الفصل الثاني – أركان عقد المضاربة

أولاً : المتعاقدان

يشترط في رب المال وصاحب العمل ما يشترط في العقود عامة، ويشترط في رب المال الأهلية والولاية وما يشترط في الموكل، فيكون ممن يملك فعل ما وكل فيه بنفسه، ويشترط في العامل أن يكون صالحاً وأهلاً لأن يكون وكيلاً وصحة مباشرته للتصرف الذي وُكِّلَ فيه لنفسه. وجاء في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 430): ”ويجوز تعددهما واتحادها وتعدد أحدهما خاصة“.

وينطبق ما اشترط على المتعاقدين الأشخاص؛ على الشركة أو الجهة التي ستكون طرفاً، من حيث الأهلية وملكية المال أو الولاية عليه، ومن صحة مباشرة الشركة – العامل – في التصرف بالمال وإستثماره.

الشـركة:

يجوز أن يكون رب المال شركة، وكذلك يجوز أن يكون العامل شركة؛ لأن المضاربة مع عاملين جائزة، ولا يحق لأحدهما التصرف دون الرجوع إلى صاحبه، وهما معاً أقرب إلى شركة الأبدان أو الأعمال، التي أجازها الجمهور – عدا الشافعية والإمامية – فإن جاز هذا؛ فمن المصلحة أن تجوز الشركة كعامل في المضاربة، ولا أظن أن هناك خلافاً في هذا.

إلا أن أغلب الشركات الوضعية – في العصر الحديث – تنفصل ذمتها عن ذمم أصحابها، وهذا يختلف عن الشركات التي قال بها الفقهاء السابقون، ولهذا … يجب استعراض ما جاء عن معاصرينا في هذا الموضوع.

– في الشخصية الإعتبارية للشركات:

يقول الدكتور عبد العزيز عزت الخياط في كتابه الشركات (ص 221): ”ومن الواجب، جرياً مع مقتضيات المصلحة العامة، أن نعطي الشركة تبعاً لنوعها شخصية إعتبارية. وتكون لها ذمة مستقلة ووجود مستقل. فيكون لها اسم وموطن وجنسية، ويترتب عليها مسئولية. وليس في الشرع من كتاب أو سنة ما يحول دون ذلك والعرف والمصلحة والضرورة تقضي به لتستقيم معاملات الناس“.

ويقول السيد بهاء الدين أحمد صابر تحت عنوان موضوع للمناقشة نشر في العدد 68 من مجلة البنوك الإسلامية (ص 66): ”وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء الفقهاء قد رأى عدم وجود ما يمنع إثبات شخصية معنوية لهذه الشركات، إلا أنهم في غالب الأمر لم يتطرقوا إلى دراسة ما يترتب على إثبات هذه الشخصية لتلك المؤسسات المستحدثة من فوارق في الأحكام الفقهية للإجابة على سؤال ملح ألا وهو: هل تختلف الأحكام الفقهية تبعاً للفوارق الموجودة بين الشخص الطبيعي والشخص الحكمي“.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب فقه الزكاة (ص 31): ”وأما أن الشريعة عرفت الشركة كشخصية معنوية وأبطلت الحيل، فذلك مضمون ما ورد عن أنس في كتاب الصدقة: (ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية لصدقة …) فمال الشركة يخضع للزكاة، ولا يجوز التحايل بأن يحسب لكل شريك سهمه في الشركة حتى يقل الواجب في المال“.

ومما سبق … فإن الشركة لها شخصيتها المعنوية المنفصلة والمستقلة عن ذمة أصحابها وتؤدي الزكاة عن نفسها، إلا أن الفقهاء المتقدمين قد اعتبروا ذمة الشركة الشرعية من ذمم الشركاء، فالخسارة في الشركة الشرعية يتحملها الشركاء برأس المال؛ فإن هلك رأس المال يتحملها أصحابها من أموالهم الخاصة، كما هوا لحال في شركات التضامن، إلا أن الحاجة إلى تشجيع الناس على المساهمة في الشركات، والذي احجموا عنها خوفاً من أن تتجاوز الخسارة رؤوس الأموال فيصيبهم ما لا طاقة لهم به من خسارة قد تؤدي إلى الإفلاس، دعت المشرع الوضعي إلى وضع نظام الشركات المحدودة، التي لا يتحمل المساهم فيها إلا في حدود رأس ماله.

وقد يبدو لأول وهلة أن لنظام الشركات المحدودة عيوبه ومضاره تجاه المطالبين في حالة إفلاس الشركة؛ إذا تعدت خسائرها رأس مالها، ولكن هذا يحدث أيضاً في حالة إفلاس التاجر وتعدى خسائره قدر أمواله الخاصة، فكما تفلس الشركة … يمكن أن يفلس الأشخاص، بل وأن المتعامل مع الشركة المحدودة يَعْرِفُ قَدْرَ رأس مالها، ويمكنه الإطلاع على حساباتها ومعرفة وضعها المالي والتعامل معها على أساس معلومات واضحة، فيتحرز بألا يتعامل معها إلا في حدود مالية معينة، بينما قد لا يستطيع الحصول على هذه المعلومات في حالة الشخصية الطبيعية (التاجر).

وبالرغم من أن أغلب الفقهاء – في هذا العصر – قد أجازوا ضمنياً هذه الشركات المحدودة برأس مالها … إلا أن الفتوى القاطعة – والله أعلم – لم تصدر بعد، والذي يهمنا في هذا البحث هو ما يلي:

–    إن الشركة لها شخصية معنوية، ويصح أن تكون رب مال أو عاملاً في المضاربة وغيرها من المشاركات.

–  إن العامل سواء كان شخصاً أو شركة لا يحق له الإستدانة أو الإتجار بأكثر من رأس مال المضاربة، إلا بأذن وضمان رب المال، على ألا يتجاوز هذا الضمان ما تملكه الشركة المقارضة من مال إن كانت من الشركات المحدودة، وإلا ضمن إصحابها في أموالهم الخاصة، وإن خالف العامل – الشركة المحدودة – يضمن أصحابها بأموالهم الخاصة أن تعدى الضمان رأس مال الشركة العامل.

–    ما ينطبق على الشخص الطبيعي ينطبق على الشركة.

–    الإيجاب والقبول والتصرف يصدران عمن لهما صلاحية تمثيل الشركة والنيابة عنها.

وحيث إن المضاربة قد حددت برأس مالها… فإن اذن بالإستدانة… وجب الضمان علي الشركة رب المال وعلي أصحابها؛ فإن الشركة الى يجوز لها أن تكون رب المال أو عاملاً في المضاربة قد استوفت شروطها الشرعية.. يجب ان تكون ذمتها من ذمة أصحابها تجاه الغير.

ويقترح أن توضع القواعد المنظمة للشركات؛ فالشركة التي تود أن تكون الطرف العامل في المضاربة- الشركة المضارب- يجب عليها أن تعلن أنها تلتزم في جميع معاملتها بالشريعة، ويكون هذا الإلتزام فيما يتعلق بتحيرم التعامل بالفائدة الربوية وفي المحرمات، لما جاء في المدونة (جزء 5 ص107):” وقال مالك لا أحب للرجل أن يقارض رجلا إلا رجلا يعرف الحلال والحرام وإن كان رجلاً مسلماً، فلا أحب، أن يقارض من يستحل شيئاً من الحرام في البيع والشراء“.

وتستطيع أي شركة قائمة أن تغير نظامها القائم، وتعدل عن معاملاتها السابقة لتكتسب شخصيتها الشرعية، ويجوز للشركات التي أصحابها من أهل الذمة أن تكتسب هذه الشخصية إذا التزمت وكان مديرها المسؤول عالماً بأمور الحلال والحرام في الإسلام.

والمقصود هنا بالشخصية الشرعية الإسلامية هو الإلتزام بالأحكام المذكورة، وليس أن يكون للشركة دين، فالدين ينطبق على البشر وله طبيعة وأحكام خاصة لاتنطبق على غيرهم، بينما المقصود هنا أن تكون هذه الشركة متميزة ومستفيدة من هذا الإنتماء فتحافظ عليه، إذ إنها ستفقد هذه الشخصية إذا استخدمت مال مضاربة في أي استثمار يحرمه الإسلام، بإذن أو دون إذن من رب المال، فيكون هذا من دواعي التزامها وحرصها على هذه الشخصية.

ولايجوز لرب مال أو مؤسسة مالية إسلامية أو بنك إسلامي دفع مال مضاربة إلي أي شركة أو تاجر لم يعلن التزامه في جميع معاملاته الأخري بهذه المبادئ، وأي نقض لهذا الإلتزام يثبت بالبينة القاطعة يفقد هذه الشركة شخصيتها الإسلامية، وهي أهليتها الشرعية… فلا يجوز أن تصبح طرفاً في عقود مضاربة، ويفقد مديرها المسؤول أهليته فلا تصح له إدارة شركة أخرى – ذات شخصية إسلامية – لمدة معينة.

وتوضع لائحة لتسجيل أسماء هذه الشركات تشرف عليها جهة شرعية، قد تكون منبثقة عن الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية، على أن يكون معها مكتب محاسبة وتدقيق حسابات، فيشترط في أي شركة تود الدخول في عقد مضاربة أن تتقدم بطلبها لقيد أسمها في هذه اللائحة، وتصدر هذه الجهة شهادة تتجدد سنوياً بعد التأكد من صحة الإلتزام.

وتنبثق عن هذه الجهة لجان تحكيم للنظر والفصل في الخلافات التي قد تنشأ عن عقود المضاربة، ولجنة للعقود تقوم بإعداد وكتابة وإصدار الشروط العامة القياسية لعقد المضاربة، فتصدر عدة عقود قياسية مختلفة بإختلاف الأغراض، ينص فيها على الشروط الشرعية الثابتة في العقد، وعلى الشروط الجعلية، والتي لأطراف العقد إبقاؤها أو النص في الملحق على إلغاء أو تعديل بعضها، وفي الحدود التي رسمها الخبراء الشرعيون، على أن ينص انه إذا تعارض شرط جعلي أضافه المتعاقدون مع أحد الشروط الشرعية..فإن الشرط الجعلي يبطل تلقائياً.

وتمويل هذه الجهة الشرعية بتقاضي رسوم تسجيل الشركات، ورسوم من أصحاب المال لقاء تقديم معلومات عن الشركات المضاربة بإذنهم، ورسوم تسجيل عقود المضاربة، ورسوم إستشارة وتحكيم وغيرها.

البنك الإسلامي:

تقوم البنوك الإسلامية علي أساس الإلتزام بمباديءوروح الإقتصاد الإسلامي، ولهذا فدورها – كبنك – يختلف إختلافا جذريا عن دور البنوك  الربوية الأخرى التي تقوم علي أساس تقاضي ودفع الفائدة، بناء علي مبدأ كراء المال الذي يحرمه الإسلام قطعياً. وطبقاً للمبدأ الإسلامي الغُنم بالغُرم … فإن البنوك الإسلامية لا تستطيع توفير عائد مضمون للأموال المودعة عندها – بغرض تحقيق عائد كحسابات الإستثمار – إلا عن طريق إستثمار هذه الأموال وفق السبل الشرعية التي وفرها لها الشارع، وهذه السبل كثيرة متعددة تغطي تقريباً كل أنواع الإستثمارات المعروفة، منها: الإستثمارات التي يقوم بها البنك مباشرة أو مشاركة، ومنها التي يدفع بها المال إلى الغير ليقوموا بالإستثمار كالمضاربة. ولهذا كان علي البنك الإسلامي إعداد جهاز فني قادر على دراسة أوجه هذه الإستثمارات وتقدير أرباحها المتوقعة. وسوف تنبثق أيضاً- في ظل هذا النظام الإسلامي- مكاتب دراسات متخصصة. كل في مجال إستثمار معين، يوظفها البنك للقيام بهذه الدراسات المتخصصة إن خرج مجال المشروع عن نطاق خبرته، ويجب أن يتوخى البنك الحرص علي ضمان توظيف الأموال التي يجمعها؛ في الإستثمارات التي تعود بالربح علي مودعيه، وبالفائدة علي المجتمع الذي جمع منه المال.

جاء في موضوع مقاصد البنوك الإسلامية في الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية-الجزء السادس 1982- الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية – الدكتور سيد الهواري. ( صفحة 143): ”لم تنشأ البنوك الإسلامية لملاكها ولأصحاب حملة الأسهم، فهي- أي البنوك الإسلامية- ولا تتعامل بل لا يجوز- وفقا للأحكام القطعية للشريعة الإسلامية- التعامل بالفائدة أخذا أو عطاء. وبالتالي لا يجوز لها المتاجرة علي الملكية بمعنى: تحقق فائض لحساب الملاك فقط علي إعتبار أن الأموال المملوكة اختلطت مع الودائع الإستثمارية لتحقق فائض علي حساب العملاء طالبي التمويل والمشاركات، فالأموال المملوكة عهدة لدي البنك الإسلامي لعمارة الأرض، ولذلك فان البنك الإسلامي لا يجوز أن يغفل عن أن جزءا من أهدافه يدور حول طالبي التمويل بالمشاركة بمعنى أنه لا يضع حصة مشاركة مرتفعة ولذلك فان مفهوم معدل الربح يصبح مرتبطا ليس فقط بتعظيم رفاهية الملاك وأصحاب ودائع الإستثمار بل وبطالبي التمويل والمشاركات أيضاً“.

رب المال:

يجوز أن يكون رب المال شركة أو شخصاً، ممن له الأهلية والملكية أو الولاية، ويجوز أن يكون عدة أشخاص أوحكومة أو بيت مال أو بنكاً يملك التصرف بالوكالة والتفويض أو قائماً على أموال اليتامي وأموال الوقف، ويجوز أن يكون من أهل الذمة.

ويقول الدكتور محمد عبد الله العربي: ”يعتبر المودعون – في مجموعهم لا فرادي- رب المال، والبنك هو المضارب مضاربة مطلقة، أي يكون له حق توكيل غيره في إستثمار مال المودعين. ويضيف الدكتور العربي: إذا كنا أعتبرنا البنك بالنسبة لأصحاب المشروعات الإستثمارية الذين أمدهم بماله هو رب المال، ونعتبر أصحاب المشروعات هم المضارب“.

وعليه… ففي حالة البنك الإسلامي؛ فإن المودع بغرض إستثمار ماله يكون رب المال في عقد المضاربة ويكون البنك هو الطرف المضارب، ويوقعان علي عقد مضاربة مطلقة التفويض، ويبين في العقد رأس المال، وينص علي نصيب كل منهما كنسبة شائعة في الربح الذي يكسبه المضارب، وتكون الوضيعة علي رب المال، ولا ضمان علي البنك. وأن ينص في العقد علي ما يجوز وما لا يجوز من التصرفات للبنك. ومما يجب النص علي جوازه خلط المال والمشاركة والمضاربة خاصة.

ويصبح البنك أميناً علي المال حتي يتصرف فيه، ووكيلاً عندما يتصرف، وشريكاً إذا تحقق الربح، ولا ضمان عليه إلا أن يتلف بالتعدي، كأن يقرضه البنك إلي طرف أخر، أو يستخدمه خلافاً لمضمون العقد فيضمن.

العـامـل:

يشترط في العامل الأهلية والصلاحية لأن يكون وكيلاً وعاقداً، وقد يكون شركة أو شخصاً أو عدة أشخاص، ويجوز أن يعطي رب المال المال إلي عاملين، ويجوز أن يكون أحدهم من أهل الذمة.

وفي حالة البنك الإسلامي… يكون البنك هو العامل في عقده مع المودعين الراغبين في إستثمار أموالهم في المضاربة، ويظل كذلك إذا استثمر المال وفق قواعد المضاربة بنفسه. أما إذا قام البنك بالدراسات المفصلة في أوجه الإستثمار المختلفة؛ فرأى أن المصلحة والخير في دفع المال مضاربة إلي العامل الثاني، وكان العقد الأول يفوضه بذلك.. لإإنه يدفع المال مضاربة الى العامل الثاني، ويصبح رب المال في عقد المضاربة الثاني، ويقتسم البنك ربحه كرب مال من المضاربة الثانية مع مودعيه، وفق شرط الربح في العقد الأول.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة مال من طرف وعمل من الطرف الثاني

الشركة العامل التي تخصصت في مجال معين من مجالات الاستثمار وليكن التجارة، هي كيان مستقل لها مكتبها الرئيسي بما فيه من الموظفين الإداريين والتنفيذين ومعاونيهم، وتملك في الأغلب أدوات ومعدات وشاحنات ومخازن ومتاجر، واكتسبت شهرتها القائمة على هذه الأصول الثابتة من جهة، وعلى خبرات أجهزتها الإدارية والتنفيذية من جهة أخرى. ولها سجل سابق أعمال وحسابات ووضع مالي وذمة منفصلة. وهذه الشركة- بكل كيانها- تأخذ محل العامل في عقد المضاربة، الا أن قدرتها تتناسب مع حجمها الأكبر بكثير من قدرة العامل الشخص، وهذا الحجم قد وجد ليناسب حجم الاعمال التي تطلبه مشروعات الاستثمار في هذا العصر، فلم يعد في قدرة الفرد القيام وحده بالمشروعات الكبيرة والتي تتطلب اجتماع خبرات مختلفة، كما لم يعد في قدرة التاجر الفرد منافسة الشركات التجارية الكبيرة والتي تمتد متاجرها ومخازنها في طول البلاد وعرضها.

وكذلك رب المال… فلم يعد مال رب مال واحد يكفي للاستثمار في المشروعات التجارية أو الصناعية التي تحتاج لأموال كثيرة، فجاءت البنوك الاسلامية لتجميع روؤس الاموال من أصحابها وتوجيهها إلى الاستثمار ذي الحجم القادر على المنافسة وتحقيق الربح. وهذا بغرض رفع كفاءة الانتاج بتقليل نسبة تحميل التكاليف الثابتة على المنتج.

ولهذا… كان التطور الطبيعي لمواجهة متطلبات العصر أن يتسع عقد المضاربة من الشكل الثنائي أو المتعدد بين أشخاص، إلى أن يشمل الشكل الثنائي أو المتعدد بين شركات لها شخصيتها المعنوية الخاصة بها ولها ذمتها المستقلة – بشرط ألا تستدين هذه الشركات أو تتاجر بأكثر مما تملك، وهذا الشرط لم يشترطه الفقهاء على طرفي المضاربة اذا قبل أحدهما بضمان الدين وكان الضمان أكثر من ماله- ولا يوجد ما يمنع هذا التوسع فالوكالة والمشاركة وكل التصرفات التي تحق لطرف المضاربة تحق للشركة، ومتى تم التعاقد وحررت اتفاقية المضاربة الصحيحة… فليس ما يمنع من تنفيذها وفق الشروط الصحيحة التي ينص عليها، وما ينطبق على الشخص ينطبق على الشركة.

نعود إلى الشركة التي لها كيان مستقل، وهي العامل، فنجد أن مصاريف مكتبها الرئيسي بموظفيها ومفروشاتها وادواتها وكافة المصروفات الثابتة والتي تصرفها على نفسها سواء عقدت المضاربة ام لم تعقدها هي نفقتها، وتعامل مثلها مثل نفقة العامل.

 وما تملكه هذه الشركة من متاجر وشاحنات والآت هي ما يكون قدراتها، والعمل الذي تقوم به هذه الأعيان والأصول هو من صميم العمل الذي يؤدي إلى نماء مال المضاربة والذي يكون منه- أي النماء- عوضها عن العمل والفكر الذي بذلته، ولولا هذه القدرة لما توجه اليها أصحاب الاموال.

أما ما تستأجره من الغير أو تستأجر الغير عليه… فمن مال المضاربة، ولها أن تختار ما تشاء بشرط أن ينعكس هذا على نصيبها من الربح والذي فيه عوضها عن ما تستخدمه من قدراتها.

المضاربة في مشروع معين:

لا يحق لرب المال أن يشترط على المضارب نوع العمل إلا في الحدود التي بينها الفقهاء، الا أنه لا يوجد مانع في أن يتوجه المضارب إلى رب المال بتجارة معينة فيقنعه بجدواها؛ فإذا اقتنع ووافق عقدت المضاربة على هذا الاساس، ولا يعود بعدها لرب المال الحق في التدخل، وأغلب الظن أن تجارة قوافل الشام واليمن في العصر الجاهلي والاسلامي الأول كانت تمول بمضاربات بقصد هذه التجارة؛ أي إن مجال ووجهة وربما نوع التجارة كان محدداً أو معروفاً.

وهذه الشروط التي ينص عليها العقد هي شروط جعلية (وضعية) انبثقت من العرض الذي تقدم به المضارب، وليس لرب المال يد فيها، ولأنها شروط مبنية على توقعات… فلا يوجب فيها الإلزام إلا ما كان يؤثر على الربح؛ فإذا اتفقا ان العامل يقدم عمله وعمل شاحنته وله من الربح الثلثين… فإن استأجر شاحنة غيره لتقوم بنفس العمل لزمه الاجر من ماله لأن له عوض ذلك من الربح.

والمعتاد ان تتقدم الشركة إلى البنك بدراسة الجدى الاقتصادية للمشروع، وفيه تفصيل التكاليف والإيرادات المتوقعة، ولو أخذنا مثالاً لدراسة جدوى عملية تجارية مبسطة؛ فسيكون ما يقدمه العامل من تقديرات كما يلي:

Chapter5-Pg273

مما سبق .. نجد أن مصاريف المكتب الرئيسي – وقد اعتبرناها نفقة العامل – يمكن أن يتحملها العامل من ماله مادام مقيماً، ويكون عوضه عنها جزء من الربح.

ويجب التنويه هنا أن أجرة البائع على العمل الذي يقوم به، من الأعمال التي جرت العادة أن يقوم بها التاجر بنفسه؛ فتتحملها الشركة العامل من مالها؛ فالأعمال التي سيقوم بها كالعرض والمساومة وقبض المال وغيرها من صميم أعمال المضارب التي وصفها الفقهاء وهي إن استأجر عليها… فمن ماله، لا من مال المضاربة ولا من ربحها.

فإن افترضنا وبعد الأخذ بعين الاعتبار تحمله مصاريف المكتب الرئيسي وأجر البائع من ماله وعوضه عن الجميع في ربحه، وأن الاتفاق المبدئي نص على أن الربح سيكون بينهما بالتساوي، تعدل الدراسة كما يلي مع تثبيت رأس المال على ما كان عليه:

Chapter5-Pg274

ولو استأجر الشاحنة من الغير… يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو227.5، وله مثله؛ وحيث إنه يود استئجار الشاحنة والمتجر من نفسه… يمكن أن يكون عوضه عنهما من النماء أيضاً.

وعمال التحميل – وإن عملوا في الشركة – إلا أنهم ليسوا من المصاريف الثابتة كالمكتب الرئيسي؛ فلا يصح اعتبارهم من النفقة أو من عمله الذي يلزمه في العقد، ويعتبرون كطرف ثالث، وما يدفع مباشرة لهم من مال المضاربة على الا يصل للعامل منه شيئاً.

فيعاد صياغة الجدول كما يلي:

Chapter5-Pg275

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل- الشاحنة والمتجر- ويعود اليه استحقاقه وهي 135، ونسبتها 22.88% من الربح، وما يتبقى يقتسم بينهما بالنصف؛ فيأخذ رب المال 227.5؛ أي 38.56 %من الربح الموزع، ومثلها للعامل.

وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 61.44% للعامل، و38.56% لرب المال.

فيكون عوض العامل عن أعيانه بقيمة منافعها، مضافاً إليها ما تربحه مثل ربح المشترى، وهي أعلى من نسبة نماء مال المضاربة؛ لأننا افترضنا في المال أن التكاليف الأخرى – غير الشراء – لن تتغير بتغير كمية الشراء، أي إن ثمن تحميل ونقل وعرض المشترى لن يزيد بزيادته، فإذا كانت مما يتأثر بزيادة كمية المشترى… يكون الصحيح من الجدولين الثاني والثالث كما يلي:

الجدول الثاني:

Chapter5-Pg276-1

أي لو استأجر الشاحنة والمتجر من الغير … يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو 215.5.

الجدول الثالث:

Chapter5-Pg276-2

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل، ويعود إليه استحقاقها، وهي 141.3، ونسبتها 24.7% من الربح، وما يتبقى …
يقتسم بينهما بالنصف لرب المال 37.65%؛ أي 215.5 لرب المال ومثلها للعامل، وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 62.35% للعامل و37.65% لرب المال.

والفرق يسير بين التعديل والأصل، إلا أن التعديل بغرض التأكد أن أحدهما لاينال مما ليس له فيه مال أو عمل، وقد اعتنى الفقهاء بهذا وحرصوا عليه، وبالرغم من تركهم تحديد النسب وفق اتفاق الطرفين… إلا أنهم حرصوا على صحة ودقة الحساب متى حددت هذه النسب.

وإن كان ثمن البيع أقل من رأس المال… تكون الوضيعة على رب المال وليس على العامل إلا ما قدمه من منافع، وتعود إليه أعيانه والتي لم تفارق ملكه.

ويتضح مما سبق… أنه يجب على العامل الذي يتقدم بدراسة إلى البنك، أن يكون حريصاً في أن تكون دراسته دقيقة وصحيحة، فكل ما قد يقدمه سوف يعاير بمعيار الربح الذي تظهره دراسته، فإن أظهر هذا الربح أكثر من الحقيقة بقصد اقناع البنك بجدوى مشروعه… فإن الأعيان التي تقدمها شركته إن قيمت بمعيار هذا الربح، كان الضرر عليه إذا كانت حقيقة الربح أقل مما جاء في دراسته، ولو أنقص الربح في دراسته – متعمداً – لزيادة نسبة هذه الأعيان منه، فقد يفقد المشروع جدواه الاقتصادية.

والمضاربة ليست كما قد يظنها البعض أن يدفع الرجل مال إلى من يأخذ المال فيصرف منه على التجارة وعلى نفسه كما يشاء، ثم قد يعود إلى رب المال خاسراً فيتحمل رب المال هذه الخسارة وحده، بل إنها تختلف عند الفقهاء المتقدمون؛ فالعامل لا يصرف من مالها على نفسه شيئاً- إلا باذن رب المال في بعض الحالات كالنفقة والتي حصرها الفقهاء وفصلوا البينود التي تصرف فيها
– بل ويصرف من ماله عليها إذا استأجر من يعمل ما لزمه هو من العمل، وعمله وفكره وما يبذله فيها لا قيمة له إذا لم يتحقق نماء، فهو من يتحمل الجزء الأول من خسارة المضاربة قبل أن تصل الخسارة إلى مالها، وربح المضاربة ليس هو الربح الصافي بعد تنزيل كل مصروفات المعاملة بما فيها قيمة عمله والذي قام به بدلا من استئجار الغير كما قد يقول البعض، وإنما ربح المضاربة الذي يوزع بينهما بالشرط هو الفرق بين إيرداها – بعد تسديد أي ديون أو أثمان مؤجلة عليها مأذون بها من قبل رب المال – ورأس المال؛ وليست ربح التجارة كما نفهمه في عصرنا الإيراد بعد خصم كل التكاليف. والمضاربة التي وضع أسسها الفقهاء المتقدمون هي المضاربة العملية العادلة التي يمكن تطبيقها في هذا العصر وفي أي عصر. أما ما جرت عليه العادة اليوم… فليس عملياً ويؤدي إلى النزاع ولهذا … يفشل تطبيقه ليس لعدم مناسبة هذا العقد وإنما لخطأ في فهمه.

ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة لهذا المعاملة؛ نظرا لتشعب سبل الإستثمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الإستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أقنية استثمارية تحكمها الضوابط والأحكام الشرعية التي توفر العدل والأمان وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالطمأنينة والرضى.

والمضاربة هي المعاملة التي وجدت فيها البنوك الإسلامية الصيغة المناسبة- بل وكأنها صممت لهذا الغرض- لتنظم العلاقة بينهما وبين المودعين، إلا أنها عزفت- في أكثر الأحيان- عن استخدامها في علاقتها مع طالبي التمويل.

ونتعرف على الأسباب من أقوال الإقتصاديين والعاملين في هذا المجال:

واقع التمويل بالمشاركة في البنوك الإسلامية العاملة في السودان- للدكتور عابدين سلامة- ص59-70 مجلة البنوك الإسلامية عدد71.

جاء في البحث: ”هناك رغبة للبنوك الإسلامية العاملة للعمل وفق صيغة المرابحة لما في ذلك من ضمان أموال المودعيين  من أن تتعرض لمخاطر المشاركة.

وفي مجال المشاركة في القطاع التجاري جاء: وبعض هذه الحالات تؤكد ما توصل إليه الباحثين من أن بعض العملاء يلجأ إلى التحايل في بيع البضاعة بسعر وإظهاره في فاتورة صورية بسعر آخر أو محولات تدوير المبلغ والاستفادة منه لمصلحة العميل فقط دون اشراك البنك أو محاولة حجب النواحي المالية والإدارية من البنك واخفائها والإنفلات الزمني للعمليات ويكون للعميل ضلع كبير فيه وللباحث صاحب الدراسة المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات الحالة التي استعرضناها وما توصل إليه بعض المفكرين في هذا المجال إذ أوضحوا أن ضعف القيم ووالأخلاقيات في المعاملات قد ضيق من تعامل البنوك الإسلامية على أساس المشاركة والمضاربة واتجهت كما شاهدنا من المعلومات الاحصائية التي استعرضناها إلى المرابحة حيث لا حاجة لها إلى فحص حسابات العميل“.

وجاء في البحث: ضيغ التمويل الاسلامي للدكتور سامي حمودة مجلة البنوك الاسلامية ص40

ص42: ”فالخلط بين الامواال في عقود المضاربة الشرعية لا يجوز بعد بدء العمل حتى لو كان بين ذات المتعاقدين رب المال المضارب، لأن كل عقد يستقل بحكمه بحيث لو وجد عقدان ربح الاول وخسر الثاني فان الخسارة في العقد الثاني لا تنزل من الربح المتحصل في العقد الأول، ولو حصل ذلك لكان فيه إهدار لحق العامل في المال.

كما ان طريقة قسمة الارباح المقترحة  لا تتفق مع الاصول والقواعد الفقهية المتفق عليها في المضاربة حيث يفترض في قسمة الربح في المضاربة تنضيض المال اي اعادة رأس المال نقوداً كما كان لكي يسترد رب المال كامل رأس المال إذا سلم مع نصيبه من الربح، ويأخذ المضارب حصته من الربح بحسب ما كان قد أتفق عليه من أبتداء العمل في المضاربة وهذا هو نصيب البنك الاسلامي من الربح الذي يدخله في ميزانيته ويطرح منه مصاريفه ورواتب موظفيه وسائر نفقاته.

 

أما بالنسبة لما يفعله االبعض من البنوك الاسلامية من ناحية تنزيل النفقات ورواتب العاملين في البنك ممن لهم علاقة بأعمال المضاربة ومن ليس لهم علاقة بذلك ثم يعطى للمودعين المستثمرين ما يقرره مجلس الادارة من ارباح فان ذلك التصرف يخالف القواعد الفقهية للمضاربة الشرعية.

وإذا كان تطبيق القواعد الخاصة بعقد المضاربة بصورتها الواردة فى المؤلفات الفقهية أمر متعذر عملياً في المؤسسات المصرفية، فإن الحل لا يكون بالتغاضي عن التقيد بتلك الشروط والأحكام الفقهية، وإنما يكون الحل بالتبصر فيما يلزم تقريره من أحكام لهذا الوضع الجديد.

وان الحل الذي رأيناه يمثل في الحاجة إلى استحداث عقد جديد له خصائص متميزة عن عقد المضاربة الفردية حيث يحكم هذا العقد علاقات المضاربة المشتركة بكل ما تحتويه من عناصر التعدد في المشاركين وأحكام الاستمرار فيما لا تتم تصفيته من الأموال الداخلة مع المستثمرين“.

ص47: ”ذلك أن البنوك الاسلامية- برغم نجاحها الكبير في اجتذاب المدخرات الوطنية في البلاد التي وجدت فيها- مازالت غير قادرة على إيجاد الوسائل الاستثمارية المناسبة لتوظيف السيولة الفائضة لديها والاسهام في انتقال روؤس الاموال الاسلامية داخل بلاد العالم الاسلامي. وليس هناك من اسرار يفضي بها عندما نقول بأن البنوك الاسلامية تعتمد إلى حد كبير على الاسواق المالية العالمية في أوربا وأمريكا لاستثمار فائض السيولة لديها في اسواق السلع الدولية وتمويل التجارة العالمية. وبذلك تكون البنوك الاسلامية قد أسهمت من غير قصد في استنزاف المزيد من ثروات العالم الاسلامي تاركة بلاد المسلمين تحت وطأة الحاجة للمال الذي يخرج ولا يعود“.

ويقول الشيخ صالح كامل في مجلة التجارة عدد شوال 1410هـ: ”أين هو المسلم الأمين الذي نأتمنه على أموال الناس“.

وقد خرجنا من هذا البحث أن المضاربة- كما وردت في كتب الفقه- هي عقد رائع وصالح للتطبيق العملي، ويحمل في أحكامه ما يكفل الحماية لأطراف العقد وضمان العدل في توزيع منافعه. وأن القاعدة العامة في المصروفات التي تكون من مال المضاربة: إن ما يصرف من مالها هو ما يعاوض به الغير فتدفع إلى أطراف أجنبية عن العقد مقابل معاوضات لا مقابلات، إلا بالإذن في حالة المقابلات كالمشاركة والمضاربة، ولا يجوز للعامل أن يأخذ من رأس المال سواء أكان بعوض أم بدون عوض، إلا في حالة النفقة في السفر أو الحضر، وبالشرط فقط في الحضر.

<< previous page next page >>

الباب الخامس: المضاربة بالقدرات الممتدة

الباب الخامس

المضاربة بالقدرات الممتدة

 

الفصل الأول

قدرات العامل

مفهوم المضاربة المتعارف عليه هو أنها معاملة يدفع فيها رب المال مالاً إلى من ينميه بالعمل، وسمي الطرف الذي يستلم ويتصرف في هذا المال ”العامل“؛ لأنه يقوم بالعمل أو الأعمال التي يُتوقع أن ينتج عنها نماء المال؛ أي إن صفة هذا العمل أنه عمل بشري يتميز بالقدرة على تنمية المال. وهذا ما قصده رب المال من دفعه ماله مضاربة إلى العامل؛ فهو لم يقصد العمل ذاته فليس له غرض في هذا العمل، ولو كان يقصد منفعة العمل المباشرة لاستأجره عليه، وهو إن فعل لكان عليه وحده مسؤولية تقديم الفكر والإدارة، وهذا ليس من اختصاصه ولا في حدود قدراته؛ فالعامل هو صاحب الفكر والعمل، وهو القادر على إنماء المال، وليس رب المال.

والذي يهمنا هنا أن رب المال ليس له قصد في عمل العامل، بل وقد لا يعرف ما هو العمل المطلوب بذله لإنماء المال، ولا يقصد سوى نماء ماله، وعليه … فهو لا يود أن يقّيم ما يقدمه العامل إلى المضاربة سوى بمعيار استيفاء الغاية التي يقصدها … وهي إنماء ماله، فإن لم يحدث نماء … فهو لم يستوف الغاية التي عقد عليها ولا يكون ملزماً بعوض للمضارب؛ لأن عمله في هذه الحالة ليس له قيمة وفق هذا المعيار. والمضارب ليس له قصد في استيفاء عوض منفعة عمله عن طريق الأجر المحدد المعلوم على هذا العمل، ولم يكن له أن يقصد هذا لجهالة العمل. وإنما هو يرغب في التصرف في المال وفق ما يراه هو الأصلح، فتكون له الحرية الكاملة في التصرف لقاء جزء من النماء الذي قد يحققه، فهو يريد أن يكون عوضه بجزء من النماء يقابل جهده وخبرته. فإن كان ثمة ربح … فقد تولد عن الأصلين المال والعمل، لرب المال نصيب المال منه، وللعامل نصيب العمل.

وإذا لم يتحقق ربح … تكون قيمة العمل معدومة، ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كان فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان، الذي كان سيحلل له كسبه من النماء لو كان قد تحقق.

ويجب التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشتمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيَّمة بمعيار هذا النماء، ونماء هذا العوض – وكلاهما للعامل – ونماء المال الصافي والعائد إلى المال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيُستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال، أو يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال على المعنيين، ويُرد إلى أحد المعنيين وفق موضوعه ووفق المعنى المقصود في النص.

النفقـة

جاء في باب المضاربة أن الفقهاء أجمعوا على أن نفقة المضارب تكون من ماله مادام مقيماً، وأجازوا أن تكون من مال المضاربة أو ربحها إذا اتفقا على ذلك، وبفرض أنهما لم يتفقا على ذلك، وكانت النفقة من ماله … فإن المضارب لا يحق له اقتطاع جزء من مال المضاربة لنفسه، ولا يحق له بالتالي أن يجعل لنفسه أجراً أو معاشاً أو مصروفاً من مال المضاربة أو من ربحها، وإن كانت من مال المضاربة كره أن يعمل في مال آخر في نفس الوقت.

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 135): ”ولا أن ينفق منه على نفسه في الحضر قطعاً“.

وقاال الحنابلة في الأنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”ان دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فإنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب وإن فعل فلا شيء عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

وهذا يبين العلاقة بين النفقة والأجر فلا يستحب أن يجتمعا، والحقيقة أن النفقة سواء شرطت له أم لم تشترط … فإن قيمة منفعة عمله – مشتملة النفقة إن لم يشترط – مستحقة له بشرط الربح كما سيأتي فيما بعد.

وما جاء يعني – في المضاربة في العصر الحديث – أن صاحب العمل لا يأخذ لنفسه شيئاً ولا يحدد لنفسه قدراً يقتطعه من الربح قبل التوزيع، إلا لو اتفقا على ذلك ونحن في هذا الباب سنفترض أن رب المال لم يأذن.

وبفرض أن صاحب العمل شركة، وباعتبار الشركة شخصية معنوية ذات ذمة منفصلة تختص بها … فإن نفقتها، هي مصروفاتها التي تصرفها سواء قامت بأعمال المضاربة أم لم تقم، وهذه تشمل أجور مكاتبها ورواتب جهازها الإداري وغيرها من المصروفات الثابتة، التي على أساسها يقوم هيكلها وخبرتها وسمعتها، والتي من أجلها توجه أصحاب المال إليها. أي إن نفقة الشركة هي كل مصاريفها الإدارية الثابتة والتي لا تتغير سواء عقدت المضاربة أم لم تعقد.

والمتفق عليه في عصرنا هذا، والذي أخذ شكل العرف، هو أن تُحمل الشركة العامل جزءاً من مصاريف مكتبها الرئيسي على مشروع المضاربة بنسبة هذا المشروع إلى حجم أعمالها، وأن تدفع لنفسها من مال المضاربة أو من ربحها هذه التكاليف، وهذا من الامور التي يجب الاتفاق عليها، ويجوز لرب المال ألا يقبل تحمُلها من ماله أو من النماء، بل إن هذا يُمثل الأساس الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فالنفقة من مال العامل مادام مقيماً، إلا بشرط كما قال الحنابلة ولرب المال أن يقبل أو أن يمتنع، أي إن قبول رب المال هو ما يُشترط الاتفاق عليه.

ويجب ملاحظة أن النفقة ليست الأجور، فالنفقة هي ما يصرفه الرجل على نفسه وعلى من يعول في أمور معاشه الأساسية، والأجر في الأغلب أكثر من ذلك … فإن لم تجز النفقة، فالأولى ألا يجز الأجر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 101): ”قال أبو يوسف إذا استأجر الرجل أجيراً كل شهر بعشرة دراهم ليشتري له ويبيع، ثم دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة، فالمضاربة فاسدة والربح كله للدافع ولا شيء للأجير سوى الأجرة، وقال محمد المضاربة جائزة ولا شيء للأجير في الوقت الذي يكون مشغولاً بعمل المضاربة، وجه قول محمد أنه لما دفع المضاربة فقد اتفقا على ترك الإجارة ونقضها فما دام يعمل بالمضاربة فلا أجر له، ولأن الاجارة شركة لهذا لا تقبل التوقيت ولو شاركه بعدما استأجره جازت الشركة فكذا المضاربة، ولأبى يوسف لأنه لما استأجره فقد ملك عمله فإذا دفع إليه مضاربة فقد شرط للمضارب ربحاً بعمل قد ملكه رب المال وهذا لا يجوز، ولأن المضارب يعمل لنفسه فلا يجوز أن يستوجب الربح والأجر، ولا يجوز أن ينقض الاجارة بالمضاربة لأن الاجارة أقوى من المضاربة لأنها لازمة والمضاربة ليست بلازمة والشيء لا ينتقض بما هو أضعف منه، وما ذكر محمد أن المضاربة شركة فالجواب أن الشريك يستحق الربح بالمال والمضارب بالعمل ورب المال قد ملك العمل فلا يجوز أن يستحق المضارب الربح، ولأن الشريك يعمل لنفسه فكأنه امتنع من عمل الاجارة فيسقط عنه الاجرة بحصته والمضارب يعمل لرب المال فبقى عمله على الاجارة“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجرا عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجراً لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجراً فيما عمل، لأن المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً اجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لأنه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة لا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

وعلى ما سبق … فالنفقة على العامل ومن ماله إلا بالشرط، ونصيبه في الربح يشتمل على عوضها وقد يكون أكثر منها أو أقل؛ لأنها كمنفعة عمله مخاطر بها، فطاب له الأكثر عملاً بمبدأ الغنم بالغرم.

<< previous page next page >>

الفصل السابع

القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد أن يسلم رأس المال إلى صاحبه، وما تبقى من المال يكون ربح المضاربة فيقسماه على الشرط الذي اتفقا عليه، والخسارة هي النقص في رأس المال، والخسارة التي تحدث في المال تجبر بالربح، فلا يكون ربحاً إلا بعد كمال رأس المال.

وقد يهلك جزء من رأس المال قبل أن يتصرف فيه العامل، وقد يهلك جزء بعد التصرف فيه؛ فهلاك جزء المال قبل التصرف فيه لا علاقة له بتصرف العامل وتجارته، وعليه … فإن المضاربة تنفسخ في القدر الهالك من رأس المال؛ فيكون رأس المال هو الجزء الباقي، ولا يجيز ربحه الجزء الهالك. وإلى هذا … ذهب الحنابلة والشافعية في رأي لهم، أما المالكية فقالوا بجبر كل خسر يحدث في المال بربح ما يبقى من المال، سواء حصل الخسر قبل التصرف أو بعده. وما يهلك بعد التصرف … يجبر من الربح عند أغلب الفقهاء. وإن انفسخت المضاربة أو انتهت وتمت القسمة … كان ما بعدها عقداً جديداً فإن خسرا لا يجبر به ما حصل من ربح سابق.

وقال الحنابلة إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وأضافوا بأن المتعاقدين إذا اتفقا على قسمة الربح وإبقاء رأس المال فلهما ذلك … فإن امتنع أحدهما فله أن يمنع. وفي مذهب الزيدية والإمامية ما يوافق رأي الحنابلة، وذكر الشافعية في رأي عندهم أن العامل يملك سهمه من الربح عند ظهوره.

وذهب المالكية والأحناف إلى أن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وقالوا إن قسمة الربح تعتبر غير صحيحة قبل قبض رأس المال، وهذا هو الرأي الأظهر عند الشافعية والرأي الثاني للإمامية، وحكى أبو الخطاب مثل ذلك في رواية عن الحنابلة.

وللإمامية رأي ثالث، يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند انضاض المال.

وقال الحنابلة والإمامية والزيدية إنه إذا ظهر في المال ربح … لم يجز للمضارب أن يأخذ شيئاً منه بغير إذن رب المال.

أما عن أخذ رب المال شيئاً من الربح قبل القسمة … رأى الحنابلة والشافعية والزيدية والإمامية، أنه يجوز لرب المال أن يأخذ من ربح القراض قبل القسمة إذا وافق العامل على ذلك، بينما رأى المالكية والحنفية عدم جواز ذلك قبل أن يقبض رأس المال، وقال الكاساني (جزء 6 ص 107): ”لأن الربح زيادة والزيادة على الشئ لا تكون إلا بعد سلامة الأصل، ولأن المال إذا بقى في يد المضارب، فحكم المضاربة بحالها، فلو صححنا قسمة الربح، لثبتت قسمة الفرع قبل الأصل، فهذا لا يجوز“.

<< previous page next page >>

الملخص

تتوجب الزكاة من نماء كل مال فائض عن الحاجة، والذي لا ينمو ذاتيا كالسوائم، فالشرط فيه أن ينميه صاحبه أو من لديه حيازته، فإذا نما المال فالعشر من النماء وقت تنضيضه، وهو الذي يتبقى بعد سلامة أصل المال، وأن لم يستثمره وعطله حولا كاملا فعليه نصيب الزكاة العشر من نماء المثل، والذي قدره الشرع بربع العشر.

ونقول أن النماء أو الربح –فيما يخص الزكاة- هو ما يتبقى بعد سلامة أصل المال، لأن هذا النماء أو الربح يشمل قيمة عمل الرجل بيده أو بمعداته، وهذه القيمة هي أثمان منافع عليها أيضًا زكاة هي العشر ولهذا لا تخصم كتكلفة من الربح أو النماء، إلا لو أستأجر الغير أو من الغير فيكون هذا الأجر من أصل المال الذي أشترطنا سلامته، فيخصم من الربح ثم يزكي عشر ما بقي. أي أن بيع المنافع مع بقاء الأصل هي كسب تتوجب الزكاة منه عندما يفضل عن الحاجة.

تنويه هام:

نلفت انتباه القراء إلى أن نتائج هذا هذا البحث منشورة هنا بهدف عرضها على الفقهاء والعلماء للدراسة والمناقشه، وان هذا البحث هو إجتهاد ولا يصح إتباعه أو العمل بما جاء فيه، إلى أن يوافق عليه العلماء وأهل الأفتاء، وإلى أن تصدرفتوى بشأنه من قبل سلطة دينية مخولة بالإفتاء.

وحتى تصدر هذه الفتوى، يستمر المسلمون في أخراج زكاة أموالهم وفق القواعد المعروفة والمُجمع عليها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

روجع وعدل وأنهي بفضل الله تعالى وحمده في رمضان 1433 هـ

المراجع:

كتاب فقه الزكاة الجزء الأول لفضيلة الدكتور القرضاوي حفظه الله.

كتاب المضاربة والمشاركة – النظرية والتطبيق وتقييم التجربة.

<< previous page next page >>

مبادئ الزكاة

وبعد ان استعرضنا ما سبق، يمكننا أن نخرج بالقواعد التالية:

  • الزكاة عبادة وصدقة وليست معاوضة أو معاملة والتقدير والتيسير فيها مرغوب.
  • شرط وجوب الزكاة تحقق النماء والكسب.
  • تتوجب الزكاة من النماء إذا تجاوز والأصل النصاب.
  • الأصل أن مقدار الزكاة عُشر النماء الصافي بعد سلامة أصل المال، فإذا كان في المال نماء  وتعذر أو صعب حساب هذا النماء، يقدر النماء الصافي ويخرج عُشره زكاة.
  • فان تعزر تقدير النماء مع العلم بحدوثه، مثلاً لعدم تحديد رأس المال، إو يكون بعض المال عروضا عند وقت الزكاة فيصعب التقييم أو التقدير، فيؤخذ آنذاك بتقدير الشارع أن صافي الربح ربع المال ومقدار الزكاة عشر الربع أي ربع عشر أصل المال أو خمُس عُشر تقدير المال والنماء معا بعد خصم ما عليه من مدفوعات مؤجلة عند انقضاء الحول أيهما يسهل تقديره.
  • الأصل أن تتوجب الزكاة وقت تحقق النماء وظهوره وامتلاكه، لقوله سبحانه وتعالى: ” وَآتُوا حَقّه يَوْم حَصَاده ” كما هو في الزروع وفي ربح التاجر المحتكر، فان لم يكن له وقت محدد وتعذر حسابه، كأرباح التاجر المدير يصار الى حسابه عند انقضاء الحول.
  • نهى الشارع عن الكنز وأمر باستثمار المال الفائض عن الحاجة وتشغيله، واشترط عشر صافي الربح صدقة مفروضة، فان أخل ولي المال فلم يستثمره وعطله حولا كاملا فعليه عُشر ربح المثل يدفعه من أصل المال، لأنه لو رضي أن يضَّيع نصيبه من النماء فليس له أن يضَّيع حق أصحاب الزكاة. وقدر الشارع ربح المثل بربع أصل المال المعطل، فكان حق الزكاة عُشر ربع الأصل (أي ربع العشر على المال الذي مضى عليه الحول).

النماء المتوجب منه الزكاة هو الصافي بعد التكاليف أي بعد إعادة رأس المال شاملا سد الديون لو كان في المال دين. وقد يقول قائل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث العمال لقبض الزكاة من الأموال الظاهرة دون أن يأمرهم بالاستفصال مع أن الغالب على أهل الثمار أن تكون عليهم ديون. لقد اتبع الرسول صلّى الله عليه وسلّم التقدير إذ أمر العمال بترك الثلث وترك الربع (وهذا بعد ترك النصف إذا كان السقي بالنضح إذ كان يؤخذ نصف العشر)، ولم تبين لنا الأحاديث القواعد التي يتم بها تحديد أيهما يترك، وفي تقديرنا أن هذا يعود الى خصم التكاليف والديون وترك ما يأكل المزارع وأهله وما يتصدق به، ولهذا فلا بأس من تقدير التكلفة إذا تعذر أو صعب اليقين.

عن فقه الزكاة للدكتور القرضاوي: ” قال في المغنى: وفي الجملة كل ما سُقي بكلفة ومؤونة من دالية أو سانية أو دولاب أو ناعور أو غير ذلك ففيه نصف العُشر، وما سقي بغير مؤونة ففيه العُشر، لما روينا من الخبر، ولأن للكلفة تأثيرًا في إسقاط الزكاة جملة، بدليل العلوفة، فبأن تؤثر في تخفيفها أوْلى، ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي وللكلفة تأثير في تقليل النماء، فأثرت في تقليل الواجب . المغنى:2/698، 699.“

وعليه فيكون العشر من الصافي أي الذي يتبقى بعد إعادة أصل المال، فلو إستأجر معدة ودفع أجرتها، يخصم الأجر من المحصول، ويزكي عما تبقى، أما مال الأجرة الذي دفعه، فهو من نماء مال المعدة يزكي عنه صاحب المعدة، ولو لم نخصم الأجرة من المحصول لزكينا عن منفعة المعدة مرتين، مرة من المحصول ومرة من الأجرة وهذا لا يصح.

مال الدين هو مال انتقلت حيازته، ومسؤولية إنماء هذا المال على من حازه وكان له التصرف فيه، ولهذا فعليه زكاته، أما صاحبه فقد أقرضه قرضًا حسنًا وهذا صدقة ولم يعد يملك أن ينميه، فتتوجب الزكاة من نماء المال على من يحوز المال لو جاوز ما عنده النصاب.

ولو فرضنا أن تاجرا أقترض مالا ودفعه في تجارة، فربحت فعليه عشر الربح زكاة المال، وله تسعة أعشار الربح، بينما يعود المال المقترض الى صاحبه، وليس على صاحب المال زكاة في المال طالما لم يكن في حيازته ولأن التاجر المقترض زكاه. فإن لم يربح التاجر، فلا نماء ولا زكاة في المال، وإن أرجعه لصاحبه فلا زكاة عليه فيه.

ولتوضيح ما ورد في موضوع المال المقترض أو الدين، فان هذا المال مسؤولية من يحوزه ويتصرف فيه، فان دفع به وبماله (ونسمي الأثنين هنا رأس المال) في تجارة أو استثمار فربح، يكون الربح الصافي هو ما يتبقى بعد سلامة رأس المال (ماله ومال الدين الذي عليه) ويكون هذا الربح هو نماء ماله ومال الدين والجهد الذي بذله، فان دفع عشر هذا الربح زكاة فقد زكى عن ماله وعن مال الدين، فإن أعاد الدين إلى صاحبه فلا زكاة في مال هذا الدين على الدائن، لأنه زكى عنه. وإن عطل المدين مال الدين حولا كاملا ولم يستثمره، يكون عليه زكاته ربع العشر من ماله الخاص، ويرد مال الدين كاملا إلى صاحبه وليس على صاحبه زكاة.

ولكن ماذا يكون لو كان القرض لا يسمح للمقترض أن يتصرف فيه بتجارة أو إستثمار، يكون القرض في هذه الحالة قرض حاجة أي لمحتاج ليصرفه على حاجاته وحاجات أهله وهذا صدقة في حد ذاته. أما إذا كان القرض مشروط بمدة تقل عن الحول، ينظر هل أقترضه لحاجة له ولعياله، فان كان فمثل ما سبق، وإن أقترضه لمعاملة كتجارة أو استثمار له مدة أي كانت، فعليه زكاة عشر الربح وهو ما يتبقى بعد سلامة هذا القرض.

ولو عدنا لزكاة الزروع، فالتقدير إما نصف العشر من إجمالي الربح قبل خصم التكاليف، وهذا تقدير يتبع عندما يصعب معرفة وخصم التكاليف مع العلم بوجود تكلفة، أو العشر من الربح الصافي بعد خصم التكاليف (أو إذا لم يكن هناك تكلفة من الأصل)، ويعتبر الدين من أصل المال، والربح هو ما فضل بعد سلامة أصل المال والدين معه.

<< previous page next page >>