الفصل الثاني – أركان عقد المضاربة

أولاً : المتعاقدان

يشترط في رب المال وصاحب العمل ما يشترط في العقود عامة، ويشترط في رب المال الأهلية والولاية وما يشترط في الموكل، فيكون ممن يملك فعل ما وكل فيه بنفسه، ويشترط في العامل أن يكون صالحاً وأهلاً لأن يكون وكيلاً وصحة مباشرته للتصرف الذي وُكِّلَ فيه لنفسه. وجاء في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 430): ”ويجوز تعددهما واتحادها وتعدد أحدهما خاصة“.

وينطبق ما اشترط على المتعاقدين الأشخاص؛ على الشركة أو الجهة التي ستكون طرفاً، من حيث الأهلية وملكية المال أو الولاية عليه، ومن صحة مباشرة الشركة – العامل – في التصرف بالمال وإستثماره.

الشـركة:

يجوز أن يكون رب المال شركة، وكذلك يجوز أن يكون العامل شركة؛ لأن المضاربة مع عاملين جائزة، ولا يحق لأحدهما التصرف دون الرجوع إلى صاحبه، وهما معاً أقرب إلى شركة الأبدان أو الأعمال، التي أجازها الجمهور – عدا الشافعية والإمامية – فإن جاز هذا؛ فمن المصلحة أن تجوز الشركة كعامل في المضاربة، ولا أظن أن هناك خلافاً في هذا.

إلا أن أغلب الشركات الوضعية – في العصر الحديث – تنفصل ذمتها عن ذمم أصحابها، وهذا يختلف عن الشركات التي قال بها الفقهاء السابقون، ولهذا … يجب استعراض ما جاء عن معاصرينا في هذا الموضوع.

– في الشخصية الإعتبارية للشركات:

يقول الدكتور عبد العزيز عزت الخياط في كتابه الشركات (ص 221): ”ومن الواجب، جرياً مع مقتضيات المصلحة العامة، أن نعطي الشركة تبعاً لنوعها شخصية إعتبارية. وتكون لها ذمة مستقلة ووجود مستقل. فيكون لها اسم وموطن وجنسية، ويترتب عليها مسئولية. وليس في الشرع من كتاب أو سنة ما يحول دون ذلك والعرف والمصلحة والضرورة تقضي به لتستقيم معاملات الناس“.

ويقول السيد بهاء الدين أحمد صابر تحت عنوان موضوع للمناقشة نشر في العدد 68 من مجلة البنوك الإسلامية (ص 66): ”وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء الفقهاء قد رأى عدم وجود ما يمنع إثبات شخصية معنوية لهذه الشركات، إلا أنهم في غالب الأمر لم يتطرقوا إلى دراسة ما يترتب على إثبات هذه الشخصية لتلك المؤسسات المستحدثة من فوارق في الأحكام الفقهية للإجابة على سؤال ملح ألا وهو: هل تختلف الأحكام الفقهية تبعاً للفوارق الموجودة بين الشخص الطبيعي والشخص الحكمي“.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب فقه الزكاة (ص 31): ”وأما أن الشريعة عرفت الشركة كشخصية معنوية وأبطلت الحيل، فذلك مضمون ما ورد عن أنس في كتاب الصدقة: (ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية لصدقة …) فمال الشركة يخضع للزكاة، ولا يجوز التحايل بأن يحسب لكل شريك سهمه في الشركة حتى يقل الواجب في المال“.

ومما سبق … فإن الشركة لها شخصيتها المعنوية المنفصلة والمستقلة عن ذمة أصحابها وتؤدي الزكاة عن نفسها، إلا أن الفقهاء المتقدمين قد اعتبروا ذمة الشركة الشرعية من ذمم الشركاء، فالخسارة في الشركة الشرعية يتحملها الشركاء برأس المال؛ فإن هلك رأس المال يتحملها أصحابها من أموالهم الخاصة، كما هوا لحال في شركات التضامن، إلا أن الحاجة إلى تشجيع الناس على المساهمة في الشركات، والذي احجموا عنها خوفاً من أن تتجاوز الخسارة رؤوس الأموال فيصيبهم ما لا طاقة لهم به من خسارة قد تؤدي إلى الإفلاس، دعت المشرع الوضعي إلى وضع نظام الشركات المحدودة، التي لا يتحمل المساهم فيها إلا في حدود رأس ماله.

وقد يبدو لأول وهلة أن لنظام الشركات المحدودة عيوبه ومضاره تجاه المطالبين في حالة إفلاس الشركة؛ إذا تعدت خسائرها رأس مالها، ولكن هذا يحدث أيضاً في حالة إفلاس التاجر وتعدى خسائره قدر أمواله الخاصة، فكما تفلس الشركة … يمكن أن يفلس الأشخاص، بل وأن المتعامل مع الشركة المحدودة يَعْرِفُ قَدْرَ رأس مالها، ويمكنه الإطلاع على حساباتها ومعرفة وضعها المالي والتعامل معها على أساس معلومات واضحة، فيتحرز بألا يتعامل معها إلا في حدود مالية معينة، بينما قد لا يستطيع الحصول على هذه المعلومات في حالة الشخصية الطبيعية (التاجر).

وبالرغم من أن أغلب الفقهاء – في هذا العصر – قد أجازوا ضمنياً هذه الشركات المحدودة برأس مالها … إلا أن الفتوى القاطعة – والله أعلم – لم تصدر بعد، والذي يهمنا في هذا البحث هو ما يلي:

–    إن الشركة لها شخصية معنوية، ويصح أن تكون رب مال أو عاملاً في المضاربة وغيرها من المشاركات.

–  إن العامل سواء كان شخصاً أو شركة لا يحق له الإستدانة أو الإتجار بأكثر من رأس مال المضاربة، إلا بأذن وضمان رب المال، على ألا يتجاوز هذا الضمان ما تملكه الشركة المقارضة من مال إن كانت من الشركات المحدودة، وإلا ضمن إصحابها في أموالهم الخاصة، وإن خالف العامل – الشركة المحدودة – يضمن أصحابها بأموالهم الخاصة أن تعدى الضمان رأس مال الشركة العامل.

–    ما ينطبق على الشخص الطبيعي ينطبق على الشركة.

–    الإيجاب والقبول والتصرف يصدران عمن لهما صلاحية تمثيل الشركة والنيابة عنها.

وحيث إن المضاربة قد حددت برأس مالها… فإن اذن بالإستدانة… وجب الضمان علي الشركة رب المال وعلي أصحابها؛ فإن الشركة الى يجوز لها أن تكون رب المال أو عاملاً في المضاربة قد استوفت شروطها الشرعية.. يجب ان تكون ذمتها من ذمة أصحابها تجاه الغير.

ويقترح أن توضع القواعد المنظمة للشركات؛ فالشركة التي تود أن تكون الطرف العامل في المضاربة- الشركة المضارب- يجب عليها أن تعلن أنها تلتزم في جميع معاملتها بالشريعة، ويكون هذا الإلتزام فيما يتعلق بتحيرم التعامل بالفائدة الربوية وفي المحرمات، لما جاء في المدونة (جزء 5 ص107):” وقال مالك لا أحب للرجل أن يقارض رجلا إلا رجلا يعرف الحلال والحرام وإن كان رجلاً مسلماً، فلا أحب، أن يقارض من يستحل شيئاً من الحرام في البيع والشراء“.

وتستطيع أي شركة قائمة أن تغير نظامها القائم، وتعدل عن معاملاتها السابقة لتكتسب شخصيتها الشرعية، ويجوز للشركات التي أصحابها من أهل الذمة أن تكتسب هذه الشخصية إذا التزمت وكان مديرها المسؤول عالماً بأمور الحلال والحرام في الإسلام.

والمقصود هنا بالشخصية الشرعية الإسلامية هو الإلتزام بالأحكام المذكورة، وليس أن يكون للشركة دين، فالدين ينطبق على البشر وله طبيعة وأحكام خاصة لاتنطبق على غيرهم، بينما المقصود هنا أن تكون هذه الشركة متميزة ومستفيدة من هذا الإنتماء فتحافظ عليه، إذ إنها ستفقد هذه الشخصية إذا استخدمت مال مضاربة في أي استثمار يحرمه الإسلام، بإذن أو دون إذن من رب المال، فيكون هذا من دواعي التزامها وحرصها على هذه الشخصية.

ولايجوز لرب مال أو مؤسسة مالية إسلامية أو بنك إسلامي دفع مال مضاربة إلي أي شركة أو تاجر لم يعلن التزامه في جميع معاملاته الأخري بهذه المبادئ، وأي نقض لهذا الإلتزام يثبت بالبينة القاطعة يفقد هذه الشركة شخصيتها الإسلامية، وهي أهليتها الشرعية… فلا يجوز أن تصبح طرفاً في عقود مضاربة، ويفقد مديرها المسؤول أهليته فلا تصح له إدارة شركة أخرى – ذات شخصية إسلامية – لمدة معينة.

وتوضع لائحة لتسجيل أسماء هذه الشركات تشرف عليها جهة شرعية، قد تكون منبثقة عن الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية، على أن يكون معها مكتب محاسبة وتدقيق حسابات، فيشترط في أي شركة تود الدخول في عقد مضاربة أن تتقدم بطلبها لقيد أسمها في هذه اللائحة، وتصدر هذه الجهة شهادة تتجدد سنوياً بعد التأكد من صحة الإلتزام.

وتنبثق عن هذه الجهة لجان تحكيم للنظر والفصل في الخلافات التي قد تنشأ عن عقود المضاربة، ولجنة للعقود تقوم بإعداد وكتابة وإصدار الشروط العامة القياسية لعقد المضاربة، فتصدر عدة عقود قياسية مختلفة بإختلاف الأغراض، ينص فيها على الشروط الشرعية الثابتة في العقد، وعلى الشروط الجعلية، والتي لأطراف العقد إبقاؤها أو النص في الملحق على إلغاء أو تعديل بعضها، وفي الحدود التي رسمها الخبراء الشرعيون، على أن ينص انه إذا تعارض شرط جعلي أضافه المتعاقدون مع أحد الشروط الشرعية..فإن الشرط الجعلي يبطل تلقائياً.

وتمويل هذه الجهة الشرعية بتقاضي رسوم تسجيل الشركات، ورسوم من أصحاب المال لقاء تقديم معلومات عن الشركات المضاربة بإذنهم، ورسوم تسجيل عقود المضاربة، ورسوم إستشارة وتحكيم وغيرها.

البنك الإسلامي:

تقوم البنوك الإسلامية علي أساس الإلتزام بمباديءوروح الإقتصاد الإسلامي، ولهذا فدورها – كبنك – يختلف إختلافا جذريا عن دور البنوك  الربوية الأخرى التي تقوم علي أساس تقاضي ودفع الفائدة، بناء علي مبدأ كراء المال الذي يحرمه الإسلام قطعياً. وطبقاً للمبدأ الإسلامي الغُنم بالغُرم … فإن البنوك الإسلامية لا تستطيع توفير عائد مضمون للأموال المودعة عندها – بغرض تحقيق عائد كحسابات الإستثمار – إلا عن طريق إستثمار هذه الأموال وفق السبل الشرعية التي وفرها لها الشارع، وهذه السبل كثيرة متعددة تغطي تقريباً كل أنواع الإستثمارات المعروفة، منها: الإستثمارات التي يقوم بها البنك مباشرة أو مشاركة، ومنها التي يدفع بها المال إلى الغير ليقوموا بالإستثمار كالمضاربة. ولهذا كان علي البنك الإسلامي إعداد جهاز فني قادر على دراسة أوجه هذه الإستثمارات وتقدير أرباحها المتوقعة. وسوف تنبثق أيضاً- في ظل هذا النظام الإسلامي- مكاتب دراسات متخصصة. كل في مجال إستثمار معين، يوظفها البنك للقيام بهذه الدراسات المتخصصة إن خرج مجال المشروع عن نطاق خبرته، ويجب أن يتوخى البنك الحرص علي ضمان توظيف الأموال التي يجمعها؛ في الإستثمارات التي تعود بالربح علي مودعيه، وبالفائدة علي المجتمع الذي جمع منه المال.

جاء في موضوع مقاصد البنوك الإسلامية في الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية-الجزء السادس 1982- الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية – الدكتور سيد الهواري. ( صفحة 143): ”لم تنشأ البنوك الإسلامية لملاكها ولأصحاب حملة الأسهم، فهي- أي البنوك الإسلامية- ولا تتعامل بل لا يجوز- وفقا للأحكام القطعية للشريعة الإسلامية- التعامل بالفائدة أخذا أو عطاء. وبالتالي لا يجوز لها المتاجرة علي الملكية بمعنى: تحقق فائض لحساب الملاك فقط علي إعتبار أن الأموال المملوكة اختلطت مع الودائع الإستثمارية لتحقق فائض علي حساب العملاء طالبي التمويل والمشاركات، فالأموال المملوكة عهدة لدي البنك الإسلامي لعمارة الأرض، ولذلك فان البنك الإسلامي لا يجوز أن يغفل عن أن جزءا من أهدافه يدور حول طالبي التمويل بالمشاركة بمعنى أنه لا يضع حصة مشاركة مرتفعة ولذلك فان مفهوم معدل الربح يصبح مرتبطا ليس فقط بتعظيم رفاهية الملاك وأصحاب ودائع الإستثمار بل وبطالبي التمويل والمشاركات أيضاً“.

رب المال:

يجوز أن يكون رب المال شركة أو شخصاً، ممن له الأهلية والملكية أو الولاية، ويجوز أن يكون عدة أشخاص أوحكومة أو بيت مال أو بنكاً يملك التصرف بالوكالة والتفويض أو قائماً على أموال اليتامي وأموال الوقف، ويجوز أن يكون من أهل الذمة.

ويقول الدكتور محمد عبد الله العربي: ”يعتبر المودعون – في مجموعهم لا فرادي- رب المال، والبنك هو المضارب مضاربة مطلقة، أي يكون له حق توكيل غيره في إستثمار مال المودعين. ويضيف الدكتور العربي: إذا كنا أعتبرنا البنك بالنسبة لأصحاب المشروعات الإستثمارية الذين أمدهم بماله هو رب المال، ونعتبر أصحاب المشروعات هم المضارب“.

وعليه… ففي حالة البنك الإسلامي؛ فإن المودع بغرض إستثمار ماله يكون رب المال في عقد المضاربة ويكون البنك هو الطرف المضارب، ويوقعان علي عقد مضاربة مطلقة التفويض، ويبين في العقد رأس المال، وينص علي نصيب كل منهما كنسبة شائعة في الربح الذي يكسبه المضارب، وتكون الوضيعة علي رب المال، ولا ضمان علي البنك. وأن ينص في العقد علي ما يجوز وما لا يجوز من التصرفات للبنك. ومما يجب النص علي جوازه خلط المال والمشاركة والمضاربة خاصة.

ويصبح البنك أميناً علي المال حتي يتصرف فيه، ووكيلاً عندما يتصرف، وشريكاً إذا تحقق الربح، ولا ضمان عليه إلا أن يتلف بالتعدي، كأن يقرضه البنك إلي طرف أخر، أو يستخدمه خلافاً لمضمون العقد فيضمن.

العـامـل:

يشترط في العامل الأهلية والصلاحية لأن يكون وكيلاً وعاقداً، وقد يكون شركة أو شخصاً أو عدة أشخاص، ويجوز أن يعطي رب المال المال إلي عاملين، ويجوز أن يكون أحدهم من أهل الذمة.

وفي حالة البنك الإسلامي… يكون البنك هو العامل في عقده مع المودعين الراغبين في إستثمار أموالهم في المضاربة، ويظل كذلك إذا استثمر المال وفق قواعد المضاربة بنفسه. أما إذا قام البنك بالدراسات المفصلة في أوجه الإستثمار المختلفة؛ فرأى أن المصلحة والخير في دفع المال مضاربة إلي العامل الثاني، وكان العقد الأول يفوضه بذلك.. لإإنه يدفع المال مضاربة الى العامل الثاني، ويصبح رب المال في عقد المضاربة الثاني، ويقتسم البنك ربحه كرب مال من المضاربة الثانية مع مودعيه، وفق شرط الربح في العقد الأول.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة مال من طرف وعمل من الطرف الثاني

الشركة العامل التي تخصصت في مجال معين من مجالات الاستثمار وليكن التجارة، هي كيان مستقل لها مكتبها الرئيسي بما فيه من الموظفين الإداريين والتنفيذين ومعاونيهم، وتملك في الأغلب أدوات ومعدات وشاحنات ومخازن ومتاجر، واكتسبت شهرتها القائمة على هذه الأصول الثابتة من جهة، وعلى خبرات أجهزتها الإدارية والتنفيذية من جهة أخرى. ولها سجل سابق أعمال وحسابات ووضع مالي وذمة منفصلة. وهذه الشركة- بكل كيانها- تأخذ محل العامل في عقد المضاربة، الا أن قدرتها تتناسب مع حجمها الأكبر بكثير من قدرة العامل الشخص، وهذا الحجم قد وجد ليناسب حجم الاعمال التي تطلبه مشروعات الاستثمار في هذا العصر، فلم يعد في قدرة الفرد القيام وحده بالمشروعات الكبيرة والتي تتطلب اجتماع خبرات مختلفة، كما لم يعد في قدرة التاجر الفرد منافسة الشركات التجارية الكبيرة والتي تمتد متاجرها ومخازنها في طول البلاد وعرضها.

وكذلك رب المال… فلم يعد مال رب مال واحد يكفي للاستثمار في المشروعات التجارية أو الصناعية التي تحتاج لأموال كثيرة، فجاءت البنوك الاسلامية لتجميع روؤس الاموال من أصحابها وتوجيهها إلى الاستثمار ذي الحجم القادر على المنافسة وتحقيق الربح. وهذا بغرض رفع كفاءة الانتاج بتقليل نسبة تحميل التكاليف الثابتة على المنتج.

ولهذا… كان التطور الطبيعي لمواجهة متطلبات العصر أن يتسع عقد المضاربة من الشكل الثنائي أو المتعدد بين أشخاص، إلى أن يشمل الشكل الثنائي أو المتعدد بين شركات لها شخصيتها المعنوية الخاصة بها ولها ذمتها المستقلة – بشرط ألا تستدين هذه الشركات أو تتاجر بأكثر مما تملك، وهذا الشرط لم يشترطه الفقهاء على طرفي المضاربة اذا قبل أحدهما بضمان الدين وكان الضمان أكثر من ماله- ولا يوجد ما يمنع هذا التوسع فالوكالة والمشاركة وكل التصرفات التي تحق لطرف المضاربة تحق للشركة، ومتى تم التعاقد وحررت اتفاقية المضاربة الصحيحة… فليس ما يمنع من تنفيذها وفق الشروط الصحيحة التي ينص عليها، وما ينطبق على الشخص ينطبق على الشركة.

نعود إلى الشركة التي لها كيان مستقل، وهي العامل، فنجد أن مصاريف مكتبها الرئيسي بموظفيها ومفروشاتها وادواتها وكافة المصروفات الثابتة والتي تصرفها على نفسها سواء عقدت المضاربة ام لم تعقدها هي نفقتها، وتعامل مثلها مثل نفقة العامل.

 وما تملكه هذه الشركة من متاجر وشاحنات والآت هي ما يكون قدراتها، والعمل الذي تقوم به هذه الأعيان والأصول هو من صميم العمل الذي يؤدي إلى نماء مال المضاربة والذي يكون منه- أي النماء- عوضها عن العمل والفكر الذي بذلته، ولولا هذه القدرة لما توجه اليها أصحاب الاموال.

أما ما تستأجره من الغير أو تستأجر الغير عليه… فمن مال المضاربة، ولها أن تختار ما تشاء بشرط أن ينعكس هذا على نصيبها من الربح والذي فيه عوضها عن ما تستخدمه من قدراتها.

المضاربة في مشروع معين:

لا يحق لرب المال أن يشترط على المضارب نوع العمل إلا في الحدود التي بينها الفقهاء، الا أنه لا يوجد مانع في أن يتوجه المضارب إلى رب المال بتجارة معينة فيقنعه بجدواها؛ فإذا اقتنع ووافق عقدت المضاربة على هذا الاساس، ولا يعود بعدها لرب المال الحق في التدخل، وأغلب الظن أن تجارة قوافل الشام واليمن في العصر الجاهلي والاسلامي الأول كانت تمول بمضاربات بقصد هذه التجارة؛ أي إن مجال ووجهة وربما نوع التجارة كان محدداً أو معروفاً.

وهذه الشروط التي ينص عليها العقد هي شروط جعلية (وضعية) انبثقت من العرض الذي تقدم به المضارب، وليس لرب المال يد فيها، ولأنها شروط مبنية على توقعات… فلا يوجب فيها الإلزام إلا ما كان يؤثر على الربح؛ فإذا اتفقا ان العامل يقدم عمله وعمل شاحنته وله من الربح الثلثين… فإن استأجر شاحنة غيره لتقوم بنفس العمل لزمه الاجر من ماله لأن له عوض ذلك من الربح.

والمعتاد ان تتقدم الشركة إلى البنك بدراسة الجدى الاقتصادية للمشروع، وفيه تفصيل التكاليف والإيرادات المتوقعة، ولو أخذنا مثالاً لدراسة جدوى عملية تجارية مبسطة؛ فسيكون ما يقدمه العامل من تقديرات كما يلي:

Chapter5-Pg273

مما سبق .. نجد أن مصاريف المكتب الرئيسي – وقد اعتبرناها نفقة العامل – يمكن أن يتحملها العامل من ماله مادام مقيماً، ويكون عوضه عنها جزء من الربح.

ويجب التنويه هنا أن أجرة البائع على العمل الذي يقوم به، من الأعمال التي جرت العادة أن يقوم بها التاجر بنفسه؛ فتتحملها الشركة العامل من مالها؛ فالأعمال التي سيقوم بها كالعرض والمساومة وقبض المال وغيرها من صميم أعمال المضارب التي وصفها الفقهاء وهي إن استأجر عليها… فمن ماله، لا من مال المضاربة ولا من ربحها.

فإن افترضنا وبعد الأخذ بعين الاعتبار تحمله مصاريف المكتب الرئيسي وأجر البائع من ماله وعوضه عن الجميع في ربحه، وأن الاتفاق المبدئي نص على أن الربح سيكون بينهما بالتساوي، تعدل الدراسة كما يلي مع تثبيت رأس المال على ما كان عليه:

Chapter5-Pg274

ولو استأجر الشاحنة من الغير… يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو227.5، وله مثله؛ وحيث إنه يود استئجار الشاحنة والمتجر من نفسه… يمكن أن يكون عوضه عنهما من النماء أيضاً.

وعمال التحميل – وإن عملوا في الشركة – إلا أنهم ليسوا من المصاريف الثابتة كالمكتب الرئيسي؛ فلا يصح اعتبارهم من النفقة أو من عمله الذي يلزمه في العقد، ويعتبرون كطرف ثالث، وما يدفع مباشرة لهم من مال المضاربة على الا يصل للعامل منه شيئاً.

فيعاد صياغة الجدول كما يلي:

Chapter5-Pg275

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل- الشاحنة والمتجر- ويعود اليه استحقاقه وهي 135، ونسبتها 22.88% من الربح، وما يتبقى يقتسم بينهما بالنصف؛ فيأخذ رب المال 227.5؛ أي 38.56 %من الربح الموزع، ومثلها للعامل.

وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 61.44% للعامل، و38.56% لرب المال.

فيكون عوض العامل عن أعيانه بقيمة منافعها، مضافاً إليها ما تربحه مثل ربح المشترى، وهي أعلى من نسبة نماء مال المضاربة؛ لأننا افترضنا في المال أن التكاليف الأخرى – غير الشراء – لن تتغير بتغير كمية الشراء، أي إن ثمن تحميل ونقل وعرض المشترى لن يزيد بزيادته، فإذا كانت مما يتأثر بزيادة كمية المشترى… يكون الصحيح من الجدولين الثاني والثالث كما يلي:

الجدول الثاني:

Chapter5-Pg276-1

أي لو استأجر الشاحنة والمتجر من الغير … يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو 215.5.

الجدول الثالث:

Chapter5-Pg276-2

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل، ويعود إليه استحقاقها، وهي 141.3، ونسبتها 24.7% من الربح، وما يتبقى …
يقتسم بينهما بالنصف لرب المال 37.65%؛ أي 215.5 لرب المال ومثلها للعامل، وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 62.35% للعامل و37.65% لرب المال.

والفرق يسير بين التعديل والأصل، إلا أن التعديل بغرض التأكد أن أحدهما لاينال مما ليس له فيه مال أو عمل، وقد اعتنى الفقهاء بهذا وحرصوا عليه، وبالرغم من تركهم تحديد النسب وفق اتفاق الطرفين… إلا أنهم حرصوا على صحة ودقة الحساب متى حددت هذه النسب.

وإن كان ثمن البيع أقل من رأس المال… تكون الوضيعة على رب المال وليس على العامل إلا ما قدمه من منافع، وتعود إليه أعيانه والتي لم تفارق ملكه.

ويتضح مما سبق… أنه يجب على العامل الذي يتقدم بدراسة إلى البنك، أن يكون حريصاً في أن تكون دراسته دقيقة وصحيحة، فكل ما قد يقدمه سوف يعاير بمعيار الربح الذي تظهره دراسته، فإن أظهر هذا الربح أكثر من الحقيقة بقصد اقناع البنك بجدوى مشروعه… فإن الأعيان التي تقدمها شركته إن قيمت بمعيار هذا الربح، كان الضرر عليه إذا كانت حقيقة الربح أقل مما جاء في دراسته، ولو أنقص الربح في دراسته – متعمداً – لزيادة نسبة هذه الأعيان منه، فقد يفقد المشروع جدواه الاقتصادية.

والمضاربة ليست كما قد يظنها البعض أن يدفع الرجل مال إلى من يأخذ المال فيصرف منه على التجارة وعلى نفسه كما يشاء، ثم قد يعود إلى رب المال خاسراً فيتحمل رب المال هذه الخسارة وحده، بل إنها تختلف عند الفقهاء المتقدمون؛ فالعامل لا يصرف من مالها على نفسه شيئاً- إلا باذن رب المال في بعض الحالات كالنفقة والتي حصرها الفقهاء وفصلوا البينود التي تصرف فيها
– بل ويصرف من ماله عليها إذا استأجر من يعمل ما لزمه هو من العمل، وعمله وفكره وما يبذله فيها لا قيمة له إذا لم يتحقق نماء، فهو من يتحمل الجزء الأول من خسارة المضاربة قبل أن تصل الخسارة إلى مالها، وربح المضاربة ليس هو الربح الصافي بعد تنزيل كل مصروفات المعاملة بما فيها قيمة عمله والذي قام به بدلا من استئجار الغير كما قد يقول البعض، وإنما ربح المضاربة الذي يوزع بينهما بالشرط هو الفرق بين إيرداها – بعد تسديد أي ديون أو أثمان مؤجلة عليها مأذون بها من قبل رب المال – ورأس المال؛ وليست ربح التجارة كما نفهمه في عصرنا الإيراد بعد خصم كل التكاليف. والمضاربة التي وضع أسسها الفقهاء المتقدمون هي المضاربة العملية العادلة التي يمكن تطبيقها في هذا العصر وفي أي عصر. أما ما جرت عليه العادة اليوم… فليس عملياً ويؤدي إلى النزاع ولهذا … يفشل تطبيقه ليس لعدم مناسبة هذا العقد وإنما لخطأ في فهمه.

ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة لهذا المعاملة؛ نظرا لتشعب سبل الإستثمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الإستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أقنية استثمارية تحكمها الضوابط والأحكام الشرعية التي توفر العدل والأمان وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالطمأنينة والرضى.

والمضاربة هي المعاملة التي وجدت فيها البنوك الإسلامية الصيغة المناسبة- بل وكأنها صممت لهذا الغرض- لتنظم العلاقة بينهما وبين المودعين، إلا أنها عزفت- في أكثر الأحيان- عن استخدامها في علاقتها مع طالبي التمويل.

ونتعرف على الأسباب من أقوال الإقتصاديين والعاملين في هذا المجال:

واقع التمويل بالمشاركة في البنوك الإسلامية العاملة في السودان- للدكتور عابدين سلامة- ص59-70 مجلة البنوك الإسلامية عدد71.

جاء في البحث: ”هناك رغبة للبنوك الإسلامية العاملة للعمل وفق صيغة المرابحة لما في ذلك من ضمان أموال المودعيين  من أن تتعرض لمخاطر المشاركة.

وفي مجال المشاركة في القطاع التجاري جاء: وبعض هذه الحالات تؤكد ما توصل إليه الباحثين من أن بعض العملاء يلجأ إلى التحايل في بيع البضاعة بسعر وإظهاره في فاتورة صورية بسعر آخر أو محولات تدوير المبلغ والاستفادة منه لمصلحة العميل فقط دون اشراك البنك أو محاولة حجب النواحي المالية والإدارية من البنك واخفائها والإنفلات الزمني للعمليات ويكون للعميل ضلع كبير فيه وللباحث صاحب الدراسة المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات الحالة التي استعرضناها وما توصل إليه بعض المفكرين في هذا المجال إذ أوضحوا أن ضعف القيم ووالأخلاقيات في المعاملات قد ضيق من تعامل البنوك الإسلامية على أساس المشاركة والمضاربة واتجهت كما شاهدنا من المعلومات الاحصائية التي استعرضناها إلى المرابحة حيث لا حاجة لها إلى فحص حسابات العميل“.

وجاء في البحث: ضيغ التمويل الاسلامي للدكتور سامي حمودة مجلة البنوك الاسلامية ص40

ص42: ”فالخلط بين الامواال في عقود المضاربة الشرعية لا يجوز بعد بدء العمل حتى لو كان بين ذات المتعاقدين رب المال المضارب، لأن كل عقد يستقل بحكمه بحيث لو وجد عقدان ربح الاول وخسر الثاني فان الخسارة في العقد الثاني لا تنزل من الربح المتحصل في العقد الأول، ولو حصل ذلك لكان فيه إهدار لحق العامل في المال.

كما ان طريقة قسمة الارباح المقترحة  لا تتفق مع الاصول والقواعد الفقهية المتفق عليها في المضاربة حيث يفترض في قسمة الربح في المضاربة تنضيض المال اي اعادة رأس المال نقوداً كما كان لكي يسترد رب المال كامل رأس المال إذا سلم مع نصيبه من الربح، ويأخذ المضارب حصته من الربح بحسب ما كان قد أتفق عليه من أبتداء العمل في المضاربة وهذا هو نصيب البنك الاسلامي من الربح الذي يدخله في ميزانيته ويطرح منه مصاريفه ورواتب موظفيه وسائر نفقاته.

 

أما بالنسبة لما يفعله االبعض من البنوك الاسلامية من ناحية تنزيل النفقات ورواتب العاملين في البنك ممن لهم علاقة بأعمال المضاربة ومن ليس لهم علاقة بذلك ثم يعطى للمودعين المستثمرين ما يقرره مجلس الادارة من ارباح فان ذلك التصرف يخالف القواعد الفقهية للمضاربة الشرعية.

وإذا كان تطبيق القواعد الخاصة بعقد المضاربة بصورتها الواردة فى المؤلفات الفقهية أمر متعذر عملياً في المؤسسات المصرفية، فإن الحل لا يكون بالتغاضي عن التقيد بتلك الشروط والأحكام الفقهية، وإنما يكون الحل بالتبصر فيما يلزم تقريره من أحكام لهذا الوضع الجديد.

وان الحل الذي رأيناه يمثل في الحاجة إلى استحداث عقد جديد له خصائص متميزة عن عقد المضاربة الفردية حيث يحكم هذا العقد علاقات المضاربة المشتركة بكل ما تحتويه من عناصر التعدد في المشاركين وأحكام الاستمرار فيما لا تتم تصفيته من الأموال الداخلة مع المستثمرين“.

ص47: ”ذلك أن البنوك الاسلامية- برغم نجاحها الكبير في اجتذاب المدخرات الوطنية في البلاد التي وجدت فيها- مازالت غير قادرة على إيجاد الوسائل الاستثمارية المناسبة لتوظيف السيولة الفائضة لديها والاسهام في انتقال روؤس الاموال الاسلامية داخل بلاد العالم الاسلامي. وليس هناك من اسرار يفضي بها عندما نقول بأن البنوك الاسلامية تعتمد إلى حد كبير على الاسواق المالية العالمية في أوربا وأمريكا لاستثمار فائض السيولة لديها في اسواق السلع الدولية وتمويل التجارة العالمية. وبذلك تكون البنوك الاسلامية قد أسهمت من غير قصد في استنزاف المزيد من ثروات العالم الاسلامي تاركة بلاد المسلمين تحت وطأة الحاجة للمال الذي يخرج ولا يعود“.

ويقول الشيخ صالح كامل في مجلة التجارة عدد شوال 1410هـ: ”أين هو المسلم الأمين الذي نأتمنه على أموال الناس“.

وقد خرجنا من هذا البحث أن المضاربة- كما وردت في كتب الفقه- هي عقد رائع وصالح للتطبيق العملي، ويحمل في أحكامه ما يكفل الحماية لأطراف العقد وضمان العدل في توزيع منافعه. وأن القاعدة العامة في المصروفات التي تكون من مال المضاربة: إن ما يصرف من مالها هو ما يعاوض به الغير فتدفع إلى أطراف أجنبية عن العقد مقابل معاوضات لا مقابلات، إلا بالإذن في حالة المقابلات كالمشاركة والمضاربة، ولا يجوز للعامل أن يأخذ من رأس المال سواء أكان بعوض أم بدون عوض، إلا في حالة النفقة في السفر أو الحضر، وبالشرط فقط في الحضر.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

العـمـل

جاء في مقال الدكتور مشعل دخيل المشعل في مجلة البنوك الإسلامية: يعرّف الخطيب العمل بأنه: الجهد الذي يبذله الإنسان لتحوير وتبديل طبيعة أو استخدام شيء ما. هذا العمل قد يكون جسديا ويعتمد على القوة العضلية مثل عمل المزارع في الحقل , أو ذهنيا بالدرجة الأولى مثل عمل مراجع الحسابات أو الكاتب, وقد يكون الجهد خليطا من الاثين الجسدي والعقلي ومثال ذلك عمل الطبيب الجراح.

ويعرف المصري العمل بأنه مجموع الجهد الإنساني عقلي أو بدني أو كلاهما لخلق منفعة اقتصادية أو لزيادة قيمة شيء موجود أصلاً .ويعرف الشرباصي العمل في قاموسه بأنه خلق الشيء . (عدد69ص56)

فالعمل المنتج هو جهد إنساني – عقلي بالدرجة الأولى- وقد يستخدم فيه القوة العضلية وما سبق خلقه بجهد إنساني من امتدادات للقوة العضلية والقوة العقلية – وينتج عنه تبديل لحال الأشياء المخلوقة أو إضافة لموجود.

فالنجار يبدل بعمله الخشب إلى منضدة، والحفار يبدل حال الأرض؛ فيخفض جزءاً منها فيرتفع جزء آخر؛ فالعمل لا ينقص ولا يزيد شيئاً في هذا الكون؛ فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في كونه، لا شيء ينفى وإنماء يتحول من صورة إلى أخرى، إلا أن العمل المنتج يخرج المنافع المكنونة في الأشياء بتبديل حالها أو تبديلها وتجميعها، أو أن يكون العمل ذاته مقصوداً كالخدمات أو الفنون التي تضيف إلى سعادة الآخرين.

وحتى الآلة التي تعمل بالعقل الالكتروني بدون سائق تحتاج إلى من يبرمجها على العمل، ولا يخلو عمل من القدرتين العقلية والبدنية، وإن أمكن تقليل الأخيرة إلى الحد الأدنى لها.

وليس في قدرة العمل أو الفكر الإنساني خلق شيء جديد؛ فالخلق يستوجب أن يوجد الشيء من لا شئ. وهذا من صفات الله سبحانه وتعالى وحده، وما يقصد من الخلق هنا إنما هو تبديل طبيعة الأشياء؛ فيصنع شيئاً جديداً من الطبيعية المخلوقة، والتي سخرها الله للإنسان، والإنسان يقدر على استخراج المنفعة المكنونة أو استخدام الموارد والقوانين الطبيعية لما فيه منفعته، ومن صفات الكون الثبوت الكلي والتغير الجزئي الدائم، فكل زيادة يقابلها نقصان، وأنعم الله على الأرض فكانت تأخذ في هذا الكون ولا تعطي، تأخذ من الشمس طاقة مستمرة بقدر. وكان من صفات الأشياء التغير، منها ما تحسبه جامداً وهو متغيراً بمعدل بطئ، ومنها ما يتغير كل يوم، وله دورة من الوجود إلى النماء إلى الأُفول، ومنها ما يكون نماؤه طبيعي، ومنها ما يحتاج إلى بذل الجهد والعمل، وإنماء الأشياء من عمارة الأرض إلى الزراعة إلى نماء المال بكل صوره وغيرهم، هو ما يتحصل بالعمل المنتج.

وقد حلل الإسلام  لمالك المال الحق في إنماء ماله، سواء كان هذا النماء طبيعياً أو ناتجاً عن العمل، فإن كان النماء طبيعياً… كان له كل نمائه بالضمان، أي بتحمله وحده النتيجة المترتبة عن هذا الإستثمار؛ فإن هلك المال فعليه وإن نما فله، أما إذا كان النماء لا يتحصل إلا بالعمل، فإن عمل الرجل في ماله فنما استحق نماء ماله لقاء المال والعمل الذي قام به بنفسه، وإذا دفع المال لغيره ليعمل فيه مضاربة… اقتسما النماء الذي حصل بالمال والعمل، ويكون كسب كل منهما حلالاً ؛ لأنه نظير عوض، هذا لقاء ماله الذي نما وبالضمان أي بتحمله الخسارة إذا اصاب المال وضيعة؛ وذاك لقاء العمل… فإن دفع له أجراً صار أجيراً، فلا يطيب لمن أخذ الأجر الربح فوق ما أخذ من الأجر إذا كان الربح دون عوض.

والعمل الإنساني قد يصدر عن العامل وحده، وقد يصدر عن العامل وما يملكه فيشمل قدرته الفكرية والبدنية، وقدرة الآلة المضافة إلى قدرته العضلية، أو قدرة الكمبيوتر المضافة إلى قدرته العقلية، أو كل هذه القدرات معاً؛ مما يمكن أن نطلق عليه قدراته الممدتة.

وليس الإنسان وحده الذي يعمل، فالآلة تعمل والكمبيوتر يعمل، وكل منفعة تقاس على العمل إن استحقت الأجر؛ فالعمل والمنفعة يلتقيان في أن كلاً منهما يمكن أن يكون العوض فيه هو الأجر، أو المشاركة في النماء إن اجتمعا في عامل وآلة ونتج عنهما إنماء مال.

فإن ضارب العامل فإنه إما يضارب بفكره فقط، أو بفكره وقوة بدنه، أو بقدراته الممتدة الشاملة لما يملكه من أعيان لها منافع.

عمل المضارب في عقد المضاربة

عامل المضاربة هو من يملك القدرة على القيام بأعمال أغلب الظن أن ينتج عنها نماء رأس المال النقدي، ويكون من أثر هذا العمل تبديل المال من حال إلى حال أكثر من مرة حتى يعود إلى حالته الأولى… فإن كثر عما كان عليه فيكون نما، وإن قل يكون قد أصابته وضيعة، وقد فصل الفقهاء هذه الأعمال – وهم قد حصروا المضاربة في التجارة – كما يلي:

ما يقوم به المضارب من عمل، وما له، وما عليه يكون بما جرت به عادة التجار.

جاء في الفقه الحنفي  في المبسوط: وله أن يستأجر معه الأجراء  يشترون ويبيعون، ويستأجرون البيوت والدواب للأمتعة التي يشتريها، لأن ذلك من صنع التجار، فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح، وللمنافع حكم المال عند العقد، والإجارة والاستئجار تجارة من حيث أنه مبادلة مال بمال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 88): ”وله أن يستأجر من يعمل في المال لأنه من عادة التجارة وضرورات التجارة أيضاً لأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه“.

وجاء مثله الفقه الشافعي في مغني المحتاج من أن العامل يتولى ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه كنشر الثياب وطيها وذرعها، وان ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه،
وما لا يلزمه يستأجر عليه من مال القراض.

وجاء في الفقه المالكي في الدردير الكبير: وعليه أي العامل ما جرت العادة أن يتولاه كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر في ماله ان استأجر على ذلك، لا في مال القراض ولا في ربحه. وإلى هذا ذهب كل من الحنابلة والإمامة والزيدية.

 وجاء عند الحنابلة في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، من نشر الثوب وطيه وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده، وشد الكيس، وختمه وأحرازه في الصندوق ونحو ذلك. ولا أجر له عليه، لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك فالأجر عليه خاصة. لأن العمل عليه فأما ما لا يليه العامل في العادة، مثل النداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل عمله،  وله أن يكتري من يعمله. نص عليه أحمد. لأن العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف. فإن فعل العامل ما لا يلزمه فعله متبرعاً فلا أجر له، وإن فعله ليأخذ عليه أجراً فلا شيء له أيضاً في المنصوص عند أحمد، وخرج أصحابنا وجهاً: أن له الأجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه، هل له أجر لذلك؟ على روايتين. وهذا مثله، والصحيح: أنه لا شيء له في الموضعين. لأنه عمل في مال غيره عملاً لم يجعل له في مقابلته شيء فلم يستحق شيئاً كالأجنبي“.

وجاء في فقه الشيعة الإمامية في شرائع الأسلام (جزء 5 ص137): ”أن العامل إذا أذن له رب المال في التصرف تولى باطلاق الاذن كل ما يتولاه المالك من عرض القماش والنشر والطي وإحراز المال، وقبض ثمنه، كما يقوم بإيداع المال واستئجار من جرت العادة كالدلال والوزان عملا بالعرف“.

وجاء في فقه الشيعة الزيدية في الروض النضير (جزء 3 ص 646): ”أن للعامل أن ينفق من مال القراض ما يحتاج إليه المال من كراء أو جباء وأجرة دلال وغير ذلك مما تتطلبه التجارة ويقضي العرف به“.

فالعامل إذا استلم رأس مال المضاربة… تصرف فيما يتصرف فيه التجار عادة، فله أن يشتري به البضاعة التي يرى الخير في المتاجرة بها، وله أن يستأجر العمال والمخازن ووسائل النقل وكل ما  تحتاجه التجارة وما يتم به نجاحها. أما ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه… فعليه أن يقوم به بنفسه، وليس له أن يستأجر لذلك الأجير، وذلك كاستلام البضاعة وعرضها وتنظيمها وبيعها وتصديرها، وتحرير العقود وإيداع الأموال وغيرها مما جرت عليه العادة. فإذا استأجر لهذه الأعمال عاملا، وكان بوسعه أن يقوم بها بنفسه، لزمته الأجرة من ماله الخاص، أما ما لا يلزمه من العمل… كان له أن يستأجر عليه من مال المضاربة، وقد اتفق الفقهاء السابقون على هذا.

وقد وصف الفقهاء هذه الأعمال من باب التوضيح لا الحصر وحددوها بكل ما جرت العادة عليه، وجاء في وصفهم ما يلي: نشر الثياب وطيها وذرعها وعرضها على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده وشد الكيس وإحرازه في الصندوق وإيداع الأموال ونحو ذلك، وكل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، وأن ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه، وإن استأجر على  ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربح القراض.

ووصف الفقهاء أيضاً ما يحق له أن يستأجر، أو يستأجر عليه من مال المضاربة، من باب التوضيح أيضاً لا من باب الحصر: الإجراء ممن يشترون ويبيعون، والبيوت والدواب والسفن، والدلال والوزان وغير ذلك مما لا يلزمه من العمل، أو لا يمكنه بنفسه، وتتطلبه التجارة ويقضي به العرف.

ومن الواضح أن الأعمال التي على المضارب أن يقوم بها بنفسه، هي ما جرت العادة عليه، و ما يلزمه من العمل، وهذا يعني أن على المضارب أن يقوم بنفسه بالأعمال التي جرى العرف أن يقوم بها التاجر ويقدر أن يقوم بها بنفسه، وأن يقوم بنفسه أيضاً بالأعمال التي اتفقا في العقد على أن يقوم هو بها وربما في حدود هذا العرف. وهو إن استأجر من يقوم على أي من هذه الأعمال … يكون الأجر في ماله وليس في مال المضاربة أو ربحها، أي إن مسؤولية هذه الأعمال تقع على عاتقه وحده والعوض له عليها من ربحه؛ أي من ربح العمل.

ومن عادة التجار العاملين في سوق معينة  أن يكون لهم متجر وربما ناقلة ومخازن، وقد تكون المضاربة مع شركة تجارية تملك متاجر متعددة وسيارات ومخازن، وقد نتج عن امتلاكها هذه الأعيان زيادة قدرتها على التجارة الناجحة فتوجه إليها أرباب الأموال.

وما جاء عن الفقهاء فيما سبق، بما يتعلق بمبادلات بين العامل وطرف أجنبي عن العقد، ولم يصرح إذا كانت الأجرة على العمل أو المحل أو وسيلة النقل تجوز لأحد طرفي المضاربة، من صاحب مال أو عامل، ونعلم من مضاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بمال السيدة خديجة رضي الله عنها، أنها أرسلت معه غلامها ميسرة ليساعده، وقد نجزم أنها لم تأخذ من مال المضاربة أو الربح أجر عمل ميسرة. وكما ورد في المضاربة… فإن رب المال يجوز له المساعدة برضى العامل من قبيل الإعانة، رب المال قد يدفع بآلة أو بمتجر أو بعماله تطوعاً؛ فإن طلب أجر المثل… كان هذا اشتراطاً على المضارب قد تفسد معه المضاربة، وعوض رب المال عما دفع إلى المضارب يكون في الربح، فلهما أن يتفقا على نسب توزيع الربح بينهما، فإن دفع رب المال مساعده أو داراً أو آلة وكانت للمضارب حاجة لها وقبل بها؛ يكون لرب المال من الربح أكثر مما يكون له، لو لم يدفع سوى رأس المال… فإن تطوع فالربح سيكثر على أي حال لتطوعه.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 86): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً، ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال أو يسكن رب المال دار المضارب فهذا لا يجوز، لأنه إذا شرط البيع في أحد  الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان ولم يعقد على منافع الدار“.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه داراً ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز. نص عليه أحمد في رواية صالح، وإن استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته ففيه روايتان. إحداهما الجواز لأن ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز أن يستأجر له الحيوان كمال الأجنبي. والأخرى لا يجوز لأن هذه لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك، لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر، فإذاً لا تجب الأجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيهما إيقاع العمل إنما توجب الأجرة بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه“.

وجاء في نفس المرجع السابق في باب المساقاة ص 404: ”وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الإستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة لم يصح لأن العمل عليه فإذا شرط أجره من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول. ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم، لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كمسألتنا“.

ولو نظرنا إلى العامل الذي يمتلك دابة أو وسيلة نقل أو دكاناً ودور ومخازن، ويريد استعمالها بدلاً من أن يستأجر من طرف أجنبي، فهذه يمكن تصور عوض منافعها كرأس مال مشارك به، أو كأجرة أو كنصيب من النماء.

أولاً – عوض المنافع كرأس مال مشارك به:

ما تقدمه هذه الأشياء إلى المضاربة منافع، والمنافع لا تصلح أن تكون رأس مال، إلا أن تكون مشاركة منافع. والمضاربة فيها رأس مال مدفوع، ولا تصلح مشاركة المال مع المنافع كرأس مال؛ لأن رأس المال يمكن أن ينقص، بينما تبقى أعيان هذه المنافع على حالها، وخسارتها محدودة بما يستهلك منها، وإن قيل إن المشاركة في رأس المال تكون في هذا القدر، يصعب تحديد قيمة هذا القدر وقت التعاقد، إلا أن تحدد بأجر المثل، وأجر المثل فيه ربح ولا تصح لأحدهما أن ينال شيئاً من الربح قبل القمسة.

والأجر لقاء منفعة غير موجودة وقت التعاقد، ويشترط استيفاؤها لتستحق الأجرة، والأجرة لا تملك بعقد الإجارة عند الأحناف، قال أبو حنيفة ومالك رضي الله

عنها: ”أنها تجب جزءاً جزءاً بحسب ما يقبض من المنافع“.

والاجارة عقد يشترط فيه معرفة المنفعة وبيان مدتها أو العمل المطلوب وتكون إما بشرط تجصيل الغاية المقصودة، وإما بضرب الأجل، وهذا لا يتحقق في عقد المضاربة لأن العمل في المضاربة مجهول وقت التعاقد وليس مقصوداً لذاته، والغاية في المضاربة هي نماء المال، وهذا مجهول أيضاً.

والاجارة عقد لازم عند الجمهور – إلا الأحناف – وليس لأحد الطرفين فسخها، والمضاربة عقد غير لازم، وليس من المنطق الصحيح الجمع بين عقد غير لازم وعقد لازم.

ولكل ما سبق… لا يصح أن تكون المنافع رأس مال للمضاربة.

ثانياً- عوض المنافع كأجرة في عقد إجارة:

الإجارة هي عقد بيع منفعة، وقد أشرنا في المضاربة إلى شراء العامل من مال المضاربة، والمضارب وكيل، البيع وجه خأخرأ×رأ×رأخر للشراء، وكما جاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لآن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة وبين الغرضين مضادة“.

وهي إن كانت أجرة، تستوفى من مال المضاربة أثناء العمل، فيكون العقد إما بين المضاربة – ككيان منفصل له شخصية إعتبارية – والعامل، أو بين رب المال والعامل، والأغلب ألا تصح في الحالتين لما يلي:

‌أ-   إذا كان عقد الاجارة بين المضاربة والعامل… فإنه يشترط فيه الايجاب والقبول، وهذا يدور بين الوكيل- له مطلق الحرية في التصرف – ونفسه، فلا يصح، جاء في كتاب ضوابط العقود للدكتور عبد الحميد البعلي (ص107-108):

”الأصل في العقود التي لا تتم إلا بتوافق إرادتين أن يتعدد العاقد. ويضيف الدكتور البعلي: أما ما عدا عقد النكاح من عقود المبادلة التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين فالاًصل فيها كما سبق تعدد العاقدين لأن الحقوق فيها ترجع إلى العاقد سواء أكان يعقد بالأصالة أم بالنيابة وهي حقوق متقابلة في زمان واحد والقول بغير ذلك يؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلما وطالبا ومطالبا وهذا محال، ولذا لا يصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً من الجانبين في البيع وشباهه، ويصلح رسولاً لأن الرسول لا تلزمه الحقوق، وكذلك يصح أن يتناول القاضي العقد من الجانبين لأن الحقوق لا ترجع إليه. ويضيف الدكتور البعلي استثناء الفقهاء شراء الأب مال ولده لنفسه وبيع ماله من ولده، والوصي المختار من الأب أو الجد إذا عقد لنفسه من مال اليتيم إذا كان فيه نفع ظاهر وإلا فلا ومنعه محمد من الحنفية لأن القياس يمنع ذلك“.

‌ب- وبفرض أن الإتفاق على عقد الاجارة يتم بين رب المال والعامل… فمن طبيعة الإتفاق توفر الإرادة الحرة والقدر على المساومة، بينما لا يحق لرب مال المضاربة التدخل في قرار العامل، سواء أكان في وصف العمل أو تحديد المنفعة أو الغاية أو بيان المدة. والعامل له مصلحة في زيادة الأجر كمؤجر، وله أيضاً مصلحة في انقاصه كمضارب ليزيد ربح المضاربة الذي له فيه نصيب، وفي هذا تضاد مصالح. بينما رب المال مصلحته في تقليل الأجر، لزيادة ربح المضاربة من جهة، وخوفاً من هلاك ماله من جهة أخرى، وهو في الأغلب لا يملك خبرة المفاوضة والاستئجار، وبدفعه المال مضاربة… قد أسلم هذه الأمور إلى العامل معترفاً بحذقه ومهارته.

فإن اتفقا على الأجر… فسيكون نظير المدة لأن العمل مجهول، فيكون كذا في الشهر أو في اليوم. وعقد الاجارة وهو عقد بيع منافع، ومن طبيعته تأجيل استيفاء المنفعة لأنها تتحقق خلال مدة العقد، ويشترط لاستحقاق الأجر استيفاء المنفعة أو تسليم العين مشتملة على المنفعة، فيكون على رب المال- الطرف المستأجر- استيفاء المنفعة، وهذا سيعطيه حق الإشراف للتأكد من الحصول على المنافع، وهذا لا يجوز في عقد المضاربة وقد يؤدي إلى النزاع.

وهو إن رأى أن يستأجر غيرها مما هو أقل منها تكلفة يكون هذا تدخلاً في عمل المضارب لا يصح منه في عقد المضاربة، وماذا لو كانت العين المستأحرة مشتركة مع الغير كجزء من متجر، لا ينضبط الأجر فيه إلا بتحقق الغاية، ورب المال لا مقصد له إلا النماء، فإن حددا الغاية… فالعامل من يقرر تحققها إلا أن تكون في النماء.

‌ج- وفي الأجر ربح للعامل، ولا يحق لأحدهما أن ينال ربحاً من المضاربة قبل القسمة، وقد يكثر ما يؤجره العامل للمضاربة ويكثر ربحه منه؛ فيعادل أو تفوق أهميته للعامل أهمية ربح المضاربة عنده، فيقل الدافع لديه لتحقيق أعلى ربح للمضاربة. وهو أن أستأجر من نفسه… فإنه قد يتغاضى عن بعض العيوب التي قد تبطأ العمل والتي قد تظهر فيما استأجر، كوسيلة النقل أو الدابة.

ومنع أو كره الإمام مالك اجتماع القراض والإجارة؛ مما يمكن الاستدلال عليه في ما جاء في كتاب فقه المضاربة(ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الإستذكار، للإمام ابن عبد البر: قال مالك: ”لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحداهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الاجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجرا لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل، لان المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً أجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لانه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة ولا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

ويضيف السرخسي في ص 150: ”ولذلك إذا شرط ذلك الأجر لعبد له يعمل معه في المضاربة أو لبيت يشتري فيه ويبيع، فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ولا لبيته، لان المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا، ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون، وعبد المضارب الذي لا دين عليه كسبه لمولاه فالمشروط  له من الأجر كالمشروط للمضارب. ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين أو كان مكاتب المضارب أو ولده أو والده فهو جائز على ما اشترطا، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا لانه من كسب هؤلاء كالأجنبي وله أن يستأجرهم للعمل معه، ويكون أجرهم في مال المضاربة، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة. وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطاً فاسداً. ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه، فهذا شرط فاسد لان عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه، ولو شرط عمل رب المال معه باجر لم يجز ذلك ولا أجر له فيما عمل فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه والربح بينهما على الشرط، لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال وهنا الشرط لايعدم التخلية فان العبد أجير المضارب ويد الأجير كيده“.

وجاء في مفتاح الكرامة(جزء 7 ص 448): ”ولو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق أجرة“.

جاء في روضة الطالبين للإمام النووي (جزء 5 ص 135): ”ثم ما عليه أن يتولاه، لو استأجر عليه فالأجرة من ماله، وما ليس عليه أن يتولاه له أن يستأجر عليه من مال القراض. ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له“.

وجاء في حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج (جزء 6 ص 97): ”وما لا يلزمه من العمل له الاستئجار عليه من مال القراض لانه من تتمة التجارة ومصالحها، ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له. وما يلزمه عمله إن استؤجر عليه تكون الأجرة من ماله“.

ثالثاً – عوض المنافع كنصيب من النماء:

فكر وعمل عامل المضاربة هو منفعة يقدمها لقاء عوض مجهول، هو نصيبه من ربحها، أي إن منفعة المضارب ومنفعة عمله يقاس عوضهما بجزء من النماء، وليس بالأجر لأن العمل مجهولاً وليس مقصودا في المضاربة وإنما المقصود فيها هو النماء. فإذا قدم أحدهما ألة أو داراً… يمكن أن تقاس قيمتها بمقدار النماء الإضافي الذي تحققه هذه العين في رأس المال، وهذا النماء الإضافي- هو في الحقيقة- قيمة المنفعة مضافاً إليه نسبة نماء رأس المال؛ لأن توفير المنفعة للمضاربة وفر مال المضاربة الذي كان سيدفع للغير لقاء هذ المنفعة فاشترى به بضاعة أكثر ربحت مثل نسبة ربح مال المضاربة؛ أي إن أثر هذه المنفعة كان في شراء أكثر وتبعه ربحه، لآن رب المال لم يدفع أو يضمن هذا الجزء من المال… فلا يجوز له شيئاً منه أو من كسبه، ولأن الشراء تحصل من منافع أعيان العامل وهي مال، والعمل منه… فإن النماء الإضافي كله له.

وهذا يختلف عن بعض مشاركات المنافع التي وردت عند الحنابلة، مثل مشاركة الدابة ومن يعمل عليها والشبكة ومن يصطاد بها، فليس في هذه المشاركات رأس مال نقدي يعاد إلى صاحبه وإنماء يقتسمان الرزق كله بينهما.

ويمكن معرفة نصيب هذه الالة أو الدار من الربح كجزء منه، بإجراء دراسة الجدوى الاقتصادية المقدمة من قبل العامل بعد الاتفاق على بنودها، مرة بإدراج الالة بفرض استئجارها من الغير، ومرة دون احتساب أجر لها، والفرق في الربح يعود لها فيحتسب كجرء من الربح الكلي ويخصص للعامل.

ومما سبق… نجد أن لعقد المضاربة طبيعة خاصة والأسلم أن يكون عوض العامل عن منافع أعيانه كنصيب من الربح لا كأجر ولا كرأس مال. وهذا سيقلل الخلاف لأن محاولة تقدير قيمة منافع هذه الأعيان- بالإضافة إلى ما سبق ذكره- قد يتسبب في كثير من الإختلاف أو الغرر أو الغبن بأحدهما؛ لأن هذا التقدير سواء كان كرأس مال أو كأجر… سيتعين على رب المال دفعه من ماله إن لم تحقق المضاربة ربح، وقد يفوز المضارب من المضاربة بمال بينما يصيب مال المالك وضيعة، وهذا سيدفع رب المال عند التعاقد إلى تخفيض هذا التقدير إلى أقصى حد قد يكون فيه غبن للمضارب المحتاج، وربما قد يعطي الحجة لرب المال أن يمارس نوعاً من الإشراف للتأكد من استيفاء المنافع فتفسد المضاربة أو يلحقها الضرر، وقد يقبل العامل مجبراً هذا الخفض في قيمة منافع أعيانه لحاجته للمال، فإن كان الربح وفيراً… لم يناله العوض الصحيح. أما إذا كان هذا التقدير كجزء من الربح… فلن يتشدد رب المال بنفس الدرجة التي كان سيتشدد بها لو كان سيدفها من ماله، ويتوفر عند العامل الحافز الأقصى لتحقيق الربح والذي منه عوض عمله وعمل أدواته وأعيانه، والحافز من العناصر المهمة التي تقوم عليها فكرة المضاربة.

ونلاحظ أن الفقهاء قد اعتبروا عوض عمل البائع في عقد المرابحة في الربح، جاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، للدكتور عبد الله العبادي(ص190): ”أما ما يرى الفقهاء إضافته إلى رأس المال الأصلي في بيع المرابحة فانهم متفقون على أصل الإضافة لرأس المال من نفقات وإن اختلفو في الشيء الذي يضاف أو لا يضاف.

ويوضح ابن رشد(الحفيد) ذلك. بأن تحصل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائداً الثمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم يعد أصل الثمن ويكون له حظ من الربح، وقسم لا يعد أصل الثمن ولا يعد من الربح. فاما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثراً في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ، وأما الذي يحسبه في رأس المال، ولا يجعل له حظ من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد الى بلد وكراء البيوت التي توضع فيها، وأما ما لا يحتسب فيه الأمران جميعاً فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد.

كما أوضح النووي أن البائع إذا قال بعت بما قام على انه يدخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والدلال والحمال والحارس والقصار والرقاء والصباغ، وقيمة الصبغ وأجرة الختان وتطبين الدار، وسائر المؤن التي تلزم الاسترباح.

وذكر الكاساني ان مما يلحق برأس المال مرابحة أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط، والسمسار وسائق الغنم والكراء“.

ومما سبق نجد أن الفقهاء لم يدرجوا قيمة عمل البائع في رأس المال والذي وفقا لمذهب مالك، يتكون من جزءين:

أصل الثمن؛ وهو ثمن الشراء، وما كان مؤثراً في عين السلعة، ويحسب الربح المتفق عليه على هذا الجزء فقط.

ما لا يؤثر في عين السلعة، ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه؛ أي يستأجره من الغير أو يستأجر عليه كالنقل والبيوت وغيرهم، وهذا لا يجعل له حظاً من الربح.

ولا شك أن الفقهاء لم يخف عليهم أن لعمل البائع قيمة، إلا أنهم – والله أعلم – قد فضلوا أن يكون العوض عن عمله في الربح الذي سيناله على أصل الثمن، فهم لو جعلوا له أجراً عن عمله يضاف إلى رأس المال… يصبح أجيراً عند المشتري، فلا يحق له الربح، فهو إن حق له الأجر عن عمله وفكره فيكون ربحه زيادة بغير عوض، وهذا يعارض قواعد الاقتصاد الإسلامي. أضف إلى هذا أن المرابحة مبادلة مبنية على الثقة وأمانة البائع، وهو يعرف بالتحديد قيمة ما دفعه إلى الغير، أما قيمة عمله… فهذا يعود إلى تقديره هو، وقد تكتنفه الجهالة، وهذا لا يصح في عقد يفترض الاتفاق فيه على نسبة الربح فقط، والغرر من الأمور الواجب الابتعاد عنها في العقود فلا تتعدى الغرر اليسير إذا لم يكن في الإمكان إنتفاؤه كلية.

ومما سبق… نجد أن الفقهاء – ونلاحظ أن النووي والكاساني، لم يذكرا قيمة عمل البائع في المقتبس من قولهما أعلاه –  في الأظهر لم يسمحوا للبائع في عقد المرابحة أن يحسب لنفسه أجرا عن عمله، وجعلوا عوضه عن هذا العمل من الربح.

منافع رب المال:

جاء في المغني (جزء 5 ص 29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه، ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

ويتوقع أن يكون نصيب رب المال الذي يدفع مع ماله غلامه ودابته، أكثر من نصيب من لم يدفع سوى ماله، أما القول بأن الربح سيصبح أوفر في الحالة الأولي؛ فينال رب المال الأول أكثر من نفس الجزء… فهذا قد لا يعبر تعبيراً صحيحاً عن حقيقة المعاملة، التي هي من المقابلات.

فلو دفع رجل بألف دينار إلى من يعمل عليها، فاستأجر عاملاً وبهيمةعلى ما لم يلزمه من العمل بمائة، واشترى بتسعمائة، فباع المشتري بألف وثلاثمائة وخمسين أي ربح النصف على ثمن الشراء، وكان الفائض بينهما بالنصف… يكون لكل منهما مائة وخمسة وسبعين.

ولو دفع إليه ألفاً وغلاماً وبهيمة بدون شرط، وكان العامل ليستأجرهما من المال على ما لم يلزمه من العمل؛ فاشترى بالألف، وباع بألف وخمسمائة يكون لكل منهما مائتين وخمسين؛ فيكون العامل قد نال خمسة وسبعين، لا مال له فيها ولا عمل.

فإن قيل إن رب المال تطوع بهذا فالأولى الجواز؛ فإن لم يكن متطوعاً… فله في النماء أكثر من النصف؛ فإن احتسبا- كمسألتنا- يكون له خمسة وستون من المائة في الربح، وللعامل خمسة وثلاثون في المائة منه، ولهما أن يتفقا كما يشاءا إن رغبا في ذلك.

<< previous page next page >>

الباب الخامس: المضاربة بالقدرات الممتدة

الباب الخامس

المضاربة بالقدرات الممتدة

 

الفصل الأول

قدرات العامل

مفهوم المضاربة المتعارف عليه هو أنها معاملة يدفع فيها رب المال مالاً إلى من ينميه بالعمل، وسمي الطرف الذي يستلم ويتصرف في هذا المال ”العامل“؛ لأنه يقوم بالعمل أو الأعمال التي يُتوقع أن ينتج عنها نماء المال؛ أي إن صفة هذا العمل أنه عمل بشري يتميز بالقدرة على تنمية المال. وهذا ما قصده رب المال من دفعه ماله مضاربة إلى العامل؛ فهو لم يقصد العمل ذاته فليس له غرض في هذا العمل، ولو كان يقصد منفعة العمل المباشرة لاستأجره عليه، وهو إن فعل لكان عليه وحده مسؤولية تقديم الفكر والإدارة، وهذا ليس من اختصاصه ولا في حدود قدراته؛ فالعامل هو صاحب الفكر والعمل، وهو القادر على إنماء المال، وليس رب المال.

والذي يهمنا هنا أن رب المال ليس له قصد في عمل العامل، بل وقد لا يعرف ما هو العمل المطلوب بذله لإنماء المال، ولا يقصد سوى نماء ماله، وعليه … فهو لا يود أن يقّيم ما يقدمه العامل إلى المضاربة سوى بمعيار استيفاء الغاية التي يقصدها … وهي إنماء ماله، فإن لم يحدث نماء … فهو لم يستوف الغاية التي عقد عليها ولا يكون ملزماً بعوض للمضارب؛ لأن عمله في هذه الحالة ليس له قيمة وفق هذا المعيار. والمضارب ليس له قصد في استيفاء عوض منفعة عمله عن طريق الأجر المحدد المعلوم على هذا العمل، ولم يكن له أن يقصد هذا لجهالة العمل. وإنما هو يرغب في التصرف في المال وفق ما يراه هو الأصلح، فتكون له الحرية الكاملة في التصرف لقاء جزء من النماء الذي قد يحققه، فهو يريد أن يكون عوضه بجزء من النماء يقابل جهده وخبرته. فإن كان ثمة ربح … فقد تولد عن الأصلين المال والعمل، لرب المال نصيب المال منه، وللعامل نصيب العمل.

وإذا لم يتحقق ربح … تكون قيمة العمل معدومة، ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كان فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان، الذي كان سيحلل له كسبه من النماء لو كان قد تحقق.

ويجب التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشتمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيَّمة بمعيار هذا النماء، ونماء هذا العوض – وكلاهما للعامل – ونماء المال الصافي والعائد إلى المال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيُستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال، أو يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال على المعنيين، ويُرد إلى أحد المعنيين وفق موضوعه ووفق المعنى المقصود في النص.

النفقـة

جاء في باب المضاربة أن الفقهاء أجمعوا على أن نفقة المضارب تكون من ماله مادام مقيماً، وأجازوا أن تكون من مال المضاربة أو ربحها إذا اتفقا على ذلك، وبفرض أنهما لم يتفقا على ذلك، وكانت النفقة من ماله … فإن المضارب لا يحق له اقتطاع جزء من مال المضاربة لنفسه، ولا يحق له بالتالي أن يجعل لنفسه أجراً أو معاشاً أو مصروفاً من مال المضاربة أو من ربحها، وإن كانت من مال المضاربة كره أن يعمل في مال آخر في نفس الوقت.

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 135): ”ولا أن ينفق منه على نفسه في الحضر قطعاً“.

وقاال الحنابلة في الأنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”ان دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فإنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب وإن فعل فلا شيء عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

وهذا يبين العلاقة بين النفقة والأجر فلا يستحب أن يجتمعا، والحقيقة أن النفقة سواء شرطت له أم لم تشترط … فإن قيمة منفعة عمله – مشتملة النفقة إن لم يشترط – مستحقة له بشرط الربح كما سيأتي فيما بعد.

وما جاء يعني – في المضاربة في العصر الحديث – أن صاحب العمل لا يأخذ لنفسه شيئاً ولا يحدد لنفسه قدراً يقتطعه من الربح قبل التوزيع، إلا لو اتفقا على ذلك ونحن في هذا الباب سنفترض أن رب المال لم يأذن.

وبفرض أن صاحب العمل شركة، وباعتبار الشركة شخصية معنوية ذات ذمة منفصلة تختص بها … فإن نفقتها، هي مصروفاتها التي تصرفها سواء قامت بأعمال المضاربة أم لم تقم، وهذه تشمل أجور مكاتبها ورواتب جهازها الإداري وغيرها من المصروفات الثابتة، التي على أساسها يقوم هيكلها وخبرتها وسمعتها، والتي من أجلها توجه أصحاب المال إليها. أي إن نفقة الشركة هي كل مصاريفها الإدارية الثابتة والتي لا تتغير سواء عقدت المضاربة أم لم تعقد.

والمتفق عليه في عصرنا هذا، والذي أخذ شكل العرف، هو أن تُحمل الشركة العامل جزءاً من مصاريف مكتبها الرئيسي على مشروع المضاربة بنسبة هذا المشروع إلى حجم أعمالها، وأن تدفع لنفسها من مال المضاربة أو من ربحها هذه التكاليف، وهذا من الامور التي يجب الاتفاق عليها، ويجوز لرب المال ألا يقبل تحمُلها من ماله أو من النماء، بل إن هذا يُمثل الأساس الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فالنفقة من مال العامل مادام مقيماً، إلا بشرط كما قال الحنابلة ولرب المال أن يقبل أو أن يمتنع، أي إن قبول رب المال هو ما يُشترط الاتفاق عليه.

ويجب ملاحظة أن النفقة ليست الأجور، فالنفقة هي ما يصرفه الرجل على نفسه وعلى من يعول في أمور معاشه الأساسية، والأجر في الأغلب أكثر من ذلك … فإن لم تجز النفقة، فالأولى ألا يجز الأجر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 101): ”قال أبو يوسف إذا استأجر الرجل أجيراً كل شهر بعشرة دراهم ليشتري له ويبيع، ثم دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة، فالمضاربة فاسدة والربح كله للدافع ولا شيء للأجير سوى الأجرة، وقال محمد المضاربة جائزة ولا شيء للأجير في الوقت الذي يكون مشغولاً بعمل المضاربة، وجه قول محمد أنه لما دفع المضاربة فقد اتفقا على ترك الإجارة ونقضها فما دام يعمل بالمضاربة فلا أجر له، ولأن الاجارة شركة لهذا لا تقبل التوقيت ولو شاركه بعدما استأجره جازت الشركة فكذا المضاربة، ولأبى يوسف لأنه لما استأجره فقد ملك عمله فإذا دفع إليه مضاربة فقد شرط للمضارب ربحاً بعمل قد ملكه رب المال وهذا لا يجوز، ولأن المضارب يعمل لنفسه فلا يجوز أن يستوجب الربح والأجر، ولا يجوز أن ينقض الاجارة بالمضاربة لأن الاجارة أقوى من المضاربة لأنها لازمة والمضاربة ليست بلازمة والشيء لا ينتقض بما هو أضعف منه، وما ذكر محمد أن المضاربة شركة فالجواب أن الشريك يستحق الربح بالمال والمضارب بالعمل ورب المال قد ملك العمل فلا يجوز أن يستحق المضارب الربح، ولأن الشريك يعمل لنفسه فكأنه امتنع من عمل الاجارة فيسقط عنه الاجرة بحصته والمضارب يعمل لرب المال فبقى عمله على الاجارة“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجرا عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجراً لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجراً فيما عمل، لأن المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً اجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لأنه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة لا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

وعلى ما سبق … فالنفقة على العامل ومن ماله إلا بالشرط، ونصيبه في الربح يشتمل على عوضها وقد يكون أكثر منها أو أقل؛ لأنها كمنفعة عمله مخاطر بها، فطاب له الأكثر عملاً بمبدأ الغنم بالغرم.

<< previous page next page >>

الفصل التاسع

انتهاء المضاربة

تنتهي المضاربة بإنتهاء البيع وتنضيض المال وإقتسامه أو بهلاكه، أو بإنتهاء مدتها أو بانفساخها، وتنفسخ المضاربة إما: لأسباب قهرية خارجة عن إرادة المتعاقدين أو لأسباب إرادية بإختيارهما أو بإختيار أحدهما.

أولاً : إنتهاء المضاربة لأسباب إختيارية

المضاربة من العقود غير اللازمة، التي يجوز فيها لكل من المتعاقدين فسخها متى شاء ذلك، مالم يشرع العامل في العمل، أو عندما يكون المال ناضاً، فإذا انفسخت المضاربة وكان هناك ربح … اقتسماه بينهما كما اتفقا، أما إذا لم يكن هناك ربح … أخذ المال صاحبه ولا شيء للمضارب، وقال الإمامية للمضارب أجرة مثل عمله، إن كان قد عمل، وكان الفسخ من المالك لأنه فوت على العاملة فرصة الربح.

أما إذا باشر العامل في العمل وتصرف في المال، فذهب المالكية إلى أن العقد يصبح لازماً، وجاء في بداية المجتهد (جزء 2 ص 240): ”أجمع العلماء على أن اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وأن لكل واحد منهما فسخه ما لم يشرع العامل في القراض، واختلفوا إذا شرع العامل فقال مالك هو لازم، وهو عقد يورث، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكل واحد منهما الفسخ إذا شاء وليس عقداً يورث“.

وذهب الحنابلة إلى مثل ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي، واشترط الأحناف والحنابلة أن يعلم الطرف الذي فسخ المضاربة الطرف الآخر بالفسخ … فإن عزل رب المال العامل وعلم العامل بعزله … لا يجوز له التصرف في المال وذهب المالكية والشافعية والإمامية والزيدية أن لكل منهما فسخ القراض متى شاء ومن غير حضور الآخر أو رضاه.

وجاء في الفقه الحنفي والشافعي والحنبلي أن الفسخ إذا حدث والمال عروض؛ فللعامل أن يبيعه وينضض المال، ولا يمنعه العزل عن ذلك، وليس له أن يشتري بالثمن شيئاً آخر. وقال المالكية بمثل هذا إلا أنهم قالوا ليس لرب المال أن يجبر العامل على البيع، ولكن يرد الأمر إلى ولي الأمر … فإن رأى وجه بيع … باع، فيرد لرب المال ماله وما بقى على شرط الربح بينهما، وإن لم ير وجه بيع أخره حتى يرى وجه بيع. وذهب فريق آخر إلى القول بإنفساخ المضاربة سواء كان المال نقداً أو عرضاً، ومنهم الإمامية والظاهرية وفي رأي للحنابلة والزيدية.

فإن انفسخت المضاربة والمال عروض، واختلف المتعاقدان على تنضيض المال أو عدم تنضيضه … قالت الحنابلة إن للمالك أن يأخذ بدل رأس ماله عرضاً، وليس للعامل شئ إن ارتفع سعر العرض، إلا أن يكون رب المال قد قصد بأخذه العرض الحيلة في سبيل أن يختص بالربح، فيبقى حق العامل عنده في نصيبه من الربح. أما إن لم يرض رب المال أن يأخذ العروض عوض رأس ماله، وطلب من العامل بيعه فله ذلك، ويلزم المضارب ببيعه. وقيل في رأي عندهم … لا يجبر إذا لم يكن في المال ربح، أو كان فيه وأسقط العامل حقه منه. أما لو طلب العامل البيع وأبى رب المال … فيجبر رب المال على البيع إن كان في المال ربح، ولا يجبر إن لم يكن فيه ربح. وإلى مثل هذا … ذهب الشافعية، وذهب الإمامية إلى إجبار العامل على التنضيض سواء وجد في المال ربح أو لم يوجد، ولا يجبر إلا على إنضاض قدر رأس المال. وذهبت المالكية إلى رد أمر إنضاض المال إلى الحاكم عند إختلاف الطرفين، وقال الأحناف يقوم العامل بالبيع.

وإذا إنتهت المضاربة وفي المال ديون لم تستوف بعد … فيكون العامل هو المسؤول عن تقاضي هذه الديون وعن إستيفائها، سواء ظهر له في المال ربح أم لم يظهر، وخالف الأحناف بقولهم إن لم يكن فيه ربح لم يجبر عليها.

ثانياً : إنتهاء المضاربة لاسباب قهرية

تنفسخ المضاربة بموت العامل أو جنونه، أو علم العامل بموت صاحب المال أو جنونه، وله أن ينضض المال إذا كان عرضاً، وإن كان في المال ربح، ملك العامل حقه في الربح بالقسمة.

وإن طلب الورثة من العامل أن يستمر في المضاربة … جاز ذلك عند الجمهور إن كان المال ناضاً. أما إن كان المال عرضاً … فقد منع ذلك الشافعية، وبعض الحنابلة، والأكثرية من الإمامية؛ لإعتبارهم هذا إبتداء مضاربة جديدة، واشترطوا لها أن ينضض المال، بينما أعتبر المالكية، وبعض الحنابلة والشافعية والإمامية هذه المضاربة استمراراً لنفس المضاربة الأولى، وإنها ليست ابتداء مضاربة جديدة. وكما جاء في المدونة في الفقه المالكي (جزء 4 ص 69): ”فإن مات رب المال، قال فهؤلاء على قارضهم بحال ما كانوا، أن أراد الورثة ذلك“.

وتنفسخ المضاربة بموت العامل أو جنونه … فإن كان المال ناضاً ومعروفاً، أخذ رب المال ماله وحصته من الربح؛ فإن كان عرضاً … يبيعه الورثة بإذن رب المال ويسلموا رأس المال ونصيب الربح إلى رب المال وفق الإتفاق؛ فإن لم يأذن رب المال … رفعوا الأمر إلى الحاكم، ليعين أميناً يتولى البيع.

أما إذا أراد رب المال والورثة الإستمرار في المضاربة، وكان المال عروضاً … فقد اعتبر الشافعية والحنابلة والإمامية – في أظهر القولين – هذا إبتداء مضاربة، وعليه … يجب تنضيض المال، واعتبر المالكية والحنابلة في رأي آخر لهم أن هذا يكون استمراراً للمضاربة الأولى.

أما إذا كان مال المضاربة غير معروف ومختلطاً بأموال المضارب … يكون رأس المال ديناً في تركته.

وتنفسخ المضاربة أيضاً بفقدان أهلية أحد المتعاقدين؛ لأن الأهلية من شروط العقد.

وإذا حجر على رب المال من قبل دائنيه ومنع من التصرف في جميع أمواله … فينقضي عقد المضاربة؛ لأن رأس المال من جملة ما يملكه، أما الحجر على المضارب … فلا أثر له على عقد المضاربة؛ لأن مال المضاربة ليس له.

<< previous page next page >>

الفصل السادس

تصرفات رب المال
في مال المضاربة

1- استرداده جزء من رأس المال:

اتفق الجمهور أنه إذا استرد رب المال جزءاً من رأس ماله … يكون الجزء المسترد من المال قد انفسخت فيه المضاربة، والباقي من المال هو رأس مالها.

فإن كان في المضاربة ربح أو خسارة … يوزع الربح أو الخسارة على الجزء المسترد وعلى ما تبقى من المال، وتنفسخ المضاربة في ما أخذه رب المال … فإن عمل العامل في ما تبقى من المال، لا يجبر خسران ما تبقى بربح ما استرد.

يقول ابن قدامة في المغني (جزء 5 ص 58): ”وإذا دفع إلى رجل مائة مضاربة فخسر عشرة. ثم أخذ رب المال منها عشرة. فإن الخسران لا ينقص به رأس المال. لأنه قد يربح فيجبر الخسران، ولكنه ينقص بما أخذه رب المال وهي العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم وتُسع درهم، ويبقى رأس المال ثمانين وثمانية دراهم وثمانية أتساع درهم. وإن كان أخذ نصف التسعين الباقية بقى رأس المال خمسين، لأنه أخذ نصف المال فسقط نصف الخسران“.

وفرَّق الأحناف بين أن يكون مال المضاربة نقداً أو عروضاً، فقالوا إن رب المال إن كان استرد مال المضاربة وهو مازال نقداً دون رضى العامل، فاشترى وباع وربح فقد انتقضت المضاربة والربح كله لرب المال. أما لو استرد المال بعد أن أصبح عروضاً، فباع وربح … كان الربح بينهما على ما شرطا وكان عمل رب المال من قبيل الإعانة للمضارب.

وفي رأي للأحناف أجازوا فيه أن يدفع المضارب المال لرب المال ليعمل معه فيه من قبيل الإستعانة، جاء في البحر الرائق (جزء 7 ص 268): ”ولا تفسد المضاربة بدفع المال إلى المالك بضاعة، لأن رب المال معين للمضارب في إقامة العمل، والمال في يده على سبيل البضاعة“.

إلا أن الرأي الأظهر للأحناف هو بفساد المضاربة في هذه الحالة، قال السرخسي (جزء 22 ص 85): ”وعلى قول زفر رحمه الله رده للمال على رب المال نقضاً منه للمضاربة، لأن رأس المال في المضاربة من جانب العامل عمله، ورب المال لا يجوز أن يكون عاملاً في مال نفسه لغيره، فكان ذلك بمنزله نقض المضاربة“.

2- رده للمعيب:

المعيب هو العرض الذي اشتراه العامل وفيه عيب، وقد يكون العامل على علم به حين اشتراه، ودفع فيه القيمة التي تناسبه، وقد لا يكون قد علم به؛ ولهذا … اجتمع الفقهاء على القول إن من حق رب المال رد العرض المبيع بموافقة العامل، فإن اختلفا، عملا بما فيه المصلحة، أو يحكّمان بينهما من يفصل في الأمر … فإن انتفت المصلحة، يقدم قول العامل عند الشافعية، ويقدم قول المالك عند الحنفية والإمامية.

والمالكية في سياقهم لحق العامل في رد المعيب ولو أبى رب المال، كما جاء في شرح الزرقاني: أن للعامل رده، ولو أبى رب المال. ثم اشترطوا أن يكون ثمن المشترى عرضاً وليس نقداً، وأن يكون ثمنه كل مال القراض، وعللوا ذلك بأن العامل إذا كان قد اشترى العرض المعيب مقايضة وأعاده … عاد ثمنه عرضاً، وإذا كان رأس مال المضاربة عرضاً لم يكن بوسع رب المال أخذه؛ لأن حق العامل قد تعلق فيه بعد أن تحول رأس مالها من الأثمان إلى الأعيان. والذي يلاحظ هنا هو حماية المالكية للعامل من أن يفسخ رب المال المضاربة لهذا السبب متى صار المال نقداً، وكأنهم يرون أن شراءه للمعيب مع حق الخيار في رده، لا ينقص من قدرته، ولا يستدعي أن يفسخ المضاربة من أجل هذا.

3- انتفاعه بعرض من مال المضاربة:

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمالك استعمال أي عرض من عروض المضاربة، إلا بإذن العامل … فإن أبى العامل إلا أن يدفع رب المال أجراً مقابل ذلك … كان عليه أن يدفع أجر المثل لقاء المنفعة.

4- إتلافه لشئ من مال المضاربة:

لو أتلف رب المال أو استهلك شيئاً من مال القراض … يخرج الهالك من القراض وتحسب قيمته وتضاف إليها بقية المال … فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه.

5- شراؤه من مال المضاربة:

إذا أراد رب المال أن يشتري لنفسه شيء من مال المضاربة … اتفق الشافعية والحنابلة والإمامية على أن رب المال لا يحق له شراء شيء من مال المضاربة لنفسه، وإلى هذا .. ذهب الإمام زفر من الحنفية أيضاً، وقد علل هؤلاء سبب المنع بعدم جواز شراء ماله بماله.

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 128): ”لا يجوز للمالك معاملة العامل، بأن يشتري من مال القراض شيئاً، لأنه ملكه كالسيد مع المأذون له“.

بينما قال المالكية يجوز لرب المال أن يشتري من مال المضاربة إن صح قصده بأن كان لا يريد أن يأخذ شيئاً من الربح قبل المفاصلة، جاء في شرح الدردير الكبير (جزء 3 ص 461): ”وجاز اشتراء ربه منه، أي من العامل شيئاً من مال القراض، إن صح القصد، بأن لا يتوصل به إلى أخذ شئ من الربح قبل المفاصلة، بأن يشتري منه كما يشتري من الناس بغير محاباة“. وإلى مثل هذا ذهب الحنفية والزيدية.

6- طلبه الشفعة:

الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه، وهي تملك المشفوع فيه جبراً عن المشتري بما قام عليه من الثمن والنفقات. والأغلب عند جمهور الفقهاء أن رب المال لا شفعة له إذا باع  المضارب داراً تعود للمضاربة، وإلى هذا .. ذهب الأحناف والحنابلة والإمامية، كما جاء في قواعد العلامة (جزء 7 ص 500): ”ولا يصح أن يشتري المالك من العامل شيئاً من مال القراض ولا أن يأخذ منه بالشفعة“.

7- إعطاء رب المال مال المضاربة إلى عاملين:

يجوز عند الجمهور إعطاء مال المضاربة إلى عاملين، ولا يشترط تساويهما في الربح، وليس لأحدهما أن يعمل شيئاً أو يبيع ويشتري دون إذن صاحبه.

8- بيعه مال المضاربة:

أما في أن يتصرف رب المال في عرض من عروض المضاربة كالبيع، فقد أجازه الأحناف بشرط أن يكون بمثل قيمة مثله أو أكثر … فإن كان ثمن البيع أقل … لا يجوز له ذلك إلا بموافقة العامل. وقال المالكية لا يجوز قبل أخذ موافقة العامل سواء كان البيع بمثل قيمته أو أكثر، ويرى الزيدية عدم جواز ذلك مطلقاً.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 100): ”إذا باع رب المال مال المضاربة بمثل قيمته أو أكثر جاز بيعه وإذا باع بأقل من قيمته لم يجز إلا أن يجيزه المضارب سواء باع بأقل من قيمته مما لا يتغابن الناس فيه أو مما يتغابن الناس فيه؛ لأن جواز بيع رب المال من طريق الإعانة للمضارب وليس من الإعانة إدخال النقص عليه“.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة

المضارب متصرف بالأذن فلا يتصرف في غير ما إذن له فيه كالوكيل.

ما يملكه المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف. والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضاً من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: اعمل برأيك أو كما شئت، وأخيراً هناك تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها صراحة أو يأذن بها.

أما الذي ليس للمضارب أن يعمله، فشراء ما لا يملك بالقبض ولا يجوز بيعه فيه إذا قبضه، مثل: الخمر والخنزير والميتة والدم والخبائث والمحرمات والمغصوب.

1- الشراء:

وله أن يشتري بثمن المثل أو بأقل أو بما يتغابن الناس في مثله، فإن اشترى بأكثر من ثمن المثل وبغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. ويجوز له شراء المعيب إذا رأى المصلحة فيه، ويجوز له أن يرد المشتري إذا وجد فيه عيباً، وليس له أن يشتري في الذمة دون إذن رب المال.

2- البيع:

وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير … فإن باع بغبن فاحش، فإما: يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص في الحالتين أن تعذر رد المبيع أو الرجوع على المشتري بالفرق. وهذا ما قال به الجمهور وذهب إليه الإمامان أبو يوسف ومحمد من الأحناف، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة؛ إذ جاء في الدر المختار (جزء 8 ص 288): ”ولو باع مال المضاربة بما لا يتغابن فيه أو بأجل غير متعارف جاز عند الإمام“.

ولم يجز المالكية والشافعية والإمامية للعامل أن يبيع بالنسيئة إلا أن يأذن له رب المال بذلك، وأجاز الحنابلة له ذلك إن فوَّض رب المال أمر المضاربة إليه، كقوله له: أعمل برأيك أو تصرف في المال كيف شئت. وأجاز الإمام أبو حنيفة للمضارب أن يبيع مال المضاربة نسيئة دون حاجة إلى إذن من رب المال، وإلى هذا ذهب الزيدية أيضاً.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 39): ”وفي البيع نسيئة روايتان: أحداهما: ليس له ذلك. وهو قول مالك وابن أبى ليلى والشافعي لأنه نائب في البيع لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والإحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال، وقرينة الحال تقيد مطلق الكلام فيصير كأنه قال: بعه حالاً. والثانية: أنه يجوز له البيع نساء وهو قول أبى حنيفة وإختيار ابن عقيل؛ لأنه أذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر“.

وجاء في فقه السنة في باب الوكالة (جزء 3 ص 230): ”قال الإمام أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء نقداً أو نسيئة، وبدون ثمن المثل وبما لا يتغابن الناس بمثله وبنقد
البلد وبغير نقده، لأن هذا هو معنى الإطلاق. وقد يرغب الإنسان في التخلص من بعض ما يملك ببيعه ولو بغبن فاحش“.

ويضيف المرجع السابق: ”هذا إذا كانت الوكالة مطلقة، فإذا كانت مقيدة فإنه يجب على الوكيل أن يتقيد بما قيده به الموكل ولا يجوز مخالفته إلا إذا خالفه إلى ما هو خير للموكل، فإذا قيده بثمن معين فباعه بأزيد أو قال بعه مؤجلاً فباعه حالاً صح هذا البيع. فإذا لم تكن المخالفة إلى ما هو خير للموكل كان تصرفه باطلاً عند الشافعي، ويرى الأحناف أن هذا التصرف يتوقف على رضا الموكل فإن أجازه صح وإلا فلا. وعند الحنابلة أن الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو الثمن الذي قدره له الموكل بما لا يتغابن الناس فيه عادة صح الشراء للموكل وضمن الوكيل الزيادة، والبيع كالشراء في صحته، وضمان الوكيل النقص في الثمن، أما ما يتغابن فيه الناس عادة فعفو لا يضمنه“.

وجاء في رأي في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 458): ”أن فعل العامل شيئاً مما ذكر من التصرف بالغبن أو بالنسيئة لا مع الأذن وقف على الأجازة ولا يقع باطلاً عند القائلين بجواز عقد الفضولي فإن أجازه المالك نفذ وإلا بطل“.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك كما جاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 231)، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال
ربح … فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول: ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة، سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

أما عن شراء الوكيل، جاء في المغني (جزء 5 ص 117): ”شراء الوكيل من نفسه غير جائز وكذلك الوصى. وجملة ذلك: أن من وكل في بيع شئ لم يجز له أن يشتريه من نفسه في إحدى الروايتين نقلها ههنا. وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئاً لنفسه في إحدى الروايتين. وهو مذهب الشافعي، وحكى عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما.

والرواية الثانية: عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين.

أحدهما: أن يزيدا على مبلغ مثله في النداء.

والثاني: أن يتولى النداء غيره. قال القاضي: يحتمل أن يكون إشتراط تولى غيره النداء واجباً. ويحتمل أن يكون مستحباً. والأول أشبه بظاهر كلامه. وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني: أن يولى من يبيبع ويكون هو أحد المشترين.

ويضيف نفس المرجع: وقد روي ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك فرساً فقال الوصي: أشتره؟ قال: لا“.

وجاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شئ هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لأن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الإجتهاد في الزيادة، وبين الغرضين مضادة“.

والمضارب حتى يتحقق الربح وكيل؛ فإن ظهر ربح يصبح شريكاً في المال بقدر نصيبه من الربح.

4- استدانته للمضاربة:

اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فلو اشترى سلعة برأس المال كله، ثم اشترى أكثر بثمن مؤجل أو استدان لنقلها … يكون هذا من قبيل الإستدانة، وليس من حقه أن يستدين على المضاربة دون إذن رب المال؛ فرب المال لم يضمن سوى رأس المال الذي دفع به إلى المضارب، ولا يجوز إلزام رب المال ضمان الزيادة، التي لم يرض بها أصلاً، ولأن المالك لم يضمن الزيادة … فلا يحق له شيئاً من ربحها، وليس عليه غرمها.

أما لو أذن له المالك أو فوضه أمر المضاربة بما يخول له القيام بذلك … فإن الرأي كما يلي:

أجاز الشافعية للمضارب، إذا أذن له المالك أن يشتري بضاعة، ويدفع جزءاً من الثمن والباقي دين على المضاربة، جاء في الرملي (جزء 5 ص 231): ”ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال إلا بإذن المالك“.

أما لو لم يأذن رب المال فلا يقع الزائد على مال المضاربة، ويلزمه الثمن من ماله.

ويرى الحنابلة أن رب المال لو أذن للمضارب بالإستدانة … جاز له ذلك وكان ديناً على المضاربة. أما لو استدان المضارب من غير إذن أو تفويض مسبق … فإن الشراء الزائد يكون كما يشتريه لنفسه، وكان ربح البضاعة – التي اشتراها بثمن مؤجل – له وخسارتها عليه.

وذهب الأحناف إلى عدم جواز الإستدانة إن لم يأذن المالك … فإن أذن المالك للمضارب جاز له، إلا أنهم قالوا إن ما يستدينه المضارب يكون بينهما شركة وجوه، وعلى هذا … يكون المشتري بثمن مؤجل بين المالك والمضارب نصفين، إلا إذا اشترطا غير ذلك من التفاضل في الضمان … فإن شرطاً التفاضل في الضمان … كان الربح كذلك، ويصير الثمن ديناً عليهما من غير مضاربة، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ومنع المالكية العامل أن يشتري للقراض بالدين وإن أذن له رب المال، إلا أن يأذن له أن يشتري على القراض على أنه إن ضاع مال القراض كان – أي رب المال – ضامناً لذلك في ذمته … فإن ضمن رب المال يجوز وتكون السلعة من مال القراض. وذكروا بأن المضارب لو اشترى بأكثر من رأس المال … فإن اشترى بمؤجل في ذمته لنفسه يصبح شريكاً لرب المال بما زاده على مال المضاربة، ولأن رب المال لم يضمن هذا المال، ولأن العمل من المضارب … يختص المُضارب عندئذ بربح الزيادة وخسرها.

وأجاز الإمامية للمضارب أن يشتري بثمن مؤجل إن أذن له المالك، فإن لم يأذن واشتراه لنفسه صح شراءه لنفسه … أما إن اشتراه وذكر المالك، ولم يجزه المالك بعد ذلك … بطل شراؤه، سواء كان في حق المضاربة أو لنفسه، وبطلان الشراء في حق المضاربة لعدم إجازة المالك، وبطلان الشراء لنفسه فلأنه لم يكن قاصد الشراء لها.

وأجاز الزيدية إستدانة المضارب إذا أذن المالك، وأضافوا الدين إلى رأس مال المضاربة السابقة.

5- الرهن والإرتهان:

قالت الأحناف بجواز أن يرهن المضارب بدين على المضاربة من مالها، وأن يرتهن بدين له منها، ورأى ذلك المالكية والإمامية والزيدية – في أظهر القول – قياساً على أن هذه الأمور من متطلبات التجارة، وله أن يفعل كل ما كان عملاً من أعمالها.

ورأى الحنابلة قياساً على الشركة عندهم أن للشريك أن يرهن وأن يرتهن إذا دعت الحاجة، وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الشافعية الذي يمنعون فيه الشريك من ذلك؛ لأن فيه خطرًا ومجازفة.

6- التوكيل:

رأى الأحناف والزيدية بجواز أن يوكل المضارب غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، ورأى المالكية عدم جواز أن يوكل غيره … فإن فعل وتصرف وكيله … كان عليه ضمان ما يهلك أو يتلف من المال، ورأى الحنابلة في رأي لهم عدم الجواز، إلا إذا عجز المضارب عن القيام بالأمر والذي وكل فيه، وفي رأي آخر لهم … قالوا بجواز التوكيل في الشركة، والمضاربة نوع من الشركة.

7- الإبضاع:

اشترط المالكية موافقة المالك لإبضاع العامل للغير … فإن فعل دون الرجوع إلى المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترط الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف أن الإبضاع من عادة التجار، ولهذا فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة … فلهم رايان: رأي يجيز له ذلك، ورأي يشترط موافقة رب المال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87): ”وله أن يدفع المال بضاعة لأن الإبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح والإبضاع طريق إلى ذلك، ولأنه يملك الإستئجار فالإبضاع أولى لأن الإستئجار استعمال في المال بعوض والإبضاع استعمال فيه بغير عوض فكان أولى، وله أن يودع لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة“.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك.

9- الحوالة:

وهي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وتكون هنا في بيعه من مال المضاربة بثمن مؤجل إلى من يريد نقل الدين من ذمته إلى ذمة رجل آخر، والرأي عند الحنفية هو أن الحوالة من عادة التجار وله ذلك، وأجاز الحنابلة للشريك في الشركة أن يتعامل بها، بينما اشترط المالكية موافقة رب المال … فإن فعل دون إذنه ضمن.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العمل:

ذهب الحنابلة والأحناف والزيدية والإمامية – في رأي لهم- إلى جواز خلط المضارب ماله بمال المضاربة، بإذن رب المال وقبل بدء العمل، وأعتبروا تفويض رب المال أمر المضاربة إليه كافياً، جاء في بدائع الصنائع عند الأحناف: ”القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له أعمل برأيك وإن لم ينص عليه، فالمضاربة والشركة والخلط“.

بينما ذهب الشافعية –في الرأي الأظهر- إلى منع الخلط، وفي رأي آخر إلى إشتراط الأذن الصريح الواضح بالخلط، وإلا فسد القراض. وقال المالكية بجواز الخلط إذا كان العامل قادراً على التجر بالمالين، ومنعه إن لم يكن قادراً … فإن تجر في ماله وعطل مال رب المال، فيكون عليه رأس المال في أظهر القول عندهم، ويكون عليه ما حرمه من الربح في قول آخر.

أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل، فقد منعه الفقهاء عن ذلك لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح، جاء في الروضة عند الأحناف (جزء 5 ص 148): ”إن خلط العامل مال المضاربة بماله صار ضامناً، وكذا لو قارضه واحد على مالين بعقدين فخالطهما ضمن، فلو دفع إليه الفا قراضاً ثم ألفا وقال ضمه إلى الأول، فإن لم يكن تصرف بعد في الأول جاز“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله، فإن فعل ولم يتميز ضمنه، لأنه أمانة فهي كالوديعة. فإن قال له أعمل برأيك جاز له ذلك. وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضمان أن فعله لأن ذلك ليس من التجارة. ولنا: أنه قد يرى الخلط أصلح له. فيدخل في قوله أعمل برأيك“.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

يجوز ذلك إذا كان مال المضاربة الأولي مازال ناضاً، أما إذا كان المال الأول قد أصبح عروضاً … قال الحنابلة لا يجوز الخلط؛ لأن ضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، ولو شرط رب المال ذلك في العقد الثاني يفسد العقد الثاني. جاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”إذا دفع إليه ألفاً آخر، لم يجز له ضم أحدهما إلى الآخر، لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم، فلم يملك تغييره، فإن أمره بضمهما قبل التصرف فيهما أو بعد أن نضا جاز، وصار مضاربة واحدة، وإن كان بعد التصرف وقبل أن ينضا لم يجز“. وذهب الإمامية في الرأي إلى مثل ما ذهب إليه الحنابلة.

أما المالكية فقد قالوا بجواز الضم إذا اشترطا ذلك في العقد الثاني وكان العامل لم يبدأ العمل في المال الأول سواء كان نصيب العامل في الربح متفقاً في العقدين أو مختلفاً، أما إذا لم يشترطا خلط المالين أجازوا للعامل أن يخلطهما من تلقاء نفسه لو كان نصيبه في الربح بنسبة واحدة في المالين وكان المال الأول لم يزل ناضاً (التاج والإكليل جز 5 ص 264).

أما إذا كان المال الأول عروضاً … أجازوا له الخلط، لو كان نصيبه من الربح في المالين متفقاً، وعلى ألا يشترط رب المال الخلط في العقد؛ لأن الإشتراط يكون زيادة يشترطها رب المال على العامل فلا يجوز، ولرب المال أن يشترط خلط المالين بعد نضوض الأول؛ بشرط أن يكون القراض الأول لا ربح فيه ولا خسارة، وأن يكون ما شرط للعامل في المال الثاني مثل ما شرط له في المال الأول.

والأغلب أن الشافعية يمنعون الخلط، سواء كان المال ناضاً أو عروضاً.

والمقصود عند من منع العامل من الخلط من تلقاء نفسه، إذا اختلفت نسب الربح في المضاربتين وكان المال الأول ناضاً لم يتصرف فيه بعد، هو أن العامل إذا خلطهما وتاجر في عدة سلع، يؤدي هذا إلى جَهالة الربح الناتج عن كل منهما على حدة، وقد يخصص العامل الجزء الأكبر من الربح إلى المضاربة، التي نصيبه فيها أكبر. أما إذا قلنا يقسم الربح بين المضاربتين بنسب رأس المالين، ففي هذا جهالة قدر نصيب كل مضاربة من الربح، وهو إن خلط وخسرت تجارة سلعة من السلع التي تاجر بها وكانت بقدر أحد المالين … صعب عليه اقناع المالك بأن أحد المالين خسر،؛ فينجبر خسران مضاربة من ربح الأخرى فينقص ربحه المتوجب له من المضاربة الرابحة، وإن أصر على حقه قد يظن المالك أنه لم ينصفه، فيؤدي هذا كله إلى النزاع.

والأولى أن تنفسخ الأولى من البداية؛ حيث إنه لم يباشر العمل بعد، ويدفع رب المال المالين إلى العامل في مضاربة جديدة تكون نسبة العامل فيها من الربح متوسط النسبتين، فإن كان له نصف الربح في الألف الأولى؛ والربع في الألفين الثانية؛ يكون له الثلث من ربح المضاربة الجديدة ذات الثلاثة آلاف رأس مال.

فإن كانت النسب واحدة، وكان المال الأول لم يزل ناضاً، جاز له الخلط من تلقاء نفسه إذا كان هذا ما يرغب به ويرى فيه المصلحة، ولا يشترط قبول رب المال؛ لأن الضرر إن حدث سيصيبه هو ولن يصيب رب المال، لأنه إن لم يخلط لا يجبر ربح واحدة الأخرى … فإن خلط صار المال كله مضاربة واحدة، وهذا لمصلحة رب المال، فكان الإختيار فيه للعامل إن لم يشترط ذلك رب المال، وجاز لأنه لا يؤدى إلى النزاع، وليس فيه جَهالة في الربح لأن المضارب متى خلطهما صارا مضاربة واحدة.

والمقصود عند من منع الخلط، وكان العامل قد باشر في العمل:

أ‌-   إن للعامل في الربح وليس عليه في الخسارة، فإن ربح أحد المالين وخسر الآخر، فللعامل ربح الأول ولا شيء عليه في الثانية. أما لو خلط المالين جبر ربح الأول خسارة الثاني … فلم يظهر ربح فيها، فيصبح لا شئ للعامل في مجموعهما، فيخسر من جراء ذلك.

ب‌- إن رب المال إن اشترط هذا، ففيه زيادة وفائدة له؛ فلم يجيزوا له
هذا الشرط، ولأن المنع كان لحماية العامل فقد جوز المالكية الخلط للعامل إذا كان هذا رأيه ودون شرط عليه.

12- مضاربته للغير:

ذهب المالكية والحنابلة والإمامية إلى أن المضارب ليس له أن يأخذ من آخر مالا مضاربة إن كان في ذلك ضرر على رب المال الأول، إلا أن يأذن له.

وقال الحنابلة في الإنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”إن دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فأنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الإستحباب وإن فعل فلا شئ عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

أما لو ضارب مع غير رب المال دون إذنه، وكان في أخذه المال الثاني ضرر على المضاربة الأولى … ذهب أكثر فقهاء الحنابلة إلى أن ربح المضارب من المضاربة الثانية، يرد إلى المضاربة الأولى كربح للمال الأول.

وقال الشافعية بالجواز إذا كان ذلك في وقت واحد، جاء في مغني المحتاج (جزء 2 ص 315): ”ويجوز أن يقارض الإثنان عاملاً واحداً، لأن ذلك كعقد واحد ثم إن تساويا فيما شرط فذاك وإن تفاوتا كأن شرط أحدهما النصف والآخر الربع؛ فإن أبهما لم يجز، أو عينا جاز إن علم بقدر ما لكل منهما“.

وقال الأحناف في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 315): ”ولو سافر بماله ومالها أو خلط بإذن أو بمالين لرجلين أنفق بالحصة“.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

قال المالكية في المدونة (جزء 4 ص 55): ”لا يجوز للعامل أن يشارك بالقراض إلا بأمر رب المال“.

أما الأحناف والحنابلة … فقد اعتبروا أن تفويض رب المال أمر المضاربة للعامل بمثابة إذن له في المشاركة مع غيره، قال الكاساني (جزء 6 ص 95): ”فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، وأن يشارك غيره في مال المضاربة شركة عنان، وأن يخلط مال المضاربة بمال نفسه، إذا قال له رب المال أعمل برأيك، وليس له أن يعمل شيئاً من ذلك إذا لم يقل له ذلك“.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

أ-  أجمع الفقهاء على عدم جواز إعطاء العامل رأس المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال. جاء في شرح الخرشي لمختصر خليل في الفقه المالكي: ”يضمن العامل إذا قارض في مال القراض بغير إذن ربه، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال ولا ربح للعامل الأول، لما علمت أن القراض جعل لا يستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل فلا ربح له“.

واعتبروا ذلك تعدياً منه إن فعل ذلك، جاء في بداية المجتهد: ”ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأنصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر فإنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حظه مما بقى من المال“.

”ويرى أبو قلابة ونافع وأحمد واسحاق: أن المضارب إذا خالف فهو ضامن والربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب ويتصدق به، والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معاً“.

وذهب المالكية والأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية إلى أن للعامل أن يدفع بمال المضاربة مضاربة إلى عامل آخر لو أذن له رب المال بذلك، وخالف الشافعية وحدهم في القول الأصح عندهم، وقالوا بعدم جواز ذلك، فجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 227): ”ولو قارض العامل شخصاً آخر بإذن المالك، ليشاركه ذلك الآخر في العمل والربح لم يجز في الأصح. وقالوا في تعليل منعهم: لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملاً ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح“.

ب- أما عن صيغة إذن رب المال … فقد رأى الأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية أن تفويض رب المال أمر المضاربة إلى العامل يكفي لدفعه المال مضاربة إلى غيره، كقول رب المال له أعمل برأيك أو بما أراك الله. جاء في بدائع الصنائع: ”فأما إذا قال له أعمل برأيك، فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، لأنه فوض الرأي إليه، وقد رأى أن يدفعه مضاربة فكان له ذلك“.

وذهب الحنابلة والإمامية في رأي آخر لهما إلى ما ذهب إليه المالكية أن التفويض لا يكفي، واشترطوا إذن رب المال في ذلك صراحة.

جـ- وإذا حصل ربح في المضاربة الثانية عند صحتها وفق ما اشترط كل فقيه عن صورة إذن المالك … ذهب الحنابلة والمالكية والإمامية إلى أن العامل الأول ليس له شيئاً من الربح، وعللوا ذلك لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح يستحق بأحدهما.

جاء في المغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي: ”وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً، ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك، فإذا دفعه إلى آخر، ولم يشترط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً، وأن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح، لأنه ليس من جهته مال ولا عمل والربح يستحق بواحد منهما“.

            بينما رأى الأحناف أن الربح بين الثلاثة كما يلي:

إذا أطلق رب المال الربح في عقد المضاربة أي لم يضفه إلى المضارب، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزق الله فهو بيننا نصفان، جاء في البدائع (جزء 6 ص 97): ”فإن أطلق الربح ولم يضفه إلى المضارب، ثم دفع المضارب الأول المال إلى غيره مضاربة بالثلث، فربح الثاني؛ فثلث جميع الربح للثاني، لأن شرط الأول للثاني قد صح، لأنه يملك نصف الربح، فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول فجاز شرطه للثاني؛ فكان ثلث جميع الربح للثاني ونصفه لرب المال، لأن الأول لا يملك من نصيب رب المال شيئاً، فانصرف شرطه إلى نصيبه لا نصيب رب المال، فبقى نصيب رب المال على حاله وهو النصف وسدس الربح للمضارب الأول، لأنه لم يجعله للثاني فبقى له بالعقد الأول، ويطيب له ذلك، لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه“.

أما لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزقك الله تعالى من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح؛ فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزقه الله للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي.

وذهب الزيدية إلى رأي الأحناف الأخير حيث جاء في البحر الزخار (جزء 4 ص 83): ”فإن قال رب المال للعامل ما ربحت أو كسبت فهو بيننا نصفان، فضارب العامل غيره بالنصف، كان لرب المال الربع“.

د-  اتفق المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة والزيدية، عن عدم جواز أن يدفع المضارب مال المضاربة، مضاربة إلى عامل آخر من غير إذن رب المال، وعللوا ذلك بأن رب المال قد دفع المال إليه ليضارب به هو، وإن دفع المضارب بالمال لغيره يوجب فيه حقاً للغير، ولو فعل العامل ذلك دون إذن رب المال … فتصرف العامل الثاني في المال وخسر، اختلفت آراء الفقهاء فيمن يكون عليه الضمان.

قالت المالكية بضمان العامل الأول، ورأى الأحناف إن الضمان على العامل الأول ولرب المال أن يضمّن أيهما يشاء، ولو ضمن العامل الأول لا يرجع بما ضمن على الثاني، وإن ضمّن العامل الثاني … رجع بما ضمن على الأول، وصار حاصل الضمان على الأول؛ لأن الأول غرَّه بالعقد، فصار مغروراً من جهته، فكان له أن يرجع عليه بما ضمن.

وقال الشافعية إن تَلفَ في يد العامل الثاني وعلم بالحال فغاصب؛ فقرار الضمان عليه، وإن جَهلَ فعلى العامل الأول.

وقال الحنابلة والإمامية إن لرب المال أن يطالب من يشاء من العاملين برد المال … فإن ضمن العامل الأول … فله أن يرجع على العامل الثاني، إن كان الثاني يعرف حقيقة الأمر، وإلا … فعليه الضمان. وإن ضمن رب المال العامل الثاني، لم يرجع الثاني على العامل الأول إذا كان يعرف حقيقة الأمر … فإن لم يكن يعرف فلهم رأيان: أحدهما يرجع عليه لأنه غره، والثاني لا يرجع، لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه. وقال  العاملي في مفتاح الكرامة في الفقه الإمامي عن الرأي الأخير؛ بتضمين العامل الثاني وإن لم يكن عالمًا بالحال، أنه رأي ضعيف جداً.

وأتفق المالكية والشافعية والحنابلة والإمامية، وبعض الأحناف، بإلزام الضمان بمجرد دفع المضارب الأول المال للمضارب الثاني، سواء كانت المضاربة الأولى أو الثانية صحيحة أو فاسدة، وسواء باشر المضارب الثاني بالعمل أو لم يباشر.

أما من الأحناف … فقد قال الأئمة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن لضمان المال على المضارب الأول شرطين، الأول صحة المضاربتين، والثاني أن يتصرف المضارب الثاني بالمال في أمر من أمور التجارة، وعللوا ذلك أن فساد الثانية يجعل العامل الثاني أجيراً وللأول أن يستأجر من يعمل في المال، وفساد الأولى يوجب فساد الثانية، لأن الأولى لما فسدت صارت إجارة، فلا تصح الثانية؛ لأن الأجير ليس له أن يشارك غيره، فتفسد الثانية بالضرورة، ويصبحا أجيرين، وكذا إذا كانتا فاسدتين، وإذا كانا أجيرين … لا يضمن واحد منهما. أما إذا هلك المال ولم يكن المضارب الثاني قد تصرف فيه فأنه يهلك أمانة، ولا ضمان إلا مع العدوان أو التقصير، ولو غصب المال من المضارب الثاني … يجب الضمان على الغاصب فقط، وكذلك لو استهلك المضارب الثاني المال في غير أعمال المضاربة كتصدقه به أو كهبته المال فالضمان يلزم المضارب الثاني فقط.

هـ- أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح، فالرأي في من يختص بالربح يكون كما يلي:

قال المالكية إن الربح يكون بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للعامل الأول لتعديه.

وقال الشافعية إن تصرف العامل الثاني تصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه؛ لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل، وإن اشترى بعين المال فباطل شراؤه، وإن اشترى في الذمة وسلم ما أخذه من مال القراض فيما اشتراه وربح، فالربح نصفه للمالك، ونصفه بين العاملين سواء. وعلى القول الجديد للإمام الشافعي الربح كله للغاصب، ويكون في هذه الحالة للعامل الأول، وعليه أن يدفع للعامل الثاني أجرة عمله، وللشافعية رأي آخر أن يكون الربح في المسألة المذكورة للثاني من العاملين.

وذهب الأحناف إلى أن المضارب الأول إذا ضمن … صحت المضاربة الثانية والربح بينهما على ما إتفقا, وكذلك لو ضمن المضارب الثاني فرجع على المضارب الأول بما ضمن, فيصير حاصل الضمان على الأول, ولما تقرر عليه الضمان, كان له ربح ما ضمن, بشرط أن تكون المضاربتين صحيحتين. أما لو فسدت المضاربتان, كان الربح كله لرب المال, وللمضارب الأول أجر عمله على المالك, وللمضارب الثاني أجر عمله على الأول. ولو كانت فاسدة والثانية صحيحة؛ فالربح لرب المال وللمضارب الأول أجر المثل على رب المال, وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح. وإن كانت الأولى صحيحة والثانية فاسدة … كان للمضارب الأول ما شرط من الربح وللمضارب الثاني أجر مثل عمله على المضارب الأول.

وقال الحنابلة إن الربح كله لرب المال, ولا شيء منه لأحد العاملين, فالمضارب الأول لم يوجد منه مال ولا عمل, ويستحق الربح في المضاربة بأحدهما, والمضارب الثاني قد عمل في مال غيره بغير إذن منه ولا شرط, فلا شيء له من الربح قياساً على عدم إستحقاق العامل شيئاً من الربح في المضاربة الفاسدة.

15- سفره للمضاربة:

إن لم يشترط المالك ألاَّ يسافر العامل بالمال ولم ينهه عنه, أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين, ورأي المضارب المصلحة في السفر, قال المالكية له ذلك دون الرجوع إلى الرب المال, وكذلك قال الأحناف والزيدية والحنابلة في أظهر القول عندهم, وأشترطوا أن يكون سفره إلى جهة آمنة لا يتعرض فيها أو في الطريق إليها للأخطار وفق ظنه.

وقال الشافعية لا يجوز أن يسافر بالمال إلاَّ بإذن رب المال, وبهذا قال الإمامية والحنابلة في رأي لهم.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

اتفق جمهور الفقهاء على عدم جواز إقراضه وتبرعه ووهبه شيئاً من المال إلا بإذن رب المال.

17- أخذه وإعطاؤه سفَتجة:

السفَتجة من المعاملات التي كانت تستخدم ليأمن بها التجار مخاطر الطريق، فيأخذ الرجل مالاً أو بضاعة من آخر, ويعطيه صكاً بثمنها يصرفه عند وكيل له في بلد آخر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 92) :” ولا يأخذ سفتجة لأن أخذها إستدانة وهو لا يملك الإستدانة, وكذا لا يعطي سفتجة لأن إعطاء السفتجة إقراض, وهو لا يملك الإقراض إلا بالتنصيص عليه, هكذا قال محمد عن أبي حنيفة أنه قال: ليس له أن يقرض ولا أن يأخذ سفتجة حتى يأمره بذلك بعينه فيقول له خذ السفاتج وأقرض“.

وإلى هذا … ذهبت الزيدية والحنابلة, إلا أن الحنابلة –في رأي لهم – أجازوا له أخذه سفتجة دون أن يشترطوا موافقة رب المال, بينما اشترطوا الإذن في حالة الإعطاء.

18- المخاصمة والمقاضاة:

للفقهاء رأيان عند الأعتداء على مال المضاربة من قبل شخص آخر، أولهما: أن للعامل أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير, ولو كان للغير حق عليها فللغير أن يخاصم العامل من أجل حقه, هذا هو رأي الأحناف وأحد الرأيين عند الشافعية والحنابلة والزيدية, والرأي الثاني عندهم أن المضاربة عقد على التجارة ولا تدخل الخصومة فيه.

<< previous page next page >>