الفصل السابع – المضاربة بالقدرات الممتدة

وصلت المرحلة الأولى من مراحل تطبيق الإقتصاد الأسلامي إلى مفترق الطرق؛ وعلى فقهاء هذه الأمة واجب حتمي وعاجل وفورى؛ يتمثل في تقديم صور المعاملات الشرعية التي يمكن تطبيقها وتعود بالخير على المتعاقدين والمجتمع؛ وليس بين أيدينا من العقود العملية سوى عقود المعاوضات وعقدي المرابحة والمشاركة؛ فهناك بشكل نظري عام المعاملات التي تغطي كل متطلبات التعامل التجاري إلا أن تطبيقاتها العملية تحتاج إلى الدراسة والتطوير لتناسب متطلبات هذا العصر؛ هناك المضاربة إلا أن صورة المضاربة الحالية غير عملية ولهذا فهي لا تمارس إلا فيما ندر؛ أما عقود المبادلات والإجارة بأنواعها فهذه وإن كانت لها أهميتها إلا أنها ليست كل الإقتصاد ولا يبنى عليها اقتصاد أمة ترجو التقدم والإنتاج. فهذه والمرابحة من المعاوضات؛ فإن أعتمدت أمتنا على هذه المعاملات فقط أصبحنا أمة مستهلكة غير منتجة. وعلى أهل الفقه والإفتاء أن يتحروا بالغ الدقة والحذر فيما يمنعون أو يجيزون؛ فمن هذا المنع أو الإجارة تتحدد الخطوط الرئيسية لإقتصاد هذه الأمة؛ إما مستهلكة أو منتجة؛ اما زراعية تجارية أو صناعية؛ اما خاملة أو متقدمة متطورة؛ من هذا الإفتاء أو من عدمه  يتقرر مصير هذه الأمة ومستقبل أجيالها القادمة، وقد رأينا كيف منع أغلب فقهاءنا على مدى العصور السابقة المضاربة في مجال الصناعة؛ دون الإستناد على أسس شرعية؛ ولو بينوا الإسباب الوقتية التي دعتهم إلى ذلك لتمكن من لحقهم من الإجتهاد إذا تغيرت الظروف وإنتفت هذه الأسباب؛ وقد أدى هذا المنع إلى عدم توفر التمويل للصناع فقام إقتصاد هذه الأمة على التجارة والزراعة؛ أما الصناعة فعندما تطورت وخرجت من نطاق الحرف المحدودة إلى نطاق المصانع الكبيرة وإحتاج قطاعها المال الكثير؛ لم يتوفر هذا المال لها ولم تتعد مصانعنا الكبيرة ما كان ممولا من الدولة مثل صناعة السفن والصناعة الحربية وغيرهما؛ بينما أذنت الكنيسة- على خطأ تشريعي- في أوروبا بالتمويل الربوي في القرن السادس عشر ميلادي فتوافر المال اللازم وقامت بعد ذلك ما تسميه أوروبا بالثورة الصناعية؛ بينما وفر لنا شرعنا معاملة أعدل وأحل من التمويل الربوي المحرم علينا وعليهم؛ إلا أننا منعناها عن أنفسنا دون سبب شرعي، فكان من أحد نتائج هذا المنع- والله أعلم- أن أصبحنا أمة تعتمد على التجارة والزراعة وليس لنا في الصناعة إلا القليل؛ ولا نقول هنا نأذن بالربا الظالم والعياذ بالله؛ وإنما نجيز البديل العادل الذي وفره لنا الشرع وهو المضاربة ونسمح بها في كل مجالات الإستثمار؛ والتي قال عنها الإمام مالك رضى الله عنه أنها سنة المسلمين.

لقد أجاز بعض الفقهاء المرابحة وهاجمها البعض الآخر؛ وتدور في الباكستان مناقشة حول مدى شرعية بعض المعاملات التي يقوم عليها النظام المصرفي الباكستاني؛ ومنها الإقراض بالبيع؛ وقد أصدرت المحكمة الشرعية الإتحادية في نوفمبر 1991م حكمها بحظر التعاملات الربوية واعتبرت الإقراض بالبيع منها؛ واستأنفت المصارف والحكومة الحكم أمام المحكمة العليا التي لم تصدر قرارها بعد. والنظام المصرفي الذي التزم بالشريعة منذ سنة 1985م يعتمد في كثير من أعماله- مثله مثل البنوك والمؤسسات الإسلامية الأخرى- على هذه المعاملة، ثم قال الدكتور أحمد النجار : ”أن رؤساء بعض المصارف الإسلامية سألوني كيف نعمل دون سعر فائدة؟ ووجد هؤلاء المصرفيون في المرابحة الحل وتم إستخدام المرابحة في تبرير كل العمليات المصرفية بعد ذلك، بل تحقيق نسب أرباح كبيرة تفوق سعر الفائدة بكثير، وأضاف قوله أن المرابحة تعتبر أكبر حل اجرامي في التاريخ الإسلامي فهي سعر فائدة ولكنه مضمون 100%“. ويدل كل هذا على خطورة هذه المرحلة وأهمية أن يقوم علماء الأمة بواجبهم المتمثل في تقديم المعاملات الشرعية التي يقبل عليها الناس من مؤسسات وأفراد وتفي بكافة إحتياجاتهم.

ان إقتصاد هذه الأمة يجب أن يقوم على تشجيع إستثمار متوازن في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والعقارات وغيرها؛ وعلى أهل الإفتاء أن يحذروا من ترك قطاع ما دون توفير المعاملات التي يحتاجها لنموه وتقدمه؛ والنظام الإسلامي لا يمنع معاملة دون أن يقدم بديل عنها؛ وعلى فقهاء هذا العصر أن ينظروا إلى متطلبات هذه الأمة وأن يلبوها، فالإقتصاد الذي يشرعون له منه مستقبلها ومصيرها. وبارك الله تعالى للباكستان ولكل الأمة الإسلامية التي قامت مخلصة لتطبق شريعة الله تعالى في إقتصادها؛ وعلى كل مسلم واجب تقديم العون و الدعم وتيسير الطريق إلى بلوغ هذا الهدف السامي؛ الذي يحمل بين طياته أسباب الرخاء والتقدم وأهم من كل هذا رضى الله سبحانه وتعالى.

والمضاربة بالقدرات الممتدة؛ هي عقد يوفر إجتماع صاحب المال المستثمر مع الشركة العاملة – بقدراتها الإداربة و الفكرية وخبراتها الإستثمارية – صاحبة الأصول من مكاتب ومتاجر أو معدات أو مصانع او مزارع أو وسائل نقل وغيرها؛ فتكون مشاركة بين منفعة مال هذا ومنفعة أصول ذاك وخبرته، فان كان في المال نماء كان للمنافع أثر وقيمة، وإن لم يكن لا يكون لها قيمة؛ فيكون لرب المال ما تبقى من ماله؛ ويكون للشركة أصولها فحسب ولا أجرة ولا نفقة ولا شيء لها غير ذلك. فيشتركا في الربح وفي الخسارة.

والقول أن النقود لها منفعة يجرنا إلى أن ما له منفعة يمكن تأجيره وهذا بالطبع ربا؛ المنفعة التي نقصدها هنا هي النماء العائد إليه والناتج عن العمل في المال واستثماره، أي أن النقود إذا إستثمرت فعلا وتحمل صاحبها إحتمال هلاكها أو هلاك جزء منها؛ فنمت من خلال هذا الإستثمار فقد جرت منفعة إلى صاحبها تحل له شرعاً، وهذه المنفعة التي نتحدث عنها لا تباع وتشترى ولا تستحق إلا عند ظهورها أو ظهور أثرها في النماء. والنقود لا تصح إجارتها لأنها مما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه؛ وعقد الإجارة يرد على المنفعة لا العين؛ وهذه منفعتها لا يمكن أن تتحقق مع بقاء الأصل- العين- على حاله (أو بدون نقصانه إلا بقدر لا تعتد به؛ أو يكافئ قيمة المنفعة المباعة)، ولأن هذه المنفعة غير معروفة عند التعاقد ولا يمكن وصفها أو تحديدها بل وليس من المؤكد حدوثها أو حصول المستأجر عليها؛ ولأن الأجر لا يستحق إلا عند تحقق المنفعة واستيفائها حقيقة؛ ولأن العين- التي منها المنفعة المباعة- ضمانها على المؤجر فإن هلكت فعليه غرمها؛ فكل هذه الشروط لا تتوفر في بيع منفعة النقود ، وبهذا لم يصح تأجيرها، وإن صح فيجب أن يتكافئ الأجر مع المنفعة حقيقة، ومنفعة المال في قدرته على النماء بالعمل فيه، فإن نما كان الأجر بعض من هذا النماء فإن لم يكن ثمة نماء فلا أجر وضمان الأصل أو العين على المؤجر فإن هلك فعليه؛ فيكون العقد إبضاعا إذا كان الربح لرب المال؛ أو مضاربة إذا كان بينهما؛ أو إجارة إذا كان للعامل الأجر على إستثمار المال بشرط معرفة وتحديد العمل الذي سيقوم به أو أن يسلم نفسه مدة معلومة. والقاعدة الشرعية كل قرضا جر نفعا فهو ربا، فالقرض في هذه المعاملة مضمون ويبقى المال أو يعاد مثل أصله؛ بينما لا ضمان هنا لا في المال ولا في المنفعة؛ ويتبدل المال من حال إلى حال ويتحمل صاحبه إحتمال هلاكه.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي (جزء 29 ص101): ( انا نعلم بالا ضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم، وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا).

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه إلى منفعة المال في المضاربة؛ ويمكن تجاوز تسميتها منفعة- لو فضلنا ذلك لحساسية هذا اللفظ الذي يربطه في بعض الأذهان بالربا لا لمعناه ومقصده- اذا بدلنا الألفاظ فاستخدمنا نماء محل منفعة، فتكون مشاركة هذا بقدرة ماله على النماء؛ مع ذاك بالنماء المتولد عن إستخدام معداته وأصوله كما أطلق عليها الحنابلة إذ قالوا يدفع الدابة بنماءها؛ أو كما ذكرنا إستهلاكها.

ولو نظرنا إلى المضاربة بالقدرات الممتدة؛ نجد انه كلما ازدادت قدرات الشركة العامل المستخدمة في هذه المضاربة كلما زاد عامل الأمان عند رب المال؛ لهذا فان أرباب الأموال والبنوك الإسلامية سوف توجه أموالها إلى الشركات الكبيرة ذات المعدات والمصانع والمتاجر وغيرها؛ وقد يؤدي هذا إلى حرمان الشركات الصغيرة وأصحاب الحرف من التمويل اللازم لأعمالهم؛ وهذا صحيح إلى درجة ما؛ إلا أن البنوك عامة توزع مالها على القطاعات المختلفة لأن الأرباح التي تحصل عليها من الشركات الصغيرة توازن درجة المخاطرة، وهي إذا توفر لها عامل أمان من الشركات الكبيرة سوف تجد لديها القدرة على تمويل الشركات البادئة والصغيرة. وفي كل الأحوال فان التمويل متى توفر للشركات الكبيرة فسوف يوفر الأعمال لغيرها، والوضع حالياً وفي كل النظم الإقتصادية الأخرى لا تختلف عن هذا فالبنوك لا تمول إلا الشركات القوية التي تجد عندها القدرة على السداد، وهذه خطوة أولى بوجه عام؛ ومتى كثر التعامل بالمضاربة فلا بد أن يكتسب البنك كفاءات يتمكن من خلالها من التعاقد بثقة مع الشركات الصغيرة والبادئة. وبالطبع هناك عقود أخرى يمكن عن طريقها تمويل هذا القطاع مثل الشركة والمشاركة.

وقد قدمت لهذا الفصل بوجوب توفير المعاملات الشرعية لكل قطاعات الإنتاج ولا نقتصرها على المعاوضات والوكالة والوديعة وغيرها من المعاملات التي قد تحصر بناءنا الإقتصادي في الحدود التجارية الاستهلاكية ذات طابع الخدمات دون الإنتاج الحقيقي؛ والذي يحتاج إلى المشاركات والمقابلات؛ والذي بين أيدينا منها يغلب عليه أن يكون شركات وهذه تختلف في طبيعتها عن المضاربة وغيرها من المشاركات التي تقدم مجال الاستثمار للقطاع الأكبر من الناس الذين لا خبرة لهم ولا قدرة لهم على الإدارة والعمل؛ ولهذا فإن النظام الإقتصادي يجب أن يهتم في المقام الأول بتجميع هذه الأموال وتوجيهها إلى المجالات الإنتاجية بغرض إنمائها وإنماء المجتمع الذي جمعت منه، وخاصة ان هذه القطاعات توجد فرص عمل جديدة لأفراد هذا المتجتمع.

 

في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمارات العقارية؛ لدينا المضاربة والمزارعة والمشاركات لتمويل هذه القطاعات وبالصيغة العملية التي وردت في هذا البحث؛ أما في مجال التمويل الإستهلاكي؛ فلو أخذنا تمويل المساكن الخاصة- كما هي الحالة في الإقتصاد الغربي- فيمكن تصميم معاملة يشتري العميل والبنك المنزل ويمتلكاه بينهما مشاركة بحصص المال؛ وليكن الخمس للعميل والأربعة أخماس للبنك؛ ويسكن العميل المنزل كله وفق عقد إجارة منفصل فيستحق البنك أجرة أربعة أخماس البيت، بينما يقسم ما دفعه البنك على عشرة ىسنوات مثلا يدفع العميل العشر منها كل سنة؛ فتؤول ملكية هذا العشر إليه فلا يدفع أجر هذا العشر في السنوات التي تليه؛ وهكذا حتى تؤول ملكية البيت كله إلى العميل فتنتهي المشاركة. وهذه معاملة صحيحة بشرط ألا يجبر العميل على أجرة فيها غبن أو تختلف عن أجور مثل هذه الدار، وقد لا يجوز أن يجبر علي الإستئجار إن شاء بعد أول عام أن ينتقل منه إلى غيره؛ فهذا عقد إجارة ولا علاقة له بعقد المشاركة؛ إلا أنه يتعرض في هذه الحالة إلى تغير الأجرة وفق تغير أسعار السوق عند التعاقد في الفترات اللاحقة. وربما جاز أن يتفقا على عقد إجارة مدته عشرة أعوام عندها لا يحق له الإنتقال لأن الإجارة عقد لازم لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا إذا وجد ما يوجب الفسخ. وفي كل حال فالعين موجودة فان بيعت رد لكل من الشريكين نصيبه من ثمنها بحصص مالهما. وهناك أكثر من طريقة لهذا التمويل الإستهلاكي:

1- أن يشتري البنك العقار ثم يبيعه الى العميل وفق عقد بيع مؤجل فيه بعض الثمن أو كله؛ ويجوز للبنك أن يبيعه بثمن أكثر مما أشتراه به إذا لم يكن قد أخذ ضمانات من العميل بشراءه وكان للعميل حق الخيار حتى توقيعه على عقد الشراء الخاص به؛ أما إذا أخذ من العميل وعدا ملزما بالشراء فلا يحق له الربح وإنما يحق له تقاضي قيمة المنفعة التي ينتفع بها العميل عن الجزء من الدار خلال المدة التي سكن فيها ولم يدفع الثمن بعد، فيكون الثمن المؤجل يساوي ثمن الحال زائد أجر الجزء المنتفع به حتى يتم تسديد ثمنه، وهذا العقد- بصورته الملزمة للعميل بالشراء- ملزم للطرفين في الثمن ومواعيد الدفع. فإن امتنع أو عجز العميل عن الدفع يحق للبنك أن يبيع العقار ويأخذ من ثمن البيع بقية مستحقاته وفق العقد وما يتبقى يأخذه العميل.

2- أن يشتركا في الشراء والملكية وفق عقد مشاركة؛ ثم يستأجر العميل الدار وفق أجور المثل وطبقاً لعقد إجارة، ويشتري العميل أجزاء من حصة البنك وفق عقود بيع.

  •     عقد الإجارة إما يكون ثابتا لمدة العشر سنوات أو أكثر؛ أو يكون كل سنة مثلا؛ فإن كان ثابتا لمدة طويلة يكون ملزما وعليه دفع الأجرة المتفق عليها لشركة المشاركة وتقسم الأجرة بينهما بحصة كل منهما في ذلك العام، وإن كان يجدد كل عام فكذلك إلا أنه يجب الإتفاق عليه أول كل فترة جديدة وبشرط أن يكون مثل أجور مثله، وعقد الإجارة لا علاقة له بالمشاركة وله أن يستأجر أو إن يمتنع إن شاء ذلك، أي يكون كالأجنبي عن المشاركة.
  •     أما عقد البيع فهذا اما يتفق عليه بنفس ثمن شراء المشاركة للعقار؛ فيشتري من البنك جزء من حصته كل عام وهذا إن تعاقدا على أجزاء معينة وفق تواريخ مستقبلية معينة يكون عقدا ملزما لهما. أو يُتفق عليه بموجب سعر السوق في هذه الأوقات المستقبلية فلا يكون ملزما لهما. فإن إختلفا يباع العقار ويقسم المال بنسب المشاركة. وعقد البيع المستقبلي عقد لا يتخلله ما نهي عنه مثل عدم التقابض والغرر وغيرهما مما يشوب العقود المنهي عنها، فهذا بيع موجودة فيه العين ومملوكة للبائع ومقدور على تسليمها؛ تأخر فيه تسليم العين وتسليم الثمن. فإن جاز السلم وجاز البيع المؤجل يجوز تأجيل العين والثمن والله أعلم.

 وهذا عرض عام- ويحتاج إلى بحث مفصل مطول آخر- يمكن تطبيقه على السلع الإستهلاكية الأخرى من سيارات إلى أجهزة منزلية وغيرها؛ والأساس في حساب الزيادة نظير تأجيل دفع الثمن أنها يجب أن تساوي ثمن منفعة العين في هذه الفترة المؤجلة أي أجرتها، ولا يجوز هذا النوع إلا في الأعيان ذات المنفعة أي التي يمكن إجارتها وتنضبط بأثمان هذه المنافع. أما ما لا يمكن اجارته فقد وفر الشرع له البيع المؤجل فيه الثمن والأرجح أن ضابطه هو الثمن المستقبلي لهذه السلعة، وهذه بيوع تحدد أثمانها قوى السوق المنافسة. ولا يصح أن يكون ضابطه ربح المثل لأن هذا بيع فإن إتفقا على ربح المثل في هذه المدة ضُمن هذا الربح ثم قُبض دون إستثمار أو تعرض أصل المال للمخاطرة، هناك خط يفصل بين ربح المثل أو ربح الفرصة المضاعة وبين الفائدة الربوية؛ يتمثل في إستخدام ربح المثل للمقارنة فقط مع عدم إستحقاقه إلا عند تحقق الربح الفعلي حقيقة. فإن إستحق دون إستثمار فعلي كان ربا.

أما عن تمويل المشروعات الحكومية مثل الطرق والمستشفيات وشبكات الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات التي تتعهدها الدولة فهذه تعاونية تمول من أموال الضرائب فإن لم تكف يمكن تمويل النقص بإكتتاب فينفذ المشروع وتستأجره الدولة من أموال الضرائب المستقبلية ويعود الأجر إلى مساهمي الإكتتاب على أن تحدد طريقة وثمن شراءه بطريقة مقاربة لتلك التي ذكرت فيما قبل.

ان الإقتصاد الإسلامي قادر على تلبية كل متطلبات واحتياجات البشر وبصورة عملية ذات قيم عادلة؛ تؤدي إلى تشجيع المعاملات والاستثمار بما يعود بالخير والرخاء على المجتمع الذي يأخذ به ويطبقه وفق أسلوب عملي معاصر وصادق. ومن أحد العوامل المهمة في إنجاح تطبيقه هي أن يقتنع به العاملون في أجهزته؛ ويؤمنون إيمانا مطلقا به كنظام عملي يقوم على قوانين ومعادلات ويستمد مبادئه من مثاليات وأخلاقيات، وأن يتخلوا عن الفكرة السائدة أن معاملاته تقوم على الثقة والأخلاقيات وحدها، فهذا غير صحيح وقد عرضنا هذه الدراسة آخذين في الإعتبار عدم توافر الثقة فوجدنا في هذا النظام ما يكفل الأمان حتى إذا اعتدى أو خان طرف؛ مالم نجده في النظم الأخرى، فهذا نظام إنساني عملي لو بحثنا فيه بجدية وإقتناع سنخرج منه بالنظام الإقتصادي المثالي والعملي معا؛ والذي ليس لدي أدنى شك في أن العالم كله سيأخذ به في المستقبل القريب؛ ففيه علاج كل المشاكل الإقتصادية والاجتماعية التي عانى وما زال يعاني منها نتيجة انتفاء العدالة في هذه النظم. فلنتوكل على الله تعالى ولنعمل بما أنعم به علينا؛ ونحن أولى بما إصطفانا سبحانه وتعالى به؛ لا يسبقنا إليه أحد من العالمين؛ وما التوفيق إلا من عند الله عز وجل.

تم والحمد لله، سنة 1993 ميلادي

<< previous page next page >>

الفصل الرابع – المشاركة

جاء عن ابن تيمية في القواعد النورانية عن المساقاة والمزارعة:” من المعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، والمساقاة والمزارعة لا يأكل أحدهما مال الآخر“.

والشركة من المشاركات وكذلك المضاربة والمساقاة والمزارعة، والمشاركة هي إما: مشاركة عقد أو مشاركة ملك، ومشاركة الملك أو شركة الأملاك وهي ما ليس المقصود منها الكسب ولا تتعرض أموالها للمخاطرة، وقد تكون قد حصلت باختيار المتعاقدين أو بغير اختيارهم كالأرث أو اختلاط الأموال دون قصد أو رغبة. أما شركة العقد فهي عقد بين اثنين أو أكثر لتحصيل الكسب الحلال لهما من أطراف أجنبية عن العقد. والكسب الحلال لا يتحصل إلا عن طريق المعاوضات كالبيع ولهذا وجب أن تكون الشركة قائمة على مال، والمال هو كل ما أمكن مبادلته وفق السبل الشرعية بأصل الأثمان، فيشمل الأعيان والعروض والمنافع والنقود الرائجة. فإن قامت على أموال عينية تكون شركة عنان، وإن قامت على الضمان والضمان يستحق به الربح كالمال… كانت شركة وجوه أو شركة ديون. وإن قامت على أموال منافع… تكون شركة أعمال أو أبدان أو قد نعبر عنها قامت على الضمان المتوجب بتقبل العمل الذي سيتقبلاه فنسميها شركة تقبل الأعمال.

وتقوم الشركة على اتفاق بينهما بأن يقدم كل منهما مالا أو التزاما بتقديم منفعة عمل أو التزاما بضمان دين. فيتوجب ضبط هذه الحصص حتى لا يأكل إحدهما من مال ليس له.

فإن كان المال والعمل منهما بالتساوى… كانت شركة عنان، أما لو كانت مالاً من كل منهما بالتساوي والعمل بينهما ليس متساوياً ويكون الكسب بينهما بالتساوى… ففيه ظلم لمن عمل أكثر لا يصح معه العقد الذي يشترط فيه العدالة في توزيع منافعة.

وحيث إن قيمة العمل مجهولة وقت التعاقد… فإنه يكتفى بمعرفة نسب التفاضل لأن العمل وإن كان مجهولاً إلا أنه واحد، لهذا… وجب تحديد نسب تفاضل الأعمال من جهة، وتفاضل نصيب المال من الربح إلى نصيب العمل.

أي إن الإيراد سوف يكون رأس المال العيني ومال المنفعة والربح، ويعاد منه رأس المال وما يتبقى هو قيمة المنفعة والربح المقدرين بجزء من المتبقى.

المقصود من رأس المال هو تحديد الربح وهو المال الذي يتبقى بعد إعادة رأس المال، وتحديد نصيب كل من المتعاقدين في رأس المال، وفي الربح.

والمال العيني معروف ومعين القيمة وقت العقد، فإن كان مما تتغير قيمته خلال مدة العقد اكتنفته الجهالة فلم يصلح أن يكون رأس مال كما هو الحال في العروض. ولهذا وجب أن تكون من أصول الأثمان كالذهب والفضة والنقود الرائجة.

ومال المنافع – مثل العمل – لا قيمة له وقت العقد، إلا أنه مال يتحصل عليه بالإجارة، وإن لم يوجد خلال العقد يستهلك جزء من مال الشركة في شرائه، فبوجوده توفر  مال الشركة لشيء أخر مثل الشراء وغيره مما يتحصل به على الربح. ويمكن تجاوزاً القول لأنه معدوم وقت العقد فهو معدوم وقت القسمة أيضاً فلا يعود لصاحبه، إلا ان له أثر في الربح يظهر في قيمة هذه المنفعة بزيادة الربح عما كان ليكون عليه لو استؤجر أجنبي أو من أجنبي على هذا العمل، أو بتقليل الوضيعة عنها كما سبق. وهذا قد يعنى أن صاحب المال قد استفاد من مال غيره بما قلّت به وضيعته، وهذا معنى المشاركة فهذا ليس ربا أو غرر فهو لم يأخذ مال غيره بل نقص ماله، وهو مثل المضاربة لو لم يضارب معه لاستأجره فإن خسر زادت الوضيعة عما كانت لتكون عليه في المضاربة. ولأن الوضيعة إن حصلت فتكون لأن هذه المنفعة لم يكن لها أثر وليس لها قيمة، ومن صفاتها أنها توجد وتنعدم، فلا يخسر صاحبها سوى قيمتها وهي معدومة في هذه الحالة لأنها تقاس بمعيار الربح وهذا معدوم. ولا يستحق شيء في حالة الخسارة لأنه خاطر بها على نصيب من الربح لا على قيمتها لأن هذه القيمة مجهولة ومعدومة عند العقد.

منفعة العمل المشارك بها

رأس المال هو المال المستثمر من أجل الربح والمعرض للمخاطرة فيحل لصاحبه كسبه بناء على قاعدة الغنم بالغرم. والربح هو الذي يتحصل عليه بالعمل في مال مع احتمال كونه موجباً أو سالباً فإذا كان سالباً يخسر المستثمر جزء أو كل رأس ماله. والإستثمار هو توظيف المال بقصد الحصول على ربح أو نماء مع تعرضه للمخاطرة، أما توظيف الأموال في الاجارة فهذا شراء ثم بيع منافع وقد يطلق عليه إستثمار أيضاً لأنه يعود على صاحب العين بعائد مستقبلي والمخاطرة ههنا في احتمال هلاك العين أو تغير السوق.

ورأس المال المشارك يشترط فيه تعيينه بوحدة لا تتغير بقدر يعتد به في مدة الإستثمار أو في الأمصار المتوقع التعامل فيها. ولهذا لا يجوز أن يكون إلا من أصل الأثمان. وهذا لأن رأس المال يعود إلى صاحبه وما يتبقى من المال هو الربح فإن جهل رأس المال جهل الربح وهو المعقود عليه في المشاركة وتفسد المشاركة بكل ما يؤدي إلى جهالة الربح.

والمال قد يكون نقداً رائجاً أو ذهباً وفضة أو عروضا وأعياناً أو منافع وحقوقاً. ولا يصلح من أن يكون رأس مال إلا النقد الرائج والذهب والفضة لثبات قيمها النسبي ولأنها معيار الأثمان. أما الأنواع الأخرى من الأموال فإنها لا تصلح لتغير قيمها مما يؤدي إلى الغرر الذي لا يسمح به إلا لو كان يسيراً وكانت للمعاملة حاجة وضرورة، فإن وجدت أصول الأثمان أو النقد الرائج فلا ضرورة لغيرها.

والذي يهمنا هنا هو المنافع، منفعة العامل والآلة والدور وغيرها. وهذه المنافع تستأجر وعوضها مال. ومن صفة المنفعة أنها معدومة وقت العقد وتنوجد خلال مدة العقد ثم تنعدم عند الانضاض ولو قدرت قيمتها المستقبلية وقت التعاقد يكتنف هذا التقدير غرر لأنه تقدير أجرتها وتقدير استيفاء منفعتها سواء بني التقدير على أساس المدة أو العمل. وعقد الاجارة على خلاف القياس لأن المنافع وقت العقد معدومة ولأنها من بيع ما لم يخلق، وإنما جوز الشارع هذا العقد استحسانا للحاجة إليها ولدفع الحرج ولمنفعة الناس. إلا أن التقدير فيه وقت التعاقد لا يتعدى تقدير الأجرة وتحديد المنفعة أو العمل ويشترط استيفاء المنفعة في المدة أو إتمام العمل المنوط إليها لاستحقاق الأجر، وتكون المنفعة ذاتها أو العمل مقصوداً في عقد الاجارة.

أما في المشاركة… فالعمل ليس مقصوداً، وهو مجهول وقت التعاقد، وإن عين بالوصف أو بالمدة لا يعرف أيستوفى أم لا، ومساواة المال المعلوم بتقدير مالية المنفعة قد يؤدي إلى الغرر، لهذا لا تصلح المنافع أن تكون رأس مال.

وللمنافع أثر لا ينكر على الربح، وهو لا يقل عن أهمية رأس المال، ولهذا … فقد جرت العادة على الاتفاق بين الناس أن يدفع الرجلان مالهما على أن يعملا معاً والربح بينهما… فإن تساويا في المال والعمل تناصفا الربح وهذه شركة العنان المجازة بالإجماع.

فإن تساوى المالين واختلف العمل… فمن الفقهاء من قال الربح بينهما ومنهم من قال للذي عمل أكثر نصيب أكثر ومنهم من قال يقتسمان الربح بينهما ثم يعود نو الفضل على صاحبه بنصف الفرق في أجري مثلهما. فمن ساوى بينهما قال العمل الأكثر تطوعاً؛ ومن قال للذي عمل أكثر نصيباً أكثر؛ قال هذا لأن الكسب يتحصل بالمال وبالعمل وبالضمان، ومن قال بالأجر جعلها على الاجارة.

وبالطبع كان الاختلاف لصعوبة تحديد نصيب العمل الإضافي من الربح، وهذا أيضاً يظهر في شركة الابدان جاء في المدونة(ص42) ما معناه أنه يجوز بين الصناع من نفس الصنعة في نفس الحانوت إذا تساوى أو تفاضل المال والعمل والربح بنسب واحدة:

فلا يجوز أن يقتسما الربح مناصفة أو أثلاثاً، إذا كان من أحدهما ثلث المال وعليه نصف العمل، وتجوز إن كان منه ثلث المال وعليه ثلث العمل وله ثلث الربح.

وجاء في صحفة  45 من المدونة:” أرأيت أن أشتركنا ثلاثة نفر لي بيت ولصاحبي الرحا ولصاحبي الآخر البغل على أن ما أصبنا من شيء فهو بيننا سواء وجهلنا أن يكون هذا غير جائز فعملنا على هذا فأصبنا مالا. فقال يقسم المال بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والدابة والرحا معتدلاً، فقلت فإن كان مختلفاً قال يقسم المال بينهم أثلاثاً لأن روؤس أموالهم عمل أيديهم فقد تكافؤا فيه ويرجع من له فضل كراء في متاعه على أصحابه. قلت فإن لم يصيبوا شيئاً قال يترادون ذلك فيما بينهم يرجع بذلك بعضهم على بعض إن لم يصيبوا شيئاً بفضل الكراء“.

وهذه الشركة قائمة على الاجارة بينهم، وهكذا ذهب أكثر الفقهاء عدا الحنابلة في مثل هذه المشاركات التي تجتمع فيها الأعيان مع العمل، واستحق فيها من كان له الأجر هذا الأجر سواء كان في المشاركة ربحاً أو وضيعة، وهذا صحيح لو أخرجت هذه المشاركات على الاجارة، إلا أنها لم تكن المقصودة ممن عملها، فمن دفع دابته إلى من يعمل عليها قصد الربح وليس الأجر، ومن عمل على الدابة كذلك، فيكون العمل أو المنفعة غير مقصودين كما هو الحال في الاجارة، ولن يعملها أيهما إذا كان سيغرم الأجر من ماله إذا لم يحصل الرزق. ولا فائدة للدابة عند من يريد نقل متاعاً بدون من يعمل عليها وكذلك لا فائدة من العامل بدون الدابة فاجتمعا على المصلحة وعدمها.

واستحقاق الأجر صحيح لو لم يكن له في الربح، فإن دفع دابته أو عمل بقصد الربح فقد بطل حقه في الأجر فهما لا يجتمعان، فإن قال خذ دابتي واعمل عليها والرزق بيننا فليس له الأجر بعد ذلك. وهما لو دفع كل منهما دابته وعملا معاً يكون الرزق بينهما جائزاً عند أغلب الفقهاء فيكون عدم الجواز للإختلاف ولاحتمال حدوث الغرر في توزيع الربح بينهما وليس لعدم جواز المعاملة ذاتها ولله أعلم.

حا في المدونة ص 49: ”أرأيت إن كان لي بغل ولصاحبي بغل فاشتركنا على الحمولة التي تحمل على البغلين، قال ما أرى بأساً إذا كانا يحملان جميعاً فيحملان على دابتهما لأن هذين يصير عملهما في موضع واحد وهذا مثل أن يتقبلا الشيء يحملانه إلى موضع واحد، وإن كان يعمل كل واحد منهما على حدته فلا خير فيه“.

ولهذا … فإن أمكن تحديد أنصبة الربح بتحديد التفاضل الصحيح في هذه الشركات فإنها – في رأينا – تكتون ملتزمة بالقواعد الصحيحة.

فلو فرضنا في شركة عنان يدفع أحدهما مائة ألف والثاني مائتي ألف رأس مال على أن يعمل الأول كل الوقت ويعمل الثاني نصفه فاتفقا – بناء على أجور مثلهم على العمل الذي سيقوم به كل منهما – أن أجر الأول في العام تسعة آلاف والثاني ستة آلاف وقررا أن يتركا أجرهما في المال مخاطرين به حتى يقتسما. فإن ربحا ثلاثين ألفا فالربح يعود إلى المال والعمل.

فإن قلنا يقتسما الربح بينهما ثلثا للأول أي عشرة آلاف وثلثين للثانى؛ أي عشرين ألفا، ثم يعود الأول على الثاني بثلثي الفرق بين أجور مثلهما وهو الثلاثة الآف فيكون له على صاحبه ألفان، فيكون للأول اثنا عشر، وللثاني ثمانية تكون القمسة خطأ، لأن أجر عمل الأول في مال الثاني ثلثي أجر مثله أي ستة الآف وأجر عمل الثاني في مال الأول ثلث أجر مثله وهي ألفين فيكون للأول على الثاني أربعة الآف فيكون حق الأول من القسمة أربعة عشر ألفا والثاني له ستة عشر ألفا، لهذا… لا يصح الرجوع بالفرق وإنما بالكل.

وهذا تقسيم صحيح لو قصدا إستثمار المال واستئجار كل منهما الآخر في ماله، وهذا ليس قصدهما وإنما قصدا إستثمار المال بالعمل فكان للمال ربح وللعمل ربح، فعندما خاطرا بالأجر… قصدا أكثر منه؛ فإن جاز لهما الأكثر… سقط حقهما في الأجر فيتحملا الخسارة في حدود الأجر، وهذه المشاركة لم يجزها الفقهاء عدا الحنابلة. إلا أن مشاركة العمل هي شركة أبدان يجوز لهما ما تكسبه لقاء العمل أو لقاء الضمان بتقبل العمل، ولم يقال فيها أن عليهما أن يعودا على بعضهما بأجر المثل وإن عادا… كانت النتيجة واحدة إذا كانت نسب توزيع الكسب بينهما هي نسب أجر مثليهما في العمل الذي قاما به، وليس صحيحاً إذا كان نصيب أحدهما لقاء الضمان حين تقبل العمل والآخر لقاء عمله وفي هذه الحالة نجد في مشاركة الأبدان اجتماع الضمان- كالمال- مع العمل.

وحيث أنهما قصدا المخاطرة بمنفعة عملهما… فلكل منهما نصيب من الربح أو كسب العمل بقدر تفاضلهما في المنافع المخاطر بها، فإن أخذنا المثال السابق… يكون للأول ثلثا ربح العمل وللثاني ثلثه، وربح العمل هو الجزء من ربح المشاركة العائد إلى العمل ويشمل قيمة منفعة العمل بمعيار نجاح المشاركة وربحها أو قيمة منفعة العمل كما تحددت بالنماء الحاصل في المشاركة ككل.

وهذا سيستدعي الاتفاق على نصيب المال ونصيب العمل من الربح، فإن قلنا نصيب المال من الربح هو ربح الفرصة المضاعة تحت ظروف إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة إلى أقل حد كالاجارة فنفترض شراء عقار بكل المال يكون عائده8% في السنة، فيكون عائد رأس المال أربعة وعشرين ألفا، وأجور مثل العاملين خمسة عشر ألفاً فيكون العائد عن العمل والمال إحدى وأربعين ألف نصيب المال منهم 61.5% ونصيب العمل 38.5% فإن ربحت مشاركتهم ثلاثين ألفاً كان ربح المال 18,461,5 وربح العمل11,538.5 فيكون للأول ثلث ربح المال وثلثا ربح العمل فيأخذ 13,077 وللثاني ثلثي ربح المال وثلث ربح العمل فيأخذ 16,923.

وإذا كانت في المال وضيعة تكون قيمة العمل معدومة، ويتحمل رأس المال الوضيعة بالحصص.

إذن… هناك طريقتان ولمقارنة النتائج… نعرض هذا الجدول:

 

الربح الحاصل

تقسيم الأرباح

مشــــــــاركـــة

على المـال والعمـل

الأول               الثاني

اجـــــــــــــــارة

على المـال والأجـور

الأول              الثاني

90,000

60,000

30,000

15,000

3000

(15,000)

39,231

26,154

13,077

6,538.5

1,308

(5,000)

50,769

33,846

16,923

8,461.5

1,692

(10,000)

34,000

24,000

14,000

9,000

5,000

(1,000)

56,000

36,000

16,000

6,000

(2,000)

(14,000)

         

وفي رأينا أن التوزيع الأول – مشاركة – يعدل بينهما في الربح والخسارة بنسب المال والعمل، فإن لم ينم المال لم تكن لعملهما قيمة فتقاسما الخسارة وفقاً لحصص المال، فلا يأخذ أحدهما من مال صاحبه. وتدخل عموم المنافع من منفعة العمل إلى منفعة الآلة والدار في حصة العمل بينما تبقى حصة المال وفق رؤوس المال.

وفي حالة ان اتخاذ القرار الذي يعول عليه نجاح الشركة أو فشلها يعود إلى أحدهما، فإما أن أجر المثل المقدر له سوف يعكس هذه القيمة أو أن يتفق له على معامل إضافة لتوفير حافز أكثر له.

وقد يقال إن الآلة تختلف عن الشخص لأن الآلة لا قدرة لها في زيادة الربح أو تقليله وإنماء يعود هذا إلى العامل، إلا أن الآلة لو دفعت أجرتها من المال يغرمها أصحاب المال إذا لم يكن ثمة ربح فإن قبل صاحبها أن يخاطر بأجرها استحق أكثر منه إذا وفر الربح. فهي في الحقيقة مال منفعة لا يصح أن تكون رأس مال لان رأس المال يجب إعادته وهذه تستهلك ولا تبقى إلا أن أثرها على الربح لا يختلف عن أثر المال فكانت مشاركة في الربح لا في رأس المال، عوضاً لصاحبها المخاطر بالأجر ولمصلحة الآخرين الذين لا يريدون أن يغرموا أجرها من مالهم.

وما سبق ليس مضاربة لعملهما معاً ولعدم توفر شرط التخلية – وإن كانت هناك تخلية بأن وكل كل منهما الآخر حق التصرف في المال – وإنما هو مشاركة ولا تتحقق المشاركة إلا بتحقق النماء عندما تكون لهذه المنافع قيمة لأنها تقاس بمعيار النماء. وليس في ما جاء شبهة ربا أو أكل مال بالباطل أو غرر أو جهالة أو غبن بأحدهما بل إنه تطبيق لمبدأ الغنم بالغرم.

وأهمية هذه المعاملات أنها تشجع الناس على التعاون والإستثمار بدون أن يتحمل أحدهما الخطر كله وحده إن جُبر أن يدفع أجر المثل لصاحبه سواء كسب أم لم يكسب.

وقد جاء في قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار- طبعة بولاق- القاهرة عام1299 هـ (جزء2ص258): ” وكذا في شركة البزاز حيث قال وإن لاحدهما ألف ولآخر ألفان واشتركا واشترطا العمل على صاحب الألف والربح انصافا جاز وكذا لو شرطا الربح والوضيعة على قدر المال والعمل من أحدهما بعينه جاز ولو شرطا العمل على صاحب الألفين والربح نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما اثلاثاً لأن ذا الألف شرط لنفسه بعض ربح الآخر بغير عمل ولا مال والربح إنما يستحق بالعمل أو المال أو بالضمان. لكن في مسئلة الشارح العمل على كل منهما لا على صاحب الأكثر فقط وهو صحيح سالم من الفساد كما سيصرح به. والحاصل أن المفهوم من كلامهم أن الأصل في الربح أن يكون على قدر المال كما قدمناه عن البحر إلا إذا كان لأحدهما عمل فيصح أن يكون أكثر ربحاً بمقابلة عمله وكذا لو كان العمل منهما يصح التفاوت أيضاً. تأمل قوله ثم يعقد شركة عنان وهي لا يلزمها أن يكون الربح فيها على قدر المال فلهما أن يتفقا على مناصفة الربح. قوله ثم يعمل المستقرض فقط أي بطيب نفس منه لا بشرط عليه لأن شرط الشركة أن يكون العمل عليهما كما قال على أن يعملا لكن الشرط إنما هو اشتراط العمل عليهما لا وجوده منهما، فإن العمل لايتأتى من اثنين فيصح أن ينفرد أحدهما به بعد أن شرط عليهما كما هو مقتضى عقد الشركة ويكون الربح بينهما على حسب الشرط لأن كلا منهما وكيل بما يعمله عن صاحبه فيقع شراء كل منهما بالأصالة عن نفس المباشر وبالوكالة عن شريكه لأن الشركة تتضمنها ويكون الربح على حسب الشرط كما تقدم في بابها“.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – من كتاب مفتاح الكرامة

في شرح قواعد العلامة (الجزء السابع)

1- جاء في مفتاح الكرامة ص415-416:” لو دفع إلى آخر دابة ليحمل عليها والحاصل لهما فالشركة باطلة …

فإن العامل قد أجر الدابة فالأجرة لمالكها وعليه أجرة مثل العامل …

أما الأول فلأنه عوض منفعة ماله. وأما الثاني فلأنه بذل عمل في مقابلة الحصة من الحاصل الذي كان يعتقد حصولها وقد فاتت بفساد الشركة فوجبت له أجرة مثله لأنه لم يتبرع بعمله وهذا هو الموافق للضوابط ولا أثر لسؤال المالك ولا العامل… وللعامل أجرة مثله إن رضي المالك وإلا اقتسما الحاصل على قدر أجرة المثل لهما لا على ما اشترطاه…

فإن قصر الحاصل عنهما تحاصا إن كان بسؤال العامل وإلا فالجميع، يريد أنه إذا كانت الشركة باطلة وقد أجر عين الدابة فأجرتها لمالكها وعليه للعامل أجرة مثله إن وفي الحاصل من أجرة الدابة باجرة مثله وأجرة مثلها أو زاد، أنه يدفع حينئذ إليه أجرة مثله ويختص هو بالباقي والصورتان تدخلان في صورة عدم القصور لكنهما نادرتا الوقوع، وإن قصر الحاصل عن الأجرتين تحاصا بمعنى أن الحاصل إذا قسط على أجرة مثل الدابة وأجرة مثل العامل قصر عن ذلك فان العامل يأخذ حصة من الحاصل بنسبة أجرة مثلة ان كان دفع المالك الدابة على هذا الوجه بسؤال العامل لانه قد رضى بأن يكون له حصة من الحاصل وإن نقصت عن أجرة المثل. ويندرج في ذلك ما إذا كان الدفع بسؤالهما لانه بسؤال العامل أيضا وإن لم يكن ذلك بسؤال المالك فالواجب للعامل جميع أجرة مثله وإن زادت على الحاصل.

هذا التفصيل من متفردات هذا الكتاب لانه لم يذكره في التذكرة ولا في التحرير ولا حكاه عن أحد من العامة. على أنا نجد فرقا وإما أن نقول أن المسئلتين تستويان في التحاص لان المفروض حصول رضاهما بذلك سواء كان بسؤالهما أو سؤال أحدهما، أو نقول أنه يجب للعامل أجرة المثل كائنة ما كانت لمكان فوات ما عين له ولا أثر في ذلك لسؤال أحدهما كما تقدم وهو الاشبه باصول المذهب وعن الشهيد انه احتمل وجوب أقل الأمرين من الحصة المشروطة والحاصل بالتحاص، أما الأول فلأنه رضى بها وأما الثاني فلمعارضة حق المالك ولا ترجيح واحتمل وجوب الأقل إن كان الدفع بسؤال العامل لأنه ألزم نفسه بذلك بسؤاله ووجوب الأكثر إن كان بسؤال المالك لأن المشروط إن كان أكثر فقد رضى به المالك وإن كان الحاصل بالتحاص أكثر فلفساد المشروط والحق إن هذا كله بعيد عن التحقيق كما جاء في جامع المقاصد“.

2- وجاء في صفحة 417: ”ولو دفع دابة إلى سقاء وآخر راوية على الشركة لم تنعقد وإن الحاصل للسقاء وعليه أجرة الدابة والراوية…

الاجماع على عدم انعقادها شركة لفقد أركانها لان هذه مركبة من شركة الابدان وشركة الأموال مع عدم المزج وصرح في المبسوط وغيره بعدم كونها مضاربة ولا اجارة فالحاصل للسقاء وعليه للأخرين أجرة مثل ما لهما لذلك العمل. وقد حكى في المبسوط والتذكرة والتحرير والإرشاد وشروحه والمختلف والروض والمسالك القول بأن الحاصل يقسم بينهم اثلاثا ويرجع كل منهما على صاحبه بثلث أجرته…

صحفة418: وإيضاح هذا القول وبيانه أنه يقسم الحاصل بينهم اثلاثا فإن كانت أجرة مثلهم متساوية فلا بحث، وإن كانت متفاضلة رجع كل واحد منهم بثلث أجرة مثله على الآخرين مضافا إلى الثلث الذي حصل له. فلو فرض أن الحاصل أثنا عشر درهما فانها تقسم على ثلاثة لكل منهم أربعة، فلو فرضنا أن أجرة المثل للسقا ستة دراهم وللدابة ثلاثة وللراوية ثلاثة، رجع السقا بثلث أجرته وهو أثنان على كل واحد من صاحب الدابة وصاحب الراوية، فيأخذ من كل منهما درهمين فيحصل عنده ثمانية ويبقى عند كل منهما درهمان، ورجع صاحب الدابة على السقا وصاحب الراوية بثلث أجرته وهو درهم فيحصل له أربعة، ويبقى عند صاحبه الراواية درهم واحد وعند السقا سبعة، ويرجع صاحب الراواية على كل من السقا وصاحب الدابة بثلث أجرته وهو درهم فيحصل له ثلاثة ولصاحب الدابة ثلاثة وللسقا ستة“.

3- وجاء في ص418: ”ولو كان من واحد دكان ومن آخر رحى ومن ثالث بغل ومن رابع عمل فلا شركة. يريد أنهم اشتراكوا على أن الحاصل بينهم على نهج مخصوص فالشركة فاسدة“.

وفي صحفة 419: ”ثم إن كان عقد أجرة الطحن من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فله الأجروأجمع وعليه لاصحابه أجرة المثل …

وإن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كل واحد منفرداً …

ولو استأجر من الجميع فقال استأجرتكم لطحن هذا الطعام بكذا فالأجر بينهم ارباعاً لان كلا منهم لزمه طحن ربعه ويرجع كل واحد منهم على كل واحد من أصحابه بربع أجرة مثله.

ولو كان قال استأجرت هذا الدكان والبغل والرحى والرجل بكذا لطحن كذا فالأجر بينهم على قدر أجرة مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته“.

وما سبق … يمكن حسابه بنسب تفاضل أو تساوي المنافع؛ فلو أخذنا المثال الثاني وقلنا أن العمل مجهول إلا أننا نعرف أن أجر العامل في مدة معينة ولتكن يوم هو ستة دراهم، وأجر الدابة هو ثلاثة دراهم في اليوم وأجر الراوية هو ثلاثة دراهم في اليوم، فأنهم ان استخدموا في عمل واحد فنسب تفاضل منافعهم هي 1:1:2 بالترتيب.

فإن تقبل العامل فهو يتقبل عمل قصد منه منافع الثلاثة معاً، فطالب العمل ليس له قصد في العامل أو في الراوية أو في الدابة وإنما يطلب الماء مسلماً في مكان معين، لإإن لم يشتركا معًا فلا فائدة في كل واحد منهم على حدة, والعامل ليس له غرض في استئجار دابة وراوية فيعملا نصف النهار ويغرم هو أجر النهار كله وهو لن يفعل هذا، وصاحب الدابة وكذلك، فكان اشتراكهم لمصلحة لهم لا تحدث إلا باجازة اتفاقهم. وفي هذا معنى شركة الابدان والامامية والشافعية لم يجيزوا هذا النوع من الشركات.

فلو قال استأجرت العامل والدابة والراوية بعشرة دراهم لنقل الماء إلى مكان كذا فنقل العامل الماء في الراوية على ظهر الدابة فالأجر بينهم على قدر أجرة مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته، فللعامل خمسة، ولكل من صاحب الدابة وصاحب الراوية درهمين ونصف.

فلو اشترطنا عليهم أن يتفقوا على أن يكون نصيب كل منهم من الكسب بقدر تفاضل أجور المثل فاتفقوا أن يقتسموا الكسب بينهم النصف للعامل والربع لصاحب الدابة والربع للراوية، كان هذا صحيحا عند الحنابلة وكان هو ما يشير به صاحب مفتاح الكرامة والعبرة بالنتائج.

والتقسيم الوارد في مفتاح الكرامة هو التقسيم الدقيق الذي يعيد لكل واحد عوض منفعته، فالعمل إن كان نصف نهار فقط نال كل منهم نصف أجر يوم، فلا ينال أحدهم من صاحبه شيئاً ويكون كسب كل منهم بعوض منفعة العين التي دفع بها أو العمل الذي قام به فعلاً. وقد قال يكون لرب الدابة ولرب الراوية أقل الأمرين من الأجرة والحصة أي ثلث الحاصل، ولأنه كان لهم الأقل فإن وفر الرزق فلهم الأكثر لأن الغنم بالغرم وكذلك العامل.

فإن عدنا إلى المشاركات التي قال بها الحنابلة… فالأولى أن يشترط في التقسيم على أن يكون بتفاضل حصص المنافع بعضها على البعض، وذلك أدعى للتعبير عن العوض الحقيقي فلا ينال أحدهم من مال صاحبه.

فإن قلنا إن الرزق بضمان تقبل العمل، فإن ضمن صاحب الدابة وصاحب الراوية للعامل منفعتها وتقبل العامل العمل بضمانه المبني على ضمان نفسه وضمانهما كان كسب كل منهما لقاء ضمان نصيبه؛ فيقتسم الكسب بالنصف للعامل والربع لكل من صاحب الدابه وصاحب الرواية؛ لأنه إذا هلكت الدابة… كان على صاحبها أن يبدلها وكذلك الراوية. والضمان يقع عليهم جميعاً؛ لأنه إذا لم يبدلها صاحب الدابة يستأجر العامل غيرها ويتم العمل ويقع الأجر من مال الكسب؛ أولاً من حصة صاحب الدابة فإن نقص… كان في حصص العامل وصاحب الراوية بنسبهما؛ فيكون الضمان بنفس النسب التي اتفقوا عليها، والله أعلم.

وإن أخذ باجازة الحنابلة لهذه المعاملة، لحاجة الناس لها فهي لا تتيسر بالاجارة بدون غرم أحدهم إلا أن تكون كما قال صاحب مفتاح الكرامة.

فيطلق عليها مشاركة كسب المنافع؛ لأن الحقيقة أن هذا يشارك بمنفعة عمله، وهذان بمنفعة أعيانها والشركة في الرزق وهو مال يمكن أن يشتركوا فيه؛ فإن لم يحصل رزق فلا شركة.

<< previous page next page >>

الفصل الثانى – في الشركة والمشاركات

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 20 ص 353): ”الكسب الذي هو معاملة الناس نوعان: معاوضة ومشاركة. فالمبايعة والمواجرة ونحو ذلك هي المعاوضة. وأما المشاركة فمثل مشاركة  العنان وغيرها من المشاركات“.

ويضيف في ص354: ”وأحمد تحصل الشركة عنده بالعقد والقسمة بالعقد، فيجوز شركة العنان مع اختلاف المالين وعدم الاختلاط، وإذا تحاسب الشريكان عنده من غير افراز كان ذلك قسمة، حتى لو خسر المال بعد ذلك لم تجبر الوضيعة بالربح“.

والشافعي لا يجوز شركة الأبدان ولا الوجوه ولا الشركة بدون خلط المالين، ولا أن يشترط لأحدهما ربحاً زائداً على نصيب الآخر من ماله؛ إذ لا تأثير عنده للعقد، وجوز المضاربة وبعض المساقاة والمزارعة تبعاً لأجل الحاجة لا لوفق القياس.

وأما أبو حنيفة نفسه فلا يجوز مساقاة ولا مزارعة؛ لأنه رأى ذلك من باب المؤاجرة، والمؤاجرة لابد فيها من العلم بالأجرة.

ومالك في هذا الباب أوسع منهما؛ حيث جوز المساقاة على جميع الثمار، مع تجويز الأنواع من المشاركات التي هي شركة العنان والأبدان، ولكنه لم يجوز المزارعة على الأرض البيضاء موافقة للكوفيين.

وأما قدماء أهل المدينة هم وغيرهم من الصحابة والتابعين فكانوا يجوزون هذا كله، وهو قول الليث (ابن) أبى ليلى، وأبى يوسف ومحمد وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وغيره.

والشبهة التي منعت أولئك المعاملة: أنهم ظنوا أن هذه المعاملة اجارة، والاجارة لابد فيها من العلم بقدر الأجرة، ثم استثنوا من ذلك المضاربة لأجل الحاجة، إذ الدراهم لا تؤجر.

والصواب أن هذه المعاملات من نفس المشاركات، لا من جنس المعاوضات، فان المستأجر يقصد استيفاء العمل كما يقصد استيفاء عمل الخياط والخباز والطباخ ونحوهم، وأما في هذا الباب فليس العمل هو المقصود، بل هذا يبذل نفع بدنه وهذا يبذل نفع ماله، ليشتركا فيما رزق الله من ربح، فأما يغنمان جميعاً أو يغرمان جميعاً.

ويضيف في صفحة 356: ”ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة، فان المؤاجرة والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فأنهما يشتركان في الغنم والغرم، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما في المؤاجرة“.

ويقول ابن تيمية: شركة الابدان نوعان( مجموع الفتاوي جزء30)”

”النوع الأول أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل في ذمتهما، ويكون العمل في ذمة أحدهم بحيث يسوغ له أن يقيم غيره أن يعمل ذلك العمل والعمل دين في ذمته، كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه، هؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم كأبى حنيفة ومالك وأحمد. وذلك عندهم بمنزلة شركة الوجوه. وهذه الشركة مبناها على الوكالة فكل من الشريكين يتصرف لنفسه بالملك ولشريكه بالوكالة. ولم يجوزها الشافعى.

والنوع الثاني إذا تشاركا فيما يؤجران فيه ابدانهما ودابتيهما، وهي باطلة في مذهب أبى حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد كأبى الخطاب، والقاضي في أحد قوليه، وقال: هو قياس المذهب بناء على أن شركة الابدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الاشتراك في كسب المباح، كالاصطياد والاحتطاب، لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذي وجب على الآخر شيء، وإنماء كان ذلك بمنزلة اشتراكهما في نتاج ماشيتهما، وتراث بساتينهما ونحو ذلك.

ومن جوزه قال هو مثل الاشتراك في اكتساب المباحات، لأنه لم يثبت هناك في ذمة أحدهما عمل، ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما عن نفسه وعن شريكه، وكذلك هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة أو شرط له من الجعل، هو له ولشريكه. والعمل الذي يعمل عن نفسه وعن شريكه. وهذا القول أصح“.

من كتاب المغني لابن قدامة في الشركة والمشاركات

الشركة هي اجتماع أبدان أو أموال أو أبدان وأموال، وتختلف أنواع الشركات باختلاف تزاوجهم مع بعضهم البعض، فشركة الابدان هي اجتماع بدنين، وشركة الوجوه هي اجتماع بدنين ومال غيرهما؛ والمضاربة هي اجتماع مال وبدن وهكذا.

ويقصد بالبدن العمل الإنسانى، والمال قد يكون المال أو الضمان ومنه تقبل عمل بضمان القيام به.

والشركة لها خمسة أقسام وهى:

– شركة الابدان وهي أن يشترك أثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع.

– شركة العنان وهي أن يشترك بدنان بماليهما تساوى المال أو اختلف.

– شركة الوجوه وهي أن يشترك بدنان بمال غيرهما.

– شركة المضاربة وهي أن يشترك بدن ومال أو بدنان بمال احدهما أو مالان وبدن أحدهما.  

– أخيراً شركة المفاوضة وهي إما أن يجمعا جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والابدان فيصح ذلك، وغنا أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب وقيمة متلف، وغرامة الضمان أو كفالة فهذا فاسد.

ويستحق الربح بالضمان، بدليل شركة الابدان. وتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة. والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب، فينزل بمنزلة المضاربة. وتنعقد شركة الابدان على العمل المجرد ولهذا فيجوز ما يتفقا عليه من المساواة أو التفاضل في الربح، فإن تقبل أحدهما عملا بضمانه وعمل الأخر دون صاحبه يستحق الأول نصيباً من الربح بضمانه والثاني بعمله.

وقد جاء في المشاركات الأمثلة التالية:

1- ”إن اشترك رجلان لكل واحد منهما دابة على أن يؤجراهما فما رزقهما الله من شيء بينهما، فإذا تقبلا حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم في ذمتهما، ثم حملها على البهيمين أو غيرهما، صح والأجرة بينهما على ما شرطاه.

وإن أجراهما بأعيانهما على حمل شيء بأجرة معلومة لم تصح الشركة“.

ففي الحالة الأولى يكون تقبلهما الحمل قد أثبت الضمان في ذمتهما ولهما أن يحملاه بأي ظهر كان، وتنعقد الشركة على الضمان كشركة الوجوه. أي أن الأجرة هي نظير نقل الشيء المعلوم والنقل في الأغلب هو ما يشمله الضمان وطالما أن غاية العمل محددة فلهما أن ينقلاه كيفما شاءا فالأجر يستحق للنقل لا لطريقة النقل، فتكون الدابتين تابعتين ولهما أن يحملا الشيء عليهما أو على أي ظهر كان والأجر لقاء تقبل العمل وثبوت الضمان في ذمتهما، فإن نفقت الدابتين توجب عليهما توفير غيرهما حتى يتم العمل.

أما في الحالة الثانية فهما أجرا الدابتين فاستحقا الأجر بتسليم الدابتين إلى المستأجر، ولا ضمان هنا وإنما بيع منفعه الدابتين بعقد اجارة، ولا عمل هنا لأن المستأجر هو الذي سيقوم بالعمل، والربح يستحق بالمال أو بالضمان أو بالعمل ولهذا لم تجز الشركة بينهما هنا وكان لكل منهما أجر دابته.

2- ”إن كان لقصار أداة ولآخر بيت، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما جاز، والأجرة على ما شرطاه. لأن الشركة وقعت على عملهما والعمل ويستحق به الربح في الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء لأنهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء الذي تقبلا حمله، وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والآلة، وإن كانت لأحدهما الة وليس للأخر شيء أو لأحدهما بيت وليس للاخر شيء فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز لما ذكرنا“.

وقد تبّع البيت للقصار والآلة للقصار الثاني فكان عمل كل منهما يشمل عمل الآلة أو منفعة البيت، والشركة وقعت على عملهما والذي اشتمل على منفعة البيت والآلة، والذي استحق به الربح. فلم يعد للبيت والآلة نصيب من الربح لأن العوض عنهما قد اشتمل عليه في نصيب صاحب كل منهما في ربحه، وعندما يقول ابن قدامة: الآلة والبيت لا يستحق بهما شيء من الربح لا يقصد انعدام حظهما من الربح أو انعدام قيمة منفعتهما بدليل أنه حالة فساد الشركة كان لكل منهما الأجر على قدر المنفعة.

ويستنتج أن نصيب كل منهما في الربح سيكون متناسبا مع العمل ومنفعة آلته، وقال ابن قدامة أنهما إن اشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت ذاك والكسب بينهما جاز، والأجرة على ما شرطاه. والكسب هو الأجرة، وتعبير الكسب بينهما، يفهم منه أن النصف لكل منهما وتعبير الأجرة على ما شرطاه قد يقصد به التفاضل أو التساوى، وقد كان بالإمكان فهم الاجرة على أنها اجرة الأعيان إلا أن هذا ينتفي في الجملة التي بعدها. وفي حالة أن لأحدهما بيت وليس للأخر شيء فاتفقا على أن يعملا في البيت والاجرة بينهما جاز، وبينهما قصد بها التساوى- لما جاء في ص33 في نفس المرجع: فأما إذا قال: والربح بيننا، فان المضاربة تصح ويكون بينهما نصفان – وهذا يعارض المنطق والأغلب أن المثال الذي أورده ابن قدامة لم يكن الغرض منه بحث طريقة تقسيم الأرباح وإنما الغرض منه بحث صحة الشركة.

ويهمنا هذا المثال بوجه خاص لأن العمل الذي استحق به نصيب الربح قد اشتمل على جهد العامل ومنفعة عمل أدواته، ولم تعامل الأدوات على أنها منافع تستحق الأجر من الكسب قبل توزيع الأرباح. فكان العمل المشارك به في هذه الشركة هو العامل وأدواته فاستحقا الربح معاً كأنهما كيان واحد.

3- ”إن دفع رجل دابته إلى أخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح.

ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئاً من هذه المعاملات، لأنها تشتمل على عمل مجهول وعوض مجهول. ولهذا فالربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها، وللعامل أجر مثله على رب الدابة.

وقد قال أن الذين قالوا بعدم صحة هذه المعاملة أن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون مضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة والتصرف في الأعيان، والدابة لا تباع ولا تخرج عن ملك صاحبها، ولهذا لم تصح كمضاربة.

وذكر القاضي فيمن استأجر دابة ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى أو ثلثه جاز. والاجارة يشترط لصحتها العلم بالعوض وتقدير المدة أو العمل. وهذا لم يوجد لهذا لا يصح تخريجها على الاجارة“.

ويقول ابن قدامة:” ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة. وقولهم أنه ليس في أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فانه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها، وبهذا يتبين أن تخريجهما على المضاربة بالعرض فاسد فأن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه“.

وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة. فقال:” لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. لحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشرط وهذا يدل على أنه قد صار في هذا. ومثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة، لا إلى المضاربة ولا إلى الاجارة“.

والمعاملة صحيحة لما جاء عن خيبر، ولما نقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: ”أرجو ألا يكون به بأس. قال اسحاق بن ابراهيم، قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز. وبه قال الأوزاعي“.

والنماء هو الخاصية التي أودعها الله تعالى في الأشياء كالشجر والحيوان، وهناك أشياء لها خاصية الإنماء لو تجمعت كالأرض الزراعية والماء والشمس والهواء والعمل وغيرهم. وفي المزارعة فالبذر له خاصية النماء بينما كل العوامل الأخرى لها خصاية الإنماء. والنماء هوتكاثر الشيء من نفسه ومن العوامل الأخرى المتجددة على الأرض كالشمس أو المتوفرة بكثرة كالماء والهواء فكان الغير مشاعاً فيها الأرض والعمل فعقد بهما وبالبذر.

أما الزيادة المتحصلة بالعمل في الدراهم والدنانير، فهي زيادة يصحبها نقص في مكان أخر من نفس النوع. وكذلك يمكن القول عن عمل الدابة أو السيارة فكسبه هو بيع منافع أو تبديل ما يستهلك من العين بمال آخر.

ولهذا فيمكن انظر إلى هذه المعاملة من زاوية أخرى، فالدابة عندما تحمل الشيء فانها تبذل جهدا وتستهلك بقدر المنفعه التي قدمتها، وليس هذا نماء وإنما هو استهلاك للعين أو بيع منافع. إلا أن نقول أن أجر الدابة نماء وأجر الدابة هو ثمن منفعة فيكون ثمن منفعة العين نماء لها لأنه زيادة عليها، والعمل منفعة والمنفعة مال. والدبة قد تؤجر لحمل الشيء بمال، والرجل يتفق على العمل ويحمل الدابة ويسوقها وينزل الحمل ويسلمه، وعمله هذا قد يستأجر عليه بمال، فإذا استأجر الرجل الدابة من صاحبها، وكد طوال النهار فلم يكسب شيئاً غرم أجرة الدابة وضاع عليه جهده، وإن استأجر صاحب الدابة الرجل على أن يعمل عليها فلم يكسب شيئاً غرم صاحب الدابة أجر العامل، ولهذا … وجدا أن الأصلح اشتراكهما في الكسب أو في عدمه، فلا يغنم أحدهما من مال اخيه. والرزق من عند الله سبحانه وتعالى.

فإن عملا وكسبا كان الأجر الذي تتحصل عليه مشاركتهما هو مجموع أجر العامل وأجر الدابة الفعليين عن العمل الذي قاما به، والعمل عند الاتفاق مجهول إلا أن تفاضل أو تساوي الأجرين معروف، والعمل واحد فامكن الاتفاق على نسب تقسيم ما تكسبه المشاركة إذا كان ثمة عمل. والأجر عوض منفعة فيمكن القول أن هذه المشاركة مشاركة منافع تكمل بعضها لينتج عنها منفعة مكتملة قد تكون مطلوبة أكثر مما كانت لتطلب كل واحدة منهما على حدة. وهذه المشاركة فيها ضمان العمل الذي تقبله العامل، وقد يضمن صاحب الدابة أيضاً فإن نفقت الدابة بدلها بثانية حتى يتم العمل الذي تقبّله العامل.

فيكون اشتراك منفعة عامل وهي عمله وفكره مع منفعة دابة وهي القدرة على الحمل، وهذه مشاركة عمل مفكر مع عمل. والعمل الذي سيقومان به مجهول والأجر مجهول، فيكون نصيب كل منهما لقاء العمل، وهذا يقدر بجزء من الكسب، فإن كسبا كان لعمل كل منهما قيمة هي الجزء المتفق عليه من الكسب، وإن لم يكسبا فليس لعملهما قيمة.

أي إنها مشاركة مجهولان يمكن معرفة نسب تفاضلهما، معدومان وقت التعاقد، وتظهر قيمهما عند تحقق الكسب والذي نتج عنهما فيعرفا فينال كل منهما نصيبه.

والكسب يستحق بالعمل، والعمل هو بيع منفعة وهي مال، وشركة الأبدان أو الأعمال مشروعة إلا ان العمل الصادر عن كلاهما هو عمل إنساني ويتميز العمل الإنساني بالفكر، والعقد يحتاج لإرادتين وهذا موجود في مشاركة المنافع هذه، أما التنفيذ فلا يحتاج لفكرين ففكر إنساني واحد يكفى كما هو الحال في المضاربة.

والشركة فيها التوكيل، وهنا قد وكل صاحب الدابة العامل وفوضه في التصرف بما يرى في حدود تقبل العمل. ولو أخذ العامل الدابة من ربها على أن يعمل عليها فأجرها إلى آخر ولم يعمل عليها لم يجز والأجر كله لرب الدابة.

4- ”فإن كان لرجل دابة ولآخر اكاف وجوالقات- برذعة وشوالات يعبي فيها الحبوب – فاشتركا على أن يؤجراهما والأجرة بينهما نصفان فهو فاسد، لآن هذه أعيان لا يصح الاشتراك فيها كذلك في منافعها. إذ تقديره أجر دابتك لتكون أجرتها بيننا وأؤجر جوالقاتي أجرتها بيننا“.

ومن المثال الأول نرى أنه قد يصح إذا اتفقا أو أتفق أحدهما على نقل بضاعة من مكان إلى أخر فيستحقا الربح بالضمان الذي وقع عليهما بتقبل العمل.

ويضيف ابن قدامة: ” وتكون الأجرة كلها لصاحب البهيمة، لآنه مالك الأصل وللأخر أجر مثله على صاحب البهيمة. لأنه أستوفى منافع ملكه بعقد، هذا إذا اجر الدابة بما عليها من الأكاف والجوالقات في عقد واحد“.

ولو نظرنا إلى التطبيق العملي هنا نجد أن تفسيره يكون في أحدى الحالتين التاليتين:

أ‌-   أن يستأجر صاحب الدابة الاكاف والجوالقات من صاحبها لقاء مدة مثل يوم لأن العمل مجهول فإن رزقه الله بعمل أو بمن يستأجر منه الدابة بما عليها دفع لصاحبه الأجر من الرزق، وإن لم يرزق غرم أجر الأكاف والجوالقات من ماله، وكسب صاحبه.

ب‌- إن اتفقا أن يأخذ صاحب الدابة الأكاف والجوالقات على أن يؤجرهما بعقد واحد، له من الأجر نصيب الدابة ولصاحبه نصيب الأكاف والجوالقات… فإن كان المعروف أن أجر الدابة في النهار ضعف أجر الأكاف والجوالقات واشتركا معاً في الاجارة، وكان الأجر ثلاثة دراهم؛ فكأنهما أجرا الدابة وحدها بدرهمين والأكاف والجوالقات بدرهم. فان اتفقا أن تكون الأجرة بينهما ثلثين لرب الدابة وثلث لصاحب الأكاف والجوالقات فكأنما أجر كل واحد منهما ملكه منفرداً وكان لكل واحد منهما اجر ملكه. ولم يكن لأحدهما أن يؤجر منفرداً إذا كانت غاية المستأجر نقل الحبوب فالدابة تحتاج الأكاف والجوالقات والعكس صحيح.

فإن لم يؤجراهما لا يصيب أحدهما شيئاً من الأجر ولا يغرم من ماله. وهذه هي المشاركة.

أما ما جاء عمن قال لصاحبه أجر عبدي والأجر بيننا، كان الأجر لصاحبه وللأخر أجر مثله. فهذا عمل من واحد لم يشترط عليه دفع أجر العبد سواء أجره أم لم يؤجره، وهي ليست جعالة لما جاء أن الأجر له ولصاحب العبد أجر مثله؛ فلم يحدد الجعل؛ وليست اجارة، وقيل ليست مشاركة فهي منفعة أعيان من جهة وعمل من الأخر، والسؤال الذي يتبادر للذهن… هو ماذ يفعل صاحب آلة أو دابة عاجز عن العمل، أو غائب أو منشغل إذا أراد دفع منفعة دابته، إلى من يريد أن يعمل عليها. والعامل إن عمل عليها فقد يكون بناء على مشاركة أو إجارة؛ فإن أجرها منه فقد التزم بالأجر الذي يستحق بتسليم العين في المدة المتفق عليها؛ فإن لم يؤجر العامل لأجنبي غرم الأجر من ماله، ولهذا فلن يقبل إذ ليس له قصد في الدابة… وكذلك لو اشترط العامل ألا تستحق العين أجراً إلا إذا أجرها لأجنبى، فهو لا يدري بكم سيؤجرها. كذا صاحب الدابة ليس له قصد في عمل العامل ليستأجره على العمل عليها… فإن لم يك ثمة عمل غرم الأجر من ماله، لهذا تكون المشاركة بينهما أنسب لهما وأعدل، ويكون الأصلح لهما الإتفاق على تفاضل قيم عمل العامل ومنفعة الدابة، وما رزق الله بينهما لفإما ينتفعا معًا، أو يضيع جهد العامل ومنفعة الدابة معاً.

والمشاركة تجوز عندما لا يكون لأحدهما قصد مباشر في عمل او منفعة أعيان الآخر ويكون القصد الكسب بالعمل وبيع المنافع وهذا هنا.

وقد قيل لا يصح الاشتراك في الأعيان وكذلك في منافعها. وهذا لأن الأعيان لاتباع أو تستهلك بما يعتد به وتبقى على حالها فتعود إلى ربها فلهذا لا تصح أن تكون رأس مال مخاطر به ليستحق به الربح، والمنافع معدومة وقت العقد ويكتنفها الجهالة لأن العمل مجهول. إلا أن هذه المشاركات ليست مشاركات في روؤس الأموال ولا يشترط فيها تعيينها ويكفي نسب تفضلها، وإنما هي مشاركة في الربح ولا تتحقق المشاركة إلا إذا تحقق الربح. وإذا تحقق الربح أو النماء أو الكسب تكون للمنافع قيمة معلومة هي نصيبها من الربح، مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة.

جاء في كتاب فقه السنة للسيد سابق في باب الإجارة من الجزء الثالث  ص198: ”الاجارة عقد على المنافع بعوض. ويضيف:

والمنفعة قد تكون منفعة عين، كسكنى الدار أو ركوب السيارة…

وقد تكون منفعة عمل، مثل عمل المهندس والبناء والنساج والصباغ والخياط والكواء، وقد تكون منفعة الشخص الذي يبذل جهده، مثل الخدم والعمال…“

وعليه يمكن إعتبار عمل الإنسان منفعة إذا قصدت مباشرة كما في الإجارة أو إذا قصد أثرها كما المشاركة.

5- ”إن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن أخر راوية ومن الآخر العمل على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قول أحمد“.

وهكذا لو اشتراك أربعة من أحدهم دكان ومن آخر رحى ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بيهنم صح. وكان بينهم على ما شرطوه.

وقال القاضى: ”العقد فاسد في المسألتين جميعاً، فلا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة، لكونهما لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض ولأن من شروطهما عود رأس المال سليما، بمعنى أنه لا يستحق شيء من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله“.

يجب التوقف عند القول بفساد العقد للأسباب التي ذكرت، لأن بعض أنواع المشاركة لا ينطبق عليها الشروط التي ذكرت من عدم صحة كون رأس المال عروضاً، ووجوب عود رأس المال إلى صاحبه سليماً وعدم استحقاق الربح حتى يستوفى رأس المال. فأين هو رأس المال في المساقاة، إن كانت الشجر فالشجر لا يخاطر به ويظل على حاله ويعود إلى صاحبه، ورأس المال من طبيعته أن يتصرف فيه وهذا لا يتصرف فيه لا بيعاً ولا شراء، ولا يخرج عن ملك صاحبه، وكذلك المزارعة.

وشركة الابدان ليس فيها رأس مال إلا إذا قبلنا بمنافع العمل- المتوقع – كرأس مال، وهذه معدومة وقت العقد فتكون شركة في الرزق، والمضاربة نفسها ليست مشاركة في رأس المال وإنما وكالة فإن لم يتحقق ربح لا تكون شركة ولا مشاركة، والمشاركات قد تكون بدون رأس مال مثل المشاركة في الرزق بين من يدفع الدابة ومن يعمل عليها، إلا أن نقول أن رأس مالهما هو منفعة الدابة ومنفعة  العمل وهما معدومتان وقت التعاقد فلا يصلحان أن يكونا رأس مال.

والقول أنهما في شركة الابدان يستحقان الربح بالضمان بتقبل العمل، فهذا كان لتفسير استحقاق احدهما ممن لم يعمل بينما عمل الآخر، بينما إذا تقبلا وعملا معاً فالربح أو الأجر لقاء العمل أو لقاء الضمان وكلاهما ليس فيهما رؤوس أموال عندما عقدا الشركة بينهما وهذا كان قبل تقبلهما أو تقبل أحدهما العمل.

جاء في كتاب فقه المعاملات- دراسة مقارنة للدكتور محمد علي عثمان الفقي ص281: ”الشركة في الفقه الإسلامي عقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه، أو على الاشتراك في ربحه دون الإشتراك في رأس المال، أو الاشتراك في أجر العمل، أو الاشتراك فيما يباع ويشترى دون أن يكون هناك رأس مال لهم يتجر فيه“.- الشيخ علي الخفيف في الشركات في الفقه الإسلامى-

والمعاملة صحيحة وللناس حاجة لها، ولهذا يمكن أن يكون اخراجها بأنها مشاركة في عوض المنافع من عمل واحد يشتركان فيه بنسب تفاضلهما سواء أكان التفاضل في العمل أو في ضمان تقبله أو في ضمان تلف العين التي يعملان عليها أو فيهم جميعاً؛ فيستحقا الأجر عليه أو الرزق بنفس نسب اشتراكهما تفاضلا أو تساويا، والله أعلم.

أو تكون لأنه دفع دابته إلى أخر يعمل عليها و الراوية عين تنمى بالعمل عليها فهي كالبهيمة وعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه. كما جاء في المغنى.

6- وجاء في باب المزارعة في المغني (جزء 5 ص 425): ”فإن قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لأن المنفعة غير معلومة، وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الأرض. وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما، ويحتمل أن لا يصح لأن البذر عوض فيشترط قبضه كما لو كان مبيعاً وما حصل فيه قبض. وإن قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال“.

ويضيف ما ذكر الخرقى: ”وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجر مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض“.

ومن هذا المثال … نجد أنهما تشاركا بتفاضل أجر نصف الأرض  على منفعة المزارع ومنفعة بقره وألته. فإن كان أجر نصف الأرض يساوي قيمة منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته كان لكل منهما نصف الزرع. وإن تراجعا لا يفضل لأحدهما على صاحبه شئ.

وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه فتفاضلا في الزرع بتفاضل منافعهما جاز.

<< previous page next page >>