الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

آيات الخلق في القرآن الكريم وفرضية التطور (2 من 8)

القرآن ونظرية التطور

(الجزء الثاني من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

دلالات الآيات القرآنية في خلق الحياة والإنسان

بعد هذه المقدمة، فيما يلي أدعو القارئ للنظر وإعمال الفكر والتدبر في آيات خلق الحياة والإنسان، آخذا في الأعتبار أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين وأن الله تعالى يسره للذكر:

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (20) سورة العنكبوت

في هذه الآية الكريمة، يأمرنا الله أن نسير في الأرض لنعرف كيف بدأ الخلق.  ترى لو كان خلق الحياة، أو خلق الإنسان، أو خلق آدم كان أيهم خلقًا آنيًا إعجازيا، فلن يفيد سيرنا في الأرض لأننا لن نجد شيئًا من أثر هذا الخلق الإعجازي، لأن الخلق الإعجازي لا يتكرر. أما لو كان الخلق وفق نظام يخضع لقوانين الطبيعة، فسوف نعرف بالملاحظة والتجربة ودراسة الحفريات وعلوم الأحياء والكيمياء والفلك والعلوم الأخرى الكثيرة التي تتكاتف لتقدم نظريات تساعدنا على فهم هذا الكون الذي نحن فيه ومنه. الأمر الألهي يدل على أن بدء الخلق معقولا يمكن معرفته بالعقل إذا أتبعنا الأسباب، وقد فعل هذا الباحثون أمثال تشارلز داروين الذي أبحر وسار في الأرض ونظر في المخلوقات ودرسها واستنبط فكرة النشوء والإرتقاء والتطور. وتبعه كثيرون درسوا الحفريات وبقايا عظام المخلوقات وأكدوا وطوروا هذه النظرية. نحن لم نطيع أمر الله ففاتنا إكتشاف هذا السبق العلمي والسبيل اليه في كتابنا الكريم.    

وفي قوله سبحانه وتعالى:   {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} سورة الأنعام 133

قوله تعالى {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} نجد هنا معنى هام، إذ نحن – أي النوع البشري – نشأنا من ذرية قوم آخرين، لاحظ هذا الطبري، إذ يقول في تفسيره: “يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} يقول: ويأت بخلق غيركم، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم . {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم” .بينما ذهب ابن كثير الى ان الله تعالى كما أذهب القرون الأولى وأتى بالتي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، ولكنه لم يتعرض لشرح دلالة لفظ من ذرية قوم آخرين.

فان كان هؤلاء الناس نشأوا من ذرية قوم سبقوهم، فالسابقون أجدادهم وقومهم، وليسوا ’قوم آخرون’، والقوم تجوز على الإنسان والملائكة والجن، واصل اللفظ من القيام. وجاء المعنى أيضًا في {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} وخلق جديد يصح أن يدل على نوع جديد، وليس خلق مثلكم.

الجنس أو النوع الإنساني الحديث (هوموسابيان) والذي نحن منه، نشأ من ذرية نوعا آخر يسبقه، في الغالب هو الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف –  Homo erectus  وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، بالرغم أننا جئنا من ذريتهم، أي أنهم أجدادنا، إلا أنهم قوم آخرون، والإختلاف هنا في النوع لا في النسب. والإنشاء يستدعي بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا. وهذا يناسب تطور الأنواع من نوع الى نوع بما لهذا التطور من امتداد زمني ونمو وظهور.

وفي قوله سبحانه وتعالى:  {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا} (1) سورة الإنسان

يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه بعد خلقه حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية.

ولو أخذنا معنى لفظ الإنسان هنا على أنه آدم، أول إنسان خلق، كما فعل كل المفسرون الأوائل، فسنقع في إشكالية أن آدم خلق وتعلم وأكرم (بالأمر للملائكة بالسجود له) في وقت قصير، وأن أبناء آدم وسلالته كرموا من بعده لقوله تعالى عن من جاءوا بعد آدم من نسله: { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم.

القول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

وفي قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} آل عمران 33-34

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. 

وفي قوله تعالى:{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …….}(11)  سورة فاطر،

الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية (وحيدة الخلية) تتكاثر بالإنقسام لمثلها، ثم مخلوقات ذات خلايا متعددة مجتمعة مركبة أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

يقول القرطبي في تفسيره:”قوله تعالى : والله خلقكم من تراب ثم من نطفة قال سعيد عن قتادة قال : يعني آدم عليه السلام ، والتقدير على هذا : خلق أصلكم من تراب . ثم من نطفة قال : أي التي أخرجها من ظهور آبائكم . ثم جعلكم أزواجا قال : أي زوج بعضكم بعضا ” وذكر مثله المفسرون الآخرون. وهنا تجاوز المفسرون إشكالية أن النطفة التي يشيرون إليها تأتي من الذكر والأنثى، واللذين لم يُجعلا بعد وفق سرد الآية الكريمة، لقوله {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا}، لأن ثم تستوجب أنتهاء ما قبلها قبل حدوث ما بعدها، ولم يبينوا كيف جاءت النطفة من ظهور الآباء في الوقت الذي لم يُجعل المخلوق بعدٌ أزواجا. ولهذا فالنطفة المذكورة مخلوق حي ليس المني أو البويضة، وإنما خلية تتكاثر بالإنقسام لمثلها، تطورت بعد ذلك الى مخلوق من نوعين؛ ذكر وأنثي يتكاثران بالتزاوج. ونحن نعلم أن أول المخلوقات من التراب كان منذ أكثر من 3 بليون سنة، كائن أولي بسيط ميكروسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. حتى قبل 1,7 بليون سنة عندما ظهرت كائنات أكثر تطورًا وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام. وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن تطورت حتى ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا التي تنوعت ثم ظهر الإنسان منذ بضع مليون سنة.

والسرد المذكور في الآية يدل على الخلق من التراب ثم من خلية تتكاثر بالإتقسام ثم بالتزاوج ونحن من تطور هؤلاء أزواجا. ويسمح السرد في نفس الوقت بتفسيره كما فسره الأوائل وفق علومهم دون أن يسبب لهم إرباكاً وبلبلة.

 

في قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذَّين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون } سورة التين : 4-6

تقويم : من قوم وهى أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم .وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن انتصابه، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، حتى وصل المخلوق الى مرحلة الإنسان ذو القامة المنتصبة – الواقف –   Homo-erectus.

وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي وقوف وانتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا كما قلنا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل من جنسه وأفسد في الأرض، وهو يفعل ذلك منذ ان خلق في أحسن تقويم وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان.

وقد يكفى هذا المعنى إلا أن من الباب قوّمت الشىء تقويماً؛ وأصل القيمة الواو؛ وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك . وقد يدل هذا على أن الانسان قام مكان غيره وهو أحسن تركيبًا ممن قام مكانهم، فهو بذلك أحسن ما بلغته هذه العملية التطورية الخلاقة التى بلغت أحسن التصميمات الفيزيولوجية وهو الانسان.

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك } سورة الانفطار:6-8 .

لاحظ قوله سبحانه وتعالى عدلك . وعدل أصلان يدل أحدهما على الاستواء والآخر على اعوجاج. الأول منه العدْل والتساوى والاستقامة ومنه: المعتدلة من النوق؛ وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء، وكل ما تناسب فقد اعتدل. ونقول فى عصرنا قف معتدلاً أى منتصباً. أما سوى فهى تدل على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، والسواء هو ما كان مستوياً، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وسواك سبقت عدلك وهى لذلك قد تكون مرحلية بمعنى أن الانسان كان متساويا مع غيره من المخلوقات ثم اعتدل فوقف منتصباً على قدميه . أو يمكن القول أن الخلق حدث أولاً، وهو تقدير ما منه سيكون الشيء المخلوق وهو الإنسان، وتبع التقدير وإيجاد ما منه وجوده التسوية، وهي تعبر عن تمام خلقه وبلوغه تكوينه وتركيبه، ثم تبع ذلك الاعتدال، وهذا يدل أنه حين استوى لم يكن معتدلا فأصبح كذلك، أو أن التسوية ذاتها كان منها الإعتدال، أي القول سويتك فاعتدلت. فالفاء هنا تعبر عن نتيجة التسوية، وفى كل هذه المعاني نجد الاشارة الى أهمية الاعتدال وتناسب واتفاق الاعضاء فى  خلق الانسان وتميزه بهذا عن بقية المخلوقات، بالطبع كل المخلوقات الأخرى متفقة الاعضاء إلا أن التصميم المتميز للانسان يعطيه قدرات تفوق ما سواه، والذي ميزه في وقوفه وفي قدرته على النطق والبيان.

***  يتبع في الجزء الثالث  ***

Introduction

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Almudarabah.com & islamandsciencetoday.com are websites established to publish contemporary Islamic research, with the aim of providing a venue for Muslim scholars and intellectuals to review and discuss such issues.

Our researches are in the Arabic language because this is the language of the holy Quran, Hadith, and the majority of the Muslim scholars’ writings accumulated throughout the various ages of Islam. Gathering and reviewing such information from its original sources is essential to ensure that none of the original meaning is lost or misinterpreted during translation, especially for the verses of the Holy Quran and Hadith.

Although our researches are in the Arabic language, and at this time, only a few articles are published in the English language, we will Inshaa’Allah put an effort to write brief articles in the English language to summarize the outcome and conclusions reached in our studies, hoping to involve the very important and valued contribution of the non-Arab Muslim scholars, who during the history of Islam, have played a major role in advancing and enriching our culture and knowledge.

On the other hand, we consider translating the full published research and studies is of great importance, but this is an enormous task beyond our means and ability. That is why, we welcome any serious party willing to carry out part or parts of this tremendous task, their reward like ours, will be Inshaa’Allah the blessings of Allah.

Finally, we are hoping that this site will become a virtual conference place or a kind of workshop for all serious open-minded Muslim thinkers to review, share, discuss and hopefully guide and advance this research.

In today’s world of vast; varied and specialized knowledge, which is continuously advancing and opening new fields and horizons, no one man can master and conclude any subject. However, serious studies and research shall start from one point, then it should be placed in the open, to be reviewed by many intellectuals each in his or her specialized field, to scrutinize, examine and contribute toward advancing such research till it reaches its final or near final conclusion.

I have also advanced the researches and I am publishing them on Amazon/Books: 

Click here to go to the page of ‘List of Published Books‘.

www.amazon.com    Category books and put in the search box: Wassim Lababidi

Image of the Book Covers are shown under this Introduction and how to read the eBooks on any device.

The English language books are published on Paperback and eBooks.

The Arabic language books (shown on the Arabic Front Page) are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone.

All books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim (Arrange by “Oldest” to view the videos in order) And YouTube. 

To view the newly downloaded videos, Please click here to reach the page with the new addresses.

Please visit the YouTube channel and view a video, leave a comment or subscribe, so I know it is working and to avoid YouTube closing it. Thank you.

The main studies we are introducing on this site are:

Al Mudarabah: comprehensive research; which was printed a couple of decades ago in a 440 pages book and was distributed to academics, scholars and intellectuals working in the various fields of Islamic banking & financial institutions. The whole book is published again in digital form in this website, providing a valuable reference and materials useful to researchers, economists and bankers.

The research reviewed and listed the conditions of the Mudarabah contract, and its application in our modern times, and showed that it can be safely used as it has built in, adequate safeguards and conditions to equally protect the interest of the two partners and to ensure a satisfactory outcome of the business transaction. It also provides the means to justly measure the value of each party’s contribution and accordingly its fair share of the profit. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Al Mudarabah/Introduction’.  

Al Zakat: Scholars have differed since early Islam on the rules of and dues under Zakat. Based on the Quran, Sunnah, Hadith, and other Islamic sources, the research provides a different and new understanding of this religious duty (فريضة الزكاة), leading to a well-defined rule applicable equally to all types of money, investments and economic activities. A more detailed brief is published on page ‘Menu/Al Zakat’.

Creation: In this 21st century, the issue of creation is still troubling all religions, and the debate is still as engaged as it was 160 years ago when the concept of evolution was first published. However, we –Muslims- are blessed with the holy book which was revealed to our prophet (PBUH) some 1400 years ago.

Our research methodology is 1) to gather and list all the relevant verses in the Quran which cover the topics of creation, the observed universe and life. In the same time, 2) review and summarize the latest scientific theories and concepts covering various fields of the present human knowledge, 3) review and study the early scholar’s interpretations of the gathered Quranic verses relevant to this subject. 4) we looked at the direct meaning of the words as listed in the early accepted Arabic dictionary books (Ma’ajem  معاجم اللغة), to reach the direct meaning of the Quranic verse.

In all the verses we studied; the direct interpretation of these verses did not disagree with any of the contemporary scientific understandings, including the concepts of evolution and the creation of the universe. This research extended to almost 400 pages, with Chapter 3 dealing with the creation of man and Chapter 4 dealing with the creation of the universe and with the physics of the observed world. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Creation’.

I sincerely hope that you will read and contribute to these researches. May Allah bless this great nation and direct us to the straight path.

Wassim Lababidi


The following are the books published on Amazon/books/Wassim Lababidi

For the eBooks:
All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile and computer.
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To get the App on your mobile, it is in the Google Play Store

To install the Kindle app on an Android device (mobile): Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install” Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it. 

To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password. 

Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.

                


Added Pages:

        Index of the Videos published on the Channel on FaceBook.

Blog/ Al modawanah

YouTube Channel ‘Al Mudarabah’ Addresses of Videos published are listed with links on the page titled Videos here in this website. The Links are not working because YouTube terminated the Channel. A new channel on Facebook is already established and I am republishing the videos on Contemporary Islamic Research | Facebook.

Important Notice: To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account / page.


I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim

Index of the Videos Published in the English Language on Facebook:

Unfortunately all the links to the videos are not working, so please go the Facebook page  Contemporary Islamic Research (you need to have Facebook account) and you will find many of these videos there.

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.


©

Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.



Update: 13/04/2023 

A new page/ channel is established on Facebook pages. Please click on the following address: Contemporary Islamic Research | Facebook

So far I uploaded most videos. You need to have a Facebook page or account. Please visit and write to me. Best regards.

الفصل الثاني – الآيات القرآنية في خلق الإنسان – الخلق من نفس واحدة

 

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)} الزمر

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)} النساء

{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(28)} لقمان

في هذه الآيات يشير القرآن الى أن الله تعالى خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها، وهذا يفيد التعقيب والتراخي الزمني، لا يوجد لدينا في الآيات القرآنية التي تسرد قصة آدم وزوجه وهما في الجنة، ما يدل على أن زوجة آدم قد خلقت من ضلعه، أو خلقت منه، وقول الله تعالى للملائكة اني خالق بشرًا من طين، لم يرد فيه خلق زوجه، ثم إخباره تعالى الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وما تلاه من تعليمه الأسماء وسجود الملائكة له، لم يأت فيه ذكر خلق زوجة آدم، أما قصة خلقها من ضلع آدم فهذه رواية توراتية، لم يذكرها القرآن بتاتًا، ولم يأت ذكر زوجة آدم إلا بعد انتهاء هذه الأحداث، إذ كان أول ذكر لها في قوله تعالى: {وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(19)} الأعراف، وقوله تعالى : {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (35) البقرة، وهنا نجد ظهور زوجة آدم كان دون مقدمات، وهذا ما نتوقعه لو كانت زوجة آدم موجودة ولم تخلق آنذاك من ضلعه أو من الطين، بل أن أبليس يتوعد آدم وذريته قبل ورود أي ذكر لزوجة آدم، فمن أين لأبليس أن يعرف أنه من آدم البشر -الذي إن كان الله خلقه في البدء وحيدًا- سوف يكون له زوجة وذرية، ولكنه كان سيعلم ذلك لو كان آدم مصطفى من الناس الذين يتناسلون في الأرض آنذاك.

بالرغم من قولنا أن قصة خلق زوجة آدم لم ترد في القرآن، إلا أن الآيات التي نحن بصددها هنا تشير الى خلق نفس واحدة ثم خلق زوجها منها، وقد تكون هذه النفس الواحدة هي آدم وعليه فتكون زوجته قد خلقت منه، وبهذا يمكننا أن نعيد كل هذه الآيات المشيرة الى خلق أو جعل زوجة من النفس الواحدة الى آدم وزوجه، وهذا ما ذهب اليه المفسرون، ويصح هذا التفسير المرحلي في المراحل السابقة، وبفرض أن آدم خلق مباشرة من التراب، فتكون زوجته قد خلقت منه، ولم تخلق مثله مباشرة من التراب، تعبيرًا وتأكيدًا عن القرابة والألفة والمودة بينهما، إلا أن النص القرآني لم يذكر هذا الخلق الإعجازي، والذي يستدعي الوقوف عنده لو كان هذا ما حدث. أما إذا لم يكن آدم قد خلق مباشرة من التراب، وانه ظهر عبر سلالات تطورية، من أصل الخلية الواحدة، فلا بد أن زوجه أيضًا كانت من نتاج هذه السلالات التي تعود الى نفس هذه الخلية الواحدة، فاذا كان الأمر كذلك، فلن تعود هذه الآيات على آدم، وأنما ستعود الى أول خلية حية ظهرت على هذا الكوكب، ثم انقسمت الى خليتين، حيث كان التكاثر في المرحلة الأولى بطريق الإنقسام، كما هو حال البكتيريا اليوم، وعندما انقسمت الخلية الأولى الى خليتين، خلق منها زوجها، والزوج في أصل اللغة مطابق للأصل، وهذا بالضبط ما حدث للخلية الأولى، أما الإشارة الى {…خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ….} النساء، فيمكن القول أن ما بين النفس الواحدة وزوجها حتى كثرة الرجال والنساء سلالات كثيرة وزمانا طويلا يقدر ببلايين السنين، كما هو طول الزمان في قوله : {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)} الروم .

والذي يدعونا الى ترجيح هذا المعنى هو أن الأشارة الى آدم وردت في القرآن بلفظي بشر وآدم، بينما لفظ ”نفس“ يستخدم للتعبير عن أي ذات حية، والجسد، وعين الشيء أي كنهه وجوهره، والروح {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (28) الفجر، وليس ما يمنع أن يشير اللفظ ”نفس واحدة“ الى آدم البشر، أو أن يشير الى أول كائن حي يمكن أن يخلق منه زوجه، ويكون هذا في أول خلية حية خلقت ثم انقسمت فكان منها زوجها، وهذا إما أول خلية بسيطة حية، أو أول كائن أنقسم الى ذكر وأنثى ليبدأ معه التكاثر عن طريق التوالد لا الإنقسام، والأرجح أن نعود الى أول خلية حية.

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

جاء عن القرطبي: الآية ””(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يُرِيد آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل السُّورَة (فمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَأَبُو عَمْرو وَعِيسَى وَالْأَعْرَج وَشَيْبَة وَالنَّخَعِيّ بِكَسْرِ الْقَاف , وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا . وَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , إِلَّا أَنَّ التَّقْدِير فِيمَنْ كَسَرَ الْقَاف فَمِنْهَا ” مُسْتَقَرّ “ وَالْفَتْح بِمَعْنَى لَهَا ” مُسْتَقَرّ “ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : فَلَهَا مُسْتَقَرّ فِي الرَّحِم وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَرْض الَّتِي تَمُوت فِيهَا ; وَهَذَا التَّفْسِير يَدُلّ عَلَى الْفَتْح . وَقَالَ الْحَسَن : فَمُسْتَقَرّ فِي الْقَبْر . وَأَكْثَر أَهْل التَّفْسِير يَقُولُونَ : الْمُسْتَقَرّ مَا كَانَ فِي الرَّحِم , وَالْمُسْتَوْدَع مَا كَانَ فِي الصُّلْب ; رَوَاهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَهُ النَّخَعِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : مُسْتَقَرّ فِي الْأَرْض , وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَصْلَاب . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قُلْت : لَا ; فَقَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَخْرِج مِنْ ظَهْرك مَا اِسْتَوْدَعَهُ فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ الْمُسْتَقَرّ مَنْ خُلِقَ , وَالْمُسْتَوْدَع مَنْ لَمْ يُخْلَق ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : وَمُسْتَوْدَع عِنْد اللَّه . قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل ” وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ وَمَتَاع إِلَى حِين “[الْبَقَرَة:36 ] وَالِاسْتِيدَاع إِشَارَة إِلَى كَوْنهمْ فِي الْقَبْر إِلَى أَنْ يُبْعَثُوا لِلْحِسَابِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة.““

كل مخلوق حي يبدأ من خلية واحدة وفي حالة الإنسان تكون هذه الخلية هي البويضة المخصبة، والتي تنقسم على نفسها، أي منها يخلق زوجها، وتتوالى الإنقسامات، ليبدأ بعدها الإنقسامات المتخصصة التي تكون الأعضاء والأجهزة المختلفة في الجسم الحي.

وفيما عدا أول خلية حية، فان أي خلية يجب أن توجد عن ومن خلية أخرى، وكل خلية تأخذ معها من الأولى، نسختين عن شفرة الجينات تقبعان في نواتها، وتتكون الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) من ثلاثة بلايين وحدة توجد فى كل من خلايا الجسم البشري التى يبلغ عددها 100 تريليون خلية ( التريليون يساوى الف بليون ) ويتألف الحمض ( دي ان ايه ) من سلسلة من مركبات الفوسفات والسكر الخماسي على التعاقب من اربع قواعد نيرتوجينية فى صورة تباديل وتوافيق هى الادنين والسيتوزين والجوانين والثايمين وتحمل هذه الوحدات الاربع الاساسية فى الشفرة الجينية وفي الجزء الصغير منها الذي تم فك شفرته، الارشادات الكاملة اللازمة لتكوين الكائن الحي .

ويوجد فى الجسم 20 حمضا امينيا مختلفا تعتبر بمثابة اللبنات الاساسية لبناء جسم الانسان وهى تستخدم فى سلسلة من التكوينات لانتاج مختلف البروتينات من الكيراتين الموجود فى الشعر الى الهيموجلوبين الموجد فى الدم .

لا توجد وظيفة معروفة للغالبية العظمي لنحو 97 % من مجموعة الشيفرات الوراثية للانسان، ويعتقد العلماء أنه لا وظيفة لها، إلا أنه لو تبين غير ذلك، فان هذا الجزء الكبير قد يشتمل على معلومات قد تكون ذات أهمية كبيرة.

ولا يختلف الحمض النووي من انسان الى آخر الا بنسبة لا تتجاوز 0,2 فى المائة (واحد فى كل 500 وحدة) وهو ما يأخذ فى الاعتبار ان الخلايا البشرية تحمل نسختين من الشيفرات الانسانية. ويماثل الحمض النووي البشري الحمض النووي للشمبانزي بنسبة 98 % ويقدر عدد الجينات فى الانسان والفأر بما بين 60 الف و100 الف وفى الدودة الاسطوانية بنحو 19 الف جين وفى فطر الخميرة بنحو ستة الاف جين وفى الميكروب المسبب للدرن بنحو اربعة الاف.

مما سبق فكل مخلوق مركب يبدأ خلقه من خلية واحدة، ويستقر في نواتها الحمض النووي الذي هو بمثابة كتاب مودع فيه كافة معلومات بناء هذا المخلوق وكيفية بناءه، بل أن هذا الكتاب يصبح مصنعًا لإنشاء المخلوق حيث يرسل تعليمات وأوامر بناء الى المواقع المحددة التي يتم فيها بناء كل عضو وجهاز، وفق برنامج زمني محدد. النفس أو الخلية مستقر ومستودع، المستقر هو القرار المكين في نواة الخلية والمحمي بجدار خارجي وآخر داخلي حول المكان الذي تقبع فيه سلسلة الحمض النووي، والمستودع هو المكان الذي تحفظ فيه المعلومات وأوامر البناء. وهذا يكفي لتفسير أننا جميعًا أنشأنا الله سبحانه وتعالى من نفس واحدة هي البويضة المخصبة، والتي انقسمت على نفسها فجعل منها زوجها ثم منهما خلق الكائن.

ولو أردنا الرجوع الى أول خلية نشأت على الأرض، تكون النفس الواحدة هي أول خلية بسيطة تكونت، ثم انقسمت على نفسها، ثم تطورت إما الى مخلوق ذو خلية وحيدة كالبكتيريا، أو الى مخلوق متعدد الخلايا، تطور وتفرع عنه كافة أنواع الحياة المعقدة التركيب، ويحمل كل موجود حي خلايا تتطورت عبر مراحل كثيرة عن نفس الخلية الأولى، وفي كل من هذه الخلايا توجد نسخ مطابقة عن السلسلة الإهليجية له، تورث نوع بعد نوع، وجيل بعد جيل، وقد تتطور وتتبدل وتتحسن، تحمل في جزء منها كافة المعلومات الموروثة والأوامر اللازمة لتكوين نفس الجسم الحي، ومعلومات تبين تاريخ تطوره، والله أعلم سبحانه يخلق ما يشاء.

{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}(12) الزخرف

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات

في هاتين الآيتين، نجد أن الآية تشير الى خلق الأزواج كلها، وتتعلق بكل شيء، بما يشمل كل الأنواع الحية التي نعرفها، والتي لا نعرفها، وفي قوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون }َ(36) يس ، توحيد لمكونات خلق هذه الأزواج، بما يشتمل أيضًا على الأزواج من النوع الإنساني، والتي وردت في قوله تعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …} (11) فاطر، أي أن الأزواج تخلق مما تنبت الأرض ومن النوع نفسه ومن غيرهما، وبناء على نوع الإنسان الذي ذكر عنه أنه خلق من تراب ثم من نطفة ثم جعل أزواجا، يمكن بالقياس استنتاج أن كل الأنواع الحية مرت بنفس المراحل التي مر بها خلق الإنسان والتي سبقت وجود الأزواج، فهل يكون المخلوق من التراب ثم من النطفة هو ذاته الذي تفرعت منه كل الأنواع والأجناس بما فيها النوع الإنساني، ليس في هذه النصوص ما يعارض هذا المعنى.


وفي قوله تعالى :{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)} فاطر

تدل الآية الكريمة على أن الماء الواحد، يخرج به تنوع الخلق وتنوع ألوانه وهيئته وشكله وصفاته، وجاء في التفاسير: ”قَوْله تَعَالَى : ” أَلَمْ تَرَ “ هَذِهِ رُؤْيَة الْقَلْب بِمَعْنَى أَلَمْ تَعْلَم.” والماء الذي نزل من السماء فأخرج به الله تعالى هذه الأنواع المختلفة من الأحياء والجماد، يشمل المطر الأول الذي أدى الى ظهور الحياة عندما اختلط الماء مع تراب الأرض، ويشمل كل المطر الذي نراه والذي يخرج الحي من البذرة المدفونة في الأرض الجافة، ويعطي جدد الجبال أي طرائقها الألوان المختلفة عن أصل لونها. ويهمنا هنا الإشارة الى اختلاف الوان الجبال الذي يدل على تغير التكوينات الصخرية نتيجة المطر، ويعبر اللون الأحمر عن تأكسد الحديد، وهذا اشارة الى ظهور الأكسجين في الغلاف الغازي الأرضي، نتيجة عملية التبادل الضوئي التي قامت بها الكائنات الكلوروفية خلال مرحلة سابقة من عصور الأرض الجيولوجية، سابقة لظهور الثدييات ومنها الناس والدواب والأنعام، أي أن النباتات والكائنات الكلوروفية أطلقت الأكسجين في الجو، مما أدى الى ظهور الطبقات الحمراء المتأكسدة، ثم ظهرت الثدييات التي تعتمد على الأكسجين في تنفسها. النباتات المثمرة المذكورة في الآية لم تظهر الا في عصر قريب نسبيًا، إلا أن النباتات الخضراء والكائنات الكلوروفية ظهرت في المرحلة السابقة التي ذكرناها، وكان لها الدور الأساسي في تغيير جو الأرض وتوفير الأكسجين الذي أدى الى ظهور المخلوقات معقدة التركيب ونحن منها.

أضف الى هذا أن بعض العلماء في هذا العصر أصبحوا مؤخرًا يرجحون أن الحمض النووي الذي أدى الى ظهور أول خلية على سطح كوكبنا، تكون على جسيمات أو غبار الفضاء، ونزل على الأرض من السماء، ويصح لغويًا التعبير عن هذه الأحماض المركبة بلفظ ماء، كما نفعل مع النطفة وغيرها.


ونلاحظ أن الأزواج وردت في القرآن للدلالة على ثلاثة أنواع:

الأول في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات، و”كل شيء“ يدل على كل شيء في هذا الكون، فيشمل الجماد والحي، النجوم والجبال، الصخور والتراب، وهذا يدلنا أن كل شيء في هذا الكون له مماثل، قد يكون مطابقًا له، أو معكوسا عنه كصورة المرآة، وقد توصل العلم الى ذلك، في موضوع ضد المادة Anti-matter .

والثاني في قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ..(98)} الأنعام، وقوله تعالى {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا….} الزمر، والآيات التي كنا بصددها، وتدل على الزوجية التي نشأت عندما انقسمت أول خلية حية فتكون منها زوجها.

والثالث في قوله تعالى:{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا(44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)}النجم، وقوله تعالى {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(39)}القيامة، وقوله تعالى {فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا …(11)} الشورى. وهذه الآيات تدل على زوجية نوع الإنسان خاصة والأنواع الأخرى عامة من ذكر وأنثى.


{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ(15)} غافر

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)}الذاريات

في الآيتين من سورة الذاريات، نجد إعلام الناس ان الله خلق من كل شيء زوجين، ففروا الى الله، وحرف الفاء يفيد العطف والإتصال بلا مهلة والتعقيب والسببية، ولهذا نجد علاقة بين خلق الزوجية في الأشياء، والتي بسببها يجب علينا أن نفر الى الله تعالى، بالطبع الزوجية التي هي الذكر والأنثى لا تستدعي الفرار الى الله، ولا ينطبق عليها زوجية كل شيء، كما سبق وذكرنا أنها تشمل الجماد والحي، والتي افترضنا أنها الزوجية التي بين المادة وضد المادة، فهذين الزوجين لو تلامسا لهلكا على الفور، وحيث أنهما موجودان في هذا الكون، فكأنهما السيف المعلق فوق رؤوسنا، والذي منه هلاكنا بل واندثار الكون كله ليصبح هباء في أي لحظة، هذه الزوجية تستدعي الأنذار وتستدعي الفرار الى الله. ويقول الله تعالى : {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)} غافر، ويوم التلاقِ تعبيرًا عن اليوم الذي تزول فيه السماوات والأرض، وربما والله أعلم، سمي يوم التلاقي لأنه اليوم الذي يلتقي فيه الزوجين، أي المادة مع ضدها، فيزولا ويندثرا.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)الله الصمد(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)} الاخلاص

{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11)} الشورى

الله تعالى من صفاته أنه أحدٌ، ليس كمثله شيء، ولهذا فليس في الكون ما هو أحدٌ غيره، أما كل شيء في الكون فله زوج، ونحن نرى الأزواج في كل الأحياء، سواء كان من ذكر وأنثى أو بالإنقسام، ولكننا لا نرى ذلك في الجماد، كالصخور والنجوم، ولهذا فالزوجية هنا يجب أن تعود الى المادة وزوجها من ضد المادة، وهذا يعني بالضرورة أن مصيرهما الفناء، أما الواحد الأحد، فيبقى خالدًا الى الأبد، وفي قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} الرحمن.


{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} الفرقان

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} الانبياء

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)} النور

نجد في آية سورة الأنبياء توحيد الخلق من الماء لكل المخلوقات الحية، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، ونجد في آية سورة النور وحدة تكوين كل الدواب من الماء، وهذه الآيات التي جمعت جميع المخلوقات لا تبين بالضرورة أنهم خلقوا جميعًا من نفس الماء، ولكنها أيضًا لا تنفي ذلك. ونحن نعلم أن النوع الإنساني خلق من نفس واحدة {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28) لقمان، والإنسان من هذه الدواب، إذ ورد مع من يمشي على رجلين، ولهذا يمكن ترجيح أنها اتبعت نفس الطريقة.

وفي قوله {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} (36) يس، وفي هذا توحيد لمواد الخلق الأخرى غير الماء، ونجد في هذا التشابه بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، أي أن كل الأزواج خلقت من نفس المكونات، قد يدل هذا أيضًا أنها خلقت من نفس المكونات ذاتها، أي خلقت عبر عملية واحدة، إلا أنه لا يمكن الجزم بذلك لأن الأية قد تدل أيضًا أنها خلقت من نفس المواد إلا أنها خلقت كل منها على حدة.

والأمثلة على الجمع بين الإنسان والأنواع الأخرى كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)} الأنعام، ونجد هنا أن كافة المخلوقات المذكورة سوف تحشر يوم القيامة، وفي قوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28)} لقمان، والمخاطب هنا هو الناس. نعرف من النصوص أن البعث هو إعادة الخلق الأول، {..كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.. } الأنبياء 104 ، ولهذا ننظر في آياته علنا نجد ما يدلنا على الخلق الأول.

والآيات التي ذكرناها لا تجزم أن خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان بدأ من نفس واحدة هي الخلية الأولى، أو أن خلق الأنواع تم كلا على حدة، وليس في القرآن ما يؤكد هذا أو يتعارض مع ذاك، ومع غياب التأكيد أو النفي القرآني، فلنا أن نلجأ الى علومنا لنجد الإجابة التي ترجح أي من الرأيين، إلتزامًا بالأمر القرآني: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)} العنكبوت وقولة تعالى {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (17)} الغاشية، وغيرهم من الآيات التي تحث الناس على البحث والتأمل والنظر والتفكير.

الذي يهمنا أن الآيات تركت هذا الأمر للناس أن يجدوه، وربما يكون هذا من متطلبات أن يكون الخطاب موجهًا الى كافة الأزمان التي اختلفت علوم الناس فيها.


{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ(8)} الطارق

عن ابن فارس: الصلب أصلان أحدهما يدل على الشدة والقوة، والآخر جنس من الوَدَك. فالأول الصلب وهو الشيء الشديد، وكذلك سمي الظهر صلبًا لقوته.“ وعنه أيضًا: ”ترب : أصلان أحدهما التراب وما يشتق منه، والآخر تساوي شيئين. فالأول التراب وهو التيرب والتوراب. وجاء في الحاشية ( يقال تيراب أيضًا وتورب، وفيه لغات أخر في القاموس وغيره. “ وجاء عن ابن منظور: الترائب: ”موضع القلادة من الصدر.“

وجاء في تفسير ابن كثير: ”يعني صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس “يخرج من بين الصلب والترائب“ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبوأسامة عن مسعر سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال هذه الترائب ووضع يده على صدره. وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس تريبة المرأة موضع القلادة وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الترائب بين ثدييها وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر وعنه أيضا الترائب أسفل من التراقي وقال سفيان الثوري: فوق الثديين وعن سعيد بن جبير الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل وعن الضحاك الترائب بين الثديين والرجلين والعينين وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي جبيبة المدني أنه بلغه في قول الله عز وجل ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال وهو عصارة القلب من هناك يكون الولد وعن قتادة ”يخرج من بين الصلب والترائب“ من بين صلبه ونحره.“

الترائب هي صدر المرأة وموضع القلادة، وهذه لا علاقة لها بمكان البويضة.

من النظريات العلمية التى تفسر أصل المحيطات ما يقول أن مياه المحيطات قد تدفقت من باطن الأرض الى سطحها . أي أن الماء خرج من بطن الارض أثناء تكونها فاندفع خلال النواة المنصهرة المكونة فى معظمها من عناصر مجموعة الحديد، ثم تدفق من خلال غلاف الأرض الخارجى وهو الدثار، والذى يتكون من صخور صلبة وله قشرة رقيقة من الصخور الخفيفة ومنها التراب. أي أن الماء الذي تبخر ثم نزل مطرًا، ثم خلقت منه الحياة، تدفق من بين الصلب والتراب.

والذى قد يعارض هذا الفهم أن كلمة الترائب لم تأت في معاجم اللغة على أنها من مشتقات لفظ التراب الذي هو من مكونات القشرة، بينما يوجد الكثير من الأسماء التي تطلق على التراب كما جاء في أكثر المعاجم ومنها التيرب والتوراب والتيراب والتورب، وقال ابن فارس في لفظ التراب.: ”وفيه لغات أخر في القاموس وغيره.“ أي أنه يعتقد بوجود أسماء أخرى له لم يشملها هو. أضافة الى أن القرآن الكريم قد جاء بألفاظا إصطلاحية لم يعرفها العرب قبل نزوله منها الصلاة والزكاة وفاكهة أبا، والله أعلم.

فان أفترضنا أن لفظ الترائب أنه من المشتقات اللغوية التي تعود الى التراب، نجد في هذه الآيات، حقيقة علمية تبين كيف تكونت المحيطات في العصور الأولى من تكون الأرض والتي أدت الى ظهور الحياة عليها، والله أعلم.

وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} ورد في تفسير ابن كثير: ”فيه قولان :أحدهما على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما والقول الثاني إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة وقد ذكر الله عز وجل هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير.“

ونجد في هذه الآية قدرة الله تعالى على رجع الماء الذي تدفق من باطن الأرض، وهي قدرة مستمرة يمكن حدوثها في أي وقت، يهلك مع حدوثها الناس وكل حي على الأرض، كما في قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} الملك ، وقوله تعالى: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا(41)} الكهف.


{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} نوح

جاء في تفسير القرطبي: ”أي جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده. قال ابن عباس: ”أطوارا“ يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة; أي طورا بعد طور إلى تمام الخلق, كما ذكر في سورة ”المؤمنون“. والطور في اللغة: المرة; أي من فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. وقيل: ”أطوارا“ صبيانا, ثم شبابا, ثم شيوخا وضعفاء.“

والأطوار من طور، يقول ابن فارس أنها أصل صحيح يدل على معنى واحد وهو الامتداد في شيء من مكان أو زمان، وجاء عن ابن منظور الطور التارة، تقول طورا بعد طور أي تارة بعد تارة، وجمع الطور أطوار، والناس أطوار أي أخياف على حالات شتى، والطور الحال والأطوار الحالات المختلفة والتارات والحدود، واحدها طور أي مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم.

ولهذا فان الله تعالى جعل من صفات خلقنا أنه أطوارًا أي مراحل زمانية متتابعة، وهذه تنطبق على مراحل نمونا في الرحم من نطفة الى علقة الى طفلا الى رجلا، وتنطبق أيضًا على مراحل الخلق التطوري من الطين الى الإنسان.


وفي قوله تعالى: { والله أنبتكم من الأرض نباتًا . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا } نوح 17-18

نباتًا مصدر على غير المصدر – لأن مصدره أنبت إنباتا، وهنا تشبيه خلقنا من الأرض مثل خروج النبات منها، والنبات يخرج ويعلو رويدًا حتى يصل الى حده. وقد تدل الى معنى إضافي، وهي أن أول خلقنا – وخلقنا جاء عبر خلق الحياة ذاتها – مر بمرحلة من المراحل الأولى لخلق الحياة، وهو ظهور الخلية الواحدة التي استمدت غذائها من الطاقة الشمسية، وهذا ما يتميز به النبات عن غيره من المخلوقات الأرضية، أي أن الخلق كان في مراحله الأولى نباتيًا من جهة طريقة الحصول على الطاقة، فالكائن الأول في مراحل تطوره كان يستمد الطاقة من أشعة الشمس، وهذا ما تفعله النباتات.


{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(27) المائدة

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (30) المائدة

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (31) المائدة

هاتين الآيتين تدلان أن أحد أبناء آدم، بفرض أن أبني آدم مقصود بها أولاده من صلبه، وليس أي أخين من سلالة آدم، حيث أننا نطلق على أي رجل تعبير ابن آدم، بفرض أنهما ولديه، فمن الغريب أن أحدهما لم يعرف كيف يدفن جثة أخيه، ثم لماذا ندم فقط بعد أن تعلم من الغراب كيف يدفن جثة أخيه، وهو لم يندم حين قتله، جاء في تفسير القرطبي ”قَالَ مُجَاهِد : بَعَثَ اللَّه غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا حَتَّى قَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه ثُمَّ حَفَرَ فَدَفَنَهُ , وَكَانَ اِبْن آدَمَ هَذَا أَوَّل مَنْ قُتِلَ , وَقِيلَ : إِنَّ الْغُرَاب بَحَثَ الْأَرْض عَلَى طُعْمه لِيُخْفِيَهُ إِلَى وَقْت الْحَاجَة إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ عَادَة الْغُرَاب فِعْل ذَلِكَ ; فَتَنَبَّهَ قَابِيل ذَلِكَ عَلَى مُوَارَاة أَخِيهِ . وَرُوِيَ أَنَّ قَابِيل لَمَّا قَتَلَ هَابِيل جَعَلَهُ فِي جِرَاب , وَمَشَى بِهِ يَحْمِلهُ فِي عُنُقه مِائَة سَنَة ; قَالَهُ مُجَاهِد , وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ حَمَلَهُ سَنَة وَاحِدَة ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ : حَتَّى أَرْوَح وَلَا يَدْرِي مَا يَصْنَع بِهِ إِلَى أَنْ اقْتَدَى بِالْغُرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي الْخَبَر عَنْ أَنَس قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( اِمْتَنَّ اللَّه عَلَى اِبْن آدَم بِثَلَاثٍ بَعْد ثَلَاث بِالرِّيحِ بَعْد الرُّوح فَلَوْلَا أَنَّ الرِّيح يَقَع بَعْد الرُّوح مَا دَفَنَ حَمِيم حَمِيمًا وَبِالدُّودِ فِي الْجُثَّة فَلَوْلَا أَنَّ الدُّود يَقَع فِي الْجُثَّة لَاكْتَنَزَتْهَا الْمُلُوك وَكَانَتْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَبِالْمَوْتِ بَعْد الْكِبَر وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْبَر حَتَّى يَمَلَّ نَفْسه وَيَمَلّهُ أَهْله وَوَلَده وَأَقْرِبَاؤُهُ فَكَانَ الْمَوْت أَسْتَرَ لَهُ ) , وَقَالَ قَوْم : كَانَ قَابِيل يَعْلَم الدَّفْن , وَلَكِنْ تَرَكَ أَخَاهُ بِالْعَرَاءِ اِسْتِخْفَافًا بِهِ , فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث التُّرَاب عَلَى هَابِيل لِيَدْفِنهُ , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : ” يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْءَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ “ , حَيْثُ رَأَى إِكْرَام اللَّه لِهَابِيل بِأَنْ قَيَّضَ لَهُ الْغُرَاب حَتَّى وَارَاهُ , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَدَم تَوْبَة , وَقِيلَ : إِنَّمَا نَدَمه كَانَ عَلَى فَقْده لَا عَلَى قَتْله , وَإِنْ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ مُوَفِّيًا شُرُوطَهُ . أَوْ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرّ نَدَمه ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَوْ كَانَتْ نَدَامَته عَلَى قَتْله لَكَانَتْ النَّدَامَة تَوْبَة مِنْهُ.“

نلاحظ مما جاء عن قوم: أن قابيل كان يعرف الدفن، وأنه إما ندم لأنه ترك أخاه بالعراء إستخفافًا به، أو ندم على قتله حيث رأى إكرام الله لهابيل، ولكن الأخيرة كان يعرفها لأن الله تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانه. وندمه قد يكون عن عدم دفنه وليس عن قتله، إلا أن الندم هو على عدم فعل شيء كان يعرف أن عليه أن يفعله، فان افترضنا أنه لم يكن يعرف الدفن، فلماذا يندم على عدم فعل شيئًا لم يكن يعرف كيفية فعله. قد يكون الندم هو نتيجة شعوره بالعجز. ولو قلنا يعرف الدفن فان فعل الغراب كان ”ليريه كيف يواري سوأة أخيه“ أي ليعلمه الكيفية بطريق المشاهدة، ينفي معرفته الدفن. وجاء في بعض التفاسير السلفية أن هذه الآيات لا تعود على أبني آدم من صلبه وإنما تعود على أخين من اليهود لأنه تبعها ما كتبه الله على بني إسرائيل {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…}.

وتكمن إهمية الآية أن أبن آدم –اذا كان المقصود أنه من صلبه- لو لم يكن يعرف الدفن، فهذا يدل أنه لم يرى غيره يقوم بذلك، وحيث أن الآية في ظاهر معناها تؤدي الى أن الله تعالى بعث الغراب ليريه كيف يواري جثة أخيه، وهذا قد يدلنا الى أحد احتمالين: الأول أن آدم وزوجه ثم أولاده هم أول الناس على الأرض ولم يكن هناك غيرهم. وهذا ينفي كل ما سبق وذكرناه في هذا الباب. والإحتمال الثاني أن آدم وزوجه عندما هبطا من الجنة، هبطا الى مكان من الأرض لم يكن فيه أحد من الناس، حيث أن آدم أول البشر، ومنحه الله قدرة على البيان، ومنوط اليه الخلافة، ومن معانيها ((الخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.”)) كما ذكرنا سابقًا، أن أدم وذريته سوف يخلفون ويقومون مقام الإنسان ويسدون مسده. وسواء إختلط آدم مع الناس الآخرين أم لم يختلط، إلا أنه ربما أبعد أبنيه خشية عليهما منهم لما كان الناس عليه من فساد وتوحش، وقد نجد في قوله تعالى {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ …} ما قد يصور لنا ما كان الوضع عليه، ولهذا نشأ ولديه في عزلة عن الناس، فلم يعرف قابيل كيفية دفن الموتى، أما آدم – الذي يعرف الدفن- فلم يكن حاضرًا هذه الأحداث، والا لمنع قابيل من قتل أخيه.

أخذ المفسرون الأوائل بمعناها الذي يقوم على الإحتمال الأول والمناسب لمعارفهم، بينما يصح لنا أن نأخذها بموجب الإحتمال الثاني. والآية لا تتعلق مباشرة بموضوع خلق الإنسان، وانما وردت لتبين لماذا كتب الله على بني اسرائيل أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا. وما أوردناها في هذا المحل إلا لأننا نحاول دراسة كل الآيات المتعلقة بالموضوع الذي ندرسه، سواء كان تعلقها مباشر أو غير مباشر.

***

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ   (174)} الأعراف

يخبرنا الله تعالى أنه جعل في الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) للبشر – ذرية آدم – فطرة ((جاء في معجم لسان العرب والفِطْرةُ: ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به))  تعرف الناس به ((لقوله {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}.)). وذكر في الآية بني آدم لأن هذه الفطرة جعلت للبشر فقط وهم ذرية آدم، لأنهم النوع الوحيد من المخلوقات الذي منح العقل وحمل الأمانة، فكان له حرية الأختيار فكان من رحمة الله به أن يفطره على نزعة معرفة الرب.   

وفي قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم 30

يقول الطبري في تفسيره: “حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَر النَّاسَ عَلَيْها) قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرّون بذلك، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قال: فهذا قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بعد.” أنتهى

أما لماذا لم تشمل الآية آدم، لآنه وفق ما روي عنه كان يعرف الله ولا حاجة لتعريفه بهذه الحقيقة.

ولو نظرنا إلى نص الآية أعلاه، وكل الآيات التي تروي قصة آدم، وأخذنا في الأعتبار أن الأجيال التي تلقت الرسالة في العصر الأول وطوال العصور حتى قرن أو قرنين قبل زماننا، لم يكن من الممكن أن يتصوروا أو حتى يتخيلوا ما وصلت اليه العلوم المعاصرة، بل ولن يقبلوا أن يكون خلق الحياة قد أستغرق ثلاثة بلايين ونصف سنة ((كانوا يعتقدون أن عمر الإنسان على الأرض منذ خلق آدم أربعة آلاف سنة))؛ وأنه تطور ذاتيًا من خلية واحدة الى كل أنواع الحياة التي نعرفها، كان على النص أن يخاطب هؤلاء بما يفهمونه ويعقلونه، وإلا أصابهم بالبلبلة أو كذبوه، ولم يكن نشر العلم غايته لما شرحناه مفصلا في السابق. فكان لزامًا أن يعتمد النص على التشبيه والمثل لعرض الحقيقة في صورة مشابهة لها توافق معتقدات الناس في تلك العصور مع الحفاظ التام بالدلالات الحقيقية. وقد نجح في ذلك إلى حد فائق، فلا هو بلبل أفكارهم ولا تعارض مع ما صح من علومنا المعاصرة الحديثة. وقد ذكر لنا النص هذا الأسلوب البلاغي في قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } آل عمران

في رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها.

وعليه فالمتشابهات تشمل كل ما يتعلق بالغيبيات ((منها البعث والجنة والنار والملائكة والجن وكل ما هو خارج الكون المشاهد)) وآيات الخلق الكوني وخلق الحياة والأمثال والقصص.

وهذه الآية الكريمة تعلمنا أن المتشابهات تحمل معلومات صحيحة قد تم عرضها بأسلوب وبكلمات وأسماء مغايرة للحقيقة لتناسب فهم الناس في كل العصور، وأن علينا إعمال الفكر والتدبر والجهد لنتمكن من الوصول الى المعنى الصحيح. وهذا الأسلوب المعجز ما هو إلا رحمة بالناس في العصور التي سبقت العلوم الحديثة.

***

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)} سورة الرحمن

تدلنا هذه الآيات الى خلق أول خلية حية في الفتحات الحرارية في قاع البحار والمحيطات، وكيف أن إلتقاء الماء القلوي النابع من هذه الفتحات مع ماء البحر المالح ينتج عنه تدرج بروتيني تتولد عن تدفقه طاقة كيميائية أدت إلى تكون الخلية الأولى التي هي أصل الحياة على كوكب الأرض. 

أنظر الرابط “مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ“ للإطلاع على الموضوع الذي نشر في المدونة.

خاتمة الباب الثالث

ذكرنا في هذا الباب بعض آيات خلق الإنسان والحياة، أما الآيات الأخرى التي لم نوردها هنا، بعضها يعود الى خلق الإنسان في الرحم، وخلق الأزواج من النوع، وغيرهم مما فسره المعاصرون وفق المعاني التي تناسب المعارف الحديثة.

والواضح مما سبق أن دلالة النصوص التى عرضنا لها، لا تدل أو تشير الى أن خلق النوع الإنساني كان خلقًا آنيًا فوريًا مباشرة من الطين. وإنما عبر تدرج مرحلي له بدء واكتمال. ويمكن تفسيرهذه النصوص بكل يسر وفق معانيها الظاهرة الواضحة، دون فرض معنى محدد عليها، مثل خلق آدم مباشرة من الطين.

الأعجاز القرآني في موضوع خلق الإنسان يظهر جليًا في الآيات التي تدل بيسر ووضوح، الى أن خلق الإنسان كان تطوريًا عبر دهرًا من الزمن حتى ظهر آدم أول البشر بما لديه من القدرة على النطق والبيان. وقلنا أنه أعجاز لأنه خالف الفكر السائد في زمان التنزيل، ولوكان من عند غير الله لما خالفه، ولأنه سبق علوم الإنسان بأكثر من الف ومائتين وخمسين سنة، سبحان الله تعالى عما يصفون.

وأخيرًا ؛ وللرد على الذين يقولون إذا كان كذلك، فلماذا لا نستخرج نظريات علمية من القرآن. نجيب لأن القرآن ليس كتاب علوم ولا يمكن أن نأت منه بنظرية جديدة، وأنما نتوقع أن دلالة أي نص قرآني يخص عالمنا المشاهد (الكون ضمن الأبعاد التي نحيا فيها) لن يتعارض مع علومنا الصحيحة، لأن هذا النص صدر عن خالق هذا الكون، وهو أعلم به.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – الآيات القرآنية في خلق الإنسان

 

والآن، علينا أن نستعرض النصوص القرآنية لإستنباط المدلولات المتعلقة بهذا الموضوع:

{ .. هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ..} النجم 32

نجد في هذه الآية ذكر مرحلتين من مراحل الخلق الإنساني، المرحلة الأولى هي الإنشاء من الأرض، والثانية تكَّون الأجنة في بطون الأمهات، والتفريق بين الحالتين أو المرحلتين واضحٌ هنا. والآيات القرآنية الأخرى المتعلقة بخلق الإنسان، تتعلق كل منها بواحدة من هاتين المرحلتين، ولهذا سيتوجب علينا الحرص عند دراسة الآيات التي ذكر فيها الخلق؛ لتحديد تعلق كل منها بأي من هاتين المرحلتين، خاصة وكما ذكرنا أن مراحل النمو في الرحم، تشبه الى حد ما مراحل تطور الحياة حتى تصل الى الإنسان، ومما قد يزيد في صعوبة هذا الأمر، أننا افترضنا ان النص المقصود منه الإشارة الى المرحلة الأولى، سُرد بحيث يسمح بمساحة تفسيرية يمكن له فيها أن يؤدي معناه إما الى مفهوم المرحلة الثانية، أو الى مفهوم خلق آدم من الطين مباشرة، ليسمح بإمكان تفسيره في عصورٍ لم يعلم الناس فيها بحدوث المرحلة الأولى، والتي تختص بالتفاصيل العلمية لنشوء الحياة بأنواعها الكثيرة ومنها النوع الإنساني على الأرض. وهذا ما كان عليه الأمر في العصور السابقة، إذ تم التفسير على أساس دلالة بعض الآيات على خلق آدم، ودلالة الأخرى على تطور الجنين في الرحم، فإن عرف الناس علوم النشوء والتطور في عصور لاحقة، يمكن للنص أن يؤدي آنذاك الى معناه المقصود.

ووفق تفسيرات السلف، قيل في تفسير المرحلة الأولى: إذ أنشأكم من الأرض، قيل أي خلق آدم وقال آخرون هو التربة التي ارتفعت وسمت ليكون منها آدم ويكون منه ومن زوجه الناس من بعدهما، أما المرحلة الثانية وهي تكون الأجنة في بطون الأمهات، فتعود الى تكوَّن كل انسان في رحم أمه من بعد آدم.

نقف هنا عند المعنى اللغوي للفظ نشأ، جاء عن صاحب لسان العرب: وأنشأ الله الخلق أي ابتدأ خلقهم، ونشأ ربا وشب، وقيل الناشئ فويق المحتلم وقيل هو الحدث الذي جاوز حد الصغر، أنشأ دارًا: بدء بناءها. وقوله تعالى هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، أي ابتدعها وبدء خلقها وكل من ابتدأ شيئا فهو أنشأه.والنشء أحداث وصغار الناس، ونشأ السحاب أرتفع وبدا وذلك في أول ما يبدأ. وقال صاحب مقاييس اللغة: نشأ أصل يدل على ارتفاع في الشيء وسمو، ومن الباب النشء : أحداث الناس.

وعليه؛ فالإنشاء هو ابتداء الخلق ورفع الشيء وظهوره في أول ما يبدأ، ولو راجعنا بعض استخدامات القرآن للفظ ” أنشأ“ سنجد أن اللفظ يعبر عن إحداث أو إيجاد شيء في امتداد زمني، فاللفظ يعبر عن بدأ واستمرار لخلق معين كالإنسان والشجر والجنات والسحاب، أو لبناء معين كالدار والسفينة، أي أنه يعبر عن مرحلة لها بدء واستمرار ثم انتهاء، ولها نمو في ارتفاع، حتى تصل الى الحد المعين لها، فالصغار نشء لأنهم ينمون حتى يبلغون أشدهم، والدار تنشأ لأنها ترتفع رويدُا حتى تصل الى منتهاها، والشجرة تنمو وترتفع حتى تصل مداها، ونشأت في قوم فلان، أي شببت فيهم، فان طبقنا هذا المعنى على خلق الإنسان من الطين، فيكون {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين}  السجدة/7  { ….. هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم …} النجم 32   نجد أن بدأ الخلق كان من طين كما توضح الآية 7 من سورة السجدة، وان طبيعة هذا الخلق كان إنشاءً، بما يحمله اللفظ من معانى البدء في الخلق واستمراره مع النمو والإرتفاع والظهور، أي ان لفظ الإنشاء يتضمن إمتدادًا زمنيًا.

فاذا افترضنا كما قال المفسرون أن الآية تتعلق بخلق آدم، فهذا سيعنى أن خلق آدم كان له بدء ونمو وارتفاع وظهور، فهل هذا يدلنا أن آدم نما وكبر حتى وصل الى مرحلة النضوج، أي نشأ، ليس في قصة آدم الشائعة أنه كان صغيرًا وكبر، ولكن ليس هناك في الآيات القرآنية ما يدعم اعتقادنا بفرضية أن آدم خلق في مرحلة الشباب أو الرجولة، دون ان ينمو من طفل الى نشء الى شاب الى رجل اصطفاه الله.

المخاطب في الآية المذكورة هم الناس جميعًا، {إذ أنشأكم} يتبعها {إذ أنتم}، والأوَلى أن يعود الإنشاء إلى نوع هؤلاء الناس، فلو اعتبرنا أن الآيات تتعلق بالجنس الإنساني الذي أنشأ من الأرض وبدأ خلقه من الطين، وتطور حتى وصل الى الإنسان، يكون التعبير أنشأكم من الأرض واضحًا وبينًا، إذ يكون النوع قد بدأ خلقه من طين، ونشأ وارتقا حتى وصل الى ما اكتمل به من بنية وانتصاب وعقل وقدرة على البيان.

*******

{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}العنكبوت

والسؤال هنا كيف نسير في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق؟  وأصل نظر عند ابن فارس هو تأمل الشيء ومعاينته، الأمر هنا له وجهان.

الوجه الأول أن نشاهد الأرض الجرداء الميتة حتى يهطل المطر عليها فينبت منها العشب والنبات الحي. في قوله تعالى {ويحيي الأرض بعد موتها} وقوله تعالى {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون…} وقوله تعالى {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ….} وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. ولكن هل تكمن  الإجابة عن سؤالنا في هذه الآيات؟ ما نراه في هذه الظواهر يقع في باب كيف يحيي الله الخلق بعد موتهم، وليس كيف بدأ الخلق، فالصحراء الجرداء الميتة يكمن بين ترابها ورمالها بذور النباتات التي ما أن يتوفر لها الماء حتى تنمو نباتا جديدا، وهذا لا يدل على بدأ الحياة من العدم أو من الجماد اللامخلوق اللامسبوق، وانما يدل على استمرار للحياة المخلوقة متى توفرت لها ظروفها ومقوماتها. كان هذا التفسير يكفي السلف في التفسير المرحلي السابق وهذا ما ركنوا اليه.

والوجه الثاني هو في السير في الأرض والبحث فيها ومعاينتها لمعرفة كيف بدأ الخلق، والأمر يدل على قدرة المأمور على التوصل الى هذه المعرفة إذا اتبع المنهج الموضوع لبحثه هذا، والذي حددته الآية بالسير في الأرض والنظر. ولو فرضنا أن بدأ الخلق المقصود به آدم أو أي بدءا آخر للخلق، هو خلقًا إعجازيًا لا يتبع القوانين والثوابت الطبيعية، فلن نتمكن من الوصول إلى معرفته أبدًا، لأن المعجزة حالة واحدة لا تتكرر، ولأصبح بحثنا عن هذه المعرفة مضيعة للوقت، أما لو كان بدء الخلق معقولاً فسوف نتمكن من التوصل الى معرفة كيفية بدءه، وحيث أن الخالق يأمرنا بالبحث، فهذا بالضرورة يعلمنا بقدرتنا عليه، وهذا يدلنا أن بدء الخلق لا بد أن يكون معقولاً ((  ويجب أن نلاحظ هنا أن قاعدة معقولية الأمر لا تطبق كلما وجدنا أمراً إلهيًا، فبعض الأوامر تكون تحديًا للمأمور مع العلم بعدم قدرته على التنفيذ، وهذا يكون واضحًا بدلالة النص ومثال ذلك قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (13) هود. أو يكون الأمر مع قدرة المأمور على التنفيذ وعجزه عنه لقصور علمه عن معرفة حدوث الظواهر المنوط بها تنفيذ الأمر وهذا يستدعي أمراً ثانيًا عند حدوث هذه الظواهر، مثل قوله تعالى: :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }، ويكون القصد من هذا الأمر الإعلام بالخلق والإعلام بأهمية المخلوق التي عبر عنها بأمر السجود له. ويجب أن نلاحظ أن معقولية الأمر تطبق على الأوامر الصادرة الى البشر، أما معقولية الأوامر والأحداث التي تجري في عالم الغيب (الميتافيزيقي أو ما وراء الطبيعة) فهذه قد لا ينطبق عليها الشروط العقلانية التي تحكم عالمنا المشاهد، ولها نظامها الخاص الذي لا نستطيع أن نخوض فيه أو نعقله، وهذه حقيقة علمية يقبلها العلم الحديث ويمتنع لذلك عن الخوض فيها)).

وقد يقول قائل أن الموجود دليلاً على بدء الخلق، ونقول إن كان كذلك فما الداعي للسير في الأرض. بل أن هذه الآية قد تدل الى أن ما استنبطناه مما وجدناه في الحفريات بدءًا من العظام والجماجم الى مختلف نماذج الحياة البسيطة الأولى هو الطريق السليم لمعرفة كيف بدأ الخلق، بل وربما كانت النظريات العلمية التطورية التي استنبُطت من معاينتنا لطبقات الأرض ولبقايا أنواع الحياة التي اندفنت فيها، ومن دراسة أنواع المخلوقات المعاصرة وخصائصها ومقارنة سلاسلها الإهليجية، ومن تكيف البكتيريا وتغيرها، ما هي إلا نتيجة إتباع هذا الأمر الإلهي، الذي يدعونا الى المنهج العلمي في التأمل والبحث والمعاينة.

ولو قال قائل أن الآيات تشبه بدء الخلق بالبعث، أي كيف يحي الله تعالى الأرض الهامدة، وأن بدء الخلق كان كذلك، أي اذا توفر الماء دبت الحياة في الجماد، أو تظهر الحياة من الجماد، فان هذا أيضًا يتفق مع العلم في أن الحياة ظهرت على الأرض أول مرة متى توفرت لها ظروفها وأهمها الماء والمواد العضوية والطاقة ((وقد تدل الآية أيضًا، على أن بذرة الحياة التي قد تكون قد هبطت من الفضاء الخارجي، (كما تقول بذلك بعض النظريات العلمية)، نشأت على الأرض متى توفرت لها الظروف المواتية.)) ، ولفظ خلق يعني عند العرب تقدير أو ابتداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وهذه تتكرر،والأرجح أن الخلق فيها كان أول مرة.

******

أما في قوله تعالى: {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الأنعام133، فمن الجدير بالإهتمام، عرض تفسير الطبري لهذه الآية إذ جاء في تفسيره:

”” وأما قوله: {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء} فإنه يقول: إن يشأ ربك يا محمد الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه {يذهبكم} يقول: يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} يقول: ويأت بخلق غيركم، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم . {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم . ومعنى ”من“ في هذا الموضع: التعقيب، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوبا، بمعنى: مكان الدينار ثوبا، لا أن الثوب من الدينار بعض، كذلك الذين خوطبوا بقوله: {كما أنشأكم} لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم . والذرية من قول القائل: ذرأ الله الخلق، بمعنى خلقهم فهو يذروهم، ثم ترك الهمزة فقيل: ذرا الله، ثم أخرج الفعيلة بغير همز على مثال العلية . وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ: ”من ذريئة قوم آخرين“ على مثال فعيلة . وعن آخر أنه كان يقرأ: ”ومن ذرية “ على مثال عليه . والقراءة التي عليها القراء في الأمصار: {ذرية} بضم الذال وتشديد الياء على مثال علية . وقد بينا اشتقاق ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ههنا . وأصل الإنشاء: الإحداث، يقال: قد أنشأ فلان يحدث القوم، بمعنى: ابتدأ وأخذ فيه.““ أنتهى.

نلاحظ أن الطبري عمم القول القرآني على كل الناس، واعتبر أن المخاطب هو النوع الإنساني أو ولد آدم، وبين أن هذا النوع حل محل ذرية قوم آخرين، وجهد لبيان أن ولد آدم ليسوا من ذرية القوم الآخرين وأنما حلوا محلهم، ولم يحذو القرطبي وابن كثير حذو الطبري، إذ قال ابن كثير: ””كما قال تعالى {إن الله بالناس لرءوف رحيم} {إن يشأ يذهبكم} أي إذا خالفتم أمره {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} أي قوم آخرين أي يعملون بطاعته {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال تعالى {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} وقال تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}. وقال تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الذرية الأصل والذرية النسل.““ أنتهى.

ولو عدنا الى الآية:

{وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الأنعام 133

{ويستخلف من بعدكم ما يشاء} نلاحظ ”ما“ يشاء، وليس من يشاء، و”ما“ تدل على أن من يخلفونكم قد لا يكونون بالضرورة من جنسكم أو من نوعكم، بل قد يكونوا أي خلق آخر يشاءه الله تعالى، وفي قوله تعالى: { ويسجد له ما في السماوات وما في الأرض} يشير الى كل مخلوقات الله تعالى. أما قوله تعالى {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} نجد هنا معنى هام، إذ نحن – أي النوع البشري – نشأنا من ذرية قوم آخرين، لاحظ هذا الطبري وفسرها كما سبق، بينما ذهب ابن كثير الى ان الله تعالى كما أذهب القرون الأولى وأتى بالتي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، ولكنه لم يتعرض لجملة {أنشأكم من ذرية قوم آخرين}، ولم يشرحها، فان كان هؤلاء الناس نشأوا من ذرية قوم سبقوهم، فالسابقون أجدادهم وقومهم، وليسوا قوما آخرون، والقوم تجوز على الإنسان والملائكة والجن، واصل اللفظ من القيام. وجاء المعنى أيضًا في {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} وخلق جديد يصح أن يدل على نوع جديد، وليس خلق مثلكم.

          يقول لنا علم تطور الحياة ان النوع الإنساني تطور بعد ظهوره منذ سبعة مليون سنة الى أن بلغ إكتمال شكله العضوي العام، ثم تفرع نوعًا منه أو تطور هذا النوع من الأصل مزامنًا للأول، الى نوع أرقى تميز بالقدرة على التفكير والنطق وبالتالي حفظ ونقل المعلومات، لكن هل معنى هذا أن الأنسان نوع بينما البشر نوعًا آخر ((قد نجيب الآن بلا وبنعم، فكما ان خلق سيدنا عيسى بقدرة الله تعالى لم يأت بنوعًا جديدَا محدثًا، فليس بالضرورة ان خلق البشر (آدم) بقدرة الله سبحانه وتعالى والتي ربما تكون قد تجاوزت قوانين الطبيعة التي وضعها افي هذا الكون عندما خلقه {وجعلنا في كل سماء أمرها}، ليس بالضرورة أيضًا أن يكون البشر مخلوقًا من نوع جديد، إذ قد يكون تطورًا واكتمالاً لنوع الإنسان أو طفرة منه. )) .

يمكن ان يكون البشر نوعًا جديدًا أكثر تطورًا حل محل مثيله المخلوق سابقًا أو مزامنًا له، فهذا مثل ما توصلت اليه العلوم الحديثة. وبدراسة ال دي إن أيه  DNA  لعينات من كل أجناس البشر الموجودين على الكرة الأرضية اليوم، وجد أنهم قد يعودون الى مجموعة صغيرة قد لا تتجاوز البضعة آلاف شخص، كانوا يعيشون في افريقيا منذ مائتي ألف سنة تقريبًا، وهؤلاء ما يعبر عنهم العلم الحديث أنهم تناسلوا من سلالة امرأة أفريقية أعطاها العلماء الأسم الرمزي حواء. وتدل الحفريات التي تم العثور عليها والتي تعود ربما الى مائة ألف سنة، أنه كان يوجد أيضًا الى جانب هذا النوع المشابه لنا فيما يختص بالشكل التركيبي العام، مخلوق إنساني آخر، وان كان يشبهنا إلا انه لم يكن في مستوى ذكاء الآخر، الذي نحن من سلالته، ويختلف عنه وعنا في شكل الجمجمة، ونجد هذا الإنسان سابقًا للآخر، إذ نجده في حفريات أقدم لمئات الآلاف من السنوات. وقد اندثر هذا النوع منذ أكثر من ثلاثين ألف سنة، ولم يعد موجودًا. ولا نعرف حتى الآن هل نحن من سلالة متطورة عن هذا الإنسان المندثر حلت محله أم أن كلانا من سلالة إنسان أقدم تفرعت الى نوعين أو عدة أنواع ( ربما أربعة أنواع)، أندثرت كلها ما عدا نوعنا.

ألا يكون هذا مطابقًا الى حد كبير لمدلول الآيات القرآنية :{…… كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} وألا يكون الطبري قد أصاب في تفسيره، ما عدا أن لفظ ”من“ لا يدل سوى على المعنى المباشر وهو ما حاول جاهدًا نفيه في قوله: ”لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم“ . وألا ترى أن كلا المعنيان صحيحان، هم من أصلابهم وحلوا محلهم.

ما سبق يصح معه أحد المعنيين: الأول أن يكون البشر من سلالة تطورت من سلالات أخرى حتى وصل المخلوق الى ما نحن عليه، أو المعنى الثاني أن آدم خلق مباشرة من الطين مشابهًا ومساويًا للإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية عبر سلالات كثيرة، وان آدم أول البشر حل محل من سبقه في الحالتين. والذي يرجح لنا أن آدم  هو نتاج عملية تطورية، نجده في قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} فان كان بدء خلقنا يتمثل في خلق آدم، فهو قد نشأ من ذرية قوم آخرين. والقوم هنا بمعنى كل من قام، والإنسان هو من خلق في أحسن تقويم، أي أحسن وقوف وإنتصاب. والتغير الذي حدث في جينات النوع الجديد، جعله يختلف عمن جاء منهم، فلم يعد من نوعهم، وأنما هو نوع آخر، وإن كان من ذريتهم. بالطبع حدث هذا عبر آلاف وربما ملايين السنين، ولهذا كان لفظ أنشأكم هو ما وصف هذه العملية والذي سبق أن ذكرنا أن من مدلولاته الإمتداد الزمني، ونحن نتحدث هنا عن النوع؛ وآدم هو من اصطُفي من النوع، وهذا ما تدل عليه الآية المذكورة من سورة الأنعام، ومثلها قوله تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}. وقوله تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.

******

ولو إستعرضنا آيات قرآنية أخرى لنستدل بها الى حقيقة هذا الأمر :

{ هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا * إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إِنّـا هديناه السبيل إمَّـا شاكرًا وإمَّـا كفُورًا}  الإنسان(76) :1-3

{هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1)}

في الآية الأولى من سورة الإنسان؛ يبين الله تعالى لنا أن الإنسان قد مضى عليه بعد خلقه ((جاء عند الطبري في تفسيره:ِ ”” وَقَوْله : {حِين مِنْ الدَّهْر } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر هَذَا الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَرْبَعُونَ سَنَة ; وَقَالُوا : مَكَثَتْ طِينَة آدَم مُصَوَّرَة لَا تُنْفَخ فِيهَا الرُّوح أَرْبَعِينَ عَامًا , فَذَلِكَ قَدْر الْحِين الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع ; قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } لِأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ وَهُوَ جِسْم مُصَوَّر لَمْ تُنْفَخ فِيهِ الرُّوح أَرْبَعُونَ عَامًا , فَكَانَ شَيْئًا , غَيْر أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا حَدّ لِلْحِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; وَقَدْ يَدْخُل هَذَا الْقَوْل مِنْ أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر , وَغَيْر مَفْهُوم فِي الْكَلَام أَنْ يُقَال : أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين قَبْل أَنْ يُوجَد , وَقَبْل أَنْ يَكُون شَيْئًا , وَإِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ : أَتَى حِين قَبْل أَنْ يُخْلَق , وَلَمْ يَقُلْ أَتَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الدَّهْر فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَلَا حَدّ لَهُ يُوقَف عَلَيْهِ .““))حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، ويدل لفظ الدهر على طول المدة الزمنية، في حين أن آدم وفق القصة الشائعة خلق وتعلم وأكرم في وقت قصير، في ما قد نسميه في نفس المقام والمجلس. نحن نعلم أن الإنسان الذي كان نتاج عملية تطورية أستغرقت بلايين السنين، قد مر عليه فعلاً الجزء الأكبر من عمر هذه العملية التطورية ولم يك شيئًا مذكورًا، بل ومنذ ظهوره كآخر حلقات هذه العملية التطورية، مضي عليه قرابة عشرة ملايين سنة لم يكن فيها قد نضج واكتسب حجم المخ الكافي، أي لم يكن قد بلغ مبلغه واستوى بعد.

قلنا أن آدم عندما خلق كان مكرمًا ومفضلا على كثير من المخلوقات الأخرى، بدليل أمر الله تعالى للملائكة وكان أبليس بينهم بالسجود لآدم، في قوله تعالى { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } وهذا التكريم وما سبق ذكره من التعليم الألهي لآدم يدل على تعظيم وإهتمام بهذا المخلوق لا يتفق مع فرض أن الآية السابقة تعود الى آدم، إلا لو كان الإنسان المقصود في هذه الآية غير آدم أبو البشر. أو لو كان النوع الإنساني بعد آدم عليه السلام قد مر عليه دهرًا لم يك فيه شيئا مذكورا.

والقول هل أتى على الإنسان دهرًا، يدل ان الإنسان كان موجودًا ولكنه لم يكن شيئا مذكورًا، أي لم يكن شيئا يستحق الذكر، لأنه لم يكن مفضلا على بقية المخلوقات الأخرى كالحيوانات، ربما كان مثلها أو أقل منها. لقد أكرم الإنسان عندما أصبح قادرا على التفكير، وهي فترة لاحقة لظهوره في أحسن تقويم، أي منتصبًا واقفًا على قدميه، مما نتج عنه تحرير ذراعيه ويديه لإستخدامهما في عمليات مختلفة، وفي قوله تعالى { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين } التين : 4-5، أي أنه بالرغم من قيامه ووقوفه، رد أسفل سافلين، ثم أصبح تدريجيًا وخلال دهرًا طويلاً من الزمان، قادرًا على التفكير عندما بدأ مخه يتطور حتى وصل الى الحجم الكافي ليستطيع التفوق على غيره من المخلوقات، وقد استغرق هذا النمو عدة ملايين من السنين على أقل تقدير، وفي قوله تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} الرحمن، ما يشير الى أن القدرة على البيان، كانت من الصفات الهامة التي ميزت الإنسان عن غيره من المخلوقات، وبهذا يكون القرآن قد أكد على الصفتين الهامتين اللتين تميز بهما الإنسان عن غيره من المخلوقات وهما أحسن تقويم بمعنى قيام ووقوف، والقدرة على البيان، أي الإيضاح بالنطق واللغة.

كنا قد قلنا يصح معنى الآية إذا مر على نوع الإنسان بعد آدم عليه السلام دهرًا لم يكن فيه شيئا مذكورا. ولكن الأمم التي جاءت بعد آدم ينطبق عليها الآيات : { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } 47 يونس . { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله ….} 36 النحل.  فهل يمكن لأمة جاءها رسول من عند الله أن لا تكون شيئا مذكورا. بالطبع لا، فبمجرد إرسال رسولا لها فهذا دليل كونها أمة مذكورة. الأمة هنا في آيتي سورتا يونس والنحل، من بني آدم وليس ممن سبقهم من نوع الإنسان، وعليه فالآية التي نحن بصددها؛ تعود على نوع الإنسان في فترة سابقة لخلق آدم الذي كرم وفضل هو وذريته كما تدل عليه بغاية الوضوح الآية : { ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } 70 الإسراء. وعليه فإن تكريم بني آدم يحتم بالضرورة أن تعود الآية { هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا}، على من هم ليسوا من بني آدم، وسواء كانوا قبل آدم أو بعده فهم ليسوا من أبناءه أو ذريته، وبهذا لا بد ان يكون هناك سلالة إنسانية سابقة لآدم. وفي قوله تعالى (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) قد يشير الى وجود غيرهم من الناس، حيث أن من تكون للعاقل.

وفي الآية الثانية من سورة الإنسان: {هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2)} الإنسان(76)

أتفق أغلب المفسرون أن الأنسان في الآية الأولى من سورة الأنسان هو آدم، أما الأنسان المذكور في الآية الثانية فهو ذرية آدم، وهذا إستدلال ولا يمكن البت بصحته، بل ولماذا يدل اللفظ مرة على آدم، ومرة ثانية وفي نفس السياق على ذريته، والذي دفعهم الى ذلك، أن آدم لم يخلق وفق اعتقادهم من نطفة أمشاج (تعبر عن مني الرجل وماء المرأة).

المشيج : كل لونين اختلطا،وقيل: هو كل شيئين مختلطين، والجمع أمشاج، وقيل المشيج هو ماء الرجل يختلط بماء المرأة. وفي التنزيل العزيز: {نطفةٍ أمشاج} قال الفراء: ”الأمشاج هي الأخلاط: ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة“. ويبدو ان اضافة الدم والعلقة نتج لأن اللفظ القرآني جاء على الجمع، مما يشترط معه الثلاثة فأكثر. أما النطفة فهي القليل من الماء وقد تطلق على الكثير، وهو بالقليل أخص.وبه سمي المنيُّ نطفة لقلته.

وقد ورد لفظ النطفة تعبيرًا  أو كناتج عن المني في قوله تعالى : {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} النجم، وفي قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى  * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة، وهنا تكون النطفة هي ما ينتج عن المني أو ماء الرجل كما سماه الفراء،  ومن المعروف أنه ليس للمرأة ماء له تأثير على الجنين، إذ ليس من المرأة سوى البويضة، أما الدم فلا علاقة له بتكوين الجنين، فتكون النطفة إما البويضة أو الخلية الأولى التي تتكون عند تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، أو ما يسميه العلم الحديث، الفيتا، والأرجح أنها البويضة الملقحة أي الخلية الأولى، والعلقة هي إحد مراحل الحمل. ولهذا فالأصل اللغوي في معنى نطفةٍ أمشاجٍ، هي الماء القليل المحتوي على خليط من المواد أو المركبات الأخرى. ما هي هذه المركبات والمواد، من الممكن ان نفترض أنها عضوية، أو منى الرجل وبويضة المرأة معًا، وهما ان كانا إثنان إلا أنهما يتكونان أيضًا من خليط مركبات عضوية، وهما ما يتكون الجنين من اجتماعهما، وعليه فمعنى نطفة إمشاج يصح كما قال المفسرون، ويصح أيضًا أن يكون ابتداء خلق الحياة – ومنها الإنسان – من ماء وخليط مركبات عضوية أو كربونية أو من أي مواد أخرى، أي هو الخليط الكيميائي الذي يعتقد العلماء أنه الذي نتج منه أول خلية حية. وقد وردت نطفة في الآيتين السابقتين من سورتي النجم والقيامة بالمعنى الذي يخص الحمل وتطور الجنين في الرحم لأنها حددت بأنها نتجت عن المني، ويمكن أن يكون خلق أو جعل الزوجين الذكر والأنثى، هو جعل أو خلق في الرحم، وهذا يبين مرحلة متأخرة في سلسلة الخلق ومستمرة، فمن المني والبويضة نطفة، وهذه الخلية النطفة من صفاتها أنها تنقسم على نفسها مرات عديدة، ثم تتعلق في جدار الرحم، فتكون علقة، فجنين إما ذكر أو أنثي. وعلى هذا المعنى، يكون معنى الآية 46 من سورة النجم : من نطفة إذا تُمنى البويضة.

وفي قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11)} فاطر، الخلق من التراب ثم من نطفة ثم جعل الأزواج، فان كانت النطفة تعبر هنا عن المني، أو المني والبويضة، فهذا المعنى لا يصح في الأرجح لأن الأزواج –الذكر والأنثى- لم تكن قد وجدت بعد، ولهذا فالنطفة هنا ليست المني، وليست المني والبويضة، حيث أن ثم تستوجب التعقيب وانقطاع ما بعدها عما قبلها. النطفة هنا لا بد أن تكون مرحلة تطورية مبكرة من مراحل خلق الحياة، وهذه قبل أن نصل الى مرحلة التوالد عن طريق الذكر والأنثى. ولاحظ أن هذه الآية مرت على المراحل الأساسية لخلق الحياة، من تراب ميت لا حياة فيه، الى نطفة حية تتكاثر بالإنقسام، ثم أزواجًا تتكاثر بالتوالد عن ذكر وأنثى.

*******

 

وفي قوله تعالى: {إن الله اصطفى ءادم ونوح وءال ابراهيم وءال عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض} آل عمران 33-34

الإصطفاء بمعنى الإختيار والإجتباء، يستدعي وجود من يُصطفى منهم أو عليهم، وهؤلاء من إصطفاهم الله على العالمين، وقد جاء ان العالمين هم الأنس والجن ((في معنى العالمين ورد في لسان العرب لإبن منظور: في التنزيل : {الحمد لله رب العالمين} قال ابن عباس: رب الجن والأنس، وقال قتادة: رب الخلق كلهم. قال الأزهري: الدليل على صحة ابن عباس قوله عز وجل: {تبارك الذي نزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا } وليس النبي صلعم نذيرًا للبهائم ولا للملائكة وكلهم خلق الله، وإنما بعث محمد صلعم نذيرًا للجن والإنس.)) ، ولو استثنينا آدم، نحن نعلم أن نوح وآل ابراهيم وآل عمران، مصطفون ومفضلون على الناس، وآدم بفرض عدم وجود ناس في زمانه، لا يكون مصطفى إلا على الناس من بعده، ويصح المعنى بذلك، ويصح المعنى أيضًا لو كان هناك ناس في زمانه، وانه اختير واجتبي منهم وفضل عليهم. ويصح أيضًا أن يكون اصطفاء آدم على العالمين بمعنى الملائكة والجن، إلا أن الآية جمعت مع آدم غيره ممن فضلوا على العالمين بمعنى الأنس والجن.

 

{أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن خروا سجدا وبكيا} مريم (58)

هنا نجد ذرية آدم، وبفرض ان آدم كان أول الناس، فكل الناس ستكون من ذرية آدم، ولن يوجد ذرية أخرى، وبالتالي لا داعي لتحديدها. أما لو كان هناك أناس معاصرون لآدم، فيتوجب تحديدها.

***

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } النور(45)

نلاحظ هنا الجمع بين كل الدواب في الخلق من ماء، والإنسان مشمول مع من يمشي على رجلين، ولأن من تستخدم للإنسان، واستخدمت هنا لكل الدواب، والجمع هنا يدلنا أن هناك وحدة في الخلق، فاما أن يكون الله تعالى قد خلق كل نوع على حدة من نفس المكونات، أو يكون كل هؤلاء بدء خلقهم من الماء وتنوعوا وفق خطة تتبع نظام معين، الذي يهمنا في هذه الآية الجمع بين الإنسان والحيوانات البرية وكل ما دب على سطح الأرض، في وحدة المكونات. ولاشك ان العلم الحديث قد وجد ان التصميم البيولوجى متقارب الى حد كبير وان اختلفت الأشكال ودرجات التطور. وفي قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماؤا ان الله غفور رحيم } 28 فاطر، الجمع بين الناس والدواب والأنعام، والدواب هو الجنس العام ويشمل الناس والأنعام، وكلهم خلقهم الله تعالى على اختلاف الوانهم . واختلاف الألوان المقصود به سحنة الشيء، يقول صاحب مقاييس اللغة ”لون“ كلمة واحدة وهي سحنة الشيء، من ذلك اللون : لون الشيء، كالحمرة والسواد. وتضيف هذه الآية الثمرات وهي نتاج النباتات وهي أحد فروع شجرة الحياة التي نشأت على الأرض.

***

{ لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذَّين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون } التين : 4-6

تقويم : من قوم وهى أصلان الأول يدل على جماعة ناس، والثانى يدل على انتصاب وعزم .وهنا يعنى ان الانسان خلق فى أحسن انتصاب وهذا ما نعرفه إذ أنه لا يوجد فى المخلوقات من له حسن انتصابه، والقوام هو الطول الحسن ونقول طويل القامة، ويحدثنا العلم أن وقوف الإنسان مكنه من استخدام يديه في أمور عديدة منها صنع الأدوات الحجرية التي أعانته على التفوق على غيره من المخلوقات الأقوى منه. ولا يشك أحد أن قدرة الإنسان الوقوف على قدميه كان مرحلة في غاية الأهمية في تاريخ تطوره، وعندما يذكر القرآن الكريم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم، أي وقوف في انتصاب، إنما يؤكد أهمية هذه الصفة التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، إلا أن هذه الخطوة لم تكن قد وصلت به بعد الى مرحلة كونه المخلوق المكرم، بل أن هذه المرحلة جعلته قادرًا كما قلنا على صنع بعض الأسلحة الحجرية البدائية، التي وإن أعانته على الصيد ومجابهة غيره من الحيوانات الأقوى منه جسدًا، إلا أنه أستخدمها أيضًا ضد أبناء نوعه من الإنسان فقتل من جنسه وأفسد في الأرض، وهو يفعل ذلك منذ ان خلق في أحسن تقويم وحتى يومنا هذا، فكان قوله تعالى {ثم رددناه أسفل سافلين}، حيث اننا لا نعلم من المخلوقات الأخرى من يفسد ويقتل حتى من جنسه مثل الإنسان.

وقد يكفى هذا المعنى إلا أن من الباب قوّمت الشىء تقويماً؛ وأصل القيمة الواو؛ وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك . وقد يدل هذا على أن الانسان قام مكان غيره وهو أحسن تركيبًا ممن قام مكانهم، فهو بذلك أحسن ما بلغته هذه العملية التطورية الخلاقة التى بلغت أحسن التصميمات الفيزيولوجية وهو الانسان.

***

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك } الانفطار:6-8 .

لاحظ قوله سبحانه وتعالى عدلك . وعدل أصلان يدل أحدهما على الاستواء والآخر على اعوجاج. الأول منه العدْل والتساوى والاستقامة ومنه: المعتدلة من النوق؛ وهى الحسنة المتَّفقة الأعضاء، وكل ما تناسب فقد اعتدل. ونقول فى عصرنا قف معتدلاً أى منتصباً. أما سوى فهى تدل على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، والسواء هو ما كان مستوياً، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وسواك سبقت عدلك وهى لذلك قد تكون مرحلية بمعنى أن الانسان كان متساويا مع غيره من المخلوقات ثم اعتدل فوقف منتصباً على قدميه . أو يمكن القول أن الخلق حدث أولاً، وهو تقدير ما منه سيكون الشيء المخلوق وهو الإنسان، وتبع التقدير وإيجاد ما منه وجوده التسوية، وهي تعبر عن تمام خلقه وبلوغه تكوينه وتركيبه، ثم تبع ذلك الاعتدال، وهذا يدل أنه حين استوى لم يكن معتدلا فأصبح كذلك، أو أن التسوية ذاتها كان منها الإعتدال، أي القول سويتك فاعتدلت. فالفاء هنا تعبر عن نتيجة التسوية، وفى كل هذه المعاني نجد الاشارة الى أهمية الاعتدال وتناسب واتفاق الاعضاء فى  خلق الانسان وتميزه بهذا عن بقية المخلوقات، بالطبع كل المخلوقات الأخرى متفقة الاعضاء إلا أن التصميم المتميز للانسان يعطيه قدرات تفوق ما سواه، والذي ميزه في وقوفه وفي قدرته على النطق والبيان.

***

{ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } 7-8-9 السجدة

وقد ورد في تفاسير السلف:

(وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) قال ابن كثير: ”يَعْنِي خَلَقَ أَبَا الْبَشَر آدَم مِنْ طِين،“ وقال مثله الطبري والقرطبي.

(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) قال أبن كثير: ”أَيْ يَتَنَاسَلُونَ كَذَلِكَ مِنْ نُطْفَة تَخْرُج مِنْ بَيْن صُلْب الرَّجُل وَتَرَائِب الْمَرْأَة“. وقال الطبري: ”يَعْنِي ذُرِّيَّته مِنْ سُلَالَة , يَقُول : مِنَ الْمَاء الَّذِي انْسَلَّ فَخَرَجَ مِنْهُ“. وقال القرطبي: ”مِنْ مَاء مَهِين “ ضَعِيف“.

(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)

قال أبن كثير:” ” ثُمَّ سَوَّاهُ“ يَعْنِي آدَم لَمَّا خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب خَلَقَهُ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ يَعْنِي الْعُقُول.“

 قال الطبري: ” ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا , {وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه} فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا.“

قال القرطبي: ” رَجَعَ إِلَى آدَم , أَيْ سَوَّى خَلْقه ” وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه “ . ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذُرِّيَّته فَقَالَ : ”وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَة “ وَقِيلَ : ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَاء الْمَهِين خَلْقًا مُعْتَدِلًا , وَرَكَّبَ فِيهِ الرُّوح وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسه تَشْرِيفًا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ فِعْله وَخَلْقه كَمَا أَضَافَ الْعَبْد إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ”عَبْدِي“ . وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ لِأَنَّ الرُّوح فِي جِنْس الرِّيح . وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي ”النِّسَاء“ وَغَيْرهَا .“

أتفق أغلب المفسرون أن {وبدأ خلق الإنسان من طين} تعود الى آدم، وأن {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} لفظ نسله يعود الى ذريته،  وأن {ثم سواه ونفخ فيه من روحه} تعود الى آدم. وأن {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} تعود الى الناس من ذرية آدم.

لو أخذنا بهذه المعاني، وأن ”بدأ خلق الإنسان من طين“ تعود الى آدم،  فالسؤال الذي سيراودنا هو كيف كان هو وذربته يتزاوجون ويتناسلون كجنس مكتمل يعي ويسمع ويرى، ولم يكن آدم قد استوى، ولم يكن قد نفخت فيه الروح بعد، ولم يكن قد منح السمع والبصر والأفئدة.

ولفظ ” بدأ “ في الآية الأولى لا يدل على إكتمال الخلق في مرحلة هذه الآية، وانما يدل أن هناك بداية لفترة زمنية وأن هناك مرحلية في الخلق، حيث أن البدء بالضرورة مرحلة لها صفة الاستمرار ولها ما يتبعها من إنتهاء. أما لفظ ”ثم“ التي نجدها في بدء الآيتين التاليتين، فإنها لا تأتي في كلام العرب إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، فان قلت قمت ثم قعدت، فانت تحدد أن القيام حدث أولاً، والقعود حدث لاحقًا، بينما تسمح الواو بالمعنيين، فإذا قلت قمت وقعدت، فقد نفهم أنك قمت ثم قعدت أو قعدت ثم قمت، ولا فرق أيهما أولاً ((ورد في تفسير الطبري للآيتين 11 و 12 من سورة الأعراف شرح استخدامات لفظ (ثم) في اللغة وفي القرآن، وهو مذكورًا في الصفحات التالية من هذا الكتاب.  )) .

وهنا نجد أن التناسل من سلالة بمعنى الماء المهين كما ذهب اليه السلف، يسبق التسوية والنفخ والجعل، ولو كان آدم هو المخلوق الذي وجد في ”بدأ خلق الإنسان من طين“، فقد كان له ذرية تتناسل، ثم حدث بعد ذلك التسوية والنفخ.

وهذا يختلف عما ورد في آيات أخرى، تبين أن التسوية النفخ من الروح سبقا سجود الملائكة لآدم، والسجود سبق دخول آدم وزوجه الجنة ثم خروجهما منها، وهذا كله سابق لإنجابه أولاده ومن ثم لوجود ذرية.

وفي قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} ص 71-72  وفي قوله تعالى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} الحجر 29. نجد أن تعبير ” ونفخت فيه من روحي“ في خلق آدم، و ”فنفخنا فيها من روحنا ((الآية (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء، والآية (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) التحريم.)) “ في  خلق عيسى.  لم نجده عند أحد غيرهما ((بينما قال آخرون مثل ما ورد عن السلف، إلا أن خلق آدم والتسوية والنفخ كلهم حدثوا له في الآية الأولى، وأن  ”ثم سواه ونفخ فيه من روحه“ تعود الى ذرية آدم، (وأن هذين غير التسوية والنفخ الذين حدثا لآدم)، ويحدث في الرحم عندما يكتمل كل جنين. وهذا يتعارض مع لفظ البدء الذي لا يدل على الإنتهاء، وأن الآية تخاطب المفرد في التسوية والنفخ، وتعود الهاء في ”ثم سواه“ الى الإنسان الذي ذكروا أنه آدم، وأن هذا المعنى يستدعي التدخل الإلهي في التسوية والنفخ والجعل لكل جنين يولد. ولم يرد مثل هذا المعنى في أي من آيات القرآن الأخرى، بينما دلت الآيات من سورتي ص والحجر أن النفخ حدث لآدم فقط واستدعى سجود الملائكة له، ولم يحدث النفخ من الروح لبشر آخر سوى الذي ورد في معجزة خلق عيسى. أما عن الجعل فهذا ورد في الآية بصيغة الجمع مخاطبًا كل الناس، ويحدث باستمرار في خلق كل كائن إنساني، بل وجعل السمع والبصر لكل الحيوانات والطيور والمخلوقات البحرية، مما قد يدل أن هذا الجعل كان في المراحل السابقة لخلق آدم. وفي قوله تعالى : {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} القيامة. الخطاب هنا موجه الى كل الناس، والمعنى يعود الى الخلق في الرحم، والتسوية هنا في إتمام وإكتمال خلق الإنسان في رحم أمه، سوى هنا تعبر عن اكتمال خلقه، ولم يأت ذكر نفخ الروح هنا.))  وفق ما ورد في النصوص القرآنية عدا الآية 9 من سورة السجدة، ولهذا يصح الإستدلال أن هذه الآية تعني آدم، والذي أشار إليه القرآن بلفظ بشر أيضًا.

وعليه فالآيات من سورة السجدة تدل على ترتيب تعاقبي زمني لهذه الأحداث، وأن الآية الأولى تشير الى بدء خلق الإنسان، والثانية تدل أنه بعد بدء خلقه كان هذا المخلوق يتناسل وله ذرية، والثالثة أن الله سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة وهذه عطفت بحرف الواو والمخاطب فيها النوع الإنساني عامة، ويصح أن يكون وقت وترتيب حدوثها سابق للتسوية والنفخ، أضف أنها موجهة الى كل الناس لقوله تعالى ” وجعل لكم “ ولهذا فهذه الجملة تخرج عن السياق الإخباري السابق لها حيث أن ذكرها جاء في معرض تذكير الناس بنعم الله عليهم لعلهم يشكرون. وفي قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) المؤمنون (78) نلاحظ أن لفظ أنشأ أخذ مكان لفظ ”جعل“ الذي ورد في أكثر من آية، وقد سبق أن بينا أن الإنشاء له بدء ومدة وانتهاء، أي أن السمع والأبصار والأفئدة (الأفئدة تعبر عن العقول) لم تظهر آنية وإنما كان لها امتداد زمني.

ونلاحظ أيضًا من الآيات أن هذا المخلوق كان حيًا ويتناسل، قبل أن تتم تسويته وقبل أن ينفخ فيه من الروح، أي أن هذا النفخ لم يمنحه الحياة أو يجعل من الجماد شيئًا حيًا، كما كان الإعتقاد عند البعض.

والمعنى المباشر لهذه الآيات من سورة السجدة هو أن الله تعالى بدأ خلق الإنسان من طين، ولم يكن المخلوق الأول قد اكتمل إنسانًا بعد، وإنما قدر له أن يصبح إنسانًا بعد زمن ما، ثم تناسل هذا المخلوق من سلالة من ماء مهين، أي تعاقبت ذريته جيلا بعد جيل، وخلقًا بعد خلق، ثم سواه ((وسوى تدل إما على الاستقامة والاعتدال بين شيئين ويقال هذا يساوى كذا أو يتساويان، أو جعله يبلغ تمامه من التطور والإكتمال، أي أبلغه أشده، جاء في لسان العرب لابن منظور عن الليث: الاستواءُ فعلٌ لازمٌ من قولك سوَّيته فاستوى، وقال أبو الهيثم : العرب تقول استوى الشيءُ مع كذا وكذا وبكذا إلا قولهم للغلام إذا تم شبابه قد استوى. وأيضًا استوى الشيء اعتدل، واستوى الرجل : بلغ اشده، وقوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى. وفي قوله تعالى: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويا. وقيل واستوى من اعوجاج.)) الله ونفخ فيه من روحه.

ورد لفظ ”سواه“ ملازما لمعاني بلغ أشده في قوله تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ءَاتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} القصص (14)، وعدله من اعتدل لقوله تعالى  {الذى خلقك فسواك فعدلك }، ومن معاني سواه أتم وأكمل خلقة هيئته وتركيبه وشكله، أو سواه بشيء آخر، والمعنى الأول قد يكون الأرجح لأن الآيات بدأت بقوله {وبدأ خلق الإنسان من طين} فتكون {ثم سواه} التي تعود الهاء فيها الى الإنسان أي تدل على اكتمال هذا البدء واتمام خلق الهيئة والشكل، وهذا بالطبع يشمل أعضاء السمع والإبصار والعقل. أما قوله تعالى: {..وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} فهذا كما سبق موجها إلينا تذكيرًا لنا بنعم الله علينا، التي تستوجب منا الشكر والحمد.

و ”ثم سواه“ أخذًا بدلائل الآيات الأخرى المتعلقة بخلق آدم، قد تدل أن الله تعالى سواه بشرًا. أي نجد في هذه الآية من سورة السجدة تفصيل {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين} ص، و { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ *  فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر، حيث أن هذا الخلق كان كما يلي {وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه… } .

وبهذا نجد أن الآيات من سورة السجدة تتعلق بخلق الأنسان، حتى إذا أكتمل خلقه عبر ذرية، نفخ الله فيه من روحه فكان خلقًا جديدًا هو البشر أي آدم. أي ان آدم لم يخلق مباشرة من الطين، وسبقه مخلوقات تتناسل.

          مما سبق، نجد أن السرد المذكور في الآيات من سورة السجدة، لا ينطبق على قصة آدم الشائعة ، لو أخذنا بفرضية الخلق الفوري لآدم، فآدم -وفق هذا الفرض- خلق ثم تعلم الأسماء كلها وأكرم في نفس المقام (والذي قد نصفه أنه تم في نفس المجلس). ولو فرضنا أن آدم هو أول إنسان كما هو شائع، فسوف نجد أن جملة بدأ خلق الإنسان من طين، وما تبعها من نسل ثم إكتمال الخلق بالتسوية والنفخ والجعل، تدل على المرحلية والإمتداد الزمني، ولا تدل على الخلق الآني.

  تدلنا هذه الآيات من سورة السجدة أن الإنسان قد خلق من طين عبر سلسلة من الكائنات التي توالدت من الكائن الأول، حتى إذا أكتملت صورته، سواه الله ونفخ فيه من روحه، وبهذا نكون قد بلغنا المخلوق الجديد وهو البشر، لأن هذا هو اللفظ الذي ورد في القرآن عن أول مخلوق نفخ الله فيه من روحه، ولم يذكر نفخًا آخر سوى الذي أدى الى خلق سيدنا عيسى عليه السلام.

****

ولو نظرنا الى الآيات { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرُُ منه خلقتنى من نارٍ وخلقته من طين } الأعراف:11-12

أختلف المفسرون المتقدمون في دلالة هذه الآيات، ونورد هنا ما جاء في تفسير الطبري:

” القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: {ولقد خلقناكم} في ظهر آدم أيها الناس، {ثم صورناكم} في أرحام النساء خلقا مخلوقا ومثالا مثلا في صورة آدم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خلقناكم} يعني آدم، {ثم صورناكم} يعني في ظهره. وقال آخرون: معنى ذلك: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: {ولقد خلقناكم} ولقد خلقنا آدم، {ثم صورناكم} بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعني في ذلك سلفه، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63]  وما أشبه ذلك من الخطاب الموجه إلى الحي الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و”ثم “ في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به بـ ”وثم“ على قوله: ”قمت“ إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إن قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا. فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت ”ثم“ في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم:

                              سألت ربيعة من خيرها                     أبا ثم أما فقالت لمه

بمعنى: أبا وأما، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره، فإن ذلك بخلاف ما ظن ; وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف. وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل ”ثم“ في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: قام ثم عبد الله عمرو ; فأما إذا قيل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقا، فقول الله تبارك وتعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا} نظير قول القائل: قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل. .“ أنتهى

بالرغم إن الأوائل فهموا التصوير على أنه يعود  على الذرية، إذ  جاء في تفسير ابن كثير: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أَيْ خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَا الذُّرِّيَّة وَهَذَا فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَالَ بَعْده { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ آدَم وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَر………… وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين} الْآيَة . فَإِنَّ الْمُرَاد مِنْهُ آدَم الْمَخْلُوق مِنْ السُّلَالَة وَذُرِّيَّته مَخْلُوقُونَ مِنْ نُطْفَة وَصَحَّ هَذَا لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان الْجِنْس لَا مُعَيَّنًا وَاَللَّه أَعْلَم.“

إلا أن الطبري فقد خلص بعد تفنيد كافة الأراء الى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه. وانما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم.

لو عدنا إلى معنى خلق عند صاحب مقاييس اللغة: خلَق : أصلان أحدهما تقدير الشيء (قدر : يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، والآخر ملاسة الشيء. وفي لسان العرب يقول ابن منظور: الله عز وجل هو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها وبالأعتبار للإيجاد على وفق التقدير خالقٌ. والخلق في كلام العرب: ابتدع الشيء على مثال لم يُسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سُبق إليه.

فإذا نظرنا الى معنى خلق على أنه تقدير الشيء، فهو باعتبار تقدير ما منه وجوده، فان إيجاد أي من الإنسان أو البشر، هو ما منه وجود الناس جميعًا ومتى اكتمل خلق الإنسان فقد وجدت المكونات ووجد النظام الذين يؤديان الى خلق الناس جميعًا في زمان لاحق، وقد يكون تقدير ما منه وجودنا بدأ وحدث عند ظهور أول خلية حية من الطين، بل وربما يعود الى بدء الخلق الكوني حيث أن هذا الخلق هو الذي أدى – كما هو مقررا أو مقدرا له – الى ظهور أول خلية حية على سطح كوكبنا. هذا عن الخلق، أما التصوير فهو بلوغ الإنسان الصورة والشكل والتركيب الذي نحن عليه، ويجدر الإشارة هنا أن التصوير يأتي بعد الخلق وبينهما حرف العطف ”ثم“ والذي يدل على الترتيب والتراخي، أي طول الفترة الزمنية، وصورناكم هي جعلناكم على الصورة التي أنتم عليها، والصورة هي الصفة والهيئة والشكل والتركيب، في قوله تعالى: {في أيّ صورة ما شاء ركبك} وهي مرحلة تلي الخلق، أي أن الكائن الذي نتج عن الخلق لم يكن على الصورة التي إنتهى إليها المخلوق بعد التصوير. وعندما اكتملت صورة المخلوق، ربما على هيئة الإنسان الحديث، اجتبى الله آدم واصطفاه، ونفخ فيه من روحه وكرمه وعلمه البيان. وبهذا نجد تفسير {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}، أي ان سجود الملائكة كان بعد التصوير.

يصح لو أعدنا خلقناكم ثم صورناكم الى آدم، ويصح أيضًا أن يكون المقصود به النوع الإنساني، وهذا ما ذهب اليه ابن كثير في آخر ما أخذنا عنه أعلاه.

من هذه الآيات، يصح التفسير المرحلي السابق –مع صعوبته- أن خلقناكم ثم صورناكم تعودان إلى آدم، وهذا يناسب علوم ومعارف تلك الفترة، ويصح أيضًا التفسير المرحلي اللاحق أنهما يعودان الى خلق النوع أو الجنس الإنساني حتى بلغ اكتمال صورته، ثم اصطفي آدم منه، وكان خلقه مثل خلق عيسى، أي كان مثل النوع ولكنه اختلف عن أفراد النوع الآخرين بتكريم إلهي، كان منه التسوية والنفخ من الروح والتعليم. ونجد أن الأقرب لتركيب الألفاظ في الآية هو المعنى المرحلي اللاحق لأن المخاطب في قوله ”خلقناكم ثم صورناكم“ هم الناس جميعًا فالأغلب أن يقصد النوع، وعليه فالنوع سابق في الترتيب الزمني عن أدم.


تدعونا الآية السابقة الى التساؤل في موضوع الترتيب الزمني للأمر الإلهي للملائكة بالسجود، في قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} نجد أن القول الموجه للملائكة سابق لخلق آدم، وليس بعده، بينما ما ورد في الآيات التي كنا بصددها، أن الأمر بالسجود لاحقا لخلق آدم.

وقد جاء ذكر آدم بما يُستدل من الآيات في القرآن أنه هو البشر الذي أخبر الله الملائكة عن نيته خلقه وأن عليهم أن يسجدوا له، ولا خلاف في هذا لأن الملائكة لم يؤمروا بالسجود لبشر أو لإنسان آخر.

ويجدر الذكر هنا أن أمر الله للملائكة بالسجود قد تكرر في أكثر من آية، وجاء في بعض الآيات بعد الخلق، دون ذكر مشيئة الخلق والتسوية والنفخ، ولأهمية تحديد هذا الأمر، علينا أن نورد بعض هذه الآيات لتحديد هل أمر السجود سابق للخلق أم بعده أم هما أمرا واحدًا تكرر، ولماذا يتكرر الأمر الألهي إن كان كذلك.

قبل أن نخوض في هذا الأمر، يجب التنبيه الى أمر هام، سبق أن تعرضنا إليه بإختصار، وهو أن التخاطب بين الله وملائكته وغيرهم من الجن، هو من الأمور الغيبية التي لا نستطيع عقلها أو إدراك كيفية حدوثها، إذ هل يتخاطب الله معهم بالقول أو عبر وسيلة أخرى لنقل المعلومات، وما مدى إدراكهم لهذه المعلومات وتصورهم لها، سبق أن قلنا أن الموضوعات التي تدخل في باب الأمور الغيبية، لسنا مجهزين لفهمها، ولهذا فالخوض فيها لن يكون سوى مضيعة للوقت وظنًا ولا يغني الظن عن الحق شيئا. ولهذا فعلينا أن نقبل أن أوامر الله للملائكة بالقول هو أقرب تشبيه يفهمه العقل البشري لما حدث حقيقة، ويجب علينا أن نقبل بالمعنى الذي يؤدي اليه هذا التعبير، وأن لا نحاول أن نعيد تصوير مشاهد الأحداث السماوية، وعلينا أن نأخذ هذه المعاني كما وردت، وكما نفهمها، حيث أن هذا هو القصد من سردها.

الأمرين بالسجود نجدهما في الآيات التالية:

الأمر الأول في قوله تعالى:{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ((سوى : تدل على إستقامة واعتدال بين شيئين، والسَّىّ : المثل وقولهم سيان أي مثلان، والسواء : وسط الدار وغيرها لاستوائه، وقولهم هذا سوى ذلك، أي غيرُه ، فهو من الباب، لأنه إذا كان سِواه فهما كل واحدٍ منهما في حيَّزه على سواء . والدليل على ذلك مدُّهم السواء بمعنى سِوى، قال الأعشى : ( تجانف عن جل اليمامة ناقتي        وما عدلت من أهلها لسوائكا ). وعند صاحب القاموس المحيط السواء هي العدل والوسط والغير كالسِوى بالكسر ومن الجبل ذروته ومن النهار متسعه، وسواءٌ وجوده وعدمه، واستوى أعتدل والرجل بلغ أشده أو أربعين سنة، واستوى الى السماء صعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى، وسواه تسوية وأسواه جعله سويًا واستوت به الأرض وتسوت وسويت عليه أي هلك فيها.)) ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين }

الأمر الثاني في قوله تعالى : { واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:30-33

من الواضح أن الأمر الثاني وجه الى الملائكة بعد اكتمال خلق آدم وبعد أن سواه الله ونفخ فيه من روحه، بفترة زمنية على أقل تقدير الفترة التي استغرقت عرضه على الملائكة وتعليمه الأسماء ثم إنباء الملائكة بالأسماء، وهذه وان كان من الممكن أن تكون قصيرة، إلا أنها ليست الفورية التي يتضمنها الأمر الأول، أضف الى هذا أن الأمر الأول كان إخبارًا بمشيئة الله الخلق قبل أو أثناء حدوثه، بينما الأمر الثاني كان بعد حدوث الخلق واكتماله.

في قوله تعالى { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين} الأعراف، فأمر الملائكة بالسجود هنا، يكون هو الأمر الثاني في الترتيب الزمني للأمرين بالسجود، لأنه تبعه سجودهم فورًا، والسياق الكلامي هنا يماثل السياق في سورة البقرة  {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34.

وعليه فيكون الأمر الأول بالسجود والذي سبقه قول الله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } الحجر، فهذا من الأولى أن يكون سابقًا لكل ما جاء في الآية من سورة الأعراف {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}.

 فيكون الترتيب كما يلي:

{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} ثم {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}.

 { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإِ  مسنون ((الصلصال هو الطين المنتن، وقال المفسرون في خلق البشر: كان أول ترابًا، أي متفرق الأجزاء، ثم بل فصار طينًا، ثم ترك حتى أنتن فصار حمأ مسنونا، أي متغيرًا، ثم يبس فصار صلصالاً، على قول الجمهور. والحمأ الطين الأسود؛ والمسنون المتغير؛ من قولهم قد أسن الماء أي تغير. )) * والجان خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } ((ويدل لفظ جن على التستر وكل ما ستر عنك فقد جن عنك، والجِنَّةُ بالكسر طائفة من الجن، وسموا كذلك لأنهم لا يرون ومتسترون عن أعين الخلق قال تعالى { انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} . والجان أسم جمع للجن وحية أكحل العين لا تؤذى كثيرة فى الدور والجِنُّ بالكسر الملائكة . والجنة الحديقة ذات النخل والشجر، والجِنة الجنون والجنين الولد فى بطن أمه . ولفظ سم يدل على مدخل فى الشىء والسموم هى الريح الحارة لأنها تُداخل الاشياء مداخلةً بقوة.))  الحجر : 25-29 .

قال ابن فارس : بشر فى اللغة تدل على ظهور الشىء مع حسن وجمال وسمى البشر بشرًا لظهورهم، ومنه البشرى وذلك يكون بالخير وربما حُمل عليه غيره من الشر وقال وأظن ذلك جنسًا من التبكيت . أما الانسان فهو ظهور الشيء، وكل من خالف طريقة التوحش، والأنسة ضد الوحشة، واستأنس ذهب توحشه.

وقد خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون، وخلق تعنى أن الله تعالى قدر ما منه وجود الإنسان، أي أن يصبح الصلصال وهو الطين المنتن المتغير في مبلغه وكنهه ونهايته إنسانًا، وكذلك البشر، وفي قوله تعالى فاذا سويته، قد يكون المعنى اذا أبلغته أشده ومنتهاه.

وهنا في آيات سورة الحجر، نجد أن هناك فصلا واضحا بين خلق الإنسان وخلق البشر، لقد اهتم القرآن ببيان حقيقة ان الجان خلق قبل الإنسان، وهذا لأنه قدم موضوع خلق الإنسان عن موضوع خلق الجان في سياق ترتيب الإخبار. وقد أدى تقديم خلق الإنسان على خلق الجان في سياق السرد القرآني، الى الفصل بين آيتي خلق الإنسان وخلق البشر، وهما وأن خلقا من نفس المكونات، أختلفت تسميتهما، فهذا إما أن يكون فصلاً بين خلقين مختلفين وان كانا من نفس المكونات، أو تكرارًا، فان كان تكرارًا فلا بد أن يكون له سببا لإختلاف الأسم، بل وقوله تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون} لو قصد منه الإنسان المذكور قبل ذلك، لكان القول أسبق في الترتيب الزمني من خلق الإنسان لأن الله تعالى يعلم الملائكة بمشيئته، إلا أن هذا ليس بالضرورة دليلاً، لأننا مع وجود حرف إذ نكون قد خرجنا من حتمية الترتيب الزمني الذي تحدد في ترتيب خلق الجان وخلق الإنسان.

ونحن نأخذ بالإختلاف النوعي الذي قد تدل عليه الآيات من إختلاف الأسماء، إذ نفترض أن البشر اختلف عن الإنسان، ربما في الخلق، وربما في التطور، وربما في أن الله علمه الأسماء. إذ ليس في الآية ما يمنع أن نفترض ان الإنسان خلق من خلال عملية تطورية استغرقت بلايين السنين. وقد نفترض أن يكون البشر هو الإنسان الذي تطور الى حد يتمكن معه من تلقي العلم، أي أنه مرحلة لاحقة من مراحل التطور، وقد أخذنا هذا المعنى من قوله سبحانه وتعالى : { الرحمن * علَّم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان} الرحمن : 1-4 جاء عن ابن كثير: ”يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى ”الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان“ قال الحسن يعني النطق وقال الضحاك وقتادة وغيرهما يعني الخير والشر وقول الحسن ههنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن وهو أداء تلاوته وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها“.

وقد وجد علماء التطور ان ظهور الإنسان الحديث – وهو الذي نحن من سلالته – تزامن مع تغير في جمجمة الإنسان الأول من جهة تكون عظام الفك والحلق بما أدى الى تيسير النطق وتسهيل خروج الحروف، مع وصول حجم المخ الى الحجم الحالي. أي أن البشر هو الإنسان الحديث.

سرد مبسط لموضوع الأمر بالسجود لآدم (إعادة بأسلوب آخر لنفس الذي تم تناوله في الصفحات السابقة):

في قصة خلق آدم، تتضمن النصوص الأمر الألهي للملائكة بالسجود لآدم، في مرتين، الأولى في إخبار الله الملائكة أنه سيخلق بشرًا وأن عليهم أن يسجدوا له عند إتمام خلقه، والثاني أمرا مباشرًا للملائكة بالسجود لآدم بعد أن إكتمل خلقه.

ورد الأمر الأول –قبل الخلق- في سورة الحجر الآيتين 28 و 29 :{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)}سورة الحجر. ((ومثلهما في سورة ص الآيتين 71 و 72 { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)} سورة ص))

وجاء الأمر الثاني في سورة البقرة في قوله تعالى : { واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32)  قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (32) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (33) } سورة البقرة.

مقدمة مختصرة:

قد نفهم من هذه الآيات، أن الله تعالى أخبر الملائكة أنه خالق بشرا من طين، ((ومن صلصال من حمأ مسنون)) وأن عليهم أن يسجدوا له إذا سواه الله ونفخ فيه من روحه. كما سنرى فيما بعد، الملائكة لا تعرف الأشياء بأسمائها، ولهذا نستنتج أنهم يعرفون الأشياء بصورها وشكلها. ولا بد أنهم تصوروا البشر الذي أخبرهم الله تعالى عنه، وأنه شبه الأنسان إلا أنه يختلف عن الإنسان في التسوية وأن الله تعالى ينفخ فيه من روحه، فتوقعوه خلقا آخر وإن كان شبه الإنسان.

ثم بعد ذلك بزمن طال أو قصر، والأغلب طال، قال لهم الله تعالى أنه سيجعل في الأرض خليفة، وحيث أنه لم يحدد في الكلام من هو الخليفة أو جنسه، وحيث أن الملائكة عرفوا من هو الخليفة، نستنتج أن آدم كان حاضرًا وأنه هو الخليفة. وحيث أن آدم من نوع الإنسان، والناس كانوا يعيشون على الأرض ويفسدون ويسفكون الدماء، تعجب الملائكة وقالوا {أتجعل فيها من …..} فأجابهم الله تعالى إني أعلم ما لا تعلمون.

الملائكة لم يعرفوا أن آدم – الذي سيجعله الله خليفة – هو أول البشر لأنهم لم يشهدوا الخلق والتسوية والنفخ، ولو عرفوه لسجدوا.

وبعد أن علّم الله تعالى آدم الأسماء وتفوق آدم في معرفتها على الملائكة، أمرهم الله أن يسجدوا له فعرف الملائكة أن هذا هو البشر، لأن الله لم يأمرهم أن يسجدوا لأحد غيره. 

نعود الى الآيات التى أوردناها، لنتبينها بشيء من التفصيل لنستدل منها على ما ذكرناه، وقد نضطر الى بعض التكرار والإعادة لأهمية الوصول الى دلالات هذه النصوص:

الواضح أن الملائكة سجدوا لآدم مرة واحدة فقط. ولهذا فالسجود الذي ورد في آية (30) من سورة الحجر ((و (73) من سورة ص )) هو نفسه السجود الذي ورد في الآية 33 من سورة البقرة، وأن بين الإخبار بالخلق والأمر بالسجود في الآيات (28) و (29) من سورة البقرة والسجود في الآية (30) من سورة الحجر ومثله في سورة ص؛ زمنا طويلا هو على أقل تقدير ما أستغرقته أحداث الآيات (30-32) من سورة البقرة.

وهذا يضعنا أمام تساؤلان نجيب عليهما كما يلي:

الأول: لماذا لم يسجد الملائكة فور أن أتم الله خلق البشر؟ الإجابة أنهم لم يشهدوا خلق البشر. لأنهم لو شهدوه لسجدوا. وفي قوله تعالى { مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا(51)} الكهف. وإن كان “ما أشهدتهم” تعود الى أبليس والكفار كما ذكر المفسرون، إلا أنها قد تشمل الملائكة أيضًا. 

الخلق كان يوم خلق الله السماوات والأرض، ولفظ خلق يدل على تقدير ما منه وجود الشيء (قدر: يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، فقوله تعالى {إني خالق بشرا من طين} قد تعني الإيجاد من الطين مباشرة، وتعني أيضًا تقدير الخلق الكوني ليكون منه خلق خلية حية من الطين ليبلغ الخلق في منتهاه بشرا. ولهذا فالملائكة لم يشهدوا خلق البشر.  

الثاني: لماذا لم يسجد الملائكة فور رؤيتهم آدم في أول المناظرة التي وردت في سورة البقرة؟

الإجابة أنهم لم يعرفوا أن هذا هو البشر الذي أمروا أن يسجدوا له. ولننظر بشيء من التفصيل:

لو عرفت الملائكة أن هذا الخليفة هو البشر الذي أمروا بالسجود له، فهل كانوا ليتأخرون عن السجود فور ظهوره أمامهم، وهل كان قولهم فيه ما جاء عنهم من كونه مفسدا في الأرض وسافكا للدماء. وأما كانوا – لو علموا أن هذا هو البشر قد اكتمل خلقه من الطين- ليسجدون له حين مثل أمامهم إمتثالاً للأمر الإلهي السابق في سورة الحجر وسورة ص، وهم يفعلون ما يؤمرون، لقوله تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(50) النحل.

من الظاهر من آيات سورة البقرة أن الملائكة لا تعرف الأشياء بأسماءها، وانما تعرفها بالصورة والشكل وربما بالرؤية وربما بالأفكار، كيف قال لهم الله تعالى فهذا من الغيبيات التي لا يمكن لعلومنا الخوض فيها، ونكتفى أن الله تعالى أخبرنا أنه أعلمهم بالقول –قولاً أو مجازًا– أنه تعالى سوف يخلق بشرا. فعرفوه صورة وشكلا، وكان يشبه الإنسان الذي يحيا على الأرض، (إما في زمان القول أو ظهر فيما بعد)، وحيث أنهم لم يشهدوا الشرط الثاني وهو {فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين (29)} لهذا لم يأت عليهم أوان السجود.

كانوا على يقين أن المخلوق الجديد ليس هو الإنسان الموجود على الأرض وإن كان يشبهه. توقعوا أن البشر سيكون مكرّما ومتفوقا لأن فيه نفخة من روح الله ولأن عليهم أن يسجدوا له. بينما الناس الذين يسكنون الأرض ينطبق عليهم قوله تعالى { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)} سورة التين.

نستطيع أن نستنتج من تصرفهم هذا أن الملائكة لم يعرفوا آدم ولحكمة إلهية لم يخبرهم الله أنه البشر، فلما أنبأهم آدم بالأسماء وتبين لهم ما خصه الله به من العلم والبيان، أمرهم الله بالسجود له في قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} البقرة:34  والأمر هنا بالسجود لآدم، عندئذ فقط عرفوا أنه البشر الذي أُمروا بالسجود له في زمان سابق، حيث أنهم لم يؤمروا بالسجود لأحد غير الله إلا في ذاك الأمر السابق.

ولكن لماذا قال الله للملائكة بمشيئة الخلق والسجود أول مرة مع علمه أنهم لن يعرفوا البشر ليسجدوا له، أما كان يكفي أن يقول لهم بعد خلقه اسجدوا له، كما أمرهم بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء.

خلق الله الحياة الدنيا، وهي المخلوقات التي نشأت من الماء والتراب، (المخلوقات الكربونية) وكانت أقل بدرجات كثيرة عن الملائكة وربما عن الجن أيضًا، وكان منهم النوع الإنساني، الذي كان مفسدًا في الأرض سافكا للدماء.

كانوا يعرفون بما أخبرهم الله به، أن من هذا النوع من الخلق من الطين، سيخلق الله بشرًا سيكون أفضل منهم، لأن عليهم أن يسجدوا له.

وأصطفى الله آدم من بين الناس وسواه أي أتم خلقه بمعنى طوره في الجسم فكبرت الجمجة لتوفر حجم أكبر لمخ يمكنه من التفكير والتحليل والإستنياط وتعدل تركيب الفك بما يسمح بالنطق وإصدار الأصوات والبيان والتواصل، ثم أكرمه بأن نفخ فيه من روح الله، وهذا قد يكون تعبير عن منحه الوعي والشعور بالذات conscious   وقدرة المشيئة وحرية الإختيار. فحمل آدم الأمانة وهي مسؤولية الحفاظ على الأرض وإعمارها. فأصبح بذلك خلقًا آخر غير الإنسان هو البشر، ولو أنه من ذرية الإنسان. {كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }.

ثم جاء به أمام الملائكة وقال لهم أنه سيجعله خليفة في الأرض.

لم تعرف الملائكة أن آدم هو البشر الذي أخبرهم الله عنه من قبل، وأنما عرفوه أنه من جنس الإنسان الذي يعيش في الأرض ويفسد فيها ويسفك الدماء. فتعجبوا أن يُفضل عليهم ويُجعل هذا المفسد خليفة يحمل مسؤولية حفظ مصالح الرعية من ناس وحيوانات وطيور وزواحف وأسماك ونباتات، وقومه يقتلون ويسلبون ويفسدون في الأرض. اعتبر الملائكة الخلافة تكريم لآدم يرفعه الى مصافهم وربما أعلى بينما هم أولى بالتكريم لأنهم يسبحون بحمد الله ويقدسونه.  لهذا تعجبوا فقالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}.

وفي تعجبهم هذا عرفنا أن آدم ليس أول إنسان، وأن الناس كانوا قبله يعيشون ويتزاوجون ويتكاثرون، وأنه أول البشر،  الذين منحهم الله القدرة على التفكير والنطق والتواصل بلغة الكلام.

وأجابهم الله تعالى: {قال إنى أعلم ما لا تعلمون (30)} فهذا الخليفة هو البشر الذي رفعته والذي له ستسجدون. وأن من ذريته أنبياء ورسل وعابدون أمم تحمل أمانة إعمار الأرض.

وأنه تعالى ميز آدم بالعقل والنطق والبيان، ومنحه حرية الإختيار والأرادة وحمله مسؤولية  أمانة أعمار الأرض والحفاظ عليها.


{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 25-26 .

{وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون} ص 71-73

وهنا يخبر الله تعالى الملائكة ومعهم إبليس أنه خالق بشراً، أسم النوع هنا البشر، وليس الإنسان،  والملائكة من سياق القصة كما سيظهر فيما بعد، لم يعرفوا ما هيئة وصورة البشر حين أخبرهم الله بذلك. كل ما قيل لهم أنه سبحانه خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، وخالق بشرا من طين، ونجد في سورة البقرة ما قد يؤيد فرضنا أنهم لم يعرفوا ما هو البشر، في قوله تعالى:

{ واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلٌ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما تكتمون } البقرة:30-33

{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34

هذه الآيات من سورة البقرة تبين الأحداث التي حدثت بين الأمر المذكور في قوله تعالى {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} ص؛ وعند حدوث السجود لآدم في قوله تعالى {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} ص(73) والذي جاء أيضًا في الآيات: 11 من سورة الأعراف، 61 من الإسراء، 50 من الكهف، 116 من طه.

أولاً: من الظاهر من آيات سورة البقرة أن الملائكة لا تعرف الأشياء بأسماءها، يمكن تصور ان الملائكة لا تعرف الأشياء بالأسماء وانما تعرفها بالرؤية وربما بتناقل الأفكار والله أعلم، كيف قال لهم الله تعالى فهذا من الغيبيات التي لا يمكن لعلومنا الخوض فيها، ونكتفى أن الله تعالى أخبرنا أنه أعلمهم بالقول – مجازًا أو قولاً – وهذا أقرب تمثيلا لما حدث نستطيع أن نفهمه ونتصوره– أنه تعالى خالق بشرا.

ثانيًا: لو عرف الملائكة أن هذا الخليفة هو البشر الذي أمروا بالسجود له، فهل كانوا ليتأخرون عن السجود فور ظهوره، وهل كان قولهم فيه ما جاء عنهم من كونه مفسدا في الأرض وسافكا للدماء. وأما كانوا – لو علموا أن هذا هو البشر قد اكتمل خلقه من الطين- ليسجدون له حين مثل أمامهم لينبأهم بالأسماء التي عجزوا عنها، إمتثالاً للأمر الإلهي السابق، وهم يفعلون ما يؤمرون، {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(50) النحل. نستطيع أن نستنتج من تصرفهم هذا أن الملائكة لم يعرفوا آدم ولحكمة إلهية لم يخبرهم الله أنه البشر، فلما أنبأهم آدم بالأسماء وتبين لهم ما خصه الله به من العلم والبيان، أمرهم الله بالسجود له في قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأِدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } البقرة:34  عندئذ فقط عرفوا أنه البشر الذي أمروا بالسجود له في زمان سابق، حيث أنهم لم يؤمروا بالسجود لغير الله إلا في ذاك الأمر السابق.

ولكن لماذا لم يسجد الملائكة للإنسان الذي خلق قبلاً من نفس المكونات، بل وكل المخلوقات الأرضية خلقت من نفس المكونات، فان لم يعلموا الأسماء فأي منهم قد يكون بشرًا. لم يسجد الملائكة لكل مخلوق خلق من طين، لأن الشرط التالي في أمر السجود الأول كان في قوله تعالى فاذا سويته ونفخت فيه من روحي، وأي من هؤلاء لم ينفخ الله فيهم من روحه، إلا آدم، ولكن النفخ لا بد أن يكون قد حدث قبل المناظرة التي تمت عندما أنبأهم آدم بالأسماء، ولحكمة إلهية لا بد أن يكون النفخ تم دون معرفتهم، لأنهم لو شهدوه لسجدوا في حينه.

ولكن لماذا قال الله للملائكة بمشيئة الخلق والسجود أول مرة مع علمه أنهم لن يعرفوا البشر ليسجدوا له، أما كان يكفي أن يقول لهم بعد خلقه اسجدوا له، كما أمرهم بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، بالرغم ان هذه الأمور تدخل تحت باب الغيبيات التي لا قدرة لنا على فهمها أو تفسيرها، إلا أنه يجدر الأشارة هنا أن الله خلق الحياة الدنيا، وهي المخلوقات التي نشأت من الماء ومن التراب، وكانت أقل درجات كثيرة من الملائكة وربما من الجن، ولهذا أخبرهم الله تعالى أنه خالقًا من هذا الطين بشرا، عليهم أن يسجدوا له، حتى يعلم الملائكة أن هناك من هذه المخلوقات الدنيا من سيكون أفضل منهم، وتوقعوا أن يكون أقرب الى الله منهم، وربما أعادوا ذلك الى أنه سيكون أكثر منهم تسبيحًا وتقديسا لله، فهل كانت الحكمة الإلهية في إبلاغ هذه المخلوقات العليا بأهمية ما يحدث على الأرض بالرغم من ضعف هذه المخلوقات الدنيا، قد يفسر هذا سبب مقارنتهم أنفسهم بهذا الخليفة -وهو من المخلوقات الأرضية الدنيا- في قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} إذ ما هو وجه المقارنة التي جعلوها بينهم وبين هذا الخليفة، هل كان الملائكة يريدون أن يكون الخليفة على الأرض منهم، بالطبع لا، ولكن علمهم السابق بأن من هؤلاء المخلوقات من سيكون بشرا يسجدون له بأمر الله واعتقادهم أو ظنهم أنه سيكون أكثر منهم عبادة وأقرب لله جعلهم يقارنون أنفسهم بهذا المخلوق الذي جعله الله خليفة في الأرض، ربما يكونوا عند اعلان خلافته وتكريمه بها، قد ظنوا أن له علاقة بالبشر الذي عليهم أن يسجدوا له، ولهذا كان جوابهم ما كان، ولكن الظن مع غياب اليقين لم يكن كافيًا ليسجدوا له، ولهذا لم يسجدوا وان تعجبوا. وقد تفوق هذا البشر على الملائكة بقدرته على البيان، ولهذا يكون الأمر الأول بالسجود فقط إعلامًا للملائكة بالخلق المرتقب للبشر، وأنه سيكون متفوقًا أو مفضلا عنهم، لأن عليهم السجود له. أي أن امر السجود الأول كان القصد منه أعلامهم بتفوق البشر، حيث أن عليهم السجود له، وبهذا يكون القول الأول إعلامًا بصيغة الأمر، مع العلم بعدم قدرتهم على معرفة أوان السجود، فجاء القول الثاني أمرًا مجردًا نفذه الملائكة فورًا.

ويجدر أن نضيف هنا أننا إشترطنا أن يكون الأمر الألهي للناس معقولاً، أي يمكن تنفيذه باستخدام العقل البشري والبحث وفق المنهج المحدد في هذا الأمر، كما جاء في تفسير قوله تعالى {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}، فلماذا لا يكون كذلك في أمره للملائكة بالسجود، منح الإنسان الحديث قدرات عقلية لم تمنح الملائكة مثلها، لأنه حمل أمانة أعمار الأرض، والإختيار بين الخير والشر، فالإنسان يملك القدرة على التأمل والتفكر في الخلق والأمور الحسية والغيبية، بينما الملائكة قد لا تملك مثل هذه القدرات العقلية الإستنباطية، ولا يتعدى دورها التسبيح وتنفيذ الأوامر المباشرة، في حدود قدراتها المحددة بما منحها الله، وكمثال على ذلك عجزها عن تنفيذ الأمر الألهي في قوله تعالى {أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين}.

وقوله تعالى الموجه الى الملائكة {إن كنتم صادقين}، يستدعي منا وقفة للنظر فيه. الملائكة وفق علمنا لا تكذب، فإما أن يكون قوله تعالى {إن كنتم صادقين} موجها الى إبليس الذي كان معهم، أو أن يكون تفسيره : إن كنتم صادقين أيها الملائكة في ظنكم معرفة حقيقة هذا الخليفة، وصادقين هنا أي صدقتم في قول الحقيقة، ولا يعني الخطأ في قول الحقيقة بالضرورة أن يكون القائل كاذبا، وإنما قد يقول الجاهل في الأمر يظنه حقيقة وهو ليس كذلك، فيكون غير صادق في قوله، ولكنه ليس كاذبًا لأن هذا مبلغ علمه، فالكاذب هو منكر الشيء مع علمه به، وبذلك تعود جملة {إن كنتم صادقين} في قولكم أن الخليفة مفسدا في الأرض، وقد تكون إن كنتم صادقين في ظنكم أنكم أفضل منه، وهذا إجابة عن قولهم: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}. وقد تكون الإجابة البليغة لكلا الأمرين معًا. أما قول الملائكة في معرض إجابتهم {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} فيعود الى الأمر للملائكة {أنبئونى بأسماء هؤلاء}، وهم لم يتعلموا هذه الأسماء، حيث أنهم ليس لهم علم إلا بما علمهم الله. أما أن تعود إجابة الملائكة {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} أيضًا الى مدى صدقهم في كون هذا الخليفة مفسدًا في الأرض، فهذا لا يصح لأن الله تعالى لم يُعلمهم بهذا كما سيأتي شرحه.

نجد مما سبق أن هناك أمرًا بالسجود للبشر سابق لخلق البشر، ثم أعيد هذا الأمر في الوقت الذي حان فيه موعد السجود. وان السجود كان مرة واحدة لآدم البشر الذي جعله الله خليفة في الأرض، وكان هناك مخلوقات في الأرض وكان منها النوع الإنساني الموجود قبل آدم، وأن آدم أكرمه الله بأن علمه البيان، أي جعله مميزًا حتى انفصل ببيانه وتمييزه عن جميع الحيوان، والبيان هو إظهار المقصود بأبلغ لفظ، والإفصاح مع ذكاء، وبان الشيء إذا اتضح وانكشف.

ويجدر بنا الآن أن ننظر في بعض الآيات القرآنية التي تعلقت بموضوع خلق آدم :

{وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28 . {قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون } 32-33 الحجر

{ وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ص 71-76

ما سبق يدل أن الله خلق آدم – البشر من طين، وهذا أيضًا ما يعبَر به في القرآن عند ذكر خلق الناس عامة، مثل الآية 37 من سورة الكهف {قال له صاحبه أتكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً } وبالطبع ليس المقصود هنا أن الله تعالى قد خلق هذا الشخص المخاطب من التراب ثم سواه رجلا، وإنما هي طريقة للتعبير بتبعية الرجل للجنس الإنساني الذي كان أول خلقه من تراب. وأيضًا {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ……..} الأنعام 2 . ولفظ خلق يدل على تقدير ما منه وجود الشيء (قدر : يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته)، فقوله تعالى {إني خالق بشرا من طين} قد تعني الإيجاد من الطين مباشرة، وتعني أيضًا تقدير الطين ليبلغ في منتهاه بشرا .

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن في آيات خلق آدم،  {وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} الحجر : 27-28  هل القول الأول أعقبه الخلق فورًا أو كان بينهما فترة زمنية؛ قد تكون دهرًا طويل الأمد، إذ وإذا حرفا توقيت ((إذ وإذا حرفا توقيت; فإذ للماضي; وإذا للمستقبل; وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد: إذا جاء ”إذ“ مع مستقبل كان معناه ماضيا; نحو قوله: {وإذ يمكر بك} [الأنفال:30] {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} [الأحزاب:37] معناه مكروا، وإذ قلت. وإذا جاء ”إذا“ مع الماضي كان معناه مستقبلا; كقوله تعالى: {فإذا جاءت الطامة} [النازعات:34] {فإذا جاءت الصاخة} [عبس:33] و {إذا جاء نصر الله} [النصر: 1] أي يجيء. وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: ”إذ“ زائدة; والتقدير: وقال ربك; واستشهد بقول الأسود بن يعفر: (فإذ وذلك لا مهاة لذكره  والدهر يعقب صالحا بفساد) وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين. قال النحاس: وهذا خطأ; لأن ”إذ“ اسم وهي ظرف زمان  ليس مما تزاد. وقال الزجاج: هذا اجترام من أبي عبيدة; ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم; فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال; فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام; كما قال: فإن المنية من يخشها  فسوف تصادفه أينما، يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال. وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم. وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي. وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلي.))، إذ للماضي وإذا للمستقبل، وقد توضع أحدهما موضع الأخرى، والحرف ”ف“ يدل على التعقيب والأرجح التعقيب الفوري، بينما ثم يدل على التعقيب والترتيب والتراخي الزمني كما جاء سابقًا، إذ –وهذا في زمان ماض ((أشار المفسرون أن إذ يسبقها في المعنى ” أذكروا نعمتي عليكم “.)) –  يقول الله للملائكة إني خالق بشر من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، التعقيب الفوري بالفاء في ”فإذا“ هو تعقيب كلامي، أي أن الجملتين قيلتا في تعاقب فوري وفي الزمان الماضي. بينما ”إذا“ تعبر عن توقيت مستقبلي، قد يكون قريبًا وقد يكون بعيدًا، والفاء في فقعوا له ساجدين هي تعقيب فوري أو قريب، أي ان السجود يكون فور –أو بعد فترة يسيرة من – تسوية هذا البشر والنفخ فيه من الروح، (ويجب ملاحظة أن ما نسميه فترة يسيرة هو أمر نسبي). من هنا نجد أن الخلق كان سابقًا للتسوية، وأن الجملة الخاصة بالتسوية والنفخ مستقبلية تحتمل المستقبل القريب وتحتمل المستقبل البعيد.

{ واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون} البقرة :30

وهنا الحديث كله بإذ للدلالة على الماضي، والقول إني جاعل في الأرض خليفة (هو آدم)، والجعل لا تعني بالضرورة اني خالق في الأرض خليفة، بل تعني أن الله صيَّره خليفة، جعله خليفة بعد ان لم يكن كذلك، كقوله تعالى: {وجعلني نبيًا..}، وفي قوله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } تكون جعلنا بمعنى خلقنا، ولكن جاعل هنا ليست لشيء وإنما لمكانة ولمهمة ومسؤولية، وهؤلاء الجعل فيهم يكون مثل قولنا: جعل الناس أبو بكر أميرا عليهم أي صيروه أميرًا عليهم. وبهذا المعنى يكون استعمال إذ في حال الجعل وفي حال السجود أيضًا يبين أن الحادثتين وقعتا في الزمان الماضي. ولا تدل هذه الآيات أن آدم قد خلق من الطين حينذاك.

إن قول الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} يوحي بعلمهم بأمر واقع أو سبق وقوعه، وقد تحير المفسرون في كيفية معرفة الملائكة أن هذا المخلوق الجديد -أو ذريته- سوف يفسد في الأرض في زمان مستقبلي، إذ لا يعلم الغيب المستقبلي إلا الله سبحانه، وقد نحا بعض المفسرون علم الملائكة بأنهم قد سألوا الله تعالى: ما صفة هذا المخلوق الجديد. فقال لهم أنه -أو نوعه- سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء، فقالوا لله جل جلاله أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. لكن هذا التفسير على ضعفه لا يصح، حيث أن الله قد خلق البشر ليعمروا الأرض ومنهم الصالح ومنهم المفسد؛ ولم يكن الله تعالى ليقول عن البشر جميعًا مثل ذلك، وهو سبحانه وتعالى يعلم أنه سيكون منهم أنبياء ورسل وأتقياء وأمم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ((وقال مفسرون آخرون أن الجن كانت تعيش في الأرض فأفسدت وسفكت الدماء، وان الملائكة قاسوا على ذلك، واستنتجوا أن الخليفة الجديد سيكون مثلهم، فسألوا سؤالهم الذي جاء عنهم. وهذا أضعف مما سبق، فالسؤال لا يوحي أنه قائم على الظن أو الإستنباط القياسي الضعيف الذي اتبعوه، بل هو سؤال الواثق المتأكد، خاصة أنهم يسألون أو بالأحرى يتعجبون من تصرفات الله تعالى، وكيف يكون القياس صحيح، والجن الذين سكنوا الأرض وأفسدوا ليسوا مثل الناس، ولم يجعلهم الله خلفاء فيها، بل وفق سياق التفسير، أرسل عليهم ملائكة بقيادة ابليس فحاربهم حتى هربوا الى رؤوس الجبال. بالطبع كل هذا التفسير لا يصلح، لأن الله تعالى لو اراد أن يجعل الجن خلفاء في الأرض لما كان ليطردهم منها، لأنه فعال لما يريد. وعليه فلن نعير هذا التفسير أكثر مما ورد هنا.)) .

بل أن قوله تعالى  {إني أعلم ما لا تعلمون} يدل أنه لم يعلمهم بشيء من أمر هذا الخليفة، لأنهم لو كانوا سألوه وأجابهم، لكانت { إني أعلم ما لا تعلمون } تدل أن إجابته سبحانه وتعالى عما يصفون كانت غير كاملة، فهم أي الملائكة ظلوا على حيرتهم وتعجبهم حتى بعد سماع الجواب، أي أن الجواب لم يكن كاملا، وهذا مما يتنزه الله تعالى عنه، وبناء على ما سبق يمكن الجزم أنهم لم يسألوا، وبالتالي نعود الى مسئلة كيف عرف الملائكة أن هذا الخليفة -الذي ما زالت تصرفاته وأعماله في الغيب المستقبلي- سيفسد في الأرض ويسفك الدماء.

ولماذا تقول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ وليس : أتجعل فيها من سيفسد أو سوف يفسد فيها ويسفك الدماء. الزمان في الجملة الأولى زمان حاضر، بينما الفعل المنسوب الى آدم أو الى نسله سيقع في زمان مستقبلي، فلماذا لم يأت قول الملائكة ليدل على المستقبل.

يمكن تفسير ذلك بفرض أن الإنسان كان موجودًا ومفسدًا في الأرض، ولهذا لم يحتاج الملائكة للسؤال وإنما كان قولهم الفوري كما جاء عنهم، وهذا رد طبيعي بناء على علمهم بما هو واقع في ذاك الزمان، ولهذا كان الفعل يفسد مضارع وليس فعل مستقبلي.

وعليه فسياق الحديث الذي تم قد يكون كما يلي: واذ قال ربك للملائكة إنى جاعلُُ فى الأرض خليفةً، وكان آدم حاضرًا أمامهم، وقد اصطفاه الله، فعرف الملائكة من هيئته وصورته أنه يشبه الإنسان، وكان الإنسان موجودًا آنذاك على الأرض، كان مفسدًا وكان يسفك الدماء ويقتل من غير جنسه أكثر مما يحتاج لغذائه، ويقتل من جنسه مع سعة الأرض، ولم يكن يعبد الله ولا يسبح له، وبهذا يكون من أسوأ المخلوقات قاطبة، فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وكان قولهم من باب السؤال عن الحكمة الإلهية. قال إنى أعلم ما لا تعلمون. حيث أن هذا هو البشر الذي جاء ذكره من قبل، قد منح القدرة على البيان، وأنه من سيحمل الأمانة.

والخليفة هنا لا تعني كما نحى اليه بعض المفسرين، من أنها نظام الخلائف وهو ما يتبعه النوع البشري من خلافة الجيل لما قبله، أي نظام الخلف والتوالد، فكافة المخلوقات من الحيوانات أو الطيور أو الإسماك أو حتى الأشجار والنباتات، تتبع هذا النظام، وليس فيه ما يجعل النوع الإنساني أفضل من غيره، ولا يستدعي هذا المعنى تعجب الملائكة بقولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فالمعنى لا بد أن يحمل شيئًا من التفضيل والعلو والمسؤولية بل والولاية ((وفي قوله تعالى: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى …} ص 26 يبين ان الخليفة له سلطة الحكم بين الناس وعليه مسؤولية تحمل تبعات هذه السلطة.)) . ولا شك إن إعمار الأرض وظيفة منوطة بالبشر فقط دون غيرهم من المخلوقات. ولا يجب أن ننسى في هذا المقام أن المحافظة على الطبيعة والمخلوقات من حيوانات وغيرها من المسؤوليات المناطة وفقًا لمتطلبات الخلافة والأمانة التي عُهد بها إلى الإنسان الحديث.

والخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.“  وقد يكون معناه إضافة الى الولاية، أن آدم وذريته سوف يقومون مقام الإنسان ويسدون مسده.

لماذا يريد الملائكة أن يكونوا خلفاء في الأرض ؟ لماذا المقارنة بينهم وبين ذلك الخليفة ؟ ما العلاقة بين الملائكة والإنسان. الملائكة درجات، منهم من يصطفي الله ويميزهم عن غيرهم، {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(75)} الحج، وهذا يوضح أن هناك درجات عند الملائكة، والدرجات تستدعي التنافس بينهم لإرضاء الله تعالى، والتنافس يستدعي المقارنة، ومع علمهم المسبق بأمر السجود لكائن مخلوق من طين، لا عجب أن يقارنوا أنفسهم بهذه المخلوقات.

 

{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخرَ فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم أنكم بعد ذلك لميتون * ثم أنكم يوم القيامة تبعثون } المؤمنون:12-16

جاء في تفسير الطبري: ”القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}. أسللناه منه، فالسلالة هي المستلة من كل تربة; ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالإنسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به آدم. ذكر من قال ذلك: عن قتادة: {من طين} قال: استل آدم من الطين. وحدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {من سلالة من طين} قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خلق من طين. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس: {من سلالة من طين} قال: صفوة الماء. وعن مجاهد في قول الله: {من سلالة} من مني آدم. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وهي صفة مائه وآدم هو الطين، لأنه خلق منه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لدلالة قوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} على أن ذلك كذلك; لأنه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوله من صلبه صار في قرار مكين; والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته. لأنهما مسلولان منه; ومن السلالة قول بعضهم:

        حملت به عضب الأديم غضنفرا                     سلالة فرج كان غير حصين

وقول الآخر:   وهل كنت إلا مهرة عربية                  سلالة أفراس تجللها بغل

فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل. وليس بالكثير. لأن السلائل جمع للسليل; ومنه قول بعضهم: إذا أنتجت منها المهارى تشابهت    على القود إلا بالأنوف سلائله

وقول الراجز:    يقذفن في أسلابها بالسلائل“ إنتهى.

وجاء مثله عند ابن كثير وقال القرطبي: ”الْإِنْسَان هُنَا آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره , لِأَنَّهُ اِسْتَلَّ مِنْ الطِّين . وَيَجِيء الضَّمِير فِي قَوْله : ” ثُمَّ جَعَلْنَاهُ “ عَائِدًا عَلَى اِبْن آدَم , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ . نَظِير ذَلِكَ ” حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ “ [ ص : 32 ]. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالسُّلَالَةِ اِبْن آدَم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره. وَالسُّلَالَة عَلَى هَذَا صَفْوَة الْمَاء , يَعْنِي الْمَنِيّ . وَالسُّلَالَة فُعَالَة مِنْ السَّلّ وَهُوَ اِسْتِخْرَاج الشَّيْء مِنْ الشَّيْء ; يُقَال : سَلَلْت الشَّعْر مِنْ الْعَجِين , وَالسَّيْف مِنْ الْغِمْد فَانْسَلَّ ; وَمِنْهُ قَوْله : فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابك تَنْسُل فَالنُّطْفَة سُلَالَة , وَالْوَلَد سَلِيل وَسُلَالَة ; عَنَى بِهِ الْمَاء يُسَلّ مِنْ الظَّهْر سَلًّا . قَالَ الشَّاعِر : فَجَاءَتْ بِهِ عَضْب الْأَدِيم غَضَنْفَرًا سُلَالَة فَرْج كَانَ غَيْر حَصِين وَقَالَ آخَر : وَمَا هِنْد إِلَّا مُهْرَة عَرَبِيَّة سَلِيلَة أَفْرَاس تَجَلَّلَهَا بَغْل“

وهنا نجد الطبري خلص إلى أن آدم خلق من طين، وأن الإنسان المذكور هو ابن آدم والهاء في ”ثم جعلناه نطفة“ تعود الى ابن آدم. وبهذا تكون معاني الآية {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}، الإنسان هو ابن آدم الذي خلق من سلالة من طين، والسلالة هي صفة ماء آدم، وآدم هو الطين؛ لأنه خلق منه فيكون المعنى: ولقد خلقنا آدم من طين، ثم خلقنا أبنه من سلالته، ثم جعلنا الإنسان -أي ابن آدم- نطفة في قرار مكين. أو ولقد خلقنا ابن آدم من ماء آدم، والذي دعا الطبري وابن عباس رضي الله عنهما الى هذا المعنى هو أن الهاء في ”جعلناه نطفة“ لو عادت الى الإنسان بمعنى آدم، لما صلح معنى النطفة التي فسرت أنها مني الرجل وماء الأنثى، ولأن النطفة لا تصح إلا أن تكون نطفة رجل وزوجه، وأول زوجين وفق الشائع هما آدم وزوجه، وعليه جعل لفظ الإنسان يعبر عن ابن آدم. وقال مثله القرطبي ” وَإِنْ كَانَ لَمْ يُذْكَر لِشُهْرَةِ الْأَمْر ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا يَصْلُح إِلَّا لَهُ“

وهذا التفسير كما ذكرنا يبلغنا أن ابن آدم خلق من مني آدم، ويتخطى خلق آدم – وهو إنسان أيضًا- من طين، فلماذا يكون ابن آدم هو الإنسان في حين أن آدم نفسه إنسان، هناك مرحلة هامة تغطي المسافة من طين الى آدم أو بالأحرى إلى إنسان ليست مذكورة وفق تفسيرهم في هذه الآية، أما إعتبار أن لفظ طين يعني آدم، لأنه خلق منه، فهذا تحميلاً للفظ أكثر مما يحتمله. والأهم فان ملخص ما قيل أن ابن آدم خلق من مني آدم، وهذا المعنى لا يحمل خبرًا.

ولو أعدنا لفظ الإنسان الى آدم في قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} لوقعنا في ما حاول المفسرون تجنبه، لأن آدم – وفق ما يؤدي اليه تفسير الطبري – لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. ولكن من أين جئنا بفرض أن آدم لم يخلق عن طريق نطفة ثم علقة وما تلاها. لقد نتج هذا من الإعتقاد بخلق آدم آنيًا ومباشرة من الطين، وهذا فرض ما زال علينا أن نجد عليه دليلا قرآنيا، وليس الإعتماد فقط على القصة الشائعة، وحتى لا نخرج عن سياق الآية، نترك هذا الأمر تاركين لللآيات الكريمة حتى ترجح لنا.

إن المراحل التي تبدأ بالنطفة حتى كسونا العظام لحمًا، هي وصف تطور الجنين في الرحم، يأتي بعدها مرحلة منفصلة {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، فهل يدل هذا أن إنشاءه خلق آخر، يحدث في الرحم لكل فرد من هذا النوع، هذا ما ذهب اليه المفسرون، يقول الطبري ”وَقَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } يَقُول : ثُمَّ أَنْشَأْنَا هَذَا الْإِنْسَان خَلْقًا آخَر . وَهَذِهِ الْهَاء الَّتِي فِي : { أَنْشَأْنَاهُ } عَائِدَة عَلَى ” الْإِنْسَان “ فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان } قَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون مِنْ ذِكْر الْعَظْم وَالنُّطْفَة وَالْمُضْغَة , جُعِلَ ذَلِكَ كُلّه كَالشَّيْءِ الْوَاحِد , فَقِيلَ : ثُمَّ أَنْشَأْنَا ذَلِكَ خَلْقًا آخَر . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنْشَاؤُهُ إِيَّاهُ خَلْقًا آخَر : نَفْخه الرُّوح فِيهِ , فَيَصِير حِينَئِذٍ إِنْسَانًا , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ صُورَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19264 -حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر } قَالَ : نَفْخ الرُّوح فِيهِ .“

والخلق الآخر ((الآخَر‘ بمعنى غَير كقولك رجل آخر وثوب آخر، أي شيء غير‘ الأوّلِ . وفي قوله تعالى : {….. فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}.))  يستدعي تغيير الخلقة، ويمكن أن يكون هذا التغيير هو ما نجده من اختلاف الناس ((يجدر القول هنا أن تقدير هذا الإختلاف في الشكل والصورة والقدرات لكل جنين، يوجد في سلسلة  DNA التي تكون موجودة في النطفة والعلقة وما تلاهما، ولا تستحدث بعد ان يكتسي العظام لحمًا)) ، ولكن هذا الإختلاف الطفيف – بالنسبة للتغييرات والتحولات التي سبقته – لا يستدعي التعبير عنه بكونه ”خلقا آخر“. إذ يدل التعبير على البدء في مرحلة جديدة من مراحل الخلق والإحداث، تميزت بأنها تختلف عن المراحل السابقة بأنها أخذت وجهة أخرى، ونتج عنها خلقًا آخر، أي خلق غير الأوّلِ، والإختلاف الذي يعبر عنه لفظ ”آخر“ قد يكون في النوع أو في الشكل أو في أي شيء، كل ما سبق هذا من نطفة وعلقة وعظامًا، كان حيًا وينمو ويختلف عما سبقه في التكوين والشكل، ومع ذلك لم يعبر عنه أنه خلقًا آخر.

إذا كانت الهاء في لفظ أنشأناه تعود الى الإنسان كنوع، استدعى ذلك تغيير النوع، أما إذا عادت الهاء الى العظام التي كسوناها لحمًا، فقد قال المفسرون في قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي نفخنا الروح فيه، فأصبح إنسانا، غير ذاك الذي كان من عظاما ولحمًا، والذي كان قبل ذلك صورة. ولكننا بدأنا تفسير الآيات بأن كل هؤلاء من نطفة وعلقة ومضغة وعظامًا يعودون الى لفظ الإنسان، فكيف يكون نفخ الروح في هذه الأشياء يجعلها خلقا آخر هو الإنسان ذاته الذي بدأنا منه. إلا أن ما ذكرناه يصح إذا كان معنى ”الإنسان“ لا يعود الى آدم وإنما يعود الى النوع الإنساني، وقد يكون الخلق الآخر هو البشر، الذي هو فرع من الإنسان يختلف عنه وأرقى منه، والذي بدأ بآدم، أي يكون آدم في نهاية الحلقات وليس في أولها، وعليه يصح تفسيرهم أن الخلق الآخر يعني نفخ الروح فيه، فينشأ خلق آخر هو آدم، أول البشر، إلا أن هذا المعنى يخرج الآية من كون جزء منها يصف نمو الجنين في الرحم، ويضعها كلها مع الآيات المتعلقة بالنشأة من الأرض.

الخلق هو تقدير مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، وابداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، ونعود الى معنى {ثم أنشأناه خلقًا آخرَ}، هنا لم يرد التعبير على أنه خلق خلقا آخر، وانما أنشأ، الإنشاء حمل معه معنى النمو والسمو والظهور والإمتداد الزمني، وسبق ان قلنا ان الهاء في أنشأناه تعود الى الإنسان أو الى العظام الذي كسي لحمًا، وهذا أيضًا يعود الى الإنسان، أي أن الله تعالى أنشأ الإنسان خلقًا آخر، والخلق هو ما ينتج عن التقدير والإبداع على نحو لم يسبق إليه، أما آخر فتدل على ما هو غير الإنسان، وما لدينا غير الإنسان الا البشر. فيكون دلالة الآية أن الإنسان خلق ثم إنشأ بشرًا. والبشر أسمى من الإنسان وقد ظهر عليه وحل محله. والإنسان لفظ عام يعبر عن المخلوق الذي وقف على قدميه، والبشر نوع منه، سما وارتفع عنه وكان له القدرة على التفكير والكلام والبيان. أي أن كل بشر إنسان، وليس كل إنسان بشر، إلا أنه حيث أن كل إنسان ليس بشرًا قد هلك واندثر، يمكننا اليوم أن نقول أن كل إنسان على هذه الأرض بشر.

          من معاني خلق أنه أبداع شيء على نحو ما لم يسبق إليه، وإبداع تدل على إحداث شيء أو أمرًا جديد لم يفعله أحد من قبل، وكل هذه التحولات كانت خلقًا، فان أخذنا بأن معناه ما يحدث لكل جنين، ففيما عدا أول جنين، كل التالين ليسوا خلقُا على نحو ما لم يسبق إليه، وإنما تكرارًا وان اختلفت صفات المولود. وعليه فإما أن تعود الآية الى أول جنين، أو تعود الى النشأة من الأرض، أو كلاهما، فان كان، فهذا يبين قدرة الصيغة وإعجازها.

فرضنا في معرض إستدلالنا السابق أن السلالة مقصود بها ما سل من الأرض، كما ذهب السلف، لأنهم أعتبروا أن الإنسان هو آدم الذي وفق علومهم خلق مباشرة من الطين. أما لو كانت السلالة بمعنى الإنحدار من نسب واحد معين، والسلالة هي جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب واحد،  Lineage  Descent ، كما هو المعنى الشائع لهذا اللفظ في عصرنا، وربما كان هذا المعنى معروفًا في الجاهلية، السلالة والسليل: الولد والأنثى سليلة، إذ قالت هند بنت النعمان:

وما هندُ إلا مهرةٌ عربيةٌ         سليلة أفراس تجلَّـلها بغل        (وقيل نغل)

والسليلة هنا بمعنى أتت من سلالة أفراس، وأفراس هنا بصيغة الجمع تدل أنها تعود الى سلسلة نسب لأكثر من جيل واحد، أي لم يقصد أنها سليلة لأنها خلقت من السلالة بمعنى النطفة أو ما سل من صلب الذكر وماء الأنثى، وانما أنها تنحدر من نسب معين، وهذا يؤدي أيضًا الى نفس المعنى.

          فلو أخذنا سلالة بمعنى جماعة من الناس أو الحيوانات تنحدر من نسب معين، فانه من الممكن القول أن الإنسان هو الذي جاء من نتاج هذه السلالة التي أولها كان من الطين، وبالتالي فكل ما جاء بعد ذلك يعود الى خلق الإنسان في الرحم حتى تكونه كمخلوق ذو عظم مكتسي باللحم، ثم أنشأناه خلقًا آخر، أي غير الإنسان، وهنا يكون خلق آدم أبو البشر.

ترى هل يمكن القول أن الإنسان تكون من سلالة من طين، ثم كان نسله بالطريقة التي ذكرت، نعم، وهذا ما ذهب اليه تقريبًا المفسرون، ولكن في مرحلة محددة تم إنشاؤه خلقًا آخر، وهنا نجد أن الآية لا تتحدث فقط عن خلق الإنسان وإنما عن خلق نوعا آخر جاء منه. أي أن الإنسان خلق من سلالة من طين، حتى أصبح على الشكل الذي نعرفه، وتناسل بالطريقة المذكورة في الرحم، وبعد دهرًا من الزمان، أنشأه الله خلقًا آخر، هو البشر بدءًا بأبوهم آدم. وألا يتفق هذا مع قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين}.

وقد فرضنا أن تعبير إنسان يقصد به النوع والجنس، والمعنى أن خلق هذا النوع لم يأت مباشرة من الطين، قد راود مثل هذا المعنى بعض الفقهاء والمفسرين، إذ قالوا بمثل هذه المعاني، يقول الشيخ سيد قطب ((في ظلال القرآن – دار الشروق – ص 2137))  رحمه الله : ”ان أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض ومن عناصره الرئيسية، التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين، وان هناك أطوارًا بين الطين والإنسان تشير اليها كلمة سلالة في قوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} وقوله {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ماء مهين}“. وورد أيضًا عن الشيخ رحمه الله: ”{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين }.. وهذا النص يشير إلى أطوار النشأة الإنسانية ولا يحددها. فيفيد أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.. وهي حقيقة نعرفها من القرآن، ولا نطلب لها مصداقاً من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الإنسان، أو نشأة الأحياء. إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذها مجالاً للتدبر في صنع الله، ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الإنسان المتسلسل في نشأته من ذلك الطين. ولا يتعرض لتفصيل هذا التسلسل لأنه لا يعنيه في أهدافه الكبيرة. أما النظريات العلمية فتحاول إثبات سلم معين للنشوء والإرتقاء، لوصل حلقات السلسلة بين الطين والإنسان. وهي تخطئ وتصيب في هذه المحاولة ـ التي سكت القرآن عن تفصيلها ـ وليس لنا أن نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يقررها القرآن.. حقيقة التسلسل.. وبين المحاولات العلمية في البحث عن حلقات هذا التسلسل وهي المحاولات التي تخطئ وتصيب، وتثبت اليوم وتنقض غداً، كلما تقدمت وسائل البحث وطرائقه في يد الإنسان.

والقرآن يعبر أحياناً عن تلك الحقيقة باختصار فيقول: {… بدأ خلق الإنسان من طين }.. دون إشارة إلى الأطوار التي مر بها. والمرجع في هذا النص الأكثر تفصيلاً، وهو الذي يشير إلى أنه { من سلالة من طين } فالنص الآخر يختصر هذه الأطوار لمناسبة خاصة في السياق هناك.

أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية. وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد، وبسبب عوامل وعلل أخرى لم يكشف عنها الإنسان.

ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات أن القرآن يكرم هذا الإنسان؛ ويقرر أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان. وهنا تفترق نظرة الإسلام افتراقاً كلياً عن نظرة الماديين. والله أصدق القائلين.

ذلك أصل نشأة الجنس الإنساني.. من سلالة من طين.. فأما نشأة الفرد الإنساني بعد ذلك، فتمضي في طريق آخر معروف.“ أنتهى.

ونجد فيما سبق أن الشيخ رحمه الله يرى ما يلي:

  • ان أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض ومن عناصره الرئيسية، التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين،
  • وان هناك أطوارًا بين الطين والإنسان تشير اليها كلمة سلالة
  • أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.
  • أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية
  • وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد،
  • ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات، ……، أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان.

ونتفق مع ما سبق، وخاصة أن فكرة خلق آدم مباشرة من الطين، والتي اعتقد بها السلف، لم ترد في حديث الشيخ رحمه الله، والذي ورد عنه أقرب الى نفيها وان لم تذكر. ومع إتفاقنا مع الشيخ رحمه الله، إلا أننا نرى أن تسلسل الإنسان من الطين، قد لا يكون مسكوتًا عنه كلية.

وبالرغم مما جاء أعلاه، إلا أن الشيخ رحمه الله رفض الفكر الدارويني عن تطور الإنسان عمن سبقه من المخلوقات، إذ جاء في الظلال: ”” وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي  الإنساني كان ترقياً في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقياً في وجود الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.“ وأضاف رحمه الله : ”وعندئذ تكون نشأة النوع الأنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع.. وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية“.

     ولنا أن موضوع هل كانت نشأة النوع الإنساني مستقلة، أم أنها مشتركة مع كل أنواع الحياة الأخرى، قد يتبين من دراسة النصوص.

ويقول الشيخ عبد الكريم الخطيب (جزء 13 : جزء 18 ص 233 التفسير القرآني للقرآن ، دار الفكر العربي ): ” ان آدم لم يخلق مباشرة من التراب، وانما كان خلقه حلقة في سلسلة التطور، وانه اذا كان الطين مبدأ الخلق، فانه قد تنقل في هذا الطين من عالم الى عالم، ومن خلق الى خلق، حتى كان الإنسان آخر حلقة في سلسلة هذا التطور، فظهر فيها الكائن العاقل وهو آدم ..أو الإنسان .. ويقول: وفي قوله تعالى: { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } إشارة الى أن آدم لم يظهر من الطين ظهورًا مباشراً ، وانما ظل دهورًا طويلة في بوتقة الزمن حتى استوى ونضج، فالفاء في قوله تعالى {فإذا سويته } تفيد التعقيب، ولكنه تعقيب يأخذ من عمر الزمن ملايين السنين.. { وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } “ أنتهى.

وقبل أن نترك هذه الآيات من سورة المؤمنون، نعيد النظر فيها إذ قد نجد  أيضًا المعنى المرحلي الذي يصف خطوات تطور خلق الإنسان بدءًا من الطين.

{لقد خلقنا الإنسان..} أي قدرنا ما منه سيكون الإنسان، {من سلالة من طين..} أي أنه سينحدر من سلالة أو سلسلة أولها من الطين المتغير، والمراحل المذكورة بعد ذلك عددت فقط تلك التي تؤدي الى الإنسان، ولهذا لم يأت ذكر الفروع الأخرى كالنباتات.

لقد وجدت أول خلية حية بسيطة تنقسم وتتكاثر من الطين المتغير، وكان لهذه الخلية البدائية النوى، جدار خارجي يحميها ويحمي جزئيها الهيولي وشبيه النواة، ويوجد في منطقة شبيه النواة الشفرة الجينية للحمض النووي والذي كان أولاً (أر ان ايه) ثم تطور الى (دي ان ايه). وليس لنواة هذه الخلية جدار نواة. والبكتيريا من الكائنات وحيدة الخلية من نفس النوع بدائي النوى وكذلك الطحالب الزرقاء المخضرة، وقد وجدت هذه الخلية منذ أكثر من 3,5 بليون سنة.

والخطوة التي تلت الخلية البدائية النوى، هي ظهور الخلية حقيقية النوى، تميزت عن الأولى أن الحمض النووي يستقر في نواة لها جدار مضاعف قوي يحمي النواة، وقد ظهرت هذه الخلية منذ حوالي 2 بليون سنة، وهذه الخلية هي ما ينبني بها أجسام كل الأحياء متعددة الخلايا (مثل الحيوانات والنباتات والفطريات).

اذا كانت الحياة تعرف بأنها آلية التكاثر، فان الحمض النووي هو هذه الآلية، والخلية توفر له غرضين هامين، أولاً توفير الحماية للسلسة الوراثية الضعيفة جدًا (دي ان ايه)، وثانيًا توفير المكان الملائم لتتم عمليات التطور البيولوجي المعقدة. وحيث أن الحمض النووي هو الذي يحمل تعليمات السلسلة الوراثية، وهو الذي يحفظ تطورها، فان الحمض النووي هو الذي قدر له أن يتطور.

{ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين} وتدلنا الآية أن النطفة وهي القليل من الماء ويمكن أن تكون تعبيرًا عن الحمض النووي المقدر له أن يتطور حتى يصبح أنسان، قد جعلت في قرار مكين، وهو نواة الخلية حقيقية النوى ذات الجدار المضاعف القوي.

{ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا….}

والعلقة ((عَلِقَ: علِق بالشيء نشب فيه. العَلَقُ: الدم الجامد الغليظ، الواحدة عَلَقةُ ، العَلَقَةُ: دودة في الماء تمص الدم.))  هي الكائنات متعددة الخلايا، والتي ظهرت عندما تعلقت الخلايا مع بعضها البعض، وأول ما ظهر من العلقة Lichen هي الكائنات الرخوية مثل الدودية، والأسفنج والمرجان والسمك الهلامي، ثم تطورت عنها المضغة، وقد تكون هي الحيوانات اللافقارية اللاعظمية البدائية، ثم خلقت المضغة عظامًا وقد تكون الحيوانات البحرية القشرية وذات الأظهر الفقارية والزواحف، والكائنات التى لها درع عظمي خارجي مثل الأصداف البحرية والقواقع والمحار،  وبعدها كسي العظم لحمًا فظهرت الثدييات ذات الدم الدافيء ومنها الحيوانات والأنسان الأول ثم أنشأت خلقًا آخر هو البشر، والله أعلم.


{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا ءَالَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(69)} الاعراف

تشير الآية هنا الى تطور في الخلق وزيادة في بنية قوم عاد عن تلك التي كانت لقوم نوح. وهذه الزيادة في الخلق تبين أن الخلق في هذه الحالة عملية مستمرة، شملت كل قوم عاد الذين خلفوا قوم نوح. ولا ندعي أننا نجد هنا أشارة الى العملية التطورية التي شملت خلق الحياة بكافة أنواعها، إلا أنها إشارة واضحة لحدوث هذا التطور أو الطفرة في المرحلة المذكورة اللاحقة لمرحلة آدم.


{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } آل عمران:59

يقول القرطبي:”” دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقِيَاس . وَالتَّشْبِيه وَاقِع عَلَى أَنَّ عِيسَى خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب كَآدَم , لَا عَلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَاب . وَالشَّيْء قَدْ يُشَبَّه بِالشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ بَيْنهمَا فَرْق كَبِير بَعْد أَنْ يَجْتَمِعَا فِي وَصْف وَاحِد ; فَإِنَّ آدَم خُلِقَ مِنْ تُرَاب وَلَمْ يُخْلَق عِيسَى مِنْ تُرَاب فَكَانَ بَيْنهمَا فَرْق مِنْ هَذِهِ الْجِهَة , وَلَكِنْ شَبَه مَا بَيْنهمَا أَنَّهُمَا خَلْقُهُمَا مِنْ غَيْر أَب ; وَلِأَنَّ أَصْل خِلْقَتهمَا كَانَ مِنْ تُرَاب لِأَنَّ آدَم لَمْ يُخْلَق مِنْ نَفْس التُّرَاب , وَلَكِنَّهُ جَعَلَ التُّرَاب طِينًا ثُمَّ جَعَلَهُ صَلْصَالًا ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْهُ , فَكَذَلِكَ عِيسَى حَوَّلَهُ مِنْ حَال إِلَى حَال , ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا مِنْ غَيْر أَب . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِسَبَبِ وَفْد نَجْرَان حِينَ أَنْكَرُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : ( إِنَّ عِيسَى عَبْد اللَّه وَكَلِمَته ) فَقَالُوا : أَرِنَا عَبْدًا خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب ; فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” آدَم مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب؟ فَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا أُمّ “ . فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ” وَلَا يَأْتُونَك بِمَثَلٍ “ أَيْ فِي عِيسَى ” إِلَّا جِئْنَاك بِالْحَقِّ “ فِي آدَم ” وَأَحْسَن تَفْسِيرًا “ [الْفُرْقَان : 33 ] . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام قَالُوا : قَدْ كُنَّا مُسْلِمِينَ قَبْلك . فَقَالَ : ( كَذَبْتُمْ يَمْنَعكُمْ مِنْ الْإِسْلَام ثَلَاث : قَوْلكُمْ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا , وَأَكْلكُمْ الْخِنْزِير , وَسُجُودكُمْ لِلصَّلِيبِ ) . فَقَالُوا : مَنْ أَبُو عِيسَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: {ِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب }““ .

أتفق المفسرون الأوائل أن وجه الشبه بين عيسى وآدم عليهما السلام، أن كلاهما خلق من غير أب. وأتفقوا أن هذه الآية نزلت بسبب حديث وفد نجران عن بنوة السيد المسيح، لأنه خلق من غير أب. لتبين أن آدم خلق أيضًا من غير أب وفق تفسيرهم للآية. وقد يكون هذا هو القصد من الآية في تلك المرحلة، أي أن قد يكون هذا التفسير مرحليًا.

والتفسير الذي أوردناه عن القرطبي، أحتوى قصة وحديث وفد نجران مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ووفقًا للرواية التي عرضها القرطبي، فان النبي صلعم أجابهم بقوله ” آدَم مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب؟ فَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا أُمّ .“ وهذا يتعارض مع كل الروايات الأخرى عن نفس الحادثة، والتي وردت في تفاسير ابن كثير والطبري، وتختلف أيضًا عن الرواية الثانية عن القرطبي وفق المذكور أعلاه، حيث بينت كل الروايات الكثيرة الأخري، أن الرسول صلعم اما لم يجبهم وانتظر الوحي أو قال غير الذي جاء في رواية القرطبي الأولى. ونورد هنا هذه الروايات كما وردت في التفاسير المشهورة:

ذكر أبن كثير في معرض تفسيره الآية ورواية حادثة وفد نجران: ”قَالَا : فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّد ؟ فَصَمَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا فَلَمْ يُجِبْهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ وَاخْتِلَاف أَمْرهمْ صَدْر سُورَة آل عِمْرَان إِلَى بِضْع وَثَمَانِينَ آيَة مِنْهَا“ ثم ذكر ابن كثير رواية أخرى فيها :” ثُمَّ سَأَلَهُمْ وَسَأَلُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمْ الْمَسْأَلَة حَتَّى قَالُوا لَهُ : مَا تَقُول فِي عِيسَى فَإِنَّا نَرْجِع إِلَى قَوْمنَا وَنَحْنُ نَصَارَى يَسُرّنَا إِنْ كُنْت نَبِيًّا أَنْ نَسْمَع مَا تَقُول فِيهِ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْء يَوْمِي هَذَا فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِركُمْ بِمَا يَقُول لِي رَبِّي فِي عِيسَى “ فَأَصْبَحَ الْغَد وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة ” إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم – إِلَى قَوْله – الْكَاذِبِينَ “ أنتهى

وجاء في تفسير الطبري نفس الرواية من عدة مصادر نذكر منها واحدة: ”حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جَرِيج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْعَاقِب وَالسَّيِّد مِنْ أَهْل نَجْرَان , وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : بَلَغَنَا أَنَّ نَصَارَى أَهْل نَجْرَان قَدِمَ وَفْدهمْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب , وَهُمَا يَوْمئِذٍ سَيِّدَا أَهْل نَجْرَان , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد فِيمَا تَشْتُم صَاحِبنَا ؟ قَالَ : ” مَنْ صَاحِبكُمَا ؟ ” قَالَا : عِيسَى اِبْن مَرْيَم , تَزْعُم أَنَّهُ عَبْد . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَجَلْ إِنَّهُ عَبْد اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ “ , فَغَضِبُوا وَقَالُوا : إِنْ كُنْت صَادِقًا , فَأَرِنَا عَبْدًا يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئ الْأَكَمَه , وَيَخْلُق مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر , فَيَنْفُخ فِيهِ , الْآيَة . .. لَكِنَّهُ اللَّه ! فَسَكَتَ حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم } . .. الْآيَة , 5 17 فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا جِبْرِيل إِنَّهُمْ سَأَلُونِي أَنْ أُخْبِرهُمْ بِمَثَلِ عِيسَى “ . قَالَ جِبْرِيل : مَثَل عِيسَى كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون . فَلَمَّا أَصْبَحُوا عَادُوا , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْآيَات.“ أنتهى

ومع تعدد الروايات، نجد أن الرسول صلعم في الأغلب لم يقل ما ورد في رواية القرطبي الأولى، وانما انتظر الوحي فنزلت الآية، وعليه يمكن استنتاج أن تحديد وجه التشابه بين عيسي وآدم عليهما السلام أنهما خلقا من غير أب، هو تفسير الأوائل واجتهاد بشري، ويصح أن يكون هذا ما تعنيه الآية ويصح غيره، وفق ما ستدلنا عليه دراسة الآية الكريمة.

تشير الآية الكريمة أن {مثل عيسى عند الله كمثل آدم}، وكان يكفي هذا القول ليعلم الناس أن عيسى عبد الله مثل آدم عبد الله ومن خلقه، لقوله سبحانه وتعالى”عند الله“ حيث أن ”عند“ هنا بمعنى الحكم وقد تكون أيضًا ظرف مكان، ولكن الأرجح أنها عند الله أي بحكم الله تعالى، وما يحكم به الله فلا خيار فيه ولا اجتهاد، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة ُسُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} القصص، يقول ابن كثير: ” يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَار وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُنَازِع وَلَا مُعَقِّب قَالَ تَعَالَى : { وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار } أَيْ مَا يَشَاء فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَالْأُمُور كُلّهَا خَيْرهَا وَشَرّهَا بِيَدِهِ وَمَرْجِعهَا إِلَيْهِ. وَقَوْله: {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة} نَفْي عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُوله أَمْرًا أَنْ يَكُون لَهُمْ الْخِيَرَة مِنْ أَمْرهمْ}“.

إلا أن الله سبحانه وتعالى تفضل على الناس وبيَّن وجهين للشبه وهما أن كلاهما خلق من تراب، ثم تلا الخلق من تراب قوله سبجانه وتعالى كن فيكون. الذي نلاحظه أيضًا في الآية المذكورة أنه لم يأتِ ذكر أن وجه الشبه بينهما أن كلاهما خلق من غير أب، وانما ذكر وجهين لهذا التشبيه، الخلق من التراب، ثم الأمر الألهي ”كن فيكون“. كلاهما خلقا من التراب، وكلاهما تكون وفق ارادة الله التي تعلو على القوانين التي وضعها في العالم، أي كلاهما خلق ثم جعل وفق معجزة أرادها الله سبحانه وتعالى، قد تكون المعجزة أنهما خلقا من غير أب، أو شيء آخر.

وجه الشبه الأول، الخلق من التراب، وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجود المخلوق، وأصل خلق الإنسان والبشر من التراب، وآدم وعيسى كلاهما من جنس البشر، وخلقا من التراب.

التعبير القرآني خُلق من التراب، لا يعني بالضرورة أن المخلوق خلق من التراب مباشرة، وانما أصل خلقه من التراب. في قوله تعالى {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجًا .. } فاطر 11، وقوله تعالى: {قال له صاحبه أتكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً} الكهف 37، وفي هذا التعبير القرآني ((ونلاحظ أيضًا التعبير القرآني في قوله: خلقكم من تراب، ويتفق الجميع أن هذا التعبير لا يقصد به أننا خلقنا مباشرة من التراب وانما كان بدء خلقنا من التراب وانه بيننا وبين هذا الخلق أجيالا كثيرة – ولا يوجد ما يمنع أن يكون أيضًا مراحل ومخلوقات كثيرة – ودهورًا زمنية طويلة – ولا يوجد ما يمنع أن تكون بضعة آلاف من السنين، أو بليون سنة أو عدة بلايين من السنوات.))، المعنى المتفق عليه، وهو أتكفر بالذي بدأ خلقك من تراب، ولا تعني الآية في سورة فاطر ان الناس خلقوا من التراب مباشرة، كما لا تعني الآية في سورة الكهف أن الرجل المخاطب خلق مباشرة من التراب.

ووجه الشبه هذا، لا يجمعهما وحدهما فقط، وانما يجتمع فيه كل الناس؛ بل وكل المخلوقات في الأرض، وقد ورد هذا الشبه في الآية ليبين أن عيسي إنسان وبشر، وأنه من هذا النوع والجنس، وفي هذا الرد على من يدعي بنوة المسيح أو ألوهيته معاذ الله وتعالى عما يصفون، فهو مخلوق من التراب مثله مثل كل الناس، ومثل آدم أول البشر.

والذي قد يدلنا على هذا المعنى أن قوله تعالى كن فيكون، كان ليكون كافيًا لخلق عيسى وخلق آدم، وأنما أضاف الخلق من التراب قبل الأمر الإلهي لتأكيد بشرية عيسى. في قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (82) يس، وقوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (40) النحل، نجد أن الله فعال لما يريد، دون الحاجة للخلق من التراب أو الإيجاد التطوري.وقوله تعالى {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (35) مريم، لم يأتِ ذكر الخلق من التراب.

أما وجه الشبه الثاني بينهما، فهو أنه وبعد خلقه أو تقدير ما منه وجوده، قال له كن فكان ما أراد الله تعالى، أي أنه بالرغم أن بدء خلقهما كان مثل كل الناس، أي أنهما من جنس البشر، إلا أن الله أمر شيئًا أراده.

وقد يكون مجرد القول الألهي ”كن“ يكفي كوجه تشابه بينهما، أما مضمون هذا القول فقد يختلف، وجه الشبه بينهما أن الله منح كلا منهما شيئًا لم يسبق أن منحه لغيرهما من الناس. قلنا أن مجرد القول الإلهي كن فيكون، يكفي كوجه تشابه بينهما، لأنه لم يأتِ مثله في القرآن لغيرهما من البشر، إذ لم يذكر في خلق يحي (({يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} مريم 7-8))  وخلق إسحاق (({قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عجيبٌ} هود 72)) ، وكلاهما خلق بفضل من الله ومشيئته، والتي تجاوزت بعض القوانين الطبيعية التي وضعها سبحانه وتعالى.

          ولو نظرنا في آيات القرآن الأخرى التي ذكرت إعجاز خلقهما، نجد أنهما تشابها أيضًا في ورود مصطلحي ” ونفخت فيه من روحي“ في خلق آدم، و ”فنفخنا فيها من روحنا ((الآية {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء، والآية {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} التحريم.)) “ في  خلق عيسى. هذا وجه تشابه يتعلق بمراحل الخلق، لم نجده عند أحد غيرهما وفق ما ورد في النصوص القرآنية.

وعيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية للعالمين، {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ}، إذ ولد من غير أب،  ويكلم الناس في المهد وكهلاً، {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران.

وآدم أبو البشر اصطفاه الله وجعله خليفة في الأرض، وعلمه البيان، وتفوق على الملائكة بمعرفة الأسماء، وسجد له الملائكة، وحُمَّل الأمانة وعُهد إليه، ومُنح الأرادة وحرية الإختيار، وأنيط به وبذريته مسؤولية إعمار الأرض.

إن القدرة على الكلام البين، هي ما ميز نوعنا على كل الأنواع الأخرى التي خلقها الله تعالى في الأرض، هي المعجزة الدائمة الباقية حتى تأتي الساعة. القدرة على الكلام البين تحمل معها بالضرورة العقل القادر على التفكير، والقادر على الإختيار. وهذه نعمة أنعم الله بها على آدم ومن بعده بنيه، وقد تكون قد حدثت بأمر إلهي كن فكان في نفس اللحظة، أو بارادة وأمر الهي، نتج عنه تطور المخلوق الذي بدء خلقه من التراب، حتى استوى وبلغ مبلغه ليصبح انسانا عاقلا وناطقا.

كلاهما خلق من تراب، وكلاهما منح قدرات لم تكن لتكون لديه لولا فضل الله ونعمته. ان قدرات عيسى وقتية وتخصه هو ومن شهدها من الناس ومن صدق بها، بينما القدرات التي تلقاها آدم دائمة باقية، وانتقلت الى ذريته، وعمت بالخير على الجنس البشري وتظل فائدتها حتى تقوم الساعة. قد يقول قائل أن كل الناس يتمتعون بهذه القدرات وعليه فليست معجزة، إلا أن آدم كان أول من نطق وتعلم البيان، وكان هذا من اكتمال صورة وتركيب الفك والحلق بالصورة التي تمكنه من النطق المبين، ثم كان أول من تعلم الأسماء. قد يكون هذا قد حدث من جراء تطور النوع البطيء أو بطفرة، ويبين لنا القرآن أن هذا التكوين تم بمشيئة الله وأرادته وأمره. وعليه فان أثر معجزة تكوين آدم عندنا، أي لنا نحن البشر، هي في وجودنا كبشر عاقل قادر على إعمار الأرض وقادر على تلقي الرسالة.

المهم في الآية أن الخلق حدث قبل القول له كن، أي أن القول أدى الى حدوث شيء غير الخلق، والذي كان قد تم إما فعلاً أو تقديرًا، وفي الآية {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (35) مريم، والآية {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (47) آل عمران. تدل الآيتان على قدرة الله أن يخلق عيسى بالقول والمشيئة، بينما الآية التي نحن بصددها فصَّلت هذا الخلق، أن الخلق حدث أولاً من التراب، ثم تلى الخلق من التراب الأمر الإلهي. وقضى أمرًا أي قرره وقدره وأحكمه وفرغ منه، وعليه فان خلق عيسى من غير أب حدث قبل الأمر الإلهي كن، والأرجح أن التعبير القرآني (فنفخنا فيها من روحنا) هو ما أدى الى الخلق من غير أب.

أما بالنسبة الى آدم، وفي ضوء الآيات الأخرى التي درسناها، نجد أن لدينا إحتمالين، الأول أن آدم خلق مباشرة من الطين، من غير أب ولا أم، مماثلاً ومساويًا للنوع الإنساني الذي تطور من الخلية الأولى، وخلق أيضًا بنفس التعبير القرآني في قوله (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي). ثم منح قدرات أعلى من تلك التي كانت عند الإنسان الذي تطور، نتجت عن تعديل خلق الفك والحلق. {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك فسواك فعدلك * فى أى صورة ما شاء ركّبك} الانفطار:6-8. والإحتمال الثاني أن الله تعالى قد اصطفاه من النوع الإنساني عندما بلغ هذا الجنس مرحلة معينة من التطور، أي أن يكون الجنس الإنساني قد تطور وفقًا لنظم التطور الطبيعي، حتى وصل الى درجة من النماء العقلي وتكوين الجمجة والفكين والحنجرة، بما يمكنه من التفكير والنطق، فاصطفاه الله وعلمه البيان وجعله خليفة في الأرض وكرمه وفضله. وفي الحالتين، كان آدم أول النوع الإنساني الجديد، والذي تفوق على الأنواع الأخرى، فاندثرت وبقى هذا النوع الذي نحن جميعًا من ذريته. والأرجح هو الإحتمال الثاني بناء على الآيات الأخرى التي ننظر فيها.

          عيسى خلق من أم دون الحاجة الى أب، بينما آدم خلق وفق الرواية الشائعة من غير أب ومن غير أم، وهذا ليس تشابهُا لأن عيسى خلق من وفي رحم امرأة، وولد طفلاً ونشأ حتى كبر وبلغ أشده، بينما آدم وفق الرواية الشائعة كان طينًا وتحول الطين الى رجل مباشرة، ثم خلقت منه زوجته. وقد نجد أن أقرب تشبيه لعيسى هي زوجة آدم، التي خلقت من رجل دون الحاجة الى أمرأة. أيضًا نجد أن خلق انسان من بويضة امرأة ممكنًا وفق قواعد الاستنساخ في عصرنا الحديث، إذ يمكن تخصيب البويضة بخلية من الأم نفسها، دون الحاجة الى رجل. أما خلق رجلاً سويًا من الطين مباشرة فهذا خارج حدود حتى التخيلات العلمية، أي أنه معجزة من وجهة نظر العلم، يجعل وجود الإنسان غير ممكنا عقله. وحيث أن الآية الكريمة لم يرد فيها أن كلاهما خلق من غير أب، فليس لنا أن نقَّول ألفاظ الآية بما لم تقله. لو أخذنا بأسباب النزول فسوف يتضح لنا لماذا أتجه المفسرون الأوائل لهذا التفسير، إلا أن الآيات القرآنية يجب أن تفسر أيضًا بما تدل عليه لأنها موجهة الى كل الناس في كل الأزمان، وتجيب على ادعاء اتباع المسيح كلها، سواء كانت الخلق من غير أب، أو قدراته التي أودعها الله تعالى فيه، كإحياء الموتى، وشفاء المرضى، والخلق من الطين كهيئة الطير، وغيرهم. لأننا لو حصرنا الآية بمعنى أنه خلق من غير أب، فسيقولون من من الناس يقدر على ما يقدر عليه عيسى عليه السلام، فجاءت الآية بالأمر الإلهي كن، لتبين أن الله منحه هذه القدرات بمشيئته وإذنه، وأن هذه القدرات عند الله يسيرة وبسيطة، كما جعل آدم ناطقًا ومفكرًا ومكرمًا وخليفة. أما لنا نحن البشر، فلولا معجزة آدم لما كنا لنقدر أن نعي الرسالات، بما فيها رسالة ومعجزات عيسى.

          خلق عيسى كان معجزة في عصره وسيظل كذلك حتى تقوم الساعة، واكتمال خلق آدم كان معجزة في زمانه وسيظل كذلك حتى تقوم الساعة، وخلقهما لم يكن المعجزة الوحيدة التى مُنحت لهما، وانما الإعجاز يتبين في القدرات التي منحا إياها، جعل عيسى آية للناس فكان يحي الموتي ويخلق من الطين طيرًا بإذن الله، وجعل آدم خليفة في الأرض وتعلم البيان وسجدت له الملائكة. وكانا وحدهما اللذان جاء فيهما ذكر النفخ من روح الله، ووحدهما من البشر اللذان جاء فيهما ذكر الأمر الإلهي كن.

          خلق عيسى بمعجزة وكان الناس قد خلقوا من قبله، ويصح أن آدم خلق بمعجزة إلهية من الطين مباشرة، أو خلق بمعجزة تمام خلق الإنسان من التراب ثم اصطفيَّ من الناس الذين كانوا في زمانه ومنح القدرة على البيان.

 

<< previous page next page >>

الباب الثالث – الفصل الأول

خلق الحياة

نظريات خلق الحياة في العلم الحديث

 قبل النظر في موضوع الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني ((نجوم الجيل الأول هي النجوم التي تكونت من تكاثف الغازات الأولية كالهيدروجين وانضغاطها بتأثير الجاذبية وارتفاع حرارتها حتى بدأ التفاعل النووي فيها، والذي استمر عدة بلايين من السنوات وتم خلاله تكوين العناصر الأثقل من الكربون حتى الحديد وما بعده، وعند انتهاء مخزون الطاقة النووية لهذه النجوم، انفجر بعضها – السوبرنوفا – وانتشرت هذه الذرات الثقيلة في الفضاء مختلطة بسحب الهيدروجين والغازات الخفيفة الأخرى، لتكون نجومًا جديدة ( هي نجوم الجيل الثاني ) والتي تميزت بهذه العناصر التي طردت خلال انضغاط الكتلة الغازية، مكونة الذراع الذي منه تكونت الكواكب التي تدور حول النجم الجديد، مثل الأرض.)) ، أثناء تكون هذا النجم منذ خمس بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد (( يتكون باطن الأرض من المواد الثقيلة كالحديد والنيكل، ويمتد حتى قطر 4000 ميل، أما طبقة الوسطى فقطرها 2000 ميل تقريبًا فتتكون من الأحجار السليكية الخفيفة الغنية بالحديد والمغنسيوم، ويبلغ سمك القشرة بين خمسة أميال إلى عشرين ميلا وهي طبقة من الأحجار الخفيفة.)) ، كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة. ويعتقد العلماء أن الجو في الحقبة الأولى تكون أساسًا من ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء، ومع وجود ثاني أكسيد الكربون الذي يمنع الحرارة من النفاذ الى الفضاء الخارجي، ولا بد أن الحرارة الجوية كانت أعلى مما هي عليه الآن، ومع مرور الزمن، أخذت درجات الحرارة في الإنخفاض تدريجيًا، فتكثفت أبخرة الماء وسقطت أمطار غزيرة على الأرض. 

 وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور – ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل – أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات ((هناك بعض العلماء االذين يعتقدون أن الفترة الزمنية التي توفرت منذ تكون الأرض حتى ظهور الحياة فيها قد لا تكون كافية حتى تنتج هذه التفاعلات الخلية الأولى، ويعتقدون أن بذرة الحياة تكونت في الفضاء الخارجي وهبطت الى الأرض مع الشهب حيث نمت وانتشرت.)) ، وأول صورة للحياة هي  Prokaryotes ، وهو كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام، وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة ((Synthesis of carbohydrate from carbon dioxide and water using energy from chemical reaction .))   Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis ((The process by which the chlorophyll- containing cells in green plants use lights as energy source to synthesize carbohydrates from carbon dioxide and water.))  . (نجد لها دليلا في أحفورة Fossil تعود الى منذ 3,4 بليون سنة تقريبًا  cyanobacteria    blue-green algae &). وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو، ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، حيث ظهر في الطبقات الجيولوجية التي تعود الى ما قبل هذه الحقبة حديد مأكسد. وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا. وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بخلق أو تطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

 

رأي بعض الباحثين المسلمين في نظرية أصل الأنواع لداروين

قدم الدكتور محمد دودح الباحث العلمي بالهيئـة العالميـة للإعجاز العلمي في القرآن والسنـة في رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة، بحثًا قيمًا بعنوان ” خلق الإنسان تقدير وقصد” . وقد رفض الدكتور نظرية داروين التي وردت في كتابه أصل الأنواع ورفض أيضًا نظريات أتباعه التي جاءت تحت أسم الداروينية الجديدة وخاصة فيما يتعلق بمبدأ الصدفة التي قالوا أنها تحكم النشوء والتطور، وقد بين زيفهما في أجزاء البحث، والذي يهمنا هنا هما الجزئين الخامس والسادس، وخاصة الجزء السادس الذي جمع فيه آراء الباحثين المسلمين، الذي قد يتبين منها عدم رفض بعضهم لفكرة التطور طالما كان هذا التطور من سنن الله تعالى في خلقه. ونعرض هذين الجزئين كما وردا في البحث فيما يلي:

(5) رأي الكنيسة:

اعتمادا على سفر التكوين geneses  رفضت الكنيسة الداروينية ليس لسبب تجاهل تدبير الله فحسب وإنما لمصادمة نصوص يستحيل حملها على التطور تدل على أن آدم هو اسم أول إنسان على الأرض وأنه خلق مباشرة من ترابها بلا أطوار تسبقه: “وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حيّة” تكوين 7, وأنه فقد ضلعا خُلقت منه امرأته مباشرة: “فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما وبني الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم” تكوين 21و22, ولذا اختارت الكنيسة رفض التطور بحزم وإلا شككت في صحة التدوين.

 (6) رأي الباحثين المسلمين:

رفض جُل الباحثين المسلمين الداروينية إجمالا باعتبارها أحد شباك الإلحاد كما يُرفض الطعام كله إذا خالطه سم, قال الدكتور أحمد أبو خطوة: “نحن كمسلمين لا نتفق إجمالا مع نظرية التطور إن لم تُدخل في اعتبارها القدرة والمشيئة الإلهية” (5), واكتفى البعض برفض الصدفة وتوقفوا في إمكان الأطوار المقدرة كتفسير للتنويع الهائل في أشكال الكائنات الحية على الأرض, فوافقوا نظريات حديثة تجعل التقدير أساسا للتطور إن صح كمقولة التطور الموجه بوعي Rational Directed Evolution وتجنبوا الخوض فيما لم يفصل فيه العلم بعد؛ فقد جاء في فتاوى الأزهر: “ورد أن اللّه خلق الإنسان نوعا مستقلا لا بطريق النشوء والاشتقاق من نوع آخر، وإن كان كلا الأمرين من الجائز العقلي الذي يدخل تحت قدرة اللّه تعالى، قال بعض العلماء: إنه لا يوجد فى النصوص أن الله خلق الإنسان الأول من تراب دفعة واحدة أو بتكوين متمهل على انفراد فسبيل ذلك التوقف وعدم الجزم بأحد الأمرين حتى يقوم الدليل القاطع عليه فنعتقده ما دام أن الذي فعل ذلك كله هو الله تعالى, ثم إن النواميس المذكورة فى مذهب داروين ظواهر واضحة في الكون ولا حرج في اعتقادها ما دام أن الله هو الذي خلقها ووجهها فهي لا تحقق وجودها من نفسها: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ} الأنعام 102، فهو خالق المادة والنواميس”(6), “(ولكن) قولهم إن المخلوقات خُلقت عشوائيا بغير تدبير سابق وعلم محكم يرده قول اللّه سبحانه {إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر 49″(7).

وقال الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم: “يقرر العلم الحديث أن الحياة ظهرت على هذه الأرض أول ما ظهرت على شواطئ المسطحات المائية حيث يتكون بجوارها الطين الذي نشأ منه.. النبات فالحيوان فالإنسان وأن هذا التطور في حالات الطين وأشكاله.. حدثت عبر ملايين السنين حتى أثمرت.. وكان أكمل وأكرم ثمره من ثمارها في النهاية هو الإنسان, والقرآن الكريم لم يبين لنا كيف تفرعت هذه الشجرة حتى كان الإنسان أحد فروعها ولكنه أشار في أكثر من آية إلى الصلة الوثيقة بين الإنسان وعالم الأحياء الناشئ من الماء الممزوج بالتراب, ففي قوله تعالى: “وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ” النور 45, وقوله سبحانه: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ” الأنبياء 30؛ دلالة قوية على أن الأحياء كلها ومنها الإنسان مخلوقة من مادة واحدة هي الماء”(8),

وقال سيد قطب: “شطر الآية.. “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ” الأنبياء 30؛.. يقرر.. حقيقة.. أن الماء هو مهد الحياة الأول.. وأقصى ما يُقال.. إن نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النص القرآني في هذه النقطة بالذات”(9).

وساق البعض نقولا عن علماء مسلمين تصرح بأن التدريج مع التنويع وتطور الأشكال ظاهرة واضحة في الكون ولا تُعارض أن الله تعالى هو المدبر وإنما تُبين كيف بدأ الخلق, فغاية الوجود معرفة الله وعبادته ولذا كانت الوجهة منذ خلق الكون والأرض هي إيجاد الإنسان صاحب الفكر ليقوم بالمهمة, والتطوير دليل على التقدير وإلا ما كانت الوجهة دائما نحو الأرقى, قال ابن خلدون: “أنظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج, آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف.., ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر”(10), وقال البروسوي: “يكون الإنسان في زمرة الجمادات وأول نعمة عليه أن الله تعالى كرمه فنقله من عالم الجماد إلى عالم النبات ثم عظم شأنه فنقله من عالم النبات إلى عالم الحيوان فجعله حساسا متحركا بالإرادة ثم نقله إلى عالم الإنسان فجعله ناطقا وهى نعمة أخرى أعظم مما سبق”(11), وفي تفسير الميزان: “العناية الإلهية تهدي أنواع النبات والحيوان إلى كمال خلقها وغاية وجودها”(12).

ولكن علماء الإسلام لم يستخدموا كلمة التطور Evolution على نحو ما تعنيه في الداروينية وإنما بمعنى الترقي المتدرج في التنويع بيانا لوحدانية الله تعالى وقدرته, فوحدة الخلق في الأصل والطبيعة دليل على وحدانيته وطيف التدرج الواسع في التنويع دليل على قدرته تعالى, قال جوهري: “سنة التطور والارتقاء .. تجري عليها الطبيعة في جميع أركانها من الذرة.. إلى النظام الشمسي”(13), و”سنة الكون الترقي من أسفل إلى أعلى”(14).. “لا يُخلق الأعلى إلا بعد خلق الأدنى فلم يُخلق الحيوان إلا بعد خلق النبات ولم يُخلق الإنسان إلا بعد خلق الحيوان”, ولكن “شعار الكون هو ذا: الوحدة في التفنن, فإن صعدت في سلم العوالم وجدت وحدة النظام والخلقة مع تفنن لا يعرف حده في تلك الأجرام الفلكية, وإن أجلت بنظرك في مراتب الحياة من (أدنى) الكائنات إلى أعلاها وجدت وحدة التناسب والتسلسل, كذلك القوى الطبيعية كلها صادرة بالتسلسل عن قوة أصلية واحدة”(15), وقد “خلق اللهُ العالم من مادة واحدة ليستدلوا على (وحدانيته) وقدرته”(16), وفي بيان الحكمة وراء خلق الجنين الإنساني في أطوار قال ابن عاشور: “التطور هو مقتضى الحكمة وهي من شؤون العلم وإبرازُه على أحكم وجه هو من أثر القدرة” , و”الأطوار دالة على حكمة الخالق وعلمه وقدرته فإن تطور الخلق.. والذاتُ واحدة.. دليل على تمكن الخالق من كيفيات الخلق والتبديل في الأطوار”(18), وقال سيد قطب: “ليس هناك ما يمنع من وجود أنواع من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة, ولكن هذا لا يحتم أن يكون بعضها متطوراً من بعض”(19).

وتجنب آخرون المأثور وسلكوا مسلك التأويل على وجه غير شائع في التفسير بغير جزم, فقالوا مثلا: الزواحف تمشي غالبا على بطنها كالتمساح لثقله وتمشي الطيور على رجلين والثدييات على أربع؛ فإذا كان هذا هو ترتيب خلق أنواع الحيوان قبل الإنسان فهو نفس الترتيب مع بيان وحدة الأصل في قوله تعالى: “وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ فَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَآءُ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” النور 45, ولم يقل القرآن بأن الطين أصل مباشر للإنسان بل جعله بداية فحسب: “الّذِيَ أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ” السجدة 7، ولم يعتمد القرآن رواية الضلع المفقود وإنما أفاد اصطفاء آدم كالأنبياء من بين أقوامهم وبقية الأجناس مما يحتمل أنه نبي جد رأس أمة: “إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” آل عمران 33, وفي قوله تعالى: “إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” آل عمران 59؛ قد يقال أن عيسى كآدم وكانت نشأته مباشرة فكذلك يجب أن تكون نشأة آدم من التراب مباشرة, ولكن لا توجد دلالة صريحة على خلق آدم فجأة وإنما المقام بيان للاقتدار فالمثلية في الاقتدار وظاهر المعنى أن الذي قدر على إيجاد آدم من تراب رغم الفرق الشاسع بينهما أهون عليه خلق عيسى نظيره بلا أب, وتقدير خلق آدم أطوارا يعمق الفرق ويبين القصد ويجلي الاقتدار, والقول بخلق الإنسان أطوارا يفيد أن خلقه هو المقصود على طول أطوار خلق العالم, ولذا يرجعه القرآن عند التفصيل إلى صلصال أو طين لازب, وفي قوله تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ” الحجر 26؛ الحمأ المسنون أشبه ما يكون بصخر ناري طحنته السنون وكلها أحوال مرت بها الأرض, وعندما يحدثك القرآن قائلا: “خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ” العلق 2؛ فلا يعني خلق الجنين مباشرة مما يماثل علق البرك وكذلك النوع, وقوله تعالى: “خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ” الأنبياء 37؛ يرجع الإنسان للحالة الأولى للكون حيث لم تكن مادة وإنما موجة أو اهتزازة تتردد في عجل كتعبير عن الشيء بلازمه, والمقام يتعلق بمادة خَلقه وطبيعته بعكس السائد أنه وصف لخُلُقه وطبعه نحو قوله تعالى: “وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً” الإسراء 11, ولكن الفيزياء نجحت بالفعل في إثبات توحد معظم القوى وتسعى جاهدة لإثبات توحدها جميعا في حالة سميت بالتوحد الكبير super unification أساسها قوة واحدة سميت بالقوة الكبرى Super Force قد نشأت منها كل القوى والمواد وتطورت أشكال الذرات والمجرات وأخيرا ظهر الإنسان, وفي قوله تعالى “مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً” نوح 13و14؛ قالوا: لا قيد يخصص الوصف بأطوار الجنين وظاهره مجموع النوع الإنساني منذ كان نباتا خاصة مع الاستطراد بعده بآيتين: “وَاللّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرْضِ نَبَاتاً” نوح 17, قال الجاعوني: “الكلام مسوق سوق الحقيقة من غير تشبيه واستعارة.. (و)استدلّ بها (الشيخ الوائلي) على أنها قد تشير إلى خلق الإنسان التدريجي من طور إلى آخر.. (وقال) هذه النظريّة أي تطوّر النبات إلى حيوان ثمّ إلى إنسان.. إذا قلنا.. عفوًا (أي ذاتيا صدفة؛ فهي) مرفوضة من أساسها.. (لأنه) لا شيء عفوًا بل بإرادة الله, (و)إذا قلنا.. (بتقدير) الخالق.. لا عفوًا فلا ضير من ذلك”(20), ومجمل القول أنه لو ظهر يوما ما بمعزل عن الداروينية دليل يرجح التطور بتقدير الله فالإسلام لا يصادم حقيقة مطلقًا أما اليوم فالدليل مفقود, والاستنصار لنشأة الإنسان خاصة من الحيوان بلا دليل علمي يؤيد تحوله ولا قرينة صارفة لظواهر المأثور سيظل كذلك ادعاء محل شك, ويسبق القرآن في بيان أول حالة للكون دليلا على الوحي وتأكيدا لخلق الإنسان بتقدير وقصد مهما كانت الكيفيات كحلقة متميزة من جملة حلقات موجهة بوعي منذ البدء؛ وذلك وفي قوله تعالى: “خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ” الأنبياء 37.

المراجع / الهامش:

5.         د. أحمد نبيل أبو خطوة العدد الخامس من مجلة الإعجاز العلمي.

6.         فتاوى الأزهر ج7ص399.

7.         فتاوى الأزهر ج7ص412, مجلة الأزهر ج2ص749, مجلة الهداية البحرين عدد مارس 1993.

8.         القرآن وإعجازه العلمي – الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم ج 1ص97.

9.         في ظلال القرآن لسيد قطب المتوفى سنة 1386 هـ ج5ص155.

10.       مقدمة ابن خلدون ج1ص40.

11.       تفسير حقي البروسوي المتوفى سنة 1137 هـ ج13ص71.

12.       تفسير الميزان للطباطبائي المتوفى سنة 1402 هـ ج9ص293.

13.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج7ص140.

14.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج2ص48.

15.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج2ص180.

16.       تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري ج1ص146.

17.       تفسير الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ ج11ص101.

18.       تفسير الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ ج15ص337.

19.       في ظلال القرآن لسيد قطب المتوفى سنة 1386 هـ ج3ص195.

20.       النشوء والارتقاء ورؤية القرآن للخلق – تاج الدين محمود الجاعوني.

(*) خديعة التطور – عدنان أوكطار (هارون يحيى, جاويد يالجن)””” >> أنتهى

 

مما جاء في البحث المذكور، يتبين أن الرفض كان رفض إرجاع كلاً من النشأة الأولى وديناميكية التطور الى مبدأ الصدفة، وقبول فكرتي النشأة الأولى والتطور إذا كانتا بمشيئة وقدرة وتقدير الله سبحانه وتعالى. والتقدير هو التحديد المسبق لما سيؤول إليه الشيء المخلوق، ولا يمكن الجزم أن التقدير الألهي كان عند خلق الخلية الحية الأولى، إذ أن الأولى والأكمل أن يكون التقدير لحظة خلق الكون نفسه أو ما قبل ذلك، لأن لحظة خلق الكون تخرج عن مجال وقدرة علوم البشر المعاصرة والمستقبلية، بحيث يبدو الخلق ومراحل تطوره بعد هذه اللحظة كله معقولاً، سواء نظرنا إليه نظرة المؤمن بقدرة الله، أو المعتقد بمبدأ الصدفة، فيتحقق بذلك مبدأ عدالة الإختيار، في عالمنا الذي أبلغنا الدين أنه عالم إختبار، والذي يتبين من قوله تعالى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا … } (الملك 2)، وفي قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا…}.

 

علوم الإنسان في عصر فجر الإسلام:

 عرف القدماء ان جسد الإنسان يجف ويتحلل عندما يموت، ثم يصبح في نهاية الأمر ترابًا، واستنبطوا من هذا أنه مكونٌ من ماء وتراب، مثله مثل كل المخلوقات الحية الأخرى ((ولأنه يتحلل من خلال عملية لها رائحة غير طيبة فقد يكونوا قد اعتقدوا أنه مكون من طين منتن وماء آسن.)) ، أما كيف تحول هذا الطين الى مخلوقات فكان عليهم أن يوجدوا نظرية تفسر هذه العملية. كانوا يصنعون من الطين أواني وتماثيل، وكانت بعض هذه التماثيل تشبه المخلوقات إلا أنها جماد لا حياة فيها، فكان من التفسيرات التي توصلوا اليها أن الله عمل من هذا الطين تماثيل، ثم نفخ فيها روحًا فدبت فيها الحياة، ثم خلق لها أزواجا فتزاوجت وأنجبت وهكذا حتى امتلأت الأرض. ولا بد أنه كان هناك فروعا كثيرة تنبع من نفس الفكرة، منها أن الله خلق ناس وحيوانات كثيرة من أول الأمر، ومنها أنه خلق رجل وامرأة فأنجبا ثم تكاثرت ذريتهما. وكانوا بالطبع يعرفون أن الإنجاب يكون من مني الرجل يقذف في رحم المرأة ليصبح جنينًا ثم يولد طفلاً، وقد يفشل الحمل فيسقط الجنين وهو في أحد مراحل تطوره، فتبين لهم من ذلك صور بعض مراحل نمو الجنين في الرحم.

 بالطبع هذه النظرية البسيطة – وكعادة النظريات حتى المعاصرة منها – أنها تدفع الى الأذهان بأسئلة أكثر بكثير مما تجيب عليه، ولكن لابد أنها كانت أفضل الموجود آنذاك تفسيرا وإقناعًا. 

ولا شك ان العرب في القرن الميلادي السادس، قد عرفوا بعض قصص الخلق التي تمخضت عن المعتقدات والأساطير التي كانت شائعة في مختلف الحضارات القديمة. وكان العرب قبل الإسلام يعبدون أصنامًا تقربهم الى الله، هم بمثابة ملائكة لها مكانة وشفاعة وسلطان ((ويجدر الذكر هنا أن بعض العرب قبل الإسلام كانوا يعرفون الله ولا ينكرونه، ولكنهم جعلوا له شركاء، وهذا ما جاء الإسلام لتصحيحه.)) . ونظرًا لتوطن اليهود في المدينة وهي قريبة من مكة، ونظرًا لوجود قلة مسيحية في الجزيرة العربية، فان طبيعة الفضول عند الإنسان تستدعي ان نفترض ان أهل مكة وأهل المدينة قد عرفوا ولو بصورة عامة وتقريبية قصة الخلق التوراتية المذكورة في سفر التكوين، والتي لخصت موضوع كيفية الخلق في أن الرب خلق السماوات والأرض والناس والحيوانات والطيور والأسماك والنباتات وكل شيء في ستة أيام، أي ان الرب خلق الحياة بكل أنواعها في عدة أيام، وكان خلق كل نوع دفعة واحدة بجنسيه المذكر والمؤنث، والتي ورد فيها أيضًا قصة خلق آدم، وخلق زوجته من ضلعه، ثم خروجهما من الجنة.

ومن المتوقع مع بزوغ الدين الجديد، أن يتناول هذا الدين موضوع خلق الحياة بصورة عامة، وخلق الإنسان بصورة خاصة، وحيث أن الإسلام أعلن أنه امتدادًا للأديان التي سبقته، خاصة اليهودية والمسيحية، وأنه تصحيحًا لما شابها من تحريف وإضافة ونقصان، كان لا بد أن يتشابه بعض السرد القرآني مع ما سبقه في التوراة والأنجيل، وأن يختلف عنهما فيما سوف نعتبره تصحيحًا للمعلومات التي شابها التحريف خلال القرون السابقة له.

سنبحث في هذا الفصل موضوع خلق الإنسان، وهو أحد الموضوعات التي تناولتها  بعض الكتب المعاصرة تحت باب الإعجاز العلمي للقرآن، وقد ساهم فيه الكثير من فقهاء وعلماء الأمة، وقدموا أبحاثا قيَّمة في هذا المجال، وما هذا البحث، إلا إضافة متواضعة وخطوة صغيرة ضمن المسيرة الطويلة المستمرة والمتجددة، وما التوفيق إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

ومنهجنا في البحث أن ألآيات المتعلقة بموضوع ما، يجب أن تدرس كلها، ولا يصح إنتقاء آية بمعزل عن الأيات الأخرى، لأنها تؤدي المعنى التوفيقي المطلوب، هذا ليس هدفنا ولا يصح، بل هدفنا أن نعي الرسالة السماوية كما جاءتنا، ونفهم معانيها دون أن نسمح لمعلوماتنا المُسبقة بالتأثير عليها، ولا ننكر صعوبة هذا الأمر، ولا يعني هذا أننا لن نستفيد من علومنا ومعارفنا الحديثة، فهذه أيضًا من أسس البحث، وأنما ستكون معاني ألفاظ وجمل النص هي العامل الوحيد المطلق في تحديد دلالة الآيات، فأن توافق المدلول مع معارفنا، فالحمد لله، وان تعارض، أشرنا الى ذلك، وأعدنا النظر في علومنا.

أما عن بيان ما هو إعجاز النص،  فان النص إذا أتى بإشارة الى حقيقة معروفة في عصر نزوله فهذا ليس إعجازًا، بل هو وصفًا لمعلوم أو لمشاهد، وتذكرة للناس بما أنعمه الله عليهم. بالطبع كل ما في هذا الكون آيات معجزة، من ورقة الشجر الى الفراشة، من الدواب الى الشجر والنجوم، من الجبال والسماء الى الرياح والمطر، هذه كلها معجزات سواء نظرنا إليها نظرة العالِم المتفحص أو نظرة المؤمن الخاشع، ولكنها معجزات الخالق وليست من معجزات القرآن وهي كثيرة، فالمعجزة القرآنية هي أن يتضمن النص معلومات لم تكن معروفة زمن نزوله، وان لا تتعارض دلالات النص مع العلوم الصحيحة في أي عصر.

والسرد القرآني؛ وان كان موافقًا في دلالته الى حد كبير لما دل عليه الفكر الشائع آنذاك، إلا أنه لم يتبع النظريات المعاصرة لزمن نزوله في تفاصيلها، وأثار قضايا ربما لم تكن لتخطر على بال هؤلاء الناس، وأهمها قضية مرحلية الخلق والتطور والبعد الزمني لهذه العمليات. أتصور إن القدماء وان شاب نظريتهم المبسطة كثيرا من الفجوات والتساؤلات، إلا أنهم لم يكونوا ليستطيعوا أن يتخيلوا أن الخلق له بدء وأطوار حتى وصل الى ما هو عليه، بل ان الناس حتى عهد قريب لا يتجاوز مائة وخمسون سنة قبل اليوم، كانوا يقدرون عمر الإنسان على الأرض ببضعة آلاف من السنين، ولم يكن لديهم سبب حتى يتطرقوا الى فكرة ان التركيب الجسماني الإنساني ربما يكون قد تطور، فالتطور الجسماني الوحيد الذي عرفوه كان النمو الجسدي سواء كان في الرحم أو خارجه.

ولو نظرنا الى النصوص القرآنية المتعلقة بهذا الموضوع، يمكن إيجازها في أنها تشير الى أن الله تعالى خلق كل دابة من ماء، وبدء خلق الإنسان من طين، ومن سلالة من طين، ومن طين لازب، وخلق البشر من تراب، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار. وأنه تعالى خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة، ثم خلق النطفة علقة، فخلق العلقة مضغة، فخلق المضغة عظاما، فكسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلق آخر، ثم بعد ذلك يميته، ثم يبعثه يوم القيامة.

وورد أن الله تعالى خلق آدم وكرمه وعلمه واصطفاه وفضله على العالمين، وأنه خلق الناس كلهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.

وأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة فمستقر ومستودع، وما خلقنا وما بعثنا إلا كنفس واحدة. وأنه تعالى خلق الأزواج كلها. ووأنه تعالى خلق من كل شيء زوجين. 

وأنه تعالى أنشأنا ((أنشأ دارا : بدأ بناءها وكل من ابتدأ شيئا فقد أنشأه، والنشء أحداث وصغار الناس، وأنشأ الله الخلق أي ابتدأ خلقهم، وقوله تعالى: {هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} أي إبتدعها وبدء خلقها. ))  من الأرض، وأنبتنا من الإرض إنباتا (({ والله أنبتكم من الأرض نباتا } نوح 17. ذكر المفسرون ان نباتا مصدر على غير المصدر، والمعنى أنبتكم إنباتا.)) ، وأنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن فيه شيئا مذكورا. وأنه تعالى خلقنا أطوارا.

مما سردناه سابقًا نجد ان النصوص القرآنية، وان أخذت في اعتبارها المتعارف عليه عند البشر في تلك العهود الماضية، إلا أنها أضافت إليه معلومات في غاية الأهمية، يمكن القول أنها لم تكن لتخطر ببال البشر في هذه العصور بل وربما كانت خارج حدود مداركهم.

ومن الملاحظ أنه لم يرد في أي من النصوص القرآنية أي من الأساطير والخرافات التي كانت شائعة في هذه العصور، كما لم يرد فيها مثل ما ورد في النصوص التوراتية من أن كلا من الخلق الكوني وخلق الحياة بكل أنواعها تم في الأيام الستة الأولى، بل إن النصوص القرآنية تفصل بوضوح بين خلق الكون وخلق الحياة، وتفصل بين الأزمنة التي خلق فيها أو ظهر فيها كل نوع على حدة، سواء كان من أنواع الحياة الكربونية المعروفة لدينا أم تلك الغيبية منها كالملائكة والجن . ويشير النص القرآني الى أن خلق السماوات والأرض تم أولا في الفترة النسبية التي عبر عنها بالستة أيام، ثم خلق بعد ذلك الجن ثم خلق الإنسان، لا يوجد زمان لخلق الملائكة ولكن المؤكد أنهم وجدوا قبل البشر ومن الأرجح وفق السرد أن يكونوا قد خلقوا قبل الجن، ولكن خلق الملائكة والجن ليس من الموضوعات التي يجدر بنا أن نخوضها .

تشير النصوص القرآنية الى أن الله تعالى خلق كل دابة من ماء، وفي هذا توحيد لمكونات خلق كل الأنواع الحية التي تسكن كوكبنا، وبالرغم أن هذا قد يكون معلومًا آنذاك؛ إلا أنه يضع الإنسان في مكانه المتواضع في الكون، حيث ان القرآن اشار أيضًا الى ان كل المخلوقات أمم مثلنا ((عندما نشر داروين نظريته في كتاب أصل الأنواع، كان أشد ما أثار حفيظة الناس عليه أنه جعلهم من سلالة الحيوانات وأن أصلهم من القردة، وهذه مرحلة من المراحل، والبدء كان من مخاليط من الماء الآسن والتراب، وهذا يتفق الجميع فيه، أما أن يعود أصل الإنسان الى القردة فهذا لم يثبت، بل الأرجح أن يعود أصل الإنسان الى ما قبل ذلك، وان الفرع الإنساني لم يأت من فرع القرود.)) ، وأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم علمه البيان وأكرمه، وأنه لولا أنه علمه البيان وأكرمه لظل أبد الدهر شيئًا غير مذكورًا. ويجدر الإشارة هنا أن النص القرآني لم يشر في أي مكان الى أن الله خلق الأنسان على صورة الله ذاته، بل يؤكد غير هذا، حيث ان الله ليس مثله شيء، وتشير النصوص الى أن “بدء” خلق الإنسان كان من طين، والأهمية هنا في لفظ “بدء”، وهذا دلالة على مرحلية الخلق وأن له بدأ ومرحلية واكتمال، وان بدء الخلق لم يكن بالإرادة الإلهية الفورية “كن فيكون” (({ ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } آل عمران:59  “كن فيكون” في خلق آدم وعيسى لم تعبر عن خلق فوري من العدم، بل دلت على أنه في هاتين الحالتين خلقهما الله من تراب، أي أن الخلق بمعنى تقدير ما منه وجود الشيء وربما وجوده تم قبل أمر الله كن فيكون، لأن ثم تشترط إنقطاع ما قبلها قبل بدء ما بعدها،  وهذا ما سنتناوله بالتفصيل فيما بعد. )) ، أي انه قد يكون خاضعاً لقاعدة الأسباب ومعقولاً. والبدء قد تدل على طول المرحلة التالية حتى وصول الإنسان الى صورته التي هو عليها.

وأشارت النصوص أنه سبحانه خلق الإنسان من “سلالة” من طين، وهذا قد يدل – إذا أخذنا معنى سلالة أنه إنحدار قوم أو نوع من أصل واحد مشترك- ان الإنسان لم يظهر من الطين دفعة واحدة، أو من خلال عملية واحدة، وإنما عبر سلالة هو آخر حلقاتها. بل وليس في أي من النصوص القرآنية على كثرتها؛ ما يشير الى أن الله خلق أول إنسان من الطين في عملية واحدة وفي نفس الوقت، بل أنها تؤكد ان هذا الخلق كان له ابتداء ثم امتداد خلال فترة زمنية، وليس في النص ما يحدد طول هذه الفترة، وليس فيه ما يمنع أن تكون فترة طويلة من الزمن.

وورد أيضًا أنه سبحانه خلق الإنسان من حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار. وأنه بعد أن خلق الإنسان من سلالة من طين، أنشأه خلق آخر، أي ان الخلق لم يصل الى صورته الحالية الا بعد أن أنشأه الله خلق آخر.

ويجب التنويه هنا أنه أصبح من الملاحظ علميًا، ان الفترات الأولى لنمو الجنين في الرحم، قد تتبع الى حد ما، ما يعتقده علماء التطور، المراحل التي مرت بها الكائنات خلال تطورها من الخلية الأولى حتى وصولها الى الدرجات الراقية التي وصلت اليها، وينطبق هذا على أجنة الحيوانات الأخرى، إذ تتشابه بعض الأجنة في مراحل تطورها الأولى ثم تبدأ في الإختلاف بعد ذلك طبقًا لنوعها. ولهذا نجد أن التفسيرات القرآنية المرحلية السابقة قد وجدت في تطور الأجنة المعاني الصحيحة للآيات القرآنية المتعلقة بالخلق في الرحم، والتي قد تدلنا أيضًا على الخلق التطوري.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – يقينية تفسير النص

{أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها} سورة محمد 24


          إذا أخذنا بمعاني النصوص الدينية المتعلقة بالكونيات والخلق، التي ذهب اليها السلف بناء على علومهم ومعارفهم، فسوف نجد تعارضًا في بعض هذه المعاني مع ما توصلت اليه المعارف العلمية الحديثة. ويمكن حصر موضوعات هذا التعارض، في موضوعين أساسين، هما الخلق الكوني، وخلق الإنسان، ولهذا فعلينا  إعادة النظر في هذه النصوص، لنرى حقيقة توافق أو تعارض هذه النصوص ذاتها – وليس تفسيرها التراثي – مع علومنا المعاصرة.

           وكما جاء في مقدمة الكتاب، قد يتخلف التفسير في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف، كما هو حاصل في عصرنا هذا، حيث أن التفسير يتطلب الألمام بالكثير من العلوم الدينية والإنسانية وعلوم الطبيعة، ولا يستطيع أنسان أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قد يتخلف التفسير الموضوعي، عندما تتولى أمور التفسير فئة ليس لديها القدر المطلوب من العلوم الحديثة، وقد ينحو البعض منهم الى إنكار بعض النظريات وتخطيئها، مثل ما حدث للمسيحية منذ عدة قرون، مما أدى الى تنازل الكنيسة عن المعنى المطلق لسفر التكوين وركونها الى رمزية النصوص، وبالرغم أننا نأخذ بمبدأ متطلبات الصيغة الرمزية ((ضرب الله تعالى الأمثال للناس في مواقع كثيرة في القرآن، مبينًا رمزية السرد خاصة فيما يتعلق بالغيبيات وغيرها لتقريب المعنى الى ذهن البشر بما يعقلونه. وفي قوله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ما يدل أن معناها الحقيقي يتجاوز المعنى المباشر الذي قد يفهمه عامة الناس. {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}47/3 وهي تبين أن الأمثال صيغت بما يتناسب مع فهم الناس. ولفظ مثل الذي ورد كثيرًا في القرآن يقصد به التشبيه والتصوير، والمجاز هو تجاوز المعنى المباشر للعبارة إلى معنى آخر يتعلق به تعلقًا ما. ))  لهذه النصوص، التي نفترض أنها لم يقصد منها الخطاب العلمي البحت، إلا أننا يجب أن نتبين أسباب أختيار الأسلوب الرمزي، والقواعد التي يجب أن تحكمه، فقد تكون من الأسباب إضفاء البعد الروحي؛ أو التيسير مراعاة للقدرات الفكرية الخاصة بالمتلقي لهذا الخطاب، أو غيرهما. إلا أن هناك قاعدة أساسية يجب أن نتوقعها من الأسلوب الرمزي، وهي أنه لا يجب أن يؤدي الإسلوب الرمزي إلى الإخلال بالخبر، الى درجة تؤدي الى مدلول يتناقض مع حقيقته.

 

التأويل والتفسير المرحلي:

           الآيات الكريمة التي أشارت الى خلق الكون وخلق الحياة، تدخل ضمن الآيات  المتشابهات، والتي وردت في الآيتين الكريمتين: {هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات * فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (7) آل عمران. والتأويل هو إما أعادة الشئ إلى أوله أو إلى ما سيؤول إليه، وقد يبدو من ظاهر هاتين الآيتين، أن هذه المعرفة القاطعة المطلقة إما أنها فوق قدرات فهم البشر ((قد لا تفيد هذه الآية بعجز البشر عن التأويل، وقد ذهب البعض من الأوائل إلى القراءة  بما يؤدي إلى أن الراسخون في العلم قادرون على تفسيره، وفي الحديث أن رسول الله صلعم دعا لإبن عباس فقال : (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)  وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. (مختصر تفسير ابن كثير 265/الجزء الأول) )) ، أو أن القرآن قد وضع بطريقة لا يمكن معها تأويله قبل أوانه.

 ويهمنا النظر ببعض التفصيل، في  موضوع الآيات المتشابهات، لأن له إتصال وثيق بموضوع هذه الدراسة.

 أختلف الفقهاء في تعريف المحكم والمتشابه، وفي رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها؛ ومنها كل ما يتعلق بالغيبيات وآيات الخلق الكوني والأمثال.

 جاء في تفسير الطبري:  ”وَأَمَّا قَوْله : { مُتَشَابِهَات } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مُتَشَابِهَات فِي التِّلَاوَة , مُخْتَلِفَات فِي الْمَعْنَى.“

 التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، هو ما يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، وقد يكون هذا التغير نتيجة طبيعية لتطور المعارف البشرية. وهذا التفسير قد لا يطبق إلا على آيات الكون المشاهد بما فيه من ظواهر طبيعية وأحياء، أما الإخبار بأمور الغيب، فهذه لا نعلم بها وقد تخرج عن قدرات العقل البشري في تأويلها، ولهذا فهذه لا تؤول وأنما يؤمن بها.

 جاء في تفسير القرطبي: ”اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “ هَلْ هُوَ اِبْتِدَاء كَلَام مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , أَوْ هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله فَتَكُون الْوَاو لِلْجَمْعِ . فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّهُ مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , وَأَنَّ الْكَلَام تَمَّ عِنْد قَوْله ” إِلَّا اللَّه “.“

 ”وَمَذْهَب أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْوَقْف التَّامّ فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا هُوَ عِنْد قَوْله تَعَالَى : ” وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه “ وَأَنَّ مَا بَعْده اِسْتِئْنَاف كَلَام آخَر , وَهُوَ قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ“ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأُبَيّ بْن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة . وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ نَسَق ”الرَّاسِخُونَ“ عَلَى مَا قَبْله وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ . وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَة فَقَالَ : مَعْنَاهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ آمَنَّا ; وَزَعَمَ أَنَّ مَوْضِع ”يَقُولُونَ“ نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَعَامَّة أَهْل اللُّغَة يُنْكِرُونَهُ وَيَسْتَبْعِدُونَهُ ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُضْمِر الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعًا , وَلَا تَذْكُر حَالًا إِلَّا مَعَ ظُهُور الْفِعْل ; فَإِذَا لَمْ يَظْهَر فِعْل فَلَا يَكُون حَال،“

 ”قُلْت : مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجَاهِد غَيْره فَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الرَّاسِخِينَ مَعْطُوف عَلَى اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْم الْمُتَشَابِه , وَأَنَّهُمْ مَعَ عِلْمهمْ بِهِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ;“

”وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَيْضًا بِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْم ; فَكَيْفَ يَمْدَحهُمْ وَهُمْ جُهَّال وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس: ( أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ) وَقَرَأَ مُجَاهِد هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ;“

 ” قُلْت : وَقَدْ رَدَّ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل فَقَالَ : وَتَقْدِير تَمَام الْكَلَام ” عِنْد اللَّه “ أَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه يَعْنِي تَأْوِيل الْمُتَشَابِهَات , وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَ بَعْضه قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا بِمَا نَصَبَ مِنْ الدَّلَائِل فِي الْمُحْكَم وَمَكَّنَ مِنْ رَدّه إِلَيْهِ . فَإِذَا عَلِمُوا تَأْوِيل بَعْضه وَلَمْ يَعْلَمُوا الْبَعْض قَالُوا آمَنَّا بِالْجَمِيعِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا , وَمَا لَمْ يُحَطْ بِهِ عِلْمنَا مِنْ الْخَفَايَا مِمَّا فِي شَرْعِهِ الصَّالِح فَعِلْمه عِنْد رَبّنَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : قَدْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّاسِخِينَ بَعْض تَفْسِيره حَتَّى قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا أَدْرِي مَا الْأَوَّاه وَلَا مَا غِسْلِين ) قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَدْ عَلِمَ بَعْد ذَلِكَ فَفَسَّرَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ . وَجَوَاب أَقْطَع مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانه لَمْ يَقُلْ وَكُلّ رَاسِخ فَيَجِب هَذَا فَإِذَا لَمْ يَعْلَمهُ أَحَد عَلِمَهُ الْآخَر . وَرَجَّحَ اِبْن فُورك أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيل وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ ; وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِ عَبَّاس : ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل ) مَا يُبَيِّن لَك ذَلِكَ , أَيْ عَلِّمْهُ مَعَانِي كِتَابك .

وَالْوَقْف عَلَى هَذَا يَكُون عِنْد قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “. قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن عُمَر : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ تَسْمِيَتهمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب . وَفِي أَيّ شَيْء هُوَ رُسُوخهمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَم الْجَمِيع .

لَكِنَّ الْمُتَشَابِه يَتَنَوَّع , فَمِنْهُ مَا لَا يُعْلَم الْبَتَّة كَأَمْرِ الرُّوح وَالسَّاعَة مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِغَيْبِهِ , وَهَذَا لَا يَتَعَاطَى عِلْمه أَحَد لَا اِبْن عَبَّاس وَلَا غَيْره . فَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاء الْحُذَّاق بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْم الْمُتَشَابِه فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْع , وَأَمَّا مَا يُمْكِن حَمْله عَلَى وُجُوه فِي اللُّغَة وَمَنَاحٍ فِي كَلَام الْعَرَب فَيُتَأَوَّل وَيُعْلَم تَأْوِيله الْمُسْتَقِيم , وَيُزَال مَا فِيهِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَتَعَلَّق مِنْ تَأْوِيل غَيْر مُسْتَقِيم ; كَقَوْلِهِ فِي عِيسَى : ” وَرُوح مِنْهُ “ [ النِّسَاء : 171] إِلَى غَيْر ذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى أَحَد رَاسِخًا إِلَّا أَنْ يَعْلَم مِنْ هَذَا النَّوْع كَثِيرًا بِحَسْب مَا قُدِّرَ لَهُ . “ أنتهى

             

       عليه، فقد ذهب بعض الفقهاء الى أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل، بينما ذهب البعض الآخر الى أنهم يعلمونه، وفي آخر فقرة من المنقول عن تفسير الطبري، بين أن بعضه يمكن علم تأويله، وبعضه الآخر -الذي يدخل في باب الغيبيات- لا يعلم تأويله.

 ويتضح من الآية أن الرسوخ في العلم هو الطريق الوحيد الى فهم معاني المتشابه الممكن تأويله، شرط أن يجتمع العلم مع الإيمان، لقوله تعالى{يقولون آمنا به كل من عند الله}. أما المحكم فقد جاء عنه ” أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب“.

 وفي قوله تعالي {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } (19) القيامة . ما يدلنا أن بيان معاني القرآن هو مرحلة تعقب قرءانه وقد تكون مستمرة.

 والذي يدل أن الله سيبين للناس آياته العلمية المتعلقة بالكون المشاهد وبأنفسهم قوله تعالى : {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت. يقول ابن كثير:  ”سَنُرِيهِمْ آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أَنْفُسهمْ“ أَيْ سَنُظْهِرُ لَهُمْ دَلَالَاتنَا وَحُجَجنَا عَلَى كَوْن الْقُرْآن حَقًّا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْد اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَائِل خَارِجِيَّة ” فِي الْآفَاق “ مِنْ الْفُتُوحَات وَظُهُور الْإِسْلَام عَلَى الْأَقَالِيم وَسَائِر الْأَدْيَان قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ وَدَلَائِل فِي أَنْفُسهمْ قَالُوا : وَقْعَة بَدْر وَفَتْح مَكَّة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ نَصَرَ اللَّه فِيهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحْبه وَخَذَلَ فِيهَا الْبَاطِل وَحِزْبه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ مَا الْإِنْسَان مُرَكَّب مِنْهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ مِنْ الْمَوَادّ وَالْأَخْلَاط وَالْهَيْئَات الْعَجِيبَة كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي عِلْم التَّشْرِيح الدَّالّ عَلَى حِكْمَة الصَّانِع تَبَارَكَ وَتَعَالَى.“ 

 وفي قوله تعالى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (93) النمل، ما يدل على قدرتنا معرفة هذه الآيات عندما يكشفها الله تعالى لنا.

 ولفظ الآيات المذكور في الآيتين السابقتين وغيرهما يراد به المعجزات، ومنها الآيات الكونية وآيات الخلق، وهذه معجزات تدل على الخالق المهيمن. بينما تعود الهاء في أنهُ في {..حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ .. } الى {..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} 41 فصلت. وهذا يدل على تطابق الآيات الكونية التي سنراها في الآفاق وفي أنفسنا مع الآيات المتعلقة بهذين الموضوعين في القرآن الكريم.

 ونلاحظ في هذه الآية الكريمة من سورة فصلت، أن رؤية الآيات تحدد في موقعين، في الآفاق وفي أنفسنا، أما الآفاق، وهي منتهى البصر وحدوده، أي أقصى ما يمكن أن نشاهده في السماء، فهذا كما اكتشف العلماء مؤخرًا، نرى فيها تاريخ الخلق الكوني، فنحن عندما ننظر في الآفاق، نرى الكون كيف كان منذ بلايين السنين، وهي الفترة التي استغرقها الضوء حتى يقطع هذه المسافات الكونية الهائلة، بل وأن كل فهمنا العلمي لمعجزة بدء الخلق الكوني وتاريخه، أستمده العلماء من خلال النظر الى هذا الأفق السماوي، باستخدام تلسكوبات منها الفضائية كهابل ودبليو ماب. أما المعجزة الثانية وهي خلق الحياة فهذه تبينها لنا دراسة الجسم الحي، والتي من خلال علوم التشريح والوراثة والخلايا وعلوم الحفريات والمتحجرات يتمكن العلماء من تكوين فهم لمعجزة خلق الحياة. هاتين هما معجزتي الكون المشاهد، واللتين يمكننا أن نراهما في كل الأزمان والعصور، أما معجزات ما هو خارج الكون المشاهد وما هو خارج الكون، فلم يرد ذكرهما لأنهما من الغيبيات.     

 أما قوله تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} الاسراء.. فيدلنا أن عقولنا لا تقدر على الخوض في أمور الغيب لأن علومنا يحدها مجال العالم المشاهد، أنظر قوله تعالى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}. وتمنع هذه الآيات البشر من الخوض في الأمور الغيبية رحمة بهم، بينما تدعو الآيات من سورتي فصلت والنمل والكثير غيرهما، الى التفكر في أمور الكون المشاهد كقوله تعالى {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) آل عمران. وقوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}(21) الذاريات.

          مما سبق نجد في آيتي سورة آل عمران وبناء على ما قال به السلف، أن الراسخين في العلم قد يعلمون تأويل الآيات المتشابهات المتعلقة بالعالم المشاهد، بينما نجد في قوله سبحانه وتعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علمٍ هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ….. } 7/53  وهذه الآيات لم تحدد المتشابهات، وإنما شملت الكتاب كله، وحددت ان تأويله يكون عند إنتهاء الزمان أو البعث، والمخاطب هنا هم المشركين والتأويل هنا كناية عن عاقبة الأمور وما ستؤول إليه وتحقق ما كانوا يوعدون به من حساب وجزاء.

 وقد يدل هذا أن التأويل المطلق أي تحقق كل ما في القرآن من معان سوف يكون في نهاية الزمان، عندما تؤول الأشياء إلى نهاياتها، بينما دلتنا الآيات في سورة   فصلت أن الله تعالى سيرينا الآيات في الآفاق وفي أنفسنا فنعرفها فيتبين لنا أن القرآن حق، ويكون هذا في حياتنا وقبل يوم البعث، وحيث أن هذه المعرفة أو الفهم للآيات ليس هو التأويل أي معرفة منتهى الحقيقة المطلقة، وحيث أن المتشابهات تدل على التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، أي يتقدم فهمنا لها مع تقدم ما نراه ونتعلمه في الأفاق وفي أنفسنا، وهذا يسمح باستنباط المعاني المرحلية التي تنبثق عن تفاعل النص الثابت مع المعارف الإنسانية في مراحل تقدمها، ليولد المعنى الذي نطمئن إليه لأننا لا نجد فيه تعارضًا مع معارفنا العلمية المرحلية التي نعتقد بصحتها. وقد ذهب السلف الصالح الى تفسير الآيات المتشابهات في الموضوعات التي نحن بصددها وفق معارفهم وعلومهم واطمأنوا إليها.

 نعلم أننا في هذا الأفتراض قد أضفنا أن النص لن يتعارض مع العلوم التي يتفق علماء عصر ما على صحتها، وان ثبت عدم صحتها في عصر لاحق، وهذا لم نستدل عليه من النصوص، وإنما مما وجدنا عليه تفسير السلف الذي وافق معارفهم واطمئنوا اليه، وما وجدناه في هذه النصوص من موافقة لعلومنا الحديثة والتي اختلفت جذريًا عما كانوا في السابق يعتقدون به. ولأن التأويل الصحيح المطلق لن يكون إلا في نهاية الزمان، وعليه ففهمنا سيكون مرحليا، وحيث أن هذا الفهم المرحلي سيوافق معارفنا، سيعلم الذين أرتابوا أن النص حق.

 وهذا الفرض الذي وضعناه هو فرض بشري يمكن أسقاطه إذا تبين خطأه، وحتى الآن فهو صحيحًا بالدلالات التي أوردناها، والتعميم الذي اتبعناه مستدلين بحالة واحدة صح فيها، ليس كافيُا لدعم الفرض، ولهذا نقول أنه قد يكون صحيحًا حتى يتم نقضه فنسقطه، إذ أن مرجعنا الأول هو دلالة النص.

 لقد وضع العلماء في هذا العصر شروطًا وقواعد تحدد صحة الإستدلال العلمي، يصعب معها اجتماعهم على صحة نظرية قد يثبت في المستقبل خطأها في كليتها، وانما يمكن تطويرها الى الأقرب ثم الأقرب من الحقيقة. ولهذا فإن أهم مرحلة كان يتعين على النص أن يتخطاها هي المرحلة التي خطتها المعارف البشرية من عصور المعرفة التي لم تقم على أسس علمية، الى عصر العلم الحديث الذي تتشكل وتتقدم فيه المعارف وفق أصول وقواعد هذا العلم. هذه هي المرحلة الأصعب، وقد إستطاع النص الثابت مواكبتها.

 ولهذا نفترض أن الآيات المتعلقة بموضوع العالم المشاهد أي الطبيعة وآيات خلق الإنسان؛ قد صيغت بحيث تتفاعل مع المعارف البشرية حتى يولد المعنى، وطالما أن المعارف بطبيعتها متطورة، فالتفاعل عملية مستمرة، والمعاني متطورة. وكما رأينا كيف أن النص لم يتعارض مع علوم السلف، والتي تبين عدم صحة بعضها، لهذا نتوقع أن النص ذاته لن يتعارض مع علومنا، التي نعتقد بصحتها المرحلية.

 وحيث أننا افترضنا تغير معنى النص الثابت، فلن يكون هذا تأويلا، وإنما هو فهمًا بما يتناسب مع مرحلية المعارف البشرية. وهذا لا يختلف عن النظريات العلمية المتطورة التي لا يدعي أي من العلماء أنها الحقيقة المطلقة أو التأويل المطلق لكتاب الطبيعة المشاهد والمحسوس.

           أن عجزنا عن التأويل المطلق للنص؛ يقابله عجزنا العلمي عن بلوغ الحقيقة المطلقة، أي أننا عندما نحاول المقارنة ، فاننا نقارن بين فهم تقريبي وعلم تقريبي، إلا أن ما ييسر الأمر علينا، أننا نبدأ ولدينا بعض المعنى الذي نعتقد أن النص يشير إليه، وقد يقول قائل أن المعنى طالما أنعكس عن مرآة المعرفة، لن يتعارض بالطبع معها، إلا أن هذا ليس باليسر الذي ينوه اليه هذ القول، فالنص ألفاظه ثابتة، ومدلولات الألفاظ متفق ومتعارف عليها منذ قديم الزمان، وتحكمنا في هذه العملية قواعد اللغة العربية والتقيد بالمعاني الثابتة لكلماتها، وكل هؤلاء؛ من نص وقواعد ومعاني الألفاظ ومباني الجمل؛ ثوابت لا نملك تعديلها أو تغييرها، وقد أعتمدنا على معاجم اللغة التي سطرت منذ ما يقرب من ألف سنة، وثبتت على ذلك، وأصحابها اعتمدوا على المعاني في اللغة المتداولة قبل وأثناء عصر النبوة، فان أدت هذه المعاني اللغوية الى ما لا يتعارض مع علومنا المعاصرة، فسيكون هذا إعجازًا.

          ويجدر القول هنا أن بعض فقهاء الأمة منذ عدة عقود، قد نظروا الى هذا الأمر من زاوية مختلفة، بعد أن تبين لهم أن العلم متطور، وأن نظرياته دومًا متغيرة ومتبدلة، تحل الواحدة محل الأخرى وتنسخها، فقالوا أنه ليس من الحكمة أن نوفق بين معاني النصوص القرآنية ونظريات علمية قد تندثر بعد حين.  وهذه وجهة نظر يؤخذ عليها أننا في هذا العصر، بالرغم من علمنا أن العلوم السابقة التي أخذ بها السلف في معرض تفسيرهم للآيات العلمية قد تغيرت وتبدلت، ومع ذلك بقيت تفاسير السلف لهذه الآيات تتداول بين الناس، فأين الحكمة في إبقاء ما نعلم أنه ليس صحيحًا، لأننا ننتظر أن يتوصل العلم الى الحقائق النهائية المطلقة.

 قد لا يوجد في العلوم الطبيعية نظريات ثابتة أو مكتملة، إذ أن النظريات حتى الصحيح منه، تظل تتقدم من صحيحة إلى أصح، ومن قريبة من الحقيقة إلى الأقرب، وقد لا تصل أبدًا الى الحقيقة ذاتها. ولا يدعي العلماء أن أي نظرية لديهم وإن ثبتت بالتجارب ووافق المشاهد في الطبيعة توقعاتها أو تنبؤاتها، أنها أصبحت مطلقة أو أن نتائجها حتمية، وإنما تعنى أن إحتمال حدوث النتيجة عند توفر الأسباب والظروف يصبح إحتمالا كبيرًا الى درجة عالية. ولهذا فان إنتظار توصل العلم الى الحقائق الثابتة المطلقة قد يطول، وخاصة أن من الموضوعات الأساسية التي تهمنا، خلق الكون وخلق الحياة، لن يمكن البت فيهما ربما لزمن طويل، وربما أبدًا.

 هناك فرقًا بين ما نعلمه ونحدده ونصفه من المشاهدة والنظر في الطبيعة Observation, identification, description،    وبين ما نستنتجه كتفسير للظاهرة Theoretical explanation of phenomena. بعد إجراء التجارب واستنباط المعادلات التي تحكم العلاقة بين الأسباب والنتائج وبعد مطابقة تنبؤاتها مع الواقع.

 إن الذي قد يتغير ويتبدل هو النظرية التي تفسر هذه الظواهر، والى حد ما المعادلات التي يمكن أن تستبدل بما هو أكثر منها دقة أي أقرب للحقيقة ولكن لا تخطئها، مثال ذلك استبدال قوانين الجاذبية لنيوتن بقوانين أينشتين. أما المشاهدات فهذه لا تتغير وإنما يمكن أن يضاف عليها كلما صنع العلماء أجهزة حسية أقوى أو أفضل، أو استطاعوا وضعها في الفضاء لتتمكن من نقل صورة أوضح وابعد.

           ولهذا فعندما تصف علومنا الكون أن به نجوم ومجرات وتجمعات، وأن عمره يقدر ببلايين السنين، وأن الحياة وجدت على الأرض منذ بلايين السنين، وأن الإنسان ظهر عليها منذ ملايين السنين، فهذه كلها مشاهدات وحقائق لا يصح أن ينكرها أحد.

          أما النظريات التي لها أسس علمية تجريبية سليمة، فقد يمكن أن نجد أكثر من نظرية تفسر نفس الظاهرة، حتى يتبين من مشاهدات ومعلومات جديدة، ترجيح واحدة على الأخرين.

 وهناك نظريات مثل تلك التي تبحث في نشأة الكون، تقوم على افتراضات ومعادلات رياضية ونماذج حسابية Computer models، ولدينا عدة نظريات متنافسة، أقدمها الكون المستقر الأبدي،  ثم النشأة المفردة أو التي تسمى الإنفجار الكبير، مرورًا بالأوتار الفائقة ونظرية (م)، ثم الكون المتذبذب  cyclic universe و kpyrotic scenario . وفيما عدا نظرية النشأة المفردة، فان بقية النظريات تهدف الى ايجاد الكون من شيء آخر سابق له، أي تتحاشى فكرة الخلق أو الوجود من لا شيء، أو تقول بأنه موجود منذ الأبد. وغالبًا تتفق كل هذه النظريات في الأحداث التي أعقبت نقطة النشأة وبعد تكون الذرات. وحاليًا تُرجح نظرية النشأة المفردة، فيما يتعلق بالأحداث التى أعقبت حالة ال Singularity، خاصة بعد نتائج المكوك WMAP التي اعلنت في 2006 .

           كل هذا تفاصيل ليس لها تأثير على موضوعنا، فان قالت هذه النظريات أن الكون نشأ من نشأة مفردة أو عبر سلسلة من الأكوان السابقة، فالمنطق العقلاني يرجح أن يكون هناك بدءًا لهذه الأكوان السابقة، كل ما تفعله هذه النظريات هو في إرجاع نقطة البدء الى زمان أسبق، ولكنها كلها تتفق أن هناك بدءًا لكوننا هذا وان كان هناك ما قبله ((ليس في النص ما يدل على أنه لم يكن هناك أي شيء قبل خلق العالم، بل وتدل الآيات عن وجود الماء والعرش، والكون المخلوق يستدعي بالضرورة أن هناك ما قبله وما حوله وما بعده، وكل هؤلاء من الغيبيات التي ليس لنا مصدر لمعرفتها إلا النص، نؤمن به كما نزل، ولا نبحث فيه.)) ، أما من قال أنه كذلك منذ الأبد، فليس هذا من العلم به، وانما افتراضًا لا يقوم على أي دليل من جهة، وهروبًا من البدء في الجهة الأخرى، وهذه نظرية هجرها أغلب العلماء منذ سبعينات القرن العشرين.

           فيما عدا المشاهدات التي يجب علينا اعتمادها على أنها صحيحة، يمكن الأخذ بالنظريات على أنها تفسيرات مرحلية لظواهر الكون، والذي يهمنا هنا أننا نقارن بين نظريات علمية تقريبية، وفهمًا مرحليا للنصوص المتعلقة بهذه الموضوعات، والتي وردت في الآيات المتشابهات، والتي نعلم أن تأويلها الصحيح لن يكون إلا في نهاية الزمان، ولهذا فمن الممكن تفسيرها مرحليًا، وكما أن التفسير السابق في المراحل السابقة أدى دوره وقبله الناس لأنه وافق معارفهم، يكون تفسيرعصرنا الحالي وفق علومنا مرحليًا ولا نقول أنه التفسير المطلق، وقد ياتي زمان في المستقبل، يجد فيه أهله تفسيرًا مرحليًا آخر يختلف عن الذي نراه، فلا يخطئون تفسيرنا وانما يقبلون أنه كان تفسيرًا مرحليًا وافق معارفنا.

 

وظيفة النص العلمي في الخطاب الديني:

           نتوقع من أي رسالة سماوية أن تحتوى على إجوبة مقنعة للأسئلة التي تدور في أذهان الناس، عن من أين جاء هذا الكون، وكيف خلقنا وما هو مصيرنا وهل هناك شيئا بعد الموت.

           ولو نظرنا في المعلومات المتعلقة بعالم الشهادة، أي العالم المشاهد، سترد هذه المعلومات في الرسالة السماوية بقصد تأكيد صدقها، أي كحجة وبرهان، ولهذا لا نتوقع أن يرد ذكر موضوع خلق الكون كمادة علمية مجردة، لأنه لو ورد كمادة علمية لما أدى دوره كحجة وبرهان لدى قوم يجهلون النظريات العلمية الصحيحة، ولهذا كان من الحكمة أن تصاغ المعلومات الصحيحة في صيغة تتناسب مع معارف المتلقي، فالحجة يجب أن تكون مقنعة حتى تقوم بالغاية المطلوبة منها. ولأن الحجة لا يراد منها أن تصبح قضية يُجادل فيها؛ توجب فيها ألا تتعارض مع المعارف الإنسانية في أي مرحلة من مراحل تطوره.  

           وقد بدأنا القول بما يؤدي الى أن الفهم البشري للنصوص في هذا العصر؛ قد يتعارض بعضه فعلا مع العلم المعاصر، وأن السبب في ذلك يعود الى تخلف التفسير عن مواكبة التطور العلمي، وأنه ما زال يعتمد في أكثره على تفاسير السلف؛ دون أن يتفاعل هذا النص مع المعارف الحديثة حتى يتولد الفهم المرحلي الجديد.

           وعليه، نجد أن النصوص الكونية ونصوص الخلق في القرآن، وردت على إنها حجة وبرهان لدعم جوهر الرسالة الروحي، وأنها ليست مقصودة في حد ذاتها أي بمعناها العلمي البحت، وليس الغرض منها تعليم الناس أو إحداث طفرة علمية لبشر ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها.

           من الصحيح ان الدين الإسلامي قد جاء بطفرة أو ثورة إجتماعية سياسية إقتصادية غيرت من أخلاق وتقاليد وعادات المجتمع العربي خاصة والبشر عامة، ولكن ليس صحيحًا أو مطلوبًا أن يأتي الدين الإسلامي أو غيره بثورة علمية. لقد جابهت الدعوة الإسلامية الجديدة معارضة عنيفة كادت أن تودي بها في المهد، وليس من المنطق السليم أن نتوقع منها إحداث ثورة علمية أيضًا. لقد كان الرسول صلعم محاطًا باليهود ينظرون في الآيات ويمحَّصونها ويحكمون بصحتها أو زيفها بناء على معتقداتهم التوراتية، وخاصة فيما يتعلق بالكونيات وقصة خلق البشر، وكان بعض العرب الذين يتلقون هذه الرسالة يرجعون إليهم ويعتبرون برأيهم ويحكمون بموجبه على مصداقيتها، والتي أعلنت عن نفسها أنها آخر الرسالات السماوية وإنها مصححة ومكملة وخاتمة لما سبقها. أضف إلى كل هذا أن مبلغ العلوم الكونية عند العرب والبشر عامة؛ كان لا يتعدى خليطًا من النصوص السابقة؛ ومن كون أرسطو وأفلاطون؛ وما تفتقت عنه الأساطير والمعتقدات القديمة، فلماذا تأتِ الرسالة بطفرة علمية تحدثها في قوم ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها. أو تتضمن برهان عليها يحتاج في حد ذاته إلى برهان.

           ذكرنا أنها ثورة في أكثر من مجال فلماذا قلنا أنها لا تكون علمية أيضًا.  إضافة الى أن هذا يخرج بالرسالة عن موضوعها الأساسي، سوف نجد أن العلم يختلف عن غيره من المعارف، ولا يستفاد منه إلا بالترقي فيه درجة درجة وجيلا بعد جيل، العلم لا يمكن إيجازه في كتاب، وإنما هو ثمرة محاولات وتقدم وتجارب ومشاهدات.

           يقول لسنج ( مجموعة مؤلفات لسنج عن تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور – هامش ص259- نقلاً عن كتاب في فلسفة ابن رشد – الدكتور محمد بيصار -ص95): ”لا ينحصر فضل الإنسان في إمتلاكه الحقيقة، وإنما فضله في الجهد الذي يبذله مخلصًا في السعي إليها . ولا تنمو ملكات الانسان بامتلاك الحقيقة، بل بالبحث عنها، وكماله المتزايد ينحصر في هذا وحده، بل إن إمتلاك الإنسان للشئ يميل به إلى الركود والكسل والغرور. ولو أن الله وضع الحقائق كلها في يمينه، ووضع في شماله شوقنا المستمر إليها وإن أخطئناها دائمًا؛ ثم خيَّرني، لسارعت إلى إختيار ما في شِماله “.

           ان الرسالات السماوية ليس من أغراضها إحداث طفرة علمية، وإنما الإرتقاء الروحي والتوجيه الأخلاقي، ولهذا تحرص على عدم خلخلة الفكر العلمي المعاصر لها، ولهذا جاءت كلها بحيث لا تتعارض مع المعتقدات العلمية آنذاك، ولأنها رسالة إلى كل البشر اللاحقين، والذين سوف تتطور معارفهم العلمية وتتغير، كان يجب على هذه الآيات إما:

(أ) أن تخاطب بشر المستقبل بما لا يتعارض مع معارفهم، أو

(ب) تعتمد على تقديرهم أن الجزء العلمي الذي تضمنته الرسالة، إنما كان وقتيا ليتناسب مع معارف ذلك العصر السابق، لتفادي إحداث زلزلة فكرية قد تضر بالتدرج التطوري للفكر الإنساني. وأنه متى إستـتبت الرسالة الدينية وقويت، فان عنصر الإيمان الغيبي سوف يتغلب على عدم توافق بعض هذه الآيات العلمية مع المعرفة الحديثة، وسوف يستطيع الإنسان المتأخر زمنيًا والمتقدم علميًا أن يعي مرحلية هذه الآيات ورمزيتها.

 ولا شك أن (ب) هو ما نراه حولنا الآن، فبالرغم من تنازل المسيحية عن المعنى المطلق لسفر التكوين، فالمسيحيون عامة مؤمنون بالدين المسيحي وبالوجود الألهي، ومقتنعون بفكرة القصد الرمزي لها. بينما إستطاع المسلم أن يمضى في طريقه دون التأثر كثيرًا بالمعركة التي دارت رحاها في أوروبا في القرون الأربعة الماضية .

 إلا أن ثراء النص الإسلامي والتفصيل الذي ورد فيه، وقدرته على التفاعل مع الفكر المعرفي في كافة عصور التطور البشري، لا يسمح لنا بالتقاعس واللجوء الى مقولة رمزية النص، إذ أنه الدين المصحح المتمم الخاتم.                        

 وقبل أن نترك هذا الفصل، يجب التنويه هنا أن البرهان الذي ذكرناه ليس هو البرهان التجريبي القاطع، وأنما هو البرهان الكلامي المقنع، الذي تطمئن إليه النفوس لأنه يوافق المعروف والمتعارف عليه. وقد سبق أن بينًا أن البرهان المطلق القاطع ليس متاحًا في هذه الحياة الدنيا.                        

 

حدود الخطاب الديني:

            أما وقد تبين لنا أن الغرض من سرد النصوص الكونية قد يكون الحجة والبرهان، مع تصحيح ما شاب نصوص الرسالات السابقة من جراء الإضافات التي قام البشر بوضعها عن حسن أو سوء نية، علينا أن ننظر الى وسيلة الخطاب الديني ومدى قدرتها على نقل المعلومات، ووسيلة الخطاب هي اللغة ((تحمل اللغة  دلالات و معان ورموز للتعبير عن عالم الأشياء و الظواهر.)) ، واللغة لا تصلح إلا بناء على معرفة سابقة، ليس بها فقط وإنما بالموضوع ذاته أو ما يماثله أو يشبهه، وقد تعجز اللغة في حالات كثيرة أو نضطر لتقريب المعنى الى درجة قد يفقد معها الكثير من واقعه، منها كيف نصف عوالم أخرى تختلف كلية عن عالمنا ولا يوجد لها مثل فيه.

          لا شك أن هناك حالات يستحيل فيها التعبير اللفظي، فاللغة لا تستطيع سوى التعبير الدقيق عن الموجودات التي يمكن معرفتها بالجوارح، وما يمكن الإشارة إليه أي الأسماء. فيما عدا ذلك فاللفظ المعبر عن أي شئ يعود الى التجربة السابقة ودرجة الفهم والقدرة على التخيل، وهذا ينطبق على كل ما هو ليس بمحسوس كالزمن والجاذبية والضمير والروح والغيبيات، وأغلبها نعرفها بآثارها وليس بذاتها، وعجزنا عن معرفة الذات الإلهية هو عجز مطلق، يبينه قوله تعالى {ليس كمثله شئ وهو السميع البصير} الشورى 11.

           نحن نصف الإشياء، والوصف هو استخدام محسوس أو مشاهد لتقريب شيء غيبي، ولكن ماذا عن محاولة وصف ما لم يره أو يحسه أحد منا قط (عدا الواصف طبعًا)، يشترط في الواصف أن يستدل بأشياء محسوسة ليدل على أشياء غيبية، فلو لم تتوفر الأشياء المحسوسة التي من خلالها يمكن وصف الشئ الغيبي، كان عليه الإستدلال بأقربها شبهًا، أو تركيب أجزاء من المتشابهات لوصف الكل الذي ليس له مثل، وفي هذا تنازلاً عن الدقة المطلقة رغبة في نقل المعلومات، أي أن الفرق بين الفكرة والتعبير اللغوي عنها قد يكون كبيرًا الى حد قد يصل إلى أن تتشوه معه صورة الفكرة الأصلية. 

           البلاغ الديني هو الخطاب الصادر عن الله تعالى إلى البشر في صورة الرسالة اللغوية الثابتة والدائمة ( القرآن الكريم)، وفي صورة السنة الوقتية المجسمة في مُبلّغ الرسالة وهو الرسول صلعم، وإقتصار الرسالة الدائمة على وسيلة التعبير اللغوي فقط يحصر إمكاناتها، في حدود قدرة هذه اللغة على البيان من خلال حجم مفرداتها وإرتباط هذه المفردات بالمعاني التي تدل عليها، واللغات بصورة عامة تتطور في حجم ودلالات مفرداتها، إلا أنها تظل محدودة بحدود الأفق المعرفي للمجتمع الذي يستخدمها، ولا يمكن أن تعبر اللغة في أي وقت عما لا يعرفه هذا المجتمع، أي لا يمكن أن يوجد لفظ في لغة يدل على شئ لا يعرفه الناس بعد، خيالا ((حتى الخيال يجب ان يكون مركبًا من محسوسات، فالملائكة قد نتخيلها كمخلوقات لها أجنحة وكلاهما معروف.))  كان أم حقيقة ، ولهذا فإن قدرة البلاغ اللغوي محدودة في إطاري قدرات اللغة ومعارف الأمة، وحيث أن المعرفة مستمرة في النمو والتطور، فإن على اللغة المعبرة عن هذه المعارف أن تستمر في النمو والتطور لمواكبة متطلبات النماء الفكري والعلمي (خاصة)، ولا شك أن التعبيرات اللغوية العلمية في القرن السابع كانت محدودة للغاية، وقد تعجز لغات العالم عن التعبير لمواكبة الطفرات العلمية المستوردة، ولهذا نشأت المصطلحات العلمية التي يُتفق بين العلماء على مدلولاتها.

           جاء القرآن برسالة إلى كل البشر في كل العصور، ولهذا لم يعتمد كغيره من الرسالات التي سبقته على المعجزات المباشرة، فالمعجزة لا يمكن إعادة إجراءها في كل عصر، ولو تم هذا لفقدت صفة المعجزة، واصبحت من الظواهر الكونية المتكررة ولوجدنا لها قانونًا يحكمها. والمعجزة رهن بصدق المشاهد وتصديق المتلقي لخبرها، وتفتح بابًا للمجادلة والإنكار، لا يمكن معه التحقق العلمي من صحتها، والعهود اللاحقة ليس لديها سوى الكتاب والسنة. التفاسير والكتابات البشرية التراثية تعاملت مع الكتاب في آيات الكون والخلق بفكر عصرها، ولا يفترض فيها ما يصح أن يفترض في القرآن، ولهذا يجب أن يكون الإعتماد الأول في الآيات العلمية على الكتاب، الذي بين أيدينا كما نزل من عند الله تعالى، وهو الرسالة السماوية الموجهة إلى عصرنا وإلى غيره من العصور البشرية.

 

حدود قدرات المتلقي:

           والرسالة لها أركانها، الـمُرسلُ والموضوع والوسيلة والـمرسل إليه، والمُرسل هو الله تعالى ذو العلم المطلق والقدرة المطلقة، والمرسل إليهم هم البشر ذوي القدرات المحدودة، والموضوع هو الهدى وتعليم الحكمة؛ والوسيلة هي اللغة المنطوقة أي الكلام، وتحددت اللغة بالعربية  (({إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} الزخرف 3 ، { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} الدخان58، { كتاب فصلت آياته قرءانًا عربيًا لقوم يعلمون} فصلت 3، { وكذلك أوحينا إليك قرءانًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها …} الشورى 6))  فكانت معاني الألفاظ طبقًا لدلالات الكلمات في هذه اللغة {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} يوسف2. ولهذا فعلينا أن نسلم أن الرسالة حتى تكون مفيدة يجب أن تصاغ في حدود قدرات من يتلقون الرسالة وفي حدود إمكانيات لغتهم. أي أن محدودية الرسالة منوطة بمحدودية المتلقي وقدرات لغته؛ ولا علاقة لها البتة بقدرات المُرسل طالما كانت أرقى من قدرات المتلقي في كل النواحي الفكرية وغيرها (( يقول السيد سعدون محسن ضمد تحت عنوان  حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني: ”وهنا تبرز إشكالية قصور آلة الإدراك الإنسانية ـ من جهة المتلقي، حيث أن هذه الآلية ستعمل على تقييد المعطيات المستوردة من جهة ما وراء الطبيعة لجهة الطبيعة، وعندها ستفقد تلك المعطيات الكثير من قيمتها باعتبارها منزلة من قوة فوق إنسانية، لأنها ستترجم بلغة أو بمفاهيم الإنسان، وحينها ستتحول إلى معطيات إنسانية، أو لا أقل، إلى معطيات نصف إنسانية، ولن تعود معطيات فوق إنسانية مئة بالمئة. فكيف يتسنى للإنسان أن يفهم المعطيات الغير طبيعية، وهو يعتمد على آلية المعالجة، التي تستند بدورها لجمة مفاهيم طبيعية، بعبارة أوضح، فعندما تعمل هذه الآلية على استيراد مفهوم ماوراء طبيعي، فإنها وخلال عملية فهمه، ستضطر لمعالجته (مقارنة، تشبيه، استنباط)، بالمفاهيم الطبيعية، وهكذا ستجري عملية قياس يكون نتيجتها مفهوم إنساني (طبيعي أو نصف طبيعي)..“)).

 

قضية التعارض:

           نسلم أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارضًا بين المعتقدات الصحيحة المنبثقة عن الفهم الصحيح للنصوص الدينية التي تتعلق بأي من الموضوعات العلمية كالكونيات والخلق والطبيعة، وتلك التي توصل إليها العقل البشري بطريق وسائل المشاهدة والإستدلال والإستنباط العلمي، فكلاهما يعود إلى نفس المصدر الإلهي، وكلاهما يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية، التي بالضرورة الدينية نشأت نتيجة الإرادة الإلهية، ولهذا فإتباعًا لأسس الفكر الديني نجد أن الطبيعة والنص الديني صادرين عن مصدر واحد، ولا يجوز أن يشوبهما أي تعارض. ويتم فهم الرسالة الدينية ورسالة الطبيعية من خلال العقل البشري، الأولى من خلال النصوص والثانية من خلال المشاهدة والإستنباط العلمي والتجربة، ولو فرض وجود تعارض فالتعارض سيكون بالضرورة نتيجة خطأ في الفهم لأي من الرسالتين. ويجب أن لا يغيب عن ذهننا أن فهمنا رهن بتطور وصحة معارفنا، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن معارفنا البشرية قد إكتملت، بل وفي هذا العقد من الزمان، يعرف الراسخون في العلم أننا بعيدون عن ذلك، أبعد مما كنا نعتقده عندما نعمت البشرية بالثقة المفرطة في عالم نيوتن ذو الزمان والمكان المطلقين .

           من المسلمات الدينية الغير قابلة للجدل، أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارض بين الدين والعلم. والدين من جانبه يدعو الإنسان إلى طلب العلم وتطويره، حيث أن العلم أداة هامة في عملية إعمار الأرض المنوط بها الإنسان، إضافة إلى أن العلم يؤدي إلى فهم أفضل لطبيعة الكون، ويمتلأ القرآن بالآيات المشيرة إلى أهمية العلم، ويخاطب العلماء خاصة لقدرتهم على الفهم الأفضل لعظمة الخلق بل ولإعجاز القرآن ذاته، إن دعوة القرآن الى الإهتمام بالعلم والحث عليه جلية واضحة لا تترك ذرة من شك في مضمونها.

           ولهذا فنحن نجد أن الدعوة القرآنية لتحصيل العلم وممارسته، وأسلوبها في الحث على المشاهدة والإستنباط دعوة متقدمة على وسائل الفكر العلمي آنذاك، الذي كان يقوم على المنطق العقلي وحده، والذي يعود إلى فلاسفة اليونان، قد لا نستطيع البت في أن أسلوب التجربة قد ورد في القرآن، إلا أنها نتيجة طبيعية للمشاهدة، فالتجربة هي في أبسط صورها محاولة تكرار الظاهرة التي تبينت من المشاهدة، وقد نجد في قصة النبي إبراهيم عليه السلام، التي وردت في القرآن الكريم، { وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم أدعهن يأتينك سعيًا واعلم إن الله عزيز حكيمٌ} 2/260، نوعًا من حث البشر على التساؤل والتيقن بالتجربة، فإن صحت في واحد من موضوعات المعتقدات الدينية الغيبية، فأولى بها أن تصح في علوم الطبيعة.

          وتعود قضية هذا الخلاف مع العلم الى القرن السادس عشر الميلادي، عندما اتخذت الكنيسة المسيحية موقفًا متشددًا من كوبرنيكس وجاليليو، لقولهما أن الأجسام السماوية لا تدور حول الأرض وإنما حول الشمس، وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه الأفكار تتعارض مع النصوص والمعتقدات الدينية، وحاربتها بضراوة إلا أنها إضطرت مكرهة الى التراجع والتنازل عن موقفها بعد إنتشار نظريات نيوتن وثبوتها بالتجارب والمشاهدات، وكانت نهاية الصراع لصالح العلماء عندما صدر كتاب أصل الأنواع لداروين في منتصف القرن التاسع عشر، واعتبرت الكنيسة أن التصوير الديني للأمور العلمية هو تصويرا رمزيًا ولا يجب أن يؤخذ كحقيقة علمية مجردة. وقد نتج عن هذا الموقف انفصال الفكر الديني عن الفكر العلمي، ومع توالي الإكتشافات العلمية وما قدمته للبشرية من مخترعات كثيرة، أتخذ العلم لنفسه مركزًا مرموقًا اتسم عند البعض بالغرور وأتاح لهم الفرصة لنقض الفكر الديني والتطاول عليه .

           قد لا يكون هذا الخلاف حقيقيًا، لأنه قد نتج إما عن فهم الكنيسة الخاطئ للنصوص الدينية، أو إعطاءها قدسية لنصوص ليست دينية من الأصل، إذ أن فكرة دوران الكواكب والشمس والقمر والنجوم حول الأرض ليست مستنبطة من النصوص المقدسة وإنما هي نتاج الفكر الفلسفي اليوناني، ولا يوجد نص ديني يقول بذلك، أما موضوع نظرية تطور المخلوقات فقد لا تتعارض أيضًا مع النصوص السماوية، أي أن الخلاف بين العلم والدين، ليس خلافًا بين العلم والنصوص الدينية؛ وإنما هو خلافًا بين العلم والفهم الخاطئ للنصوص الدينية. وسوف نبين في هذا البحث الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة .

           وبالرغم من أهمية هذه القضية، إلا أن الأديان كلها تتواري عن مجابهتها وجهًا لوجه بأسلوب يعتمد على العقل، والعقل هو العامل المشترك، العقل والفؤاد هما المخاطبين في الخطاب الديني، بينما العقل وحده هو المخاطب في الخطاب العلمي، وحتى يصح التحاور بين الدين والعلم، يجب القبول بالإلتزام في حدود الحوار العقلي فقط، أي عدم الخوض في الحوار الميتافيزيقي أو الثيولوجي.

 **************

يقينية العلم:

 يقول برتراند راسل : أن العلم يقرر أحكامًا على سبيل التقريب لا على سبيل اليقين .

 تقوم النظم الرياضية على إنسجام قضاياها فيما بينها بطريقة صورية، وقد لا تكون لها علاقة بالواقع، ومقياس اليقين هو مطابقة الفكر مع الواقع، ولا يقين إذا تطابق الفكر مع إفتراضاته.   

 ان المبدأ العلمي الذي يقول بوجود الإضطراد في الطبيعة، وينكر الأخذ بالصدفة في القوانين العلمية، يقبل بوجود الصدفة في أهم موضوعاته العلمية وهو وجود هذه القوانين ذاتها ووجود موضوع البحث العلمي وهو الكون الذي تعمل فيه القوانين العلمية .

 نحن بصورة عامة نفترض صدق وصحة كل ما هو علمي، ولكن أكثر النظريات العلمية ينحصر تطبيقها في مجالات محددة، ولا تدعي لنفسها أنها صحيحة في كل المجالات والأبعاد، وتفقد مصداقيتها متى خرجت عن هذه الحدود.  وقد تتعارض تصورات النظريات العلمية مع بعضها إذا خرجت عن حدودها، مثال ذلك، تصورات النظرية النسبية العامة لتأثير المادة على النسيج الكوني ولطبيعة قوة الجاذبية وكلاهما يعمل بصورة دقيقة في حدود العالم التلسكوبي؛ تختلف وتتعارض هذه التصورات مع تصورات نظرية الكم (الكوانتم) للقوى في العالم الميكروسكوبي والأصغر منه، ويتعارض مبدأ الحتمية الذي تدل عليه نظريات نيوتن ومن بعده أينشتين، بالقول بامكانية معرفة مستقبل أي جسم إذا عرفنا موقعه وسرعته الحالية واتجاهها والقوى الخارجية التي تؤثر عليه، مع مبدأ هيزنبرج في عدم إمكانية التيقن عند إجراء القياسات لموقع وعزم حركة الجسيمات الأولية مثل الإلكترونات وما مثلها، ويعجز العلم عند محاولة فهم طبيعة الزمن، وأسباب وجود القوانين والثوابت الفيزيائية على ما هي عليها، أضف الى هذا عشرات النظريات التي تقوم على افتراضات ونماذج ومعادلات رياضية يضعها العلماء، وتنشغل بها أكبر المعاهد والمؤسسات العلمية لعشرات السنوات ثم يهجرونها الى غيرها وغيرها.

          إن من الأهمية البالغة إزالة وهم رسخ في أذهان الناس وأصبح حقيقة لا تقبل الجدل، وهي الثقة المطلقة في العلم، التي أصبحت من المسلمات التي يعتقد بها الإنسان العادي، ولهذا فعلينا أولاً الفصل بين العلم النظري والعلم التطبيقي ، العلم التطبيقي – التكنولوجيا – هو الذي وفر لنا كل المخترعات التي ننعم بها، وأساسه العلم النظري، ولكن نجاح المخترعات لا يعنى بالضرورة صحة فهمنا المطلق أو شمولية النظرية التي تقوم عليها هذه المخترعات، فكل أجهزتنا الكهربائية مثلاً تقوم على معلوماتنا المتعلقة بالكهرباء، وأهم مكوناتها الإلكترون، وبالرغم من نجاح هذه الأجهزة من تليفزيونات وحاسبات إلكترونية وغيرهم، إلا أننا لا نستطيع حتى الآن معرفة كنه الإلكترون، هل هو جسيم أم موجة أم كليهما، فلو تعاملنا معه كموجة وجدناه يتصرف مثل الموجات، ولو تعاملنا معه كجسيم نجده يتصرف كجسيم، ونحن نعرف الإلكترون من آثاره وليس من ذاته، وبالرغم أن القوة الكهرومغناطيسية، هي المسئولة عن تنوع العناصر وفقًا لعدد الشحنات الموجبة (البروتونات) والسالبة (الإلكترونات) في هذه العناصر، وهي المسئولة أيضًا عن تنوع المواد المركبة وفقًا لطُرق تبادل الإلكترونات بين ذرات عناصرها، إلا أننا لا نستطيع مثلاً قياس موقع الإلكترون وحركته ( السرعة والإتجاه) في آن واحد (Heisenberg Uncertainty Principle) ، وإنما أفضل ما نستطيعه هو أن نتبع مبدأ تقدير أفضل الإحتمالات Probabilities))، لا شك إن الطبيعة الإزدواجية -الجسيمية والموجية – للعالم الأصغر من الميكروسكوبي تتعارض مع المنطق العقلاني ومع المعقول وفق مسلماتنا، فالشئ لا يمكن أن يكون جسيم وموجة في آن واحد، الجسيم هو ما له كتلة وحجم، والموجة في أبسط صورها تخلخل في الوسط، وليس لها كتلة. وقد جابه فكر نظرية الكم معارضة عنيفة تزعمها ألبرت أينشتين، ومساجلاته مع بوهر أبو نظرية الكوانتم مشهورة، وبالرغم من هذا إلا أن نظرية الكم أصبحت واقعًا يقبله كل العلماء؛ أي أنهم يؤمنون بصحته وإن اعترفوا بعجزهم عن تفسيره وفق المنطق العقلي الذي يبنون عليه كل نظرياتهم، ولو تجاوزنا مشكلة إزدواجية الإلكترون والبروتون وكل مكونات الذرة، والتي تنطبق أيضًا على الفوتونات وهي الكم الضوئي، قد نتعجب أكثر من مشكلة التنسيق أو تبادل المعلومات عن بعد، بين اتجاه الدوران حول المحور Spin لإلكترونين بدءا متساويين في العزم، إصطدما فاتجها إتجاهين متعاكسين، المفروض أن مجموع عزمهما سيكون مساويًا لما قبل التصادم، واتجاه دوران كل منهما حول محوره معاكسًا للآخر، ودائمًا لو قسنا إتجاه الدوران في أحدهما نجد الآخر ولو كان على بعد شاسع يضبط إتجاه دورانه ليضاد الذي قسناه في الآخر، وكأن هناك إتصال معلوماتي آني، وهذا يشترط معه إمكانية إنتقال المعلومات والتنسيق بسرعة آنية، وهذا يتعارض مع النظرية النسبية التي تؤدي الى عدم تخطى أي شئ في كوننا لسرعة الضوء .

           وفي العلم أيضًا يوجد العلم اليقيني، والعلم الشبه يقيني، وأهل العلم قد يصرون على أنه لا يوجد شئ أسمه علم شبه يقيني، وأنا أتفق معهم في ذلك بفرض توصلهم للمعرفة المطلقة ولو في أحد الجوانب العلمية، ولكنهم يعلمون جيدًا أن علومهم ذاتها تتعارض في أسسها -بعض الأحيان- مع بعضها الآخر، فكما ذكرنا فإن النظرية النسبية لأينشتاين، تتعارض في تحديد طبيعة القوى مع نظرية الكوانتم، (إينشتاين يعتبر أن المادة والطاقة تحددان إنحناءات النسيج الكوني وإنحناء النسيج الكوني يحدد تصرف المادة والطاقة، وأن الجاذبية هي تقعر/تحدب في هذا النسيج، بينما نظرية الكوانتم تعتبر أن القوى تنتج عن تبادل جسيمات صغيرة ومنها جرافيتون الجاذبية) وكلاهما ثابتة صحته بصدق توقعاته ثم تأكدها بالمشاهدة أو التجربة، كلاهما يعتبر صحيح في مجاله، أي ان التعارض لا يعني بالضرورة خطأ نظرية وصحة الأخرى، وإنما صحة كل نظرية في مجالها وفي داخل حدودها، وعندما يقبل العلماء بهذا التعارض، يعلمون أنهم لم يصلوا بعد إلى النظرية المطلقة التي تفسر كل القوى تفسيرًا متجانسًا.

           والذي يجدر الإشارة إليه ههنا؛ أن النظرية ليست إلا تفسيرا للحقيقة، وليست هي الحقيقة ذاتها، فهي ليست إلا تقريب لها، وتستبدل النظرية بأخرى أفضل منها كلما أقتربت الأخيرة أكثر من الحقيقة، ولا يكون هذا إلا إذا جاءت بتفسير أفضل أو بمعنى آخر أكثر دقة. ومثال ذلك النظرية النسبية التي حلت محل نظرية نيوتن في أكثر من مجال. ومثال آخر هو الحدود الضيقة لتطبيقات الهندسة الإقليديسية في القياسات المساحية، والتي اعتقد الناس بكمالها قرابة ألفين عام، بينما هي محدودة بقياسات المساحات المستوية، وكوننا ثلاثي الأبعاد وكذلك سطح كرتنا الأرضية، إلا أننا نستطيع التغاضي عن هذه الحقيقة في المساحات الصغيرة نسبيًا، وحتى في هذه الحالات الضيقة، فنتائجها وإن كانت قريبة جدًا من الحقيقة ومفيدة للغاية من الوجهة العملية، إلا أنها ليست الحقيقة ذاتها.

 ويهمنا هنا أن التعارض بين أهم نظريتين علميتين في عصرنا الحديث، لم يمنع العلماء من الأخذ والعمل بهما معًا كلا في مجاله، ولم ينادي أي مناصر لأحدهما بإلغاء الأخرى لتعارضها مع نظريته، بل قبل الجميع أن كلا منهما صحيح في مجاله، والمجال هنا هو في الحجم الكوني لنظرية النسبية والحجم الذري لنظرية الكوانتم، وهذا يدعونا إلى التساؤل هل تعارض أي نظرية علمية مع الدين يستدعي نقض أحدهما، أم أنه هنا أيضًا قد يكون للمجال تأثير بالغ على قراراتنا، فالعلم يتعلق بالماديات، بينما الدين يتعلق بالأمور الإعتقادية والأخلاقية والروحية.         

           أما عن العلم الشبه يقيني، وهو ما تعمل في مجاله أكثر هيئات الأبحاث الجامعية وغيرها من المنابر العلمية المتقدمة، من أشباه نظريات لم ترتقي بعد إلى مستوى النظرية المقبولة علميًا، والتي إنما توصلوا إليها عن طريق المعادلات الرياضية Mathematical Theories، مثل Superstring & Super Symmetry ، ولا أحاول هنا التقليل من أهمية هذه النظريات العلمية التي لن يتوفر للإنسان القدرة على إجراء تجارب لإثبات صحتها أو عدم صحتها ربما لعدة قرون، وربما إلى الأبد، وإنما أحاول أن أذّكر العلماء أن الشروط التي يضعونها للبحث العلمي، عندما يتناول هذا البحث الأمور الكونية أو الأمور المتناهية في الصغر أو حالات Singularity فإنهم قد يضطرون إلى مواصلة البحث دون الإعتماد على التجربة، والقبول بالنتائج التي يتوصلون إليها عن طريق المعادلات الرياضية والنماذج أو التجارب الفكرية Thought Experiment، أي بما يمكن تسميته بالعلم الغيبي، والغيب هنا في غياب التجربة المعملية أو المشاهدة.

           نحن لا نحاول التقليل من أهمية العلم وإنما نضعه في مكانه الصحيح، خاصة عندما يضع نفسه في موقع الحاكم المطلق على صحة أو خطأ غيره، مستندًا إلى ما قدمه الى البشر من مخترعات لا ينكر أحد منا فضلها في تحقيق الرفاهية للناس، وما هي إلا علوم تطبيقية لا تختلف كثيرًا عن الحجر الذي وجده الإنسان الأول فصقله وصنع منه أدواته وسلاحه، وكما لم يتبحر الإنسان الأول في الحجر نفسه وأخذه على ما هو عليه، فمخترعاتنا كلها ما هي إلا إستخدام لما هو موجود أمامنا، ومسخر لنا، والعلم لم يخلق حجرًا من العدم ولا يستطيع ذلك. أما فهمنا المطلق لهذا الكون وما فيه، فما زال العلم بعيد عنه. ولهذا يجب أن نفصل بين العلم، وهو الفهم التقريبي النسبي المحدود بالظروف التي وجدنا أنفسنا فيها، وبين الحقيقة المطلقة. بل وكل علومنا محدودة بمشاهداتنا في أفقنا الكوني، ولا نعلم هل هذا الأفق الكوني هو كل الكون أم جزء صغير منه، وهل يمكننا أن نفترض أن ما لا نشاهده أو نحسه بأجهزتنا مثل ما نشاهده، إن من الغرور العلمي – الغير مستند على أي دليل منطقي أو علمي- أن يظن أي من البشر أنه في موقعًا يمكنه أن يحكم بصحة أو عدم صحة أي نموذج لما سبق بدء الخلق الكوني، أو أي نموذج لما هو خارج هذا الكون، إذ لا يوجد لدى العلماء الوسيلة أو التجارب التي من خلالها يستطيعون إثبات أو نقض أي نظرية علمية تفسر بدء خلق الكون، ومع غياب التجربة ليس لدينا سوى المنطق العقلاني الغيبي، والتاريخ العلمي البشري مليء بالنظريات الزائفة التي تكونت من خلال هذه العملية، ويعلم العلماء أنفسهم كم قاسوا لنقض وتجاوز بعض هذه النظريات الزائفة.

           وأخيرًا، وقبل أن نترك هذا الموضوع، يجب أن نعود ونؤكد على أهمية العلم، وصحة الكثير مما توصل إليه، طالما حرصنا على معرفة الحدود الزمانية والمكانية التي تعمل فيها نظرية معينة، واعترفنا أن هذه النظرية وإن فسرت المشاهدات ونتائج التجارب التي نقوم بها؛ وتنبأت بنتائج مستقبلية ثبتت صحتها، إلا أنها لا تتعدى مجرد كونها تفسيرا مرحليا تقريبيا لهذه الظواهر؛ وليست التفسير الوحيد الممكن، ومن المحتمل بل ومن المتوقع أن تظهر في المستقبل نظرية أخرى تفسر هذه الظواهر بصورة أكثر دقة وأوسع حدودًا.

ويجب أن نتذكر دائمًا أن العلم لم يقدم لنا حتى الآن نظرية كاملة تكفي لتفسير كل شيء،  Theory of Every Thing ولا يستطيع أن يتطرق إلى ما هو خلف العالم المحسوس، فيما يتعلق بما قبل التكوين، وما خارج الكون، وما بعد نهايته، ولم يقدم لنا أي تفسير لماذا الكون يتبع هذه القوانين والثوابت الطبيعية ومن أين أتت، ومازال يبحث عند نقطة البدء singularity  ، العلم يصف لنا فقط ما هو عليه الكون، ولا يعرف وربما لا يهتم أن يعرف لماذا هو كذلك.   

 لا نشك أن المنهج العلمي هو أحد الطرق الأساسية نحو المعرفة، ولكنه له حدوده وقدراته، وحتى يستطيع العلم أن يصل الى الحقيقة أو قريبًا منها، يشترط أن تكون هذه الحقيقة معقولة وفقًا لمبادئ الفكر البشري؛  وقابلة للمعرفة، وبعبارة أخرى أن تسمح له.

 

تم الباب الأول في ديسمبر 1995م

وجرت إضافات وتعديلات بعد ذلك.

<< previous page next page >>

» الفهرس

كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون

يمكنكم الذهاب الى أي فصل من فصول الكتاب عبر الضغط على عنوانهِ في الفهرس :

الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ


مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة سنة 1993م، بينما نعرض في هذا الموقع أبحاث في موضوعات الإقتصاد الإسلامي، وفي الزكاة، وفي الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون، وفي تطور كتابة مصاحف القرن الهجري الأول، وأبحاث ترد على الشبهات ومنهم شبهة كعبة البتراء، وغيرهم.

قنوات جديدة:

ما تم تحميله على التك توك وقناة اليوتيوب الجديدة حتى الآن مدرج في هذه الصفحة. رجاء أنقر هنا لتصل الى الصفحة الجديدة لمشاهدة الفيديوهات.

أرجو منكم زيارة قناة اليوتيوب ومشاهدة أحد الفيديوهات والإشتراك أو ترك تعليق حتى أتأكد أنها تعمل وأن يوتيوب لن تغلقها. وشكرًا

إصدار الكتب ونشرها:

ولهذا فقد أكملت وأضفت الكثير على هذه الأبحاث ووضعتها في كتب نشرتها على منصة أمازون (مدرجة في صفحة على هذا الرابط) وتجدونها بالبحث في:

www.amazon.com    Category: books and put in the search box: Wassim Lababidi  or وسيم اللبابيدي for the Arabic Books.

The Arabic language books are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone, PC & Laptops. The English language eBooks can be read on all devices. All the books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

وقد وضعت صور هذه الكتب أسفل هذه المقدمة. وأدرجتها في صفحة قائمة الكتب    List of Published Books


كما قمت بإعادة نشر معظم الفيديوهات في قناة جديدة على الفيسبوك (يجب أن يكون لديك  حساب في فيسبوك لتستطيع مشاهدة القناة) Contemporary Islamic Research

لمشاهدة الفيديوهات على الفيس بوك يجب أن يكون لديك صفحة على الفيسبوك وأن تنسخ العنوان وتلصقه داخل صفحتك على الفيس بوك، ويفضل إستعمال Edge Browser



وحيث أن هذه الدراسات المفصّلة تقدم معلومات ومفاهيم جديدة في غاية الأهمية، وحتى لا تُهمل وتندثر، توجب علينا جميعًا نشرها وإبلاغ المسلمين بها. لهذا أرجو من القراء والمشاهدين، الذين إطّلعوا وإقتنعوا ووافقوا على النتائج التي بينتها هذه الدراسات، أن ينضموا إلينا لنكّون مجموعة هدفها نشر العلم الذي منه صلاح الأمة. قال الرسول ﷺ: خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ. وقال ﷺ : خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ. آملين أن يبارك الله لنا. وعسى أن يكون في إجتماعنا هذا، الرد على ما نجحوا فيه من إسكات صوتنا في اليوتيوب. آملاً منكم التواصل معي على بريد هذا الموقع بإقتراحاتكم وتشجيعكم.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،

                                                                                    وسيم لبابيدي

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah


©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف وسيم لبابيدي ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.

Copyright ©.  The Copyright of all contents published on this website and all listed videos are registered and owned by the Author Wassim Mohammed Rafiq. No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.


الى زوار الموقع الأفاضل :  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني مشاركاتكم وإقتراحاتكم. ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة والثواب عند الله سبحانه وتعالى.

email address:        [email protected]


قائمة الكتب التي نشرتها على منصة أمازون / كتب / وسيم اللبابيدي والتي تحتوى على دراسات متقدمة في موضوعات هذا الموقع:

The Books & eBooks are published on Amazon/Books/ Search for the book name or my name Wassim Lababidi أو للكتب باللغة العربية: وسيم اللبابيدي

رجاء أنظر تحت صور الكتب لبيان كيفية قراءة الكتب الإلكترونية

All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk

جميع الكتب الإلكترونية باللغة الإنجليزية متاحة للقراءة على أجهزة الكمبيوتر الشخصية وأجهزة ماك، وعلى جميع الأجهزة الأخرى مثل الأجهزة اللوحية وأجهزة آيباد، بما في ذلك الهواتف المحمولة.

جميع الكتب الإلكترونية باللغة العربية متاحة للقراءة على جميع الأجهزة، بما في ذلك الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والأيباد والكمبيوتر.

جميع الكتب الإلكترونية متاحة بأقل سعر تسمح به الأمازون 2.99 دولار أمريكي على موقع أمازون دوت كوم، و 1.99 جنيه إسترليني على موقع أمازون المملكة المتحدة (دوت كو دوت يوكه).

 

لقراءة كافة الكتب الإلكترونية، يمكن تنزيل كيندل آب: فقط عليك تنزيل كيندل آب من الويب، أو من جوجل بلاي ستور الموجود على الموبيل:
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To install the Kindle app on an Android device (mobile):

  • Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install”
  • Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it.
  • To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password.
Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.
رابط صفحة الكتب                   

 ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في القناة على الفيسبوك:

فهرس الفيديوهات باللغة العربية التي تم نشرها على قناة (Contemporary Islamic Research ) للأسف بعض روابط الفيديوهات لا تعمل، أذهب الى الفيسبوك Contemporary Islamic Research وستجدها إن شاء الله هناك:

1) موضوع خلق الإنسان   

2) موضوع خلق وصفات الكون 

3) الرد على إدعاء أن القرآن نقل عن الكتب التي سبقته وأنه بشري المصدر  

4) الزكاة، المعاملات والإقتصاد الإسلامي

5) الرد على إدعاءات دان جيبسون إن الكعبة وبدء الإسلام كان في البتراء وليس في مكة الحجاز.

6) مخطوطة قرآن جامعة برمنجهام وكتابة مصاحف القرن الهجري الأول. الجزء الأول – الجزء الثاني

7) موضوعات متنوعة


Index of Videos Published in English Language on the new Facebook channel (You can only open the videos uploaded on Facebook from your Facebook page) Please go the the facebook page: Contemporary Islamic Research and you will find the videos there (but not all):

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.

 




13 أبريل 2023  الموقع هو  Contemporary Islamic Research وقد نشرت فيه بضع فيديوهات، وجاري نشر البقية. أرجو زيارته وأخباري برأيكم، والسلام عليكم،


6 / 6/ 2023 الحمد لله تعالى، تم اليوم رفع معظم الفيديوهات باللغتين العربية والإنجليزية على صفحة الفيسبوك. ووضعت الفهرس مع الروابط وتجدوه أعلاه في هذه الصفحة. 


13/04/2023  A new page/ channel is established on Facebook pages Contemporary Islamic Research So far I uploaded few videos, please visit and write to me. Best regards. (To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account)


فهرس المقالات مع روابطها على هذا الموقع:

الخلق التطوري الموجه بقدرة الله تعالى . دلالات آيات خلق الإنسان في ضوء علومنا الحديثة. (رابط المقال)

Was Evolution Guided? Or By Mutations & Natural Selection? The Case for Intelligent Design  [Article ]

هل كان التطور عشوائي أم تطور موّجه وفق تصميم وغاية؟  (رابط المقال على هذا الموقع)

نحو فهم جديد في فريضة الزكاة

مناقشة المفكر خليد بنعكراش في ما قال به في موضوع الربا (الفيديو)

Al Zakat – Contemporary Study – Towards A New Understanding

التضخم وتغَيرُ القيمة الشرائية للنقود الورقية وهل يرد القرض بالعدد أم بالقيمة

Death of a Galaxy – The Holy Quran Verses 81:15 to 18

{Why was the Quran not revealed to him all at once?} – Is there a Repetition in the Holy Quran?

الرد على إدعاء التكرار في القرآن الكريم – وقال الذين كفروا لولا نُزًل عليه القرآنُ جُملة واحدة

   التأويل والتفسير المرحلي لآيات خلق الكون وخلق الحياة في ضوء معارفنا وعلومنا الحديثة   رابط الموضوع  

 The Birmingham Manuscript & the History of the Writing of the Early Mushaf (Quran) Episode 1 of 4

مناقشة حلقة الدكتور إياد قنيبي حفظه الله: فانظروا كيف بدأ الخلق، هل أشار القرآن لتطور الإنسان؟

Quran & Science “The Creation & Working of our Universe”

On The Day When The Earth Is Replaced By Other Than The Earth

Al Naskh (Abrogation) in Quran. Legislative, Historical & Critical Study.

By Professor Mustafa Zaid

Response to Dan Gibson Claim that Petra Not Mecca was the Birthplace of Islam

الرد على إدعاء دان جيبسون أن الصحابي ابن الزبير (رضي الله عنه) نقل الكعبة من البتراء الى مكة

Response to Dan Gibson Claim: Ibn Al Zubair moved Al Kaaba from Petra to Mecca

Episode 1: Is Petra the Birthplace of Islam?     URL of Episodes 2 11 listed in Episode 1   

Response to Dan Gibson Claim that he found the First Kaaba was in Petra

الرد على إدعاء دان جيبسون أنه وجد بقايا الكعبة الأولى في البتراء

Creation & Evolution (Episode 1 of 9),  (2),  (3),  (4),  (5),  (6),  (7),  (8),   (9) .

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ

The 6 Days of Creation and the Big Bang Theory

إيداع المال في البنوك الإسلامية وإستثماره وفق قواعد معاملة المضاربة

موجز مختصر عن “كتاب النسخ في القرآن الكريم” الدكتور مصطفي زيد رحمه الله 

الشمس تغرب في عين حمئة – ذو القرنين

هل كان الخلق إعجازيا أم تطوريا؟ القرآن الكريم ودلالات الخلق التطوري 1 من 8

Creation or Evolution

وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين   

The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47

الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق

Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود

فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy

Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟

The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)

Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price

مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

  مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير 

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


 

الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.