الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (2 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الثاني من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

دلالات الآيات القرآنية في خلق الحياة والإنسان

بعد هذه المقدمة، فيما يلي أدعو القارئ للنظر وإعمال الفكر والتدبر في آيات خلق الحياة والإنسان، آخذا في الأعتبار أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وأن الله تعالى يسره للذكر:

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (20) سورة العنكبوت

في هذه الآية الكريمة، يأمرنا الله أن نسير في الأرض لنعرف كيف بدأ الخلق.  ترى لو كان خلق الحياة، أو خلق الإنسان، أو خلق آدم كان أيهم خلقًا آنيًا إعجازيا، فلن يفيد سيرنا في الأرض لأننا لن نجد شيئًا من أثر هذا الخلق الإعجازي، لأن الخلق الإعجازي لا يتكرر. أما لو كان الخلق وفق نظام يخضع لقوانين الطبيعة، فسوف نعرف بالملاحظة والتجربة ودراسة الحفريات وعلوم الأحياء والكيمياء والفلك والعلوم الأخرى الكثيرة التي تتكاتف لتقدم نظريات تساعدنا على فهم هذا الكون الذي نحن فيه ومنه. الأمر الألهي يدل على أن بدء الخلق معقولا يمكن معرفته بالعقل إذا أتبعنا الأسباب، وقد فعل هذا الباحثون أمثال تشارلز داروين الذي أبحر وسار في الأرض ونظر في المخلوقات ودرسها واستنبط فكرة النشوء والإرتقاء والتطور. وتبعه كثيرون درسوا الحفريات وبقايا عظام المخلوقات وأكدوا وطوروا هذه النظرية. نحن لم نطيع أمر الله ففاتنا إكتشاف هذا السبق العلمي والسبيل اليه في كتابنا الكريم.    

وفي قوله سبحانه وتعالى:   {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} سورة الأنعام 133

قوله تعالى {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} نجد هنا معنى هام، إذ نحن – أي النوع البشري – نشأنا من ذرية قوم آخرين، لاحظ هذا الطبري، إذ يقول في تفسيره: “يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} يقول: ويأت بخلق غيركم، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم . {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم” .بينما ذهب ابن كثير الى ان الله تعالى كما أذهب القرون الأولى وأتى بالتي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، ولكنه لم يتعرض لشرح دلالة لفظ من ذرية قوم آخرين.

فان كان هؤلاء الناس نشأوا من ذرية قوم سبقوهم، فالسابقون أجدادهم وقومهم، وليسوا ’قوم آخرون’، والقوم تجوز على الإنسان والملائكة والجن، واصل اللفظ من القيام. وجاء المعنى أيضًا في {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} وخلق جديد يصح أن يدل على نوع جديد، وليس خلق مثلكم.

الجنس أو النوع الإنساني الحديث (هوموسابيان) والذي نحن منه، نشأ من ذرية نوعا آخر يسبقه، في الغالب هو الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف –  Homo erectus  وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، بالرغم أننا جئنا من ذريتهم، أي أنهم أجدادنا، إلا أنهم قوم آخرون، والإختلاف هنا في النوع لا في النسب. والإنشاء يستدعي بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا. وهذا يناسب تطور الأنواع من نوع الى نوع بما لهذا التطور من امتداد زمني ونمو وظهور.

وفي قوله سبحانه وتعالى:  {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا} (1) سورة الإنسان

يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه بعد خلقه حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية.

ولو أخذنا معنى لفظ الإنسان هنا على أنه آدم، أول إنسان خلق، كما فعل كل المفسرون الأوائل، فسنقع في إشكالية أن آدم خلق وتعلم وأكرم (بالأمر للملائكة بالسجود له) في وقت قصير، وأن أبناء آدم وسلالته كرموا من بعده لقوله تعالى عن من جاءوا بعد آدم من نسله: { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم.

القول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

وفي قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} آل عمران 33-34

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. 

وفي قوله تعالى:{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …….}(11)  سورة فاطر،

الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية (وحيدة الخلية) تتكاثر بالإنقسام لمثلها، ثم مخلوقات ذات خلايا متعددة مجتمعة مركبة أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

يقول القرطبي في تفسيره:”قوله تعالى : والله خلقكم من تراب ثم من نطفة قال سعيد عن قتادة قال : يعني آدم عليه السلام ، والتقدير على هذا : خلق أصلكم من تراب . ثم من نطفة قال : أي التي أخرجها من ظهور آبائكم . ثم جعلكم أزواجا قال : أي زوج بعضكم بعضا ” وذكر مثله المفسرون الآخرون. وهنا تجاوز المفسرون إشكالية أن النطفة التي يشيرون إليها تأتي من الذكر والأنثى، واللذين لم يُجعلا بعد وفق سرد الآية الكريمة، لقوله {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا}، لأن ثم تستوجب أنتهاء ما قبلها قبل حدوث ما بعدها، ولم يبينوا كيف جاءت النطفة من ظهور الآباء في الوقت الذي لم يُجعل المخلوق بعدٌ أزواجا. ولهذا فالنطفة المذكورة مخلوق حي ليس المني أو البويضة، وإنما خلية تتكاثر بالإنقسام لمثلها، تطورت بعد ذلك الى مخلوق من نوعين؛ ذكر وأنثي يتكاثران بالتزاوج. ونحن نعلم أن أول المخلوقات من التراب كان منذ أكثر من 3 بليون سنة، كائن أولي بسيط ميكروسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. حتى قبل 1,7 بليون سنة عندما ظهرت كائنات أكثر تطورًا وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام. وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن تطورت حتى ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا التي تنوعت ثم ظهر الإنسان منذ بضع مليون سنة.

والسرد المذكور في الآية يدل على الخلق من التراب ثم من خلية تتكاثر بالإتقسام ثم بالتزاوج ونحن من تطور هؤلاء أزواجا. ويسمح السرد في نفس الوقت بتفسيره كما فسره الأوائل وفق علومهم دون أن يسبب لهم إرباكاً وبلبلة.

 

في قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذَّين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون } سورة التين : 4-6

تقويم : من قوم وهى أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم .وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن انتصابه، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، حتى وصل المخلوق الى مرحلة الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف –   Homo-erectus.

وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي وقوف وانتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا كما قلنا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل من جنسه وأفسد في الأرض، وهو يفعل ذلك منذ ان خلق في أحسن تقويم وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان.

وقد يكفى هذا المعنى إلا أن من الباب قوّمت الشىء تقويماً؛ وأصل القيمة الواو؛ وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك . وقد يدل هذا على أن الانسان قام مكان غيره وهو أحسن تركيبًا ممن قام مكانهم، فهو بذلك أحسن ما بلغته هذه العملية التطورية الخلاقة التى بلغت أحسن التصميمات الفيزيولوجية وهو الانسان.

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك } سورة الانفطار:6-8 .

لاحظ قوله سبحانه وتعالى عدلك . وعدل أصلان يدل أحدهما على الاستواء والآخر على اعوجاج. الأول منه العدْل والتساوى والاستقامة ومنه: المعتدلة من النوق؛ وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء، وكل ما تناسب فقد اعتدل. ونقول فى عصرنا قف معتدلاً أى منتصباً. أما سوى فهى تدل على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، والسواء هو ما كان مستوياً، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وسواك سبقت عدلك وهى لذلك قد تكون مرحلية بمعنى أن الانسان كان متساويا مع غيره من المخلوقات ثم اعتدل فوقف منتصباً على قدميه . أو يمكن القول أن الخلق حدث أولاً، وهو تقدير ما منه سيكون الشيء المخلوق وهو الإنسان، وتبع التقدير وإيجاد ما منه وجوده التسوية، وهي تعبر عن تمام خلقه وبلوغه تكوينه وتركيبه، ثم تبع ذلك الاعتدال، وهذا يدل أنه حين استوى لم يكن معتدلا فأصبح كذلك، أو أن التسوية ذاتها كان منها الإعتدال، أي القول سويتك فاعتدلت. فالفاء هنا تعبر عن نتيجة التسوية، وفى كل هذه المعاني نجد الاشارة الى أهمية الاعتدال وتناسب واتفاق الاعضاء فى  خلق الانسان وتميزه بهذا عن بقية المخلوقات، بالطبع كل المخلوقات الأخرى متفقة الاعضاء إلا أن التصميم المتميز للانسان يعطيه قدرات تفوق ما سواه، والذي ميزه في وقوفه وفي قدرته على النطق والبيان.

***  يتبع في الجزء الثالث  ***

Introduction

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Almudarabah.com & islamandsciencetoday.com are websites established to publish contemporary Islamic research, with the aim of providing a venue for Muslim scholars and intellectuals to review and discuss such issues.

Our researches are in the Arabic language because this is the language of the holy Quran, Hadith, and the majority of the Muslim scholars’ writings accumulated throughout the various ages of Islam. Gathering and reviewing such information from its original sources is essential to ensure that none of the original meaning is lost or misinterpreted during translation, especially for the verses of the Holy Quran and Hadith.

Although our researches are in the Arabic language, and at this time, only a few articles are published in the English language, we will Inshaa’Allah put an effort to write brief articles in the English language to summarize the outcome and conclusions reached in our studies, hoping to involve the very important and valued contribution of the non-Arab Muslim scholars, who during the history of Islam, have played a major role in advancing and enriching our culture and knowledge.

On the other hand, we consider translating the full published research and studies is of great importance, but this is an enormous task beyond our means and ability. That is why, we welcome any serious party willing to carry out part or parts of this tremendous task, their reward like ours, will be Inshaa’Allah the blessings of Allah.

Finally, we are hoping that this site will become a virtual conference place or a kind of workshop for all serious open-minded Muslim thinkers to review, share, discuss and hopefully guide and advance this research.

In today’s world of vast; varied and specialized knowledge, which is continuously advancing and opening new fields and horizons, no one man can master and conclude any subject. However, serious studies and research shall start from one point, then it should be placed in the open, to be reviewed by many intellectuals each in his or her specialized field, to scrutinize, examine and contribute toward advancing such research till it reaches its final or near final conclusion.

I have also advanced the researches and I am publishing them on Amazon/Books: 

Click here to go to the page of ‘List of Published Books‘.

www.amazon.com    Category books and put in the search box: Wassim Lababidi

Image of the Book Covers are shown under this Introduction and how to read the eBooks on any device.

The English language books are published on Paperback and eBooks.

The Arabic language books (shown on the Arabic Front Page) are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone.

All books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim (Arrange by “Oldest” to view the videos in order) And YouTube. 

To view the newly downloaded videos, Please click here to reach the page with the new addresses.

Please visit the YouTube channel and view a video, leave a comment or subscribe, so I know it is working and to avoid YouTube closing it. Thank you.

The main studies we are introducing on this site are:

Al Mudarabah: comprehensive research; which was printed a couple of decades ago in a 440 pages book and was distributed to academics, scholars and intellectuals working in the various fields of Islamic banking & financial institutions. The whole book is published again in digital form in this website, providing a valuable reference and materials useful to researchers, economists and bankers.

The research reviewed and listed the conditions of the Mudarabah contract, and its application in our modern times, and showed that it can be safely used as it has built in, adequate safeguards and conditions to equally protect the interest of the two partners and to ensure a satisfactory outcome of the business transaction. It also provides the means to justly measure the value of each party’s contribution and accordingly its fair share of the profit. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Al Mudarabah/Introduction’.  

Al Zakat: Scholars have differed since early Islam on the rules of and dues under Zakat. Based on the Quran, Sunnah, Hadith, and other Islamic sources, the research provides a different and new understanding of this religious duty (فريضة الزكاة), leading to a well-defined rule applicable equally to all types of money, investments and economic activities. A more detailed brief is published on page ‘Menu/Al Zakat’.

Creation: In this 21st century, the issue of creation is still troubling all religions, and the debate is still as engaged as it was 160 years ago when the concept of evolution was first published. However, we –Muslims- are blessed with the holy book which was revealed to our prophet (PBUH) some 1400 years ago.

Our research methodology is 1) to gather and list all the relevant verses in the Quran which cover the topics of creation, the observed universe and life. In the same time, 2) review and summarize the latest scientific theories and concepts covering various fields of the present human knowledge, 3) review and study the early scholar’s interpretations of the gathered Quranic verses relevant to this subject. 4) we looked at the direct meaning of the words as listed in the early accepted Arabic dictionary books (Ma’ajem  معاجم اللغة), to reach the direct meaning of the Quranic verse.

In all the verses we studied; the direct interpretation of these verses did not disagree with any of the contemporary scientific understandings, including the concepts of evolution and the creation of the universe. This research extended to almost 400 pages, with Chapter 3 dealing with the creation of man and Chapter 4 dealing with the creation of the universe and with the physics of the observed world. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Creation’.

I sincerely hope that you will read and contribute to these researches. May Allah bless this great nation and direct us to the straight path.

Wassim Lababidi


The following are the books published on Amazon/books/Wassim Lababidi

For the eBooks:
All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile and computer.
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To get the App on your mobile, it is in the Google Play Store

To install the Kindle app on an Android device (mobile): Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install” Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it. 

To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password. 

Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.

                


Added Pages:

        Index of the Videos published on the Channel on FaceBook.

Blog/ Al modawanah

YouTube Channel ‘Al Mudarabah’ Addresses of Videos published are listed with links on the page titled Videos here in this website. The Links are not working because YouTube terminated the Channel. A new channel on Facebook is already established and I am republishing the videos on Contemporary Islamic Research | Facebook.

Important Notice: To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account / page.


I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim

Index of the Videos Published in the English Language on Facebook:

Unfortunately all the links to the videos are not working, so please go the Facebook page  Contemporary Islamic Research (you need to have Facebook account) and you will find many of these videos there.

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.


©

Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.



Update: 13/04/2023 

A new page/ channel is established on Facebook pages. Please click on the following address: Contemporary Islamic Research | Facebook

So far I uploaded most videos. You need to have a Facebook page or account. Please visit and write to me. Best regards.

الفصل الثاني – الآيات القرآنية في خلق الإنسان – الخلق من نفس واحدة

 

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)} الزمر

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)} النساء

{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(28)} لقمان

في هذه الآيات يشير القرآن الى أن الله تعالى خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها، وهذا يفيد التعقيب والتراخي الزمني، لا يوجد لدينا في الآيات القرآنية التي تسرد قصة آدم وزوجه وهما في الجنة، ما يدل على أن زوجة آدم قد خلقت من ضلعه، أو خلقت منه، وقول الله تعالى للملائكة اني خالق بشرًا من طين، لم يرد فيه خلق زوجه، ثم إخباره تعالى الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وما تلاه من تعليمه الأسماء وسجود الملائكة له، لم يأت فيه ذكر خلق زوجة آدم، أما قصة خلقها من ضلع آدم فهذه رواية توراتية، لم يذكرها القرآن بتاتًا، ولم يأت ذكر زوجة آدم إلا بعد انتهاء هذه الأحداث، إذ كان أول ذكر لها في قوله تعالى: {وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(19)} الأعراف، وقوله تعالى : {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (35) البقرة، وهنا نجد ظهور زوجة آدم كان دون مقدمات، وهذا ما نتوقعه لو كانت زوجة آدم موجودة ولم تخلق آنذاك من ضلعه أو من الطين، بل أن أبليس يتوعد آدم وذريته قبل ورود أي ذكر لزوجة آدم، فمن أين لأبليس أن يعرف أنه من آدم البشر -الذي إن كان الله خلقه في البدء وحيدًا- سوف يكون له زوجة وذرية، ولكنه كان سيعلم ذلك لو كان آدم مصطفى من الناس الذين يتناسلون في الأرض آنذاك.

بالرغم من قولنا أن قصة خلق زوجة آدم لم ترد في القرآن، إلا أن الآيات التي نحن بصددها هنا تشير الى خلق نفس واحدة ثم خلق زوجها منها، وقد تكون هذه النفس الواحدة هي آدم وعليه فتكون زوجته قد خلقت منه، وبهذا يمكننا أن نعيد كل هذه الآيات المشيرة الى خلق أو جعل زوجة من النفس الواحدة الى آدم وزوجه، وهذا ما ذهب اليه المفسرون، ويصح هذا التفسير المرحلي في المراحل السابقة، وبفرض أن آدم خلق مباشرة من التراب، فتكون زوجته قد خلقت منه، ولم تخلق مثله مباشرة من التراب، تعبيرًا وتأكيدًا عن القرابة والألفة والمودة بينهما، إلا أن النص القرآني لم يذكر هذا الخلق الإعجازي، والذي يستدعي الوقوف عنده لو كان هذا ما حدث. أما إذا لم يكن آدم قد خلق مباشرة من التراب، وانه ظهر عبر سلالات تطورية، من أصل الخلية الواحدة، فلا بد أن زوجه أيضًا كانت من نتاج هذه السلالات التي تعود الى نفس هذه الخلية الواحدة، فاذا كان الأمر كذلك، فلن تعود هذه الآيات على آدم، وأنما ستعود الى أول خلية حية ظهرت على هذا الكوكب، ثم انقسمت الى خليتين، حيث كان التكاثر في المرحلة الأولى بطريق الإنقسام، كما هو حال البكتيريا اليوم، وعندما انقسمت الخلية الأولى الى خليتين، خلق منها زوجها، والزوج في أصل اللغة مطابق للأصل، وهذا بالضبط ما حدث للخلية الأولى، أما الإشارة الى {…خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ….} النساء، فيمكن القول أن ما بين النفس الواحدة وزوجها حتى كثرة الرجال والنساء سلالات كثيرة وزمانا طويلا يقدر ببلايين السنين، كما هو طول الزمان في قوله : {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)} الروم .

والذي يدعونا الى ترجيح هذا المعنى هو أن الأشارة الى آدم وردت في القرآن بلفظي بشر وآدم، بينما لفظ ”نفس“ يستخدم للتعبير عن أي ذات حية، والجسد، وعين الشيء أي كنهه وجوهره، والروح {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (28) الفجر، وليس ما يمنع أن يشير اللفظ ”نفس واحدة“ الى آدم البشر، أو أن يشير الى أول كائن حي يمكن أن يخلق منه زوجه، ويكون هذا في أول خلية حية خلقت ثم انقسمت فكان منها زوجها، وهذا إما أول خلية بسيطة حية، أو أول كائن أنقسم الى ذكر وأنثى ليبدأ معه التكاثر عن طريق التوالد لا الإنقسام، والأرجح أن نعود الى أول خلية حية.

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

جاء عن القرطبي: الآية ””(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يُرِيد آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل السُّورَة (فمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَأَبُو عَمْرو وَعِيسَى وَالْأَعْرَج وَشَيْبَة وَالنَّخَعِيّ بِكَسْرِ الْقَاف , وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا . وَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , إِلَّا أَنَّ التَّقْدِير فِيمَنْ كَسَرَ الْقَاف فَمِنْهَا ” مُسْتَقَرّ “ وَالْفَتْح بِمَعْنَى لَهَا ” مُسْتَقَرّ “ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : فَلَهَا مُسْتَقَرّ فِي الرَّحِم وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَرْض الَّتِي تَمُوت فِيهَا ; وَهَذَا التَّفْسِير يَدُلّ عَلَى الْفَتْح . وَقَالَ الْحَسَن : فَمُسْتَقَرّ فِي الْقَبْر . وَأَكْثَر أَهْل التَّفْسِير يَقُولُونَ : الْمُسْتَقَرّ مَا كَانَ فِي الرَّحِم , وَالْمُسْتَوْدَع مَا كَانَ فِي الصُّلْب ; رَوَاهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَهُ النَّخَعِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : مُسْتَقَرّ فِي الْأَرْض , وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَصْلَاب . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قُلْت : لَا ; فَقَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَخْرِج مِنْ ظَهْرك مَا اِسْتَوْدَعَهُ فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ الْمُسْتَقَرّ مَنْ خُلِقَ , وَالْمُسْتَوْدَع مَنْ لَمْ يُخْلَق ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : وَمُسْتَوْدَع عِنْد اللَّه . قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل ” وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ وَمَتَاع إِلَى حِين “[الْبَقَرَة:36 ] وَالِاسْتِيدَاع إِشَارَة إِلَى كَوْنهمْ فِي الْقَبْر إِلَى أَنْ يُبْعَثُوا لِلْحِسَابِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة.““

كل مخلوق حي يبدأ من خلية واحدة وفي حالة الإنسان تكون هذه الخلية هي البويضة المخصبة، والتي تنقسم على نفسها، أي منها يخلق زوجها، وتتوالى الإنقسامات، ليبدأ بعدها الإنقسامات المتخصصة التي تكون الأعضاء والأجهزة المختلفة في الجسم الحي.

وفيما عدا أول خلية حية، فان أي خلية يجب أن توجد عن ومن خلية أخرى، وكل خلية تأخذ معها من الأولى، نسختين عن شفرة الجينات تقبعان في نواتها، وتتكون الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) من ثلاثة بلايين وحدة توجد فى كل من خلايا الجسم البشري التى يبلغ عددها 100 تريليون خلية ( التريليون يساوى الف بليون ) ويتألف الحمض ( دي ان ايه ) من سلسلة من مركبات الفوسفات والسكر الخماسي على التعاقب من اربع قواعد نيرتوجينية فى صورة تباديل وتوافيق هى الادنين والسيتوزين والجوانين والثايمين وتحمل هذه الوحدات الاربع الاساسية فى الشفرة الجينية وفي الجزء الصغير منها الذي تم فك شفرته، الارشادات الكاملة اللازمة لتكوين الكائن الحي .

ويوجد فى الجسم 20 حمضا امينيا مختلفا تعتبر بمثابة اللبنات الاساسية لبناء جسم الانسان وهى تستخدم فى سلسلة من التكوينات لانتاج مختلف البروتينات من الكيراتين الموجود فى الشعر الى الهيموجلوبين الموجد فى الدم .

لا توجد وظيفة معروفة للغالبية العظمي لنحو 97 % من مجموعة الشيفرات الوراثية للانسان، ويعتقد العلماء أنه لا وظيفة لها، إلا أنه لو تبين غير ذلك، فان هذا الجزء الكبير قد يشتمل على معلومات قد تكون ذات أهمية كبيرة.

ولا يختلف الحمض النووي من انسان الى آخر الا بنسبة لا تتجاوز 0,2 فى المائة (واحد فى كل 500 وحدة) وهو ما يأخذ فى الاعتبار ان الخلايا البشرية تحمل نسختين من الشيفرات الانسانية. ويماثل الحمض النووي البشري الحمض النووي للشمبانزي بنسبة 98 % ويقدر عدد الجينات فى الانسان والفأر بما بين 60 الف و100 الف وفى الدودة الاسطوانية بنحو 19 الف جين وفى فطر الخميرة بنحو ستة الاف جين وفى الميكروب المسبب للدرن بنحو اربعة الاف.

مما سبق فكل مخلوق مركب يبدأ خلقه من خلية واحدة، ويستقر في نواتها الحمض النووي الذي هو بمثابة كتاب مودع فيه كافة معلومات بناء هذا المخلوق وكيفية بناءه، بل أن هذا الكتاب يصبح مصنعًا لإنشاء المخلوق حيث يرسل تعليمات وأوامر بناء الى المواقع المحددة التي يتم فيها بناء كل عضو وجهاز، وفق برنامج زمني محدد. النفس أو الخلية مستقر ومستودع، المستقر هو القرار المكين في نواة الخلية والمحمي بجدار خارجي وآخر داخلي حول المكان الذي تقبع فيه سلسلة الحمض النووي، والمستودع هو المكان الذي تحفظ فيه المعلومات وأوامر البناء. وهذا يكفي لتفسير أننا جميعًا أنشأنا الله سبحانه وتعالى من نفس واحدة هي البويضة المخصبة، والتي انقسمت على نفسها فجعل منها زوجها ثم منهما خلق الكائن.

ولو أردنا الرجوع الى أول خلية نشأت على الأرض، تكون النفس الواحدة هي أول خلية بسيطة تكونت، ثم انقسمت على نفسها، ثم تطورت إما الى مخلوق ذو خلية وحيدة كالبكتيريا، أو الى مخلوق متعدد الخلايا، تطور وتفرع عنه كافة أنواع الحياة المعقدة التركيب، ويحمل كل موجود حي خلايا تتطورت عبر مراحل كثيرة عن نفس الخلية الأولى، وفي كل من هذه الخلايا توجد نسخ مطابقة عن السلسلة الإهليجية له، تورث نوع بعد نوع، وجيل بعد جيل، وقد تتطور وتتبدل وتتحسن، تحمل في جزء منها كافة المعلومات الموروثة والأوامر اللازمة لتكوين نفس الجسم الحي، ومعلومات تبين تاريخ تطوره، والله أعلم سبحانه يخلق ما يشاء.

{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}(12) الزخرف

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات

في هاتين الآيتين، نجد أن الآية تشير الى خلق الأزواج كلها، وتتعلق بكل شيء، بما يشمل كل الأنواع الحية التي نعرفها، والتي لا نعرفها، وفي قوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون }َ(36) يس ، توحيد لمكونات خلق هذه الأزواج، بما يشتمل أيضًا على الأزواج من النوع الإنساني، والتي وردت في قوله تعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …} (11) فاطر، أي أن الأزواج تخلق مما تنبت الأرض ومن النوع نفسه ومن غيرهما، وبناء على نوع الإنسان الذي ذكر عنه أنه خلق من تراب ثم من نطفة ثم جعل أزواجا، يمكن بالقياس استنتاج أن كل الأنواع الحية مرت بنفس المراحل التي مر بها خلق الإنسان والتي سبقت وجود الأزواج، فهل يكون المخلوق من التراب ثم من النطفة هو ذاته الذي تفرعت منه كل الأنواع والأجناس بما فيها النوع الإنساني، ليس في هذه النصوص ما يعارض هذا المعنى.


وفي قوله تعالى :{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)} فاطر

تدل الآية الكريمة على أن الماء الواحد، يخرج به تنوع الخلق وتنوع ألوانه وهيئته وشكله وصفاته، وجاء في التفاسير: ”قَوْله تَعَالَى : ” أَلَمْ تَرَ “ هَذِهِ رُؤْيَة الْقَلْب بِمَعْنَى أَلَمْ تَعْلَم.” والماء الذي نزل من السماء فأخرج به الله تعالى هذه الأنواع المختلفة من الأحياء والجماد، يشمل المطر الأول الذي أدى الى ظهور الحياة عندما اختلط الماء مع تراب الأرض، ويشمل كل المطر الذي نراه والذي يخرج الحي من البذرة المدفونة في الأرض الجافة، ويعطي جدد الجبال أي طرائقها الألوان المختلفة عن أصل لونها. ويهمنا هنا الإشارة الى اختلاف الوان الجبال الذي يدل على تغير التكوينات الصخرية نتيجة المطر، ويعبر اللون الأحمر عن تأكسد الحديد، وهذا اشارة الى ظهور الأكسجين في الغلاف الغازي الأرضي، نتيجة عملية التبادل الضوئي التي قامت بها الكائنات الكلوروفية خلال مرحلة سابقة من عصور الأرض الجيولوجية، سابقة لظهور الثدييات ومنها الناس والدواب والأنعام، أي أن النباتات والكائنات الكلوروفية أطلقت الأكسجين في الجو، مما أدى الى ظهور الطبقات الحمراء المتأكسدة، ثم ظهرت الثدييات التي تعتمد على الأكسجين في تنفسها. النباتات المثمرة المذكورة في الآية لم تظهر الا في عصر قريب نسبيًا، إلا أن النباتات الخضراء والكائنات الكلوروفية ظهرت في المرحلة السابقة التي ذكرناها، وكان لها الدور الأساسي في تغيير جو الأرض وتوفير الأكسجين الذي أدى الى ظهور المخلوقات معقدة التركيب ونحن منها.

أضف الى هذا أن بعض العلماء في هذا العصر أصبحوا مؤخرًا يرجحون أن الحمض النووي الذي أدى الى ظهور أول خلية على سطح كوكبنا، تكون على جسيمات أو غبار الفضاء، ونزل على الأرض من السماء، ويصح لغويًا التعبير عن هذه الأحماض المركبة بلفظ ماء، كما نفعل مع النطفة وغيرها.


ونلاحظ أن الأزواج وردت في القرآن للدلالة على ثلاثة أنواع:

الأول في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات، و”كل شيء“ يدل على كل شيء في هذا الكون، فيشمل الجماد والحي، النجوم والجبال، الصخور والتراب، وهذا يدلنا أن كل شيء في هذا الكون له مماثل، قد يكون مطابقًا له، أو معكوسا عنه كصورة المرآة، وقد توصل العلم الى ذلك، في موضوع ضد المادة Anti-matter .

والثاني في قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ..(98)} الأنعام، وقوله تعالى {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا….} الزمر، والآيات التي كنا بصددها، وتدل على الزوجية التي نشأت عندما انقسمت أول خلية حية فتكون منها زوجها.

والثالث في قوله تعالى:{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا(44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)}النجم، وقوله تعالى {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(39)}القيامة، وقوله تعالى {فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا …(11)} الشورى. وهذه الآيات تدل على زوجية نوع الإنسان خاصة والأنواع الأخرى عامة من ذكر وأنثى.


{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ(15)} غافر

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)}الذاريات

في الآيتين من سورة الذاريات، نجد إعلام الناس ان الله خلق من كل شيء زوجين، ففروا الى الله، وحرف الفاء يفيد العطف والإتصال بلا مهلة والتعقيب والسببية، ولهذا نجد علاقة بين خلق الزوجية في الأشياء، والتي بسببها يجب علينا أن نفر الى الله تعالى، بالطبع الزوجية التي هي الذكر والأنثى لا تستدعي الفرار الى الله، ولا ينطبق عليها زوجية كل شيء، كما سبق وذكرنا أنها تشمل الجماد والحي، والتي افترضنا أنها الزوجية التي بين المادة وضد المادة، فهذين الزوجين لو تلامسا لهلكا على الفور، وحيث أنهما موجودان في هذا الكون، فكأنهما السيف المعلق فوق رؤوسنا، والذي منه هلاكنا بل واندثار الكون كله ليصبح هباء في أي لحظة، هذه الزوجية تستدعي الأنذار وتستدعي الفرار الى الله. ويقول الله تعالى : {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)} غافر، ويوم التلاقِ تعبيرًا عن اليوم الذي تزول فيه السماوات والأرض، وربما والله أعلم، سمي يوم التلاقي لأنه اليوم الذي يلتقي فيه الزوجين، أي المادة مع ضدها، فيزولا ويندثرا.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)الله الصمد(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)} الاخلاص

{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11)} الشورى

الله تعالى من صفاته أنه أحدٌ، ليس كمثله شيء، ولهذا فليس في الكون ما هو أحدٌ غيره، أما كل شيء في الكون فله زوج، ونحن نرى الأزواج في كل الأحياء، سواء كان من ذكر وأنثى أو بالإنقسام، ولكننا لا نرى ذلك في الجماد، كالصخور والنجوم، ولهذا فالزوجية هنا يجب أن تعود الى المادة وزوجها من ضد المادة، وهذا يعني بالضرورة أن مصيرهما الفناء، أما الواحد الأحد، فيبقى خالدًا الى الأبد، وفي قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} الرحمن.


{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} الفرقان

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} الانبياء

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)} النور

نجد في آية سورة الأنبياء توحيد الخلق من الماء لكل المخلوقات الحية، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، ونجد في آية سورة النور وحدة تكوين كل الدواب من الماء، وهذه الآيات التي جمعت جميع المخلوقات لا تبين بالضرورة أنهم خلقوا جميعًا من نفس الماء، ولكنها أيضًا لا تنفي ذلك. ونحن نعلم أن النوع الإنساني خلق من نفس واحدة {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28) لقمان، والإنسان من هذه الدواب، إذ ورد مع من يمشي على رجلين، ولهذا يمكن ترجيح أنها اتبعت نفس الطريقة.

وفي قوله {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} (36) يس، وفي هذا توحيد لمواد الخلق الأخرى غير الماء، ونجد في هذا التشابه بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، أي أن كل الأزواج خلقت من نفس المكونات، قد يدل هذا أيضًا أنها خلقت من نفس المكونات ذاتها، أي خلقت عبر عملية واحدة، إلا أنه لا يمكن الجزم بذلك لأن الأية قد تدل أيضًا أنها خلقت من نفس المواد إلا أنها خلقت كل منها على حدة.

والأمثلة على الجمع بين الإنسان والأنواع الأخرى كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)} الأنعام، ونجد هنا أن كافة المخلوقات المذكورة سوف تحشر يوم القيامة، وفي قوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28)} لقمان، والمخاطب هنا هو الناس. نعرف من النصوص أن البعث هو إعادة الخلق الأول، {..كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.. } الأنبياء 104 ، ولهذا ننظر في آياته علنا نجد ما يدلنا على الخلق الأول.

والآيات التي ذكرناها لا تجزم أن خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان بدأ من نفس واحدة هي الخلية الأولى، أو أن خلق الأنواع تم كلا على حدة، وليس في القرآن ما يؤكد هذا أو يتعارض مع ذاك، ومع غياب التأكيد أو النفي القرآني، فلنا أن نلجأ الى علومنا لنجد الإجابة التي ترجح أي من الرأيين، إلتزامًا بالأمر القرآني: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)} العنكبوت وقولة تعالى {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (17)} الغاشية، وغيرهم من الآيات التي تحث الناس على البحث والتأمل والنظر والتفكير.

الذي يهمنا أن الآيات تركت هذا الأمر للناس أن يجدوه، وربما يكون هذا من متطلبات أن يكون الخطاب موجهًا الى كافة الأزمان التي اختلفت علوم الناس فيها.


{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ(8)} الطارق

عن ابن فارس: الصلب أصلان أحدهما يدل على الشدة والقوة، والآخر جنس من الوَدَك. فالأول الصلب وهو الشيء الشديد، وكذلك سمي الظهر صلبًا لقوته.“ وعنه أيضًا: ”ترب : أصلان أحدهما التراب وما يشتق منه، والآخر تساوي شيئين. فالأول التراب وهو التيرب والتوراب. وجاء في الحاشية ( يقال تيراب أيضًا وتورب، وفيه لغات أخر في القاموس وغيره. “ وجاء عن ابن منظور: الترائب: ”موضع القلادة من الصدر.“

وجاء في تفسير ابن كثير: ”يعني صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس “يخرج من بين الصلب والترائب“ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبوأسامة عن مسعر سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال هذه الترائب ووضع يده على صدره. وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس تريبة المرأة موضع القلادة وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الترائب بين ثدييها وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر وعنه أيضا الترائب أسفل من التراقي وقال سفيان الثوري: فوق الثديين وعن سعيد بن جبير الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل وعن الضحاك الترائب بين الثديين والرجلين والعينين وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي جبيبة المدني أنه بلغه في قول الله عز وجل ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال وهو عصارة القلب من هناك يكون الولد وعن قتادة ”يخرج من بين الصلب والترائب“ من بين صلبه ونحره.“

الترائب هي صدر المرأة وموضع القلادة، وهذه لا علاقة لها بمكان البويضة.

من النظريات العلمية التى تفسر أصل المحيطات ما يقول أن مياه المحيطات قد تدفقت من باطن الأرض الى سطحها . أي أن الماء خرج من بطن الارض أثناء تكونها فاندفع خلال النواة المنصهرة المكونة فى معظمها من عناصر مجموعة الحديد، ثم تدفق من خلال غلاف الأرض الخارجى وهو الدثار، والذى يتكون من صخور صلبة وله قشرة رقيقة من الصخور الخفيفة ومنها التراب. أي أن الماء الذي تبخر ثم نزل مطرًا، ثم خلقت منه الحياة، تدفق من بين الصلب والتراب.

والذى قد يعارض هذا الفهم أن كلمة الترائب لم تأت في معاجم اللغة على أنها من مشتقات لفظ التراب الذي هو من مكونات القشرة، بينما يوجد الكثير من الأسماء التي تطلق على التراب كما جاء في أكثر المعاجم ومنها التيرب والتوراب والتيراب والتورب، وقال ابن فارس في لفظ التراب.: ”وفيه لغات أخر في القاموس وغيره.“ أي أنه يعتقد بوجود أسماء أخرى له لم يشملها هو. أضافة الى أن القرآن الكريم قد جاء بألفاظا إصطلاحية لم يعرفها العرب قبل نزوله منها الصلاة والزكاة وفاكهة أبا، والله أعلم.

فان أفترضنا أن لفظ الترائب أنه من المشتقات اللغوية التي تعود الى التراب، نجد في هذه الآيات، حقيقة علمية تبين كيف تكونت المحيطات في العصور الأولى من تكون الأرض والتي أدت الى ظهور الحياة عليها، والله أعلم.

وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} ورد في تفسير ابن كثير: ”فيه قولان :أحدهما على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما والقول الثاني إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة وقد ذكر الله عز وجل هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير.“

ونجد في هذه الآية قدرة الله تعالى على رجع الماء الذي تدفق من باطن الأرض، وهي قدرة مستمرة يمكن حدوثها في أي وقت، يهلك مع حدوثها الناس وكل حي على الأرض، كما في قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} الملك ، وقوله تعالى: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا(41)} الكهف.


{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} نوح

جاء في تفسير القرطبي: ”أي جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده. قال ابن عباس: ”أطوارا“ يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة; أي طورا بعد طور إلى تمام الخلق, كما ذكر في سورة ”المؤمنون“. والطور في اللغة: المرة; أي من فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. وقيل: ”أطوارا“ صبيانا, ثم شبابا, ثم شيوخا وضعفاء.“

والأطوار من طور، يقول ابن فارس أنها أصل صحيح يدل على معنى واحد وهو الامتداد في شيء من مكان أو زمان، وجاء عن ابن منظور الطور التارة، تقول طورا بعد طور أي تارة بعد تارة، وجمع الطور أطوار، والناس أطوار أي أخياف على حالات شتى، والطور الحال والأطوار الحالات المختلفة والتارات والحدود، واحدها طور أي مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم.

ولهذا فان الله تعالى جعل من صفات خلقنا أنه أطوارًا أي مراحل زمانية متتابعة، وهذه تنطبق على مراحل نمونا في الرحم من نطفة الى علقة الى طفلا الى رجلا، وتنطبق أيضًا على مراحل الخلق التطوري من الطين الى الإنسان.


وفي قوله تعالى: { والله أنبتكم من الأرض نباتًا . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا } نوح 17-18

نباتًا مصدر على غير المصدر – لأن مصدره أنبت إنباتا، وهنا تشبيه خلقنا من الأرض مثل خروج النبات منها، والنبات يخرج ويعلو رويدًا حتى يصل الى حده. وقد تدل الى معنى إضافي، وهي أن أول خلقنا – وخلقنا جاء عبر خلق الحياة ذاتها – مر بمرحلة من المراحل الأولى لخلق الحياة، وهو ظهور الخلية الواحدة التي استمدت غذائها من الطاقة الشمسية، وهذا ما يتميز به النبات عن غيره من المخلوقات الأرضية، أي أن الخلق كان في مراحله الأولى نباتيًا من جهة طريقة الحصول على الطاقة، فالكائن الأول في مراحل تطوره كان يستمد الطاقة من أشعة الشمس، وهذا ما تفعله النباتات.


{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(27) المائدة

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (30) المائدة

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (31) المائدة

هاتين الآيتين تدلان أن أحد أبناء آدم، بفرض أن أبني آدم مقصود بها أولاده من صلبه، وليس أي أخين من سلالة آدم، حيث أننا نطلق على أي رجل تعبير ابن آدم، بفرض أنهما ولديه، فمن الغريب أن أحدهما لم يعرف كيف يدفن جثة أخيه، ثم لماذا ندم فقط بعد أن تعلم من الغراب كيف يدفن جثة أخيه، وهو لم يندم حين قتله، جاء في تفسير القرطبي ”قَالَ مُجَاهِد : بَعَثَ اللَّه غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا حَتَّى قَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه ثُمَّ حَفَرَ فَدَفَنَهُ , وَكَانَ اِبْن آدَمَ هَذَا أَوَّل مَنْ قُتِلَ , وَقِيلَ : إِنَّ الْغُرَاب بَحَثَ الْأَرْض عَلَى طُعْمه لِيُخْفِيَهُ إِلَى وَقْت الْحَاجَة إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ عَادَة الْغُرَاب فِعْل ذَلِكَ ; فَتَنَبَّهَ قَابِيل ذَلِكَ عَلَى مُوَارَاة أَخِيهِ . وَرُوِيَ أَنَّ قَابِيل لَمَّا قَتَلَ هَابِيل جَعَلَهُ فِي جِرَاب , وَمَشَى بِهِ يَحْمِلهُ فِي عُنُقه مِائَة سَنَة ; قَالَهُ مُجَاهِد , وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ حَمَلَهُ سَنَة وَاحِدَة ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ : حَتَّى أَرْوَح وَلَا يَدْرِي مَا يَصْنَع بِهِ إِلَى أَنْ اقْتَدَى بِالْغُرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي الْخَبَر عَنْ أَنَس قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( اِمْتَنَّ اللَّه عَلَى اِبْن آدَم بِثَلَاثٍ بَعْد ثَلَاث بِالرِّيحِ بَعْد الرُّوح فَلَوْلَا أَنَّ الرِّيح يَقَع بَعْد الرُّوح مَا دَفَنَ حَمِيم حَمِيمًا وَبِالدُّودِ فِي الْجُثَّة فَلَوْلَا أَنَّ الدُّود يَقَع فِي الْجُثَّة لَاكْتَنَزَتْهَا الْمُلُوك وَكَانَتْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَبِالْمَوْتِ بَعْد الْكِبَر وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْبَر حَتَّى يَمَلَّ نَفْسه وَيَمَلّهُ أَهْله وَوَلَده وَأَقْرِبَاؤُهُ فَكَانَ الْمَوْت أَسْتَرَ لَهُ ) , وَقَالَ قَوْم : كَانَ قَابِيل يَعْلَم الدَّفْن , وَلَكِنْ تَرَكَ أَخَاهُ بِالْعَرَاءِ اِسْتِخْفَافًا بِهِ , فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث التُّرَاب عَلَى هَابِيل لِيَدْفِنهُ , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : ” يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْءَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ “ , حَيْثُ رَأَى إِكْرَام اللَّه لِهَابِيل بِأَنْ قَيَّضَ لَهُ الْغُرَاب حَتَّى وَارَاهُ , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَدَم تَوْبَة , وَقِيلَ : إِنَّمَا نَدَمه كَانَ عَلَى فَقْده لَا عَلَى قَتْله , وَإِنْ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ مُوَفِّيًا شُرُوطَهُ . أَوْ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرّ نَدَمه ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَوْ كَانَتْ نَدَامَته عَلَى قَتْله لَكَانَتْ النَّدَامَة تَوْبَة مِنْهُ.“

نلاحظ مما جاء عن قوم: أن قابيل كان يعرف الدفن، وأنه إما ندم لأنه ترك أخاه بالعراء إستخفافًا به، أو ندم على قتله حيث رأى إكرام الله لهابيل، ولكن الأخيرة كان يعرفها لأن الله تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانه. وندمه قد يكون عن عدم دفنه وليس عن قتله، إلا أن الندم هو على عدم فعل شيء كان يعرف أن عليه أن يفعله، فان افترضنا أنه لم يكن يعرف الدفن، فلماذا يندم على عدم فعل شيئًا لم يكن يعرف كيفية فعله. قد يكون الندم هو نتيجة شعوره بالعجز. ولو قلنا يعرف الدفن فان فعل الغراب كان ”ليريه كيف يواري سوأة أخيه“ أي ليعلمه الكيفية بطريق المشاهدة، ينفي معرفته الدفن. وجاء في بعض التفاسير السلفية أن هذه الآيات لا تعود على أبني آدم من صلبه وإنما تعود على أخين من اليهود لأنه تبعها ما كتبه الله على بني إسرائيل {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…}.

وتكمن إهمية الآية أن أبن آدم –اذا كان المقصود أنه من صلبه- لو لم يكن يعرف الدفن، فهذا يدل أنه لم يرى غيره يقوم بذلك، وحيث أن الآية في ظاهر معناها تؤدي الى أن الله تعالى بعث الغراب ليريه كيف يواري جثة أخيه، وهذا قد يدلنا الى أحد احتمالين: الأول أن آدم وزوجه ثم أولاده هم أول الناس على الأرض ولم يكن هناك غيرهم. وهذا ينفي كل ما سبق وذكرناه في هذا الباب. والإحتمال الثاني أن آدم وزوجه عندما هبطا من الجنة، هبطا الى مكان من الأرض لم يكن فيه أحد من الناس، حيث أن آدم أول البشر، ومنحه الله قدرة على البيان، ومنوط اليه الخلافة، ومن معانيها ((الخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.”)) كما ذكرنا سابقًا، أن أدم وذريته سوف يخلفون ويقومون مقام الإنسان ويسدون مسده. وسواء إختلط آدم مع الناس الآخرين أم لم يختلط، إلا أنه ربما أبعد أبنيه خشية عليهما منهم لما كان الناس عليه من فساد وتوحش، وقد نجد في قوله تعالى {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ …} ما قد يصور لنا ما كان الوضع عليه، ولهذا نشأ ولديه في عزلة عن الناس، فلم يعرف قابيل كيفية دفن الموتى، أما آدم – الذي يعرف الدفن- فلم يكن حاضرًا هذه الأحداث، والا لمنع قابيل من قتل أخيه.

أخذ المفسرون الأوائل بمعناها الذي يقوم على الإحتمال الأول والمناسب لمعارفهم، بينما يصح لنا أن نأخذها بموجب الإحتمال الثاني. والآية لا تتعلق مباشرة بموضوع خلق الإنسان، وانما وردت لتبين لماذا كتب الله على بني اسرائيل أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا. وما أوردناها في هذا المحل إلا لأننا نحاول دراسة كل الآيات المتعلقة بالموضوع الذي ندرسه، سواء كان تعلقها مباشر أو غير مباشر.

***

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ   (174)} الأعراف

يخبرنا الله تعالى أنه جعل في الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) للبشر – ذرية آدم – فطرة ((جاء في معجم لسان العرب والفِطْرةُ: ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به))  تعرف الناس به ((لقوله {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}.)). وذكر في الآية بني آدم لأن هذه الفطرة جعلت للبشر فقط وهم ذرية آدم، لأنهم النوع الوحيد من المخلوقات الذي منح العقل وحمل الأمانة، فكان له حرية الأختيار فكان من رحمة الله به أن يفطره على نزعة معرفة الرب.   

وفي قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم 30

يقول الطبري في تفسيره: “حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَر النَّاسَ عَلَيْها) قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرّون بذلك، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قال: فهذا قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بعد.” أنتهى

أما لماذا لم تشمل الآية آدم، لآنه وفق ما روي عنه كان يعرف الله ولا حاجة لتعريفه بهذه الحقيقة.

ولو نظرنا إلى نص الآية أعلاه، وكل الآيات التي تروي قصة آدم، وأخذنا في الأعتبار أن الأجيال التي تلقت الرسالة في العصر الأول وطوال العصور حتى قرن أو قرنين قبل زماننا، لم يكن من الممكن أن يتصوروا أو حتى يتخيلوا ما وصلت اليه العلوم المعاصرة، بل ولن يقبلوا أن يكون خلق الحياة قد أستغرق ثلاثة بلايين ونصف سنة ((كانوا يعتقدون أن عمر الإنسان على الأرض منذ خلق آدم أربعة آلاف سنة))؛ وأنه تطور ذاتيًا من خلية واحدة الى كل أنواع الحياة التي نعرفها، كان على النص أن يخاطب هؤلاء بما يفهمونه ويعقلونه، وإلا أصابهم بالبلبلة أو كذبوه، ولم يكن نشر العلم غايته لما شرحناه مفصلا في السابق. فكان لزامًا أن يعتمد النص على التشبيه والمثل لعرض الحقيقة في صورة مشابهة لها توافق معتقدات الناس في تلك العصور مع الحفاظ التام بالدلالات الحقيقية. وقد نجح في ذلك إلى حد فائق، فلا هو بلبل أفكارهم ولا تعارض مع ما صح من علومنا المعاصرة الحديثة. وقد ذكر لنا النص هذا الأسلوب البلاغي في قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } آل عمران

في رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها.

وعليه فالمتشابهات تشمل كل ما يتعلق بالغيبيات ((منها البعث والجنة والنار والملائكة والجن وكل ما هو خارج الكون المشاهد)) وآيات الخلق الكوني وخلق الحياة والأمثال والقصص.

وهذه الآية الكريمة تعلمنا أن المتشابهات تحمل معلومات صحيحة قد تم عرضها بأسلوب وبكلمات وأسماء مغايرة للحقيقة لتناسب فهم الناس في كل العصور، وأن علينا إعمال الفكر والتدبر والجهد لنتمكن من الوصول الى المعنى الصحيح. وهذا الأسلوب المعجز ما هو إلا رحمة بالناس في العصور التي سبقت العلوم الحديثة.

***

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)} سورة الرحمن

تدلنا هذه الآيات الى خلق أول خلية حية في الفتحات الحرارية في قاع البحار والمحيطات، وكيف أن إلتقاء الماء القلوي النابع من هذه الفتحات مع ماء البحر المالح ينتج عنه تدرج بروتيني تتولد عن تدفقه طاقة كيميائية أدت إلى تكون الخلية الأولى التي هي أصل الحياة على كوكب الأرض. 

أنظر الرابط “مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ“ للإطلاع على الموضوع الذي نشر في المدونة.

خاتمة الباب الثالث

ذكرنا في هذا الباب بعض آيات خلق الإنسان والحياة، أما الآيات الأخرى التي لم نوردها هنا، بعضها يعود الى خلق الإنسان في الرحم، وخلق الأزواج من النوع، وغيرهم مما فسره المعاصرون وفق المعاني التي تناسب المعارف الحديثة.

والواضح مما سبق أن دلالة النصوص التى عرضنا لها، لا تدل أو تشير الى أن خلق النوع الإنساني كان خلقًا آنيًا فوريًا مباشرة من الطين. وإنما عبر تدرج مرحلي له بدء واكتمال. ويمكن تفسيرهذه النصوص بكل يسر وفق معانيها الظاهرة الواضحة، دون فرض معنى محدد عليها، مثل خلق آدم مباشرة من الطين.

الأعجاز القرآني في موضوع خلق الإنسان يظهر جليًا في الآيات التي تدل بيسر ووضوح، الى أن خلق الإنسان كان تطوريًا عبر دهرًا من الزمن حتى ظهر آدم أول البشر بما لديه من القدرة على النطق والبيان. وقلنا أنه أعجاز لأنه خالف الفكر السائد في زمان التنزيل، ولوكان من عند غير الله لما خالفه، ولأنه سبق علوم الإنسان بأكثر من الف ومائتين وخمسين سنة، سبحان الله تعالى عما يصفون.

وأخيرًا ؛ وللرد على الذين يقولون إذا كان كذلك، فلماذا لا نستخرج نظريات علمية من القرآن. نجيب لأن القرآن ليس كتاب علوم ولا يمكن أن نأت منه بنظرية جديدة، وأنما نتوقع أن دلالة أي نص قرآني يخص عالمنا المشاهد (الكون ضمن الأبعاد التي نحيا فيها) لن يتعارض مع علومنا الصحيحة، لأن هذا النص صدر عن خالق هذا الكون، وهو أعلم به.

<< previous page next page >>

الباب الثالث – الفصل الأول

خلق الحياة

نظريات خلق الحياة في العلم الحديث

 قبل النظر في موضوع الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني ((نجوم الجيل الأول هي النجوم التي تكونت من تكاثف الغازات الأولية كالهيدروجين وانضغاطها بتأثير الجاذبية وارتفاع حرارتها حتى بدأ التفاعل النووي فيها، والذي استمر عدة بلايين من السنوات وتم خلاله تكوين العناصر الأثقل من الكربون حتى الحديد وما بعده، وعند انتهاء مخزون الطاقة النووية لهذه النجوم، انفجر بعضها – السوبرنوفا – وانتشرت هذه الذرات الثقيلة في الفضاء مختلطة بسحب الهيدروجين والغازات الخفيفة الأخرى، لتكون نجومًا جديدة ( هي نجوم الجيل الثاني ) والتي تميزت بهذه العناصر التي طردت خلال انضغاط الكتلة الغازية، مكونة الذراع الذي منه تكونت الكواكب التي تدور حول النجم الجديد، مثل الأرض.)) ، أثناء تكون هذا النجم منذ خمس بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد (( يتكون باطن الأرض من المواد الثقيلة كالحديد والنيكل، ويمتد حتى قطر 4000 ميل، أما طبقة الوسطى فقطرها 2000 ميل تقريبًا فتتكون من الأحجار السليكية الخفيفة الغنية بالحديد والمغنسيوم، ويبلغ سمك القشرة بين خمسة أميال إلى عشرين ميلا وهي طبقة من الأحجار الخفيفة.)) ، كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة. ويعتقد العلماء أن الجو في الحقبة الأولى تكون أساسًا من ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، ومع وجود ثاني أكسيد الكربون الذي يمنع الحرارة من النفاذ الى الفضاء الخارجي، ولا بد أن الحرارة الجوية كانت أعلى مما هي عليه الآن، ومع مرور الزمن، أخذت درجات الحرارة في الإنخفاض تدريجيًا، فتكثفت أبخرة الماء وسقطت أمطار غزيرة على الأرض. 

 وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور – ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل – أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات ((هناك بعض العلماء االذين يعتقدون أن الفترة الزمنية التي توفرت منذ تكون الأرض حتى ظهور الحياة فيها قد لا تكون كافية حتى تنتج هذه التفاعلات الخلية الأولى، ويعتقدون أن بذرة الحياة تكونت في الفضاء الخارجي وهبطت الى الأرض مع الشهب حيث نمت وانتشرت.)) ، وأول صورة للحياة هي  Prokaryotes ، وهو كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام، وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة ((Synthesis of carbohydrate from carbon dioxide and water using energy from chemical reaction .))   Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis ((The process by which the chlorophyll- containing cells in green plants use lights as energy source to synthesize carbohydrates from carbon dioxide and water.))  . (نجد لها دليلا في أحفورة Fossil تعود الى منذ 3,4 بليون سنة تقريبًا  cyanobacteria    blue-green algae &). وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو، ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، حيث ظهر في الطبقات الجيولوجية التي تعود الى ما قبل هذه الحقبة حديد مأكسد. وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا. وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بخلق أو تطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

 

رأي بعض الباحثين المسلمين في نظرية أصل الأنواع لداروين

قدم الدكتور محمد دودح الباحث العلمي بالهيئـة العالميـة للإعجاز العلمي في القرآن والسنـة في رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة، بحثًا قيمًا بعنوان ” خلق الإنسان تقدير وقصد” . وقد رفض الدكتور نظرية داروين التي وردت في كتابه أصل الأنواع ورفض أيضًا نظريات أتباعه التي جاءت تحت أسم الداروينية الجديدة وخاصة فيما يتعلق بمبدأ الصدفة التي قالوا أنها تحكم النشوء والتطور، وقد بين زيفهما في أجزاء البحث، والذي يهمنا هنا هما الجزئين الخامس والسادس، وخاصة الجزء السادس الذي جمع فيه آراء الباحثين المسلمين، الذي قد يتبين منها عدم رفض بعضهم لفكرة التطور طالما كان هذا التطور من سنن الله تعالى في خلقه. ونعرض هذين الجزئين كما وردا في البحث فيما يلي:

(5) رأي الكنيسة:

اعتمادا على سفر التكوين geneses  رفضت الكنيسة الداروينية ليس لسبب تجاهل تدبير الله فحسب وإنما لمصادمة نصوص يستحيل حملها على التطور تدل على أن آدم هو اسم أول إنسان على الأرض وأنه خلق مباشرة من ترابها بلا أطوار تسبقه: “وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حيّة” تكوين 7, وأنه فقد ضلعا خُلقت منه امرأته مباشرة: “فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما وبني الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم” تكوين 21و22, ولذا اختارت الكنيسة رفض التطور بحزم وإلا شككت في صحة التدوين.

 (6) رأي الباحثين المسلمين:

رفض جُل الباحثين المسلمين الداروينية إجمالا باعتبارها أحد شباك الإلحاد كما يُرفض الطعام كله إذا خالطه سم, قال الدكتور أحمد أبو خطوة: “نحن كمسلمين لا نتفق إجمالا مع نظرية التطور إن لم تُدخل في اعتبارها القدرة والمشيئة الإلهية” (5), واكتفى البعض برفض الصدفة وتوقفوا في إمكان الأطوار المقدرة كتفسير للتنويع الهائل في أشكال الكائنات الحية على الأرض, فوافقوا نظريات حديثة تجعل التقدير أساسا للتطور إن صح كمقولة التطور الموجه بوعي Rational Directed Evolution وتجنبوا الخوض فيما لم يفصل فيه العلم بعد؛ فقد جاء في فتاوى الأزهر: “ورد أن اللّه خلق الإنسان نوعا مستقلا لا بطريق النشوء والاشتقاق من نوع آخر، وإن كان كلا الأمرين من الجائز العقلي الذي يدخل تحت قدرة اللّه تعالى، قال بعض العلماء: إنه لا يوجد فى النصوص أن الله خلق الإنسان الأول من تراب دفعة واحدة أو بتكوين متمهل على انفراد فسبيل ذلك التوقف وعدم الجزم بأحد الأمرين حتى يقوم الدليل القاطع عليه فنعتقده ما دام أن الذي فعل ذلك كله هو الله تعالى, ثم إن النواميس المذكورة فى مذهب داروين ظواهر واضحة في الكون ولا حرج في اعتقادها ما دام أن الله هو الذي خلقها ووجهها فهي لا تحقق وجودها من نفسها: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ} الأنعام 102، فهو خالق المادة والنواميس”(6), “(ولكن) قولهم إن المخلوقات خُلقت عشوائيا بغير تدبير سابق وعلم محكم يرده قول اللّه سبحانه {إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر 49″(7).

وقال الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم: “يقرر العلم الحديث أن الحياة ظهرت على هذه الأرض أول ما ظهرت على شواطئ المسطحات المائية حيث يتكون بجوارها الطين الذي نشأ منه.. النبات فالحيوان فالإنسان وأن هذا التطور في حالات الطين وأشكاله.. حدثت عبر ملايين السنين حتى أثمرت.. وكان أكمل وأكرم ثمره من ثمارها في النهاية هو الإنسان, والقرآن الكريم لم يبين لنا كيف تفرعت هذه الشجرة حتى كان الإنسان أحد فروعها ولكنه أشار في أكثر من آية إلى الصلة الوثيقة بين الإنسان وعالم الأحياء الناشئ من الماء الممزوج بالتراب, ففي قوله تعالى: “وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ” النور 45, وقوله سبحانه: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ” الأنبياء 30؛ دلالة قوية على أن الأحياء كلها ومنها الإنسان مخلوقة من مادة واحدة هي الماء”(8),

وقال سيد قطب: “شطر الآية.. “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ” الأنبياء 30؛.. يقرر.. حقيقة.. أن الماء هو مهد الحياة الأول.. وأقصى ما يُقال.. إن نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النص القرآني في هذه النقطة بالذات”(9).

وساق البعض نقولا عن علماء مسلمين تصرح بأن التدريج مع التنويع وتطور الأشكال ظاهرة واضحة في الكون ولا تُعارض أن الله تعالى هو المدبر وإنما تُبين كيف بدأ الخلق, فغاية الوجود معرفة الله وعبادته ولذا كانت الوجهة منذ خلق الكون والأرض هي إيجاد الإنسان صاحب الفكر ليقوم بالمهمة, والتطوير دليل على التقدير وإلا ما كانت الوجهة دائما نحو الأرقى, قال ابن خلدون: “أنظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج, آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف.., ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر”(10), وقال البروسوي: “يكون الإنسان في زمرة الجمادات وأول نعمة عليه أن الله تعالى كرمه فنقله من عالم الجماد إلى عالم النبات ثم عظم شأنه فنقله من عالم النبات إلى عالم الحيوان فجعله حساسا متحركا بالإرادة ثم نقله إلى عالم الإنسان فجعله ناطقا وهى نعمة أخرى أعظم مما سبق”(11), وفي تفسير الميزان: “العناية الإلهية تهدي أنواع النبات والحيوان إلى كمال خلقها وغاية وجودها”(12).

ولكن علماء الإسلام لم يستخدموا كلمة التطور Evolution على نحو ما تعنيه في الداروينية وإنما بمعنى الترقي المتدرج في التنويع بيانا لوحدانية الله تعالى وقدرته, فوحدة الخلق في الأصل والطبيعة دليل على وحدانيته وطيف التدرج الواسع في التنويع دليل على قدرته تعالى, قال جوهري: “سنة التطور والارتقاء .. تجري عليها الطبيعة في جميع أركانها من الذرة.. إلى النظام الشمسي”(13), و”سنة الكون الترقي من أسفل إلى أعلى”(14).. “لا يُخلق الأعلى إلا بعد خلق الأدنى فلم يُخلق الحيوان إلا بعد خلق النبات ولم يُخلق الإنسان إلا بعد خلق الحيوان”, ولكن “شعار الكون هو ذا: الوحدة في التفنن, فإن صعدت في سلم العوالم وجدت وحدة النظام والخلقة مع تفنن لا يعرف حده في تلك الأجرام الفلكية, وإن أجلت بنظرك في مراتب الحياة من (أدنى) الكائنات إلى أعلاها وجدت وحدة التناسب والتسلسل, كذلك القوى الطبيعية كلها صادرة بالتسلسل عن قوة أصلية واحدة”(15), وقد “خلق اللهُ العالم من مادة واحدة ليستدلوا على (وحدانيته) وقدرته”(16), وفي بيان الحكمة وراء خلق الجنين الإنساني في أطوار قال ابن عاشور: “التطور هو مقتضى الحكمة وهي من شؤون العلم وإبرازُه على أحكم وجه هو من أثر القدرة” , و”الأطوار دالة على حكمة الخالق وعلمه وقدرته فإن تطور الخلق.. والذاتُ واحدة.. دليل على تمكن الخالق من كيفيات الخلق والتبديل في الأطوار”(18), وقال سيد قطب: “ليس هناك ما يمنع من وجود أنواع من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة, ولكن هذا لا يحتم أن يكون بعضها متطوراً من بعض”(19).

وتجنب آخرون المأثور وسلكوا مسلك التأويل على وجه غير شائع في التفسير بغير جزم, فقالوا مثلا: الزواحف تمشي غالبا على بطنها كالتمساح لثقله وتمشي الطيور على رجلين والثدييات على أربع؛ فإذا كان هذا هو ترتيب خلق أنواع الحيوان قبل الإنسان فهو نفس الترتيب مع بيان وحدة الأصل في قوله تعالى: “وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ فَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَآءُ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” النور 45, ولم يقل القرآن بأن الطين أصل مباشر للإنسان بل جعله بداية فحسب: “الّذِيَ أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7، ولم يعتمد القرآن رواية الضلع المفقود وإنما أفاد اصطفاء آدم كالأنبياء من بين أقوامهم وبقية الأجناس مما يحتمل أنه نبي جد رأس أمة: “إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” آل عمران 33, وفي قوله تعالى: “إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” آل عمران 59؛ قد يقال أن عيسى كآدم وكانت نشأته مباشرة فكذلك يجب أن تكون نشأة آدم من التراب مباشرة, ولكن لا توجد دلالة صريحة على خلق آدم فجأة وإنما المقام بيان للاقتدار فالمثلية في الاقتدار وظاهر المعنى أن الذي قدر على إيجاد آدم من تراب رغم الفرق الشاسع بينهما أهون عليه خلق عيسى نظيره بلا أب, وتقدير خلق آدم أطوارا يعمق الفرق ويبين القصد ويجلي الاقتدار, والقول بخلق الإنسان أطوارا يفيد أن خلقه هو المقصود على طول أطوار خلق العالم, ولذا يرجعه القرآن عند التفصيل إلى صلصال أو طين لازب, وفي قوله تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ” الحجر 26؛ الحمأ المسنون أشبه ما يكون بصخر ناري طحنته السنون وكلها أحوال مرت بها الأرض, وعندما يحدثك القرآن قائلا: “خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ” العلق 2؛ فلا يعني خلق الجنين مباشرة مما يماثل علق البرك وكذلك النوع, وقوله تعالى: “خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ” الأنبياء 37؛ يرجع الإنسان للحالة الأولى للكون حيث لم تكن مادة وإنما موجة أو اهتزازة تتردد في عجل كتعبير عن الشيء بلازمه, والمقام يتعلق بمادة خَلقه وطبيعته بعكس السائد أنه وصف لخُلُقه وطبعه نحو قوله تعالى: “وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً” الإسراء 11, ولكن الفيزياء نجحت بالفعل في إثبات توحد معظم القوى وتسعى جاهدة لإثبات توحدها جميعا في حالة سميت بالتوحد الكبير super unification أساسها قوة واحدة سميت بالقوة الكبرى Super Force قد نشأت منها كل القوى والمواد وتطورت أشكال الذرات والمجرات وأخيرا ظهر الإنسان, وفي قوله تعالى “مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً” نوح 13و14؛ قالوا: لا قيد يخصص الوصف بأطوار الجنين وظاهره مجموع النوع الإنساني منذ كان نباتا خاصة مع الاستطراد بعده بآيتين: “وَاللّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرْضِ نَبَاتاً” نوح 17, قال الجاعوني: “الكلام مسوق سوق الحقيقة من غير تشبيه واستعارة.. (و)استدلّ بها (الشيخ الوائلي) على أنها قد تشير إلى خلق الإنسان التدريجي من طور إلى آخر.. (وقال) هذه النظريّة أي تطوّر النبات إلى حيوان ثمّ إلى إنسان.. إذا قلنا.. عفوًا (أي ذاتيا صدفة؛ فهي) مرفوضة من أساسها.. (لأنه) لا شيء عفوًا بل بإرادة الله, (و)إذا قلنا.. (بتقدير) الخالق.. لا عفوًا فلا ضير من ذلك”(20), ومجمل القول أنه لو ظهر يوما ما بمعزل عن الداروينية دليل يرجح التطور بتقدير الله فالإسلام لا يصادم حقيقة مطلقًا أما اليوم فالدليل مفقود, والاستنصار لنشأة الإنسان خاصة من الحيوان بلا دليل علمي يؤيد تحوله ولا قرينة صارفة لظواهر المأثور سيظل كذلك ادعاء محل شك, ويسبق القرآن في بيان أول حالة للكون دليلا على الوحي وتأكيدا لخلق الإنسان بتقدير وقصد مهما كانت الكيفيات كحلقة متميزة من جملة حلقات موجهة بوعي منذ البدء؛ وذلك وفي قوله تعالى: “خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ” الأنبياء 37.

المراجع / الهامش:

5.         د. أحمد نبيل أبو خطوة العدد الخامس من مجلة الإعجاز العلمي.

6.         فتاوى الأزهر ج7ص399.

7.         فتاوى الأزهر ج7ص412, مجلة الأزهر ج2ص749, مجلة الهداية البحرين عدد مارس 1993.

8.         القرآن وإعجازه العلمي – الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم ج 1ص97.

9.         في ظلال القرآن لسيد قطب المتوفى سنة 1386 هـ ج5ص155.

10.       مقدمة ابن خلدون ج1ص40.

11.       تفسير حقي البروسوي المتوفى سنة 1137 هـ ج13ص71.

12.       تفسير الميزان للطباطبائي المتوفى سنة 1402 هـ ج9ص293.

13.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج7ص140.

14.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج2ص48.

15.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج2ص180.

16.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج1ص146.

17.       تفسير الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ ج11ص101.

18.       تفسير الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ ج15ص337.

19.       في ظلال القرآن لسيد قطب المتوفى سنة 1386 هـ ج3ص195.

20.       النشوء والارتقاء ورؤية القرآن للخلق – تاج الدين محمود الجاعوني.

(*) خديعة التطور – عدنان أوكطار (هارون يحيى, جاويد يالجن)””” >> أنتهى

 

مما جاء في البحث المذكور، يتبين أن الرفض كان رفض إرجاع كلاً من النشأة الأولى وديناميكية التطور الى مبدأ الصدفة، وقبول فكرتي النشأة الأولى والتطور إذا كانتا بمشيئة وقدرة وتقدير الله سبحانه وتعالى. والتقدير هو التحديد المسبق لما سيؤول إليه الشيء المخلوق، ولا يمكن الجزم أن التقدير الألهي كان عند خلق الخلية الحية الأولى، إذ أن الأولى والأكمل أن يكون التقدير لحظة خلق الكون نفسه أو ما قبل ذلك، لأن لحظة خلق الكون تخرج عن مجال وقدرة علوم البشر المعاصرة والمستقبلية، بحيث يبدو الخلق ومراحل تطوره بعد هذه اللحظة كله معقولاً، سواء نظرنا إليه نظرة المؤمن بقدرة الله، أو المعتقد بمبدأ الصدفة، فيتحقق بذلك مبدأ عدالة الإختيار، في عالمنا الذي أبلغنا الدين أنه عالم إختبار، والذي يتبين من قوله تعالى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا … } (الملك 2)، وفي قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا…}.

 

علوم الإنسان في عصر فجر الإسلام:

 عرف القدماء ان جسد الإنسان يجف ويتحلل عندما يموت، ثم يصبح في نهاية الأمر ترابًا، واستنبطوا من هذا أنه مكونٌ من ماء وتراب، مثله مثل كل المخلوقات الحية الأخرى ((ولأنه يتحلل من خلال عملية لها رائحة غير طيبة فقد يكونوا قد اعتقدوا أنه مكون من طين منتن وماء آسن.)) ، أما كيف تحول هذا الطين الى مخلوقات فكان عليهم أن يوجدوا نظرية تفسر هذه العملية. كانوا يصنعون من الطين أواني وتماثيل، وكانت بعض هذه التماثيل تشبه المخلوقات إلا أنها جماد لا حياة فيها، فكان من التفسيرات التي توصلوا اليها أن الله عمل من هذا الطين تماثيل، ثم نفخ فيها روحًا فدبت فيها الحياة، ثم خلق لها أزواجا فتزاوجت وأنجبت وهكذا حتى امتلأت الأرض. ولا بد أنه كان هناك فروعا كثيرة تنبع من نفس الفكرة، منها أن الله خلق ناس وحيوانات كثيرة من أول الأمر، ومنها أنه خلق رجل وامرأة فأنجبا ثم تكاثرت ذريتهما. وكانوا بالطبع يعرفون أن الإنجاب يكون من مني الرجل يقذف في رحم المرأة ليصبح جنينًا ثم يولد طفلاً، وقد يفشل الحمل فيسقط الجنين وهو في أحد مراحل تطوره، فتبين لهم من ذلك صور بعض مراحل نمو الجنين في الرحم.

 بالطبع هذه النظرية البسيطة – وكعادة النظريات حتى المعاصرة منها – أنها تدفع الى الأذهان بأسئلة أكثر بكثير مما تجيب عليه، ولكن لابد أنها كانت أفضل الموجود آنذاك تفسيرا وإقناعًا. 

ولا شك ان العرب في القرن الميلادي السادس، قد عرفوا بعض قصص الخلق التي تمخضت عن المعتقدات والأساطير التي كانت شائعة في مختلف الحضارات القديمة. وكان العرب قبل الإسلام يعبدون أصنامًا تقربهم الى الله، هم بمثابة ملائكة لها مكانة وشفاعة وسلطان ((ويجدر الذكر هنا أن بعض العرب قبل الإسلام كانوا يعرفون الله ولا ينكرونه، ولكنهم جعلوا له شركاء، وهذا ما جاء الإسلام لتصحيحه.)) . ونظرًا لتوطن اليهود في المدينة وهي قريبة من مكة، ونظرًا لوجود قلة مسيحية في الجزيرة العربية، فان طبيعة الفضول عند الإنسان تستدعي ان نفترض ان أهل مكة وأهل المدينة قد عرفوا ولو بصورة عامة وتقريبية قصة الخلق التوراتية المذكورة في سفر التكوين، والتي لخصت موضوع كيفية الخلق في أن الرب خلق السماوات والأرض والناس والحيوانات والطيور والأسماك والنباتات وكل شيء في ستة أيام، أي ان الرب خلق الحياة بكل أنواعها في عدة أيام، وكان خلق كل نوع دفعة واحدة بجنسيه المذكر والمؤنث، والتي ورد فيها أيضًا قصة خلق آدم، وخلق زوجته من ضلعه، ثم خروجهما من الجنة.

ومن المتوقع مع بزوغ الدين الجديد، أن يتناول هذا الدين موضوع خلق الحياة بصورة عامة، وخلق الإنسان بصورة خاصة، وحيث أن الإسلام أعلن أنه امتدادًا للأديان التي سبقته، خاصة اليهودية والمسيحية، وأنه تصحيحًا لما شابها من تحريف وإضافة ونقصان، كان لا بد أن يتشابه بعض السرد القرآني مع ما سبقه في التوراة والأنجيل، وأن يختلف عنهما فيما سوف نعتبره تصحيحًا للمعلومات التي شابها التحريف خلال القرون السابقة له.

سنبحث في هذا الفصل موضوع خلق الإنسان، وهو أحد الموضوعات التي تناولتها  بعض الكتب المعاصرة تحت باب الإعجاز العلمي للقرآن، وقد ساهم فيه الكثير من فقهاء وعلماء الأمة، وقدموا أبحاثا قيَّمة في هذا المجال، وما هذا البحث، إلا إضافة متواضعة وخطوة صغيرة ضمن المسيرة الطويلة المستمرة والمتجددة، وما التوفيق إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

ومنهجنا في البحث أن ألآيات المتعلقة بموضوع ما، يجب أن تدرس كلها، ولا يصح إنتقاء آية بمعزل عن الأيات الأخرى، لأنها تؤدي المعنى التوفيقي المطلوب، هذا ليس هدفنا ولا يصح، بل هدفنا أن نعي الرسالة السماوية كما جاءتنا، ونفهم معانيها دون أن نسمح لمعلوماتنا المُسبقة بالتأثير عليها، ولا ننكر صعوبة هذا الأمر، ولا يعني هذا أننا لن نستفيد من علومنا ومعارفنا الحديثة، فهذه أيضًا من أسس البحث، وأنما ستكون معاني ألفاظ وجمل النص هي العامل الوحيد المطلق في تحديد دلالة الآيات، فأن توافق المدلول مع معارفنا، فالحمد لله، وان تعارض، أشرنا الى ذلك، وأعدنا النظر في علومنا.

أما عن بيان ما هو إعجاز النص،  فان النص إذا أتى بإشارة الى حقيقة معروفة في عصر نزوله فهذا ليس إعجازًا، بل هو وصفًا لمعلوم أو لمشاهد، وتذكرة للناس بما أنعمه الله عليهم. بالطبع كل ما في هذا الكون آيات معجزة، من ورقة الشجر الى الفراشة، من الدواب الى الشجر والنجوم، من الجبال والسماء الى الرياح والمطر، هذه كلها معجزات سواء نظرنا إليها نظرة العالِم المتفحص أو نظرة المؤمن الخاشع، ولكنها معجزات الخالق وليست من معجزات القرآن وهي كثيرة، فالمعجزة القرآنية هي أن يتضمن النص معلومات لم تكن معروفة زمن نزوله، وان لا تتعارض دلالات النص مع العلوم الصحيحة في أي عصر.

والسرد القرآني؛ وان كان موافقًا في دلالته الى حد كبير لما دل عليه الفكر الشائع آنذاك، إلا أنه لم يتبع النظريات المعاصرة لزمن نزوله في تفاصيلها، وأثار قضايا ربما لم تكن لتخطر على بال هؤلاء الناس، وأهمها قضية مرحلية الخلق والتطور والبعد الزمني لهذه العمليات. أتصور إن القدماء وان شاب نظريتهم المبسطة كثيرا من الفجوات والتساؤلات، إلا أنهم لم يكونوا ليستطيعوا أن يتخيلوا أن الخلق له بدء وأطوار حتى وصل الى ما هو عليه، بل ان الناس حتى عهد قريب لا يتجاوز مائة وخمسون سنة قبل اليوم، كانوا يقدرون عمر الإنسان على الأرض ببضعة آلاف من السنين، ولم يكن لديهم سبب حتى يتطرقوا الى فكرة ان التركيب الجسماني الإنساني ربما يكون قد تطور، فالتطور الجسماني الوحيد الذي عرفوه كان النمو الجسدي سواء كان في الرحم أو خارجه.

ولو نظرنا الى النصوص القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع، يمكن إيجازها في أنها تشير الى أن الله تعالى خلق كل دابة من ماء، وبدء خلق الإنسان من طين، ومن سلالة من طين، ومن طين لازب، وخلق البشر من تراب، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار. وأنه تعالى خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة، ثم خلق النطفة علقة، فخلق العلقة مضغة، فخلق المضغة عظاما، فكسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلق آخر، ثم بعد ذلك يميته، ثم يبعثه يوم القيامة.

وورد أن الله تعالى خلق آدم وكرمه وعلمه واصطفاه وفضله على العالمين، وأنه خلق الناس كلهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.

وأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة فمستقر ومستودع، وما خلقنا وما بعثنا إلا كنفس واحدة. وأنه تعالى خلق الأزواج كلها. ووأنه تعالى خلق من كل شيء زوجين. 

وأنه تعالى أنشأنا ((أنشأ دارا : بدأ بناءها وكل من ابتدأ شيئا فقد أنشأه، والنشء أحداث وصغار الناس، وأنشأ الله الخلق أي ابتدأ خلقهم، وقوله تعالى: {هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} أي إبتدعها وبدء خلقها. ))  من الأرض، وأنبتنا من الإرض إنباتا (({ والله أنبتكم من الأرض نباتا } نوح 17. ذكر المفسرون ان نباتا مصدر على غير المصدر، والمعنى أنبتكم إنباتا.)) ، وأنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن فيه شيئا مذكورا. وأنه تعالى خلقنا أطوارا.

مما سردناه سابقًا نجد ان النصوص القرآنية، وان أخذت في اعتبارها المتعارف عليه عند البشر في تلك العهود الماضية، إلا أنها أضافت إليه معلومات في غاية الأهمية، يمكن القول أنها لم تكن لتخطر ببال البشر في هذه العصور بل وربما كانت خارج حدود مداركهم.

ومن الملاحظ أنه لم يرد في أي من النصوص القرآنية أي من الأساطير والخرافات التي كانت شائعة في هذه العصور، كما لم يرد فيها مثل ما ورد في النصوص التوراتية من أن كلا من الخلق الكوني وخلق الحياة بكل أنواعها تم في الأيام الستة الأولى، بل إن النصوص القرآنية تفصل بوضوح بين خلق الكون وخلق الحياة، وتفصل بين الأزمنة التي خلق فيها أو ظهر فيها كل نوع على حدة، سواء كان من أنواع الحياة الكربونية المعروفة لدينا أم تلك الغيبية منها كالملائكة والجن . ويشير النص القرآني الى أن خلق السماوات والأرض تم أولا في الفترة النسبية التي عبر عنها بالستة أيام، ثم خلق بعد ذلك الجن ثم خلق الإنسان، لا يوجد زمان لخلق الملائكة ولكن المؤكد أنهم وجدوا قبل البشر ومن الأرجح وفق السرد أن يكونوا قد خلقوا قبل الجن، ولكن خلق الملائكة والجن ليس من الموضوعات التي يجدر بنا أن نخوضها .

تشير النصوص القرآنية الى أن الله تعالى خلق كل دابة من ماء، وفي هذا توحيد لمكونات خلق كل الأنواع الحية التي تسكن كوكبنا، وبالرغم أن هذا قد يكون معلومًا آنذاك؛ إلا أنه يضع الإنسان في مكانه المتواضع في الكون، حيث ان القرآن اشار أيضًا الى ان كل المخلوقات أمم مثلنا ((عندما نشر داروين نظريته في كتاب أصل الأنواع، كان أشد ما أثار حفيظة الناس عليه أنه جعلهم من سلالة الحيوانات وأن أصلهم من القردة، وهذه مرحلة من المراحل، والبدء كان من مخاليط من الماء الآسن والتراب، وهذا يتفق الجميع فيه، أما أن يعود أصل الإنسان الى القردة فهذا لم يثبت، بل الأرجح أن يعود أصل الإنسان الى ما قبل ذلك، وان الفرع الإنساني لم يأت من فرع القرود.)) ، وأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم علمه البيان وأكرمه، وأنه لولا أنه علمه البيان وأكرمه لظل أبد الدهر شيئًا غير مذكورًا. ويجدر الإشارة هنا أن النص القرآني لم يشر في أي مكان الى أن الله خلق الأنسان على صورة الله ذاته، بل يؤكد غير هذا، حيث ان الله ليس مثله شيء، وتشير النصوص الى أن “بدء” خلق الإنسان كان من طين، والأهمية هنا في لفظ “بدء”، وهذا دلالة على مرحلية الخلق وأن له بدأ ومرحلية واكتمال، وان بدء الخلق لم يكن بالإرادة الإلهية الفورية “كن فيكون” (({ ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } آل عمران:59  “كن فيكون” في خلق آدم وعيسى لم تعبر عن خلق فوري من العدم، بل دلت على أنه في هاتين الحالتين خلقهما الله من تراب، أي أن الخلق بمعنى تقدير ما منه وجود الشيء وربما وجوده تم قبل أمر الله كن فيكون، لأن ثم تشترط إنقطاع ما قبلها قبل بدء ما بعدها،  وهذا ما سنتناوله بالتفصيل فيما بعد. )) ، أي انه قد يكون خاضعاً لقاعدة الأسباب ومعقولاً. والبدء قد تدل على طول المرحلة التالية حتى وصول الإنسان الى صورته التي هو عليها.

وأشارت النصوص أنه سبحانه خلق الإنسان من “سلالة” من طين، وهذا قد يدل – إذا أخذنا معنى سلالة أنه إنحدار قوم أو نوع من أصل واحد مشترك- ان الإنسان لم يظهر من الطين دفعة واحدة، أو من خلال عملية واحدة، وإنما عبر سلالة هو آخر حلقاتها. بل وليس في أي من النصوص القرآنية على كثرتها؛ ما يشير الى أن الله خلق أول إنسان من الطين في عملية واحدة وفي نفس الوقت، بل أنها تؤكد ان هذا الخلق كان له ابتداء ثم امتداد خلال فترة زمنية، وليس في النص ما يحدد طول هذه الفترة، وليس فيه ما يمنع أن تكون فترة طويلة من الزمن.

وورد أيضًا أنه سبحانه خلق الإنسان من حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار. وأنه بعد أن خلق الإنسان من سلالة من طين، أنشأه خلق آخر، أي ان الخلق لم يصل الى صورته الحالية الا بعد أن أنشأه الله خلق آخر.

ويجب التنويه هنا أنه أصبح من الملاحظ علميًا، ان الفترات الأولى لنمو الجنين في الرحم، قد تتبع الى حد ما، ما يعتقده علماء التطور، المراحل التي مرت بها الكائنات خلال تطورها من الخلية الأولى حتى وصولها الى الدرجات الراقية التي وصلت اليها، وينطبق هذا على أجنة الحيوانات الأخرى، إذ تتشابه بعض الأجنة في مراحل تطورها الأولى ثم تبدأ في الإختلاف بعد ذلك طبقًا لنوعها. ولهذا نجد أن التفسيرات القرآنية المرحلية السابقة قد وجدت في تطور الأجنة المعاني الصحيحة للآيات القرآنية المتعلقة بالخلق في الرحم، والتي قد تدلنا أيضًا على الخلق التطوري.

<< previous page next page >>

» الفهرس

كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون

يمكنكم الذهاب الى أي فصل من فصول الكتاب عبر الضغط على عنوانهِ في الفهرس :

الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ


مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة سنة 1993م، بينما نعرض في هذا الموقع أبحاث في موضوعات الإقتصاد الإسلامي، وفي الزكاة، وفي الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون، وفي تطور كتابة مصاحف القرن الهجري الأول، وأبحاث ترد على الشبهات ومنهم شبهة كعبة البتراء، وغيرهم.

قنوات جديدة:

ما تم تحميله على التك توك وقناة اليوتيوب الجديدة حتى الآن مدرج في هذه الصفحة. رجاء أنقر هنا لتصل الى الصفحة الجديدة لمشاهدة الفيديوهات.

أرجو منكم زيارة قناة اليوتيوب ومشاهدة أحد الفيديوهات والإشتراك أو ترك تعليق حتى أتأكد أنها تعمل وأن يوتيوب لن تغلقها. وشكرًا

إصدار الكتب ونشرها:

ولهذا فقد أكملت وأضفت الكثير على هذه الأبحاث ووضعتها في كتب نشرتها على منصة أمازون (مدرجة في صفحة على هذا الرابط) وتجدونها بالبحث في:

www.amazon.com    Category: books and put in the search box: Wassim Lababidi  or وسيم اللبابيدي for the Arabic Books.

The Arabic language books are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone, PC & Laptops. The English language eBooks can be read on all devices. All the books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

وقد وضعت صور هذه الكتب أسفل هذه المقدمة. وأدرجتها في صفحة قائمة الكتب    List of Published Books


كما قمت بإعادة نشر معظم الفيديوهات في قناة جديدة على الفيسبوك (يجب أن يكون لديك  حساب في فيسبوك لتستطيع مشاهدة القناة) Contemporary Islamic Research

لمشاهدة الفيديوهات على الفيس بوك يجب أن يكون لديك صفحة على الفيسبوك وأن تنسخ العنوان وتلصقه داخل صفحتك على الفيس بوك، ويفضل إستعمال Edge Browser



وحيث أن هذه الدراسات المفصّلة تقدم معلومات ومفاهيم جديدة في غاية الأهمية، وحتى لا تُهمل وتندثر، توجب علينا جميعًا نشرها وإبلاغ المسلمين بها. لهذا أرجو من القراء والمشاهدين، الذين إطّلعوا وإقتنعوا ووافقوا على النتائج التي بينتها هذه الدراسات، أن ينضموا إلينا لنكّون مجموعة هدفها نشر العلم الذي منه صلاح الأمة. قال الرسول ﷺ: خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ. وقال ﷺ : خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ. آملين أن يبارك الله لنا. وعسى أن يكون في إجتماعنا هذا، الرد على ما نجحوا فيه من إسكات صوتنا في اليوتيوب. آملاً منكم التواصل معي على بريد هذا الموقع بإقتراحاتكم وتشجيعكم.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،

                                                                                    وسيم لبابيدي

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah


©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف وسيم لبابيدي ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.

Copyright ©.  The Copyright of all contents published on this website and all listed videos are registered and owned by the Author Wassim Mohammed Rafiq. No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.


الى زوار الموقع الأفاضل :  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني مشاركاتكم وإقتراحاتكم. ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة والثواب عند الله سبحانه وتعالى.

email address:        [email protected]


قائمة الكتب التي نشرتها على منصة أمازون / كتب / وسيم اللبابيدي والتي تحتوى على دراسات متقدمة في موضوعات هذا الموقع:

The Books & eBooks are published on Amazon/Books/ Search for the book name or my name Wassim Lababidi أو للكتب باللغة العربية: وسيم اللبابيدي

رجاء أنظر تحت صور الكتب لبيان كيفية قراءة الكتب الإلكترونية

All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk

جميع الكتب الإلكترونية باللغة الإنجليزية متاحة للقراءة على أجهزة الكمبيوتر الشخصية وأجهزة ماك، وعلى جميع الأجهزة الأخرى مثل الأجهزة اللوحية وأجهزة آيباد، بما في ذلك الهواتف المحمولة.

جميع الكتب الإلكترونية باللغة العربية متاحة للقراءة على جميع الأجهزة، بما في ذلك الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والأيباد والكمبيوتر.

جميع الكتب الإلكترونية متاحة بأقل سعر تسمح به الأمازون 2.99 دولار أمريكي على موقع أمازون دوت كوم، و 1.99 جنيه إسترليني على موقع أمازون المملكة المتحدة (دوت كو دوت يوكه).

 

لقراءة كافة الكتب الإلكترونية، يمكن تنزيل كيندل آب: فقط عليك تنزيل كيندل آب من الويب، أو من جوجل بلاي ستور الموجود على الموبيل:
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To install the Kindle app on an Android device (mobile):

  • Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install”
  • Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it.
  • To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password.
Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.
رابط صفحة الكتب                   

 ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في القناة على الفيسبوك:

فهرس الفيديوهات باللغة العربية التي تم نشرها على قناة (Contemporary Islamic Research ) للأسف بعض روابط الفيديوهات لا تعمل، أذهب الى الفيسبوك Contemporary Islamic Research وستجدها إن شاء الله هناك:

1) موضوع خلق الإنسان   

2) موضوع خلق وصفات الكون 

3) الرد على إدعاء أن القرآن نقل عن الكتب التي سبقته وأنه بشري المصدر  

4) الزكاة، المعاملات والإقتصاد الإسلامي

5) الرد على إدعاءات دان جيبسون إن الكعبة وبدء الإسلام كان في البتراء وليس في مكة الحجاز.

6) مخطوطة قرآن جامعة برمنجهام وكتابة مصاحف القرن الهجري الأول. الجزء الأول – الجزء الثاني

7) موضوعات متنوعة


Index of Videos Published in English Language on the new Facebook channel (You can only open the videos uploaded on Facebook from your Facebook page) Please go the the facebook page: Contemporary Islamic Research and you will find the videos there (but not all):

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.

 




13 أبريل 2023  الموقع هو  Contemporary Islamic Research وقد نشرت فيه بضع فيديوهات، وجاري نشر البقية. أرجو زيارته وأخباري برأيكم، والسلام عليكم،


6 / 6/ 2023 الحمد لله تعالى، تم اليوم رفع معظم الفيديوهات باللغتين العربية والإنجليزية على صفحة الفيسبوك. ووضعت الفهرس مع الروابط وتجدوه أعلاه في هذه الصفحة. 


13/04/2023  A new page/ channel is established on Facebook pages Contemporary Islamic Research So far I uploaded few videos, please visit and write to me. Best regards. (To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account)


فهرس المقالات مع روابطها على هذا الموقع:

الخلق التطوري الموجه بقدرة الله تعالى . دلالات آيات خلق الإنسان في ضوء علومنا الحديثة. (رابط المقال)

Was Evolution Guided? Or By Mutations & Natural Selection? The Case for Intelligent Design  [Article ]

هل كان التطور عشوائي أم تطور موّجه وفق تصميم وغاية؟  (رابط المقال على هذا الموقع)

نحو فهم جديد في فريضة الزكاة

مناقشة المفكر خليد بنعكراش في ما قال به في موضوع الربا (الفيديو)

Al Zakat – Contemporary Study – Towards A New Understanding

التضخم وتغَيرُ القيمة الشرائية للنقود الورقية وهل يرد القرض بالعدد أم بالقيمة

Death of a Galaxy – The Holy Quran Verses 81:15 to 18

{Why was the Quran not revealed to him all at once?} – Is there a Repetition in the Holy Quran?

الرد على إدعاء التكرار في القرآن الكريم – وقال الذين كفروا لولا نُزًل عليه القرآنُ جُملة واحدة

   التأويل والتفسير المرحلي لآيات خلق الكون وخلق الحياة في ضوء معارفنا وعلومنا الحديثة   رابط الموضوع  

 The Birmingham Manuscript & the History of the Writing of the Early Mushaf (Quran) Episode 1 of 4

مناقشة حلقة الدكتور إياد قنيبي حفظه الله: فانظروا كيف بدأ الخلق، هل أشار القرآن لتطور الإنسان؟

Quran & Science “The Creation & Working of our Universe”

On The Day When The Earth Is Replaced By Other Than The Earth

Al Naskh (Abrogation) in Quran. Legislative, Historical & Critical Study.

By Professor Mustafa Zaid

Response to Dan Gibson Claim that Petra Not Mecca was the Birthplace of Islam

الرد على إدعاء دان جيبسون أن الصحابي ابن الزبير (رضي الله عنه) نقل الكعبة من البتراء الى مكة

Response to Dan Gibson Claim: Ibn Al Zubair moved Al Kaaba from Petra to Mecca

Episode 1: Is Petra the Birthplace of Islam?     URL of Episodes 2 11 listed in Episode 1   

Response to Dan Gibson Claim that he found the First Kaaba was in Petra

الرد على إدعاء دان جيبسون أنه وجد بقايا الكعبة الأولى في البتراء

Creation & Evolution (Episode 1 of 9),  (2),  (3),  (4),  (5),  (6),  (7),  (8),   (9) .

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ

The 6 Days of Creation and the Big Bang Theory

إيداع المال في البنوك الإسلامية وإستثماره وفق قواعد معاملة المضاربة

موجز مختصر عن “كتاب النسخ في القرآن الكريم” الدكتور مصطفي زيد رحمه الله 

الشمس تغرب في عين حمئة – ذو القرنين

هل كان الخلق إعجازيا أم تطوريا؟ القرآن الكريم ودلالات الخلق التطوري 1 من 8

Creation or Evolution

وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين   

The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47

الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق

Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy

Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟

The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)

Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price

مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

  مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير 

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


 

الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.