتقال المعلومات والتنسيق بسرعة آنية، وهذا يتعارض مع النظرية النسبية التي تؤدي الى عدم تخطى أي شئ في كوننا لسرعة الضوء .

           وفي العلم أيضًا يوجد العلم اليقيني، والعلم الشبه يقيني، وأهل العلم قد يصرون على أنه لا يوجد شئ أسمه علم شبه يقيني، وأنا أتفق معهم في ذلك بفرض توصلهم للمعرفة المطلقة ولو في أحد الجوانب العلمية، ولكنهم يعلمون جيدًا أن علومهم ذاتها تتعارض في أسسها -بعض الأحيان- مع بعضها الآخر، فكما ذكرنا فإن النظرية النسبية لأينشتاين، تتعارض في تحديد طبيعة القوى مع نظرية الكوانتم، (إينشتاين يعتبر أن المادة والطاقة تحددان إنحناءات النسيج الكوني وإنحناء النسيج الكوني يحدد تصرف المادة والطاقة، وأن الجاذبية هي تقعر/تحدب في هذا النسيج، بينما نظرية الكوانتم تعتبر أن القوى تنتج عن تبادل جسيمات صغيرة ومنها جرافيتون الجاذبية) وكلاهما ثابتة صحته بصدق توقعاته ثم تأكدها بالمشاهدة أو التجربة، كلاهما يعتبر صحيح في مجاله، أي ان التعارض لا يعني بالضرورة خطأ نظرية وصحة الأخرى، وإنما صحة كل نظرية في مجالها وفي داخل حدودها، وعندما يقبل العلماء بهذا التعارض، يعلمون أنهم لم يصلوا بعد إلى النظرية المطلقة التي تفسر كل القوى تفسيرًا متجانسًا.

           والذي يجدر الإشارة إليه ههنا؛ أن النظرية ليست إلا تفسيرا للحقيقة، وليست هي الحقيقة ذاتها، فهي ليست إلا تقريب لها، وتستبدل النظرية بأخرى أفضل منها كلما أقتربت الأخيرة أكثر من الحقيقة، ولا يكون هذا إلا إذا جاءت بتفسير أفضل أو بمعنى آخر أكثر دقة. ومثال ذلك النظرية النسبية التي حلت محل نظرية نيوتن في أكثر من مجال. ومثال آخر هو الحدود الضيقة لتطبيقات الهندسة الإقليديسية في القياسات المساحية، والتي اعتقد الناس بكمالها قرابة ألفين عام، بينما هي محدودة بقياسات المساحات المستوية، وكوننا ثلاثي الأبعاد وكذلك سطح كرتنا الأرضية، إلا أننا نستطيع التغاضي عن هذه الحقيقة في المساحات الصغيرة نسبيًا، وحتى في هذه الحالات الضيقة، فنتائجها وإن كانت قريبة جدًا من الحقيقة ومفيدة للغاية من الوجهة العملية، إلا أنها ليست الحقيقة ذاتها.

 ويهمنا هنا أن التعارض بين أهم نظريتين علميتين في عصرنا الحديث، لم يمنع العلماء من الأخذ والعمل بهما معًا كلا في مجاله، ولم ينادي أي مناصر لأحدهما بإلغاء الأخرى لتعارضها مع نظريته، بل قبل الجميع أن كلا منهما صحيح في مجاله، والمجال هنا هو في الحجم الكوني لنظرية النسبية والحجم الذري لنظرية الكوانتم، وهذا يدعونا إلى التساؤل هل تعارض أي نظرية علمية مع الدين يستدعي نقض أحدهما، أم أنه هنا أيضًا قد يكون للمجال تأثير بالغ على قراراتنا، فالعلم يتعلق بالماديات، بينما الدين يتعلق بالأمور الإعتقادية والأخلاقية والروحية.         

           أما عن العلم الشبه يقيني، وهو ما تعمل في مجاله أكثر هيئات الأبحاث الجامعية وغيرها من المنابر العلمية المتقدمة، من أشباه نظريات لم ترتقي بعد إلى مستوى النظرية المقبولة علميًا، والتي إنما توصلوا إليها عن طريق المعادلات الرياضية Mathematical Theories، مثل Superstring & Super Symmetry ، ولا أحاول هنا التقليل من أهمية هذه النظريات العلمية التي لن يتوفر للإنسان القدرة على إجراء تجارب لإثبات صحتها أو عدم صحتها ربما لعدة قرون، وربما إلى الأبد، وإنما أحاول أن أذّكر العلماء أن الشروط التي يضعونها للبحث العلمي، عندما يتناول هذا البحث الأمور الكونية أو الأمور المتناهية في الصغر أو حالات Singularity فإنهم قد يضطرون إلى مواصلة البحث دون الإعتماد على التجربة، والقبول بالنتائج التي يتوصلون إليها عن طريق المعادلات الرياضية والنماذج أو التجارب الفكرية Thought Experiment، أي بما يمكن تسميته بالعلم الغيبي، والغيب هنا في غياب التجربة المعملية أو المشاهدة.

           نحن لا نحاول التقليل من أهمية العلم وإنما نضعه في مكانه الصحيح، خاصة عندما يضع نفسه في موقع الحاكم المطلق على صحة أو خطأ غيره، مستندًا إلى ما قدمه الى البشر من مخترعات لا ينكر أحد منا فضلها في تحقيق الرفاهية للناس، وما هي إلا علوم تطبيقية لا تختلف كثيرًا عن الحجر الذي وجده الإنسان الأول فصقله وصنع منه أدواته وسلاحه، وكما لم يتبحر الإنسان الأول في الحجر نفسه وأخذه على ما هو عليه، فمخترعاتنا كلها ما هي إلا إستخدام لما هو موجود أمامنا، ومسخر لنا، والعلم لم يخلق حجرًا من العدم ولا يستطيع ذلك. أما فهمنا المطلق لهذا الكون وما فيه، فما زال العلم بعيد عنه. ولهذا يجب أن نفصل بين العلم، وهو الفهم التقريبي النسبي المحدود بالظروف التي وجدنا أنفسنا فيها، وبين الحقيقة المطلقة. بل وكل علومنا محدودة بمشاهداتنا في أفقنا الكوني، ولا نعلم هل هذا الأفق الكوني هو كل الكون أم جزء صغير منه، وهل يمكننا أن نفترض أن ما لا نشاهده أو نحسه بأجهزتنا مثل ما نشاهده، إن من الغرور العلمي – الغير مستند على أي دليل منطقي أو علمي- أن يظن أي من البشر أنه في موقعًا يمكنه أن يحكم بصحة أو عدم صحة أي نموذج لما سبق بدء الخلق الكوني، أو أي نموذج لما هو خارج هذا الكون، إذ لا يوجد لدى العلماء الوسيلة أو التجارب التي من خلالها يستطيعون إثبات أو نقض أي نظرية علمية تفسر بدء خلق الكون، ومع غياب التجربة ليس لدينا سوى المنطق العقلاني الغيبي، والتاريخ العلمي البشري مليء بالنظريات الزائفة التي تكونت من خلال هذه العملية، ويعلم العلماء أنفسهم كم قاسوا لنقض وتجاوز بعض هذه النظريات الزائفة.

           وأخيرًا، وقبل أن نترك هذا الموضوع، يجب أن نعود ونؤكد على أهمية العلم، وصحة الكثير مما توصل إليه، طالما حرصنا على معرفة الحدود الزمانية والمكانية التي تعمل فيها نظرية معينة، واعترفنا أن هذه النظرية وإن فسرت المشاهدات ونتائج التجارب التي نقوم بها؛ وتنبأت بنتائج مستقبلية ثبتت صحتها، إلا أنها لا تتعدى مجرد كونها تفسيرا مرحليا تقريبيا لهذه الظواهر؛ وليست التفسير الوحيد الممكن، ومن المحتمل بل ومن المتوقع أن تظهر في المستقبل نظرية أخرى تفسر هذه الظواهر بصورة أكثر دقة وأوسع حدودًا.

ويجب أن نتذكر دائمًا أن العلم لم يقدم لنا حتى الآن نظرية كاملة تكفي لتفسير كل شيء،  Theory of Every Thing ولا يستطيع أن يتطرق إلى ما هو خلف العالم المحسوس، فيما يتعلق بما قبل التكوين، وما خارج الكون، وما بعد نهايته، ولم يقدم لنا أي تفسير لماذا الكون يتبع هذه القوانين والثوابت الطبيعية ومن أين أتت، ومازال يبحث عند نقطة البدء singularity  ، العلم يصف لنا فقط ما هو عليه الكون، ولا يعرف وربما لا يهتم أن يعرف لماذا هو كذلك.   

 لا نشك أن المنهج العلمي هو أحد الطرق الأساسية نحو المعرفة، ولكنه له حدوده وقدراته، وحتى يستطيع العلم أن يصل الى الحقيقة أو قريبًا منها، يشترط أن تكون هذه الحقيقة معقولة وفقًا لمبادئ الفكر البشري؛  وقابلة للمعرفة، وبعبارة أخرى أن تسمح له.

 

تم الباب الأول في ديسمبر 1995م

وجرت إضافات وتعديلات بعد ذلك.

<< previous page next page >>