الفصل السابع – القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد ان يسلم رأس المال إلى صاحبه، فلا يكون ربح إلا بعد كمال رأس المال وما تبقى من المال بعد إعادة رأس المال يكون ربح المضاربة فيقسمانه على الشرط الذي اتفقا عليه.

ومن الأمور المهمة في المضاربة هو متى يملك ومتى يستحق أو يأخذ العامل نصيبه من الربح، والملك يقصد به هنا هو الملك الذي يعطي لصاحبه  الحق في المال ونمائه ولا يعطيه الحق في التصرف به خارج نطاق المضاربة، أي أن المال ماله الا أن تصرفه فيه مقيد بشروط عقد المضاربة فلا يجوز له أخذه من مال المضاربة إلا بعد القسمة، والاستحقاق هو الملك التام الذي يمنحه الحق في أخذ المال والتصرف فيه كما يشاء. والسؤال هو هل يملك المال بالظهور أم بالقسمة وتسليم رأس المال إلى صاحبه؟

قال ابن رشد (جزء 2 ص 237): ”ولا خلاص بينهم ان المقارض انما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال وانه ان خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح“.

ويقول ابن حزم في المحلى (جزء 8 ص 248): ”وما ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه. فإن لم يفعلا وتركا الأمر بحسبه ثم خسر في المال فلا ربح للعامل، وأما اذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه، فإن لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما وذلك مباح“.

ويقول ابن قدامة (جزء 5 ص 41): ”وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال، يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران وربح جبرت الوضيعة من الربح، وسواء كان الخسران والربح في مرة واحدة أو الخسران في صفقه والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى، لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح“.

وقد اتفق الفقهاء في كل المذاهب أن الخسارة في المال بعد تصرف العامل فيه تجبر بربح ما بعدها، إلا أن ينضض المال ويعاد ما بقى منه إلى صاحبه، فإن دفعه إلى العامل… كانت مضاربة جديدة لا يجبر ربحها خسارة السابقة. أما إذا كان التلف قد أصاب بعض المال قبل أن يتصرف العامل فيه… فإن المضاربة تفسد عند بعض الفقهاء في الجزء الذي هلك فقط، وتصح فيما سلم وبقى من رأس المال، فلا يجبر ربحه ما تلف قبل التصرف. وقال المالكية- وفي رأي عند الشافعية والإمامية- إن الربح يجبر ما تلف، إلا إذا أعاد العامل الباقي إلى رب المال فدفعه إليه رب المال مضاربة جديدة.

وقد قالت الحنابلة والزيدية والإمامية والشافعية في رأي لهم، إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وقالت المالكية والأحناف والشافعية في الرأي الأظهر عندهم، وفي رأي ثان عند الإمامية إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وللإمامية رأي ثالث… يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند إنضاض المال.

ومنع الأحناف والمالكية، وفي الرأي الأظهر عند الشافعية أن يأخذ أحد المتعاقدين شيئاً من الربح قبل القسمة، قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل فيه فربح، فأراد أن يأخذ حصته من الربح وصاحب المال غائب، قال: لا ينبغي له أن يأخذ منه شيئاً إلا بحضرة صاحب المال؛ وإن أخذ شيئاً… فهو له ضامن حتى يتحاسبا ويتفاصلا والمال غائب عنهما، حتى يحضر المال فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على شرطهما.

واتفق الفقهاء أن العامل لو أخذ نصيبه من الربح بعد القسمة بإذن رب المال والمضاربة مازالت بحالها، وحدث بعد ذلك خسر في المال لزمه رد ما أخذ من ربح؛ أي إن القسمة ليست انتهاء مضاربة وبدء مضاربة جديدة، ولا يكون هذا إلا برد المال إلى ربه واقتسام الربح بينهما وقبضه فتنتهي المضاربة. بينما قال الزيدية والظاهرية إن القسمة مانعة من استرداد الربح، وقالت الأحناف والمالكية بعدم جواز أخذ أحدهما شيئاً من الربح قبل القسمة وسلامة رأس المال.

مما سبق… نجد أن الصورة العامة لما تتفق عليه المذاهب هي كما يلي(والمذاهب التي أجازت ملك العامل للربح عند ظهوره تجيز بالطبع ذلك عند القسمة):

1- يجبر الربح خسارة ما سبقه، وتنجبر الخسارة من ربح ما سبقها، ما دامت المضاربة مستمرة ولم يقتسما المال، إلا أن تكون الخسارة قبل التصرف لسبب قاهري خارج عن إرادة العامل.

2- إن الربح لا يجب اعتبار تقديره والمال عروض، ولا يعرف إلا عندما يكون المال ناضا، فإذا أصبح المال ناضا وظهر فيه ربح، فإما أن يعاد رأس المال إلى ربه ويقتسمان الربح بينهما فيأخذ كل منهما نصيبه من الربح  وتنتهي المضاربة، أو أن يستمر العامل في المضاربة فيشتري ويبيع… فإن خسر يجبر ربح البيع الأول خسارة البيع الثاني.

وإن أصبح المال ناضا وظهرت فيه وضيعة، فإما أن يعيد العامل ما بقى من مال إلى ربه وتنتهي المضاربة، وإما أن يستمر العامل في المضاربة… فإن ربح جبر ربح التجارة الثانية خسارة الأولى.

3- يمتلك العامل ورب المال نصيبهما من الربح عند القسمة ورد رأس المال.

4- إذا أخذ العامل جزءاً من ربحه قبل القسمة وإن إذن له رب المال… كان هذا المال الذي أخذه بمثابة دين في ذمته وكان ضامنا له، حتى تتم القسمة ويرد رأس المال إلى صاحبه… فإن كان نصيبه من الربح أقل مما أخذ… فعليه أن يرد الفرق، وإن أصابت رأس المال وضعية رد كل ما أخذه.

5- إن المضاربة التي يتاجر فيها العامل عدة مرات, تعتبر مضاربة واحدة يجبر ربح تجارة فيها خسارة الأخرى.

6- تختلف النتيجة كليةًً إذا أعاد المضارب المال- سواء كان فيه ربح
أو خسارة- بعد كل تجارة وعند كل نضوض للمال فاقتسم مع رب المال, ثم دفع رب المال المال إليه قراض جديد ليتجر به, لا تنجبر خسارة تجارة بربح أخر، فيكون للعامل نصيبه من ربح كل المضاربات التي ربحت، ولا شيء عليه من وضيعة المضاربات التي خسرت.

ولو أخذنا بما سبق … نجد أن مصلحة العامل في إجراء القسمة لإنهاء كل مضاربة سواء كان فيها ربح أو خسارة، ومصلحة رب المال في الاستمرار إلى أن يحتاج المال، وللعامل حق إنهاء المضاربة كلما نض المال، فما الذي يدعوه إلى الاستمرار؟ قد يكون السبب خوف العامل ألا يدفع إليه رب المال المال مرة أخرى, فيستمر في العمل آملاً في تحقيق الربح إن كان خسر أول مرة أو زيادته لعدم ظنه الخسارة في التجارة الثانية. لكن رب المال له نفس الحق في إنهاء المضاربة وعند المالكية متى نض المال، وهو لن ينه المضاربة إن كان ينوي الاستمرار، فمصلحته أن يبقي كل الربح لتعويض ما قد يحدث في المستقبل من خسارة، ولا يعني هذا ظنه الخسارة لأنه إن ظن هذا… فلن يترك المال في يد المضارب، وإنماء لكون الربح الأول بمثابة عامل أمان ووقاية لرأس المال ومقصده… لم يزل في تحقيق الربح.

ورأى الحنابلة والإمامية وغيرهم أن العامل يملك الربح عند ظهوره أو عند إنضاض المال، والأغلب أن الحنابلة قصدوا بالظهور ظهوره عند إنضاض المال؛ لأنه إن لم ينض المال يكون الربح تقديراً جزافياً وهذا لا يعتد به لما يكتنفه من جهالة، هذا الرأي قد لا يتعارض مع الآراء الأخرى إن قصد غيرهم استحقاقه بمعنى أخذه من المال وهذا لا يحق له إلا بعد القسمة وإعادة رأس المال إلى صاحبه.

يقول ابن قدامة في المغني * (جزء 5 ص 57): ”لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح ولا نعلم في هذا خلافا، وأما ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرد الظهور قبل القسمة فظاهر المذهب أنه يثبت. هذا الذي ذكره القاضي مذهباً، وبه قال أبو حنيفة. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يملكه إلا بالقسمة، وهذا مذهب مالك. وللشافعي قولان كالمذهبين. واحتج من لم يملكه بأنه لو ملكه لاختص بربحه، ولوجب أن يكون شريكاً لرب المال كشريكي العنان“.

والربح مال حقيقي وقد جد فعلاً بعد التجارة الأولى، وهو مال يجب أن يكون له صاحب، والمضاربة هي عقد مشاركة في النماء، ومتى تحقق النماء … تحققت المشاركة فأصبح النماء مملوكاً بالشرط. أما استحقاق العامل حق التصرف فيه فيكون وفق شروط العقد، وهو بعد تسليم رأس المال إلى صاحبه، أما إذا قلنا أن المال مال المضاربة، وشركة المضاربة بشخصيتها الاعتبارية تملكه حتى تنفسخ أو تنتهي… لوجب إعادة صياغة أحكامها؛ لأنها مبنية على أن المال ملك رب المال، وأن العامل وكيل عنه في التصرف، فإن تحقق ربح فهي مشاركة في الربح، وهذا ما يجب أن يكون لطبيعتها الخاصة ولا يصح تغييره، وقال الحنابلة في المغني* (جزء 5 ص 57): ”أن هذا الربح مملوك فلا بد له من مالك، ورب المال لايملكه اتفاقاً، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يملكه للمضارب، ولأنه يملك المطالبة بالقسمة فكان مالكاً كأحد شريكي العنان. ولا يمنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب رأس المال من الربح، وبهذا امتنع اختصاصه بربحه. ولأنه لو أختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر مما شرط له ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه“.

جاء في كتاب الأم – المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، الطبعة الأولى 1321هـ (جزء 2 ص 235): ”قال الشافعي رحمه الله لا يجوز أن أقارضك بالشيء جزافا لا أعرفه ولا تعرفه. فلما كان هكذا، لم يجز أن أقارضك إلى مدة من المدد وذلك أني لو دفعت إليك ألف درهم على أن تعمل بها سنة، فبعت بها وأشتريت في شهر بيعا فربحت ألف درهم، ثم اشتريت بها كنت قد اشتريت بمالي ومالك غير مفرق، ولعلي لا أرضى بشركتك فيه، واشتريت برأس مال لي لا أعرفه، لعلي لو نض لي لم آمنك عليه أو لا أريد أن يغيب عني كله“.

فإن سلمنا بأن نصيب العامل من الربح مملوك له، وليس لأحد غيره ملك فيه، فإن له حقاً في نماء هذا المال إذا نما، فإن عمل بعد ذلك… كان هذا الجزء من المال منه والعمل منه، فكان له كل ربحه وعليه كل خسارته، فإن لم يكن له ذلك، فلمن يكون ورب المال لا مال له فيه ولا عمل؟ وقد يقال إن رب المال لن يصيب منه شيء أبداً، لأنه في حال الربح سيأخذه العامل، وفي حالة الخسارة … سيأخذ رب المال رأس ماله منقوصاً. وهذا ليس صحيحاً في حالة الربح؛ لأن الشرط في المضاربة التي عقداها أن العامل نصيبه من نسبة الربح العائدة إلى العمل، ورب المال يأخذ نسبة الربح العائدة إلى كل المال؛ فتشمل الجزء المخصص للمال من نماء الربح السابق للعامل، فيأخذ رب المال ما لا حق له فيه.

وبالطبع … لو اشترى العامل سلعة بنصف المال، وسلعة أخرى بنصف المال الثاني، تنجبر خسارة الأولى بربح الثانية، ولا حق أو ملك في ربح الأولى لأن المال لم يصبح كله ناضاً بعد، وكذلك لو أخر الثانية فاشترى بها بعد تنضيض الأولى وكذا؛ أي إن المال كله لم ينضض في وقت واحد، فنضوض كل المال شرط من شروط معرفة الربح، وهو لا يملك الربح إلا بظهوره ناضاً ومنفصلاً عن رأس المال.

فإن نض كل المال وظهر فيه ربح… فيمكن للعامل أن يقوم بإعلام رب المال باجتماعهما أو بالكتابة إليه بذلك، بحضور المال ل أو بحضور ما يفيد وجوده كوديعة في بنك وخلافه، فيقتسمان وإن اختارا استمرا وكان حكم الاستمرار حكم مضاربة جديدة… فإن أبقيا المال كما كان، يكون العامل شريكاً بربحه السابق ومشاركاً بعمله، وإن وزعا الربح فلرب المال أن يدفع رأس مال جديد إلى العامل في مضاربة جديدة، وللعامل أن يشارك في رأس مالها إن أراد ذلك دون شرط عليه.

جاء في كتاب الأم (جزء 2 ص 237): ”المحاسبة في القراض: قال الشافعي رحمه الله: وهذا كله كما قال مالك إلا قوله يحضر المال حتى يحاسبه فإن كان صادقا فلا يضره يحضر المال أو لا يحضره“.

ولا يوجد سبب يوجب عليهما- إن كان ما رغبا فيه هو مضاربة  جديدة – أن يتم تحويل المال من البنك إلى رب المال ثم إعادة تحويله مرة أخرى من حساب رب المال إلى العامل، وهذه تكاليف لا داع لها والعقود بالنيات والمقاصد، وطالما أنه ليست هناك شبهة في عدم وجود المال وأظهرته المستندات الثبوتية البنكية، وطالما أن الحساب النهائي والقسمة تم تثبيتها كتابياً، ثم عقدت المضاربة الثانية وفق الشروط الصحيحة، ولم يتخلل القسمة أو الحساب أو الاتفاق جهالة أو غرر أو ما قد يوشبها… فالأولى الاعتبار بها وإن لم يتم التسليم باليد، فهو قد تم حقيقة بالاتفاق والكتابة.

أما إذا وجد المضارب الخير في الاستمرار لعدم قدرته الاتصال برب المال، أو لأي سبب وجيه آخر يمنعه من ذلك… فله أن يستمر في المضاربة؛ فإن فعل تنجبر خسارة تجارة من ربح غيرها… إلا أنه يجب التنويه هنا أن من العدل اشتراط أن يعلم المضارب رب المال كلما نض المال إذا تيسر ذلك؛ وخاصة وإن المالكية قد قالوا إن العقد ملزم إذا كان المال عروضاً؛ فرب المال له حق في المال وقد يحتاجه، أو قد يعجل العامل بشراء العروض؛ ليبقى المال في يده إن هو خسر في أول تجارة. وإن كان العقد غير ملزم عند جمهور… إلا أن فسخه أصعب والمال عروض عن فسخه وهو ناض.

وموضع توزيع الأرباح بصورة دورية له بالغ الأهمية عند البنوك الإسلامية، لأهميته في إرضاء المودعين ولما جرت عليه العادة في هذا الزمان، والمودع وهو رب المال قد يحتاج الربح ولكنه يرغب في إعادة إستثمار ماله، والعامل من مصلحته إنهاء المضاربة عند كل إنضاض لحفظ حقه في الربح… إلا أنه يرغب أيضاً في الاستمرار، ومن طبيعة البنوك أنها تحبذ توزيع أرباح دورية لتجذب مودعين جدداً، ومتى اتفقت وصلحت النيات، يمكن الاتفاق بينهم- والمال ناضا في حساب البنك- على القسمة وبدء مضاربة جديدة، دون الرجوع إلى الشكليات كتسليم المال إلى المودع؛ لأن المال في الحساب البنكي هو أصلاً ملك المودع والبنك  وكيلا عنه في التصرف.

ولا يجوز بأي حال توزيع أرباح مضاربة  على المودعين أو العامل والمال أو بعض المال عروض، لما سيكتنف هذه التقديرات من جهالة ولأن الربح قد تعقبه خسارة… فإن أراد البنك توزيع أرباح تقديرية دورية إلى أرباب الأموال، فإما أن يكون هذا المال الموزع من احتياطي البنك كقرض من البنك يُسترد عند إعادة رأس المال، أو من رأس المال لأن رب المال له أن يسترد جزءاً من رأس المال برضى العامل في الرأي الأظهر، فينقص رأس مال المضاربة بهذا القدر، ولا يعاد إلا المتبقي منه عند إنضاض المشروع والقسمة، فيحتسب الربح بما يتبقى من مال المضاربة بعد إعادة رأس المال المنقوص. ولا يجوز توزيع أرباحاً تقديرية إلى البنك أو العامل؛ لأن لا مال لهما لأخذ ما دفع لهم إذا خسرت المضاربة في النهاية، ولأن المال الذي أخذاه ينقص رأس المال المضارب به وتقدير الربح لا يمكن الاعتبار به وبعض المال عروض.

وقد ذهب البعض- في عصرنا هذا- إلى الأخذ بتقدير الربح في الاستثمار الجماعي، ونحن إن كنا نتفق معهم في هذا فيما يتعلق برب المال، إما: بانقاص ماله أو بتضمينه لما أخذ والأصح إنقاص ماله، نجد أن تطبيقه فيما يتعلق بالمضارب لا يصح ولو بضمان منه برده إن كان في المال وضيعة فيما بعد؛ لأن المال يكون قد نقص فتقل التجارة ويقل الربح عما كان يجب أن يكون، إلا بالأذن الصريح من رب المال ويكون قرضاً للمضارب؛ فرب المال وحده له حق انقاص المال.

وأخيراً … تجدر الإشارة هنا إلى مسألتين لهما علاقة بهذا الموضوع، الأولى: أن الفقهاء قد منعوا خلط الأموال بعد بدء العمل؛ خاصة إذا اشترط رب المال هذا الخلط، حتى لا تنجبر خسارة مال من ربح الآخر فيصيب العامل ضرراً من جراء ذلك، وهذا مثل ما يحدث في المضاربات التي تتعدد فيها التجارة والأسفار دون قسمة.

والثانية: إن المضاربة منذ العصر الجاهلي حتى القرن الماضي، والتي تعلقت بسفر، مثل مضاربات قوافل الشام واليمن في الجاهلية والعصر الإسلامي ألاول… كان التاجر يأخذ المال في مكة؛ فيشتري بضاعة يتجه بها إلى الشام فيبيعها وينضض المال، فيستحيل عليه أن يقتسم وصاحبه في مكه، فيشتري بضاعة من الشام يحملها إلى مكة فيبيعها فينضض المال ثم يذهب إلى صاحبه فيعيد له رأس ماله، ويقتسمان الربح على شرطهما. وهو إن ربح في تجارة الذهاب، وخسر في تجارة الإياب جبر ربحه الأول الخسارة التالية، فليس هناك سبيل آخر للقسمة إلا أن تكون كلمة المضارب مصدقة، وهذا قد يؤدي إلى النزاع والخصام، وقد يستغله بعض النفوس الضعيفة من أصحاب العمل، ولو نظرنا إلى المصلحة العامة… لوجدنا أن اعتبارها مضاربة واحدة هو الصحيح في هذه الظروف، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء، فالمصلحة تفوق احتمال الضرر والذي قد يندر حدوثه لما سبق ذكره عن ربح هذه المضاربات شبه المؤكد، وفي حالة الربح… فإن الفرق متناه في الصغر ولا يعتد به إذا كان في تجارتين أو ثلاث.

أما… وقد تيسر الاتصال الهاتفي والبرقي وقربت المسافات بوسائل السفر الحديثة، فلا سبب يدعو لعدم حساب كل تجارة على حدة، إذا كان هذا ما يرغبه العامل عند كل إنضاض، ولم يمنعه أحد من الفقهاء عن هذا وإنما اشترطوا عليه أن يعيد رأس المال أو ما تبقى منه.

والمقصود من إعادة رأس المال في الأغلب، هو التأكد من وجوده، وإعطاء رب المال كامل الحرية في أخذه أو دفعه مرة أخرى إلى العامل في مضاربة جديدة، وربما بشروط جديدة أيضاً، وهذا يمكن إثباته فالمال الناض سيكون في حساب البنك.

جاء في المغني لابن قدامة * (جزء 5 ص 61 – 62): ”قال يقاسمه ما فوق الألف، يعني إذا كانت الألف ناضة حاضرة إن شاء صاحبها قبضها، فهذا الحساب الذي كالقبض. فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية. كما لو قبضها منه ثم ردها إليه“.

ورب المال متى أُعلم بنضوض المال له أن يعزل العامل أو يتفق معه من جديد. وهذا يمكن في المضاربة الثنائية أو الثلاثية، أما المضاربة التي يكون فيها أرباب المال هو مودعو البنك… فسيتصل العامل بالبنك ثم على البنك أن يتصل بعدد كبير من مودعيه، وهذا غير عملي، ولهذا… يتوجب على البنك أن يحصل على هذا التفويض عند العقد معهم؛ فيصنفهم وفقاً لأقل المدد التي يرغبون فيها استثمار أموالهم بناء على حاجتهم المستقبلية لها، فيجمع كل من استثمر لمدة واحدة في مضاربة واحدة، ويجب التنويه أن العقد غير ملزم ولهم فسخ المضاربة في أي وقت، إلا لو أخذنا برأي المالكية.

ولو قلنا إن اجتماع المودعين كرب مال المضاربة هو – في الحقيقة – شركة الغرض منها توظيف المال في المضاربة؛ إن المودعين يمكن أن يعقدوا شركة بينهم يكون البنك شريكاً فيها بسهم من رأس مالها، ويكون له التصرف والإدارة لقاء نصيب من الربح، فيدفع المال مضاربة إلى العامل ويكون تصرفه في المضاربة تصرف رب المال، وتكون هذه الشركة- والممثلة بالبنك- هي رب مال المضاربة وليس المودعين. وقد كره المالكية اجتماع شركة مع المضاربة بينما أجازها غيرهم من الفقهاء، جاء في المدونة (جزء 4 ص 58): ”وقال مالك لا يصلح أن يقول: أقارضك بألف على أن تخرج من عندك ألف درهم أو أقل أو أكثر على أن تخلطهما بألفي هذه تعمل بها جميعاً، فكره مالك هذا“. وقد علل المالكية ذلك بأن الشراء يكون أكثر، فيزداد الربح والفضل، فيصير رب المال الذي دفع المال قراضا قد جر إلى نفسه منفعة غيره، ونرى فيه اشتراط من قبل رب المال تفسد معه المضاربة.

وهذا يدور بين رب مال وعامل، ومنفعة الشراء الأكثر تعود على المالين، وفيه اشتراط من رب المال على العامل الذي رخصت المضاربة معه لعمله لا لماله. ولم يمانع الأحناف والشافعية والحنابلة اجتماع الشركة والمضاربة في عقد واحد، وقصدوا بذلك في الأغلب أن يكون المال من رب المال ومن المضارب، أو بين أرباب مال.

إلا أن الشركة هذه قد تعطي البنك تفويضاً أكثر مما تحتمله طبيعة علاقة المودع بالبنك، ويتم التعاقد بين أطراف الشركة باجتماعهم وهذا لا يحدث هنا، ولهذا… فالحل الوسط المناسب يكمن في الاكتفاء بتفويض البنك بالدخول في مضاربات متعددة متتالية، ويشمل التفويض تصرف البنك بإنهاء المضاربة والبدء بمضاربة أخرى جديدة، ومتى تم هذا يمكن للبنك توزيع أرباح المضاربة الأولى على مودعيه أو دفعها مع رأس المال كرأس مال جديد في المضاربة الجديدة، وهذا يتوقف على اتفاق البنك مع المودع في عقد الإيداع الأصلي.

أما عن عادة البنوك توزيع أرباح دورية بمعدل ربح واحد إلى كل مودعيها … فهذا يتنافى مع مفهوم المضاربة… فإن كان لابد منه… فيكون إنقاصاً للمال؛ حتى يثبت الربح ويتحقق بالتنضيض، وتوزيع معدل ربح واحد لكل مودعيه يعني بالضرورة أن هذه الأموال قد استثمرت في نفس المضاربات، وهذا لا يصح إلا لو كان الإيداع في وقت واحد، وهذا لا يقبله المنطق السليم، ولهذا… يجب أن يكون توزيع الربح عند انتهاء المضاربة ووفقاً لنصيب أرباب المال من المضاربات التي وزع عليها البنك أموالهم وليس من معدل نتائج استثمارات البنك ككل. فإن نتج عن هذا أن ربح بعضهم أكثر من بعض… فهذه هي المضاربة، ولا يصح تكييفها لإرضاء الناس، وعلى البنك أن يصدر كشف حساب بنكي لكل مودع يظهر فيه حسابه في صورة تبين أسماء المشروعات التي دفع ماله مضاربة فيها ونسبة ماله إلى رأس مال كل مضاربة، والتاريخ الذي دفع بالمال إليها، ونسبة نصيب رب المال من ربح كل مضاربة، فإن انتهت إحدى هذه المضاربات… بين في الكشف الذي يلي تاريخ انتهائها والربح الذي تحقق ونصيبه منها. ويجب إعلام المودع  صفة ما يوزع عليه بصورة دورية؛ فيبين الربح الذي تحقق فعلاً من الجزء الذي أُنقصَ به رأس ماله.

النماء الطبيعي والربح في المضاربة:

قال الظاهرية وكثير من غيرهم من الفقهاء إن النماء الذي يشارك فيه بين رب المال والعامل هو النماء الناتج عن العمل في المال، أما النماء الطبيعي فهو تبع للملك وهذا للمالك، كولد الماشية وثمر الشجر؛ لأنه شيء حدث في ماله، وإنما للعامل من حظه من الربح فقط، ولا يسمى ربحاً إلا ما نمى بالعمل فقط.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

العـمـل

جاء في مقال الدكتور مشعل دخيل المشعل في مجلة البنوك الإسلامية: يعرّف الخطيب العمل بأنه: الجهد الذي يبذله الإنسان لتحوير وتبديل طبيعة أو استخدام شيء ما. هذا العمل قد يكون جسديا ويعتمد على القوة العضلية مثل عمل المزارع في الحقل , أو ذهنيا بالدرجة الأولى مثل عمل مراجع الحسابات أو الكاتب, وقد يكون الجهد خليطا من الاثين الجسدي والعقلي ومثال ذلك عمل الطبيب الجراح.

ويعرف المصري العمل بأنه مجموع الجهد الإنساني عقلي أو بدني أو كلاهما لخلق منفعة اقتصادية أو لزيادة قيمة شيء موجود أصلاً .ويعرف الشرباصي العمل في قاموسه بأنه خلق الشيء . (عدد69ص56)

فالعمل المنتج هو جهد إنساني – عقلي بالدرجة الأولى- وقد يستخدم فيه القوة العضلية وما سبق خلقه بجهد إنساني من امتدادات للقوة العضلية والقوة العقلية – وينتج عنه تبديل لحال الأشياء المخلوقة أو إضافة لموجود.

فالنجار يبدل بعمله الخشب إلى منضدة، والحفار يبدل حال الأرض؛ فيخفض جزءاً منها فيرتفع جزء آخر؛ فالعمل لا ينقص ولا يزيد شيئاً في هذا الكون؛ فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في كونه، لا شيء ينفى وإنماء يتحول من صورة إلى أخرى، إلا أن العمل المنتج يخرج المنافع المكنونة في الأشياء بتبديل حالها أو تبديلها وتجميعها، أو أن يكون العمل ذاته مقصوداً كالخدمات أو الفنون التي تضيف إلى سعادة الآخرين.

وحتى الآلة التي تعمل بالعقل الالكتروني بدون سائق تحتاج إلى من يبرمجها على العمل، ولا يخلو عمل من القدرتين العقلية والبدنية، وإن أمكن تقليل الأخيرة إلى الحد الأدنى لها.

وليس في قدرة العمل أو الفكر الإنساني خلق شيء جديد؛ فالخلق يستوجب أن يوجد الشيء من لا شئ. وهذا من صفات الله سبحانه وتعالى وحده، وما يقصد من الخلق هنا إنما هو تبديل طبيعة الأشياء؛ فيصنع شيئاً جديداً من الطبيعية المخلوقة، والتي سخرها الله للإنسان، والإنسان يقدر على استخراج المنفعة المكنونة أو استخدام الموارد والقوانين الطبيعية لما فيه منفعته، ومن صفات الكون الثبوت الكلي والتغير الجزئي الدائم، فكل زيادة يقابلها نقصان، وأنعم الله على الأرض فكانت تأخذ في هذا الكون ولا تعطي، تأخذ من الشمس طاقة مستمرة بقدر. وكان من صفات الأشياء التغير، منها ما تحسبه جامداً وهو متغيراً بمعدل بطئ، ومنها ما يتغير كل يوم، وله دورة من الوجود إلى النماء إلى الأُفول، ومنها ما يكون نماؤه طبيعي، ومنها ما يحتاج إلى بذل الجهد والعمل، وإنماء الأشياء من عمارة الأرض إلى الزراعة إلى نماء المال بكل صوره وغيرهم، هو ما يتحصل بالعمل المنتج.

وقد حلل الإسلام  لمالك المال الحق في إنماء ماله، سواء كان هذا النماء طبيعياً أو ناتجاً عن العمل، فإن كان النماء طبيعياً… كان له كل نمائه بالضمان، أي بتحمله وحده النتيجة المترتبة عن هذا الإستثمار؛ فإن هلك المال فعليه وإن نما فله، أما إذا كان النماء لا يتحصل إلا بالعمل، فإن عمل الرجل في ماله فنما استحق نماء ماله لقاء المال والعمل الذي قام به بنفسه، وإذا دفع المال لغيره ليعمل فيه مضاربة… اقتسما النماء الذي حصل بالمال والعمل، ويكون كسب كل منهما حلالاً ؛ لأنه نظير عوض، هذا لقاء ماله الذي نما وبالضمان أي بتحمله الخسارة إذا اصاب المال وضيعة؛ وذاك لقاء العمل… فإن دفع له أجراً صار أجيراً، فلا يطيب لمن أخذ الأجر الربح فوق ما أخذ من الأجر إذا كان الربح دون عوض.

والعمل الإنساني قد يصدر عن العامل وحده، وقد يصدر عن العامل وما يملكه فيشمل قدرته الفكرية والبدنية، وقدرة الآلة المضافة إلى قدرته العضلية، أو قدرة الكمبيوتر المضافة إلى قدرته العقلية، أو كل هذه القدرات معاً؛ مما يمكن أن نطلق عليه قدراته الممدتة.

وليس الإنسان وحده الذي يعمل، فالآلة تعمل والكمبيوتر يعمل، وكل منفعة تقاس على العمل إن استحقت الأجر؛ فالعمل والمنفعة يلتقيان في أن كلاً منهما يمكن أن يكون العوض فيه هو الأجر، أو المشاركة في النماء إن اجتمعا في عامل وآلة ونتج عنهما إنماء مال.

فإن ضارب العامل فإنه إما يضارب بفكره فقط، أو بفكره وقوة بدنه، أو بقدراته الممتدة الشاملة لما يملكه من أعيان لها منافع.

عمل المضارب في عقد المضاربة

عامل المضاربة هو من يملك القدرة على القيام بأعمال أغلب الظن أن ينتج عنها نماء رأس المال النقدي، ويكون من أثر هذا العمل تبديل المال من حال إلى حال أكثر من مرة حتى يعود إلى حالته الأولى… فإن كثر عما كان عليه فيكون نما، وإن قل يكون قد أصابته وضيعة، وقد فصل الفقهاء هذه الأعمال – وهم قد حصروا المضاربة في التجارة – كما يلي:

ما يقوم به المضارب من عمل، وما له، وما عليه يكون بما جرت به عادة التجار.

جاء في الفقه الحنفي  في المبسوط: وله أن يستأجر معه الأجراء  يشترون ويبيعون، ويستأجرون البيوت والدواب للأمتعة التي يشتريها، لأن ذلك من صنع التجار، فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح، وللمنافع حكم المال عند العقد، والإجارة والاستئجار تجارة من حيث أنه مبادلة مال بمال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 88): ”وله أن يستأجر من يعمل في المال لأنه من عادة التجارة وضرورات التجارة أيضاً لأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه“.

وجاء مثله الفقه الشافعي في مغني المحتاج من أن العامل يتولى ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه كنشر الثياب وطيها وذرعها، وان ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه،
وما لا يلزمه يستأجر عليه من مال القراض.

وجاء في الفقه المالكي في الدردير الكبير: وعليه أي العامل ما جرت العادة أن يتولاه كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر في ماله ان استأجر على ذلك، لا في مال القراض ولا في ربحه. وإلى هذا ذهب كل من الحنابلة والإمامة والزيدية.

 وجاء عند الحنابلة في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، من نشر الثوب وطيه وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده، وشد الكيس، وختمه وأحرازه في الصندوق ونحو ذلك. ولا أجر له عليه، لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك فالأجر عليه خاصة. لأن العمل عليه فأما ما لا يليه العامل في العادة، مثل النداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل عمله،  وله أن يكتري من يعمله. نص عليه أحمد. لأن العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف. فإن فعل العامل ما لا يلزمه فعله متبرعاً فلا أجر له، وإن فعله ليأخذ عليه أجراً فلا شيء له أيضاً في المنصوص عند أحمد، وخرج أصحابنا وجهاً: أن له الأجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه، هل له أجر لذلك؟ على روايتين. وهذا مثله، والصحيح: أنه لا شيء له في الموضعين. لأنه عمل في مال غيره عملاً لم يجعل له في مقابلته شيء فلم يستحق شيئاً كالأجنبي“.

وجاء في فقه الشيعة الإمامية في شرائع الأسلام (جزء 5 ص137): ”أن العامل إذا أذن له رب المال في التصرف تولى باطلاق الاذن كل ما يتولاه المالك من عرض القماش والنشر والطي وإحراز المال، وقبض ثمنه، كما يقوم بإيداع المال واستئجار من جرت العادة كالدلال والوزان عملا بالعرف“.

وجاء في فقه الشيعة الزيدية في الروض النضير (جزء 3 ص 646): ”أن للعامل أن ينفق من مال القراض ما يحتاج إليه المال من كراء أو جباء وأجرة دلال وغير ذلك مما تتطلبه التجارة ويقضي العرف به“.

فالعامل إذا استلم رأس مال المضاربة… تصرف فيما يتصرف فيه التجار عادة، فله أن يشتري به البضاعة التي يرى الخير في المتاجرة بها، وله أن يستأجر العمال والمخازن ووسائل النقل وكل ما  تحتاجه التجارة وما يتم به نجاحها. أما ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه… فعليه أن يقوم به بنفسه، وليس له أن يستأجر لذلك الأجير، وذلك كاستلام البضاعة وعرضها وتنظيمها وبيعها وتصديرها، وتحرير العقود وإيداع الأموال وغيرها مما جرت عليه العادة. فإذا استأجر لهذه الأعمال عاملا، وكان بوسعه أن يقوم بها بنفسه، لزمته الأجرة من ماله الخاص، أما ما لا يلزمه من العمل… كان له أن يستأجر عليه من مال المضاربة، وقد اتفق الفقهاء السابقون على هذا.

وقد وصف الفقهاء هذه الأعمال من باب التوضيح لا الحصر وحددوها بكل ما جرت العادة عليه، وجاء في وصفهم ما يلي: نشر الثياب وطيها وذرعها وعرضها على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده وشد الكيس وإحرازه في الصندوق وإيداع الأموال ونحو ذلك، وكل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، وأن ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه، وإن استأجر على  ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربح القراض.

ووصف الفقهاء أيضاً ما يحق له أن يستأجر، أو يستأجر عليه من مال المضاربة، من باب التوضيح أيضاً لا من باب الحصر: الإجراء ممن يشترون ويبيعون، والبيوت والدواب والسفن، والدلال والوزان وغير ذلك مما لا يلزمه من العمل، أو لا يمكنه بنفسه، وتتطلبه التجارة ويقضي به العرف.

ومن الواضح أن الأعمال التي على المضارب أن يقوم بها بنفسه، هي ما جرت العادة عليه، و ما يلزمه من العمل، وهذا يعني أن على المضارب أن يقوم بنفسه بالأعمال التي جرى العرف أن يقوم بها التاجر ويقدر أن يقوم بها بنفسه، وأن يقوم بنفسه أيضاً بالأعمال التي اتفقا في العقد على أن يقوم هو بها وربما في حدود هذا العرف. وهو إن استأجر من يقوم على أي من هذه الأعمال … يكون الأجر في ماله وليس في مال المضاربة أو ربحها، أي إن مسؤولية هذه الأعمال تقع على عاتقه وحده والعوض له عليها من ربحه؛ أي من ربح العمل.

ومن عادة التجار العاملين في سوق معينة  أن يكون لهم متجر وربما ناقلة ومخازن، وقد تكون المضاربة مع شركة تجارية تملك متاجر متعددة وسيارات ومخازن، وقد نتج عن امتلاكها هذه الأعيان زيادة قدرتها على التجارة الناجحة فتوجه إليها أرباب الأموال.

وما جاء عن الفقهاء فيما سبق، بما يتعلق بمبادلات بين العامل وطرف أجنبي عن العقد، ولم يصرح إذا كانت الأجرة على العمل أو المحل أو وسيلة النقل تجوز لأحد طرفي المضاربة، من صاحب مال أو عامل، ونعلم من مضاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بمال السيدة خديجة رضي الله عنها، أنها أرسلت معه غلامها ميسرة ليساعده، وقد نجزم أنها لم تأخذ من مال المضاربة أو الربح أجر عمل ميسرة. وكما ورد في المضاربة… فإن رب المال يجوز له المساعدة برضى العامل من قبيل الإعانة، رب المال قد يدفع بآلة أو بمتجر أو بعماله تطوعاً؛ فإن طلب أجر المثل… كان هذا اشتراطاً على المضارب قد تفسد معه المضاربة، وعوض رب المال عما دفع إلى المضارب يكون في الربح، فلهما أن يتفقا على نسب توزيع الربح بينهما، فإن دفع رب المال مساعده أو داراً أو آلة وكانت للمضارب حاجة لها وقبل بها؛ يكون لرب المال من الربح أكثر مما يكون له، لو لم يدفع سوى رأس المال… فإن تطوع فالربح سيكثر على أي حال لتطوعه.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 86): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً، ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال أو يسكن رب المال دار المضارب فهذا لا يجوز، لأنه إذا شرط البيع في أحد  الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان ولم يعقد على منافع الدار“.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه داراً ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز. نص عليه أحمد في رواية صالح، وإن استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته ففيه روايتان. إحداهما الجواز لأن ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز أن يستأجر له الحيوان كمال الأجنبي. والأخرى لا يجوز لأن هذه لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك، لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر، فإذاً لا تجب الأجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيهما إيقاع العمل إنما توجب الأجرة بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه“.

وجاء في نفس المرجع السابق في باب المساقاة ص 404: ”وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الإستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة لم يصح لأن العمل عليه فإذا شرط أجره من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول. ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم، لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كمسألتنا“.

ولو نظرنا إلى العامل الذي يمتلك دابة أو وسيلة نقل أو دكاناً ودور ومخازن، ويريد استعمالها بدلاً من أن يستأجر من طرف أجنبي، فهذه يمكن تصور عوض منافعها كرأس مال مشارك به، أو كأجرة أو كنصيب من النماء.

أولاً – عوض المنافع كرأس مال مشارك به:

ما تقدمه هذه الأشياء إلى المضاربة منافع، والمنافع لا تصلح أن تكون رأس مال، إلا أن تكون مشاركة منافع. والمضاربة فيها رأس مال مدفوع، ولا تصلح مشاركة المال مع المنافع كرأس مال؛ لأن رأس المال يمكن أن ينقص، بينما تبقى أعيان هذه المنافع على حالها، وخسارتها محدودة بما يستهلك منها، وإن قيل إن المشاركة في رأس المال تكون في هذا القدر، يصعب تحديد قيمة هذا القدر وقت التعاقد، إلا أن تحدد بأجر المثل، وأجر المثل فيه ربح ولا تصح لأحدهما أن ينال شيئاً من الربح قبل القمسة.

والأجر لقاء منفعة غير موجودة وقت التعاقد، ويشترط استيفاؤها لتستحق الأجرة، والأجرة لا تملك بعقد الإجارة عند الأحناف، قال أبو حنيفة ومالك رضي الله

عنها: ”أنها تجب جزءاً جزءاً بحسب ما يقبض من المنافع“.

والاجارة عقد يشترط فيه معرفة المنفعة وبيان مدتها أو العمل المطلوب وتكون إما بشرط تجصيل الغاية المقصودة، وإما بضرب الأجل، وهذا لا يتحقق في عقد المضاربة لأن العمل في المضاربة مجهول وقت التعاقد وليس مقصوداً لذاته، والغاية في المضاربة هي نماء المال، وهذا مجهول أيضاً.

والاجارة عقد لازم عند الجمهور – إلا الأحناف – وليس لأحد الطرفين فسخها، والمضاربة عقد غير لازم، وليس من المنطق الصحيح الجمع بين عقد غير لازم وعقد لازم.

ولكل ما سبق… لا يصح أن تكون المنافع رأس مال للمضاربة.

ثانياً- عوض المنافع كأجرة في عقد إجارة:

الإجارة هي عقد بيع منفعة، وقد أشرنا في المضاربة إلى شراء العامل من مال المضاربة، والمضارب وكيل، البيع وجه خأخرأ×رأ×رأخر للشراء، وكما جاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لآن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة وبين الغرضين مضادة“.

وهي إن كانت أجرة، تستوفى من مال المضاربة أثناء العمل، فيكون العقد إما بين المضاربة – ككيان منفصل له شخصية إعتبارية – والعامل، أو بين رب المال والعامل، والأغلب ألا تصح في الحالتين لما يلي:

‌أ-   إذا كان عقد الاجارة بين المضاربة والعامل… فإنه يشترط فيه الايجاب والقبول، وهذا يدور بين الوكيل- له مطلق الحرية في التصرف – ونفسه، فلا يصح، جاء في كتاب ضوابط العقود للدكتور عبد الحميد البعلي (ص107-108):

”الأصل في العقود التي لا تتم إلا بتوافق إرادتين أن يتعدد العاقد. ويضيف الدكتور البعلي: أما ما عدا عقد النكاح من عقود المبادلة التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين فالاًصل فيها كما سبق تعدد العاقدين لأن الحقوق فيها ترجع إلى العاقد سواء أكان يعقد بالأصالة أم بالنيابة وهي حقوق متقابلة في زمان واحد والقول بغير ذلك يؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلما وطالبا ومطالبا وهذا محال، ولذا لا يصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً من الجانبين في البيع وشباهه، ويصلح رسولاً لأن الرسول لا تلزمه الحقوق، وكذلك يصح أن يتناول القاضي العقد من الجانبين لأن الحقوق لا ترجع إليه. ويضيف الدكتور البعلي استثناء الفقهاء شراء الأب مال ولده لنفسه وبيع ماله من ولده، والوصي المختار من الأب أو الجد إذا عقد لنفسه من مال اليتيم إذا كان فيه نفع ظاهر وإلا فلا ومنعه محمد من الحنفية لأن القياس يمنع ذلك“.

‌ب- وبفرض أن الإتفاق على عقد الاجارة يتم بين رب المال والعامل… فمن طبيعة الإتفاق توفر الإرادة الحرة والقدر على المساومة، بينما لا يحق لرب مال المضاربة التدخل في قرار العامل، سواء أكان في وصف العمل أو تحديد المنفعة أو الغاية أو بيان المدة. والعامل له مصلحة في زيادة الأجر كمؤجر، وله أيضاً مصلحة في انقاصه كمضارب ليزيد ربح المضاربة الذي له فيه نصيب، وفي هذا تضاد مصالح. بينما رب المال مصلحته في تقليل الأجر، لزيادة ربح المضاربة من جهة، وخوفاً من هلاك ماله من جهة أخرى، وهو في الأغلب لا يملك خبرة المفاوضة والاستئجار، وبدفعه المال مضاربة… قد أسلم هذه الأمور إلى العامل معترفاً بحذقه ومهارته.

فإن اتفقا على الأجر… فسيكون نظير المدة لأن العمل مجهول، فيكون كذا في الشهر أو في اليوم. وعقد الاجارة وهو عقد بيع منافع، ومن طبيعته تأجيل استيفاء المنفعة لأنها تتحقق خلال مدة العقد، ويشترط لاستحقاق الأجر استيفاء المنفعة أو تسليم العين مشتملة على المنفعة، فيكون على رب المال- الطرف المستأجر- استيفاء المنفعة، وهذا سيعطيه حق الإشراف للتأكد من الحصول على المنافع، وهذا لا يجوز في عقد المضاربة وقد يؤدي إلى النزاع.

وهو إن رأى أن يستأجر غيرها مما هو أقل منها تكلفة يكون هذا تدخلاً في عمل المضارب لا يصح منه في عقد المضاربة، وماذا لو كانت العين المستأحرة مشتركة مع الغير كجزء من متجر، لا ينضبط الأجر فيه إلا بتحقق الغاية، ورب المال لا مقصد له إلا النماء، فإن حددا الغاية… فالعامل من يقرر تحققها إلا أن تكون في النماء.

‌ج- وفي الأجر ربح للعامل، ولا يحق لأحدهما أن ينال ربحاً من المضاربة قبل القسمة، وقد يكثر ما يؤجره العامل للمضاربة ويكثر ربحه منه؛ فيعادل أو تفوق أهميته للعامل أهمية ربح المضاربة عنده، فيقل الدافع لديه لتحقيق أعلى ربح للمضاربة. وهو أن أستأجر من نفسه… فإنه قد يتغاضى عن بعض العيوب التي قد تبطأ العمل والتي قد تظهر فيما استأجر، كوسيلة النقل أو الدابة.

ومنع أو كره الإمام مالك اجتماع القراض والإجارة؛ مما يمكن الاستدلال عليه في ما جاء في كتاب فقه المضاربة(ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الإستذكار، للإمام ابن عبد البر: قال مالك: ”لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحداهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الاجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجرا لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل، لان المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً أجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لانه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة ولا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

ويضيف السرخسي في ص 150: ”ولذلك إذا شرط ذلك الأجر لعبد له يعمل معه في المضاربة أو لبيت يشتري فيه ويبيع، فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ولا لبيته، لان المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا، ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون، وعبد المضارب الذي لا دين عليه كسبه لمولاه فالمشروط  له من الأجر كالمشروط للمضارب. ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين أو كان مكاتب المضارب أو ولده أو والده فهو جائز على ما اشترطا، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا لانه من كسب هؤلاء كالأجنبي وله أن يستأجرهم للعمل معه، ويكون أجرهم في مال المضاربة، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة. وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطاً فاسداً. ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه، فهذا شرط فاسد لان عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه، ولو شرط عمل رب المال معه باجر لم يجز ذلك ولا أجر له فيما عمل فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه والربح بينهما على الشرط، لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال وهنا الشرط لايعدم التخلية فان العبد أجير المضارب ويد الأجير كيده“.

وجاء في مفتاح الكرامة(جزء 7 ص 448): ”ولو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق أجرة“.

جاء في روضة الطالبين للإمام النووي (جزء 5 ص 135): ”ثم ما عليه أن يتولاه، لو استأجر عليه فالأجرة من ماله، وما ليس عليه أن يتولاه له أن يستأجر عليه من مال القراض. ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له“.

وجاء في حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج (جزء 6 ص 97): ”وما لا يلزمه من العمل له الاستئجار عليه من مال القراض لانه من تتمة التجارة ومصالحها، ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له. وما يلزمه عمله إن استؤجر عليه تكون الأجرة من ماله“.

ثالثاً – عوض المنافع كنصيب من النماء:

فكر وعمل عامل المضاربة هو منفعة يقدمها لقاء عوض مجهول، هو نصيبه من ربحها، أي إن منفعة المضارب ومنفعة عمله يقاس عوضهما بجزء من النماء، وليس بالأجر لأن العمل مجهولاً وليس مقصودا في المضاربة وإنما المقصود فيها هو النماء. فإذا قدم أحدهما ألة أو داراً… يمكن أن تقاس قيمتها بمقدار النماء الإضافي الذي تحققه هذه العين في رأس المال، وهذا النماء الإضافي- هو في الحقيقة- قيمة المنفعة مضافاً إليه نسبة نماء رأس المال؛ لأن توفير المنفعة للمضاربة وفر مال المضاربة الذي كان سيدفع للغير لقاء هذ المنفعة فاشترى به بضاعة أكثر ربحت مثل نسبة ربح مال المضاربة؛ أي إن أثر هذه المنفعة كان في شراء أكثر وتبعه ربحه، لآن رب المال لم يدفع أو يضمن هذا الجزء من المال… فلا يجوز له شيئاً منه أو من كسبه، ولأن الشراء تحصل من منافع أعيان العامل وهي مال، والعمل منه… فإن النماء الإضافي كله له.

وهذا يختلف عن بعض مشاركات المنافع التي وردت عند الحنابلة، مثل مشاركة الدابة ومن يعمل عليها والشبكة ومن يصطاد بها، فليس في هذه المشاركات رأس مال نقدي يعاد إلى صاحبه وإنماء يقتسمان الرزق كله بينهما.

ويمكن معرفة نصيب هذه الالة أو الدار من الربح كجزء منه، بإجراء دراسة الجدوى الاقتصادية المقدمة من قبل العامل بعد الاتفاق على بنودها، مرة بإدراج الالة بفرض استئجارها من الغير، ومرة دون احتساب أجر لها، والفرق في الربح يعود لها فيحتسب كجرء من الربح الكلي ويخصص للعامل.

ومما سبق… نجد أن لعقد المضاربة طبيعة خاصة والأسلم أن يكون عوض العامل عن منافع أعيانه كنصيب من الربح لا كأجر ولا كرأس مال. وهذا سيقلل الخلاف لأن محاولة تقدير قيمة منافع هذه الأعيان- بالإضافة إلى ما سبق ذكره- قد يتسبب في كثير من الإختلاف أو الغرر أو الغبن بأحدهما؛ لأن هذا التقدير سواء كان كرأس مال أو كأجر… سيتعين على رب المال دفعه من ماله إن لم تحقق المضاربة ربح، وقد يفوز المضارب من المضاربة بمال بينما يصيب مال المالك وضيعة، وهذا سيدفع رب المال عند التعاقد إلى تخفيض هذا التقدير إلى أقصى حد قد يكون فيه غبن للمضارب المحتاج، وربما قد يعطي الحجة لرب المال أن يمارس نوعاً من الإشراف للتأكد من استيفاء المنافع فتفسد المضاربة أو يلحقها الضرر، وقد يقبل العامل مجبراً هذا الخفض في قيمة منافع أعيانه لحاجته للمال، فإن كان الربح وفيراً… لم يناله العوض الصحيح. أما إذا كان هذا التقدير كجزء من الربح… فلن يتشدد رب المال بنفس الدرجة التي كان سيتشدد بها لو كان سيدفها من ماله، ويتوفر عند العامل الحافز الأقصى لتحقيق الربح والذي منه عوض عمله وعمل أدواته وأعيانه، والحافز من العناصر المهمة التي تقوم عليها فكرة المضاربة.

ونلاحظ أن الفقهاء قد اعتبروا عوض عمل البائع في عقد المرابحة في الربح، جاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، للدكتور عبد الله العبادي(ص190): ”أما ما يرى الفقهاء إضافته إلى رأس المال الأصلي في بيع المرابحة فانهم متفقون على أصل الإضافة لرأس المال من نفقات وإن اختلفو في الشيء الذي يضاف أو لا يضاف.

ويوضح ابن رشد(الحفيد) ذلك. بأن تحصل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائداً الثمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم يعد أصل الثمن ويكون له حظ من الربح، وقسم لا يعد أصل الثمن ولا يعد من الربح. فاما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثراً في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ، وأما الذي يحسبه في رأس المال، ولا يجعل له حظ من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد الى بلد وكراء البيوت التي توضع فيها، وأما ما لا يحتسب فيه الأمران جميعاً فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد.

كما أوضح النووي أن البائع إذا قال بعت بما قام على انه يدخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والدلال والحمال والحارس والقصار والرقاء والصباغ، وقيمة الصبغ وأجرة الختان وتطبين الدار، وسائر المؤن التي تلزم الاسترباح.

وذكر الكاساني ان مما يلحق برأس المال مرابحة أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط، والسمسار وسائق الغنم والكراء“.

ومما سبق نجد أن الفقهاء لم يدرجوا قيمة عمل البائع في رأس المال والذي وفقا لمذهب مالك، يتكون من جزءين:

أصل الثمن؛ وهو ثمن الشراء، وما كان مؤثراً في عين السلعة، ويحسب الربح المتفق عليه على هذا الجزء فقط.

ما لا يؤثر في عين السلعة، ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه؛ أي يستأجره من الغير أو يستأجر عليه كالنقل والبيوت وغيرهم، وهذا لا يجعل له حظاً من الربح.

ولا شك أن الفقهاء لم يخف عليهم أن لعمل البائع قيمة، إلا أنهم – والله أعلم – قد فضلوا أن يكون العوض عن عمله في الربح الذي سيناله على أصل الثمن، فهم لو جعلوا له أجراً عن عمله يضاف إلى رأس المال… يصبح أجيراً عند المشتري، فلا يحق له الربح، فهو إن حق له الأجر عن عمله وفكره فيكون ربحه زيادة بغير عوض، وهذا يعارض قواعد الاقتصاد الإسلامي. أضف إلى هذا أن المرابحة مبادلة مبنية على الثقة وأمانة البائع، وهو يعرف بالتحديد قيمة ما دفعه إلى الغير، أما قيمة عمله… فهذا يعود إلى تقديره هو، وقد تكتنفه الجهالة، وهذا لا يصح في عقد يفترض الاتفاق فيه على نسبة الربح فقط، والغرر من الأمور الواجب الابتعاد عنها في العقود فلا تتعدى الغرر اليسير إذا لم يكن في الإمكان إنتفاؤه كلية.

ومما سبق… نجد أن الفقهاء – ونلاحظ أن النووي والكاساني، لم يذكرا قيمة عمل البائع في المقتبس من قولهما أعلاه –  في الأظهر لم يسمحوا للبائع في عقد المرابحة أن يحسب لنفسه أجرا عن عمله، وجعلوا عوضه عن هذا العمل من الربح.

منافع رب المال:

جاء في المغني (جزء 5 ص 29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه، ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

ويتوقع أن يكون نصيب رب المال الذي يدفع مع ماله غلامه ودابته، أكثر من نصيب من لم يدفع سوى ماله، أما القول بأن الربح سيصبح أوفر في الحالة الأولي؛ فينال رب المال الأول أكثر من نفس الجزء… فهذا قد لا يعبر تعبيراً صحيحاً عن حقيقة المعاملة، التي هي من المقابلات.

فلو دفع رجل بألف دينار إلى من يعمل عليها، فاستأجر عاملاً وبهيمةعلى ما لم يلزمه من العمل بمائة، واشترى بتسعمائة، فباع المشتري بألف وثلاثمائة وخمسين أي ربح النصف على ثمن الشراء، وكان الفائض بينهما بالنصف… يكون لكل منهما مائة وخمسة وسبعين.

ولو دفع إليه ألفاً وغلاماً وبهيمة بدون شرط، وكان العامل ليستأجرهما من المال على ما لم يلزمه من العمل؛ فاشترى بالألف، وباع بألف وخمسمائة يكون لكل منهما مائتين وخمسين؛ فيكون العامل قد نال خمسة وسبعين، لا مال له فيها ولا عمل.

فإن قيل إن رب المال تطوع بهذا فالأولى الجواز؛ فإن لم يكن متطوعاً… فله في النماء أكثر من النصف؛ فإن احتسبا- كمسألتنا- يكون له خمسة وستون من المائة في الربح، وللعامل خمسة وثلاثون في المائة منه، ولهما أن يتفقا كما يشاءا إن رغبا في ذلك.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة في غير التجارة

جرت العادة أن ينمي العامل رأس مال المضاربة في التجارة بالشراء والبيع، ويبدو أن مسألة تنمية مال المضاربة من خلال أساليب الإستثمار الأخرى قد أثيرت في العصور السابقة، ربما لحدوثها فعلاً أو لرغبة الفقهاء بحثها ودراستها، ولولا ميل الناس إليها وربما حاجتهم لها … لما تطرق البحث إليها في تلك العهود. ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة نظراً لتشَعَّب سبل الاسثتمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الاستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أَقْنية استثمارية تحكمها الضواب والأحكام الشرعية، التي توفر العدل والأمان، وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالاطمئنان والرضى.

والمضاربة من العقود التي تطفو إلى السطح تلقائياً، كلما تعرضنا لرب المال غير القادر – لأي من الأسباب – على أن يعمل في ماله بنفسه، أو تعرضنا للعامل صاحب الخبرة والمعرفة والنشاط، والذي ينقصه المال لتحقيق ما يطمح إليه. والأجير ليس كالشريك لا في الطموح ولا في الحافز ولا في الاهتمام، وكل أصحاب الحرف والصناع ومن يقدمون الخدمات يحتاجون المال في أعمالهم مثل حاجة التاجر والزارع له، ولهم حقوق على المجتمع لا تقل عن حق التاجر والزارع، ولا يوجد سبب شرعي يمنع تطبيق المبدأ – الذي تقوم على أساسه المضاربة والمزارعة والمساقاة – على سبيل جمعهم مع أصحاب الأموال، إلا أنه يبدو أن هناك أسباباً فقهية لدى بعض الفقهاء دعتهم إلى حصر المضاربة في حدود معناها الضيق فمنعوها في ما هو غير الشراء والبيع، بينما ذهب غيرهم – وهم الحنابلة – إلى التوسع في معناها فشملت تقريباً كل عمل استثماري حلال.

وقد عنى الفقهاء بثلاثة أوجه من المجالات التي يمكن من خلالها استثمار مال المضاربة هم مجال الزراعة، ومجال الحرف (الصناعة)، ومجال الكسب من العمل على عين تنمى بالعمل عليها كالآلة والشبكة والدابة يدفعها مالكها إلى العامل، فيعمل عليها والرزق بينهما.

أولاً : المضارب يستثمر رأس مال المضاربة في كِراء الأرض وزرعها، وشراء الشجر أو النخل والصرف عليه:

رأى المالكية صحة هذه المضاربة إن كانت باختيار العامل، وليس بالاشتراط عليه، جاء فى المدونة (جزء 4 ص63 – وجزء 5 ص 120 مكتبة المثنى): ”فلو دفعت إلى رجل مالاً قراضاً فاشترى به أرضاً أو اكتراها، أو اشترى زريعة وأزواجاً، فزرع فربح أو خسر، أيكون ذلك قراضاً، ويكون غير متعد؟ قال: نعم، إلا أن يكون خاطر به فى موضع ظلم أو عدو يرى أن مثله قد خاطر به فيضمن، وأما إذا كان فى موضع أمن وعدل فلا يضمن. قلت أرأيت إن أعطيته مالاً قراضاً، فذهب وأخذ نخلاً مساقاة فأنفق عليها من مال القراض أيكون هذا متعدياً؟ أم تراه قراضاً؟ قال ما سمعت من مالك فيه شيئاً، ولا أراه متعدياً، وأراه يشبه الزرع“.

أما لو اشترط رب المال على العامل ذلك … كان هذا غير صحيح عند المالكية، ويكون الزرع لصاحب المال وللعامل أجر المثل.

وجاء فى حاشية الشيخ محمد البنانى على شرح الزرقانى عن تنمية رأس مال المضاربة بالمزارعة (جزء 6 ص 217): ”ليس المضر عمل يده، إذ ليست المسئلة مفروضة كذلك، بل اشترط عليه أن ينفق المال فى المزارعة، فالمضر الشرط فقط وليس ثم عمل من العامل“.

وأجاز الحنابلة للمضارب أن يستغل مال المضاربة عن طريق الزراعة، إن قال له رب المال اتجر فى الزراعة، أو فوض إليه أمر المضاربة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء. ولا يضمن العامل لو تلف المال فى المزارعة.

وجاء فى المغنى (جزء 5 ص 44): ”وهل له الزراعة؟ يحتمل أن لا يملك ذلك لأن المضاربة لا يفهم من إطلاقها المزارعة. وقد روى عن أحمد رحمه الله فيمن دفع إلى رجل ألفاً وقال أتجر بما شئت فزرع زرعاً فربح فيه. فالمضاربة جائزة والربح بينهما. قال القاضى: ظاهر هذا أن قوله اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء وعلى هذا لو توى المال كله فى المزارعة لم يلزمه ضمانه“.

وفى المذهب الشافعى … نص الرملى فى نهاية المحتاج (جزء 5 ص 234، 235) على أن ما ينتجه شجر القراض من ثمر أو ما ينتجه حيوان حامل من مال القراض، يختص بها المالك. وعلل ذلك بأن هذه ليست من فوائد التجارة. أما لو أشترى حيواناً حاملاً أو شجراً عليه ثمر غير مؤبر فالأوجه أن الولد والثمرة مال قراض. وقيل كل ما يحصل من هذه الفوائد مال قراض، لحصولها بسبب شراء العامل الأصل.

وجاء فى تكملة المجموع (جزء 14 ص 203) – تكملة المطيعى – أن الشافعية لا يقولون بصحة المضاربة، لأن النماء فى النخل وأصول الشجر أو الحيوان نتيجة نمو طبيعى فى هذه الأشياء، ولا دخل للعامل فى نموها.

ولم يتعرض الشافعية لمسألة استئجار الأرض وزرعها.

أما الأحناف، فقد رأى المتقدمون منهم صحة كراء الأرض البيضاء وزرعها، ومنعوا المعاملة والمساقاة كما جاء فى البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (جزء 7 ص 288): ”أن للمضارب أن يستأجر أرضاً بيضاء ويشترى ببعض المال طعاماً ليزرعها أو ليغرس فيها نخلاً أو شجراً، ولو أخذ نخلاً أو شجراً معاملة على أن ينفق فى تلقيحها أو تأبيرها من المال لم يجز عليه، وإن قال له أعمل برأيك“.

وجاء فى المبسوط (جز 22 ص 72): ”وإذا دفع مالاً مضاربة وأمر المضارب أن يعمل فى ذلك برأيه أو لم يأمره، فأستأجر المضارب ببعضه أرضاً بيضاء واشترى ببعضه طعاماً فزرعه فى الأرض فهو جائز على المضاربة بمنزلة التجارة لأن الزراعة من صنع التجار يقصدون به تحصيل النماء، وإليه أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم  الزارع يتاجر ربه، وما كان من عمل التجار يملكه المضارب بمطلق العقد. ولو استأجر أرضاً بيضاء على أن يغرس فيها شجراً أو أرطاباً، فقال ذلك من المضاربة، فهو جائز، والوضيعة على رب المال، والربح على ما اشترطا. ولو أخذ نخلاً أو شجراً أو أرطاباً معاملة على أن ينفق عليه من مال المضاربة، لا يجوز، ويضمن ما أنفق من مال المضاربة وإن قال له رب المال أعمل برأيك“.

وجاء فى الدُّرِّ المختار مع حاشية ابن عابدين (جزء 5 ص 648): ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز“.

ورأى بعض المتأخرين من الأحناف منع ذلك، جاء فى حاشية قرة عيون الأخبار، تعليقاً على قول الشارح: ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز. كان هذا فى عرفهم أنه من صنيع التجار، وفى عرفنا ليس هو من صنيعهم فينبغى أن لا يملكه“ (الحاشية مع تكملة المحتار جزء 8 ص 298).

وكأن الأحناف المتأخرون منعوا هذه المضاربة؛ لأنها لم تعد فى عرفهم من صنيع التجار، وقد كانت ذلك من قبل، ويستنتج من هذا أنها تجوز إن كانت من صنيع التجار فى العرف السائد فى عصر آخر.

والأقرب عند الإمامية هو فسادها، كما جاء فى مفتاح الكرامة للعاملى (جزء 7 ص 449): ”ولو شرط أن يشترى أصلاً ويشتركان فى نمائه كالشجر أو الغنم فالأقرب الفساد لأن مقتضى القراض التصرف فى رأس المال“.

ومما سبق … نجد أن الحنابلة والأحناف المتقدمين قد أجازوا للمضارب أن يستغل مال المضاربة فى الزراعة كما سبق، وأجازها المالكية أيضاً على ألا يشترط المالك هذا فى العقد، ولم يتعرض الشافعية لها. أما المساقاة … فقد منعها فى أغلب الرأى الشافعية والأحناف بينما أجازها الحنابلة والمالكية.

والذى نستنتجه هنا أن استغلال مال المضاربة فى الزراعة قد أجيز من قبل بعض المذاهب، ومن لم يجزها منهم لم يمنعها لتعارضها مع سبب شرعى، وإنما لأن هذه الطرق ليست – فى رأيه – من صنيع التجار أو من أعمال البيع والشراء، ويعود بنا هذا إلى مقصود رب المال من عقد المضاربة، والغالب هو إنه قصد المضاربة لإنماء ماله؛ وخاصة عند من لم يسمح له بالاشتراط على نوع العمل.

والتجارة الرابحة هى القيام بشراء مال ثم بيعه بربح، وعنصرا الشراء والبيع موجودان فى الزراعة والصناعة وغيرهما من طرق الاستثمار، والزراعة التى جاءت فى الصور السابقة هى كراء الأرض البيضاء، والصرف والعمل عليها بما ينتج منها، ففيها شراء الحبوب والسماد واستئجار الآلة واستصلاح الأرض وحرثها والعمل فيها ثم حصادها وبيع المحصول، والصناعة فيها شراء المواد الأولية والعمل عليها لإنتاج سلعة ثم بيعها، والتجارة أيضاً تشمل شراء سلعة وإجراء عمل عليها يزيد من قيمتها فيمكن بيعها بثمن أكثر مما اشتريت به، وقد يكون هذا العمل فى نقلها من سوق تتوفر فيه إلى سوق يقل فيه توفرها، أو شراءها من المصدر بالجملة – بكميات كبيرة – ونقلها إلى السوق وعرضها وبيعها للناس بكميات قليلة وفق جاجتهم، أو شراءها فى موسم يقل فيه الطلب عليها وتخزينها ثم بيعها فى موسم يكثر فيه الطلب عليها، كشراء الملابس الصوفية فى الصيف وبيعها فى الشتاء … كل هذه الأعمال وغيرها تتعلق بشراء سلعة ما والعمل عليها لتحسين مركزها بين السلع المنافسة أو درجة طلب السوق لها فيمكن بيعها بربح، وهذا يحدث فى الصناعى فهى تتعلق بشراء مواد أولية، قد لا تكون مطلوبة لذاتها عند الناس، وتجميعها أو تشكيلها، فينتج عن هذا التجميع والتصنيع سلعة يحتاجها الناس فيقبلون على شرائها بثمن أكثر من أثمان المواد الخام المشتراة وتكلفة العمل عليها فيتحقق الربح. والتجميع موجود عند بعض التجار بصورة أخرى، فالتاجر الذى يبيع سلعة لها مكملات من سلع أخرى، يجمع كل هذه السلع ويعرضها فى متجره.

وسواء كانت الصناعة نوعاً من التجارة أم لا … فقد بحث الفقهاء فى شأن المضاربة على الحرف وأجازها الأحناف – فى الرأى الأظهر عندهم – وأجازها الحنابلة كنوع من المشاركات؛ بينما منعها الجمهور من الفقهاء.

ثانياً : المضارب يستثمر رأس المال فى حرفة أو صناعة:

منعها المالكية كما جاء فى المدونة (جزء 4 ص 48): ”أرأيت إن دفعت إلى رجلاً مالا قراضاً على أن يشترى به جلوداً فيعملها بيده خفافاً أو نعالاً أو سفراً، ثم يبيعها فما رزق الله فيها فهو بيننا نصفين قال: لا خير فى هذا عند مالك“.

وقال الزرقانى فى شرحه (جزء 6 ص 217) إن اشتراط رب المال على العامل أن يخيط ثياباً فيتاجر بها أو يخرز جلوداً فيجعل منها خفافاً ليبيعها مفسداً للعقد.

وأضاف المالكية إذا استمر العامل فى ذلك جاء فيهما اشتراط رب المال هذا النوع من العمل على العامل وهذا الاشتراط يفسد العقد عندهم.

ورأى الأحناف عدم صحتها إذ قال السرخسى (جزء 22 ص 35): ”ولو دفع إلى حائك غزلاً على أن يحوكه سبعة فى أربعة ثوباً وسطا، على أن الثوب بينهما نصفان فهذا فاسد“.

ورأس المال فى هذا المثال مال عروض، والمضاربة لا تصح بالعروض. ولن يعرف رأس المال فمن الربح، والأفضل أن يكون أعطاه مالاً نقداً على أن يشترى به غزلاً ويحوكه، والمضاربة هنا أيضاً يكون فيها الاشتراط، والبحث يكون فى جواز لو دفع رب المال إلى المضارب مالاً نقداً فاشترى به المضارب غزلاً وحاكه أو أستأجر من يحوكه ثم باع الثوب وأخذ ثمنه نقوداً فأعاد رأس المال إلى صاحبه واقتسما الربح بينهما.

وهذا قد جاء فى نفس المرجع السابق ص 54: ”ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشترى بها الثياب ويقطعها بيده ويخيطها على أن ما رزق الله تعالى فى ذلك من شئ فهو بينهما نصفان، فهو جائز على ما اشترطا لأن العمل المشروط عليه مما يصنعه التجار على قصد تحصيل الربح فهو كالبيع والشراء، وكذلك لو قال له على أن يشترى بها الجلود والأدم ويخرزها خفافاً ودلاء وروايا وأجربة فكل هذا من صنع التجار على قصد تحصيل الربح فيجوز شرطه على المضاربة“.

وجاء فى تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 292) – فى معرض الحديث عن أن عامل المضاربة يملك جمع المضاربة والشركة ويملك الخلط بماله إذا أذن له المالك – أنه لو اشترى العامل بمال المضاربة ثوباً، فصبغه أو خاطه، يصبح شريكاً فى هذا الثوب بالإضافة إلى كونه مضارباً، فيكون له حصة قيمة صبغة أو خياطته، وما تبقى من قيمة الثوب يعطى رب المال رأس ماله، والربح بينهما على ما اشترطا، وهم هنا لم يفسدوا المضاربة.

واعتبر الشافعية – فى رأى لهم – أن هذه المضاربة غير صحيحة ولرب المال ما ينتجه العامل، وللعامل أجر المثل.

جاء فى حواشى تحفة المحتاج للشروانى والعبادى (جزء 6 ص 86): ”ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط لم يفسخ القراض فيها إذا طحن بغير الإذن فلا أجرة له ولو استأجر عليه لزمه الأجرة ويصير ضامناً وعليه غرم ما نقص بالطحن فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه لأنه لم يتعد فيه والربح بينهما بالشرط. وجاء فى الهامش صفحة 87: نعم بحث ابن الرفعة جواز شرط ان استأجر العامل من يفعل ذلك من مال القراض ويكون حظه التصرف فقط ونازع فيه الأذرعى بقول القاضى لو قارضه على أن يشترى الحنطة ويخزنها إلى ارتفاع السعر فيبيعها، لم يصح لأن الربح ليس حاصلاً من جهة التصرف. وجاء فى صدر الصفحة: وظاهر أنه لو قارضه ولم يشترط عليه ما ذكره القاضى فاشترى هو وادخر باختياره إلى ارتفاع السعر لم يضر“.

وجاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”لو قارضه على أن يشترى الحنطة فيطحنها ويخبزها، والطعام ليطبخه ويبيعه، والغزل لينسجه، والثوب ليقصره أو يصبغه، والربح بينهما فهو فاسد. ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط، فوجهان. أحدهما وهو قول القاضى حسين وآخرين: يخرج الدقيق عن كونه رأس مال قراض، فإن لم يكن فى يده غيره انفسخ القراض، لأن الربح حينئذ لا يحال على البيع والشراء فقط. وعلى هذا، لو أمر المالك العامل بطحن حنطة القراض، كان فسخاً للقراض. أصحهما: أن القراض بحاله، كما لو زاد عبد القراض بكبر، أو سمن، أو تعلم صنعة، أنه لا يخرج عن كونه مال قراض، لكن إن استقل العامل بالطحن صار ضامناً، ولزمه الغرم أن نقص الدقيق، فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه، لأنه لم يتعد فيه، ولا يستحق العامل بهذه الصناعات أجرة ولو استأجر عليها، والأجرة عليه، والربح بينه وبين المالك كما شرطا“.

وذهب الإمامية والزيدية إلى عدم صحتها لأن المضاربة تكون فى أعمال التجارة فقط واعتبروا أن الحرف ليست من التجارة. كما جاء فى قواعد العلامة (جزء 7 ص 447): ”العمل وهو عوض الربح وشرطه أن يكون تجارة فلا يصح على الطبخ والخبز والحرف“.

وجاء فى البحر الزخار (جزء 4 ص 82): ”لو قارض شخص آخر على أن يشترى بالمال حباً فيطحنه ويخبزه والربح بينهما كان هذا فاسداً“.

أما الحنابلة … فقد ذهبوا إلى صحة وجواز كل هذا، جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص 11): ”وإن دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز“.

ومثل ذلك جاء فى كشاف القناع (جزء 3 ص 525): ”من أنه لا بأس بالثوب يدفع بالثلث أو الربع“. وكذلك فى مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 543).

وجاء فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: ”وكما يدفع إليه زيتونة يعصره والزيت بينهما“.

والحنابلة فى الأمثلة التى ساقوها، جعلوا المال الذى دفع من العروض، وهم من أجاز بعضهم المضاربة بالعروض المثلية على أن تجعل قيمتها وقت العقد رأس مال له، ولكنهم جعلوا العائد المقسم هو ثمن البيع كله وليس الربح، وهذا أقرب إلى المزارعة، ولكن الذى يعنينا هنا هو أن المعاملة إن جازت عندهم كما ذكرروه، فالأولى أن تجوز لو كان رأس المال من النقود فاستأجر به العامل صاحب حرفه، ولو كان التقسيم فى الربح بعد إعادة رأس المال لصاحبه، وهذه هى المضاربة.

وما ينطبق على أصحاب الحرف … ينطبق فى رأينا على المجال الأوسع من قطاعات الإنتاج فى هذا العصر من صناعة وخدمات، ولهذا الموضوع أهمية كبيرة لحجم هذه القطاعات وحاجتها الماسة إلى التمويل والذى قد يكون عقد المضاربة أحد أشكاله وربما أهمها.

والظاهر أن جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة والأحناف – قد ذهبوا إلى عدم صحة المضاربة التى يستثمر مالها فى حرفة ما، ويبدو أنهم ذهبوا إلى هذا لسبيين: أولهما أن المضاربة قد رخصت على خلاف القياس للحاجة إليها، وهذه الأعمال يتيسر الاستئجار عليها فتنتفى الحاجة التى صدرت الرخصة لدفعها. وثانيهما أن المضاربة تكون فى تنمية المال فى أعمال التجارة وفى كل ما هو من صنيع وعادة التجار، وهذه من الحرف وليست من أعمال التجار.

والفقهاء بهذا المنع، يحيلون رب المال إلى الإجارة، وهى وإن توفرت غير المشاركة، فالإجارة يكون العمل هو المقصود فيها، ورب المال ليس له قصد فى العمل ذاته، وإنما يقصد استثمار ماله، فيدفعه إلى العامل الذى يملك الخبرة والقدرة على تنميته، وقد يجد هذا العامل أن تحقيق النماء عن طريق شراء القماش وصناعة الثياب أصرف فى البيع وأربح، فهذا وفق رأيه ما يطلبه المشترون وليس القماش … فإن قلنا ليس له ذلك، فإن عليه آنذاك شراء القماش وبيعه للحائك؛ ثم شراء الثياب من الحائك وبيعها فى السوق، وإن لم يملك الحائك المال اللازم لشراء القماش، باعه القماش نسيئة حتى يشترى منه الثياب فيستوفى الثمن مما يدفعه؛ فإن صار القماش ثياباً … حملها وباعها فى السوق، وما سبق كله من شراء وبيع مرتين، هو من أعمال المضاربة التى يجيزها الجمهور إذا أذن المالك له ببيع النسيئة، والأَبْسط أن يستأجره على هذا العمل، والنتيجة واحدة وما يجوز للأول يجوز للثانى الذى استأجر.

وبمراجعة الأمثلة التى جئنا بها عن الفقهاء … نجد أنهم قد قالوا بمضاربات يدفع بها صاحب المال ماله إلى صاحب الحرفة مباشرة، ولم يتطرقوا – فى الغالب – إلى عامل يرى الخير فى أن يتجه إلى إنماء المال من خلال توظيفه فى حرفة معينة، والمضاربة مباشرة مع صاحب الحرف تخلق وضعا غير ذلك الذى يتعلق بموضوع استثمار مال المضاربة فى الصناعة، وهو وضع العامل فى المضاربة بين كونه وكيلاً من جهة، وأجيراً فى عمله فيما يختص بحرفته من جهة أخرى، فرأوا أن الإجارة متيسرة فى هذه الحالة. وقد خصصنا جزءاً من هذا البحث لدراسة هذا الموضوع لأهميته. والذى يهمنا هنا: هو هل يجوز استغلال مال المضاربة فى ما يتضمنه تبديل – أو إضافة إلى – عروضها المشتراة قبل إعادة بيعها.

ونضيف إلى ما سبق أن منع عامل المضاربة من بيع الأثواب التى استأجر من يحوكها، وإجباره على بيع القماش، فيه تقييداً لحريته ولقدراته، وتقييداً للمضاربة ذاتها قد ينتج عنه انخفاض أرباحها، فيعزف عنها رب المال إلى ما هو أربح، فإن أراد استثمار ماله فى هذا المجال عن طريق الإجارة … فعليه الشراء بنفسه واستئجار صاحب الحرفة، ليحوك له الثوب ثم يبيعه بنفسه، وقد لا تتوفر لديه الخبرة أو القدرة، وإن وجد من لديه الخبرة والقدرة على هذه الأعمال مجتمعة … فإن استأجره عليها، وجب عليه الإشراف، وقد لا يتمكن رب المال من بذل الجهد للإشراف ولاستيفاء العمل الذى استأجره عليه، أضف إلى هذا أن الحافز عن الشريك فى الربح أقوى منه عند الأجير، وقد يستأجر رب المال ويدفع الأجر وقد ينال مقصوده وقد لا يناله، ثم إننا قد ذكرنا أن رب المال هذا قد يكون عاجزاً أو عجوزاً أو مريضاً أو منشغلاً فكيف لهؤلاء القدرة على هذه الأعمال.

والعامل أيضاً له رغبة فى المشاركة فما قد يحققه منها قد يفوق الأجر، وإن كان صاحب حرفة … فهو بحاجة إلى التمويل مثل حاجة التاجر، والقطاع الذى يعمل فيه يفيد المجمتع بما يوفره من فرص عمل، وبما ينتجه من السلع.

أما ما جاء عن أن المضاربة تكون فى التجارة، فلا سبب شرعى يؤيد ذلك، فالمضاربة وكالة وشركة يقصد فيها النماء، والتوكيل مباح فى كل ما يجوز للإنسان أن يعمله بنفسه، والمقصود من المضاربة هو تنمية المال بالعمل، والعمل فى الزراعة والصناعة مباح وحلال كالعمل فى التجارة، ولا يوجد مانع شرعى يمنع أن يستثمر العامل المال فى الوجه الحلال الذى يجد فيه مصلحة القراض. بل ومن مصلحة المجتمع عامة، وأصحاب الحرف والصناعة خاصة أن يتوفر لهم مصدر تمويل مثل ما يوفره القراض لأشقائهم التجار، ولعامل المضاربة حقالشراء والبيع والاستئجار، وقد أوردنا المثال الذى يبين أنه – بهذه التصرفات – يستطيع شراء القماش وحياكته وبيعه ثياباً وبدون مخالفة لأى من شروط الصحة.

وقد يكون بعض الفقهاء – والله أعلم – قد فضلوا حصر المضاربة فى التجارة لسبب ثالث وهو إبقاء المعاملة – التى تعتمد فى الدرجة الأولى على التوكيل لقاء عوض مجهول – فى حدود البيع والشراء ليسر هذه العمليات ووضوحها، ولإبعاد المضاربة عن الأسباب التى قد تؤدى إلى النزاع، خاصة إذا كان عامل المضاربة هو نفسه صاحب الحرفة. ولا شك أن شراء الشئ وبقاءه على حاله طوال مدة المعاملة ثم بيعه كما هو عدداً ونوعاً وشكلاً، يختلف عن شرائه وتغيير وتبديل حاله ثم بيعه كشئ آخر مختلف عن المُشْتَرى فى الشكل والنوع والعدد.

ففى الحالة الأولى … تشترى السلع وتبقى على حالها حتى تباع، فيمكن أن تنفسخ المضاربة فى أى من مراحلها ويمكن أن ينضض المال بسهولة ويسر، كما أن تكاليف الشراء والنقل والتخزين والعرض والبيع ليست بالتكاليف المعقدة ويسهل مراجعتها عند الاختلاف، وهذه المصروفات لا تختلف كثيراً فى أسسها أو عناصرها، وإن تنوعت التجارة وتنوعت البضائع.

بينما فى حالة الحرف، فهى تتنوع وتختلف باختلاف الحرفة فشراء الحب وطحنه وخبزه فى الفرن ثم بيعه خبزاً، يختلف عن شراء الخشب والمسمار والغراء وقطعه وتشكيله بالعدد والأدوات وجمه كنضدة وصبغها أو صقلها ثم بيعها، وقد تستنفذ تكاليف الصنع جزءاً كبيراً من رأس المال، وهناك الهالك، وقد يختلط الحب أو الخشب المشترى مع غيره فيصعب معرفة المنتج إن ضارب العامل لأكثر من رب مال، أو يجبر هالك هذا ذاك، وهناك أجرة العمال والآلة والأدوات وغيرهم، والمباع لا يماثل المشترى، لا فى العدد ولا فى الشكل ولا فى الوزن ولا فى الوصف، وماذا عن أجر الطحان والخباز أو صاحب الحرفة لو كان هو نفسه العامل، وماذا عن فسخ المضاربة والمال عروض لم يزل فى طور الصنع لا مشترى ولا سوق له بعد؟

فهل رأى بعض الفقهاء أن هذا أكثر من أن يحتمله عقد المضاربة المبنى على الوكالة والثقة، وقد يؤدى جوازه إلى المنازعة فمنعوه منعاً للخلافات، قد يفسر هذا سبب منعهم لهذا النوع من المضاربة وأغلبهم أجازوها حين يستغل مالها فى الزراعة، والزراعة ليست كالتجارة إلا أنها عقد آخر جائز وربما وجدوا فيها بساطة التجارة، أو ربما أن الخبرة والعلم بها كانا منتشرين بين الناس فقل احتمال الخلاف، والذى يقف أمام صحة هذا الافتراض، أنهم لم يذكروه كسبب، وهذا ليس من عادتهم فهم قد أسهبوا فى شروحهم … إلا أنهم مع هذا الإسهاب لم يفسروا لماذا قالوا إن المضاربة لا تكون إلا فى التجارة، وتوقفوا عند هذا المبدأ، وكأنه من المسلمات الشرعية، وهو ليس منها ولأن هذا لا يخفى عليهم، فلابد أن يكون هناك سبب آخر مقنع لما ذهبوا إليه ولا يجوز لنا أن نخالفهم إلا عن فهم واقتناع.

فإذا نظرنا إلى وضع أصحاب الحرف فى العهد الإسلامى الأول … لا يسعنا إلا أن نفترض أن النزاعات بين أصحاب الحرف – الأجير المشترك – والناس، لابد وأن تكون قد وصلت إلى درجة مقلقة ضج منها الناس والقضاة حتى نستطيع تفسير ذهاب الخلفاء الراشدين عمر وعلى رضى الله عنهما إلى تضمين الصناع وحفاظاً على مصالحهم، وقد روى عن الإمام علي – كرم الله وجهه – أنه قال: ”لا يصلح الناس إلا ذلك“ وقد ذهب إلى هذا شريح القاضى وأبو يوسف ومحمد والمالكية، واختلف الفقهاء بعد ذلك فمنهم من ضمن الأجير المشترك، ومنهم من قال لا ضمان عليه.

والمقصود هنا محاولة استقصاء الأسباب التى دعت إلى منع هذه المضاربة، فهل يكون السبب – وقد دعت الحاجة إلى تضمين الأجير المشترك فى ما تحت يده حفاظاً على المصالح – أنهم لم يستطيعوا تضمينه فى مال المضاربة، لأنه لا يجوز تضمينه لو كان عاملاً فى قراض بغض النظر عن المصلحة المقصودة، لأن رب المال إن ضمن له رأس ماله فقد أَرْبى إِنْ ربح ماله وأخذ شيئاً من الربح. وعن على رضى الله عنه أنه قال: ”لا ضمان على من شورك فى الربح“ وروى معنى ذلك عن الحسن والزهرى.

وما تحت يد الأجير المشترك من خشب أو قماش أو غيرهما من متاع الناس ولمدد قصيرة، لا يقارن بمال المضاربة من دنانير ودراهم تسلم إلى المضارب وليس لصاحبها بعد هذا إلا الركون إلى أمانة المضارب وإخلاصه والقول قول المضارب إذا تلفت … فإن لم يستأمن السابقون الأجير المشترك على ما تحت يده من متاع الناس فكيف يُستأمن فى أموالهم. فمنعوا هذا النوع من المضاربة وأحالوا رب المال إلى عقد الإجارة الذى يمكن فيه تضمين الصناع وفق بعض المذاهب، إضافة إلى أن مجال الاسترباح فى الحرف كان ضيقاً فلم يجدوا ضرورة أو حاجة عند الناس تدعو إلى الترخيص به، ولم يكن أصحاب هذه الحرف بحاجة إلى التمويل الكثير فقد كانت عددهم وأدواتهم بسيطة، يملكونها فى أغلب الأحوال، فلم تتوجب ضرورة أوحاجة لتوفير التمويل لهم بعكس التجار الذين كانوا يحتاجون
إلى أموالاً كثيرة لتمويل تجاراتهم فلم تتوفر الأسباب التى من أجلها ترخص المعاملة التى اعتبروها على خلاف القياس.

ويختلف الوضع فى هذا العصر، فالحاجة والضرورة ماسة، وتتوقف عليها مصالح الناس ومنفعة الأمة، بل إن مجال الصناعة قد تعدى مجالى التجارة والزراعة فتوجب الترخيص بها لحاجة الناس لها، أما عن التضمين … فهذا لا يجوز إلا أن هذه الأمور يمكن التغلب عليها وفى نفس إطار المضاربة، وسيأتى ذِكْرُها بالتفصيل فى باب المضاربة بالقدرات فى هذا البحث، والله تعالى أعلم.

وقد رأى الحنابلة جواز هذه المشاركات، ودافعوا عنها كما سيأتى ذكره فيما بعد.

ثالثاً : المضاربة على عين يدفع بها رب المال إلى من يعمل عليها والربح بينهما:

ومثال ذلك أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، أو بآلة يعمل عليها أو شبكة يصطاد بها والرزق بينهما. وقد ذهب جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة – إلى عدم صحة ذ1لك، وعللوا ذلك أن المقصود من المضاربة هو المتاجرة برأس المال، وهذا لا يمكن بيعه، ولا يصح أن يكون رأس مال للمضاربة. والذى يتولى الكسب هو العامل فيكون له الرزق ولرب المال أجر المثل عن دابته أو آلته أو أن يدفع رب المال أجر المثل للعامل والرزق والدابة له.

وهذا رأى الأحناف كما جاء فى المبسوط للإمام السرخسى (جزء 22 ص 35): ”وإذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صاد بها من شئ فهو بينهما فصاد بها سمكاً كثيراً فجميع ذلك للذى صاد … وكذلك لو دفع إليه دابة يستقى عليها الماء ويبيع عليها أو لينقل عليها الطين ليبيعه أو ما أشبه ذلك“.

وهذا هو رأى الشافعية كما جاء فى أسنى المطالب شرح روض الطالب (جزء 3 ص 382): ”لو قارض شخص آخر على شبكة يصطاد بها، والفوائد والصيد الذى تستخرج بواسطة الشبكة تكون بينهما، لا يصح ذلك، وإنما يختص بهما العامل وللمالك أجر مثل الشبكة على العامل“.

وقال الشافعى وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى فى أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما: لا يصح، والربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذى يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله، لأن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة فى الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. (فقه السنة جزء 3 ص 300).

جاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”شرط أن يشترى شبكة ويصطاد بها والصيد بينهما، فهو فاسد ويكون الصيد للصائد وعليه أجرة الشبكة“.

وهذا ما ذهب إليه المالكية من عدم صحة ذلك، وكذلك رأى الإمامية، كما جاء فى جواهر الكلام.

وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك كله كما جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص9): ”وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح. نص عليه فى رواية الأثرم ومحمد ابن أبى حرب وأحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعى ما يدل على هذا“.

وقد تكون حجة جمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى عدم صحتها، أن هذه المعاملة لا يمكن تخريجها على المضاربة للأسباب التى ذكروها، وليست من باب الإجارة لأن العوض مجهول، ولهذا قالوا بفسادها وأحالوها إلى الإجارة وحددوا العوض بأجر المثل.

أما الحنابلة … فقد أجازوها من باب المعنى الأعم للمضاربة وهو باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك فى الرزق، هذا بماله وذاك بعمله وما رزق الله فهو بينهما، وهذا الباب أو النوع من الشركات، ومنه: المضاربة والمزارعة والمساقاة والمشاركات.

ويجب التنويه هنا أن هذه المعاملة وإن شابهت المزارعة، فى أن كلاً منهما دفع بالعين، فهى فى حالة الأرض الزراعية … اشترط بعض الفقهاء أن يكون الحب أو غيره من صاحب الأرض لأنها تنقص، أما فى حالة الدابة والشبكة والسفينة فكلها أعيان تعود إلى رب المال أيضاً ولكنها تستهلك ولو بقدر يسير، والذى هلك فى المعاملة هو منفعتها فى المدة التى دفعت فيها، والمنفعة مال عند كل الفقهاء عدا الأحناف، وهى لا تصلح أن تكون رأس مال فى مضاربة ولكنها تصلح فى المشاركة مثلها مثل منفعة العمل. وقد يمكن القول فى هذه الحالات إنها مشاركة منافع والله أعلم.

وجاء فى فقه السنة للأستاذ السيد سابق (جزء 3 ص 301) – عن ابن قدامة فى المغنى – : ”ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر فى المساقاة والأرض فى المزارعة. وقولهم إنه ليس فى أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها، وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعرض فاسد فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف فى رقبة المال، وهذا خلافه.

قال: ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطى فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو ألا يكون به بأس. قال إسحاق بن إبراهيم، قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز. وبه قال الأوزاعى.

وقال: وقالوا – أى بضع أئمة الفقه – لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر مثلها. وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على ما شرطا، لأنها عين تنمى بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض“.

وجاء فى الفقه الحنبلى فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية (فى نفس المرجع السابق): ”تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضه ويقول: أغرسها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهمان وكما يدفع إليه شجر يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو أبله يقوم عليها والدرَ والرسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها
والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة
يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها ومن كتاب ولا سنة
ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد، ثم منهم من أجاز المساقاة
والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجوازبالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر النسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك، هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة، حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الاجارة، قال: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصودة وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين فى الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا فى الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تأتى الشريعة بحل الاجارة وتحريم هذه المشاركات، وقد أقر النبى صلى الله عليه وسلم المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام،فضارب أصحابه فى حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كأنه رأى عين، ثم لم ينسخه ولم ينه عنه، ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه من بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، والله ورسوله لم يحرم شيئاً من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك، فإذا بلى الرجل بمن يحتج فى التحريم بأنه هكذا فى الكتاب وهكذا قالوا، ولا يدله من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدى إليه، فأنها حيل تؤدى إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة“.

ومما سبق … نجد أن الرأى أن هذه المعاملات كلها تشبه المضاربة والمزارعة والمساقاة إلا أنها أنواع أخرى تتبع نفس المقصد وهو دفعت العين التى تنمى بالعمل عليها إلى من يعمل عليها وينميها ببعض نمائها. وتكون المضاربة فى أحوال التجارة، وتكون المزارعة والمساقاة فى حالة الأرض الزراعية، والمشاركة الصناعية فى حالة الحرف والصناعة، وغيرها من الأسماء التى تعود إلى المشاركة فى استثمار يختص بمجال معين، وكلها تعود لنفس المبدأ وإن اختلفت فى التفاصيل.

ويمكن تخريج المشاركات – التى قال بها الحنابلة – كدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، إما : بأنها دفع لعين دفع لعين تنمو بالعمل إلى من يعلم عليها وينميها بجزء من نمائها، كالمزارعة والمساقاة والمضاربة. أو تخريج هذه المشاركات على أنها مشاركة منافع فى الكسب الذى يتحصل عليه من بذلها.

<< previous page next page >>

الفصل الثامن

آثار المضاربة الفاسدة

أولاً : فساد المضاربة بتخلف شرط من شروط صحتها

إذا فسدت المضاربة نتيجة تخلف أو اختلال شرط من شروط صحتها، ولا تعدى من قبل العامل … فقد قال الفقهاء فيما يتعلق بالربح والضمان، وأجر المثل والتصرف ما يلي:

1- الربـح:

قال الحنابلة في المغني (جزء 5 ص 52): ”أن الربح جميعه لرب المال، لأنه نماء ماله، وإنما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط، فلم يستحق منه شيئاً“.

وقال الأحناف والشافعية والإمامية والزيدية بمثل هذا، فيكون رأي الفقهاء أن الربح في القراض الفاسد لرب المال، والخسارة عليه وللعامل أجر المثل.

أما المالكية … فقد قالوا في بعض حالات فساد القراض إن للعامل قراض المثل، وهو مثل ما يأخذه عامل آخر في قراض مماثل، وقد يكون قراض المثل أيضاً هو نفس القراض الذي فسد؛ إذا كان الشرط المفسد لا يؤثر في عمل المضارب وقدرته على تحقيق الربح والله أعلم. وقد ذكروا في المضاربة الفاسدة ثلاثة أوجه: الأول إذا قارض رب المال العامل على عرض يبيعه ويقارض بثمنه، أو وكله على تحصيل دين له من آخر ليعمل به قراضاً، فامتثل العامل وباع العرض أو حصل الدين وضارب بالمال، فيكون له أجر مثل عمله في توليه بيع العرض أو تحصيل الدين، وله ربح مثله إضافة لما تقدم إن عمل في المضاربة وربح (الشرح الكبير للدردير جزء 3 ص 456).

والثاني لو كان نصيب العامل من الربح مجهولاً، أو عين المالك له وقتاً تنتهي بإنتهائه، أو قيده بالبيع والشراء من شخص معين، أو شرط عليه الضمان، أو قيده بالتجارة فيما يوجد تارة وينعدم أخرى، أو اختلفا في جزء الربح فقال العامل لي الثلثان وقال المالك لك الثلث مثلاً وكان العرف لا يقر دعوى أحدهما، ففي هذا كله يكون للعامل قراض المثل، إن عمل في المال وربح وإن لم يحصل ربح فلا شئ له. (شرح الزرقاني جزء ص 215، 216).

وفيما عدا ما سبق … فللعامل أجر المثل، إذا فسدت المضاربة في غير هذين الوجهين، وله أجر المثل سواء ربح القراض أم لم يربح. وأضاف المالكية أن ما وجب فيه قراض المثل يستمر العامل في العمل حتى ينض المال، بخلاف ما وجب فيه أجرة المثل … فإنه لا يلزمه شئ من ذلك، وقالوا إن العامل في قراض المثل، يكون أحق من الغرماء، بينما هو اسوتهم في أجرة المثل.

وجاء في كتاب فقه المضاربة للدكتور علي حسن عبد القادر في صفحة 30، 31 – وانظر ص 59، 60: ”والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل أن قراض المثل متعلق بنماء ذلك المال وإن كان فيه ربح فله حصته وإن لم يكن له ربح فلا شئ له على الأظهر، وأما أجرة المثل فإنها متعلقة بذمة صاحب المال“.

ويضيف الدكتور علي حسن عبد القادر: ”ولا يستحق المضارب في المضاربة الفاسدة النفقة ولا الربح المسمى، وإنما له أجر عمله سواء كان في المضاربة ربح أو لم يكن؛ لأن المضاربة الفاسدة، في معنى الإجارة الفاسدة والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الاجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل والربح كله يكون لرب المال، ولأن الربح نماء ماله والخسران عليه“.

2- الضمان:

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”ولا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه“. وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية والإمامية والزيدية، وبهذا قال الإمام أبو حنيفة.

3- أجر المثل:

وجاء في مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 518): ”وإذا فسدت المضاربة فالربح لرب المال، لأنه نماء ماله، والعامل إنما يستحق بالشرط، فإذا فسدت فسد الشرط، فلم يستحق شيئاً، وللعامل أجر مثله نصا، ولو خسر المال أو ربح“.

وقال الأحناف والشافعية والإمامية والزيدية بمثل هذا، فقد قال الرملي (جزء 5 ص 228، 229) عند الشافعية إذا فسدت المضاربة: ”نفذ تصرف العامل، والربح بكماله للمالك لأنه نماء ملكه، والخسران عليه، وعليه للعامل أجرة مثل عمله وإن لم يحصل ربح“.

وجاء في الفقه الحنفي في تكملة رد المحتار بوجوب أجر المثل عند فساد المضاربة، سواء كان في المال ربح أم لم يكن، وسواء زاد أجر المثل على ما سمي له من الربح أم لا.

جاء في تكملة فتح القدير (جزء 7 ص 60): ”والربح لرب المال، لأنه نماء ملكه وهذا هو الحكم في كل موضع لم تصح المضاربة، ولا تجاوز بالأجر القدر المشروط عند أبى يوسف خلافاً لمحمد كما بينا في الشركة، ويجب الأجر وإن لم يربح في رواية الأصل لأن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع أو العمل وقد وجد“.

أما المالكية … فقد أوجبوا أجر المثل، كما سبق – في بعض الحالات – كما أوجبوه، عندما يكون العمل المستحق عليه هذا الأجر، خارج نطاق عمل القراض.

4- التصرف:

جاء في الفقه الحنفي في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 326): ”كل ما جاز للمضارب في المضاربة الصحيحة من شراء أو بيع أو إجارة أو بضاعة أو غير ذلك، فهو جائز له في المضاربة الفاسدة“.

وجاء عند الحنابلة في المغني (جزء 5 ص 52): ”أنه – أي العامل – إذا تصرف نفذ تصرفه، لأنه أذن له فيه، فإذا بطل العقد بقى الأذن فملك به التصرف كالوكيل“.

وجاء مثل عند الإمامية والزيدية والمالكية، واتفق معهم الشافعية إلا في حالة إذا كان فساد القراض، ناتجاً عن قصور في أهلية العاقد، أو كان المتعاقد معه ولياً أو وكيلاً للمالك الأصلي، وجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 228، 229): ”وإذا فسد القراض وبقى الأذن لنحو فوات شرطه ككونه غير نقد، والمقارض مالك، نفذ تصرف العامل، نظراً لبقاء الأذن كالوكالة الفاسدة، أما إذا فسد لعدم أهلية العاقد أو والمقارض ولي أو وكيل فلا ينفذ تصرفه“.

ثانياً : فساد المضاربة بتعدي العامل

أما إذا فسدت المضاربة نتيجة تعدي العامل، وهو مخالفته لشرط من الشروط التي حددها المالك له في العقد، والتي يجوز للمالك اشتراطها، كأن ينهاه عن السفر بماله فيسافر به، أو أن يتعمد المضارب هذا الإخلال لتفسد المضاربة … فإن العامل يضمن المال، ويصير بمثابة الغاصب للمال، جاء في شرح الزرقاني (جزء 6 ص 222) في الفقه المالكي: ”وضمن – أي العامل – أن تعدى وخالف“. وجاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87) في الفقه الحنفي: ”إذا خالف شرط رب المال صار بمنزله الغاصب، ويصير المال مضموناً عليه“. وذهب أيضاً الشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية إلى تضمين العامل للمال إذا خالف ما شرطه عليه رب المال.

أما عن الربح … فقال المالكية والشافعية والإمامية إن خسارة المال على العامل، والربح له ولرب المال على ما كانا قد اتفقا عليه عند إبتداء المضاربة. جاء عن الإمام الحطاب في مواهب الجليل (جزء 5 ص 366): ”أن العامل إذا تعدى وقلنا أنه ضامن المال ان تلف وخسر فلا يختص بالربح ويقال أنه لما يضمن الخسارة فليستبد بالربح؛ بل الربح لهما على ما شرطا، لأنه يُتهم أن يكون قصد الإستبداد بالربح فعوقب بنقيض مقصوده، ولأننا لو قلنا الربح للعامل بتعديه لكان ذلك حاملاً على التعدي ليستقل بالربح، ولهذا قلنا أن كل من أخذ مالا للتنمية كالوكيل والمبضع فالعزم عليه والربح لرب المال، أما القارض فالربح لهما على شروطهما“.

وقال الحنفية أيضاً بضمانه لرأس المال، إلا أنهم قالوا إنه بضمانه لرأس المال … يكون له كل الربح، وذهب أبو حنيفة إن عليه أن يتصدق بالربح، بينما قال أبو يوسف لا يتصدق به، لأن الضمان قد لزمه فيطيب له أخذه.

أما الزيدية … فقد قالوا إن العامل لا يستحق شيئاً من الربح أو أجرة المثل، وفي رأي آخر لهما … إن على رب المال والعامل أن يتصدقا بالربح. وللزيدية آراء أخرى، منها أن الربح بينهما على ما اتفقا عليه، فإن لم يك ربحاً فليس للعامل شئ، ومنها إن كان ثم ربح وأجاز المالك؛ فللعامل في الصحيحة الأقل من المسمى وأجرة المثل.

أما الحنابلة … فقالوا إن العامل لا يستحق شيئاً من الربح، وفي رأي آخر لهم إن على رب المال والعامل أن يتصدقا بالربح، ولهم رأي ثالث إن العامل يستحق الأجر وإن خالف وتعدى، وفي مقدار هذا الأجر … عندهم روايتان، إحداهما أجر مثله إن كان أقل من الربح وثانيتهما الأقل من المسمى أو أجر المثل.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة

المضارب متصرف بالأذن فلا يتصرف في غير ما إذن له فيه كالوكيل.

ما يملكه المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف. والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضاً من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: اعمل برأيك أو كما شئت، وأخيراً هناك تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها صراحة أو يأذن بها.

أما الذي ليس للمضارب أن يعمله، فشراء ما لا يملك بالقبض ولا يجوز بيعه فيه إذا قبضه، مثل: الخمر والخنزير والميتة والدم والخبائث والمحرمات والمغصوب.

1- الشراء:

وله أن يشتري بثمن المثل أو بأقل أو بما يتغابن الناس في مثله، فإن اشترى بأكثر من ثمن المثل وبغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. ويجوز له شراء المعيب إذا رأى المصلحة فيه، ويجوز له أن يرد المشتري إذا وجد فيه عيباً، وليس له أن يشتري في الذمة دون إذن رب المال.

2- البيع:

وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير … فإن باع بغبن فاحش، فإما: يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص في الحالتين أن تعذر رد المبيع أو الرجوع على المشتري بالفرق. وهذا ما قال به الجمهور وذهب إليه الإمامان أبو يوسف ومحمد من الأحناف، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة؛ إذ جاء في الدر المختار (جزء 8 ص 288): ”ولو باع مال المضاربة بما لا يتغابن فيه أو بأجل غير متعارف جاز عند الإمام“.

ولم يجز المالكية والشافعية والإمامية للعامل أن يبيع بالنسيئة إلا أن يأذن له رب المال بذلك، وأجاز الحنابلة له ذلك إن فوَّض رب المال أمر المضاربة إليه، كقوله له: أعمل برأيك أو تصرف في المال كيف شئت. وأجاز الإمام أبو حنيفة للمضارب أن يبيع مال المضاربة نسيئة دون حاجة إلى إذن من رب المال، وإلى هذا ذهب الزيدية أيضاً.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 39): ”وفي البيع نسيئة روايتان: أحداهما: ليس له ذلك. وهو قول مالك وابن أبى ليلى والشافعي لأنه نائب في البيع لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والإحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال، وقرينة الحال تقيد مطلق الكلام فيصير كأنه قال: بعه حالاً. والثانية: أنه يجوز له البيع نساء وهو قول أبى حنيفة وإختيار ابن عقيل؛ لأنه أذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر“.

وجاء في فقه السنة في باب الوكالة (جزء 3 ص 230): ”قال الإمام أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء نقداً أو نسيئة، وبدون ثمن المثل وبما لا يتغابن الناس بمثله وبنقد
البلد وبغير نقده، لأن هذا هو معنى الإطلاق. وقد يرغب الإنسان في التخلص من بعض ما يملك ببيعه ولو بغبن فاحش“.

ويضيف المرجع السابق: ”هذا إذا كانت الوكالة مطلقة، فإذا كانت مقيدة فإنه يجب على الوكيل أن يتقيد بما قيده به الموكل ولا يجوز مخالفته إلا إذا خالفه إلى ما هو خير للموكل، فإذا قيده بثمن معين فباعه بأزيد أو قال بعه مؤجلاً فباعه حالاً صح هذا البيع. فإذا لم تكن المخالفة إلى ما هو خير للموكل كان تصرفه باطلاً عند الشافعي، ويرى الأحناف أن هذا التصرف يتوقف على رضا الموكل فإن أجازه صح وإلا فلا. وعند الحنابلة أن الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو الثمن الذي قدره له الموكل بما لا يتغابن الناس فيه عادة صح الشراء للموكل وضمن الوكيل الزيادة، والبيع كالشراء في صحته، وضمان الوكيل النقص في الثمن، أما ما يتغابن فيه الناس عادة فعفو لا يضمنه“.

وجاء في رأي في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 458): ”أن فعل العامل شيئاً مما ذكر من التصرف بالغبن أو بالنسيئة لا مع الأذن وقف على الأجازة ولا يقع باطلاً عند القائلين بجواز عقد الفضولي فإن أجازه المالك نفذ وإلا بطل“.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك كما جاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 231)، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال
ربح … فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول: ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة، سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

أما عن شراء الوكيل، جاء في المغني (جزء 5 ص 117): ”شراء الوكيل من نفسه غير جائز وكذلك الوصى. وجملة ذلك: أن من وكل في بيع شئ لم يجز له أن يشتريه من نفسه في إحدى الروايتين نقلها ههنا. وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئاً لنفسه في إحدى الروايتين. وهو مذهب الشافعي، وحكى عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما.

والرواية الثانية: عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين.

أحدهما: أن يزيدا على مبلغ مثله في النداء.

والثاني: أن يتولى النداء غيره. قال القاضي: يحتمل أن يكون إشتراط تولى غيره النداء واجباً. ويحتمل أن يكون مستحباً. والأول أشبه بظاهر كلامه. وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني: أن يولى من يبيبع ويكون هو أحد المشترين.

ويضيف نفس المرجع: وقد روي ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك فرساً فقال الوصي: أشتره؟ قال: لا“.

وجاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شئ هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لأن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الإجتهاد في الزيادة، وبين الغرضين مضادة“.

والمضارب حتى يتحقق الربح وكيل؛ فإن ظهر ربح يصبح شريكاً في المال بقدر نصيبه من الربح.

4- استدانته للمضاربة:

اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فلو اشترى سلعة برأس المال كله، ثم اشترى أكثر بثمن مؤجل أو استدان لنقلها … يكون هذا من قبيل الإستدانة، وليس من حقه أن يستدين على المضاربة دون إذن رب المال؛ فرب المال لم يضمن سوى رأس المال الذي دفع به إلى المضارب، ولا يجوز إلزام رب المال ضمان الزيادة، التي لم يرض بها أصلاً، ولأن المالك لم يضمن الزيادة … فلا يحق له شيئاً من ربحها، وليس عليه غرمها.

أما لو أذن له المالك أو فوضه أمر المضاربة بما يخول له القيام بذلك … فإن الرأي كما يلي:

أجاز الشافعية للمضارب، إذا أذن له المالك أن يشتري بضاعة، ويدفع جزءاً من الثمن والباقي دين على المضاربة، جاء في الرملي (جزء 5 ص 231): ”ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال إلا بإذن المالك“.

أما لو لم يأذن رب المال فلا يقع الزائد على مال المضاربة، ويلزمه الثمن من ماله.

ويرى الحنابلة أن رب المال لو أذن للمضارب بالإستدانة … جاز له ذلك وكان ديناً على المضاربة. أما لو استدان المضارب من غير إذن أو تفويض مسبق … فإن الشراء الزائد يكون كما يشتريه لنفسه، وكان ربح البضاعة – التي اشتراها بثمن مؤجل – له وخسارتها عليه.

وذهب الأحناف إلى عدم جواز الإستدانة إن لم يأذن المالك … فإن أذن المالك للمضارب جاز له، إلا أنهم قالوا إن ما يستدينه المضارب يكون بينهما شركة وجوه، وعلى هذا … يكون المشتري بثمن مؤجل بين المالك والمضارب نصفين، إلا إذا اشترطا غير ذلك من التفاضل في الضمان … فإن شرطاً التفاضل في الضمان … كان الربح كذلك، ويصير الثمن ديناً عليهما من غير مضاربة، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ومنع المالكية العامل أن يشتري للقراض بالدين وإن أذن له رب المال، إلا أن يأذن له أن يشتري على القراض على أنه إن ضاع مال القراض كان – أي رب المال – ضامناً لذلك في ذمته … فإن ضمن رب المال يجوز وتكون السلعة من مال القراض. وذكروا بأن المضارب لو اشترى بأكثر من رأس المال … فإن اشترى بمؤجل في ذمته لنفسه يصبح شريكاً لرب المال بما زاده على مال المضاربة، ولأن رب المال لم يضمن هذا المال، ولأن العمل من المضارب … يختص المُضارب عندئذ بربح الزيادة وخسرها.

وأجاز الإمامية للمضارب أن يشتري بثمن مؤجل إن أذن له المالك، فإن لم يأذن واشتراه لنفسه صح شراءه لنفسه … أما إن اشتراه وذكر المالك، ولم يجزه المالك بعد ذلك … بطل شراؤه، سواء كان في حق المضاربة أو لنفسه، وبطلان الشراء في حق المضاربة لعدم إجازة المالك، وبطلان الشراء لنفسه فلأنه لم يكن قاصد الشراء لها.

وأجاز الزيدية إستدانة المضارب إذا أذن المالك، وأضافوا الدين إلى رأس مال المضاربة السابقة.

5- الرهن والإرتهان:

قالت الأحناف بجواز أن يرهن المضارب بدين على المضاربة من مالها، وأن يرتهن بدين له منها، ورأى ذلك المالكية والإمامية والزيدية – في أظهر القول – قياساً على أن هذه الأمور من متطلبات التجارة، وله أن يفعل كل ما كان عملاً من أعمالها.

ورأى الحنابلة قياساً على الشركة عندهم أن للشريك أن يرهن وأن يرتهن إذا دعت الحاجة، وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الشافعية الذي يمنعون فيه الشريك من ذلك؛ لأن فيه خطرًا ومجازفة.

6- التوكيل:

رأى الأحناف والزيدية بجواز أن يوكل المضارب غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، ورأى المالكية عدم جواز أن يوكل غيره … فإن فعل وتصرف وكيله … كان عليه ضمان ما يهلك أو يتلف من المال، ورأى الحنابلة في رأي لهم عدم الجواز، إلا إذا عجز المضارب عن القيام بالأمر والذي وكل فيه، وفي رأي آخر لهم … قالوا بجواز التوكيل في الشركة، والمضاربة نوع من الشركة.

7- الإبضاع:

اشترط المالكية موافقة المالك لإبضاع العامل للغير … فإن فعل دون الرجوع إلى المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترط الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف أن الإبضاع من عادة التجار، ولهذا فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة … فلهم رايان: رأي يجيز له ذلك، ورأي يشترط موافقة رب المال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87): ”وله أن يدفع المال بضاعة لأن الإبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح والإبضاع طريق إلى ذلك، ولأنه يملك الإستئجار فالإبضاع أولى لأن الإستئجار استعمال في المال بعوض والإبضاع استعمال فيه بغير عوض فكان أولى، وله أن يودع لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة“.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك.

9- الحوالة:

وهي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وتكون هنا في بيعه من مال المضاربة بثمن مؤجل إلى من يريد نقل الدين من ذمته إلى ذمة رجل آخر، والرأي عند الحنفية هو أن الحوالة من عادة التجار وله ذلك، وأجاز الحنابلة للشريك في الشركة أن يتعامل بها، بينما اشترط المالكية موافقة رب المال … فإن فعل دون إذنه ضمن.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العمل:

ذهب الحنابلة والأحناف والزيدية والإمامية – في رأي لهم- إلى جواز خلط المضارب ماله بمال المضاربة، بإذن رب المال وقبل بدء العمل، وأعتبروا تفويض رب المال أمر المضاربة إليه كافياً، جاء في بدائع الصنائع عند الأحناف: ”القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له أعمل برأيك وإن لم ينص عليه، فالمضاربة والشركة والخلط“.

بينما ذهب الشافعية –في الرأي الأظهر- إلى منع الخلط، وفي رأي آخر إلى إشتراط الأذن الصريح الواضح بالخلط، وإلا فسد القراض. وقال المالكية بجواز الخلط إذا كان العامل قادراً على التجر بالمالين، ومنعه إن لم يكن قادراً … فإن تجر في ماله وعطل مال رب المال، فيكون عليه رأس المال في أظهر القول عندهم، ويكون عليه ما حرمه من الربح في قول آخر.

أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل، فقد منعه الفقهاء عن ذلك لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح، جاء في الروضة عند الأحناف (جزء 5 ص 148): ”إن خلط العامل مال المضاربة بماله صار ضامناً، وكذا لو قارضه واحد على مالين بعقدين فخالطهما ضمن، فلو دفع إليه الفا قراضاً ثم ألفا وقال ضمه إلى الأول، فإن لم يكن تصرف بعد في الأول جاز“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله، فإن فعل ولم يتميز ضمنه، لأنه أمانة فهي كالوديعة. فإن قال له أعمل برأيك جاز له ذلك. وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضمان أن فعله لأن ذلك ليس من التجارة. ولنا: أنه قد يرى الخلط أصلح له. فيدخل في قوله أعمل برأيك“.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

يجوز ذلك إذا كان مال المضاربة الأولي مازال ناضاً، أما إذا كان المال الأول قد أصبح عروضاً … قال الحنابلة لا يجوز الخلط؛ لأن ضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، ولو شرط رب المال ذلك في العقد الثاني يفسد العقد الثاني. جاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”إذا دفع إليه ألفاً آخر، لم يجز له ضم أحدهما إلى الآخر، لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم، فلم يملك تغييره، فإن أمره بضمهما قبل التصرف فيهما أو بعد أن نضا جاز، وصار مضاربة واحدة، وإن كان بعد التصرف وقبل أن ينضا لم يجز“. وذهب الإمامية في الرأي إلى مثل ما ذهب إليه الحنابلة.

أما المالكية فقد قالوا بجواز الضم إذا اشترطا ذلك في العقد الثاني وكان العامل لم يبدأ العمل في المال الأول سواء كان نصيب العامل في الربح متفقاً في العقدين أو مختلفاً، أما إذا لم يشترطا خلط المالين أجازوا للعامل أن يخلطهما من تلقاء نفسه لو كان نصيبه في الربح بنسبة واحدة في المالين وكان المال الأول لم يزل ناضاً (التاج والإكليل جز 5 ص 264).

أما إذا كان المال الأول عروضاً … أجازوا له الخلط، لو كان نصيبه من الربح في المالين متفقاً، وعلى ألا يشترط رب المال الخلط في العقد؛ لأن الإشتراط يكون زيادة يشترطها رب المال على العامل فلا يجوز، ولرب المال أن يشترط خلط المالين بعد نضوض الأول؛ بشرط أن يكون القراض الأول لا ربح فيه ولا خسارة، وأن يكون ما شرط للعامل في المال الثاني مثل ما شرط له في المال الأول.

والأغلب أن الشافعية يمنعون الخلط، سواء كان المال ناضاً أو عروضاً.

والمقصود عند من منع العامل من الخلط من تلقاء نفسه، إذا اختلفت نسب الربح في المضاربتين وكان المال الأول ناضاً لم يتصرف فيه بعد، هو أن العامل إذا خلطهما وتاجر في عدة سلع، يؤدي هذا إلى جَهالة الربح الناتج عن كل منهما على حدة، وقد يخصص العامل الجزء الأكبر من الربح إلى المضاربة، التي نصيبه فيها أكبر. أما إذا قلنا يقسم الربح بين المضاربتين بنسب رأس المالين، ففي هذا جهالة قدر نصيب كل مضاربة من الربح، وهو إن خلط وخسرت تجارة سلعة من السلع التي تاجر بها وكانت بقدر أحد المالين … صعب عليه اقناع المالك بأن أحد المالين خسر،؛ فينجبر خسران مضاربة من ربح الأخرى فينقص ربحه المتوجب له من المضاربة الرابحة، وإن أصر على حقه قد يظن المالك أنه لم ينصفه، فيؤدي هذا كله إلى النزاع.

والأولى أن تنفسخ الأولى من البداية؛ حيث إنه لم يباشر العمل بعد، ويدفع رب المال المالين إلى العامل في مضاربة جديدة تكون نسبة العامل فيها من الربح متوسط النسبتين، فإن كان له نصف الربح في الألف الأولى؛ والربع في الألفين الثانية؛ يكون له الثلث من ربح المضاربة الجديدة ذات الثلاثة آلاف رأس مال.

فإن كانت النسب واحدة، وكان المال الأول لم يزل ناضاً، جاز له الخلط من تلقاء نفسه إذا كان هذا ما يرغب به ويرى فيه المصلحة، ولا يشترط قبول رب المال؛ لأن الضرر إن حدث سيصيبه هو ولن يصيب رب المال، لأنه إن لم يخلط لا يجبر ربح واحدة الأخرى … فإن خلط صار المال كله مضاربة واحدة، وهذا لمصلحة رب المال، فكان الإختيار فيه للعامل إن لم يشترط ذلك رب المال، وجاز لأنه لا يؤدى إلى النزاع، وليس فيه جَهالة في الربح لأن المضارب متى خلطهما صارا مضاربة واحدة.

والمقصود عند من منع الخلط، وكان العامل قد باشر في العمل:

أ‌-   إن للعامل في الربح وليس عليه في الخسارة، فإن ربح أحد المالين وخسر الآخر، فللعامل ربح الأول ولا شيء عليه في الثانية. أما لو خلط المالين جبر ربح الأول خسارة الثاني … فلم يظهر ربح فيها، فيصبح لا شئ للعامل في مجموعهما، فيخسر من جراء ذلك.

ب‌- إن رب المال إن اشترط هذا، ففيه زيادة وفائدة له؛ فلم يجيزوا له
هذا الشرط، ولأن المنع كان لحماية العامل فقد جوز المالكية الخلط للعامل إذا كان هذا رأيه ودون شرط عليه.

12- مضاربته للغير:

ذهب المالكية والحنابلة والإمامية إلى أن المضارب ليس له أن يأخذ من آخر مالا مضاربة إن كان في ذلك ضرر على رب المال الأول، إلا أن يأذن له.

وقال الحنابلة في الإنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”إن دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فأنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الإستحباب وإن فعل فلا شئ عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

أما لو ضارب مع غير رب المال دون إذنه، وكان في أخذه المال الثاني ضرر على المضاربة الأولى … ذهب أكثر فقهاء الحنابلة إلى أن ربح المضارب من المضاربة الثانية، يرد إلى المضاربة الأولى كربح للمال الأول.

وقال الشافعية بالجواز إذا كان ذلك في وقت واحد، جاء في مغني المحتاج (جزء 2 ص 315): ”ويجوز أن يقارض الإثنان عاملاً واحداً، لأن ذلك كعقد واحد ثم إن تساويا فيما شرط فذاك وإن تفاوتا كأن شرط أحدهما النصف والآخر الربع؛ فإن أبهما لم يجز، أو عينا جاز إن علم بقدر ما لكل منهما“.

وقال الأحناف في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 315): ”ولو سافر بماله ومالها أو خلط بإذن أو بمالين لرجلين أنفق بالحصة“.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

قال المالكية في المدونة (جزء 4 ص 55): ”لا يجوز للعامل أن يشارك بالقراض إلا بأمر رب المال“.

أما الأحناف والحنابلة … فقد اعتبروا أن تفويض رب المال أمر المضاربة للعامل بمثابة إذن له في المشاركة مع غيره، قال الكاساني (جزء 6 ص 95): ”فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، وأن يشارك غيره في مال المضاربة شركة عنان، وأن يخلط مال المضاربة بمال نفسه، إذا قال له رب المال أعمل برأيك، وليس له أن يعمل شيئاً من ذلك إذا لم يقل له ذلك“.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

أ-  أجمع الفقهاء على عدم جواز إعطاء العامل رأس المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال. جاء في شرح الخرشي لمختصر خليل في الفقه المالكي: ”يضمن العامل إذا قارض في مال القراض بغير إذن ربه، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال ولا ربح للعامل الأول، لما علمت أن القراض جعل لا يستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل فلا ربح له“.

واعتبروا ذلك تعدياً منه إن فعل ذلك، جاء في بداية المجتهد: ”ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأنصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر فإنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حظه مما بقى من المال“.

”ويرى أبو قلابة ونافع وأحمد واسحاق: أن المضارب إذا خالف فهو ضامن والربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب ويتصدق به، والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معاً“.

وذهب المالكية والأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية إلى أن للعامل أن يدفع بمال المضاربة مضاربة إلى عامل آخر لو أذن له رب المال بذلك، وخالف الشافعية وحدهم في القول الأصح عندهم، وقالوا بعدم جواز ذلك، فجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 227): ”ولو قارض العامل شخصاً آخر بإذن المالك، ليشاركه ذلك الآخر في العمل والربح لم يجز في الأصح. وقالوا في تعليل منعهم: لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملاً ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح“.

ب- أما عن صيغة إذن رب المال … فقد رأى الأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية أن تفويض رب المال أمر المضاربة إلى العامل يكفي لدفعه المال مضاربة إلى غيره، كقول رب المال له أعمل برأيك أو بما أراك الله. جاء في بدائع الصنائع: ”فأما إذا قال له أعمل برأيك، فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، لأنه فوض الرأي إليه، وقد رأى أن يدفعه مضاربة فكان له ذلك“.

وذهب الحنابلة والإمامية في رأي آخر لهما إلى ما ذهب إليه المالكية أن التفويض لا يكفي، واشترطوا إذن رب المال في ذلك صراحة.

جـ- وإذا حصل ربح في المضاربة الثانية عند صحتها وفق ما اشترط كل فقيه عن صورة إذن المالك … ذهب الحنابلة والمالكية والإمامية إلى أن العامل الأول ليس له شيئاً من الربح، وعللوا ذلك لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح يستحق بأحدهما.

جاء في المغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي: ”وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً، ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك، فإذا دفعه إلى آخر، ولم يشترط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً، وأن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح، لأنه ليس من جهته مال ولا عمل والربح يستحق بواحد منهما“.

            بينما رأى الأحناف أن الربح بين الثلاثة كما يلي:

إذا أطلق رب المال الربح في عقد المضاربة أي لم يضفه إلى المضارب، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزق الله فهو بيننا نصفان، جاء في البدائع (جزء 6 ص 97): ”فإن أطلق الربح ولم يضفه إلى المضارب، ثم دفع المضارب الأول المال إلى غيره مضاربة بالثلث، فربح الثاني؛ فثلث جميع الربح للثاني، لأن شرط الأول للثاني قد صح، لأنه يملك نصف الربح، فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول فجاز شرطه للثاني؛ فكان ثلث جميع الربح للثاني ونصفه لرب المال، لأن الأول لا يملك من نصيب رب المال شيئاً، فانصرف شرطه إلى نصيبه لا نصيب رب المال، فبقى نصيب رب المال على حاله وهو النصف وسدس الربح للمضارب الأول، لأنه لم يجعله للثاني فبقى له بالعقد الأول، ويطيب له ذلك، لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه“.

أما لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزقك الله تعالى من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح؛ فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزقه الله للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي.

وذهب الزيدية إلى رأي الأحناف الأخير حيث جاء في البحر الزخار (جزء 4 ص 83): ”فإن قال رب المال للعامل ما ربحت أو كسبت فهو بيننا نصفان، فضارب العامل غيره بالنصف، كان لرب المال الربع“.

د-  اتفق المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة والزيدية، عن عدم جواز أن يدفع المضارب مال المضاربة، مضاربة إلى عامل آخر من غير إذن رب المال، وعللوا ذلك بأن رب المال قد دفع المال إليه ليضارب به هو، وإن دفع المضارب بالمال لغيره يوجب فيه حقاً للغير، ولو فعل العامل ذلك دون إذن رب المال … فتصرف العامل الثاني في المال وخسر، اختلفت آراء الفقهاء فيمن يكون عليه الضمان.

قالت المالكية بضمان العامل الأول، ورأى الأحناف إن الضمان على العامل الأول ولرب المال أن يضمّن أيهما يشاء، ولو ضمن العامل الأول لا يرجع بما ضمن على الثاني، وإن ضمّن العامل الثاني … رجع بما ضمن على الأول، وصار حاصل الضمان على الأول؛ لأن الأول غرَّه بالعقد، فصار مغروراً من جهته، فكان له أن يرجع عليه بما ضمن.

وقال الشافعية إن تَلفَ في يد العامل الثاني وعلم بالحال فغاصب؛ فقرار الضمان عليه، وإن جَهلَ فعلى العامل الأول.

وقال الحنابلة والإمامية إن لرب المال أن يطالب من يشاء من العاملين برد المال … فإن ضمن العامل الأول … فله أن يرجع على العامل الثاني، إن كان الثاني يعرف حقيقة الأمر، وإلا … فعليه الضمان. وإن ضمن رب المال العامل الثاني، لم يرجع الثاني على العامل الأول إذا كان يعرف حقيقة الأمر … فإن لم يكن يعرف فلهم رأيان: أحدهما يرجع عليه لأنه غره، والثاني لا يرجع، لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه. وقال  العاملي في مفتاح الكرامة في الفقه الإمامي عن الرأي الأخير؛ بتضمين العامل الثاني وإن لم يكن عالمًا بالحال، أنه رأي ضعيف جداً.

وأتفق المالكية والشافعية والحنابلة والإمامية، وبعض الأحناف، بإلزام الضمان بمجرد دفع المضارب الأول المال للمضارب الثاني، سواء كانت المضاربة الأولى أو الثانية صحيحة أو فاسدة، وسواء باشر المضارب الثاني بالعمل أو لم يباشر.

أما من الأحناف … فقد قال الأئمة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن لضمان المال على المضارب الأول شرطين، الأول صحة المضاربتين، والثاني أن يتصرف المضارب الثاني بالمال في أمر من أمور التجارة، وعللوا ذلك أن فساد الثانية يجعل العامل الثاني أجيراً وللأول أن يستأجر من يعمل في المال، وفساد الأولى يوجب فساد الثانية، لأن الأولى لما فسدت صارت إجارة، فلا تصح الثانية؛ لأن الأجير ليس له أن يشارك غيره، فتفسد الثانية بالضرورة، ويصبحا أجيرين، وكذا إذا كانتا فاسدتين، وإذا كانا أجيرين … لا يضمن واحد منهما. أما إذا هلك المال ولم يكن المضارب الثاني قد تصرف فيه فأنه يهلك أمانة، ولا ضمان إلا مع العدوان أو التقصير، ولو غصب المال من المضارب الثاني … يجب الضمان على الغاصب فقط، وكذلك لو استهلك المضارب الثاني المال في غير أعمال المضاربة كتصدقه به أو كهبته المال فالضمان يلزم المضارب الثاني فقط.

هـ- أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح، فالرأي في من يختص بالربح يكون كما يلي:

قال المالكية إن الربح يكون بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للعامل الأول لتعديه.

وقال الشافعية إن تصرف العامل الثاني تصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه؛ لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل، وإن اشترى بعين المال فباطل شراؤه، وإن اشترى في الذمة وسلم ما أخذه من مال القراض فيما اشتراه وربح، فالربح نصفه للمالك، ونصفه بين العاملين سواء. وعلى القول الجديد للإمام الشافعي الربح كله للغاصب، ويكون في هذه الحالة للعامل الأول، وعليه أن يدفع للعامل الثاني أجرة عمله، وللشافعية رأي آخر أن يكون الربح في المسألة المذكورة للثاني من العاملين.

وذهب الأحناف إلى أن المضارب الأول إذا ضمن … صحت المضاربة الثانية والربح بينهما على ما إتفقا, وكذلك لو ضمن المضارب الثاني فرجع على المضارب الأول بما ضمن, فيصير حاصل الضمان على الأول, ولما تقرر عليه الضمان, كان له ربح ما ضمن, بشرط أن تكون المضاربتين صحيحتين. أما لو فسدت المضاربتان, كان الربح كله لرب المال, وللمضارب الأول أجر عمله على المالك, وللمضارب الثاني أجر عمله على الأول. ولو كانت فاسدة والثانية صحيحة؛ فالربح لرب المال وللمضارب الأول أجر المثل على رب المال, وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح. وإن كانت الأولى صحيحة والثانية فاسدة … كان للمضارب الأول ما شرط من الربح وللمضارب الثاني أجر مثل عمله على المضارب الأول.

وقال الحنابلة إن الربح كله لرب المال, ولا شيء منه لأحد العاملين, فالمضارب الأول لم يوجد منه مال ولا عمل, ويستحق الربح في المضاربة بأحدهما, والمضارب الثاني قد عمل في مال غيره بغير إذن منه ولا شرط, فلا شيء له من الربح قياساً على عدم إستحقاق العامل شيئاً من الربح في المضاربة الفاسدة.

15- سفره للمضاربة:

إن لم يشترط المالك ألاَّ يسافر العامل بالمال ولم ينهه عنه, أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين, ورأي المضارب المصلحة في السفر, قال المالكية له ذلك دون الرجوع إلى الرب المال, وكذلك قال الأحناف والزيدية والحنابلة في أظهر القول عندهم, وأشترطوا أن يكون سفره إلى جهة آمنة لا يتعرض فيها أو في الطريق إليها للأخطار وفق ظنه.

وقال الشافعية لا يجوز أن يسافر بالمال إلاَّ بإذن رب المال, وبهذا قال الإمامية والحنابلة في رأي لهم.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

اتفق جمهور الفقهاء على عدم جواز إقراضه وتبرعه ووهبه شيئاً من المال إلا بإذن رب المال.

17- أخذه وإعطاؤه سفَتجة:

السفَتجة من المعاملات التي كانت تستخدم ليأمن بها التجار مخاطر الطريق، فيأخذ الرجل مالاً أو بضاعة من آخر, ويعطيه صكاً بثمنها يصرفه عند وكيل له في بلد آخر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 92) :” ولا يأخذ سفتجة لأن أخذها إستدانة وهو لا يملك الإستدانة, وكذا لا يعطي سفتجة لأن إعطاء السفتجة إقراض, وهو لا يملك الإقراض إلا بالتنصيص عليه, هكذا قال محمد عن أبي حنيفة أنه قال: ليس له أن يقرض ولا أن يأخذ سفتجة حتى يأمره بذلك بعينه فيقول له خذ السفاتج وأقرض“.

وإلى هذا … ذهبت الزيدية والحنابلة, إلا أن الحنابلة –في رأي لهم – أجازوا له أخذه سفتجة دون أن يشترطوا موافقة رب المال, بينما اشترطوا الإذن في حالة الإعطاء.

18- المخاصمة والمقاضاة:

للفقهاء رأيان عند الأعتداء على مال المضاربة من قبل شخص آخر، أولهما: أن للعامل أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير, ولو كان للغير حق عليها فللغير أن يخاصم العامل من أجل حقه, هذا هو رأي الأحناف وأحد الرأيين عند الشافعية والحنابلة والزيدية, والرأي الثاني عندهم أن المضاربة عقد على التجارة ولا تدخل الخصومة فيه.

<< previous page next page >>

الباب الثاني – المضاربة في الفقه الإسلامي

الفصل الأول

المضاربــة

هي عقد بين شخصين، يقدم أحدهما بموجبه مالاً إلى الآخر ليتجر فيه بنصيب من الربح، فإن لم يك ثمة ربح فالمال لصاحبه، وإن كان فيه وضيعة فمن المال، وليس على الذي اتجر في المال شيئاً من الوضيعة. ويسمى الطرف الذي يقدم المال، صاحب المال أو رب المال أو المالك أو المقارِض. ويسمى الطرف الذي يتولى التجارة والعمل: العامل أو صاحب العمل أو المضارب أو رب العمل أو الأمين أو المقارَض.

وأطلق عليها أهل العراق لفظ مضاربة، والمضارب هو من يضرب في الأرض؛ أي يسافر في الأرض ويسعى فيها ابتغاء الفضل، لقوله سبحانه وتعالى:

(..وأخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله..)

                                                                    صدق الله العظيم

                                                                    (المزمل: 20)

بينما عرفها أهل الحجاز بلفظ القراض، والقراض من القرض بمعنى القطع، فكأن رب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها للعامل، واقتطع له جزءا من ربحها. والقراض أيضاً من الموازنة، يقال تقارض الشاعران إذا توازنا، وقد استخدم الحنفية والحنابلة الزيدية كلمة المضاربة بوجه عام، بينما فضل المالكية والشافعية كلمة القراض.

والقراض من عقود المعاوضة غير اللازمة والجائزة بالسنة التقريرية والإجماع، وهي مما كان معمولاً به فى الجاهلية فأقره الإسلام، وروى أبو نعيم وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضارب لخديجة رضي الله عنها قبل أن يتزوجها، بمالها إلى بصرى الشام، وأنفذت معه خادمها ميسرة، وكان هذا قبل النبوة، ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم حكى ذلك بعد النبوة مقرراً له، وكذا بُعث الرسول عليه الصلاة والسلام والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكر عليهم، وذلك تقرير لهم على ذلك والتقرير أحد وجوه السنة. وقد عمل بها المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعملوا بها من بعده، وروي عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة، منهم: عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهم أجمعين، ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد ومثله يكون إجماعاً.

وجاء في الموطأ للإمام مالك ( جزء 2 ص 687، 688): ”عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق فلما قفلا، مرا على ابي موسي الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلي أمير المؤمنين، ويكون الربح بينكما، فقالا وددنا ذلك، ففعل وكتب إلي عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلي عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا لا فقال عمر أديا المال وربحه فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه. فقال عمر أدياه. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال“.

والمضاربة وإن كان تطبيقها فى العهد الإسلامى الأول قد اقتصر على التجارة … إلا أنها قد تصلح للصناعة أيضاً، وكان المجتمع الإسلامي الأول فى المدينة يعتمد على التجارة والزراعة، ولم تتعد الصناعة أنذاك سوى بعض الصناعات البسيطة (الحرف)، وتوجد في قطاع الزراعة عمليتان مشابهتان للمبدأ الذي تقوم عليه المضاربة، وهما: معاملتا المزارعة والمساقاة، وكلهم معاملات تيسر تعاون من يملك المال مع من لديه القدرة على العمل بهدف تحقيق الربح لهما، ويجمعهم أن كل منهم عمل فى شئ ببعض نمائه مع جهالة العوض وقت العقد.

وهي إحدي المعاملات التي وفرها الإسلام للناس لإستثمار أموالهم وإنمائها، وأجازها الشارع تحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس و تلبية لحاجاتهم. وتكمن أهمية المضاربة في أنها من العقود التي تعود بالمنفعة على طرفي العقد وعلى المجتمع عامة، فمن يملك المال قد يكون غير قادر على إستثماره بنفسه، إما لإنشغاله أو لعجزه أو لقلة خبرته في أمور الإستثمار والتجارة، وصاحب العمل قد يكون ماهراً ذا خبرة ودراية في أحد مجالات الإستثمار والتجارة ولا مال له، فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين، فيتعاونا هذا بماله وذاك بعمله، وينتفع كل منهما بما يرزقهما الله به، ويعم الخير على المجتمع من جراء إستثمار المال في مشروعات نافعة تخلق فرص عمل وتدفع بعجلة الإنتاج والنمو.

وهي من العقود الجائزة غير اللازمة، ولكل من رب المال والعامل أن يفسخه ما لم يشرع العامل فى العمل، أما بعد البدء… فللفسخ أحكام فصلها الفقهاء ترد فيما بعد. جاء في بدائع الصنائع (جزء6 ص109 ): ”وأما صفة هذا العقد فهو أنه عقد غير لازم ولكل واحد منهما أعني رب المال والمضارب الفسخ لكن عند وجود شرطه وهو علم صاحبه لما ذكرنا في كتاب الشركه، ويشترط أيضا أن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ دراهم أو دنانير حتي لو نهي رب المال المضارب عن التصرف ورأس عروض وقت النهى لم يصح نهيه وله أن يبيعها لأنه يحتاج إلي بيعها بالدراهم والدنانير ليظهر الربح, فكان النهى والفسخ ابطالاً لحقه فى التصرف فلا يملك ذلك، وإن كان رأس المال دراهم أو دنانير وقت الفسخ والنهي صح الفسخ والنهي“.

تعريف المضاربة فى الفقه:

عرَّفها المالكية بأنها: توكيل على تجر فى نقد مضروب مسلم بجزء من ربحه إن علم قدرهما.

وعرفها الأحناف بأنها: عقد شركة فى الربح بمال من جانب وعمل من جانب.

وعرفها الحنابلة بأنها: دفع ماله إلي أخر يتجر فيه والربح بينهما.

وعرفها الشافعية بقولهم: القراض والمضاربة، أن يدفع إليه مالا ليتجر فيه والربح مشترك بينهما.

وعرفها الإمامية بقولهم: المضاربة هي أن يدفع مالا إلي غيره ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه.

والمضاربة هي شركة في النماء الناتج عن المال والعمل، ويسمى النماء ربحاً، والربح عامة يستحق كما جاء في الفقه الحنفي في قول الكاسانى: ”إما بالمال، إما بالعمل، وإما بالضمان. ويضيف : أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر، لان الربح نماء رأس المال فيكون لمالكه، لهذا استحق رب المال الربح فى المضاربة. وأما بالعمل، فان المضارب يستحق الربح بعمله، فكذا الشريك. وأما بالضمان، فان المال إذا صار مضموناً على المضارب يستحق المضارب جميع الربح، ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجا بضمان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: الخراج بالضمان فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له“.

والمضاربة فى أولها أمانة، لأن رب المال يسلم ماله إلي العامل أمانة فى يده؛ حتي يتصرف فيه، فيكون المال في هذه الفترة أمانة في يد العامل، ويجب عليه حفظه وصونه ورده إن طلب منه المالك ذلك، فإن بدأ العمل وتصرف فيه، تصبح وكالة لأن العامل يتصرف فى المال بإذن صاحبه فهو وكيله في التصرف؛ فإذا تحقق نماء في المال… تكون شركة لاشتراكهما في ملكية النماء، وإن هلك جزء من رأس المال، لا تحصل المشاركة لعدم ظهور الربح الذي يشتركان فى ملكه، ويظل العامل وكيلاً فلا يكون عليه شيء في الخسارة، وإن فسدت المضاربة دون تعد منه يصبح عند الشافعية والحنابلة والحنفية أجيراً، وعند المالكية يكون له قراض المثل في بعض الحالات، وأجر المثل في الحالات الأخرى. وليس على العامل ضمان فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه…فإن تعدى أو خالف إلى ما لم يأذن له فيه ضمن.

<< previous page next page >>