فوائد البنوك التقليدية والربا

فوائد البنوك التقليدية والربا

Al Mudarabah Channel Video at You Tube

https://youtu.be/BFIwYeQzffg

هل فائدة البنوك التقليدية ربا؟ أم هي لقاء المخاطرة بعدم قدرة المدين على السداد، أو لقاء منفعة المال أو حق الإنتفاع بالمال في فترة الدين، أم هي الربح الذي يقدره البنك وفق دراسات الجدوي التي يقوم بها، أم هي تعويض إنخفاض القيمة الشرائية للعملات المالية الرائجة نتيجة التضخم، أم هي ليست ربا لأنها ينتفي عنها عنصر الإستغلال والتحكم الذي يقول البعض أنه كان في ربا الجاهلية الذي كان أضعافا مضاعفة ولهذا حرمه الشرع، والذي عندنا اليوم قليل ولهذا لا بأس به. 

يحاول البعض التفريق بين الفائدة المُتعامل بها فى البنوك التقليدية والربا، فالربا عندهم هو القرض الاستغلالي، أما الفائدة التى ينتفي فيها عنصر الاستغلال ويتوافر فيها تراضي الأطراف فهذه ليست الربا. وهذه المحاولات نابعة عن ظنهم، وقد نشئوا فى هذا النظام الاقتصادي المؤسس عليها، أن المعاملات لا تصلح دونها، ولصعوبة تخيله دونها؛ فقد أصبحت من البديهيات المسلم بصحتها، وهى ليست كذلك.

لم تعرف المجتمعات الأسلامية البنوك الربوية إلا منذ حوالي مائة وأربعون سنة، كان الناس يتعاملون قبل ذلك بالمضاربة والمشاركة والمزارعة والمساقاة وغيرهم من المشاركات التي يتوفر فيها العدل.

والشارع حرم الربا أي كانت نسبته من الدين، والبيان في الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} سورة البقرة، في قوله تعالى لكم رؤوس أموالكم، يبين بوضوح أن الذي يعود الى الدائن رأس ماله فقط ولا يزداد عليه شيء، أي دون أي زيادة صغرت كانت أو كبرت.

وهذا يرد على القائلين أن الربا المحرم هو فقط الأضعاف المضاعفة، إذ في قوله سبحانه وتعالى:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً { آل عمران:130} هو بيان ما كانوا عليه لا اختصاص التحريم بحالة المضاعفة .قال الشوكاني في فتح القدير:  وقوله {أضعافا مضاعفة } ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين”. أي أن النهي كان عن كل ما زاد عن رأس المال، ليس فقط عن الأضعاف المضاعفة والتي كانت لذكر واقع ما كان بعضهم عليه. ولهذا، وإستنادا على الآية التي ذكرناها من سورة البقرة، فأي زيادة دون عوض على مال مضمون، فهي ربا.

وحيث إن الشارع لم يبين علة تحريم الربا، والعلة هى ما يدور معها الحكم الشرعى وجوداً وعدماً، يبقى النص الشرعى بالتحريم قائماً بغض النظر عن الظروف والأسباب، فلا يرتبط التحريم باستغلال أو غيره؛ فقد نزلت آيات التحريم والناس يتعاملون بالربا عن رضى فأبطلت الشرط الربوى أى كانت الأسباب التى نشأ عنها.

وحكمة تحريم الربا كما ذكر الإمام الرازى أنه يقتضى؛ أخذ مال الإنسان من غير عِوض. والحكمة هى مقصد الشارع من الحكم الشرعى. وعلى هذا .. فإن كل زيادة لا يقابلها عوض تكون محرمة لأنها تدخل فى باب أكل أموال الناس بالباطل.

وإذا بحثنا الزيادة الناتجة عن فائدة ربوية تضاف إلى دين، فهذا كسب والكسب الشرعي فى الإسلام يُتحصل عليه إما بالمال أو بالضمان أو بالعمل.

المال إما له نماء طبيعي كالسوائم أي الحيوانات التي ترعى في الأرض الكلأ، أو ينمو بالعمل كالتجارة والإستثمار، بناء على القاعدة الشرعية الخراج بالضمان؛ أى إن المالك له نماء ماله لقاء تحمله إحتمال خسارة بعضه أو هلاكه. وأن المدين له نماء هذا المال إذا دفعه للعمل فربح فالربح له لأنه ضمنه لمن أعطاه المال، فإن كان قد خسر فعليه الخسارة من ماله ويرد للدائن كامل الدين أو القرض.

أما العمل فهو بيع منفعة بمال؛ أي عندما يؤجر مالك بيت البيت، فأنه يبيع منفعة البيت وهو السكن فيه لفترة محددة لقاء مال. وعمل الرجل منفعة فيمكن استئجار العامل والنجار فتكون الأجرة ثمن المنفعة، أما إذا كان العمل هو عمل مضارب في مضاربة، فالمضارب يشارك بقيمة العمل – وهى مال – فيستحق الكسب بأكثر من قيمة عمله لقاء قبوله بتحمل خسارة قيمة العمل لو لم ينمُ المال.

وقبل أن نترك موضوع الضمان، دعونا ننظر في قاعدة الخراج بالضمان والغنم بالغرم: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”الخراج بالضمان“ وقال صلى الله عليه وسلم: ”الغلة بالضمان“ أي إن المنفعة والنماء لمن يملك، و معني الملك هنا هو من يخسر اذا هلك المال. فان كانت المال مملوكاً من رجل فاقرضه أو أسلفه أو داينه -وهي عقود تمليك- الي آخر فقد ملّكه هذا المال الي أجل أو الي أن يرده، فإن هلك المال عند المقترض فعليه أداء مثله ولهذا فالخراج له.

أما الوديعة والأمانة والرهن فهؤلاء لا يفارقون ملك صاحبهم ولهذا إن هلك المال المودع أو المرهون فالخسارة علي صاحبه لا علي الأمين الذي أودع عنده المال الا اذا تعدى، فإن تعدى ضمن فله غنم المال وعليه غرمه لأنه يكون انذاك قد ملكه بالضمان (ويتعدى الأمين إذا تاجر بالمال المودع لديه لإنه تصرف في مال غيره دون أذنه فيضمنه).

قلنا أن الرهن أمانة في يد المرتهن ولا يضمن الا بالتعدي، ولا ينتفع به المرتهن الا اذا كان مما له نفقة فينتفع به نظير نفقته فتكون المنفعة عوض النفقة، قال الرسول صلعم ”الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلي الذي يركب ويشرب النفقة“ وهذا مذهب أحمد واسحاق وخالفهم الجمهور لإحتمال عدم تساوي النفقة والمنفعة، وقالوا مؤونة الرهن وأجرة حفظه على مالكه وله منافعه ونماؤه، والمقصود تساوى العوضين فان اتفقا وتراضا أجر المؤونة والنفقة لقاء المنفعة جاز، وإن شاءا أن تكون النفقة على الراهن وله أجرة المنفعة صح، فإن لم يكن له مال كان ديناً عليه وكان ثمن المنفعة قضاء لهذا الدين أو لبعضه، ولا يصعب الحساب في هذا الأمر والمرتهن أمين لأن الرهن أمانة، والنماء في الحالتين للراهن، قال الرسول صلعم ”لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه“، ولو هلك المرهون في يد المرتهن من غير تعدِ فالغرم علي الراهن، والدين علي حاله، واذا حل أجل الدين وعجز الراهن عن السداد تباع العين المرهونة ويضاف خراجها مدة الرهن وتخصم نفقتها، فيسدد الدين من المال وما فضل لصاحبها وان نقص مال فعليه.

أما القرض، فهو في الشرع ليس من المعاملات التى يقصد منها الكسب، وإنما هى نوع من أنواع الصدقة، ومن أعمال الخيروالتعاون بين الناس، وله أجر وعِوض عند الله. أما الدّين إلى أجل مسمى، فقد يكون مساعدة أيضاً أو قد ينتج عن معاملة تجارية أو عقد، وقد يكون لقاء رهن؛ أى إن مسئولية المال وضمانه تصبح على  المدين، ولهذا فليس للدائن زيادة على ماله. إلا لو كان الضمان عليه مثل الدين الناتج عن البيع المؤجل فيه الثمن.

لو نظرنا الى التبريرات التي يحاول البعض تقديمها لبيان أن الفائدة البنكية ليست ربا، نجد أنها ليست صحيحة وتنافي الفكر السليم.

الفائدة لقاء المخاطرة:

فإذا قيل أن الدائن يتحمل مخاطرة أن لا يستطيع المدين رد الدين، ولهذا فيصح له أخذ الزيادة؛ لأن هذه الزيادة لقاء هذه المخاطرة، ففي هذا غرر، فالمخاطرة مجهولة وعوضها معلوم وهو الزيادة أي الفائدة الربوية، ولا يجوز أن يجهل أحد العوضين فى معاوضة، لأن الزيادة عوض مخاطرة مجهولة الكم تتراوح بين الوجود والعدم؛ فإن حدثت فلها كم ولكنه ليس بالضرورة مساوياً للعوض وهو الزيادة المتفق عليها.

وهى إن حدثت .. أي أن المدين لا يستطيع سداد بعض أو كل الدين، فإن الزيادة والنقص فى الأصل لن يتمكن المدين من سدادهما، ولهذا فشرط الزيادة عوض عدم تمكن المدين من سداد الأصل هو شرط لا يمكن تطبيقه إذا أصبح المدين غير قادرا على سداد الأصل فكيف يسدد الزيادة. وإن لم يحدث تقصير فى السداد يدفع المدين الزيادة التى كانت لقاء احتمال عدم قدرته على السداد، وهو قد سدد فانتفى الاحتمال وانتفت بالتالي أسباب الزيادة فإن دفعها يكون قد دفعها دون عوض، وهذا ربا.

والحقيقة أن اشتراط زيادة هى عوض مخاطرة احتمال عدم سداد المدين أصل مال الدين؛ والذى لو حدث فلن يتم تسديد هذه الزيادة أصلاً، وإن لم يحدث لم تستحق، هو شرط لا معنى له، والشرط الذى يناقض مقتضاه ويستحيل تنفيذه لغو ولا يعمل به ولا يقبله المنطق السليم.

وهذا يختلف عن المخاطرة المقصودة فى الاقتصاد الإسلامي وهى المخاطرة التى يتعرض لها مال مستثمر بهدف العائد؛ الذى يحتمل أن يكون ربحا ويحتمل أن يكون خسارة؛ والربح هنا حلال لقاء قبوله باحتمال الخسارة إن حدثت، وكلاهما مجهولان وقت مباشرة الاستثمار، ويعودان إلى مالك واحد؛ فإن كان ربح فله وإن كانت خسارة فعليه؛ أى إن العائد الموجب وهو الربح يكون لقاء مخاطرة حقيقية فلا يمكن أن يجتمع الربح والخساره فى معاملة واحدة فهما صفتين لشيء واحد هو عائد الاستثمار.

والمعاملات إما معاوضات ويشترط فيها تساوي العوض والمعوض، او مقابلات فيشتركان في الربح والخسارة، أما الربح أو الخسارة فلا يعرف أو تعرف إلا من خلال دورة شراء ثم بيع، وهذان معاملتان لا معامله واحد؛ بينما الدين الربوي معامله واحدة يجتمع فيها ربح احدهما وخسارة الثانى دون بيع أو مشاركة.

والمخاطرة لا تباع وتشترى وإنما هي طبيعة معامله، المقصود منها أن نتيجة هذا الاستثمار قد يكون ربح او خسارة، أي أن الربح ليس ثمن المخاطرة ولكنه ناتج الاستثمار الفعلي، ولو كان ثمة ثمن موجب للمخاطرة لكان كل استثمار رابح (كما هو الحال في القروض الربوية، المقرض دائمًا رابح).

كما ذكرنا قبلا، الربح الحلال هو ما ينتج عن العمل في المال ويتولد من العمل والمال، وليس لقاء الأجل أو التأجيل، وعلى هذا الأساس صحت المضاربة وهي إذا دفع المستثمر ماله إلي من يعمل فيه فإن ربَح المال فله بعض الربح وعليه كل الخسارة، وباقي الربح للمضارب نظير عمله الذى لا يأخذ أجر عليه؛ فإن لم يكن ثمة ربح فلا شئ للمضارب والمال لصاحبه، لأن عمل المضارب يقاس  بمعيار نماء المال؛ فإن لم ينم المال بالعمل.. فلا قيمة للعمل.

وقد قلنا إن المخاطرة المحتملة في استثمار مال تبيح الكسب لصاحبه إذا كان هذا الكسب شرعياً ومتولداً عن نماء مال او عمل، والمخاطرة هنا لا تعني سوى تحمل صاحب المال مسئولية هذا الاستثمار في حالة الخسارة، والخسارة هي هلاك بعض او كل المال المستثمر، ويجب أن نذكر هنا أن كل صاحب مال يتحمل وحده مسئوليه ماله المعرض للخسارة أو الهلاك وان لم يدفع به في مجالات الاستثمار؛ – فهذا من طبيعة الاموال- كما هو الحال في السوائم، ولهذا كان نماء المال وخراجه وغلته لصاحبه.

أما النقود فليس لها نماء طبيعي – وليست معرضة للهلاك (عدا تعرضها للسرقة او الغصب). قلنا ليست معرضة للهلاك كغيرها من بقية الأموال كالطعام والحيوان والبيوت اذا لم يتصرف بها بيعاً أو شراء. فاذا اقرضها –أي النقود- فإن من إقترضها يصبح ضامناً لها ومزكياً فيها من ماله، وفي الحالات التي قد يعجز المدين عن السداد فانه يظل مديناً لصاحبه حتي يوفيه دينه، فإن عجز فإن في أموال الزكاة باب للصرف علي الغارمين، فان لم يك في أموال الزكاة وبلغ المدين أجله قضي دينه من بيت المال فان لم يك تطوع أهله واصحابه، أو عفا الدائن ومن عفا عن معسر فله أجره عند الله.

أما ما يعبر عنه الفقهاء بقاعدة الغنم بالغرم، فلا تعني هذه القاعدة جواز أن يكون عوض المخاطرة مالاً، فلا يوجد أى استدلال منطقى قد يوصلنا الي هذه النتيجه

فالغنم بالغرم لا تعني اكثر من أن نماء المال – لمالكه – سواء كان مالكاً أو ضامناً أو متصرفاً بعقد تمليك، وأن نقصانه عليه، وبخروج المال الي مجال الاستثمار بغرض الانماء قد يتعرض للخسارة و بهذا قد نقول مجازاً إنه يخاطر بالمال، وهذا بالطبع لم يكن قصده فهو استثمر بقصد الربح لا المخاطرة، والربح يولد عن المال والعمل ولا يولد عن المخاطرة فهي وصف لحالة و ليست من المسببات. والغنم وهو الكسب والفوز يقابله الغرم والمقصود بالغرم هنا تحمل المسئولية وبذل الجهد بهدف الربح مع إحتمال عدم تحقق الربح وحدوث الخسارة ، وهذان يمكن الجمع بينهما، أما الفوز لقاء المخاطرة باحتمال حدوث الخسارة أى الفوز بالخسارة فهذان لا يجتمعان، إما ربح وإما خسارة. والمعنى الذى يحلل المكسب لقاء المخاطرة وحدها ينفيه كلية تحريم القرآن الكريم للميسر وتحريم الرسول صلى الله عليه وسلم لبيع الغرر، وكلاهما قد يؤدى إلى كسب لقاء مخاطرة فيفوز أحدهما من خسارة الثانى دون عوض وهذا حرام. فان قال قائل أن البيع قد يفوز فيه أحدهما ويخسر الثاني، وهذا ما جائت به الإية الكريمة {….ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ …..} آية 275 سورة البقرة، فالبيع يشترط فيه تساوي العوضين، أي تساوي الثمن وقيمة العين المباعة، ودليل التراضي. أما الربا، فعدم التساوي واضح إذ يقول أعطيك ألف درهم وتردهم بعد سنة ألف ومائة، لا تساوي هنا، ولا يفيد التراضي هنا لأن عدم التساوي بين واضح.

الغُنم المسموح به هو غُنم رب المال نماء ماله لقاء تحمله مسئولية أو ضمانه هذا المال، وهذه معاملة فى مال واحد بعينه ولربه ولا يدخل فيها طرف آخر يأكل أحدهما من مال الآخر دون عوض أي بالباطل، والدين المضمون ينفصل غنمه وغرمه عن صاحبه فيكون حكمه حكم المال المملوك للمدين بتحمله مسئولية رده أى بضمانه.

ولهذا فمفهوم لفظ المخاطرة التى تحلل الكسب، يقصد به مخاطرة المستثمر – فقط – أى قبوله المسئولية والتبعات التى قد تنتج عن دفع ماله أو عمله – وهو مال – فى استثمار مشروع بقصد انماءه، فإن لم ينم المال وأصابته وضيعه فعليه وحده هذه الخسارة. ولا يعنى أبداً استحقاق الكسب كعوض للمخاطرة أو لقاء المخاطرة بماله، فهذه ليست من المال ليُبادل مال بها، ولا ثمن لها، وإنما يعرف الكسب أو الخسارة عند انتهاء الاستثمار وعودة المال إلى نوعه الأصلى. والكسب إذا تحقق لا ينتج أو يتولد عن المخاطرة وإنما يتولد عن الأصلين المال والعمل.

أما ما يحدث فى الديون – فى أرض الواقع – فهو أن الدائن أي البنك يأخذ الضمانات الكافية لاسترداد الدين وبهذا يكون قد ضُمن له ماله فانفصل عنه، ويكون للمدين الذى ضمن غُنم المال وعليه غُرمه، فإن أخذ البنك زيادة على ماله المضمون فقد أربى. أما فى حالات عجز المدين عن السداد مع عدم كفاية الضمانات والرهون وهى نادرة، فإن البنك لا يصيبه ضررا لأنه يأخذ الزيادة أو الفائدة من آلاف المقترضين، فيغطى من الزيادة التي أخذها من كل هؤلاء خسارة أحدهم، وفى هذا ظلم لأنه يأخذ مالاً من الناس لتعويض خسارة فى معاملة أخرى لم يكن لهم فيها مصلحة أو ضمان يشتركوا به فى كسبها ليتحملوا خسارتها. بل وهم أدوا ما عليهم من دين ولم يتخلفوا عن السداد فلماذا يدفعوا للبنك ثمن عجزهم عن الوفاء بالدين وهم قد سددوه. ففى هذا أكل أموال الناس بالباطل.

الفائدة لقاء التنازل عن حق الانتفاع:

وقد يقال أيضاً إن الزيادة هى ثمن حق الإنتفاع الذى تخلى صاحبه عنه خلال مدة القرض، والمال لا ينتفع به إلا بصرفه أي بهلاكه، أى لا نفع منه إذا ظل فى يد صاحبه وليس من صفاته النماء الطبيعي كالشجر والحيوان فهو إن بقى فى يد صاحبه ولم يستثمر لن يزيد. وحق الإنتفاع الذى يملكه صاحبه لا يحصل إلا بإستثماره في تجارة أو غيرها،  وهذا لا يعرف نتيجته سالبة تكون أو موجبة، ولا يجوز بيع المعدوم غير المعروف هل سيوجد أم لا لعدم جواز بيع الغرر. ولهذا فإن هذا الانتفاع مجهول لا تعرف نتيجته وبالتالى لا يجوز تقييمه والإلزام به وقت العقد.

الفائدة ثمن منفعة النقود:

وقد يقال إنه يبيع منفعة المال أى يؤجر المال، ولا يجوز تأجير ما يستهلك أصله عند الإنتفاع به، أو ما لا نفع له مع بقاء أصله، كالنقود – وإنما عقد الإجارة هو بيع منفعة معلومة – وإن كانت معدومة وقت العقد إلا أنه يغلب الظن بحدوثها – لقاء ثمن معلوم مع بقاء الأصل، مثل إجارة الدار والدابة والآلة والسيارة وغيرهم مما يؤجر أو تباع منافعه مدة معينة مع بقاء أصله – أى إن الإجارة هى عقد على منفعة العين مع بقاء العين على حالها دون تبدل أو تحول من صورة إلى أخرى، ولا يُستحق الأجر إلا بتحقق المنفعة واستيفائها، فإن لم تتحقق المنفعة لطالبها لم تجب الأجرة، وهذا شرط هام في عقود الإجارة، فإن أجرت سيارة ولم تعمل لم تجب الأجرة . والنقود لا منفعة لها إلا بصرفها. فإن أجرت وجب على المؤجر أن يضمن تحقق منفعتها لقاء الأجر وعليه وحده ضمان أصل العين المؤجرة، والأجر يجب أن يكون مساوياً للمنفعة لأن الإجارة من عقود المعاوضات التى يشترط فيها تساوي العوض والمعوض، ولهذا فالدين ليس من باب الإجارة في شيء لعدم جواز تأجير ما لا منفعة له مع بقاء أصله على حاله، وأن ساوى الأجر المنفعة فتوجب حدوث المنفعة ليستحق الأجر فيصبح له ربحه وعليه خسارته.

فماذا إذا افترضنا مبادلة هذا المال النقد مع مال له منفعة كعقار أو آلة، ثم بعنا منفعة الدار إلى من يستأجر الدار لمدة سنة مثلاً، ثمن هذه المنفعة فى السنة هو أجر الدار أى ثمن منفعة الدار، وفى نهاية مدة الاجارة تعود الدار إلى صاحبها فيبيعها لقاء نقد، فإن فرضنا أنه باعها بنفس ما اشتراها به فقد انتفع بالمال بقيمة الأجرة. وهذه حلال لأنه ملك الدار ومنافعها وضمن الدار والمنفعة، فأصبح الخراج بالضمان، ولم يضمن أحد له ثمن الدار، وكان من الممكن أن يبيع الدار في نهاية السنة بأقل مما اشتراها به فيتحمل وحده مسؤولية استثماره هذا وينقص ماله.

والحقيقة أن هذه المعاملة هى معاملة شراء دار شاملة منفعتها، ثم بيع المنفعة وحدها فى عقد اجارة وبيع الدار فى عقد بيع بعد انتهاء عقد الإجارة، وهذا شراء وبيع وينطبق عليه الآية الكريمة {وأحل الله البيع وحرم الربا} إذ لم يضمن له أحد ماله ولم يأكل مال أحد دون عوض، وإنما باع ما اشتراه فى بيعتين، أولهما بيع منفعة لفترة محددة، وبعد ذلك، بيع العين نفسها. والإجارة والبيع عن تراض كان يحتمل فيهما الكسب أو الخسارة، أما القياس عليه فلا يصح لأن الدين الربوي مضمون والزيادة مضمونة.

 

الفائدة ربح المال المحدد المقدر مسبقًا:

وقد يقال إن الفائدة هى ربح المال الذي قدّره البنك مقدماً، إذ يحدد الخبراء في البنك الأرباح مقدمًاً وفق دراسة الأسواق العالمية والمحلية وغيرها من العوامل المؤثرة على نتائج الأستثمار وفق دراسة جدوى دقيقة من قبل خبراء ذوي علم ودراية، فيُعرف تقدير مقدار الربح قبل حدوثه، وهذا في قول القائل بهذا الرأي من المتوقع والمؤكد ما سيحدث، ولهذا قال يصح أن يضمن البنك المال والربح للمودع.

أولا، أن المودع الذي ضمن له ماله، لا يجوز له أن يأخذ الزيادة لأنها زيادة على مال مضمون وهذا ربا.

وثانيًا؛ القول أن الربح الذي سينتج عن الإستثمار الفعلي سيكون مماثلاً ومطابقًا لذاك الذي قدره الخبراء، فهذا يستحيل في الظروف المتغيرة المتبدلة للسوق والإستثمارات، ويعرف هذا كل أصحاب الأعمال وحتى الحكومات والتي في كثير من الأوقات تتجاوز تكاليف مشروعاتها تقديرات دراسات الجدوي، وهذا يحدث في كل الدول المتقدمة.

لا يمكن لأحد تقدير نتيجة أي استثمار بهذه الدقة والتطابق بين التقديري والفعلي المتحقق، فإن تجاوزنا وقلنا أنه حدث في مشروع، لا يمكن القول أنه حدث في كل المشروعات الأخرى وبنفس نسب الربح مع اختلاف المكان ونوع الإستثمار والإدارة!! وأن يتكرر هذه التماثل كل سنة! ولنا في قوله سبحانه وتعالى { وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ). (سورة لقمان: 34) ما يمنع الأخذ بهذا التقدير بأكثر من كونه تقديراً. إذ يستحيل في أرض الواقع أن يكون الربح الذي تحقق فعلاً مساوياً ومطابقًا للمقّدر، فإن دفُع المحدد تقديراً وأختلف الفعلي عنه، كان في هذا أكل أحدهم لمال الآخر بالباطل.

وهذا بفرض أن البنك أستثمر المال وفق خبراته- والتي حدد بها الربح مسبقاً – مباشرة في التجارة أو الإجارة أو من خلال الاستثمار في شركة أو مشاركة أو مضاربة. ولكن الحقيقة أنه لا يستثمرها بنفسه، وأنما يقرضها الى من يستثمرها.

دعونا نفرض أن البنك يأخذ الأموال من المودعين بعقد مضاربة، فيحسب دراسة يقرر بها الربح الذي بموجبه يلتزم بالعائد الذي سيعطيه للمودعين ويلتزم لهم وقت إيداعهم المال بإعادة رأس مالهم وبهذا الربح. (وسبق أن قلنا إن الإلتزام بإعادة مالهم مع زيادة فهذا ربا، ولكن لنعود للمثل الذي نعرضه).

ثم يدفع البنك هذه الأموال مضاربة مرة أخرى إلى من يستثمرها فيحدد ربح هذه المعاملة الثانية مقدماً أيضاً بناء على الدراسات التي تحدد ما سيعمله المستثمر (في المضاربة لا يحدد صاحب المال العمل وأنما يحدده المضارب دون تدخل صاحب المال، ما علينا ولندع البنك يقدر الربح)، وهذا الربح يكون عادة أعلى من الربح الذي حدده للمودعين.

الذي أخذ المال ليستثمره، لا يهم البنك إن كان ربح أو خسر، فقد ألزمه بإعادة المال ومعه الربح أي الزيادة، أي كان نتيجة المشروع الإستثماري الذي نفذه. فإن أخذ البنك الزيادة على ماله المضمون فقد أربى.

أما القول أنه شاركه في الربح والخسارة، وان البنك ربحه مضمون، فهذا خداع  للنفس، فلا شيء مضمون. والقول أن البنك أستثمر المال بنفسه، فكلنا نعلم أن هذا ليس صحيحا، فإن فعل وخسر البنك أو نقص الربح عن المقدر، يظل ملتزما أمام المودع بالمال وربحه، والمودع يأخذ ربحا على مال مضمون  فيكون قد أربى. 

لا مانع في التقدير إذا كان تقديراً وإذا نَص العقد على أن الربح بينهما والخسارة على المودع،  وعلى ألا يؤخذ بالتقدير وإنما يؤخذ بالنتائج الفعلية أيما تكون، أما العقد القائم على الأخذ بالتقدير -مع إمكانية معرفة الربح الحقيقي- فهو عقد تكتنفه جهالة ولا يصح معها. ولا يجوز لمسلم أن يقبل بربح مضمون على ماله المضمون، فإن حقق ماله ربحاً سقط حقه في الربح بقبوله ضمان ماله.

الحقيقة أن هذا البنك يأخذ المال من المودع لقاء فائدة يسميها ربح أو كيفما يشاء فهي تظل فائدة وان اختلفت المسميات، ويقرضها إلى أصحاب الأعمال لقاء فائدة أعلى مما يدفعه إلى المودع، ولا يأبه إن ربح إستثمار أصحاب الإعمال أو خسر. ولو نظرنا الى الفوائد أو الأرباح التي تدفع عن مختلف العملات، نجد أنها لا تتحدد نسب هذه الفوائد وفق الأرباح المقدرة وإنما تحدد غالباً وفق سياسات إقتصادية في بلاد العملات الرئيسية وتختلف وفق العملة لا وفق التجارة أو الإستثمار، وإلا كيف يمكن تفسير إختلاف فائدة وديعة الدولار عن الإسترليني عن غيرهم من العملات في بلد واحد وظروف إستثمار واحدة. وكيف تكون أرباح كل التجارات والأستثمارات في الصناعة والزراعة والعقار وغيرهم في بلد واحد كلها متساوية كأن كل المشروعات خلال هذه السنة أنتهت على نفس الربح، كلام لا يصدقه صاحب عقل سليم..

الربا بيّن وواضح ولا يصح التقول فيما ورد في تحريمه نص قرآني، لا شك هنا ولا ريبة، والربح قبل حدوثه في عالم الغيب، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً، ولا يجوز في الشريعة الخرص أي التقدير إلا إذا تعذر معرفة الكيل أو الوزن، وهذا يسمح به في بعض البيوع والزكاة والمقاسمة، أما إذا أمكن معرفة الكيل أو الوزن لم يجز الخرص أي التقدير، ولهذا لا يجوز الأخذ بالتقدير مع إمكانية العلم بالعائد الفعلي عند نهاية الإستثمار. بل والخرص أي التقدير الذي جاء ذكره وأباحه الشرع في الحدود الضيقة المذكورة هو تقدير شئ موجود حاصل تراه العين وتقدره ولا يحتمل فيه الغرر بمعنى تقلب الشيء بين الوجود والعدم، أما التقدير المستقبلي الملزم مع إحتمال الغرر فيه فهذا لا يجوز.

وأخيرًا، كلنا نعلم أن البنك الربوي لم يقم بأي دراسة جدوى، ولم يقّدر أي ربح، وفي العموم؛ ليس في نيته الإستثمار في مشروع يحتمل الربح والخسارة، فهو دائما رابحا، لأنه في الواقع يقرض المال لأصحاب الأعمال وغيرهم لقاء فائدة، ومال القرض والفائدة مضمونان، فتكون الفائدة زيادة بغير عوض على مال مضمون، وهذا هو الربا.

 

الفائدة هي تعويض نقص القيمة الشرائية للمال:

وهناك أيضاً موضوع العملات –غير الذهب والفضة- التي قد يغلب عليها إحتمال تغير قيمتها الشرائية زيادة أو نقصاناً بدرجة كبيرة. القرض قد يكون عدداً من العملات الرائجة يرد بنفس العدد من نفس العملات الرائجة، أو –في حالة العملات التي يغلب عليها أحتمال تغير قيمتها الشرائية- يكون القرض بالقيمة الشرائية لهذه العملة المحتمل تغيرها على أن ترُد نفس القيمة الشرائية لها في الأجل، ونلفت الإنتباه هنا أن جواز القرض على القيمة مختلف فيه بين الفقهاء، والأكثر لا يجيزه، لأن الديون تٌقضى بأمثالها، وما تناولوه هو قرض على عدد من النقود الرائجة، نقصت قيمتها بعد تسليمها، فلما جاء أوان سدادها إختلف المتعاقدان هل يرد العدد أم القيمة، فرأى أكثر الفقهاء أنه يرد العدد، وقال البعض لو كان الإختلاف في القيمة فاحشا، أي الثلث أو أكثر، إما يرد القيمة أو يتقاسما. وهذا الموضوع يحتاج دراسة خاصة به، وما نعرضه يختلف عما ذكرناه، إذ أنهما يتفقان إما على العدد أو على القيمة ويتعاقدا على أحدهما قبل تسليم المال. ولهذا نرى الجواز شرط أن يتم تثمين القيمة وفق أدق المعايير من قبلِ خبير شرعي متخصص في التثمين. ومتى أجاز الفقهاء هذا القرض بشروطه، يصح القول آنذاك بجواز العقدين متى أتفقا وتحدد أيهما عند التعاقد، أي إما العقد على العدد أو العقد على القيمة.

وجواز الأول لأن صاحب المال قد رضى أن يكون ضمان قيمته عليه فإن أرتفعت فله وإن إنخفضت فعليه، والمقترض كذلك، فجاز لأن الخراج بالضمان، ولهذا يشترط الإتفاق المسبق.

أما جواز الثاني، لأنهما أتفقا على القيمة فأقرضه قيمة المال وكان على الثاني رد قيمته، كأنه أقرضه ذهبا أو فضة أو عروضًا، فوجب عليه رد ثمن مثل الذهب أو الفضة أو العروض عند حلول الأجل أي يكون ثمن المثل آنذاك.  شرط أن يتم الأتفاق المسبق وفق ايهما؛ فإن كان على العدد رد مثله، وإن كان على القيمة رد مثلها كثر العدد ام قل. 

ويجب التأكيد هنا على أهمية شرط الإتفاق وتحديد هل القرض على العدد أم على القيمة عند الإتفاق وقبل تسليم المال. ومتى أتفقا على أحدهما يعقدان عليه ولا ذكر للآخر في العقد.  

فإن كان عقدهما على القيمة تحدد القيمة الحاضر يوم تسليم المال بتحديد أن المال يشترى وزنًا يحدد من الذهب أو من الفضة أو غيرهما مما يتفقا عليه ويجيزه الشرع. فإذا جاء أجل أداء القرض يثمّن في وقته ثمن ما اتفقا عليه ويعاد هذا الثمن سدادا للقرض، أي كان العدد أكثر أو أقل. ويقوم بالتثمين في الوقتين خبير تثمين له دراية في التجارة وفي العلوم الشرعية.

وهذا يدخلنا في موضوع مهم، هو أن الدائن قد حفظ قيمة ماله النقدي لو إنخفضت قيمة هذا النقد وبهذا يكون قد انتفع من القرض، إلا أن هذا ليس صحيحاً، فهو قد قرر فى ذلك الوقت أن هذه الأوراق النقدية الرائجة يغلب الظن أن تنخفض قيمتها ولو لم يقرضها لحولها هو إلى مال آخر كالذهب أو العروض أو الغلة أو غيرهم مما يحافظ على قيمته، فهو إن لم يظن احتمال انخفاض قيمتها فلماذا يربطها بقيمتها الحال وليس بعددها. والذى يأخذ مال القرض يستهلكه فى حينه بقيمته الشرائية آنذاك فيستبدله بغيره أو يستثمره فيُستبدل بمال غيره، فإن فعل فقد ملك سلعة أو صورة أخرى من المال حتى أوان سداد الدين فإن باعها يبيعها بقيمتها من النقد الرائج وقت البيع وهذا هو ما عليه رده، أى إنه أخذ النقد ليشترى به قدراً معيناً من الطعام أو العروض فإذا حل الأجل فعليه رد مثل هذا القدر من الطعام أو العروض، لأن المال وسيط فى هذه الحالة وكأنه داينه العروض مباشرة، ولا يصح أن يبقى النقد فى يده طوال مدة الدين فإن فعل فلماذا أخذه من صاحبه فى المقام الأول. وأيضًا قد يرغب المقترض أن يقترض بالقيمة لو توقع إرتفاع قيمتها، ليردها بقيمتها الحاضر لأنه أستخدمها وبدلها وقت القبض.

ولا يجوز هذا القرض بالقيمة فى إقراض الذهب أو الفضة أو الأموال غير النقدية كالعروض والغلة والتى ترد مثل عددها أو كيلها أو وزنها مثل بمثل، وأنما يوصى به فقط فى العملات الورقية أو المعدنية التى اكتسبت قيمتها باتفاق الناس وقبولهم، والتى تزيد قيمتها عن قيمة معدنها أو ورقها، والتي تتقلب قيمتها الشرائية زيادة ونقصانا بدرجة كبيرة، وما خبرناه في العقود الخمسة الماضية أن قيمتها الشرائية في الأغلب تنقص كل سنة عن التي قبلها.

وأخيراً، نعود لنرد على القائلين أن الفائدة البنكية هي لتعويض نقص القيمة الشرائية للنقود الرائجة، فنقول أنه لا يجوز وقت قبض القرض إشتراط زيادة معلومة عوض تغير في القيمة مجهول، لا يعرف أتنخفض قيمة النقد أو ترتفع، وان انخفضت وإن أرتفعت فبكم؟  كل هذا في علم الغيب ولا يعرف التعويض إلا عند حلول الأجل. ولا يصح العقد لما يكتنفه من غرر وجهالة، الغرر الذي لا يدرى هل يحصل أم لا، والجهالة في عدم تحديد تغير القيمة وعدم تساوي العوضين.

  

والنتيجة التي نصل إليها: الفائدة البنكية ربا.

مما سبق .. نجد أن الفائدة التى تدفعها البنوك التقليدية لقاء الأجل هي زيادة على مال مضمون، ، وكل زيادة دون عوض على مال مضمون فهي ربا.. وكذلك الفائدة التي يتقاضاها البنك زيادة على ما يقرضه للمحتاجين ولأصحاب الأعمال فهي ربا لأنها أيضًا زيادة دون عوض أشترطها المقرض زيادة على ماله المضمون.

وقد نهى الإسلام عن إكتناز المال وتعطيله لما في هذا من إضرار بالمجتمع وبصاحبه، وحث على تنمية المال وعلى العمل فلا تُعطل الطاقات المنتجة في المجتمع الإسلامي، والسبل الشرعية لإنماء المال هي إما بالعمل فيه أو بدفعه إلى من يعمل فيه.وقد حرم الشرع الفائدة الربوية، ولا يحرم الشرع معاملة يحتاجها الناس إلا ووفر بديل لها أفضل منها. وقد وفر الإسلام معاملة المضاربة لقضاء حاجة الناس الذي يرغبون تنمية أموالهم وليس لهم قدرة أو خبرة في مجال الإستثمار، ولقضاء حاجة من لديه الخبرة والقدرة على العمل ويعوزه التمويل. المضاربة هي المعاملة يقوم عليها الإقتصاد الأسلامي الصحيح، والتي نأمل أن تتعامل بموجبها البنوك والمؤسسات الإسلامية مع المودع من جهة، ومع أصحاب الأعمال الذين تمول مشروعاتهم من الجهة الأخرى.

Introduction

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Almudarabah.com & islamandsciencetoday.com are websites established to publish contemporary Islamic research, with the aim of providing a venue for Muslim scholars and intellectuals to review and discuss such issues.

Our researches are in the Arabic language because this is the language of the holy Quran, Hadith, and the majority of the Muslim scholars’ writings accumulated throughout the various ages of Islam. Gathering and reviewing such information from its original sources is essential to ensure that none of the original meaning is lost or misinterpreted during translation, especially for the verses of the Holy Quran and Hadith.

Although our researches are in the Arabic language, and at this time, only a few articles are published in the English language, we will Inshaa’Allah put an effort to write brief articles in the English language to summarize the outcome and conclusions reached in our studies, hoping to involve the very important and valued contribution of the non-Arab Muslim scholars, who during the history of Islam, have played a major role in advancing and enriching our culture and knowledge.

On the other hand, we consider translating the full published research and studies is of great importance, but this is an enormous task beyond our means and ability. That is why, we welcome any serious party willing to carry out part or parts of this tremendous task, their reward like ours, will be Inshaa’Allah the blessings of Allah.

Finally, we are hoping that this site will become a virtual conference place or a kind of workshop for all serious open-minded Muslim thinkers to review, share, discuss and hopefully guide and advance this research.

In today’s world of vast; varied and specialized knowledge, which is continuously advancing and opening new fields and horizons, no one man can master and conclude any subject. However, serious studies and research shall start from one point, then it should be placed in the open, to be reviewed by many intellectuals each in his or her specialized field, to scrutinize, examine and contribute toward advancing such research till it reaches its final or near final conclusion.

I have also advanced the researches and I am publishing them on Amazon/Books: 

Click here to go to the page of ‘List of Published Books‘.

www.amazon.com    Category books and put in the search box: Wassim Lababidi

Image of the Book Covers are shown under this Introduction and how to read the eBooks on any device.

The English language books are published on Paperback and eBooks.

The Arabic language books (shown on the Arabic Front Page) are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone.

All books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim (Arrange by “Oldest” to view the videos in order) And YouTube. 

To view the newly downloaded videos, Please click here to reach the page with the new addresses.

Please visit the YouTube channel and view a video, leave a comment or subscribe, so I know it is working and to avoid YouTube closing it. Thank you.

The main studies we are introducing on this site are:

Al Mudarabah: comprehensive research; which was printed a couple of decades ago in a 440 pages book and was distributed to academics, scholars and intellectuals working in the various fields of Islamic banking & financial institutions. The whole book is published again in digital form in this website, providing a valuable reference and materials useful to researchers, economists and bankers.

The research reviewed and listed the conditions of the Mudarabah contract, and its application in our modern times, and showed that it can be safely used as it has built in, adequate safeguards and conditions to equally protect the interest of the two partners and to ensure a satisfactory outcome of the business transaction. It also provides the means to justly measure the value of each party’s contribution and accordingly its fair share of the profit. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Al Mudarabah/Introduction’.  

Al Zakat: Scholars have differed since early Islam on the rules of and dues under Zakat. Based on the Quran, Sunnah, Hadith, and other Islamic sources, the research provides a different and new understanding of this religious duty (فريضة الزكاة), leading to a well-defined rule applicable equally to all types of money, investments and economic activities. A more detailed brief is published on page ‘Menu/Al Zakat’.

Creation: In this 21st century, the issue of creation is still troubling all religions, and the debate is still as engaged as it was 160 years ago when the concept of evolution was first published. However, we –Muslims- are blessed with the holy book which was revealed to our prophet (PBUH) some 1400 years ago.

Our research methodology is 1) to gather and list all the relevant verses in the Quran which cover the topics of creation, the observed universe and life. In the same time, 2) review and summarize the latest scientific theories and concepts covering various fields of the present human knowledge, 3) review and study the early scholar’s interpretations of the gathered Quranic verses relevant to this subject. 4) we looked at the direct meaning of the words as listed in the early accepted Arabic dictionary books (Ma’ajem  معاجم اللغة), to reach the direct meaning of the Quranic verse.

In all the verses we studied; the direct interpretation of these verses did not disagree with any of the contemporary scientific understandings, including the concepts of evolution and the creation of the universe. This research extended to almost 400 pages, with Chapter 3 dealing with the creation of man and Chapter 4 dealing with the creation of the universe and with the physics of the observed world. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Creation’.

I sincerely hope that you will read and contribute to these researches. May Allah bless this great nation and direct us to the straight path.

Wassim Lababidi


The following are the books published on Amazon/books/Wassim Lababidi

For the eBooks:
All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile and computer.
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To get the App on your mobile, it is in the Google Play Store

To install the Kindle app on an Android device (mobile): Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install” Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it. 

To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password. 

Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.

                


Added Pages:

        Index of the Videos published on the Channel on FaceBook.

Blog/ Al modawanah

YouTube Channel ‘Al Mudarabah’ Addresses of Videos published are listed with links on the page titled Videos here in this website. The Links are not working because YouTube terminated the Channel. A new channel on Facebook is already established and I am republishing the videos on Contemporary Islamic Research | Facebook.

Important Notice: To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account / page.


I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim

Index of the Videos Published in the English Language on Facebook:

Unfortunately all the links to the videos are not working, so please go the Facebook page  Contemporary Islamic Research (you need to have Facebook account) and you will find many of these videos there.

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.


©

Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.



Update: 13/04/2023 

A new page/ channel is established on Facebook pages. Please click on the following address: Contemporary Islamic Research | Facebook

So far I uploaded most videos. You need to have a Facebook page or account. Please visit and write to me. Best regards.

مقدمة الباب الأول

مقدمة

يستمد الفقة الإسلامي أحكامه من مصادر أصلية ومصادر تبعية، والمصادر الأصلية هى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، أما المصادر التبعية فمنها المتفق عليها بين جمهور الفقهاء ، وهى : الإجماع، والقياس، والاجتهاد، ومنها المختلف فيها، وهى : قول الصحابى، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعرف وشرع من قبلنا.

ويستمد الاقتصاد الإسلامي أسسه وأحكامه من الفقه، وهو منهج حياة ينظم المعاملات البشرية على مستوى المجتمع والفرد، ويقوم الاقتصاد الإسلامي على مبادئ العدل والميزان والتراضى.

العدل فى توزيع الثروة وفى التكافل بين الناس، يقول الله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (سورة التوبة الآية 103). ويقول سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم فى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} (سورة التوبة الآية 60). وفي (لا ضَرَرَ ولا ضِرار)؛ فللمجتمع حق فى المال، فلا تبذير ولا تقتير ولا تعطيل ولا اكتناز.

والميزان فى تساوي العِوَض والمُعَوَّض في المبادلات، وفي تناسب البذل مع الكسب في المشاركات، وفي الغُنمِ بالغرمِ وفي الخَراج بالضَّمان، والميزان في النهي عن الربا والغرر والمَيْسرِ وأكل أموال الناس بالباطل، وكلها تؤدي إلى عدم تعادل كفتيه. ثم يأتي شرط التراضي ليعادل كِفَّتي الميزان في الحالات التي يكتنفها الغرر والجهالة اليسيرتين، ولتحقيق التراضي المبني على العلم …. فإن كل ما يؤدي إلى النِّزاع والشقاق مَنْهي عنه، وكل إكراه واستغلال وخيانة وغش منهي عنه.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

مجالات الاستثمار في المضاربة

تقوم المضاربة على أساس أن يدفع الرجل ماله إلى من ينميه بالعمل في مجال التجارة، على أن يقتسما الربح بنسبة شائعة بينهما، وهذا يشابه المبدأ الذي تقوم عليه معاملتا المزارعة والمساقاة، إلا أن المضاربة لها شروطها الخاصة بها لأن المال فيها معرض للهلاك أكثر من تعرضه للهلاك في عقدي المزارعة والمساقاة، لأن العامل يتصرف فيه بيعاً وشراء فيتبدل من حال إلى حال، ولهذا اجتهد الفقهاء – منذ فجر الإسلام وإلى يومنا هذا – في بيان حدود المضاربة ووضع شروطها، وقد يكون حصرهم لها في حدود التجارة قد نتج عن أنها كانت في الأصل تستخدم في هذا المجال، ففي العصر الجاهلي والإسلامي المكي كان القراض من وسائل التمويل المستخدمة بجانب التمويل الربوي، الذي حرِّم في القرآن الكريم في آخر ما نزل في المدينة من آيات الربا، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الشريف:

{ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا}(سورة البقرة الآية 275)

ومكة في العصر الجاهلي، وبحكم موقعها المتحكم في أحد الخطوط المهمة للتجارة العالمية … كانت مجتمعاً يتكسب بالدرجة الأولى من التجارة، وكان لأهلها رحلتان في كل عام : رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام. وكان الطريق التجاري محفوفاً بالمخاطر والمشقات، فأقاموا الأحلاف وعقدوا العهود مع القبائل العربية الأخرى لتأمين الحماية لقوافلهم، وساعدهم على ذلك ما كانوا يتمتعون به من مركز مرموق، واحترام عند قبائل العرب، فأدى هذا الاستقرار إلى أن ازدهرت تجارتهم فأصابهم منها الخير الكثير.

إلا أن السفر مع القافلة كان من الأمور الصعبة الشاقة التي لا يقدر عليها سوى ذوي القوة والعزم والجلد، فكان أغنياء قريش وموسريها – الرجال منهم والنساء ممن لا قدرة لهم على تحمل هذه المشقة وبذل هذا الجهد – يدفعون بأموالهم إلى من يتاجر لهم فيها لقاء نصيب من الربح، ومنهم من كان يقرضها بالربا إلى التاجر الذي يعوزه التمويل، ويقال إن العباس بن عبد المطلب ورجلاً من بني المغيرة وفي رواية أخرى وخالداً بن الوليد، كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف، ويقال إن من تسلف هم بنو المغيرة من أهل الطائف كانوا تجاراً يتسلفون لتمويل تجارتهم بالربا، والله أعلم.

ونظراً لقدم عهد القرشيين بهذه التجارة، وتحكمهم في طريقها، وتنظيمهم لشؤونها، ومكانتهم بين العرب، لم يكن لأحد أن ينافسهم في تجارتهم هذه، مما نتج عنه أنها كانت في أغلب أحوالها تجارة رابحة، إلا أن تتعرض قوافلهم للسيول الجارفة أو الأعاصير وغيرها من العوامل القاهرة، أو أن ينشب النزاع بين القبائل لثأر أو لغيره من الأسباب التي قد تعكر صفو العلاقات فتختل تجارتهم، فيتدارك المكيون هذه الخلافات ويعالجونها بحكمة حتى تعود تجارتهم إلى عهدها الزاهر. وكان للعرب في الجاهلية أسواقهم المحلية أيضاً مثل : عكاظ ومجنة وذو المجاز.

وقد سافر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه القوافل أكثر من مرة، أولها مع عمه أبى طالب وهو يومئذ صبي في التاسعة أو الثانية عشرة من عمره على الأكثر، ونزلت القافلة بسوق بصرى الشام، ثم سافر وهو فتى في العشرين من عمره، وصحبه أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى الشام، وكانت السيدة خديجة رضى الله عنها ذات مال تتجر في مالها بطريق القراض مع من تثق فيه من التجار، فلما سمعت بأمانة وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم دفعت إليه ببعض مالها فسافر به عليه الصلاة والسلام ومعه غلامها ميسرة إلى الشام، فربح في تجارته.

وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة … كان أهل المدينة يتكسبون من الزراعة والنخل، وكانت عندهم معاملتان مشابهتان للقراض هما المزراعة والمساقاة، يدفع الرجل أرضه أو شجره إلى من يزرعها أو يقوم عليه بجزء من الزرع أو الثمر، ومثل هذا ما عرضوا على المهاجرين بعد عرضهم أن يملكوهم الأرض ليتكسبوا منها. وكان بعضهم يعطي الأرض على أن له ناحية من الزرع فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأصبح نصيب كل من رب الأرض والمزارع مشاعاً في الزرع أو الثمر.

وشرعية المضاربة مبنية على أنها سنة تقررية، أي إن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرها على ما كانت عليه من حيث المبدأ، ولأنها كانت في التجارة … فقد حصرها الفقهاء الذين اعتبروها على خلاف القياس في حدود التجارة، إلا أن بعضهم قد أجاز للمضارب أن يستثمر مالها في مجال الزراعة، ويبدوا أن هذا من تأثير المدينة التي اعتمد المسلمون فيها على الزراعة كمصدر كسبهم، أما عندما تطرقوا إلى استثمار المال في مجال الحرف، والتي لم تكن من وسائل الكسب المشهورة في مكة أو المدينة؛ فقد منعها الجمهور عدا الحنابلة وهم من قالوا إن المضاربة أصل يقاس عليها.

وسواء كانت المضاربة أصلاً أو خلاف القياس … فإن المبدأ الذي تقوم عليه هو صحة استحقاق العامل الكسب بعمله، وصحة استحقاق صاحب المال الكسب بضمانه، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : الخراج بالضمان، ولقوله عليه الصلاة والسلام في أفضل الكسب: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور. ولو عمل الرجل في ماله فربح، فربحه حلال له لقاء العمل ولقاء المال، ولا يختلف إن عمل في التجارة أو الصناعة أو غيرهما، فإن كان المال منه والعمل من آخر وربحا فهذا يستحق نصيباً من الربح لماله، وذلك يستحق نصيباً لعمله.

ولا علاقة لهذه المعاملة بالإجارة؛ فالعمل ليس ما يقصده رب المال، والأجر ليس ما يقصده العامل، وإنما قصدا الربح، هذا مخاطر بماله وذاك مخاطر بعمله، وكلاهما يأمل في تحقيق الربح. وليس في هذه المعاملة شبهة ربا، ولا أكل أموال الناس بالباطل، ولا يشوبها أي من المحرمات أو ما نهى عنه أو مما كره وقد جازت بالإجماع.

والتجارة حلال والزراعة حلال والصناعة حلال وكلها عمل يبارك الله لمن يتقنه ويحسنه ويخلص فيه. ومهما كانت الأسباب التي دعت الفقهاء إلى منعها في غير التجارة – ولا نشك في صوابها آنذاك – إلا أننا لا نستطيع إيجاد سبباً يدعونا إلى حصرها في مجال التجارة، فيتوفر التمويل بالمشاركات للتجار والزراع، بينما يترك أصحاب الحرف والصناعة بدون التمويل، والذي بدونه لن تدور عجلة الإنتاج بالكفاءة المرجوة، ولن تكون هناك تجارة إلا تجارة ما نستورده من الدول التي تمول مصانعها بالربا، والصناعة الحديثة تختلف عن صناعة أصحاب الحرف؛ فإن أمكن استئجارهم … يصعب استئجار مصنعاً، بل ولن يبنى مصنعاً على أساس أنه سيكون متوفراً لمن يريد استئجاره، وبالطبع … يمكن إحالتهم إلى الشركات ولكن رب المال قصد المضاربة لأنه عاجز أو منشغل، أضف إلى هذا كله أن إحالة رب المال إلى الإجارة والشركة مع أصحاب الحرف فيها تفريق، فكما يحال هذا … كان يمكن أن يحال المقارض والتاجر إليهما، وكما يمكن أن يُستأجر صاحب الحرف … يمكن استئجار التاجر أو عقد شركة معه، وهذا ما لم يقال به في المضاربة فقد رخص بها للحاجة إليها لأن الاستئجار لا يحل محلها ولو حل لم يرخص بها.

وقد خصص هذا الباب – من هذه الدراسة – لهذا الموضوع لأهميته القصوى في بناء اقتصادنا الإسلامي المعاصر، والذي من دعائمه المشاركة بين المال والعمل، وتكييف هذه المشاركات بما يناسب ظروف عصرنا وتقتضيه الحاجة الملحة وبما يعود بالخير على الأمة الإسلامية.

<< previous page next page >>

الفصل السادس

فوائد البنوك التقليدية والربا

هل فائدة البنوك التقليدية ربا؟ أم هي لقاء المخاطرة بعدم قدرة المدين على السداد، أو لقاء منفعة المال أو حق الإنتفاع بالمال في فترة الدين، أم هي الربح الذي يقدره البنك وفق دراسات الجدوي التي يقوم بها، أم هي تعويض إنخفاض القيمة الشرائية للعملات المالية الرائجة نتيجة التضخم، أم هي ليست ربا لأنها ينتفي عنها عنصر الإستغلال والتحكم الذي يقول البعض أنه كان في ربا الجاهلية الذي كان أضعافا مضاعفة ولهذا حرمه الشرع، والذي عندنا اليوم قليل ولهذا لا بأس به. 

يحاول البعض التفريق بين الفائدة المُتعامل بها فى البنوك التقليدية والربا، فالربا عندهم هو القرض الاستغلالي، أما الفائدة التى ينتفي فيها عنصر الاستغلال ويتوافر فيها تراضي الأطراف فهذه ليست الربا. وهذه المحاولات نابعة عن ظنهم، وقد نشئوا فى هذا النظام الاقتصادي المؤسس عليها، أن المعاملات لا تصلح دونها، ولصعوبة تخيله دونها؛ فقد أصبحت من البديهيات المسلم بصحتها، وهى ليست كذلك.

لم تعرف المجتمعات الأسلامية البنوك الربوية إلا منذ حوالي مائة وأربعون سنة، كان الناس يتعاملون قبل ذلك بالمضاربة والمشاركة والمزارعة والمساقاة وغيرهم من المشاركات التي يتوفر فيها العدل.

والشارع حرم الربا أي كانت نسبته من الدين، والبيان في الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} سورة البقرة، في قوله تعالى لكم رؤوس أموالكم، يبين بوضوح أن الذي يعود الى الدائن رأس ماله فقط ولا يزداد عليه شيء، أي دون أي زيادة صغرت كانت أو كبرت.

وهذا يرد على القائلين أن الربا المحرم هو فقط الأضعاف المضاعفة، إذ في قوله سبحانه وتعالى:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً { آل عمران:130} هو بيان ما كانوا عليه لا اختصاص التحريم بحالة المضاعفة .قال الشوكاني في فتح القدير:  وقوله {أضعافا مضاعفة } ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين”. أي أن النهي كان عن كل ما زاد عن رأس المال، ليس فقط عن الأضعاف المضاعفة والتي كانت لذكر واقع ما كان بعضهم عليه. ولهذا، وإستنادا على الآية التي ذكرناها من سورة البقرة، فأي زيادة دون عوض على مال مضمون، فهي ربا.

وحيث إن الشارع لم يبين علة تحريم الربا، والعلة هى ما يدور معها الحكم الشرعى وجوداً وعدماً، يبقى النص الشرعى بالتحريم قائماً بغض النظر عن الظروف والأسباب، فلا يرتبط التحريم باستغلال أو غيره؛ فقد نزلت آيات التحريم والناس يتعاملون بالربا عن رضى فأبطلت الشرط الربوى أى كانت الأسباب التى نشأ عنها.

وحكمة تحريم الربا كما ذكر الإمام الرازى أنه يقتضى؛ أخذ مال الإنسان من غير عِوض. والحكمة هى مقصد الشارع من الحكم الشرعى. وعلى هذا .. فإن كل زيادة لا يقابلها عوض تكون محرمة لأنها تدخل فى باب أكل أموال الناس بالباطل.

وإذا بحثنا الزيادة الناتجة عن فائدة ربوية تضاف إلى دين، فهذا كسب والكسب الشرعي فى الإسلام يُتحصل عليه إما بالمال أو بالضمان أو بالعمل.

المال إما له نماء طبيعي كالسوائم أي الحيوانات التي ترعى في الأرض الكلأ، أو ينمو بالعمل كالتجارة والإستثمار، بناء على القاعدة الشرعية الخراج بالضمان؛ أى إن المالك له نماء ماله لقاء تحمله إحتمال خسارة بعضه أو هلاكه. وأن المدين له نماء هذا المال إذا دفعه للعمل فربح فالربح له لأنه ضمنه لمن أعطاه المال، فإن كان قد خسر فعليه الخسارة من ماله ويرد للدائن كامل الدين أو القرض.

أما العمل فهو بيع منفعة بمال؛ أي عندما يؤجر مالك بيت البيت، فأنه يبيع منفعة البيت وهو السكن فيه لفترة محددة لقاء مال. وعمل الرجل منفعة فيمكن استئجار العامل والنجار فتكون الأجرة ثمن المنفعة، أما إذا كان العمل هو عمل مضارب في مضاربة، فالمضارب يشارك بقيمة العمل – وهى مال – فيستحق الكسب بأكثر من قيمة عمله لقاء قبوله بتحمل خسارة قيمة العمل لو لم ينمُ المال.

وقبل أن نترك موضوع الضمان، دعونا ننظر في قاعدة الخراج بالضمان والغنم بالغرم: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”الخراج بالضمان“ وقال صلى الله عليه وسلم: ”الغلة بالضمان“ أي إن المنفعة والنماء لمن يملك، و معني الملك هنا هو من يخسر اذا هلك المال. فان كانت المال مملوكاً من رجل فاقرضه أو أسلفه أو داينه -وهي عقود تمليك- الي آخر فقد ملّكه هذا المال الي أجل أو الي أن يرده، فإن هلك المال عند المقترض فعليه أداء مثله ولهذا فالخراج له.

أما الوديعة والأمانة والرهن فهؤلاء لا يفارقون ملك صاحبهم ولهذا إن هلك المال المودع أو المرهون فالخسارة علي صاحبه لا علي الأمين الذي أودع عنده المال الا اذا تعدى، فإن تعدى ضمن فله غنم المال وعليه غرمه لأنه يكون انذاك قد ملكه بالضمان (ويتعدى الأمين إذا تاجر بالمال المودع لديه لإنه تصرف في مال غيره دون أذنه فيضمنه).

قلنا أن الرهن أمانة في يد المرتهن ولا يضمن الا بالتعدي، ولا ينتفع به المرتهن الا اذا كان مما له نفقة فينتفع به نظير نفقته فتكون المنفعة عوض النفقة، قال الرسول صلعم ”الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلي الذي يركب ويشرب النفقة“ وهذا مذهب أحمد واسحاق وخالفهم الجمهور لإحتمال عدم تساوي النفقة والمنفعة، وقالوا مؤونة الرهن وأجرة حفظه على مالكه وله منافعه ونماؤه، والمقصود تساوى العوضين فان اتفقا وتراضا أجر المؤونة والنفقة لقاء المنفعة جاز، وإن شاءا أن تكون النفقة على الراهن وله أجرة المنفعة صح، فإن لم يكن له مال كان ديناً عليه وكان ثمن المنفعة قضاء لهذا الدين أو لبعضه، ولا يصعب الحساب في هذا الأمر والمرتهن أمين لأن الرهن أمانة، والنماء في الحالتين للراهن، قال الرسول صلعم ”لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه“، ولو هلك المرهون في يد المرتهن من غير تعدِ فالغرم علي الراهن، والدين علي حاله، واذا حل أجل الدين وعجز الراهن عن السداد تباع العين المرهونة ويضاف خراجها مدة الرهن وتخصم نفقتها، فيسدد الدين من المال وما فضل لصاحبها وان نقص مال فعليه.

أما القرض، فهو في الشرع ليس من المعاملات التى يقصد منها الكسب، وإنما هى نوع من أنواع الصدقة، ومن أعمال الخيروالتعاون بين الناس، وله أجر وعِوض عند الله. أما الدّين إلى أجل مسمى، فقد يكون مساعدة أيضاً أو قد ينتج عن معاملة تجارية أو عقد، وقد يكون لقاء رهن؛ أى إن مسئولية المال وضمانه تصبح على  المدين، ولهذا فليس للدائن زيادة على ماله. إلا لو كان الضمان عليه مثل الدين الناتج عن البيع المؤجل فيه الثمن.

لو نظرنا الى التبريرات التي يحاول البعض تقديمها لبيان أن الفائدة البنكية ليست ربا، نجد أنها ليست صحيحة وتنافي الفكر السليم.

الفائدة لقاء المخاطرة:

فإذا قيل أن الدائن يتحمل مخاطرة أن لا يستطيع المدين رد الدين، ولهذا فيصح له أخذ الزيادة؛ لأن هذه الزيادة لقاء هذه المخاطرة، ففي هذا غرر، فالمخاطرة مجهولة وعوضها معلوم وهو الزيادة أي الفائدة الربوية، ولا يجوز أن يجهل أحد العوضين فى معاوضة، لأن الزيادة عوض مخاطرة مجهولة الكم تتراوح بين الوجود والعدم؛ فإن حدثت فلها كم ولكنه ليس بالضرورة مساوياً للعوض وهو الزيادة المتفق عليها.

وهى إن حدثت .. أي أن المدين لا يستطيع سداد بعض أو كل الدين، فإن الزيادة والنقص فى الأصل لن يتمكن المدين من سدادهما، ولهذا فشرط الزيادة عوض عدم تمكن المدين من سداد الأصل هو شرط لا يمكن تطبيقه إذا أصبح المدين غير قادرا على سداد الأصل فكيف يسدد الزيادة. وإن لم يحدث تقصير فى السداد يدفع المدين الزيادة التى كانت لقاء احتمال عدم قدرته على السداد، وهو قد سدد فانتفى الاحتمال وانتفت بالتالي أسباب الزيادة فإن دفعها يكون قد دفعها دون عوض، وهذا ربا.

والحقيقة أن اشتراط زيادة هى عوض مخاطرة احتمال عدم سداد المدين أصل مال الدين؛ والذى لو حدث فلن يتم تسديد هذه الزيادة أصلاً، وإن لم يحدث لم تستحق، هو شرط لا معنى له، والشرط الذى يناقض مقتضاه ويستحيل تنفيذه لغو ولا يعمل به ولا يقبله المنطق السليم.

وهذا يختلف عن المخاطرة المقصودة فى الاقتصاد الإسلامي وهى المخاطرة التى يتعرض لها مال مستثمر بهدف العائد؛ الذى يحتمل أن يكون ربحا ويحتمل أن يكون خسارة؛ والربح هنا حلال لقاء قبوله باحتمال الخسارة إن حدثت، وكلاهما مجهولان وقت مباشرة الاستثمار، ويعودان إلى مالك واحد؛ فإن كان ربح فله وإن كانت خسارة فعليه؛ أى إن العائد الموجب وهو الربح يكون لقاء مخاطرة حقيقية فلا يمكن أن يجتمع الربح والخساره فى معاملة واحدة فهما صفتين لشيء واحد هو عائد الاستثمار.

والمعاملات إما معاوضات ويشترط فيها تساوي العوض والمعوض، او مقابلات فيشتركان في الربح والخسارة، أما الربح أو الخسارة فلا يعرف أو تعرف إلا من خلال دورة شراء ثم بيع، وهذان معاملتان لا معامله واحد؛ بينما الدين الربوي معامله واحدة يجتمع فيها ربح احدهما وخسارة الثانى دون بيع أو مشاركة.

والمخاطرة لا تباع وتشترى وإنما هي طبيعة معامله، المقصود منها أن نتيجة هذا الاستثمار قد يكون ربح او خسارة، أي أن الربح ليس ثمن المخاطرة ولكنه ناتج الاستثمار الفعلي، ولو كان ثمة ثمن موجب للمخاطرة لكان كل استثمار رابح (كما هو الحال في القروض الربوية، المقرض دائمًا رابح).

كما ذكرنا قبلا، الربح الحلال هو ما ينتج عن العمل في المال ويتولد من العمل والمال، وليس لقاء الأجل أو التأجيل، وعلى هذا الأساس صحت المضاربة وهي إذا دفع المستثمر ماله إلي من يعمل فيه فإن ربَح المال فله بعض الربح وعليه كل الخسارة، وباقي الربح للمضارب نظير عمله الذى لا يأخذ أجر عليه؛ فإن لم يكن ثمة ربح فلا شئ للمضارب والمال لصاحبه، لأن عمل المضارب يقاس  بمعيار نماء المال؛ فإن لم ينم المال بالعمل.. فلا قيمة للعمل.

وقد قلنا إن المخاطرة المحتملة في استثمار مال تبيح الكسب لصاحبه إذا كان هذا الكسب شرعياً ومتولداً عن نماء مال او عمل، والمخاطرة هنا لا تعني سوى تحمل صاحب المال مسئولية هذا الاستثمار في حالة الخسارة، والخسارة هي هلاك بعض او كل المال المستثمر، ويجب أن نذكر هنا أن كل صاحب مال يتحمل وحده مسئوليه ماله المعرض للخسارة أو الهلاك وان لم يدفع به في مجالات الاستثمار؛ – فهذا من طبيعة الاموال- كما هو الحال في السوائم، ولهذا كان نماء المال وخراجه وغلته لصاحبه.

أما النقود فليس لها نماء طبيعي – وليست معرضة للهلاك (عدا تعرضها للسرقة او الغصب). قلنا ليست معرضة للهلاك كغيرها من بقية الأموال كالطعام والحيوان والبيوت اذا لم يتصرف بها بيعاً أو شراء. فاذا اقرضها –أي النقود- فإن من إقترضها يصبح ضامناً لها ومزكياً فيها من ماله، وفي الحالات التي قد يعجز المدين عن السداد فانه يظل مديناً لصاحبه حتي يوفيه دينه، فإن عجز فإن في أموال الزكاة باب للصرف علي الغارمين، فان لم يك في أموال الزكاة وبلغ المدين أجله قضي دينه من بيت المال فان لم يك تطوع أهله واصحابه، أو عفا الدائن ومن عفا عن معسر فله أجره عند الله.

أما ما يعبر عنه الفقهاء بقاعدة الغنم بالغرم، فلا تعني هذه القاعدة جواز أن يكون عوض المخاطرة مالاً، فلا يوجد أى استدلال منطقى قد يوصلنا الي هذه النتيجه

فالغنم بالغرم لا تعني اكثر من أن نماء المال – لمالكه – سواء كان مالكاً أو ضامناً أو متصرفاً بعقد تمليك، وأن نقصانه عليه، وبخروج المال الي مجال الاستثمار بغرض الانماء قد يتعرض للخسارة و بهذا قد نقول مجازاً إنه يخاطر بالمال، وهذا بالطبع لم يكن قصده فهو استثمر بقصد الربح لا المخاطرة، والربح يولد عن المال والعمل ولا يولد عن المخاطرة فهي وصف لحالة و ليست من المسببات. والغنم وهو الكسب والفوز يقابله الغرم والمقصود بالغرم هنا تحمل المسئولية وبذل الجهد بهدف الربح مع إحتمال عدم تحقق الربح وحدوث الخسارة ، وهذان يمكن الجمع بينهما، أما الفوز لقاء المخاطرة باحتمال حدوث الخسارة أى الفوز بالخسارة فهذان لا يجتمعان، إما ربح وإما خسارة. والمعنى الذى يحلل المكسب لقاء المخاطرة وحدها ينفيه كلية تحريم القرآن الكريم للميسر وتحريم الرسول صلى الله عليه وسلم لبيع الغرر، وكلاهما قد يؤدى إلى كسب لقاء مخاطرة فيفوز أحدهما من خسارة الثانى دون عوض وهذا حرام. فان قال قائل أن البيع قد يفوز فيه أحدهما ويخسر الثاني، وهذا ما جائت به الإية الكريمة {….ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ …..} آية 275 سورة البقرة، فالبيع يشترط فيه تساوي العوضين، أي تساوي الثمن وقيمة العين المباعة، ودليل التراضي. أما الربا، فعدم التساوي واضح إذ يقول أعطيك ألف درهم وتردهم بعد سنة ألف ومائة، لا تساوي هنا، ولا يفيد التراضي هنا لأن عدم التساوي بين واضح.

الغُنم المسموح به هو غُنم رب المال نماء ماله لقاء تحمله مسئولية أو ضمانه هذا المال، وهذه معاملة فى مال واحد بعينه ولربه ولا يدخل فيها طرف آخر يأكل أحدهما من مال الآخر دون عوض أي بالباطل، والدين المضمون ينفصل غنمه وغرمه عن صاحبه فيكون حكمه حكم المال المملوك للمدين بتحمله مسئولية رده أى بضمانه.

ولهذا فمفهوم لفظ المخاطرة التى تحلل الكسب، يقصد به مخاطرة المستثمر – فقط – أى قبوله المسئولية والتبعات التى قد تنتج عن دفع ماله أو عمله – وهو مال – فى استثمار مشروع بقصد انماءه، فإن لم ينم المال وأصابته وضيعه فعليه وحده هذه الخسارة. ولا يعنى أبداً استحقاق الكسب كعوض للمخاطرة أو لقاء المخاطرة بماله، فهذه ليست من المال ليُبادل مال بها، ولا ثمن لها، وإنما يعرف الكسب أو الخسارة عند انتهاء الاستثمار وعودة المال إلى نوعه الأصلى. والكسب إذا تحقق لا ينتج أو يتولد عن المخاطرة وإنما يتولد عن الأصلين المال والعمل.

أما ما يحدث فى الديون – فى أرض الواقع – فهو أن الدائن أي البنك يأخذ الضمانات الكافية لاسترداد الدين وبهذا يكون قد ضُمن له ماله فانفصل عنه، ويكون للمدين الذى ضمن غُنم المال وعليه غُرمه، فإن أخذ البنك زيادة على ماله المضمون فقد أربى. أما فى حالات عجز المدين عن السداد مع عدم كفاية الضمانات والرهون وهى نادرة، فإن البنك لا يصيبه ضررا لأنه يأخذ الزيادة أو الفائدة من آلاف المقترضين، فيغطى من الزيادة التي أخذها من كل هؤلاء خسارة أحدهم، وفى هذا ظلم لأنه يأخذ مالاً من الناس لتعويض خسارة فى معاملة أخرى لم يكن لهم فيها مصلحة أو ضمان يشتركوا به فى كسبها ليتحملوا خسارتها. بل وهم أدوا ما عليهم من دين ولم يتخلفوا عن السداد فلماذا يدفعوا للبنك ثمن عجزهم عن الوفاء بالدين وهم قد سددوه. ففى هذا أكل أموال الناس بالباطل.

الفائدة لقاء التنازل عن حق الانتفاع:

وقد يقال أيضاً إن الزيادة هى ثمن حق الإنتفاع الذى تخلى صاحبه عنه خلال مدة القرض، والمال لا ينتفع به إلا بصرفه أي بهلاكه، أى لا نفع منه إذا ظل فى يد صاحبه وليس من صفاته النماء الطبيعي كالشجر والحيوان فهو إن بقى فى يد صاحبه ولم يستثمر لن يزيد. وحق الإنتفاع الذى يملكه صاحبه لا يحصل إلا بإستثماره في تجارة أو غيرها،  وهذا لا يعرف نتيجته سالبة تكون أو موجبة، ولا يجوز بيع المعدوم غير المعروف هل سيوجد أم لا لعدم جواز بيع الغرر. ولهذا فإن هذا الانتفاع مجهول لا تعرف نتيجته وبالتالى لا يجوز تقييمه والإلزام به وقت العقد.

الفائدة ثمن منفعة النقود:

وقد يقال إنه يبيع منفعة المال أى يؤجر المال، ولا يجوز تأجير ما يستهلك أصله عند الإنتفاع به، أو ما لا نفع له مع بقاء أصله، كالنقود – وإنما عقد الإجارة هو بيع منفعة معلومة – وإن كانت معدومة وقت العقد إلا أنه يغلب الظن بحدوثها – لقاء ثمن معلوم مع بقاء الأصل، مثل إجارة الدار والدابة والآلة والسيارة وغيرهم مما يؤجر أو تباع منافعه مدة معينة مع بقاء أصله – أى إن الإجارة هى عقد على منفعة العين مع بقاء العين على حالها دون تبدل أو تحول من صورة إلى أخرى، ولا يُستحق الأجر إلا بتحقق المنفعة واستيفائها، فإن لم تتحقق المنفعة لطالبها لم تجب الأجرة، وهذا شرط هام في عقود الإجارة، فإن أجرت سيارة ولم تعمل لم تجب الأجرة . والنقود لا منفعة لها إلا بصرفها. فإن أجرت وجب على المؤجر أن يضمن تحقق منفعتها لقاء الأجر وعليه وحده ضمان أصل العين المؤجرة، والأجر يجب أن يكون مساوياً للمنفعة لأن الإجارة من عقود المعاوضات التى يشترط فيها تساوي العوض والمعوض، ولهذا فالدين ليس من باب الإجارة في شيء لعدم جواز تأجير ما لا منفعة له مع بقاء أصله على حاله، وأن ساوى الأجر المنفعة فتوجب حدوث المنفعة ليستحق الأجر فيصبح له ربحه وعليه خسارته.

فماذا إذا افترضنا مبادلة هذا المال النقد مع مال له منفعة كعقار أو آلة، ثم بعنا منفعة الدار إلى من يستأجر الدار لمدة سنة مثلاً، ثمن هذه المنفعة فى السنة هو أجر الدار أى ثمن منفعة الدار، وفى نهاية مدة الاجارة تعود الدار إلى صاحبها فيبيعها لقاء نقد، فإن فرضنا أنه باعها بنفس ما اشتراها به فقد انتفع بالمال بقيمة الأجرة. وهذه حلال لأنه ملك الدار ومنافعها وضمن الدار والمنفعة، فأصبح الخراج بالضمان، ولم يضمن أحد له ثمن الدار، وكان من الممكن أن يبيع الدار في نهاية السنة بأقل مما اشتراها به فيتحمل وحده مسؤولية استثماره هذا وينقص ماله.

والحقيقة أن هذه المعاملة هى معاملة شراء دار شاملة منفعتها، ثم بيع المنفعة وحدها فى عقد اجارة وبيع الدار فى عقد بيع بعد انتهاء عقد الإجارة، وهذا شراء وبيع وينطبق عليه الآية الكريمة {وأحل الله البيع وحرم الربا} إذ لم يضمن له أحد ماله ولم يأكل مال أحد دون عوض، وإنما باع ما اشتراه فى بيعتين، أولهما بيع منفعة لفترة محددة، وبعد ذلك، بيع العين نفسها. والإجارة والبيع عن تراض كان يحتمل فيهما الكسب أو الخسارة، أما القياس عليه فلا يصح لأن الدين الربوي مضمون والزيادة مضمونة.

 

الفائدة ربح المال المحدد المقدر مسبقًا:

وقد يقال إن الفائدة هى ربح المال الذي قدّره البنك مقدماً، إذ يحدد الخبراء في البنك الأرباح مقدمًاً وفق دراسة الأسواق العالمية والمحلية وغيرها من العوامل المؤثرة على نتائج الأستثمار وفق دراسة جدوى دقيقة من قبل خبراء ذوي علم ودراية، فيُعرف تقدير مقدار الربح قبل حدوثه، وهذا في قول القائل بهذا الرأي من المتوقع والمؤكد ما سيحدث، ولهذا قال يصح أن يضمن البنك المال والربح للمودع.

أولا، أن المودع الذي ضمن له ماله، لا يجوز له أن يأخذ الزيادة لأنها زيادة على مال مضمون وهذا ربا.

وثانيًا؛ القول أن الربح الذي سينتج عن الإستثمار الفعلي سيكون مماثلاً ومطابقًا لذاك الذي قدره الخبراء، فهذا يستحيل في الظروف المتغيرة المتبدلة للسوق والإستثمارات، ويعرف هذا كل أصحاب الأعمال وحتى الحكومات والتي في كثير من الأوقات تتجاوز تكاليف مشروعاتها تقديرات دراسات الجدوي، وهذا يحدث في كل الدول المتقدمة.

لا يمكن لأحد تقدير نتيجة أي استثمار بهذه الدقة والتطابق بين التقديري والفعلي المتحقق، فإن تجاوزنا وقلنا أنه حدث في مشروع، لا يمكن القول أنه حدث في كل المشروعات الأخرى وبنفس نسب الربح مع اختلاف المكان ونوع الإستثمار والإدارة!! وأن يتكرر هذه التماثل كل سنة! ولنا في قوله سبحانه وتعالى { وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ). (سورة لقمان: 34) ما يمنع الأخذ بهذا التقدير بأكثر من كونه تقديراً. إذ يستحيل في أرض الواقع أن يكون الربح الذي تحقق فعلاً مساوياً ومطابقًا للمقّدر، فإن دفُع المحدد تقديراً وأختلف الفعلي عنه، كان في هذا أكل أحدهم لمال الآخر بالباطل.

وهذا بفرض أن البنك أستثمر المال وفق خبراته- والتي حدد بها الربح مسبقاً – مباشرة في التجارة أو الإجارة أو من خلال الاستثمار في شركة أو مشاركة أو مضاربة. ولكن الحقيقة أنه لا يستثمرها بنفسه، وأنما يقرضها الى من يستثمرها.

دعونا نفرض أن البنك يأخذ الأموال من المودعين بعقد مضاربة، فيحسب دراسة يقرر بها الربح الذي بموجبه يلتزم بالعائد الذي سيعطيه للمودعين ويلتزم لهم وقت إيداعهم المال بإعادة رأس مالهم وبهذا الربح. (وسبق أن قلنا إن الإلتزام بإعادة مالهم مع زيادة فهذا ربا، ولكن لنعود للمثل الذي نعرضه).

ثم يدفع البنك هذه الأموال مضاربة مرة أخرى إلى من يستثمرها فيحدد ربح هذه المعاملة الثانية مقدماً أيضاً بناء على الدراسات التي تحدد ما سيعمله المستثمر (في المضاربة لا يحدد صاحب المال العمل وأنما يحدده المضارب دون تدخل صاحب المال، ما علينا ولندع البنك يقدر الربح)، وهذا الربح يكون عادة أعلى من الربح الذي حدده للمودعين.

الذي أخذ المال ليستثمره، لا يهم البنك إن كان ربح أو خسر، فقد ألزمه بإعادة المال ومعه الربح أي الزيادة، أي كان نتيجة المشروع الإستثماري الذي نفذه. فإن أخذ البنك الزيادة على ماله المضمون فقد أربى.

أما القول أنه شاركه في الربح والخسارة، وان البنك ربحه مضمون، فهذا خداع  للنفس، فلا شيء مضمون. والقول أن البنك أستثمر المال بنفسه، فكلنا نعلم أن هذا ليس صحيحا، فإن فعل وخسر البنك أو نقص الربح عن المقدر، يظل ملتزما أمام المودع بالمال وربحه، والمودع يأخذ ربحا على مال مضمون  فيكون قد أربى. 

لا مانع في التقدير إذا كان تقديراً وإذا نَص العقد على أن الربح بينهما والخسارة على المودع،  وعلى ألا يؤخذ بالتقدير وإنما يؤخذ بالنتائج الفعلية أيما تكون، أما العقد القائم على الأخذ بالتقدير -مع إمكانية معرفة الربح الحقيقي- فهو عقد تكتنفه جهالة ولا يصح معها. ولا يجوز لمسلم أن يقبل بربح مضمون على ماله المضمون، فإن حقق ماله ربحاً سقط حقه في الربح بقبوله ضمان ماله.

الحقيقة أن هذا البنك يأخذ المال من المودع لقاء فائدة يسميها ربح أو كيفما يشاء فهي تظل فائدة وان اختلفت المسميات، ويقرضها إلى أصحاب الأعمال لقاء فائدة أعلى مما يدفعه إلى المودع، ولا يأبه إن ربح إستثمار أصحاب الإعمال أو خسر. ولو نظرنا الى الفوائد أو الأرباح التي تدفع عن مختلف العملات، نجد أنها لا تتحدد نسب هذه الفوائد وفق الأرباح المقدرة وإنما تحدد غالباً وفق سياسات إقتصادية في بلاد العملات الرئيسية وتختلف وفق العملة لا وفق التجارة أو الإستثمار، وإلا كيف يمكن تفسير إختلاف فائدة وديعة الدولار عن الإسترليني عن غيرهم من العملات في بلد واحد وظروف إستثمار واحدة. وكيف تكون أرباح كل التجارات والأستثمارات في الصناعة والزراعة والعقار وغيرهم في بلد واحد كلها متساوية كأن كل المشروعات خلال هذه السنة أنتهت على نفس الربح، كلام لا يصدقه صاحب عقل سليم..

الربا بيّن وواضح ولا يصح التقول فيما ورد في تحريمه نص قرآني، لا شك هنا ولا ريبة، والربح قبل حدوثه في عالم الغيب، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً، ولا يجوز في الشريعة الخرص أي التقدير إلا إذا تعذر معرفة الكيل أو الوزن، وهذا يسمح به في بعض البيوع والزكاة والمقاسمة، أما إذا أمكن معرفة الكيل أو الوزن لم يجز الخرص أي التقدير، ولهذا لا يجوز الأخذ بالتقدير مع إمكانية العلم بالعائد الفعلي عند نهاية الإستثمار. بل والخرص أي التقدير الذي جاء ذكره وأباحه الشرع في الحدود الضيقة المذكورة هو تقدير شئ موجود حاصل تراه العين وتقدره ولا يحتمل فيه الغرر بمعنى تقلب الشيء بين الوجود والعدم، أما التقدير المستقبلي الملزم مع إحتمال الغرر فيه فهذا لا يجوز.

وأخيرًا، كلنا نعلم أن البنك الربوي لم يقم بأي دراسة جدوى، ولم يقّدر أي ربح، وفي العموم؛ ليس في نيته الإستثمار في مشروع يحتمل الربح والخسارة، فهو دائما رابحا، لأنه في الواقع يقرض المال لأصحاب الأعمال وغيرهم لقاء فائدة، ومال القرض والفائدة مضمونان، فتكون الفائدة زيادة بغير عوض على مال مضمون، وهذا هو الربا.

 

الفائدة هي تعويض نقص القيمة الشرائية للمال:

وهناك أيضاً موضوع العملات –غير الذهب والفضة- التي قد يغلب عليها إحتمال تغير قيمتها الشرائية زيادة أو نقصاناً بدرجة كبيرة. القرض قد يكون عدداً من العملات الرائجة يرد بنفس العدد من نفس العملات الرائجة، أو –في حالة العملات التي يغلب عليها أحتمال تغير قيمتها الشرائية- يكون القرض بالقيمة الشرائية لهذه العملة المحتمل تغيرها على أن ترُد نفس القيمة الشرائية لها في الأجل، ونلفت الإنتباه هنا أن جواز القرض على القيمة مختلف فيه بين الفقهاء، والأكثر لا يجيزه، لأن الديون تٌقضى بأمثالها، وما تناولوه هو قرض على عدد من النقود الرائجة، نقصت قيمتها بعد تسليمها، فلما جاء أوان سدادها إختلف المتعاقدان هل يرد العدد أم القيمة، فرأى أكثر الفقهاء أنه يرد العدد، وقال البعض لو كان الإختلاف في القيمة فاحشا، أي الثلث أو أكثر، إما يرد القيمة أو يتقاسما. وهذا الموضوع يحتاج دراسة خاصة به، وما نعرضه يختلف عما ذكرناه، إذ أنهما يتفقان إما على العدد أو على القيمة ويتعاقدا على أحدهما قبل تسليم المال. ولهذا نرى الجواز شرط أن يتم تثمين القيمة وفق أدق المعايير من قبلِ خبير شرعي متخصص في التثمين. ومتى أجاز الفقهاء هذا القرض بشروطه، يصح القول آنذاك بجواز العقدين متى أتفقا وتحدد أيهما عند التعاقد، أي إما العقد على العدد أو العقد على القيمة.

وجواز الأول لأن صاحب المال قد رضى أن يكون ضمان قيمته عليه فإن أرتفعت فله وإن إنخفضت فعليه، والمقترض كذلك، فجاز لأن الخراج بالضمان، ولهذا يشترط الإتفاق المسبق.

أما جواز الثاني، لأنهما أتفقا على القيمة فأقرضه قيمة المال وكان على الثاني رد قيمته، كأنه أقرضه ذهبا أو فضة أو عروضًا، فوجب عليه رد ثمن مثل الذهب أو الفضة أو العروض عند حلول الأجل أي يكون ثمن المثل آنذاك.  شرط أن يتم الأتفاق المسبق وفق ايهما؛ فإن كان على العدد رد مثله، وإن كان على القيمة رد مثلها كثر العدد ام قل. 

ويجب التأكيد هنا على أهمية شرط الإتفاق وتحديد هل القرض على العدد أم على القيمة عند الإتفاق وقبل تسليم المال. ومتى أتفقا على أحدهما يعقدان عليه ولا ذكر للآخر في العقد.  

فإن كان عقدهما على القيمة تحدد القيمة الحاضر يوم تسليم المال بتحديد أن المال يشترى وزنًا يحدد من الذهب أو من الفضة أو غيرهما مما يتفقا عليه ويجيزه الشرع. فإذا جاء أجل أداء القرض يثمّن في وقته ثمن ما اتفقا عليه ويعاد هذا الثمن سدادا للقرض، أي كان العدد أكثر أو أقل. ويقوم بالتثمين في الوقتين خبير تثمين له دراية في التجارة وفي العلوم الشرعية.

وهذا يدخلنا في موضوع مهم، هو أن الدائن قد حفظ قيمة ماله النقدي لو إنخفضت قيمة هذا النقد وبهذا يكون قد انتفع من القرض، إلا أن هذا ليس صحيحاً، فهو قد قرر فى ذلك الوقت أن هذه الأوراق النقدية الرائجة يغلب الظن أن تنخفض قيمتها ولو لم يقرضها لحولها هو إلى مال آخر كالذهب أو العروض أو الغلة أو غيرهم مما يحافظ على قيمته، فهو إن لم يظن احتمال انخفاض قيمتها فلماذا يربطها بقيمتها الحال وليس بعددها. والذى يأخذ مال القرض يستهلكه فى حينه بقيمته الشرائية آنذاك فيستبدله بغيره أو يستثمره فيُستبدل بمال غيره، فإن فعل فقد ملك سلعة أو صورة أخرى من المال حتى أوان سداد الدين فإن باعها يبيعها بقيمتها من النقد الرائج وقت البيع وهذا هو ما عليه رده، أى إنه أخذ النقد ليشترى به قدراً معيناً من الطعام أو العروض فإذا حل الأجل فعليه رد مثل هذا القدر من الطعام أو العروض، لأن المال وسيط فى هذه الحالة وكأنه داينه العروض مباشرة، ولا يصح أن يبقى النقد فى يده طوال مدة الدين فإن فعل فلماذا أخذه من صاحبه فى المقام الأول. وأيضًا قد يرغب المقترض أن يقترض بالقيمة لو توقع إرتفاع قيمتها، ليردها بقيمتها الحاضر لأنه أستخدمها وبدلها وقت القبض.

ولا يجوز هذا القرض بالقيمة فى إقراض الذهب أو الفضة أو الأموال غير النقدية كالعروض والغلة والتى ترد مثل عددها أو كيلها أو وزنها مثل بمثل، وأنما يوصى به فقط فى العملات الورقية أو المعدنية التى اكتسبت قيمتها باتفاق الناس وقبولهم، والتى تزيد قيمتها عن قيمة معدنها أو ورقها، والتي تتقلب قيمتها الشرائية زيادة ونقصانا بدرجة كبيرة، وما خبرناه في العقود الخمسة الماضية أن قيمتها الشرائية في الأغلب تنقص كل سنة عن التي قبلها.

وأخيراً، نعود لنرد على القائلين أن الفائدة البنكية هي لتعويض نقص القيمة الشرائية للنقود الرائجة، فنقول أنه لا يجوز وقت قبض القرض إشتراط زيادة معلومة عوض تغير في القيمة مجهول، لا يعرف أتنخفض قيمة النقد أو ترتفع، وان انخفضت وإن أرتفعت فبكم؟  كل هذا في علم الغيب ولا يعرف التعويض إلا عند حلول الأجل. ولا يصح العقد لما يكتنفه من غرر وجهالة، الغرر الذي لا يدرى هل يحصل أم لا، والجهالة في عدم تحديد تغير القيمة وعدم تساوي العوضين.

  

والنتيجة التي نصل إليها: الفائدة البنكية ربا.

مما سبق .. نجد أن الفائدة التى تدفعها البنوك التقليدية لقاء الأجل هي زيادة على مال مضمون، ، وكل زيادة دون عوض على مال مضمون فهي ربا.. وكذلك الفائدة التي يتقاضاها البنك زيادة على ما يقرضه للمحتاجين ولأصحاب الأعمال فهي ربا لأنها أيضًا زيادة دون عوض أشترطها المقرض زيادة على ماله المضمون.

وقد نهى الإسلام عن إكتناز المال وتعطيله لما في هذا من إضرار بالمجتمع وبصاحبه، وحث على تنمية المال وعلى العمل فلا تُعطل الطاقات المنتجة في المجتمع الإسلامي، والسبل الشرعية لإنماء المال هي إما بالعمل فيه أو بدفعه إلى من يعمل فيه.وقد حرم الشرع الفائدة الربوية، ولا يحرم الشرع معاملة يحتاجها الناس إلا ووفر بديل لها أفضل منها. وقد وفر الإسلام معاملة المضاربة لقضاء حاجة الناس الذي يرغبون تنمية أموالهم وليس لهم قدرة أو خبرة في مجال الإستثمار، ولقضاء حاجة من لديه الخبرة والقدرة على العمل ويعوزه التمويل. المضاربة هي المعاملة يقوم عليها الإقتصاد الأسلامي الصحيح، والتي نأمل أن تتعامل بموجبها البنوك والمؤسسات الإسلامية مع المودع من جهة، ومع أصحاب الأعمال الذين تمول مشروعاتهم من الجهة الأخرى.

 

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

العــقد

العقد بمعناه العام هو كل تصرف ينشأ عنه حكم شرعي، سواء أكان هذا التصرف صادراً عن شخص واحد كالوصية والهبة والصدقة والنذر والإبراء والطلاق، أم صادراً عن شخصين أو أكثر كالبيع والإجارة والمضاربة وغيرهم، وهو إن صدر عن شخصين أو أكثر يعرف بمعناه الخاص: ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه مشروع يظهر أثره في المحل. والمعنى الأخير هو الشائع وهو ما يتعلق بالتجارة وغيرها من المبادلات.

أركان العقد المتعلق بالمبادلات المالية:

1-   العاقدان أو أطراف العقد اللذان يصدر عنهما الإيجاب والقبول.

2-   محل العقد وهو المعقود عليه وتظهر فيه أحكام العقد وآثاره، وهو العين كما في البيع والرهن، أو المنفعة كما في الإجارة.

3-   الصيغة الدالة على العقد، وعند الحنفية يكفي الإيجاب والقبول.

أولاً – العاقدان أو أطراف العقد :

يشترط في العاقد الأهْلية والولاية.

1-  الأهلية : وهي صلاحية الإنسان بوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، وصلاحية صدور التصرفات منه على وجه يُعْتَدْ به شرعاً. وهي صلاحية الشخص للإلزام والإلتزام. وبالمعنى العام … تكمل الأهلية ببلوغ الرشد ما لم يطرأ على الشخص عارض يؤثر على هذه الأهلية فيزيلها أو ينقصها، أو يحد من تصرفاته من غير تعرض لأهليته.

والعوارض التي تزيل الأهلية: هي النوم والإغماء والجنون وعند بعض الفقهاء السكر، والعوارض التي تنقصها: هي العته، والعوارض التي تحد من تصرفاته لمصلحته: فهي السفَّه والغَفْلة، والعوارض التي تحد من تصرفاته لمصلحة غيره هي الدَّيْن ومرض الموت.

2-  الولاية : وهي سلطة شرعية لمن ثبت له القدرة على إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها، بحيث تترتب عليها آثارها الشرعية بمجرد صدورها، ولا تثبت إلا لمن كان كامل الأهلية.

ثانياً – المحل وهو المعقود عليه ويجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:

1-    أن يكون قابلاً لحكم الشرع، فإن لم يكن … يكون العقد باطلاً، فالمال غير المتقوم وما حرم الشرع لا يجوز التعاقد عليهما.

2-  أن يكون موجوداً عند التعاقد، أو متوقعاً وجوده في المستقبل، حسب ما تقتضيه طبيعة العقود، فمحل العقد إذا كان منفعة … لا يشترط أن توجد هذه المنفعة وقت العقد وإنما يشترط إمكان تحققها في المستقبل.

واختلف الفقهاء في حالة أن يكون المحل عيناً. فهل يشترط أن يكون موجوداً (وهو الموجود عند التعاقد)، أو يجوز أن يكون معدوماً في بعض العقود (والمعدوم هو غير الموجود عند البيع مع إمكان وجوده وتسليمه في المستقبل).

يشترط الحنفية والشافعية أن يكون موجوداً في جميع العقود، ويشترط المالكية ذلك في عقود المعاوضات فقط، واستثنوا منها
بيع الخضروات التي تظهر بالتدريج فأجازوا بيع المعدوم فيها. أما الحنابلة … فلا يشترطون وجود المحل في أي عقد، فيجيزون بيع المعدوم المقدور على تسليمه في المستقبل مادام خالياً من الغرر.

3-  أن يكون معلوماً لطرفي العقد علماً ينفي عنه الجَهالة المفضية إلى النزاع، والعلم به يتحقق بالإشارة، أو بالرؤية، أو بالوصف إذا كان مثلياً وذلك ببيان مواصفاته ونوعه وكميته أو وزنه أو ما يقاس به من وحدات قياس.

4-    أن يكون عند العقد مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيع ما لا يقدر على تسليمه.

ثالثاً – الصيغة :

ويشترط الإيجاب والقبول الصادّرْين عن رضى إرادة المتعاقدين الحرة، وأن يكون كل من الإيجاب والقبول واضح الدلالة، وأن يتوافق الإيجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه، فلو اختلفا لا يصح العقد، وأن يتصل القبول بالإيجاب دون أن يكون بينهما فاصل مضر.

وتتحقق الصيغة بالكتابة أو الكلام أو الإشارة في حالات العجز. أما تحققها بالأفعال الدالة على الرضا … فهي لا تنعقد بالأفعال مطلقاً وفقاً للشافعي وأحمد، وتنعقد بالأفعال فيما اعتاد عليه الناس وجرى به العرف وفقاً للحنفية، وتنعقد بالأفعال مطلقاً متى كان الفعل واضح الدلالة سواء كان مما يجري به العرف أم لم يكن، وهذا ما قال به المالكية وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل.

وتنقسم العقود – من جهة الصيغة – إلى ثلاثة أقسام : العقد المنجز وهو ما ينعقد بصيغة تفيد وجوده ووجود حكمه في الحال، والعقد المضاف وهو ما تفيد صيغته على وجود العقد وانعقاده في الحال على ألا يترتب عليه حكمه إلا في زمن مستقبل معين، والعقد المعلق وهو ما يتعلق تنفيذه بحصول أمر آخر محتمل الوقوع في المستقبل.

والعقد الصحيح هو العقد الذي سلمت أركانه وأوصافه من الخلل، والعقد غير الصحيح، هو ما أصابه الخلل في ركن من أركانه أو وصفه، وذهب الجمهور من غير الأحناف إلى اعتبار أن العقد في هذه الحالة لا ينعقد، وإذا ما وجد عقد من هذا النوع وقع باطلاً، ولا يترتب عليه أي أثر شرعي، ولا فرق بين تسمية هذه العقود فاسدة أو باطلة.

أما الأحناف … فيرون أن العقد المالي غير الصحيح يكون باطلاً إذا كان الخلل في ركن من أركانه (الأركان هي العاقد والمحل والصيغة)، والعقد الباطل هو مالم يشرع أصلاً أو ما لا يعتبره الشارع موجوداً فلا يترتب عليه أثر. ويكون العقد غير الصحيح فاسداً إذا كان الخلل في وصف من أوصافه أو في شرط من شروطه، وتحقق وجوده شرعاً لتوافر أركانه وتحقق معناه، وأن يفسد العقد لخلل في وصف من أوصافه، لا يمنع هذا الخلل انعقاده لصحة أركانه، ورغم أنه يجب فسخ العقد الفاسد … إلا أن ذلك مشروط ببقاء المعقود عليه على ما كان عليه قبل القبض.

والعقد الصحيح الموقوف هو ما صدر ممن لا ولاية له، وكان نفاذه موقوفاً على إجازة من يملك تلك الولاية كعقد الفضولي، فإذا صدرت الإجازة … صح العقد عند المالكية والأحناف وفي رأي عند الحنابلة. وعقد الفضولي: هو الذي يبيع ملك غيره دون إذنه، أو يشتري لغيره دون إذنه، وهو عقد صحيح إلا أن لزومه يتوقف على إجازة المالك أو وليه، فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه بطل.

والعقد اللازم هو ما لا يقبل الفسخ بطبيعته، أو ما يشترط لفسخه تراضي طرفيه، والعقد غير اللازم وهو العقد الجائز والذي يمكن لأي من طرفيه أن يفسخه منفرداً دون موافقة الطرف الآخر.

وقد ينفسخ العقد لأسباب خارجة عن إرادة الطرفين كهلاك المبيع قبل تسليمه، أو موت أحد المتعاقدين كما في الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة.

ولو انفسخ العقد، إما برغبة أحد المتعاقدين، أو لأسباب خارجة عن إرادة المتعاقدين … فالمبدأ العام هو إعادة المتعاقدين إلى وضعهما قبل التعاقد إذا أمكن هذا. ولكن هذا المبدأ العام لا يسري على جميع العقود خاصة العقود التي لا يمكن إعادة العاقدين إلى سابق وضعهما قبل التعاقد، فعقود الشركة والمزارعة وما مثلهما، تنشأ عنها نتائج لا يمكن ردها إلى ما كانت عليه قبل التعامل، وكذلك عقود الإجارة التي نفذ جزء من مدتها، وكذا في حالة أن فسخ أحد الطرفين يلحق الضرر بالطرف الآخر أو ينقص من حقوقه التي اكتسبها وفقاً لقيامه بعمل نص عليه في العقد. ولهذا … فقد نص الفقهاء بما تكون عليه كل حالة في بابها.

وأنواع العقود متنوعة وفق الغاية منها، ومنها : عقود المعاوضات وهذه تنقسم إلى معاوضة مال بمال كالقرض والبيع بما فيه السلم (وهو البيع المؤجل فيه العين المشتري)، والبيع المؤجل فيه الثمن، أو معاوضة مال بمنفعة كالإجارة والجعالة.

ومنها عقود المشاركات وهذه يشترك فيها المتعاقدان بمالهما أو بعملهما أو بكليهما أو بأحدهما بهدف الإشتراك في النماء أو الكسب أو الربح كالشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة.

العقود التجارية (المعاملات وهي المعاوضات والمشاركات):

التبادل هو مبادلة مال أو منفعة مقابل مال أو منفعة أخرى، ويقصد به قيام فرد أو جهة بإعطاء سلعة أو منفعة أو خدمة إلى فرد آخر أو جهة أخرى، لقاء مال نقدي أو سلعة أو منفعة أو خدمة يقدمها الطرف الآخر له، وقد يكون التبادل آنياً أو مؤجلاً. وتسمى هذه المعاملات المعاوضات؛ لأن الإعطاء يكون فيها بعوض، أما الصدقة والهبة والورث والإعارة فهذه ليست معاوضات.

أما المشاركات … فإنها اجتماع شخصين أو أكثر بمالهما، أو بمال أحدهما، أو دون مال بقصد العمل والربح عن طريق المعاوضات مع أطراف أجنبية عنهم. وتكون في صورة متعددة كالشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة.

الشروط العامة للمعاملات التجارية:

شجع النظام الاقتصادي الإسلامي المعاملات ووَضَعَ المبادئ والأحكام التي تنظمها وتيسرها وتحفظ الحقوق، فاشترط فيها : توفر العدل والتراضي المبني على العلم، وحرية الإرادة والأهلية والولاية وحسن النية، وأوجب الوفاء بالعقود ونهى أن يشوبها كل ما قد يؤدي إلى أكل المال بالباطل أو ما يؤدي إلى المخاصمة والنزاع.

ونهى أن تشوب المعاملات أو العقود أحد المفاسد التالية:

1-   الربا وهو كل كسب دون عوض ودون مقابل. وهو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.

2-  الغبن وهو أن يبيع بأكثر من ثمن المثل أو يشتري بأقل منه، وهو عدم التماثل بين العوضين في القيمة ولا يعلمه المَغْبون عند التعاقد. والغبن نوعان: يسير وفاحش، واليسير لا يترتب عند وقوعه فسخ العقد، إلا في حالة بيوع الأمانة إذا كان ناجماً عن الخيانة فيحق له التعويض، أما الغبن الفاحش … فيحق للمغبون أن يطالب بفسخ العقد أن صاحب هذا الغبن مخالفة شرعية أخرى كالغش، أو كان يصعب عليه التوقي منه.

3-  الغرر وهو الذي لا يدري هل يحصل أم لا. وهو كل معاملة أو بيع احتوى جهالة أو تضمن مخاطرة أو قماراً، يتقلب بموجبهما الربح بين الوجود وعدمه. وهو المجهول العاقبة، وما يؤدي إلى الظلم والعداوة والبغضاء.

4-  الجهالة وهي ما عُلِمَ حصوله وجُهِلَت صفته إلى درجة تؤدي إلى عدم معرفة الحقوق المعقود عليها وتحديدها بما قد يؤدي إلى أن ينال أحد المتعاقدين من نصيب الآخر، بما قد يؤدي إلى النزاع والخلاف بينهما.

5-  الغِشْ والتَّدْليس وهو كل عمل أو قول يقصد به التمويه أو خداع أو خيانة الطرف الثاني في عقد ينتج عنه رضاه بما لم يكن ليرضى به بدونه، ومنه : كتمان العيب والتطفيف، واستخدام وسائل احتيالية لإخفاء عيب أو لتضليل الطرف الثاني. ومنه النجش: وهو أن يقوم طرف ثالث متواطئاً مع البائع ولا يرغب حقاً في الشراء، بالتقدم بثمن أعلى لسلعة يعرضها البائع، بغرض خدع المشتري وأغرائه بشرائها بثمن أكثر من قيمتها. ويقاس عليه تواطؤ المشترين في المزايدات وغيرها ليحصل أحدهم على السلعة بثمن أقل من قيمتها.

6-   الإكراه، والاحتكار، والاستغلال.

7-   الشروط الجعلية التي تتعارض مع أي من الشروط الشرعية أو مع مقتضى العقد.

<< previous page next page >>