الفصل الثانى – في الشركة والمشاركات

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 20 ص 353): ”الكسب الذي هو معاملة الناس نوعان: معاوضة ومشاركة. فالمبايعة والمواجرة ونحو ذلك هي المعاوضة. وأما المشاركة فمثل مشاركة  العنان وغيرها من المشاركات“.

ويضيف في ص354: ”وأحمد تحصل الشركة عنده بالعقد والقسمة بالعقد، فيجوز شركة العنان مع اختلاف المالين وعدم الاختلاط، وإذا تحاسب الشريكان عنده من غير افراز كان ذلك قسمة، حتى لو خسر المال بعد ذلك لم تجبر الوضيعة بالربح“.

والشافعي لا يجوز شركة الأبدان ولا الوجوه ولا الشركة بدون خلط المالين، ولا أن يشترط لأحدهما ربحاً زائداً على نصيب الآخر من ماله؛ إذ لا تأثير عنده للعقد، وجوز المضاربة وبعض المساقاة والمزارعة تبعاً لأجل الحاجة لا لوفق القياس.

وأما أبو حنيفة نفسه فلا يجوز مساقاة ولا مزارعة؛ لأنه رأى ذلك من باب المؤاجرة، والمؤاجرة لابد فيها من العلم بالأجرة.

ومالك في هذا الباب أوسع منهما؛ حيث جوز المساقاة على جميع الثمار، مع تجويز الأنواع من المشاركات التي هي شركة العنان والأبدان، ولكنه لم يجوز المزارعة على الأرض البيضاء موافقة للكوفيين.

وأما قدماء أهل المدينة هم وغيرهم من الصحابة والتابعين فكانوا يجوزون هذا كله، وهو قول الليث (ابن) أبى ليلى، وأبى يوسف ومحمد وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وغيره.

والشبهة التي منعت أولئك المعاملة: أنهم ظنوا أن هذه المعاملة اجارة، والاجارة لابد فيها من العلم بقدر الأجرة، ثم استثنوا من ذلك المضاربة لأجل الحاجة، إذ الدراهم لا تؤجر.

والصواب أن هذه المعاملات من نفس المشاركات، لا من جنس المعاوضات، فان المستأجر يقصد استيفاء العمل كما يقصد استيفاء عمل الخياط والخباز والطباخ ونحوهم، وأما في هذا الباب فليس العمل هو المقصود، بل هذا يبذل نفع بدنه وهذا يبذل نفع ماله، ليشتركا فيما رزق الله من ربح، فأما يغنمان جميعاً أو يغرمان جميعاً.

ويضيف في صفحة 356: ”ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة، فان المؤاجرة والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فأنهما يشتركان في الغنم والغرم، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما في المؤاجرة“.

ويقول ابن تيمية: شركة الابدان نوعان( مجموع الفتاوي جزء30)”

”النوع الأول أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل في ذمتهما، ويكون العمل في ذمة أحدهم بحيث يسوغ له أن يقيم غيره أن يعمل ذلك العمل والعمل دين في ذمته، كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه، هؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم كأبى حنيفة ومالك وأحمد. وذلك عندهم بمنزلة شركة الوجوه. وهذه الشركة مبناها على الوكالة فكل من الشريكين يتصرف لنفسه بالملك ولشريكه بالوكالة. ولم يجوزها الشافعى.

والنوع الثاني إذا تشاركا فيما يؤجران فيه ابدانهما ودابتيهما، وهي باطلة في مذهب أبى حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد كأبى الخطاب، والقاضي في أحد قوليه، وقال: هو قياس المذهب بناء على أن شركة الابدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الاشتراك في كسب المباح، كالاصطياد والاحتطاب، لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذي وجب على الآخر شيء، وإنماء كان ذلك بمنزلة اشتراكهما في نتاج ماشيتهما، وتراث بساتينهما ونحو ذلك.

ومن جوزه قال هو مثل الاشتراك في اكتساب المباحات، لأنه لم يثبت هناك في ذمة أحدهما عمل، ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما عن نفسه وعن شريكه، وكذلك هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة أو شرط له من الجعل، هو له ولشريكه. والعمل الذي يعمل عن نفسه وعن شريكه. وهذا القول أصح“.

من كتاب المغني لابن قدامة في الشركة والمشاركات

الشركة هي اجتماع أبدان أو أموال أو أبدان وأموال، وتختلف أنواع الشركات باختلاف تزاوجهم مع بعضهم البعض، فشركة الابدان هي اجتماع بدنين، وشركة الوجوه هي اجتماع بدنين ومال غيرهما؛ والمضاربة هي اجتماع مال وبدن وهكذا.

ويقصد بالبدن العمل الإنسانى، والمال قد يكون المال أو الضمان ومنه تقبل عمل بضمان القيام به.

والشركة لها خمسة أقسام وهى:

– شركة الابدان وهي أن يشترك أثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع.

– شركة العنان وهي أن يشترك بدنان بماليهما تساوى المال أو اختلف.

– شركة الوجوه وهي أن يشترك بدنان بمال غيرهما.

– شركة المضاربة وهي أن يشترك بدن ومال أو بدنان بمال احدهما أو مالان وبدن أحدهما.  

– أخيراً شركة المفاوضة وهي إما أن يجمعا جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والابدان فيصح ذلك، وغنا أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب وقيمة متلف، وغرامة الضمان أو كفالة فهذا فاسد.

ويستحق الربح بالضمان، بدليل شركة الابدان. وتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة. والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب، فينزل بمنزلة المضاربة. وتنعقد شركة الابدان على العمل المجرد ولهذا فيجوز ما يتفقا عليه من المساواة أو التفاضل في الربح، فإن تقبل أحدهما عملا بضمانه وعمل الأخر دون صاحبه يستحق الأول نصيباً من الربح بضمانه والثاني بعمله.

وقد جاء في المشاركات الأمثلة التالية:

1- ”إن اشترك رجلان لكل واحد منهما دابة على أن يؤجراهما فما رزقهما الله من شيء بينهما، فإذا تقبلا حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم في ذمتهما، ثم حملها على البهيمين أو غيرهما، صح والأجرة بينهما على ما شرطاه.

وإن أجراهما بأعيانهما على حمل شيء بأجرة معلومة لم تصح الشركة“.

ففي الحالة الأولى يكون تقبلهما الحمل قد أثبت الضمان في ذمتهما ولهما أن يحملاه بأي ظهر كان، وتنعقد الشركة على الضمان كشركة الوجوه. أي أن الأجرة هي نظير نقل الشيء المعلوم والنقل في الأغلب هو ما يشمله الضمان وطالما أن غاية العمل محددة فلهما أن ينقلاه كيفما شاءا فالأجر يستحق للنقل لا لطريقة النقل، فتكون الدابتين تابعتين ولهما أن يحملا الشيء عليهما أو على أي ظهر كان والأجر لقاء تقبل العمل وثبوت الضمان في ذمتهما، فإن نفقت الدابتين توجب عليهما توفير غيرهما حتى يتم العمل.

أما في الحالة الثانية فهما أجرا الدابتين فاستحقا الأجر بتسليم الدابتين إلى المستأجر، ولا ضمان هنا وإنما بيع منفعه الدابتين بعقد اجارة، ولا عمل هنا لأن المستأجر هو الذي سيقوم بالعمل، والربح يستحق بالمال أو بالضمان أو بالعمل ولهذا لم تجز الشركة بينهما هنا وكان لكل منهما أجر دابته.

2- ”إن كان لقصار أداة ولآخر بيت، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما جاز، والأجرة على ما شرطاه. لأن الشركة وقعت على عملهما والعمل ويستحق به الربح في الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء لأنهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء الذي تقبلا حمله، وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والآلة، وإن كانت لأحدهما الة وليس للأخر شيء أو لأحدهما بيت وليس للاخر شيء فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز لما ذكرنا“.

وقد تبّع البيت للقصار والآلة للقصار الثاني فكان عمل كل منهما يشمل عمل الآلة أو منفعة البيت، والشركة وقعت على عملهما والذي اشتمل على منفعة البيت والآلة، والذي استحق به الربح. فلم يعد للبيت والآلة نصيب من الربح لأن العوض عنهما قد اشتمل عليه في نصيب صاحب كل منهما في ربحه، وعندما يقول ابن قدامة: الآلة والبيت لا يستحق بهما شيء من الربح لا يقصد انعدام حظهما من الربح أو انعدام قيمة منفعتهما بدليل أنه حالة فساد الشركة كان لكل منهما الأجر على قدر المنفعة.

ويستنتج أن نصيب كل منهما في الربح سيكون متناسبا مع العمل ومنفعة آلته، وقال ابن قدامة أنهما إن اشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت ذاك والكسب بينهما جاز، والأجرة على ما شرطاه. والكسب هو الأجرة، وتعبير الكسب بينهما، يفهم منه أن النصف لكل منهما وتعبير الأجرة على ما شرطاه قد يقصد به التفاضل أو التساوى، وقد كان بالإمكان فهم الاجرة على أنها اجرة الأعيان إلا أن هذا ينتفي في الجملة التي بعدها. وفي حالة أن لأحدهما بيت وليس للأخر شيء فاتفقا على أن يعملا في البيت والاجرة بينهما جاز، وبينهما قصد بها التساوى- لما جاء في ص33 في نفس المرجع: فأما إذا قال: والربح بيننا، فان المضاربة تصح ويكون بينهما نصفان – وهذا يعارض المنطق والأغلب أن المثال الذي أورده ابن قدامة لم يكن الغرض منه بحث طريقة تقسيم الأرباح وإنما الغرض منه بحث صحة الشركة.

ويهمنا هذا المثال بوجه خاص لأن العمل الذي استحق به نصيب الربح قد اشتمل على جهد العامل ومنفعة عمل أدواته، ولم تعامل الأدوات على أنها منافع تستحق الأجر من الكسب قبل توزيع الأرباح. فكان العمل المشارك به في هذه الشركة هو العامل وأدواته فاستحقا الربح معاً كأنهما كيان واحد.

3- ”إن دفع رجل دابته إلى أخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح.

ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئاً من هذه المعاملات، لأنها تشتمل على عمل مجهول وعوض مجهول. ولهذا فالربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها، وللعامل أجر مثله على رب الدابة.

وقد قال أن الذين قالوا بعدم صحة هذه المعاملة أن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون مضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة والتصرف في الأعيان، والدابة لا تباع ولا تخرج عن ملك صاحبها، ولهذا لم تصح كمضاربة.

وذكر القاضي فيمن استأجر دابة ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى أو ثلثه جاز. والاجارة يشترط لصحتها العلم بالعوض وتقدير المدة أو العمل. وهذا لم يوجد لهذا لا يصح تخريجها على الاجارة“.

ويقول ابن قدامة:” ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة. وقولهم أنه ليس في أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فانه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها، وبهذا يتبين أن تخريجهما على المضاربة بالعرض فاسد فأن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه“.

وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة. فقال:” لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. لحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشرط وهذا يدل على أنه قد صار في هذا. ومثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة، لا إلى المضاربة ولا إلى الاجارة“.

والمعاملة صحيحة لما جاء عن خيبر، ولما نقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: ”أرجو ألا يكون به بأس. قال اسحاق بن ابراهيم، قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز. وبه قال الأوزاعي“.

والنماء هو الخاصية التي أودعها الله تعالى في الأشياء كالشجر والحيوان، وهناك أشياء لها خاصية الإنماء لو تجمعت كالأرض الزراعية والماء والشمس والهواء والعمل وغيرهم. وفي المزارعة فالبذر له خاصية النماء بينما كل العوامل الأخرى لها خصاية الإنماء. والنماء هوتكاثر الشيء من نفسه ومن العوامل الأخرى المتجددة على الأرض كالشمس أو المتوفرة بكثرة كالماء والهواء فكان الغير مشاعاً فيها الأرض والعمل فعقد بهما وبالبذر.

أما الزيادة المتحصلة بالعمل في الدراهم والدنانير، فهي زيادة يصحبها نقص في مكان أخر من نفس النوع. وكذلك يمكن القول عن عمل الدابة أو السيارة فكسبه هو بيع منافع أو تبديل ما يستهلك من العين بمال آخر.

ولهذا فيمكن انظر إلى هذه المعاملة من زاوية أخرى، فالدابة عندما تحمل الشيء فانها تبذل جهدا وتستهلك بقدر المنفعه التي قدمتها، وليس هذا نماء وإنما هو استهلاك للعين أو بيع منافع. إلا أن نقول أن أجر الدابة نماء وأجر الدابة هو ثمن منفعة فيكون ثمن منفعة العين نماء لها لأنه زيادة عليها، والعمل منفعة والمنفعة مال. والدبة قد تؤجر لحمل الشيء بمال، والرجل يتفق على العمل ويحمل الدابة ويسوقها وينزل الحمل ويسلمه، وعمله هذا قد يستأجر عليه بمال، فإذا استأجر الرجل الدابة من صاحبها، وكد طوال النهار فلم يكسب شيئاً غرم أجرة الدابة وضاع عليه جهده، وإن استأجر صاحب الدابة الرجل على أن يعمل عليها فلم يكسب شيئاً غرم صاحب الدابة أجر العامل، ولهذا … وجدا أن الأصلح اشتراكهما في الكسب أو في عدمه، فلا يغنم أحدهما من مال اخيه. والرزق من عند الله سبحانه وتعالى.

فإن عملا وكسبا كان الأجر الذي تتحصل عليه مشاركتهما هو مجموع أجر العامل وأجر الدابة الفعليين عن العمل الذي قاما به، والعمل عند الاتفاق مجهول إلا أن تفاضل أو تساوي الأجرين معروف، والعمل واحد فامكن الاتفاق على نسب تقسيم ما تكسبه المشاركة إذا كان ثمة عمل. والأجر عوض منفعة فيمكن القول أن هذه المشاركة مشاركة منافع تكمل بعضها لينتج عنها منفعة مكتملة قد تكون مطلوبة أكثر مما كانت لتطلب كل واحدة منهما على حدة. وهذه المشاركة فيها ضمان العمل الذي تقبله العامل، وقد يضمن صاحب الدابة أيضاً فإن نفقت الدابة بدلها بثانية حتى يتم العمل الذي تقبّله العامل.

فيكون اشتراك منفعة عامل وهي عمله وفكره مع منفعة دابة وهي القدرة على الحمل، وهذه مشاركة عمل مفكر مع عمل. والعمل الذي سيقومان به مجهول والأجر مجهول، فيكون نصيب كل منهما لقاء العمل، وهذا يقدر بجزء من الكسب، فإن كسبا كان لعمل كل منهما قيمة هي الجزء المتفق عليه من الكسب، وإن لم يكسبا فليس لعملهما قيمة.

أي إنها مشاركة مجهولان يمكن معرفة نسب تفاضلهما، معدومان وقت التعاقد، وتظهر قيمهما عند تحقق الكسب والذي نتج عنهما فيعرفا فينال كل منهما نصيبه.

والكسب يستحق بالعمل، والعمل هو بيع منفعة وهي مال، وشركة الأبدان أو الأعمال مشروعة إلا ان العمل الصادر عن كلاهما هو عمل إنساني ويتميز العمل الإنساني بالفكر، والعقد يحتاج لإرادتين وهذا موجود في مشاركة المنافع هذه، أما التنفيذ فلا يحتاج لفكرين ففكر إنساني واحد يكفى كما هو الحال في المضاربة.

والشركة فيها التوكيل، وهنا قد وكل صاحب الدابة العامل وفوضه في التصرف بما يرى في حدود تقبل العمل. ولو أخذ العامل الدابة من ربها على أن يعمل عليها فأجرها إلى آخر ولم يعمل عليها لم يجز والأجر كله لرب الدابة.

4- ”فإن كان لرجل دابة ولآخر اكاف وجوالقات- برذعة وشوالات يعبي فيها الحبوب – فاشتركا على أن يؤجراهما والأجرة بينهما نصفان فهو فاسد، لآن هذه أعيان لا يصح الاشتراك فيها كذلك في منافعها. إذ تقديره أجر دابتك لتكون أجرتها بيننا وأؤجر جوالقاتي أجرتها بيننا“.

ومن المثال الأول نرى أنه قد يصح إذا اتفقا أو أتفق أحدهما على نقل بضاعة من مكان إلى أخر فيستحقا الربح بالضمان الذي وقع عليهما بتقبل العمل.

ويضيف ابن قدامة: ” وتكون الأجرة كلها لصاحب البهيمة، لآنه مالك الأصل وللأخر أجر مثله على صاحب البهيمة. لأنه أستوفى منافع ملكه بعقد، هذا إذا اجر الدابة بما عليها من الأكاف والجوالقات في عقد واحد“.

ولو نظرنا إلى التطبيق العملي هنا نجد أن تفسيره يكون في أحدى الحالتين التاليتين:

أ‌-   أن يستأجر صاحب الدابة الاكاف والجوالقات من صاحبها لقاء مدة مثل يوم لأن العمل مجهول فإن رزقه الله بعمل أو بمن يستأجر منه الدابة بما عليها دفع لصاحبه الأجر من الرزق، وإن لم يرزق غرم أجر الأكاف والجوالقات من ماله، وكسب صاحبه.

ب‌- إن اتفقا أن يأخذ صاحب الدابة الأكاف والجوالقات على أن يؤجرهما بعقد واحد، له من الأجر نصيب الدابة ولصاحبه نصيب الأكاف والجوالقات… فإن كان المعروف أن أجر الدابة في النهار ضعف أجر الأكاف والجوالقات واشتركا معاً في الاجارة، وكان الأجر ثلاثة دراهم؛ فكأنهما أجرا الدابة وحدها بدرهمين والأكاف والجوالقات بدرهم. فان اتفقا أن تكون الأجرة بينهما ثلثين لرب الدابة وثلث لصاحب الأكاف والجوالقات فكأنما أجر كل واحد منهما ملكه منفرداً وكان لكل واحد منهما اجر ملكه. ولم يكن لأحدهما أن يؤجر منفرداً إذا كانت غاية المستأجر نقل الحبوب فالدابة تحتاج الأكاف والجوالقات والعكس صحيح.

فإن لم يؤجراهما لا يصيب أحدهما شيئاً من الأجر ولا يغرم من ماله. وهذه هي المشاركة.

أما ما جاء عمن قال لصاحبه أجر عبدي والأجر بيننا، كان الأجر لصاحبه وللأخر أجر مثله. فهذا عمل من واحد لم يشترط عليه دفع أجر العبد سواء أجره أم لم يؤجره، وهي ليست جعالة لما جاء أن الأجر له ولصاحب العبد أجر مثله؛ فلم يحدد الجعل؛ وليست اجارة، وقيل ليست مشاركة فهي منفعة أعيان من جهة وعمل من الأخر، والسؤال الذي يتبادر للذهن… هو ماذ يفعل صاحب آلة أو دابة عاجز عن العمل، أو غائب أو منشغل إذا أراد دفع منفعة دابته، إلى من يريد أن يعمل عليها. والعامل إن عمل عليها فقد يكون بناء على مشاركة أو إجارة؛ فإن أجرها منه فقد التزم بالأجر الذي يستحق بتسليم العين في المدة المتفق عليها؛ فإن لم يؤجر العامل لأجنبي غرم الأجر من ماله، ولهذا فلن يقبل إذ ليس له قصد في الدابة… وكذلك لو اشترط العامل ألا تستحق العين أجراً إلا إذا أجرها لأجنبى، فهو لا يدري بكم سيؤجرها. كذا صاحب الدابة ليس له قصد في عمل العامل ليستأجره على العمل عليها… فإن لم يك ثمة عمل غرم الأجر من ماله، لهذا تكون المشاركة بينهما أنسب لهما وأعدل، ويكون الأصلح لهما الإتفاق على تفاضل قيم عمل العامل ومنفعة الدابة، وما رزق الله بينهما لفإما ينتفعا معًا، أو يضيع جهد العامل ومنفعة الدابة معاً.

والمشاركة تجوز عندما لا يكون لأحدهما قصد مباشر في عمل او منفعة أعيان الآخر ويكون القصد الكسب بالعمل وبيع المنافع وهذا هنا.

وقد قيل لا يصح الاشتراك في الأعيان وكذلك في منافعها. وهذا لأن الأعيان لاتباع أو تستهلك بما يعتد به وتبقى على حالها فتعود إلى ربها فلهذا لا تصح أن تكون رأس مال مخاطر به ليستحق به الربح، والمنافع معدومة وقت العقد ويكتنفها الجهالة لأن العمل مجهول. إلا أن هذه المشاركات ليست مشاركات في روؤس الأموال ولا يشترط فيها تعيينها ويكفي نسب تفضلها، وإنما هي مشاركة في الربح ولا تتحقق المشاركة إلا إذا تحقق الربح. وإذا تحقق الربح أو النماء أو الكسب تكون للمنافع قيمة معلومة هي نصيبها من الربح، مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة.

جاء في كتاب فقه السنة للسيد سابق في باب الإجارة من الجزء الثالث  ص198: ”الاجارة عقد على المنافع بعوض. ويضيف:

والمنفعة قد تكون منفعة عين، كسكنى الدار أو ركوب السيارة…

وقد تكون منفعة عمل، مثل عمل المهندس والبناء والنساج والصباغ والخياط والكواء، وقد تكون منفعة الشخص الذي يبذل جهده، مثل الخدم والعمال…“

وعليه يمكن إعتبار عمل الإنسان منفعة إذا قصدت مباشرة كما في الإجارة أو إذا قصد أثرها كما المشاركة.

5- ”إن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن أخر راوية ومن الآخر العمل على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قول أحمد“.

وهكذا لو اشتراك أربعة من أحدهم دكان ومن آخر رحى ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بيهنم صح. وكان بينهم على ما شرطوه.

وقال القاضى: ”العقد فاسد في المسألتين جميعاً، فلا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة، لكونهما لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض ولأن من شروطهما عود رأس المال سليما، بمعنى أنه لا يستحق شيء من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله“.

يجب التوقف عند القول بفساد العقد للأسباب التي ذكرت، لأن بعض أنواع المشاركة لا ينطبق عليها الشروط التي ذكرت من عدم صحة كون رأس المال عروضاً، ووجوب عود رأس المال إلى صاحبه سليماً وعدم استحقاق الربح حتى يستوفى رأس المال. فأين هو رأس المال في المساقاة، إن كانت الشجر فالشجر لا يخاطر به ويظل على حاله ويعود إلى صاحبه، ورأس المال من طبيعته أن يتصرف فيه وهذا لا يتصرف فيه لا بيعاً ولا شراء، ولا يخرج عن ملك صاحبه، وكذلك المزارعة.

وشركة الابدان ليس فيها رأس مال إلا إذا قبلنا بمنافع العمل- المتوقع – كرأس مال، وهذه معدومة وقت العقد فتكون شركة في الرزق، والمضاربة نفسها ليست مشاركة في رأس المال وإنما وكالة فإن لم يتحقق ربح لا تكون شركة ولا مشاركة، والمشاركات قد تكون بدون رأس مال مثل المشاركة في الرزق بين من يدفع الدابة ومن يعمل عليها، إلا أن نقول أن رأس مالهما هو منفعة الدابة ومنفعة  العمل وهما معدومتان وقت التعاقد فلا يصلحان أن يكونا رأس مال.

والقول أنهما في شركة الابدان يستحقان الربح بالضمان بتقبل العمل، فهذا كان لتفسير استحقاق احدهما ممن لم يعمل بينما عمل الآخر، بينما إذا تقبلا وعملا معاً فالربح أو الأجر لقاء العمل أو لقاء الضمان وكلاهما ليس فيهما رؤوس أموال عندما عقدا الشركة بينهما وهذا كان قبل تقبلهما أو تقبل أحدهما العمل.

جاء في كتاب فقه المعاملات- دراسة مقارنة للدكتور محمد علي عثمان الفقي ص281: ”الشركة في الفقه الإسلامي عقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه، أو على الاشتراك في ربحه دون الإشتراك في رأس المال، أو الاشتراك في أجر العمل، أو الاشتراك فيما يباع ويشترى دون أن يكون هناك رأس مال لهم يتجر فيه“.- الشيخ علي الخفيف في الشركات في الفقه الإسلامى-

والمعاملة صحيحة وللناس حاجة لها، ولهذا يمكن أن يكون اخراجها بأنها مشاركة في عوض المنافع من عمل واحد يشتركان فيه بنسب تفاضلهما سواء أكان التفاضل في العمل أو في ضمان تقبله أو في ضمان تلف العين التي يعملان عليها أو فيهم جميعاً؛ فيستحقا الأجر عليه أو الرزق بنفس نسب اشتراكهما تفاضلا أو تساويا، والله أعلم.

أو تكون لأنه دفع دابته إلى أخر يعمل عليها و الراوية عين تنمى بالعمل عليها فهي كالبهيمة وعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه. كما جاء في المغنى.

6- وجاء في باب المزارعة في المغني (جزء 5 ص 425): ”فإن قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لأن المنفعة غير معلومة، وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الأرض. وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما، ويحتمل أن لا يصح لأن البذر عوض فيشترط قبضه كما لو كان مبيعاً وما حصل فيه قبض. وإن قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال“.

ويضيف ما ذكر الخرقى: ”وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجر مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض“.

ومن هذا المثال … نجد أنهما تشاركا بتفاضل أجر نصف الأرض  على منفعة المزارع ومنفعة بقره وألته. فإن كان أجر نصف الأرض يساوي قيمة منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته كان لكل منهما نصف الزرع. وإن تراجعا لا يفضل لأحدهما على صاحبه شئ.

وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه فتفاضلا في الزرع بتفاضل منافعهما جاز.

<< previous page next page >>

الفصل السابع – القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد ان يسلم رأس المال إلى صاحبه، فلا يكون ربح إلا بعد كمال رأس المال وما تبقى من المال بعد إعادة رأس المال يكون ربح المضاربة فيقسمانه على الشرط الذي اتفقا عليه.

ومن الأمور المهمة في المضاربة هو متى يملك ومتى يستحق أو يأخذ العامل نصيبه من الربح، والملك يقصد به هنا هو الملك الذي يعطي لصاحبه  الحق في المال ونمائه ولا يعطيه الحق في التصرف به خارج نطاق المضاربة، أي أن المال ماله الا أن تصرفه فيه مقيد بشروط عقد المضاربة فلا يجوز له أخذه من مال المضاربة إلا بعد القسمة، والاستحقاق هو الملك التام الذي يمنحه الحق في أخذ المال والتصرف فيه كما يشاء. والسؤال هو هل يملك المال بالظهور أم بالقسمة وتسليم رأس المال إلى صاحبه؟

قال ابن رشد (جزء 2 ص 237): ”ولا خلاص بينهم ان المقارض انما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال وانه ان خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح“.

ويقول ابن حزم في المحلى (جزء 8 ص 248): ”وما ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه. فإن لم يفعلا وتركا الأمر بحسبه ثم خسر في المال فلا ربح للعامل، وأما اذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه، فإن لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما وذلك مباح“.

ويقول ابن قدامة (جزء 5 ص 41): ”وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال، يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران وربح جبرت الوضيعة من الربح، وسواء كان الخسران والربح في مرة واحدة أو الخسران في صفقه والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى، لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح“.

وقد اتفق الفقهاء في كل المذاهب أن الخسارة في المال بعد تصرف العامل فيه تجبر بربح ما بعدها، إلا أن ينضض المال ويعاد ما بقى منه إلى صاحبه، فإن دفعه إلى العامل… كانت مضاربة جديدة لا يجبر ربحها خسارة السابقة. أما إذا كان التلف قد أصاب بعض المال قبل أن يتصرف العامل فيه… فإن المضاربة تفسد عند بعض الفقهاء في الجزء الذي هلك فقط، وتصح فيما سلم وبقى من رأس المال، فلا يجبر ربحه ما تلف قبل التصرف. وقال المالكية- وفي رأي عند الشافعية والإمامية- إن الربح يجبر ما تلف، إلا إذا أعاد العامل الباقي إلى رب المال فدفعه إليه رب المال مضاربة جديدة.

وقد قالت الحنابلة والزيدية والإمامية والشافعية في رأي لهم، إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وقالت المالكية والأحناف والشافعية في الرأي الأظهر عندهم، وفي رأي ثان عند الإمامية إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وللإمامية رأي ثالث… يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند إنضاض المال.

ومنع الأحناف والمالكية، وفي الرأي الأظهر عند الشافعية أن يأخذ أحد المتعاقدين شيئاً من الربح قبل القسمة، قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل فيه فربح، فأراد أن يأخذ حصته من الربح وصاحب المال غائب، قال: لا ينبغي له أن يأخذ منه شيئاً إلا بحضرة صاحب المال؛ وإن أخذ شيئاً… فهو له ضامن حتى يتحاسبا ويتفاصلا والمال غائب عنهما، حتى يحضر المال فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على شرطهما.

واتفق الفقهاء أن العامل لو أخذ نصيبه من الربح بعد القسمة بإذن رب المال والمضاربة مازالت بحالها، وحدث بعد ذلك خسر في المال لزمه رد ما أخذ من ربح؛ أي إن القسمة ليست انتهاء مضاربة وبدء مضاربة جديدة، ولا يكون هذا إلا برد المال إلى ربه واقتسام الربح بينهما وقبضه فتنتهي المضاربة. بينما قال الزيدية والظاهرية إن القسمة مانعة من استرداد الربح، وقالت الأحناف والمالكية بعدم جواز أخذ أحدهما شيئاً من الربح قبل القسمة وسلامة رأس المال.

مما سبق… نجد أن الصورة العامة لما تتفق عليه المذاهب هي كما يلي(والمذاهب التي أجازت ملك العامل للربح عند ظهوره تجيز بالطبع ذلك عند القسمة):

1- يجبر الربح خسارة ما سبقه، وتنجبر الخسارة من ربح ما سبقها، ما دامت المضاربة مستمرة ولم يقتسما المال، إلا أن تكون الخسارة قبل التصرف لسبب قاهري خارج عن إرادة العامل.

2- إن الربح لا يجب اعتبار تقديره والمال عروض، ولا يعرف إلا عندما يكون المال ناضا، فإذا أصبح المال ناضا وظهر فيه ربح، فإما أن يعاد رأس المال إلى ربه ويقتسمان الربح بينهما فيأخذ كل منهما نصيبه من الربح  وتنتهي المضاربة، أو أن يستمر العامل في المضاربة فيشتري ويبيع… فإن خسر يجبر ربح البيع الأول خسارة البيع الثاني.

وإن أصبح المال ناضا وظهرت فيه وضيعة، فإما أن يعيد العامل ما بقى من مال إلى ربه وتنتهي المضاربة، وإما أن يستمر العامل في المضاربة… فإن ربح جبر ربح التجارة الثانية خسارة الأولى.

3- يمتلك العامل ورب المال نصيبهما من الربح عند القسمة ورد رأس المال.

4- إذا أخذ العامل جزءاً من ربحه قبل القسمة وإن إذن له رب المال… كان هذا المال الذي أخذه بمثابة دين في ذمته وكان ضامنا له، حتى تتم القسمة ويرد رأس المال إلى صاحبه… فإن كان نصيبه من الربح أقل مما أخذ… فعليه أن يرد الفرق، وإن أصابت رأس المال وضعية رد كل ما أخذه.

5- إن المضاربة التي يتاجر فيها العامل عدة مرات, تعتبر مضاربة واحدة يجبر ربح تجارة فيها خسارة الأخرى.

6- تختلف النتيجة كليةًً إذا أعاد المضارب المال- سواء كان فيه ربح
أو خسارة- بعد كل تجارة وعند كل نضوض للمال فاقتسم مع رب المال, ثم دفع رب المال المال إليه قراض جديد ليتجر به, لا تنجبر خسارة تجارة بربح أخر، فيكون للعامل نصيبه من ربح كل المضاربات التي ربحت، ولا شيء عليه من وضيعة المضاربات التي خسرت.

ولو أخذنا بما سبق … نجد أن مصلحة العامل في إجراء القسمة لإنهاء كل مضاربة سواء كان فيها ربح أو خسارة، ومصلحة رب المال في الاستمرار إلى أن يحتاج المال، وللعامل حق إنهاء المضاربة كلما نض المال، فما الذي يدعوه إلى الاستمرار؟ قد يكون السبب خوف العامل ألا يدفع إليه رب المال المال مرة أخرى, فيستمر في العمل آملاً في تحقيق الربح إن كان خسر أول مرة أو زيادته لعدم ظنه الخسارة في التجارة الثانية. لكن رب المال له نفس الحق في إنهاء المضاربة وعند المالكية متى نض المال، وهو لن ينه المضاربة إن كان ينوي الاستمرار، فمصلحته أن يبقي كل الربح لتعويض ما قد يحدث في المستقبل من خسارة، ولا يعني هذا ظنه الخسارة لأنه إن ظن هذا… فلن يترك المال في يد المضارب، وإنماء لكون الربح الأول بمثابة عامل أمان ووقاية لرأس المال ومقصده… لم يزل في تحقيق الربح.

ورأى الحنابلة والإمامية وغيرهم أن العامل يملك الربح عند ظهوره أو عند إنضاض المال، والأغلب أن الحنابلة قصدوا بالظهور ظهوره عند إنضاض المال؛ لأنه إن لم ينض المال يكون الربح تقديراً جزافياً وهذا لا يعتد به لما يكتنفه من جهالة، هذا الرأي قد لا يتعارض مع الآراء الأخرى إن قصد غيرهم استحقاقه بمعنى أخذه من المال وهذا لا يحق له إلا بعد القسمة وإعادة رأس المال إلى صاحبه.

يقول ابن قدامة في المغني * (جزء 5 ص 57): ”لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح ولا نعلم في هذا خلافا، وأما ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرد الظهور قبل القسمة فظاهر المذهب أنه يثبت. هذا الذي ذكره القاضي مذهباً، وبه قال أبو حنيفة. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يملكه إلا بالقسمة، وهذا مذهب مالك. وللشافعي قولان كالمذهبين. واحتج من لم يملكه بأنه لو ملكه لاختص بربحه، ولوجب أن يكون شريكاً لرب المال كشريكي العنان“.

والربح مال حقيقي وقد جد فعلاً بعد التجارة الأولى، وهو مال يجب أن يكون له صاحب، والمضاربة هي عقد مشاركة في النماء، ومتى تحقق النماء … تحققت المشاركة فأصبح النماء مملوكاً بالشرط. أما استحقاق العامل حق التصرف فيه فيكون وفق شروط العقد، وهو بعد تسليم رأس المال إلى صاحبه، أما إذا قلنا أن المال مال المضاربة، وشركة المضاربة بشخصيتها الاعتبارية تملكه حتى تنفسخ أو تنتهي… لوجب إعادة صياغة أحكامها؛ لأنها مبنية على أن المال ملك رب المال، وأن العامل وكيل عنه في التصرف، فإن تحقق ربح فهي مشاركة في الربح، وهذا ما يجب أن يكون لطبيعتها الخاصة ولا يصح تغييره، وقال الحنابلة في المغني* (جزء 5 ص 57): ”أن هذا الربح مملوك فلا بد له من مالك، ورب المال لايملكه اتفاقاً، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يملكه للمضارب، ولأنه يملك المطالبة بالقسمة فكان مالكاً كأحد شريكي العنان. ولا يمنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب رأس المال من الربح، وبهذا امتنع اختصاصه بربحه. ولأنه لو أختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر مما شرط له ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه“.

جاء في كتاب الأم – المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، الطبعة الأولى 1321هـ (جزء 2 ص 235): ”قال الشافعي رحمه الله لا يجوز أن أقارضك بالشيء جزافا لا أعرفه ولا تعرفه. فلما كان هكذا، لم يجز أن أقارضك إلى مدة من المدد وذلك أني لو دفعت إليك ألف درهم على أن تعمل بها سنة، فبعت بها وأشتريت في شهر بيعا فربحت ألف درهم، ثم اشتريت بها كنت قد اشتريت بمالي ومالك غير مفرق، ولعلي لا أرضى بشركتك فيه، واشتريت برأس مال لي لا أعرفه، لعلي لو نض لي لم آمنك عليه أو لا أريد أن يغيب عني كله“.

فإن سلمنا بأن نصيب العامل من الربح مملوك له، وليس لأحد غيره ملك فيه، فإن له حقاً في نماء هذا المال إذا نما، فإن عمل بعد ذلك… كان هذا الجزء من المال منه والعمل منه، فكان له كل ربحه وعليه كل خسارته، فإن لم يكن له ذلك، فلمن يكون ورب المال لا مال له فيه ولا عمل؟ وقد يقال إن رب المال لن يصيب منه شيء أبداً، لأنه في حال الربح سيأخذه العامل، وفي حالة الخسارة … سيأخذ رب المال رأس ماله منقوصاً. وهذا ليس صحيحاً في حالة الربح؛ لأن الشرط في المضاربة التي عقداها أن العامل نصيبه من نسبة الربح العائدة إلى العمل، ورب المال يأخذ نسبة الربح العائدة إلى كل المال؛ فتشمل الجزء المخصص للمال من نماء الربح السابق للعامل، فيأخذ رب المال ما لا حق له فيه.

وبالطبع … لو اشترى العامل سلعة بنصف المال، وسلعة أخرى بنصف المال الثاني، تنجبر خسارة الأولى بربح الثانية، ولا حق أو ملك في ربح الأولى لأن المال لم يصبح كله ناضاً بعد، وكذلك لو أخر الثانية فاشترى بها بعد تنضيض الأولى وكذا؛ أي إن المال كله لم ينضض في وقت واحد، فنضوض كل المال شرط من شروط معرفة الربح، وهو لا يملك الربح إلا بظهوره ناضاً ومنفصلاً عن رأس المال.

فإن نض كل المال وظهر فيه ربح… فيمكن للعامل أن يقوم بإعلام رب المال باجتماعهما أو بالكتابة إليه بذلك، بحضور المال ل أو بحضور ما يفيد وجوده كوديعة في بنك وخلافه، فيقتسمان وإن اختارا استمرا وكان حكم الاستمرار حكم مضاربة جديدة… فإن أبقيا المال كما كان، يكون العامل شريكاً بربحه السابق ومشاركاً بعمله، وإن وزعا الربح فلرب المال أن يدفع رأس مال جديد إلى العامل في مضاربة جديدة، وللعامل أن يشارك في رأس مالها إن أراد ذلك دون شرط عليه.

جاء في كتاب الأم (جزء 2 ص 237): ”المحاسبة في القراض: قال الشافعي رحمه الله: وهذا كله كما قال مالك إلا قوله يحضر المال حتى يحاسبه فإن كان صادقا فلا يضره يحضر المال أو لا يحضره“.

ولا يوجد سبب يوجب عليهما- إن كان ما رغبا فيه هو مضاربة  جديدة – أن يتم تحويل المال من البنك إلى رب المال ثم إعادة تحويله مرة أخرى من حساب رب المال إلى العامل، وهذه تكاليف لا داع لها والعقود بالنيات والمقاصد، وطالما أنه ليست هناك شبهة في عدم وجود المال وأظهرته المستندات الثبوتية البنكية، وطالما أن الحساب النهائي والقسمة تم تثبيتها كتابياً، ثم عقدت المضاربة الثانية وفق الشروط الصحيحة، ولم يتخلل القسمة أو الحساب أو الاتفاق جهالة أو غرر أو ما قد يوشبها… فالأولى الاعتبار بها وإن لم يتم التسليم باليد، فهو قد تم حقيقة بالاتفاق والكتابة.

أما إذا وجد المضارب الخير في الاستمرار لعدم قدرته الاتصال برب المال، أو لأي سبب وجيه آخر يمنعه من ذلك… فله أن يستمر في المضاربة؛ فإن فعل تنجبر خسارة تجارة من ربح غيرها… إلا أنه يجب التنويه هنا أن من العدل اشتراط أن يعلم المضارب رب المال كلما نض المال إذا تيسر ذلك؛ وخاصة وإن المالكية قد قالوا إن العقد ملزم إذا كان المال عروضاً؛ فرب المال له حق في المال وقد يحتاجه، أو قد يعجل العامل بشراء العروض؛ ليبقى المال في يده إن هو خسر في أول تجارة. وإن كان العقد غير ملزم عند جمهور… إلا أن فسخه أصعب والمال عروض عن فسخه وهو ناض.

وموضع توزيع الأرباح بصورة دورية له بالغ الأهمية عند البنوك الإسلامية، لأهميته في إرضاء المودعين ولما جرت عليه العادة في هذا الزمان، والمودع وهو رب المال قد يحتاج الربح ولكنه يرغب في إعادة إستثمار ماله، والعامل من مصلحته إنهاء المضاربة عند كل إنضاض لحفظ حقه في الربح… إلا أنه يرغب أيضاً في الاستمرار، ومن طبيعة البنوك أنها تحبذ توزيع أرباح دورية لتجذب مودعين جدداً، ومتى اتفقت وصلحت النيات، يمكن الاتفاق بينهم- والمال ناضا في حساب البنك- على القسمة وبدء مضاربة جديدة، دون الرجوع إلى الشكليات كتسليم المال إلى المودع؛ لأن المال في الحساب البنكي هو أصلاً ملك المودع والبنك  وكيلا عنه في التصرف.

ولا يجوز بأي حال توزيع أرباح مضاربة  على المودعين أو العامل والمال أو بعض المال عروض، لما سيكتنف هذه التقديرات من جهالة ولأن الربح قد تعقبه خسارة… فإن أراد البنك توزيع أرباح تقديرية دورية إلى أرباب الأموال، فإما أن يكون هذا المال الموزع من احتياطي البنك كقرض من البنك يُسترد عند إعادة رأس المال، أو من رأس المال لأن رب المال له أن يسترد جزءاً من رأس المال برضى العامل في الرأي الأظهر، فينقص رأس مال المضاربة بهذا القدر، ولا يعاد إلا المتبقي منه عند إنضاض المشروع والقسمة، فيحتسب الربح بما يتبقى من مال المضاربة بعد إعادة رأس المال المنقوص. ولا يجوز توزيع أرباحاً تقديرية إلى البنك أو العامل؛ لأن لا مال لهما لأخذ ما دفع لهم إذا خسرت المضاربة في النهاية، ولأن المال الذي أخذاه ينقص رأس المال المضارب به وتقدير الربح لا يمكن الاعتبار به وبعض المال عروض.

وقد ذهب البعض- في عصرنا هذا- إلى الأخذ بتقدير الربح في الاستثمار الجماعي، ونحن إن كنا نتفق معهم في هذا فيما يتعلق برب المال، إما: بانقاص ماله أو بتضمينه لما أخذ والأصح إنقاص ماله، نجد أن تطبيقه فيما يتعلق بالمضارب لا يصح ولو بضمان منه برده إن كان في المال وضيعة فيما بعد؛ لأن المال يكون قد نقص فتقل التجارة ويقل الربح عما كان يجب أن يكون، إلا بالأذن الصريح من رب المال ويكون قرضاً للمضارب؛ فرب المال وحده له حق انقاص المال.

وأخيراً … تجدر الإشارة هنا إلى مسألتين لهما علاقة بهذا الموضوع، الأولى: أن الفقهاء قد منعوا خلط الأموال بعد بدء العمل؛ خاصة إذا اشترط رب المال هذا الخلط، حتى لا تنجبر خسارة مال من ربح الآخر فيصيب العامل ضرراً من جراء ذلك، وهذا مثل ما يحدث في المضاربات التي تتعدد فيها التجارة والأسفار دون قسمة.

والثانية: إن المضاربة منذ العصر الجاهلي حتى القرن الماضي، والتي تعلقت بسفر، مثل مضاربات قوافل الشام واليمن في الجاهلية والعصر الإسلامي ألاول… كان التاجر يأخذ المال في مكة؛ فيشتري بضاعة يتجه بها إلى الشام فيبيعها وينضض المال، فيستحيل عليه أن يقتسم وصاحبه في مكه، فيشتري بضاعة من الشام يحملها إلى مكة فيبيعها فينضض المال ثم يذهب إلى صاحبه فيعيد له رأس ماله، ويقتسمان الربح على شرطهما. وهو إن ربح في تجارة الذهاب، وخسر في تجارة الإياب جبر ربحه الأول الخسارة التالية، فليس هناك سبيل آخر للقسمة إلا أن تكون كلمة المضارب مصدقة، وهذا قد يؤدي إلى النزاع والخصام، وقد يستغله بعض النفوس الضعيفة من أصحاب العمل، ولو نظرنا إلى المصلحة العامة… لوجدنا أن اعتبارها مضاربة واحدة هو الصحيح في هذه الظروف، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء، فالمصلحة تفوق احتمال الضرر والذي قد يندر حدوثه لما سبق ذكره عن ربح هذه المضاربات شبه المؤكد، وفي حالة الربح… فإن الفرق متناه في الصغر ولا يعتد به إذا كان في تجارتين أو ثلاث.

أما… وقد تيسر الاتصال الهاتفي والبرقي وقربت المسافات بوسائل السفر الحديثة، فلا سبب يدعو لعدم حساب كل تجارة على حدة، إذا كان هذا ما يرغبه العامل عند كل إنضاض، ولم يمنعه أحد من الفقهاء عن هذا وإنما اشترطوا عليه أن يعيد رأس المال أو ما تبقى منه.

والمقصود من إعادة رأس المال في الأغلب، هو التأكد من وجوده، وإعطاء رب المال كامل الحرية في أخذه أو دفعه مرة أخرى إلى العامل في مضاربة جديدة، وربما بشروط جديدة أيضاً، وهذا يمكن إثباته فالمال الناض سيكون في حساب البنك.

جاء في المغني لابن قدامة * (جزء 5 ص 61 – 62): ”قال يقاسمه ما فوق الألف، يعني إذا كانت الألف ناضة حاضرة إن شاء صاحبها قبضها، فهذا الحساب الذي كالقبض. فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية. كما لو قبضها منه ثم ردها إليه“.

ورب المال متى أُعلم بنضوض المال له أن يعزل العامل أو يتفق معه من جديد. وهذا يمكن في المضاربة الثنائية أو الثلاثية، أما المضاربة التي يكون فيها أرباب المال هو مودعو البنك… فسيتصل العامل بالبنك ثم على البنك أن يتصل بعدد كبير من مودعيه، وهذا غير عملي، ولهذا… يتوجب على البنك أن يحصل على هذا التفويض عند العقد معهم؛ فيصنفهم وفقاً لأقل المدد التي يرغبون فيها استثمار أموالهم بناء على حاجتهم المستقبلية لها، فيجمع كل من استثمر لمدة واحدة في مضاربة واحدة، ويجب التنويه أن العقد غير ملزم ولهم فسخ المضاربة في أي وقت، إلا لو أخذنا برأي المالكية.

ولو قلنا إن اجتماع المودعين كرب مال المضاربة هو – في الحقيقة – شركة الغرض منها توظيف المال في المضاربة؛ إن المودعين يمكن أن يعقدوا شركة بينهم يكون البنك شريكاً فيها بسهم من رأس مالها، ويكون له التصرف والإدارة لقاء نصيب من الربح، فيدفع المال مضاربة إلى العامل ويكون تصرفه في المضاربة تصرف رب المال، وتكون هذه الشركة- والممثلة بالبنك- هي رب مال المضاربة وليس المودعين. وقد كره المالكية اجتماع شركة مع المضاربة بينما أجازها غيرهم من الفقهاء، جاء في المدونة (جزء 4 ص 58): ”وقال مالك لا يصلح أن يقول: أقارضك بألف على أن تخرج من عندك ألف درهم أو أقل أو أكثر على أن تخلطهما بألفي هذه تعمل بها جميعاً، فكره مالك هذا“. وقد علل المالكية ذلك بأن الشراء يكون أكثر، فيزداد الربح والفضل، فيصير رب المال الذي دفع المال قراضا قد جر إلى نفسه منفعة غيره، ونرى فيه اشتراط من قبل رب المال تفسد معه المضاربة.

وهذا يدور بين رب مال وعامل، ومنفعة الشراء الأكثر تعود على المالين، وفيه اشتراط من رب المال على العامل الذي رخصت المضاربة معه لعمله لا لماله. ولم يمانع الأحناف والشافعية والحنابلة اجتماع الشركة والمضاربة في عقد واحد، وقصدوا بذلك في الأغلب أن يكون المال من رب المال ومن المضارب، أو بين أرباب مال.

إلا أن الشركة هذه قد تعطي البنك تفويضاً أكثر مما تحتمله طبيعة علاقة المودع بالبنك، ويتم التعاقد بين أطراف الشركة باجتماعهم وهذا لا يحدث هنا، ولهذا… فالحل الوسط المناسب يكمن في الاكتفاء بتفويض البنك بالدخول في مضاربات متعددة متتالية، ويشمل التفويض تصرف البنك بإنهاء المضاربة والبدء بمضاربة أخرى جديدة، ومتى تم هذا يمكن للبنك توزيع أرباح المضاربة الأولى على مودعيه أو دفعها مع رأس المال كرأس مال جديد في المضاربة الجديدة، وهذا يتوقف على اتفاق البنك مع المودع في عقد الإيداع الأصلي.

أما عن عادة البنوك توزيع أرباح دورية بمعدل ربح واحد إلى كل مودعيها … فهذا يتنافى مع مفهوم المضاربة… فإن كان لابد منه… فيكون إنقاصاً للمال؛ حتى يثبت الربح ويتحقق بالتنضيض، وتوزيع معدل ربح واحد لكل مودعيه يعني بالضرورة أن هذه الأموال قد استثمرت في نفس المضاربات، وهذا لا يصح إلا لو كان الإيداع في وقت واحد، وهذا لا يقبله المنطق السليم، ولهذا… يجب أن يكون توزيع الربح عند انتهاء المضاربة ووفقاً لنصيب أرباب المال من المضاربات التي وزع عليها البنك أموالهم وليس من معدل نتائج استثمارات البنك ككل. فإن نتج عن هذا أن ربح بعضهم أكثر من بعض… فهذه هي المضاربة، ولا يصح تكييفها لإرضاء الناس، وعلى البنك أن يصدر كشف حساب بنكي لكل مودع يظهر فيه حسابه في صورة تبين أسماء المشروعات التي دفع ماله مضاربة فيها ونسبة ماله إلى رأس مال كل مضاربة، والتاريخ الذي دفع بالمال إليها، ونسبة نصيب رب المال من ربح كل مضاربة، فإن انتهت إحدى هذه المضاربات… بين في الكشف الذي يلي تاريخ انتهائها والربح الذي تحقق ونصيبه منها. ويجب إعلام المودع  صفة ما يوزع عليه بصورة دورية؛ فيبين الربح الذي تحقق فعلاً من الجزء الذي أُنقصَ به رأس ماله.

النماء الطبيعي والربح في المضاربة:

قال الظاهرية وكثير من غيرهم من الفقهاء إن النماء الذي يشارك فيه بين رب المال والعامل هو النماء الناتج عن العمل في المال، أما النماء الطبيعي فهو تبع للملك وهذا للمالك، كولد الماشية وثمر الشجر؛ لأنه شيء حدث في ماله، وإنما للعامل من حظه من الربح فقط، ولا يسمى ربحاً إلا ما نمى بالعمل فقط.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

العـمـل

جاء في مقال الدكتور مشعل دخيل المشعل في مجلة البنوك الإسلامية: يعرّف الخطيب العمل بأنه: الجهد الذي يبذله الإنسان لتحوير وتبديل طبيعة أو استخدام شيء ما. هذا العمل قد يكون جسديا ويعتمد على القوة العضلية مثل عمل المزارع في الحقل , أو ذهنيا بالدرجة الأولى مثل عمل مراجع الحسابات أو الكاتب, وقد يكون الجهد خليطا من الاثين الجسدي والعقلي ومثال ذلك عمل الطبيب الجراح.

ويعرف المصري العمل بأنه مجموع الجهد الإنساني عقلي أو بدني أو كلاهما لخلق منفعة اقتصادية أو لزيادة قيمة شيء موجود أصلاً .ويعرف الشرباصي العمل في قاموسه بأنه خلق الشيء . (عدد69ص56)

فالعمل المنتج هو جهد إنساني – عقلي بالدرجة الأولى- وقد يستخدم فيه القوة العضلية وما سبق خلقه بجهد إنساني من امتدادات للقوة العضلية والقوة العقلية – وينتج عنه تبديل لحال الأشياء المخلوقة أو إضافة لموجود.

فالنجار يبدل بعمله الخشب إلى منضدة، والحفار يبدل حال الأرض؛ فيخفض جزءاً منها فيرتفع جزء آخر؛ فالعمل لا ينقص ولا يزيد شيئاً في هذا الكون؛ فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في كونه، لا شيء ينفى وإنماء يتحول من صورة إلى أخرى، إلا أن العمل المنتج يخرج المنافع المكنونة في الأشياء بتبديل حالها أو تبديلها وتجميعها، أو أن يكون العمل ذاته مقصوداً كالخدمات أو الفنون التي تضيف إلى سعادة الآخرين.

وحتى الآلة التي تعمل بالعقل الالكتروني بدون سائق تحتاج إلى من يبرمجها على العمل، ولا يخلو عمل من القدرتين العقلية والبدنية، وإن أمكن تقليل الأخيرة إلى الحد الأدنى لها.

وليس في قدرة العمل أو الفكر الإنساني خلق شيء جديد؛ فالخلق يستوجب أن يوجد الشيء من لا شئ. وهذا من صفات الله سبحانه وتعالى وحده، وما يقصد من الخلق هنا إنما هو تبديل طبيعة الأشياء؛ فيصنع شيئاً جديداً من الطبيعية المخلوقة، والتي سخرها الله للإنسان، والإنسان يقدر على استخراج المنفعة المكنونة أو استخدام الموارد والقوانين الطبيعية لما فيه منفعته، ومن صفات الكون الثبوت الكلي والتغير الجزئي الدائم، فكل زيادة يقابلها نقصان، وأنعم الله على الأرض فكانت تأخذ في هذا الكون ولا تعطي، تأخذ من الشمس طاقة مستمرة بقدر. وكان من صفات الأشياء التغير، منها ما تحسبه جامداً وهو متغيراً بمعدل بطئ، ومنها ما يتغير كل يوم، وله دورة من الوجود إلى النماء إلى الأُفول، ومنها ما يكون نماؤه طبيعي، ومنها ما يحتاج إلى بذل الجهد والعمل، وإنماء الأشياء من عمارة الأرض إلى الزراعة إلى نماء المال بكل صوره وغيرهم، هو ما يتحصل بالعمل المنتج.

وقد حلل الإسلام  لمالك المال الحق في إنماء ماله، سواء كان هذا النماء طبيعياً أو ناتجاً عن العمل، فإن كان النماء طبيعياً… كان له كل نمائه بالضمان، أي بتحمله وحده النتيجة المترتبة عن هذا الإستثمار؛ فإن هلك المال فعليه وإن نما فله، أما إذا كان النماء لا يتحصل إلا بالعمل، فإن عمل الرجل في ماله فنما استحق نماء ماله لقاء المال والعمل الذي قام به بنفسه، وإذا دفع المال لغيره ليعمل فيه مضاربة… اقتسما النماء الذي حصل بالمال والعمل، ويكون كسب كل منهما حلالاً ؛ لأنه نظير عوض، هذا لقاء ماله الذي نما وبالضمان أي بتحمله الخسارة إذا اصاب المال وضيعة؛ وذاك لقاء العمل… فإن دفع له أجراً صار أجيراً، فلا يطيب لمن أخذ الأجر الربح فوق ما أخذ من الأجر إذا كان الربح دون عوض.

والعمل الإنساني قد يصدر عن العامل وحده، وقد يصدر عن العامل وما يملكه فيشمل قدرته الفكرية والبدنية، وقدرة الآلة المضافة إلى قدرته العضلية، أو قدرة الكمبيوتر المضافة إلى قدرته العقلية، أو كل هذه القدرات معاً؛ مما يمكن أن نطلق عليه قدراته الممدتة.

وليس الإنسان وحده الذي يعمل، فالآلة تعمل والكمبيوتر يعمل، وكل منفعة تقاس على العمل إن استحقت الأجر؛ فالعمل والمنفعة يلتقيان في أن كلاً منهما يمكن أن يكون العوض فيه هو الأجر، أو المشاركة في النماء إن اجتمعا في عامل وآلة ونتج عنهما إنماء مال.

فإن ضارب العامل فإنه إما يضارب بفكره فقط، أو بفكره وقوة بدنه، أو بقدراته الممتدة الشاملة لما يملكه من أعيان لها منافع.

عمل المضارب في عقد المضاربة

عامل المضاربة هو من يملك القدرة على القيام بأعمال أغلب الظن أن ينتج عنها نماء رأس المال النقدي، ويكون من أثر هذا العمل تبديل المال من حال إلى حال أكثر من مرة حتى يعود إلى حالته الأولى… فإن كثر عما كان عليه فيكون نما، وإن قل يكون قد أصابته وضيعة، وقد فصل الفقهاء هذه الأعمال – وهم قد حصروا المضاربة في التجارة – كما يلي:

ما يقوم به المضارب من عمل، وما له، وما عليه يكون بما جرت به عادة التجار.

جاء في الفقه الحنفي  في المبسوط: وله أن يستأجر معه الأجراء  يشترون ويبيعون، ويستأجرون البيوت والدواب للأمتعة التي يشتريها، لأن ذلك من صنع التجار، فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح، وللمنافع حكم المال عند العقد، والإجارة والاستئجار تجارة من حيث أنه مبادلة مال بمال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 88): ”وله أن يستأجر من يعمل في المال لأنه من عادة التجارة وضرورات التجارة أيضاً لأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه“.

وجاء مثله الفقه الشافعي في مغني المحتاج من أن العامل يتولى ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه كنشر الثياب وطيها وذرعها، وان ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه،
وما لا يلزمه يستأجر عليه من مال القراض.

وجاء في الفقه المالكي في الدردير الكبير: وعليه أي العامل ما جرت العادة أن يتولاه كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر في ماله ان استأجر على ذلك، لا في مال القراض ولا في ربحه. وإلى هذا ذهب كل من الحنابلة والإمامة والزيدية.

 وجاء عند الحنابلة في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، من نشر الثوب وطيه وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده، وشد الكيس، وختمه وأحرازه في الصندوق ونحو ذلك. ولا أجر له عليه، لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك فالأجر عليه خاصة. لأن العمل عليه فأما ما لا يليه العامل في العادة، مثل النداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل عمله،  وله أن يكتري من يعمله. نص عليه أحمد. لأن العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف. فإن فعل العامل ما لا يلزمه فعله متبرعاً فلا أجر له، وإن فعله ليأخذ عليه أجراً فلا شيء له أيضاً في المنصوص عند أحمد، وخرج أصحابنا وجهاً: أن له الأجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه، هل له أجر لذلك؟ على روايتين. وهذا مثله، والصحيح: أنه لا شيء له في الموضعين. لأنه عمل في مال غيره عملاً لم يجعل له في مقابلته شيء فلم يستحق شيئاً كالأجنبي“.

وجاء في فقه الشيعة الإمامية في شرائع الأسلام (جزء 5 ص137): ”أن العامل إذا أذن له رب المال في التصرف تولى باطلاق الاذن كل ما يتولاه المالك من عرض القماش والنشر والطي وإحراز المال، وقبض ثمنه، كما يقوم بإيداع المال واستئجار من جرت العادة كالدلال والوزان عملا بالعرف“.

وجاء في فقه الشيعة الزيدية في الروض النضير (جزء 3 ص 646): ”أن للعامل أن ينفق من مال القراض ما يحتاج إليه المال من كراء أو جباء وأجرة دلال وغير ذلك مما تتطلبه التجارة ويقضي العرف به“.

فالعامل إذا استلم رأس مال المضاربة… تصرف فيما يتصرف فيه التجار عادة، فله أن يشتري به البضاعة التي يرى الخير في المتاجرة بها، وله أن يستأجر العمال والمخازن ووسائل النقل وكل ما  تحتاجه التجارة وما يتم به نجاحها. أما ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه… فعليه أن يقوم به بنفسه، وليس له أن يستأجر لذلك الأجير، وذلك كاستلام البضاعة وعرضها وتنظيمها وبيعها وتصديرها، وتحرير العقود وإيداع الأموال وغيرها مما جرت عليه العادة. فإذا استأجر لهذه الأعمال عاملا، وكان بوسعه أن يقوم بها بنفسه، لزمته الأجرة من ماله الخاص، أما ما لا يلزمه من العمل… كان له أن يستأجر عليه من مال المضاربة، وقد اتفق الفقهاء السابقون على هذا.

وقد وصف الفقهاء هذه الأعمال من باب التوضيح لا الحصر وحددوها بكل ما جرت العادة عليه، وجاء في وصفهم ما يلي: نشر الثياب وطيها وذرعها وعرضها على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده وشد الكيس وإحرازه في الصندوق وإيداع الأموال ونحو ذلك، وكل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، وأن ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه، وإن استأجر على  ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربح القراض.

ووصف الفقهاء أيضاً ما يحق له أن يستأجر، أو يستأجر عليه من مال المضاربة، من باب التوضيح أيضاً لا من باب الحصر: الإجراء ممن يشترون ويبيعون، والبيوت والدواب والسفن، والدلال والوزان وغير ذلك مما لا يلزمه من العمل، أو لا يمكنه بنفسه، وتتطلبه التجارة ويقضي به العرف.

ومن الواضح أن الأعمال التي على المضارب أن يقوم بها بنفسه، هي ما جرت العادة عليه، و ما يلزمه من العمل، وهذا يعني أن على المضارب أن يقوم بنفسه بالأعمال التي جرى العرف أن يقوم بها التاجر ويقدر أن يقوم بها بنفسه، وأن يقوم بنفسه أيضاً بالأعمال التي اتفقا في العقد على أن يقوم هو بها وربما في حدود هذا العرف. وهو إن استأجر من يقوم على أي من هذه الأعمال … يكون الأجر في ماله وليس في مال المضاربة أو ربحها، أي إن مسؤولية هذه الأعمال تقع على عاتقه وحده والعوض له عليها من ربحه؛ أي من ربح العمل.

ومن عادة التجار العاملين في سوق معينة  أن يكون لهم متجر وربما ناقلة ومخازن، وقد تكون المضاربة مع شركة تجارية تملك متاجر متعددة وسيارات ومخازن، وقد نتج عن امتلاكها هذه الأعيان زيادة قدرتها على التجارة الناجحة فتوجه إليها أرباب الأموال.

وما جاء عن الفقهاء فيما سبق، بما يتعلق بمبادلات بين العامل وطرف أجنبي عن العقد، ولم يصرح إذا كانت الأجرة على العمل أو المحل أو وسيلة النقل تجوز لأحد طرفي المضاربة، من صاحب مال أو عامل، ونعلم من مضاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بمال السيدة خديجة رضي الله عنها، أنها أرسلت معه غلامها ميسرة ليساعده، وقد نجزم أنها لم تأخذ من مال المضاربة أو الربح أجر عمل ميسرة. وكما ورد في المضاربة… فإن رب المال يجوز له المساعدة برضى العامل من قبيل الإعانة، رب المال قد يدفع بآلة أو بمتجر أو بعماله تطوعاً؛ فإن طلب أجر المثل… كان هذا اشتراطاً على المضارب قد تفسد معه المضاربة، وعوض رب المال عما دفع إلى المضارب يكون في الربح، فلهما أن يتفقا على نسب توزيع الربح بينهما، فإن دفع رب المال مساعده أو داراً أو آلة وكانت للمضارب حاجة لها وقبل بها؛ يكون لرب المال من الربح أكثر مما يكون له، لو لم يدفع سوى رأس المال… فإن تطوع فالربح سيكثر على أي حال لتطوعه.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 86): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً، ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال أو يسكن رب المال دار المضارب فهذا لا يجوز، لأنه إذا شرط البيع في أحد  الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان ولم يعقد على منافع الدار“.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه داراً ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز. نص عليه أحمد في رواية صالح، وإن استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته ففيه روايتان. إحداهما الجواز لأن ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز أن يستأجر له الحيوان كمال الأجنبي. والأخرى لا يجوز لأن هذه لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك، لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر، فإذاً لا تجب الأجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيهما إيقاع العمل إنما توجب الأجرة بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه“.

وجاء في نفس المرجع السابق في باب المساقاة ص 404: ”وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الإستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة لم يصح لأن العمل عليه فإذا شرط أجره من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول. ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم، لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كمسألتنا“.

ولو نظرنا إلى العامل الذي يمتلك دابة أو وسيلة نقل أو دكاناً ودور ومخازن، ويريد استعمالها بدلاً من أن يستأجر من طرف أجنبي، فهذه يمكن تصور عوض منافعها كرأس مال مشارك به، أو كأجرة أو كنصيب من النماء.

أولاً – عوض المنافع كرأس مال مشارك به:

ما تقدمه هذه الأشياء إلى المضاربة منافع، والمنافع لا تصلح أن تكون رأس مال، إلا أن تكون مشاركة منافع. والمضاربة فيها رأس مال مدفوع، ولا تصلح مشاركة المال مع المنافع كرأس مال؛ لأن رأس المال يمكن أن ينقص، بينما تبقى أعيان هذه المنافع على حالها، وخسارتها محدودة بما يستهلك منها، وإن قيل إن المشاركة في رأس المال تكون في هذا القدر، يصعب تحديد قيمة هذا القدر وقت التعاقد، إلا أن تحدد بأجر المثل، وأجر المثل فيه ربح ولا تصح لأحدهما أن ينال شيئاً من الربح قبل القمسة.

والأجر لقاء منفعة غير موجودة وقت التعاقد، ويشترط استيفاؤها لتستحق الأجرة، والأجرة لا تملك بعقد الإجارة عند الأحناف، قال أبو حنيفة ومالك رضي الله

عنها: ”أنها تجب جزءاً جزءاً بحسب ما يقبض من المنافع“.

والاجارة عقد يشترط فيه معرفة المنفعة وبيان مدتها أو العمل المطلوب وتكون إما بشرط تجصيل الغاية المقصودة، وإما بضرب الأجل، وهذا لا يتحقق في عقد المضاربة لأن العمل في المضاربة مجهول وقت التعاقد وليس مقصوداً لذاته، والغاية في المضاربة هي نماء المال، وهذا مجهول أيضاً.

والاجارة عقد لازم عند الجمهور – إلا الأحناف – وليس لأحد الطرفين فسخها، والمضاربة عقد غير لازم، وليس من المنطق الصحيح الجمع بين عقد غير لازم وعقد لازم.

ولكل ما سبق… لا يصح أن تكون المنافع رأس مال للمضاربة.

ثانياً- عوض المنافع كأجرة في عقد إجارة:

الإجارة هي عقد بيع منفعة، وقد أشرنا في المضاربة إلى شراء العامل من مال المضاربة، والمضارب وكيل، البيع وجه خأخرأ×رأ×رأخر للشراء، وكما جاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لآن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة وبين الغرضين مضادة“.

وهي إن كانت أجرة، تستوفى من مال المضاربة أثناء العمل، فيكون العقد إما بين المضاربة – ككيان منفصل له شخصية إعتبارية – والعامل، أو بين رب المال والعامل، والأغلب ألا تصح في الحالتين لما يلي:

‌أ-   إذا كان عقد الاجارة بين المضاربة والعامل… فإنه يشترط فيه الايجاب والقبول، وهذا يدور بين الوكيل- له مطلق الحرية في التصرف – ونفسه، فلا يصح، جاء في كتاب ضوابط العقود للدكتور عبد الحميد البعلي (ص107-108):

”الأصل في العقود التي لا تتم إلا بتوافق إرادتين أن يتعدد العاقد. ويضيف الدكتور البعلي: أما ما عدا عقد النكاح من عقود المبادلة التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين فالاًصل فيها كما سبق تعدد العاقدين لأن الحقوق فيها ترجع إلى العاقد سواء أكان يعقد بالأصالة أم بالنيابة وهي حقوق متقابلة في زمان واحد والقول بغير ذلك يؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلما وطالبا ومطالبا وهذا محال، ولذا لا يصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً من الجانبين في البيع وشباهه، ويصلح رسولاً لأن الرسول لا تلزمه الحقوق، وكذلك يصح أن يتناول القاضي العقد من الجانبين لأن الحقوق لا ترجع إليه. ويضيف الدكتور البعلي استثناء الفقهاء شراء الأب مال ولده لنفسه وبيع ماله من ولده، والوصي المختار من الأب أو الجد إذا عقد لنفسه من مال اليتيم إذا كان فيه نفع ظاهر وإلا فلا ومنعه محمد من الحنفية لأن القياس يمنع ذلك“.

‌ب- وبفرض أن الإتفاق على عقد الاجارة يتم بين رب المال والعامل… فمن طبيعة الإتفاق توفر الإرادة الحرة والقدر على المساومة، بينما لا يحق لرب مال المضاربة التدخل في قرار العامل، سواء أكان في وصف العمل أو تحديد المنفعة أو الغاية أو بيان المدة. والعامل له مصلحة في زيادة الأجر كمؤجر، وله أيضاً مصلحة في انقاصه كمضارب ليزيد ربح المضاربة الذي له فيه نصيب، وفي هذا تضاد مصالح. بينما رب المال مصلحته في تقليل الأجر، لزيادة ربح المضاربة من جهة، وخوفاً من هلاك ماله من جهة أخرى، وهو في الأغلب لا يملك خبرة المفاوضة والاستئجار، وبدفعه المال مضاربة… قد أسلم هذه الأمور إلى العامل معترفاً بحذقه ومهارته.

فإن اتفقا على الأجر… فسيكون نظير المدة لأن العمل مجهول، فيكون كذا في الشهر أو في اليوم. وعقد الاجارة وهو عقد بيع منافع، ومن طبيعته تأجيل استيفاء المنفعة لأنها تتحقق خلال مدة العقد، ويشترط لاستحقاق الأجر استيفاء المنفعة أو تسليم العين مشتملة على المنفعة، فيكون على رب المال- الطرف المستأجر- استيفاء المنفعة، وهذا سيعطيه حق الإشراف للتأكد من الحصول على المنافع، وهذا لا يجوز في عقد المضاربة وقد يؤدي إلى النزاع.

وهو إن رأى أن يستأجر غيرها مما هو أقل منها تكلفة يكون هذا تدخلاً في عمل المضارب لا يصح منه في عقد المضاربة، وماذا لو كانت العين المستأحرة مشتركة مع الغير كجزء من متجر، لا ينضبط الأجر فيه إلا بتحقق الغاية، ورب المال لا مقصد له إلا النماء، فإن حددا الغاية… فالعامل من يقرر تحققها إلا أن تكون في النماء.

‌ج- وفي الأجر ربح للعامل، ولا يحق لأحدهما أن ينال ربحاً من المضاربة قبل القسمة، وقد يكثر ما يؤجره العامل للمضاربة ويكثر ربحه منه؛ فيعادل أو تفوق أهميته للعامل أهمية ربح المضاربة عنده، فيقل الدافع لديه لتحقيق أعلى ربح للمضاربة. وهو أن أستأجر من نفسه… فإنه قد يتغاضى عن بعض العيوب التي قد تبطأ العمل والتي قد تظهر فيما استأجر، كوسيلة النقل أو الدابة.

ومنع أو كره الإمام مالك اجتماع القراض والإجارة؛ مما يمكن الاستدلال عليه في ما جاء في كتاب فقه المضاربة(ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الإستذكار، للإمام ابن عبد البر: قال مالك: ”لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحداهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الاجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجرا لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل، لان المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً أجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لانه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة ولا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

ويضيف السرخسي في ص 150: ”ولذلك إذا شرط ذلك الأجر لعبد له يعمل معه في المضاربة أو لبيت يشتري فيه ويبيع، فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ولا لبيته، لان المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا، ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون، وعبد المضارب الذي لا دين عليه كسبه لمولاه فالمشروط  له من الأجر كالمشروط للمضارب. ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين أو كان مكاتب المضارب أو ولده أو والده فهو جائز على ما اشترطا، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا لانه من كسب هؤلاء كالأجنبي وله أن يستأجرهم للعمل معه، ويكون أجرهم في مال المضاربة، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة. وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطاً فاسداً. ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه، فهذا شرط فاسد لان عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه، ولو شرط عمل رب المال معه باجر لم يجز ذلك ولا أجر له فيما عمل فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه والربح بينهما على الشرط، لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال وهنا الشرط لايعدم التخلية فان العبد أجير المضارب ويد الأجير كيده“.

وجاء في مفتاح الكرامة(جزء 7 ص 448): ”ولو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق أجرة“.

جاء في روضة الطالبين للإمام النووي (جزء 5 ص 135): ”ثم ما عليه أن يتولاه، لو استأجر عليه فالأجرة من ماله، وما ليس عليه أن يتولاه له أن يستأجر عليه من مال القراض. ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له“.

وجاء في حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج (جزء 6 ص 97): ”وما لا يلزمه من العمل له الاستئجار عليه من مال القراض لانه من تتمة التجارة ومصالحها، ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له. وما يلزمه عمله إن استؤجر عليه تكون الأجرة من ماله“.

ثالثاً – عوض المنافع كنصيب من النماء:

فكر وعمل عامل المضاربة هو منفعة يقدمها لقاء عوض مجهول، هو نصيبه من ربحها، أي إن منفعة المضارب ومنفعة عمله يقاس عوضهما بجزء من النماء، وليس بالأجر لأن العمل مجهولاً وليس مقصودا في المضاربة وإنما المقصود فيها هو النماء. فإذا قدم أحدهما ألة أو داراً… يمكن أن تقاس قيمتها بمقدار النماء الإضافي الذي تحققه هذه العين في رأس المال، وهذا النماء الإضافي- هو في الحقيقة- قيمة المنفعة مضافاً إليه نسبة نماء رأس المال؛ لأن توفير المنفعة للمضاربة وفر مال المضاربة الذي كان سيدفع للغير لقاء هذ المنفعة فاشترى به بضاعة أكثر ربحت مثل نسبة ربح مال المضاربة؛ أي إن أثر هذه المنفعة كان في شراء أكثر وتبعه ربحه، لآن رب المال لم يدفع أو يضمن هذا الجزء من المال… فلا يجوز له شيئاً منه أو من كسبه، ولأن الشراء تحصل من منافع أعيان العامل وهي مال، والعمل منه… فإن النماء الإضافي كله له.

وهذا يختلف عن بعض مشاركات المنافع التي وردت عند الحنابلة، مثل مشاركة الدابة ومن يعمل عليها والشبكة ومن يصطاد بها، فليس في هذه المشاركات رأس مال نقدي يعاد إلى صاحبه وإنماء يقتسمان الرزق كله بينهما.

ويمكن معرفة نصيب هذه الالة أو الدار من الربح كجزء منه، بإجراء دراسة الجدوى الاقتصادية المقدمة من قبل العامل بعد الاتفاق على بنودها، مرة بإدراج الالة بفرض استئجارها من الغير، ومرة دون احتساب أجر لها، والفرق في الربح يعود لها فيحتسب كجرء من الربح الكلي ويخصص للعامل.

ومما سبق… نجد أن لعقد المضاربة طبيعة خاصة والأسلم أن يكون عوض العامل عن منافع أعيانه كنصيب من الربح لا كأجر ولا كرأس مال. وهذا سيقلل الخلاف لأن محاولة تقدير قيمة منافع هذه الأعيان- بالإضافة إلى ما سبق ذكره- قد يتسبب في كثير من الإختلاف أو الغرر أو الغبن بأحدهما؛ لأن هذا التقدير سواء كان كرأس مال أو كأجر… سيتعين على رب المال دفعه من ماله إن لم تحقق المضاربة ربح، وقد يفوز المضارب من المضاربة بمال بينما يصيب مال المالك وضيعة، وهذا سيدفع رب المال عند التعاقد إلى تخفيض هذا التقدير إلى أقصى حد قد يكون فيه غبن للمضارب المحتاج، وربما قد يعطي الحجة لرب المال أن يمارس نوعاً من الإشراف للتأكد من استيفاء المنافع فتفسد المضاربة أو يلحقها الضرر، وقد يقبل العامل مجبراً هذا الخفض في قيمة منافع أعيانه لحاجته للمال، فإن كان الربح وفيراً… لم يناله العوض الصحيح. أما إذا كان هذا التقدير كجزء من الربح… فلن يتشدد رب المال بنفس الدرجة التي كان سيتشدد بها لو كان سيدفها من ماله، ويتوفر عند العامل الحافز الأقصى لتحقيق الربح والذي منه عوض عمله وعمل أدواته وأعيانه، والحافز من العناصر المهمة التي تقوم عليها فكرة المضاربة.

ونلاحظ أن الفقهاء قد اعتبروا عوض عمل البائع في عقد المرابحة في الربح، جاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، للدكتور عبد الله العبادي(ص190): ”أما ما يرى الفقهاء إضافته إلى رأس المال الأصلي في بيع المرابحة فانهم متفقون على أصل الإضافة لرأس المال من نفقات وإن اختلفو في الشيء الذي يضاف أو لا يضاف.

ويوضح ابن رشد(الحفيد) ذلك. بأن تحصل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائداً الثمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم يعد أصل الثمن ويكون له حظ من الربح، وقسم لا يعد أصل الثمن ولا يعد من الربح. فاما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثراً في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ، وأما الذي يحسبه في رأس المال، ولا يجعل له حظ من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد الى بلد وكراء البيوت التي توضع فيها، وأما ما لا يحتسب فيه الأمران جميعاً فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد.

كما أوضح النووي أن البائع إذا قال بعت بما قام على انه يدخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والدلال والحمال والحارس والقصار والرقاء والصباغ، وقيمة الصبغ وأجرة الختان وتطبين الدار، وسائر المؤن التي تلزم الاسترباح.

وذكر الكاساني ان مما يلحق برأس المال مرابحة أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط، والسمسار وسائق الغنم والكراء“.

ومما سبق نجد أن الفقهاء لم يدرجوا قيمة عمل البائع في رأس المال والذي وفقا لمذهب مالك، يتكون من جزءين:

أصل الثمن؛ وهو ثمن الشراء، وما كان مؤثراً في عين السلعة، ويحسب الربح المتفق عليه على هذا الجزء فقط.

ما لا يؤثر في عين السلعة، ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه؛ أي يستأجره من الغير أو يستأجر عليه كالنقل والبيوت وغيرهم، وهذا لا يجعل له حظاً من الربح.

ولا شك أن الفقهاء لم يخف عليهم أن لعمل البائع قيمة، إلا أنهم – والله أعلم – قد فضلوا أن يكون العوض عن عمله في الربح الذي سيناله على أصل الثمن، فهم لو جعلوا له أجراً عن عمله يضاف إلى رأس المال… يصبح أجيراً عند المشتري، فلا يحق له الربح، فهو إن حق له الأجر عن عمله وفكره فيكون ربحه زيادة بغير عوض، وهذا يعارض قواعد الاقتصاد الإسلامي. أضف إلى هذا أن المرابحة مبادلة مبنية على الثقة وأمانة البائع، وهو يعرف بالتحديد قيمة ما دفعه إلى الغير، أما قيمة عمله… فهذا يعود إلى تقديره هو، وقد تكتنفه الجهالة، وهذا لا يصح في عقد يفترض الاتفاق فيه على نسبة الربح فقط، والغرر من الأمور الواجب الابتعاد عنها في العقود فلا تتعدى الغرر اليسير إذا لم يكن في الإمكان إنتفاؤه كلية.

ومما سبق… نجد أن الفقهاء – ونلاحظ أن النووي والكاساني، لم يذكرا قيمة عمل البائع في المقتبس من قولهما أعلاه –  في الأظهر لم يسمحوا للبائع في عقد المرابحة أن يحسب لنفسه أجرا عن عمله، وجعلوا عوضه عن هذا العمل من الربح.

منافع رب المال:

جاء في المغني (جزء 5 ص 29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه، ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

ويتوقع أن يكون نصيب رب المال الذي يدفع مع ماله غلامه ودابته، أكثر من نصيب من لم يدفع سوى ماله، أما القول بأن الربح سيصبح أوفر في الحالة الأولي؛ فينال رب المال الأول أكثر من نفس الجزء… فهذا قد لا يعبر تعبيراً صحيحاً عن حقيقة المعاملة، التي هي من المقابلات.

فلو دفع رجل بألف دينار إلى من يعمل عليها، فاستأجر عاملاً وبهيمةعلى ما لم يلزمه من العمل بمائة، واشترى بتسعمائة، فباع المشتري بألف وثلاثمائة وخمسين أي ربح النصف على ثمن الشراء، وكان الفائض بينهما بالنصف… يكون لكل منهما مائة وخمسة وسبعين.

ولو دفع إليه ألفاً وغلاماً وبهيمة بدون شرط، وكان العامل ليستأجرهما من المال على ما لم يلزمه من العمل؛ فاشترى بالألف، وباع بألف وخمسمائة يكون لكل منهما مائتين وخمسين؛ فيكون العامل قد نال خمسة وسبعين، لا مال له فيها ولا عمل.

فإن قيل إن رب المال تطوع بهذا فالأولى الجواز؛ فإن لم يكن متطوعاً… فله في النماء أكثر من النصف؛ فإن احتسبا- كمسألتنا- يكون له خمسة وستون من المائة في الربح، وللعامل خمسة وثلاثون في المائة منه، ولهما أن يتفقا كما يشاءا إن رغبا في ذلك.

<< previous page next page >>

الفصل السادس

تصرفات رب المال
في مال المضاربة

1- استرداده جزء من رأس المال:

اتفق الجمهور أنه إذا استرد رب المال جزءاً من رأس ماله … يكون الجزء المسترد من المال قد انفسخت فيه المضاربة، والباقي من المال هو رأس مالها.

فإن كان في المضاربة ربح أو خسارة … يوزع الربح أو الخسارة على الجزء المسترد وعلى ما تبقى من المال، وتنفسخ المضاربة في ما أخذه رب المال … فإن عمل العامل في ما تبقى من المال، لا يجبر خسران ما تبقى بربح ما استرد.

يقول ابن قدامة في المغني (جزء 5 ص 58): ”وإذا دفع إلى رجل مائة مضاربة فخسر عشرة. ثم أخذ رب المال منها عشرة. فإن الخسران لا ينقص به رأس المال. لأنه قد يربح فيجبر الخسران، ولكنه ينقص بما أخذه رب المال وهي العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم وتُسع درهم، ويبقى رأس المال ثمانين وثمانية دراهم وثمانية أتساع درهم. وإن كان أخذ نصف التسعين الباقية بقى رأس المال خمسين، لأنه أخذ نصف المال فسقط نصف الخسران“.

وفرَّق الأحناف بين أن يكون مال المضاربة نقداً أو عروضاً، فقالوا إن رب المال إن كان استرد مال المضاربة وهو مازال نقداً دون رضى العامل، فاشترى وباع وربح فقد انتقضت المضاربة والربح كله لرب المال. أما لو استرد المال بعد أن أصبح عروضاً، فباع وربح … كان الربح بينهما على ما شرطا وكان عمل رب المال من قبيل الإعانة للمضارب.

وفي رأي للأحناف أجازوا فيه أن يدفع المضارب المال لرب المال ليعمل معه فيه من قبيل الإستعانة، جاء في البحر الرائق (جزء 7 ص 268): ”ولا تفسد المضاربة بدفع المال إلى المالك بضاعة، لأن رب المال معين للمضارب في إقامة العمل، والمال في يده على سبيل البضاعة“.

إلا أن الرأي الأظهر للأحناف هو بفساد المضاربة في هذه الحالة، قال السرخسي (جزء 22 ص 85): ”وعلى قول زفر رحمه الله رده للمال على رب المال نقضاً منه للمضاربة، لأن رأس المال في المضاربة من جانب العامل عمله، ورب المال لا يجوز أن يكون عاملاً في مال نفسه لغيره، فكان ذلك بمنزله نقض المضاربة“.

2- رده للمعيب:

المعيب هو العرض الذي اشتراه العامل وفيه عيب، وقد يكون العامل على علم به حين اشتراه، ودفع فيه القيمة التي تناسبه، وقد لا يكون قد علم به؛ ولهذا … اجتمع الفقهاء على القول إن من حق رب المال رد العرض المبيع بموافقة العامل، فإن اختلفا، عملا بما فيه المصلحة، أو يحكّمان بينهما من يفصل في الأمر … فإن انتفت المصلحة، يقدم قول العامل عند الشافعية، ويقدم قول المالك عند الحنفية والإمامية.

والمالكية في سياقهم لحق العامل في رد المعيب ولو أبى رب المال، كما جاء في شرح الزرقاني: أن للعامل رده، ولو أبى رب المال. ثم اشترطوا أن يكون ثمن المشترى عرضاً وليس نقداً، وأن يكون ثمنه كل مال القراض، وعللوا ذلك بأن العامل إذا كان قد اشترى العرض المعيب مقايضة وأعاده … عاد ثمنه عرضاً، وإذا كان رأس مال المضاربة عرضاً لم يكن بوسع رب المال أخذه؛ لأن حق العامل قد تعلق فيه بعد أن تحول رأس مالها من الأثمان إلى الأعيان. والذي يلاحظ هنا هو حماية المالكية للعامل من أن يفسخ رب المال المضاربة لهذا السبب متى صار المال نقداً، وكأنهم يرون أن شراءه للمعيب مع حق الخيار في رده، لا ينقص من قدرته، ولا يستدعي أن يفسخ المضاربة من أجل هذا.

3- انتفاعه بعرض من مال المضاربة:

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمالك استعمال أي عرض من عروض المضاربة، إلا بإذن العامل … فإن أبى العامل إلا أن يدفع رب المال أجراً مقابل ذلك … كان عليه أن يدفع أجر المثل لقاء المنفعة.

4- إتلافه لشئ من مال المضاربة:

لو أتلف رب المال أو استهلك شيئاً من مال القراض … يخرج الهالك من القراض وتحسب قيمته وتضاف إليها بقية المال … فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه.

5- شراؤه من مال المضاربة:

إذا أراد رب المال أن يشتري لنفسه شيء من مال المضاربة … اتفق الشافعية والحنابلة والإمامية على أن رب المال لا يحق له شراء شيء من مال المضاربة لنفسه، وإلى هذا .. ذهب الإمام زفر من الحنفية أيضاً، وقد علل هؤلاء سبب المنع بعدم جواز شراء ماله بماله.

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 128): ”لا يجوز للمالك معاملة العامل، بأن يشتري من مال القراض شيئاً، لأنه ملكه كالسيد مع المأذون له“.

بينما قال المالكية يجوز لرب المال أن يشتري من مال المضاربة إن صح قصده بأن كان لا يريد أن يأخذ شيئاً من الربح قبل المفاصلة، جاء في شرح الدردير الكبير (جزء 3 ص 461): ”وجاز اشتراء ربه منه، أي من العامل شيئاً من مال القراض، إن صح القصد، بأن لا يتوصل به إلى أخذ شئ من الربح قبل المفاصلة، بأن يشتري منه كما يشتري من الناس بغير محاباة“. وإلى مثل هذا ذهب الحنفية والزيدية.

6- طلبه الشفعة:

الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه، وهي تملك المشفوع فيه جبراً عن المشتري بما قام عليه من الثمن والنفقات. والأغلب عند جمهور الفقهاء أن رب المال لا شفعة له إذا باع  المضارب داراً تعود للمضاربة، وإلى هذا .. ذهب الأحناف والحنابلة والإمامية، كما جاء في قواعد العلامة (جزء 7 ص 500): ”ولا يصح أن يشتري المالك من العامل شيئاً من مال القراض ولا أن يأخذ منه بالشفعة“.

7- إعطاء رب المال مال المضاربة إلى عاملين:

يجوز عند الجمهور إعطاء مال المضاربة إلى عاملين، ولا يشترط تساويهما في الربح، وليس لأحدهما أن يعمل شيئاً أو يبيع ويشتري دون إذن صاحبه.

8- بيعه مال المضاربة:

أما في أن يتصرف رب المال في عرض من عروض المضاربة كالبيع، فقد أجازه الأحناف بشرط أن يكون بمثل قيمة مثله أو أكثر … فإن كان ثمن البيع أقل … لا يجوز له ذلك إلا بموافقة العامل. وقال المالكية لا يجوز قبل أخذ موافقة العامل سواء كان البيع بمثل قيمته أو أكثر، ويرى الزيدية عدم جواز ذلك مطلقاً.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 100): ”إذا باع رب المال مال المضاربة بمثل قيمته أو أكثر جاز بيعه وإذا باع بأقل من قيمته لم يجز إلا أن يجيزه المضارب سواء باع بأقل من قيمته مما لا يتغابن الناس فيه أو مما يتغابن الناس فيه؛ لأن جواز بيع رب المال من طريق الإعانة للمضارب وليس من الإعانة إدخال النقص عليه“.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – أركان عقد المضاربة

عقد المضاربة

ينعقد العقد بالإيجاب والقبول، وذلك بألفاظ تدل عليها بأن يقول رب المال خذ هذا المال مضاربة و الربح بيننا على كذا من نصف أو ربع، أو غير ذلك من أجزاء الربح. ويقول المضارب أخذت أو رضيت أو قبلت. وأركان عقد المضاربة هي أطراف العقد، ومحل العقد، والصيغه وهي مايدل على الأذن في التصرف بمعني المضاربة. وأركانها أيضا كما ذكرها الجمهور خمسة هى رأس المال والعمل، والربح، والصيغه، والعاقدان، وقد اعترض البعض على اعتبار العمل والربح من الأركان لأنهما يوجدان بعد العقد.

أولاً: المتعاقدان

يشترط فى رب المال وصاحب العمل ما يشترط فى العقود عامة؛ فيشترط في رب المال الأهلية والولايه وما يشترط في الموكل، فيكون ممن يملك فعل ما وكل فيه بنفسه، وفي العامل أن يكون صالحاً وأهلاً لأن يكون وكيلاً وصحة مباشرته لنفسه للتصرف الذي وكل فيه.

رب المال:

صاحب المال هو كل من يملك مالاً، ويريد إنماءه بالمضاربة، وصاحب المال – هذا في أغلب الأحيان – غير قادر على إنماء ماله بنفسه بالكفاءة التى قد يمكن تنمية المال بها إذا دفع به إلي من هو أكثر منه خبرة وعلماً في مجال الإستثمار فالذي يعمل في وظيفة تدر عليه دخل يستطيع إنماء الفائض من ماله بدفعه إلى مضارب، بينما يبقي هو في وظيفته، وكذلك المريض العاجز، وقليل الخبرة، وصاحب الأعمال الذي تكون لديه فائض مالي لا يستطيع توظيفه في العمل الذي يديره هو، والنساء اللاتي يردن خوض مجالات الإستثمار، والعجوز والوصى على أموال اليتامي والوقف، وكل من لديه مال يفيض عن حاجته.

ويجوز أن يكون رب المال من أهل الذمة؛ جاء في بدائع الصنائع في الفقه الحنفي (جزء 5 ص 18): ”ولا يشترط إسلامهما فتصح المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي“.

وكما يكون رب المال في عقد المضاربه شخصًا واحدًا، يجوز أيضا أن يكون عدة أشخاص يشتركون في رأس المال، ويجوز أن يكون شركة، أو حكومة، وكل من لهم أهلية التعاقد والولاية أو مليكة التصرف في المال المعقود عليه.

العـامـل:

العامل هو من لديه الخبرة، ويملك القدرة على القيام بعمل، يتوقع أن ينتج عنه نماء المال، ويشترط فيه الأهلية وما يشترط في الوكيل والشريك؛ فهو موكل ومفوض في التصرف بمال المضاربة؛ فإن تحقق ربح أصبح شريكاً في نماء المال.

ويجوز إعطاء المال إلي عاملين أو أكثر، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه.

وأجاز الأحناف وحدهم للصبي العاقل أن يكون عاملا لرب مال، و لم يشترطوا إذن وليه له بذلك.

وكره جمهور الفقهاء أن يدفع رب المال المسلم ماله مضاربة إلي عامل لا يفقه أمور الحلال والحرام ؛ لأن هذا العامل قد لا يتحرز عن البيع والشراء بالمحرم لعدم علمه وتفقه، وقد لا يعرف الأسباب المفسدة للعقد. وتنتفي الكراهة عند الفقهاء إن كان معه عامل ذو علم ومعرفة، فلا ينفرد بالتصرف دون صاحبه، فلا يقعان في المحرم، ويأمن رب المال إلي حلال ماله وربحه، وأجاز الأحناف أن يدفع المسلم ماله مضاربة إلي الذمي إذا فقه في أمور الحلال والحرام.

ثانياً: شروط المحل أو المعقود عليه

والمعقود عليه هو الربح – وفي رأي اخر هو رأس المال- ويتعين الربح بما يبقي بعد إعادة رأس المال إلي صاحبه، ولهذا كانت لرأس المال شروط، يتعين بها فيعرف الربح وينتفي عنه الجهالة والغرر.

والربح في اللغة معنا النماء فى التجر، وهو الكسب أيضاً وعرف الإمام ابن تيمية النماء الحاصل من عملية المضاربة بأنه ما يولد عن الأصلين (المال والعمل)، والربح هو الزيادة الناتجة عن مبادلة يتقلب فيها المال من حال إلي حال بالعمل.

شروط رأس المال:

أن يكون نقداً معلومًا معينًا ومسلمًا إلي العامل.

1- يشترط في رأس المال أن يكون ذهبا أو فضة مضروبين كالدنانير والدراهيم أو نقداً رائجًا صالحًا للتعامل به، ولا يصح أن يكون عروضاً أو تبراً أو حلياً، ولا يصح أن يكون ديناً أو مالاً غائبًا أو جزافاً.

– وقد أجاز الأحناف، وفي الرأي الأظهر للحنابلة، وفي رأي للزيدية أن يدفع رب المال العروض للعامل على أن يبيعها ويضارب بثمنها،
وقال الظاهرية بمثل هذا،  واشتراطو أن يحدد رب المال ثمن بيع تلك العروض، وإشترط المالكية أن يبيع العروض شخص اخر غير العامل، قالت الزيدية – في رأيهم الآخر – أن يتم العقد على المضاربة بعد بيع وقبض ثمن العروض. أما الشافعية… فقد قالوا بعدم الجواز إن دفع إليه عرضاً وأمره بيبعه والمضاربة بثمنه، وعللوا منعهم بأن ثمن البيع عند العقد مجهول والقراض بالمال المجهول باطل، وبمثل هذا قال الإمامية.

جاء فى بدائع الصنائع (جزء5 ص 82): ”أنه لو دفع إليه عروضاً فقال بعها وأعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز، لأنه لم يضف المضاربة إلي العروض وإنما أضافها إلي الثمن والثمن تصح به المضاربة“.

ويوضح ابن قدامة في المغنى (جزء5 ص 17) سبب عدم جواز
أن تكون العروض رأس مال: ”لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها. ولا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه. وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدي إلي أن يشاركه الأخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح. ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلي التنازع وقد يقوّم الشئ بأكثر من قيمته، ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الأخر في العين المملوكة. ولا يجوز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي أشتراها به، فقد خرج عن مكانه وصار للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فأنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك“.

وذهب بعض الحنابلة والأحناف إلي جواز المضاربة بالعروض المثلية، وتجعمل قيمتها وقت العقد ورأس مال له.

– أما الدين … فإن كان على شخص ثالث غير العامل بأن قال رب المال للعامل أقبض المال الذي لي على فلان واعمل به مضاربة فقبضه وعمل به، يجوز هذا عند الحنفية والحنابلة والزيدية، ولا يصح عند المالكية والشافعية والإمامية، واشترطوا قبض العامل للدين بحضرة صاحبه. أما إذا كان الدين على العامل و قال له صاحب المال اعمل بدينى الذي في ذمتك مضاربة والربح بيننا، فالمضاربة فاسدة على رأي جمهور الفقهاء، وللحنابلة رأيان: رأي يمنعها، ورأي اخر يجيزها؛ إستناد على أنها ليس فى تجويزها أية مخالفة شرعية ”الإنصاف (جزء5ص 431) والمقنع (جزء2ص174)“.

-أما المنفعة.. فلا تصلح أن تكون رأس مال مضاربة؛ لأنها معدومة وقت العقد، جاء عند الشافعية عنها في تحفه المحتاج (جزء2ص417): بأنها لا تصح أن تكون رأس مال في المضاربة. وجاء فى روضة الطالبين (جزء5ص119): ولا يجوز جعل رأس المال سكني دار، لأنه إذا لم يجعل العرض رأس مال فالمنفعة أولى.

2- يشترط أن يكون رأس المال معلوم المقدار والصفة والجنس، ومعيناً تعييناً ينفي الجهالة به؛ كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه، والذي يملكه رب المال وحده، من  الربح الذي يشتركان في ملكيته. جاء في مفتاح الكرامة (جزء 7ص 445): ”أن يكون معلوماً فلاتصح على المجهول قدره“.

3- يشترط أن يكون رأس المال حاضرًا وأن يسلم إلي العامل؛ حتي تتحقق التخلية بين العامل والمال. والأصل في المضاربة أن تكون صيغتها منجزة وأن يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم رأس المال إلي العامل. ويصح عند الحنابلة إضافتها إلي زمن مستقبل، كأن يقول: ضاربتك بهذا المال ابتداء من الشهر القادم. أما تعليقها على شرط مستقبلي فالأغلب عند بعض الفقهاء هو عدم الجواز.

والتخلية تعني تمكين العامل من التصرف في رأس المال وفق مشيئته، ولا تتحقق الإ بتسليم المقارض المال إلي العامل و أن تترك له حرية التصرف فيه.

وأجمعت المذاهب على شرطي تسليم المال و التخلية، وعلى فساد المضاربة إذا اشترط رب المال بقاء المال تحت يده هو، وذهب بعض الحنابلة والإمامية – في رأي أخر- إلي أن المضاربة تصح ولو اشترط رب المال بقاء يده على المال يوفي منه ثمن ما يشتريه العامل.

أما عن عدم ترك حرية التصرف للعامل، كاشتراط رب المال العمل مع المضارب.. فقد ذهب أكثر الفقهاء إلي عد صحة هذا الشرط وفساد المضاربة، فهكذا قال المالكية والأحناف والشافعية، وكذلك رأى الحنابلة والزيدية. جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص85): ”ولو شرط في المضاربة عمل رب المال فسدت المضاربة سواء عمل رب المال معه أو لم يعمل، لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال وأنه شرط فاسد، ولو سلم رأس المال ولم يشترط عمله ثم استعان به على العمل أو دفع إليه المال بضاعة جاز لأن الإستعانة لا توجب خروج المال عن يده، وسواء كان المالك عاقداً أو غير عاقد لابد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة“.

وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الإمامية، يقولون فيه بجواز أن يشترط رب المال عمله أو عمل غلامه مع العامل. جاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص446): ”أما لو شرط أن يكون مشاركا في اليد أو يراجعه التصرف أو يراجع مشرفه فالأقرب الجواز. ولو شرط أن يعمل معه غلام المالك جاز“.

والرأي هو جواز ذلك من قبيل الإستعانة والمراجعة، على أن يكون القرار في يد العامل وحده؛ فتتحقق التخلية بين العامل وبين المال، والتي تعتبر من شروط صحة المضاربة.

وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصى عليه تصرفاته، وقد اتفق جمهور الفقهاء على جواز أن ينيب رب المال من يكون بمثابة المساعد للعامل.

شروط الربح

الربح هو الزيادة الحاصلة في رأس المال نتيجة العمل؛ وهو نماء المال بالعمل. والربح هو ما تبقي عند انتهاء المضاربة بعد إعادة رأس المال إلى ربه. وفيه حق للعامل استحقه لقاء عمله، وحق لرب المال لقاء ماله، فيشتركان في ملكه وفق الشرط.

1- يشترط في العقد أن يتفق صاحب المال وصاحب العمل على نصيب كل منهما من الربح كجزء منه، أو يكتفي بذكر نسبة المضارب دون الإشارة إلي نسبة رب المال؛ لأن الربح تابع رأس المال وهذا لربه، أما المضارب فيستحق نصيبه بالشرط ولهذا توجب بيانه.

ولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه دراهم معلومة أو قدراً معيناً من الربح، لأنه لو اشترط فلا ينال الآخر شيئا، وهذا مخالف المقصود من العقد الذي يراد به نفع كل من المتعاقدين.

وأجاز الزيدية، وحدهم في رأي ثان لهم، أن يشترط أحد المتعاقدين لنفسه مبلغاً من المال إن جاوزه الربح، كما جاء في البحر الزخار (جزء4 ص 82): ” فإن قال أحدهما على أن لى عشرة إن ربحنا أكثر منها، أو مما يزيد عليها، صحت ولزم الشرط، إذ لا مقتضي للفساد“.

2- ويشترط أن يكون  إيراد المضاربة نقداً أو مالاً من نفس جنس رأس المال (إلي أقل حد معادل لقدر رأس المال)، فيعرف الربح الذي يتم توزيعه بينهما.

3- قإن كانا قد اتفقا أن كل الربح للعامل، ولم يذكرا لفظ المضاربة أو القراض أو ما يؤدي إليهما، تصبح قرضأ؛ فيضمن العامل رأس المال، ويكون الربح له الوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال، يكون الربح له والوضيعة عليه. وإن كانا قد اتفقا أن كل الربح لرب المال… تكون إبضاعاً؛ فيكون العامل قد عمل متبرعاً في المال.

فإن نص العقد على أنها مضاربة أو قراض… يكون العقد فاسداً؛ لأن من الشروط المضاربة أن يكون الربح بينهما. والرأي الأغلب هو أن يكون للعامل أجر المثل عن عمله.

ولا يجوز اشتراط جزء من الربح لطرف ثالث أجنبي عن العقد، إلا أن يشترط قيامه بعمل من أعمال المضاربة؛ فيكون بمثابة ما لو دفع رب المال ماله إلي عاملين. وقد اعتبر الحنفية الشرط باطلاً والمضاربة صحيحة في حالة عدم عمله في المضاربة. جاء في الروضة: ”فلو شرط بعضه لثالث، فقال على أن يكون ثلثه لك، وثلثه لزوجتي، أو لابني، أو لأجنبي لم يصح إلا أن يشرط عليه العمل معه، فيكون قراضا مع رجلين“.

أما المالكية فقد قالوا إن المضاربة صحيحة والشرط صحيح؛ لأن طرفي المضاربة لهما أن يهبا مالهما.

4- ولا يجوز أن يشترط لأحدهما ربح صنف، أو مبلغ، أو سفر، أو عملية معينة، كأن يتفقان على المضاربة في عمليتين ربح الأولى لرب المال و الثانية للعامل.

5- ولا نصيب للمضارب إلا من الربح فقط، فلو شرط له شيء من رأس المال، أو منه ومن الربح فسدت المضاربة، إلا أن تكون نفقة سفر، أو نفقة حضر كما جاء عند الحنابلة بالشرط. ولا يجوز للعامل أن يأخذ شيئاً من ربحه، إلا بحضرة رب المال، وإن أخذ شيئاً فهو ضامن لما أخذ وإن أذن له رب المال حتي يتحاسبا فيستوفي رب المال رأس ماله، ثم يتقاسمان الربح على الشرط، فإن لم يك له في الربح مثل ما أخذ رد الزيادة فيما أخذ.

وإذا تلف أو هلك جزء من رأس المال … فإنه يحسب من الربح أولاً؛ لأن الربح وقاية رأس المال، ولأن الربح تبع ورأس المال أصل؛ فإذا تجاوز التالف الربح وسري إلى رأس المال … كانت الوضيعة على رب المال ما لم يتعد العامل.

ثالثاً: شروط الصيغة

الإيجاب والقبول الصادران ممن لهما أهلية وولاية التعاقد، ولا يشترط لفظ معين، بل يتم العقد بكل ما يؤدي إلى معنى المضاربة، ويشترط توافق الإيجاب والقبول. بمعني أن يرد كل من الإيجاب والقبول على معنى واحد فإن اختلفا لا تنعقد.

وذهب المالكية والحنابلة أن القبول يتم بكل ما يدل على الرضا، واعتبروا الفعل قبولاً، جاء في كشف القناع للحنابلة (جزء3ص508) :” وتكفى مباشرته أى العمل قبولاً“ بينما ذهب الأحناف والشافعية إلى إشتراط القبول لفظاً.

ويجب أن ينص العقد على ما يبيح للعامل أن يتصرف فى المال بما يعتاده التجار من بيع وشراء، ويحمل لفظي المضاربة أو القراض هذا المعنى، وعلى أن ينص على تعيين حصة العامل من الربح بجزء شائع. محدد النسبة، وأن يكون رأس المال معلوماً قدراً وجنسا وصفة.

جاء في بدائع الصنائع (جزء6ص80): ”وروى عن بشر عن أبي يوسف في رجل دفع إلي رجل ألف درهم ليشتري بها ويبيع، فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم يخالف ، لانه لما ذكر الشراء والبيع فقد أتى بمعني المضاربة وكذلك لو شرط عليه أن الوضيعة على وعليك فهذه مضاربة والربح بينهما والوضيعة على رب المال، لان شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط وتبقي المضاربة“.

وأجاز الشافعية والحنابلة إجتماع المضاربة والشركة في عقد واحد، والذى يظهر من كلام الأحناف أنهم لا يمانعون ذلك، بينما كره الإمام مالك أن تجتمع الشركة والمضاربة في عقد واحد.

ويشترط لإنعقاد المضاربة: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وذهب الشافعية والزيدية إلى عدم إشتراط اتحاد المجلس. والقبول قد يكون بالفعل كما سبق ذكره؛ كأن يقول له خذ هذا المال واتجر به والربح بيننا؛ فيأخذه ويتصرف به، ولهذا … لم يشترط اتحاد المجلس عند من قال بالإكتفاء بالفعل الدال على القبول.

ويشترط فى الصيغة أن تكون منجزة يترتب عليها أثرها في الحال عند تسليم المال إلي العامل، سواء كان ذلك في المجلس أم بعد ذلك، كما قال الحنابلة وسبق ذكره، وذهب الأحناف والحنابلة والزيدية إلي جواز تعليق المضاربة وإضافتها إلي زمن مستقبلي، بينما ذهب المالكية والشافعية أن العقد لا يقبل التعليق والإضافة.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – المشاركات

ومنها شركة العقد وهي خمسة أنواع ومنها المزارعة والمساقاة.

الشركة:

الشركة عامة هي عقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه، أو على الاشتراك في ربحه دون الاشتراك في رأس المال، أو الإشتراك في أجر العمل، أو الإشتراك فيما يباع ويشتري دون أن يكون هناك رأس مال لهم يتجر فيه. (الشيخ علي الخفيف – في الشركات في الفقه الإسلامي – ص 19، 20).

والشركة عقد جائز غير لازم، وأنواعها:

شركَّة العَّنان : وهي أن يشترك إثنان أو أكثر بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع. ولا يشترط فيها التساوي في المال أو التصرف أو الربح، فإذا كان ثمة خسارة فتكون بنسبة رأس المال.

شركة الأبدان : وهي أن يشترك إثنان أو أكثر بعمل أبدانهما، وليس فيها رأس مال، وتسمى أيضاً شركة الصنائع لأن رأس مالهما صنعتهما، وشركة التقبل لأنهما يشتركان في تقبل العمل، وشركة الأعمال لأنها مشاركة أعمال. وهي جائزة عند المالكية والأحناف والحنابلة. وذهب الشافعية والإمامية الظاهرية إلى بطلانها.

شركة الوجوه : هي أن يشتري إثنان فأكثر دون أن يكون لهما رأس مال؛ اعتماداً على جاههم وثقة التجار بهما، على أن يكون الربح بينهما، وهي أيضاً شركة  الذمم وشركة المفاليس؛ لأنها تقوم على الذمم من غير صنعة ولا مال ويجوز تفاوتهما في ضمان الملك ويكون الربح بينهما على قدر حصص الضمان. وهي جائزة عند الأحناف والحنابلة. وأبطلها الشافعية والمالكية.

شركة المفاوضة : هي عند الأحناف أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما، ويكون كل منهما كفيلاً عن الآخر في كل ما يلزمه من عهدة ما يشتريه، كما أنه وكيل عنه. وصفتها عند المالكية هي أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته، ولا يكون شريكه إلا بما يعقدان الشركة عليه، ولا يشترط تساوي المال. ويرى الحنابلة المفاوضة أن يشتركا في جميع أنواع الشركات، مثل أن يجمعها بين شركة العنان والأبدان والوجوه وذهب الشافعية إلى إبطالها.

المضاربة : هي أن يدفع الرجل ماله إلى من يتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

المزارعة : هي أن يدفع الرجل أرضه إلى من يزرعها على أن يكون الزرع بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

المساقاة : هي أن يدفع الرجل شجره إلى من يسقيه ويقوم عليه على أن يكون الثمر بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

الأرض الزراعية

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه“.

على صاحب الأرض الزراعية أن يزرعها بنفسه، فإن لم يتمكن … فيعيرها من يقدر على زراعتها دون مقابل، أو أن يدفعها إلى من يزرعها بآلته وبذره وحيوانه على أن يكون له جزء معلوم مما يخرج منها. واشترط البعض في هذه المعاملة أن يقدم صاحب الأرض البذر أو الآلة.

أما عن تأجير الأرض الزراعية … فقد منع البعض تأجيرها بجعل ثابت، استناداً إلى نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض. وتعود العلة في المنع إلى أن عقد الإجارة هو عقد تبادل منفعة معروفة بمال معلوم، فالذي يستأجر البيت سوف ينتفع بسكناه ويستطيع رؤية الدار فتتضح المنفعة التى سوف يستفيد منها خلال مدة العقد، أما الأرض الزراعية … فقد يستأجرها المزارع، ويزرعها ويقوم عليها بقصد أن يحصل على منفعتها وهو الزرع، وقد يحصل الزرع وقد لا يحصل؛ فالمعقود عليه هو منفعة الأرض، ويشترط فيه أن يكون مقدور الاستيفاء حقيقة.

وتختلف منفعة الأرض أيضاً عن منفعة سكنى الدار، فمنفعة الأرض المرادة هي في الحصول على نتاجها وليس في زرعها، وقد تتحقق بالعمل والإنفاق عليها، وقد لا تتحقق بهما؛ فقد يقوم عليها المستأجر بماله وجهده ولا تتحقق لآفة تصيب الزرع أو أن لا يسقط مطر ولا يصلها ماء الري. بينما تتحقق منفعة الدار دون عمل، وتتحقق منفعة الآلة بالعمل، وإن لم تتحققا لعيب منهما فلا تجوز الأجرة.

وحيث أن الزراعة تحتاج المال والعمل والأرض؛ والعوض مجهول … كان من العدل اشتراك مالك الأرض والمزارع فيما يرزق الله، وهذا أولى من أن يفوز صاحب الأرض بالأجر دون أن ينتفع بها المستأجر إن لم يصلح زرعها، وفي الحديث الشريف في وضع الجوائح ما يرجح هذا ”أرأيتم إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ وفي رواية أخرى : بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟“.

والعلة الأخرى أن الأرض مال لا يستهلك ولا ينقص؛ أي إنه مضمون بطيبعته ولا يطيب ربحه اتباعاً لقاعدة الغنم بالغرم؛ وفقاً للحديث الشريف الخَراج بالضمان. والقول إن صاحبها قد دفع فيها مالاً جمعه بجهده وعمله، وإنها حزمة منافع مثلها مثل الدار والآلة، يستفاد من منافعها على مر الزمان، فالآلة والدار يستهلكان وينقصان باستهلاك منافعهما، بينما تبقى الأرض على حالها، وما دفعه في شرائها باق فيها ويستعيده حين يبيعها، وله الربح إن باع بأكثر، وعليه الوضيعة إن باع بأقل، وبينما هي في ملكه يدخل عليه جزءاً من محصولها الذي ساهم فيه بالبذر أو غيره من نفقاتها.

وجاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ. وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمُحاقلة. قال والمُحاقَلة كِراءُ الأرض.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي ص 244، 245: ”إذا قلنا إن رأس المال هو مجموع مدخر من مجهودات سابقة في صورة مادية قصد استغلالها في استثمار لاحق، فإن الإسلام يبيح هذا التملك ما دام المستمثر يبذل عملاً أو يتحمل خطراً. والقاعدة الإسلامية في هذا: الغنم بالغرم. ويضيف الدكتور في مكان لاحق: وهذا ينطبق على رجل أدخر مالاً ثم اشترى أرضاً زراعية ولم تسمح له ظروفه باستغلالها بنفسه، هل له أن يكريها أو لا؟ الجواب الذي لا خلاف فيه بالنفي، فكراء الأرض ككراء رأس المال سواء بسواء. ويضيف الدكتور في ص 264 في نفس المرجع وفي معرض المقارنة بين كراء الأرض الزراعية وكراء غيرها فيقول: ما بالنا نسمح لصاحب الدار والآلة أن يؤجر داره وآلته ولا نسمح لصاحب الأرض بمثله، جواب ذلك يسير، فالدار والآلة كلتاهما سلعة استهلاكية وإن كان استهلاكهما طويل المدى، وسيأتي وقت بَعُدَ أم قَصُرَ يصبحان فيه أثراً بعد عين. واستغلالهما هو دون شك استغلال لمنفعتهما؛ يستلزم بحكم الضرورة استهلاكاً للعين ذاتها، وصاحب الآلة والمنزل عليه دواماً أن يعمل على صيانتهما وترميمهما وحفظها من التلف الذي لا يمكن تلافيه كلية سواء استعملا أم أهملا.

ذلك أن طبيعة الأشياء الاستهلاكية أن تفنى باستعمالها، فمالكها مجبر على اقتضاء ثمنها (أو اقتضاء ثمن منفعتها حالة تأجيرها) وإلا استهلكت فاستهلك رأس المال المستغل فيها دون مقابل للجهد المبذول في إنشائها أو صناعتها، وبعبارة أخرى … مثل هذه السلع الإستهلاكية إنما تصنع أو تنشأ حتى يستفيد صاحبها من استثمار عمله فيها، وظاهر أن وضع الأرض مخالف تماماً لمثل هذه السلع، فهي ليست إستهلاكية، ولا تفنى بحكم الاستغلال والاستثمار كما أنها ليست (أو على الأقل ليس أغلبها) من عمل الناس وإنشائهم ولكنها كما سبق القول من عمل الطبيعة ومواهب الخالق تبارك وتعالى. هنا يعرض سؤال آخر : إذ لو قلنا بهذا فما حكم مالك الدار أو الآلة الذي يَرْتَزق من تأجير آلته أو داره ويقوم بعمل آخر؟ هذا عندنا رزق حلال؛ إذ هو أجر لاحق لعمل سابق، وهذا الأجر لن يستمر أبداً بل سينتهى بانتهاء الدار أو الآلة، وحينئذ عليه أن يعمل من جديد ليبني داراً أخرى أو يصنع آلة ثانية، وقياس هذا الوضع بصاحب الأرض بيِّن الخلاف“.

أما من لم يمنع تأجير الأرض إستناداً على الحديث الشريف عن رافع بن خديج – فإما بالذهب والورق فلا بأس – فقد اشترط شروطاً يقدمها المالك مع الأرض كتوفير المياه وغيرها من الشروط التي تقدم منفعة إضافية، أو اشتراط أَلاَّ تدفع الأجرة إلا عند تحقيق المنفعة، أو ربط حق استيفاء الأجرة بسقوط المطر.

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 30، ص257) : ”وسئل رحمه الله عمن استأجر أرضاً، فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع. هل توضع الجائحة؟ فأجاب : إما إذا استأجر أرضا للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق العلماء، بل إن تعطلت بطلت الإجارة بلا فسخ في الأظهر. وأما إذا نقصت المنفعة، فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة، نص على هذا أحمد بن حنبل وغيره، فيقال كم أجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد؟ فيقال ألف درهم. ويقال كم أجرتها مع نقص المطر هذا النقص؟ فيقال خمسمائة درهم. فيحط عن المستأجر نصف الأجرة المسماة، فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل التمكن من استيفائها، فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه“.

ولو افترضنا صحة إكراء الأرض بجعل ثابت … فإن عقد الإجارة هو عقد بيع منفعة معروفة، مقدورة الاستيفاء حقيقة، ويشترط القدرة على تسليم العين مع اشتمالها على المنفعة، والمنفعة هي ما تطلب العين من أجلها، ومنفعة الأرض الزراعية تتمثل في قدرتها الإنباتية، تلك الخاصية التي أودعها لله فيها، ولهذا طلبها الناس؛ فالمباع هنا هو هذه الخاصية ولا يظهر أثرها إلا بصلاح الزرع، ومتى تحقق شروط استيفاء المنفعة وجب الأجر، ولكن هذه المنفعة مجهولة القدر وقت التعاقد، وقد تنبت الأرض محصولاً وافراً أو أقل من ذلك، لهذا … فمن العدل أن يكون الأجر أو ثمن المنفعة متناسباً مع قدر استيفاء هذه المنفعة ولا يكون هذا إلا أن يكون الأجر جزءاً شائعاً مما تنبته، وهذه هي المزارعة.

وإن قيل إن الآفة التي تصيب الزرع لا علاقة لها بخاصية الأرض الإنباتية فالنبات قد ظهر قبل حدوث الآفة … فإن خاصية الإنبات والآفة والريح المدمرة كلها من عند الله سبحانه وتعالى، والخَراج بالضَّمان فصاحب الأرض له من خراجها بضمانه منفعة الإنبات، ولا يستفاد من هذه الخاصية إلا بصلاح الزرع، والمستأجر أو المزارع لا يضمن العين المستأجرة – الأرض شاملة منفعتها – والتي دفع بها صاحبها مزارعة … إلا بما أتلفت يده أو إذا تعدى، والتعدي هنا يكون في عدم زرعها أو إهمالها مما يؤدي إلى تلف الزرع أو أن يتعمد إتلافه … فإن تعدى يكون عليه ضمان ما أتلف وهو قيمة المنفعة وتحسب بنصيب صاحب الأرض في مزارعة مثلها، وعليه إصلاح الأرض إن أصابها ضرر.

المــزارعــة

معنى المزارعة في اللغة هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ومعناها هنا هو إعطاء الأرض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب بجزء شائع، مما يخرج منها كالنصف أو الثلث أو وفق ما يتفقان عليه.

والمزارعة هي نوع من التعاون بين المزارع وصاحب الأرض بقصد الكسب لهما، فقد يكون المزارع ماهراً في الزراعة وهو لا يملك أرضاً، وقد يكون مالك الأرض عاجزاً عن زراعتها، فشرعها الإسلام لما تعود به بالنفع على الطرفين وعلى المجتمع ككل. وهي مشاركة بين الطرفين في النماء الحاصل بالعمل.

وقال محمد الباقر بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا ويزرعون على الثلث والربع. ويستدل من هذا انتشار المزارعة في المدينة. وزارع على رضى الله عنه وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين. رواه البخاري.

ويشترط أن يكون نصيب كل طرف غير معين بمقدار أو بجزء معين من مساحة الأرض أو بنوع مما تنتجه لو اختلف نتاجها، بل يكون نصيب كل طرف جزء مما تنتجه الأرض فيتساويا في النوع والجودة وغيرهما مما قد يختلف فيه الزرع أو الثمار، فيأخذ كل منهما نصيبه الذي اتفق عليه. وقد اشترط هذا لضمان عدالة توزيع منافع هذه المعاملة … فإن اشترط جزء معين من الأرض لأحدهما … فقد يسلم الزرع في هذا الجزء، ويهلك في الجزء الآخر فيظفر بالثمر والزرع من اشترط له، ولا ينال الآخر شيئاً، وتكون المزارعة في هذه الحالة فاسدة لما فيها من الغرر والجهالة، ولأنها تؤدي إلى النزاع والشقاق.

وقد ذكر البخاري في صحيحه : أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عامل الناس على : إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشَّطر (النصف)، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا.

حديث جابر : عن الأوزاعي عن عطاء بن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن أبى فليمسك أرضه.

(البخاري)

أحاديث رافع بن خديج : روى البخاري عن رافع ابن خديج قال : كنا أكثر أهل الأرض – أي المدينة – مزروعاً، كنا نكري الأرض بالناحية منا تسمى لسيد الأرض، فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا.

وروى مسلم عن رافع بن خديج قال : إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله بما على الماذيانات – ما ينبت على حافة النهر ومسايل الماء وإقبال الجداول – أوائل السواقي وأشياء من الزرع. فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كرى إلا هذا فلذلك زجر عنه.

وروى البخاري عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما تصنعون بمحاقلكم (مزارعكم)؟ قالوا نؤجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال : لا تفعلوا – ومعنى هذا أنهم كانوا يحددون لهم مكيلاً معيناً يأخذونه من فوق الرؤوس – كما يقال – ثم يقتسمون الباقي مع المزارعين على الربع.

وعن البخاري عن أن رافع بن خديج قال لابن عمر حين سأله ابن عمر وكان يكري مزارعة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. فقلت : بالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس. رواه الخمسة إلا الترمذي. وفي لفظ آخر : فأما بشئ معلوم مضمون فلا بأس.

والحديث المسند إلى رافع بن خديج في كراء الأرض بالذهب والفضة يبطله ما ورد عن عيسي بن سهل بن رافع انه قال : إني يتيم في حجر جدي رافع بن خديج وحججت معه، فجاء أخي عمران بن سهل قال : أكرينا أرضنا فلانة بمائتي درهم. فقال : دعه فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي ص 254 : ”وقد جاء في كتب الحديث الصحيحة ما لا يدع مجالاً للشك في أنها جميعاً تحرم كراء الأرض لا بذهب ولا بفضة ولا بغير ذلك. وقد فصل ابن حزم في المحلى هذا البحث وأورد كثيراً من الروايات التي تبطل ما أسند إلى رافع بن خديج قوله : فأما بالذهب والورق فلم ينهنا“.

وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف رضى الله عنهم. فكان طاووس فقيه اليمن والتابعي الجليل يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالربع والثلث بأساً. ولما احتج عليه بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض؛ قال: قدم علينا معاذ بن جبل – مبعوث رسول الله إلي اليمن – فأعطى الأرض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم. (فكأنه يرى الكراء المنهي عنه هو الكراء بالذهب والفضة أما المزارعة فلا بأس) – وقد روي مثل هذا عن محمد بن سيرين وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنهما كانا لا يريان بأساً أن يعطي أرضه على أن يعطيه الثلث أو الربع أو العشر، ولا يكون عليه من النفقة شيء. (كما ورد في كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي).

المُســـاقاة

وهي دفع الشجر المثمر لمن يقوم بسقيه ويتعهده حتى يبلغ تمام نضجه نظير جزء معلوم من ثمره. فهي مشاركة بين صاحب الشجر والمساقي يكون فيها الشجر من جانب والعمل فيه من جانب، والثمرة الحاصلة مشتركة بينهما بنسبة وفق ما يتفقان عليه كالنصف والثلث ونحو ذلك.

وقد اتفق الفقهاء على جوازها للحاجة إليها، ما عدا أبى حنيفة الذي رأى أنها لا تجوز.

وفي نيل الأوطار : قال الحازمي : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلي وابن شهاب الزهري، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، فقالوا : تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع. قالوا : ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين، فتساقيه على النخل وتزارعه على الأرض كما جرى في خيبر.

ويشترط في عقدها ما يشترط في العقود، وصيغتها الإيجاب والقبول. ويشترط فيها أيضاً أن يكون الشجر المساقي عليه معلوماً، وأن تكون مدتها معلومة ولو انتهت مدتها قبل نضج الثمار … تترك للمُساقي إلى أن تنضح، وأن يكون العقد قبل بدء الصلاح، وأن يكون للمساقي جزء معلوم مشاع من الثمر كالنصف والثلث.

وتفسد المساقاة متى فقد شرط من هذه الشروط، فإن كان قد مضى فيها المساقي ونما الشجر بعمله فله أجر مثله، ونَماء الشجر لمالكه.

وجاء في بداية المجتهد: ”واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط – أي صاحب الشجر – وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لأنها إجارة بما لم يخلق“.

وما يقوم به المساقي من عمل كما جاء عن النووي: ”إن عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر، واستزادته مما يتكرر كل سنة، كالسقي وتنقية الأنهار وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنحية الحشيش والقضبان عنه وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك“.

وقال مالك : ”إذا عجز العامل وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره، ووجب عليه أن يستأجر من يعمل. وإن لم يكن له شئ استؤجر من نصيبه من الثمر“.

وقال الشافعي تنفسخ المساقاة بالعجز.

وإذا مات أحد المتعاقدين … يستمر العمل في الشجر، الذي لم يبد صلاحه، حتى ينضج.

 

معاملة الأنصار والمهاجرين:

روي البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنهما إن الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال : لا. فقالوا – أي قالت الأنصار للمهاجرين – تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا : سمعنا وأطعنا؛ أي إن الأنصار أرادوا أن يشركوا معهم المهاجرين في النخيل؛ فعرضوا ذلك على رسول الله ” فأبى فعرضوا أن يتولى المهاجرين المؤونة ولهم الشطر من الثمر فأجابهم.

ومن الصعب القياس على هذه المعاملة لظروفها الخاصة، وكونها لاحقةً للعرض الأول، وهو أن يَهِبَ الأنصار بعض نخلهم للمهاجرين. والمنح قد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه. والقصد هنا – والله أعلم – أن تُعَارَ الأرض لا أن تملك، وأن يكون صاحبها غير قادر أو غير راغب في زرعها، وأن من تعطى له قادر على زراعتها. ولم تكن لدى المهاجرون خبرة الزراعة، فأبقى الرسول صلى الله عليه وسلم الأرض على ملك أصحابها من الأنصار، ونتج عن هذا أن تعلم المهاجرين حرفة الزراعة وانتفع الجميع بما يخرج من الأرض.

يهود خيبر:

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشَطْر ما يخرج منها من زرع أو ثمر.

ومن الروايات الأخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفع أرض خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم، بشَطْر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

وقد روي عن مالك مرسلاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لليهود: أقركم ما أقركم الله.

وروي عن هشيم أخبرنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : ”دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر – أرضها ونخلها – إلى أهلها مقاسمة على النصف“.

وجاء فى المغنى لابن قدامة (جزء5 ص 384): ”هذا أمر مشهور عمل به رسول اللهصلى الله عليه وسلم  حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدين حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق فى المدينة أهل بيت إلا عمل به. وعمل به أزواج النبى صلى الله عليه وسلم من بعده … ومثل هذا مما لا يجوز أن ينسخ، لأن النسخ إنما يكون فى حياة رسول الله صلعم  فإما شئ عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفاؤه بعده وأجمعت الصحابة – رضوان الله عليهم – عليه، وعملوا به ولم يخالف فيه منهم أحد. فكيف يجوز نسخه؟ فإن كان نسخه فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فكيف عمل به بعد نسخه؟ وكيف خفى نسخه فلم يبلغ خلفاءه مع إشتهار قصة خيبر وعملهم فيها؟ فأين كان راوى النسخ حتى لم يذكروه ولم يخبرهم به“.

واعتمد الفقهاء على معاملة خيبر فيما اعتمدوا عليه فى جواز المزارعة، بينما اعتبرها بعض الفقهاء شاذة عن القاعدة؛ لأن أرض خيبر هى أرض فيء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن هزمهم، قبل رجاءهم بأن يبقيهم، يعملون فى الأرض ويشاطرهم نصف ما يخرج منها. وهذه المعاملة لم تتوفر فيها إرادة أحد الطرفين الحرة، وعليه … فلا يجوز عندهم التشريع على أساسها، وهذا صحيح إلا أن ما عمل به الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم من مزارعة صحيح أيضاً، ولا ينطبق شذوذ معاملة يهود خيبر على المزارعات الأخرى التى عمل بها.

ولهذا فمعاملة خيبر وغيرها من المزارعات، يقاس عليهم بجواز المزارعة والمساقاة، ولأن هذه المعاملات من المشاركات مثل المضاربة ولا يشوبها ما يؤدى إلى أكل المال بالباطل أو ربا أو غَرر، أو ظلم لأى من المتعاقدين.

ويقول ابن تيمية فى مجموع الفتاوَى (جزء30 ص 226): ”إن المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر، وكلاهما جائز عند فقهاء الحديث كالإمام أحمد وغيره، مثل ابن خزيمة وابن المنذر وعند ابن أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد وعند الليث ابن سعد وغيرهم من الأئمة جائزة، كما دل على جواز المزارعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع أصحابه من بعده، والذين نهوا عنها ظنوا أنها من باب الإجارة، فتكون إجارة بعوض مجهول وذلك لا يجوز“.

ويضيف فى صفحة 356: ”ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة، فإن المؤاجرة مخاطرة والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فإنهما يشتركان فى الغنم والغرم، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما فى المؤاجرة“.

ويقول ابن تيمية فى مجموع الفتاوى (جزء29 ص94): ”وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم، كأحمد بن حنبل وأصحابه كلهم من المتقدمين والمتأخرين، وإسحاق بن راهوية وأبى بكر بن أبي شيبة وسليمان بن داوود وأبى خيثمة زهير بن حرب، وأكثر فقهاء الكوفة كسفيان الثورى ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد صاحبى أبى حنيفة، والبخاري صاحب الصحيح، وأبى داوود وجماهير فقهاء الحديث من المتأخرين، كابن المنذر وابن خزيمة والخطابي وغيرهم، وأهل الظاهر وأكثر أصحاب أبى حنيفة إلى جواز المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف“.

<< previous page next page >>