الحول

الحول: الأصل أن يكون أثنى عشر شهر قمريُا، أي سنة هجرية، ولكن أغلب الأقطار الأسلامية تتخذ السنة الشمسية أساسًا لمعاملاتها المالية بما فيها الميزانيات وحساب الأرباح والضرائب وغيرهم، فان أشترطنا السنة الهجرية صعب ذلك على الناس لأن عليهم حفظ التكاليف والحساب مرتين، مما تكثر معه تكلفة الحساب بلا فائدة ترجى للأمة أو تصل الفقراء، بل قد تأكل من الربح. وقد رأينا كيف ذهب الشرع الى التقدير في زكاة السائمة، وسمح بالخرص في تقدير الزرع. ولهذا فعلينا أن نعمل العقل للتيسير وتحقيق النفع.

الحول هو مدة زمنية محددة بالسنة الهجرية وتطبق في الأساس على المال المعطل وعلى السوائم. أما المال المعطل فقد قدر الشرع أنه لو كان قد استثمر لحقق ربحًا صافيًا بقدر ربع المال في الحول الواحد، ولو أستثمر حولا وثلث شهر أي سنة شمسية، يمكن حساب ما قد يكون قد حققه من الربح بنفس الطريقة الأولى، وهذا سيصبح بدل الربع أي 25% سيكون 25,80% ويُستحق عشر هذا الربح زكاة منه أي بدل 2,5% يكون المستحق تقريبًا 2,58% في السنة الشمسية. وهذا يطبق عند الشركات والشركاء الذين عليهم أخراج حسابات سنوية ميلادية، وفي الأغلب ألا يكون لديهم مالا معطلا، وأنما يستخدم هذا إذا أضطروا للتقدير لصعوبة الحساب. أما في حالة الأفراد، حيث أن المال المعطل لا يحتاج حساب الميزانيات وغيرها، فلن نجد صعوبة أن بقي على السنة الهجرية، لهذا لا داعي لإتباع السنة الشمسية، إذ يسهل هنا تقيد الناس بالسنة الهجرية وأخراج الزكاة عند إنقضاء الحول.

أما السوائم فلا صعوبة تذكر أن بقيت على السنة الهجرية ولا داعي للتعديل. وان اردنا إتباع التقويم الشمسي لضرورة تتطلبها الحسابات والميزانيات، فربما يصح أن يحسب العدد كل سنة شمسية، حيث أن النماء الأضافي عن الأيام الإحدى عشر الإضافية سوف يظهر في العد ويؤخذ عنه زكاته والله أعلم.

أما أرباح التجارة والمعاوضات والمعدن، يحسب ربح كل تجارة أو استثمار عند تحققه، فلو كان مشروعًا تجاريًا يباع المنتج في نهايته كاستثمار عقاري مثلاً، تستحق زكاته عند انتهاء المشروع وبيع كل الوحدات –ولو كانت مدته عدة سنوات- وتحقق الربح الصافي، وتخرج الزكاة عشر هذا الربح، ويمكن حسابها عند حدوث الربح أو في كل فترة زمنية كالسنة الهجرية أو الشمسية، حيث أن الزكاة هنا تتعلق بصافي النماء وهي جزء منه ولا تتعلق بالحول.

والذي يؤخذ على ما جاء بخصوص الربح السنوي، بعض الحالات الخاصة، مثل التاجر المدير قد يربح في نصف السنة الأولى ثم يخسر في النصف الثاني، وتنتهي السنة دون ربح فلا يترتب عليه زكاة، بينما لو أخذنا الزكاة عند تحقق كل ربح، لدفع زكاة ربح النصف الأول عند حدوثه، ولم يدفع شيئا في النصف الثاني من السنة لعدم تحقق الربح، فتكون المحصلة أنه دفع زكاة في التخريج الثاني، ولم يدفع شيئا في الأول.

وقد قلنا سابقا أن الزكاة تستحق عند حدوث النماء أسوة بالزرع، ولكن هذا يطبق إذا كانت التجارة محددة المدة معروف ربحها، الزرع له حصاد واحد يحدث مرة واحدة في كل المحصول، أما التجارة فان أمكن معرفة الربح تستحق منه الزكاة وقت تحققه وتنضيض المال، وان لم يمكن أو صعب تحديده كما هو الحال في السائمة، فهؤلاء يحدث النماء فيهم كل يوم، ومع ذلك فلم يطلب الشرع أخراج الزكاة كل شهر مثلا، أو كل نصف سنة، ولو فعلنا وأخذنا في نصف السنة نصف ما حدده الشرع في السنة، ثم عدنا في نهاية السنة وأخذنا أيضا نصف ما حدده الشرع، نكون قد أخذنا تقريبًا أقل قليلا مما نأخذه لو أخذنا الزكاة مرة واحدة في نهاية السنة، هذا لو ظل معدل النماء واحد في نصفي السنة، ولكن ماذا لو هلك نصف السوائم في النصف الثاني، نكون بالحساب النصف سنوي قد أخذنا زكاة أكثر بكثير مما سنأخذه وفق الحساب السنوي. وهذا ما أرتآه الشارع وقرره، ولم يعتبر في تقدير الزكاة فيما يصعب حسابه، كالسوائم، بالنماء في الفترات التي تقل عن السنة، وأكتفى بالعد في نهاية الحول.

ولهذا فعلى التاجر – الذي يسميه الفقهاء المحتكر – وهو الذي يقوم بعمليات تجارية أو استثمارية محددة مستقلة – إخراج الزكاة عند حدوث الربح، فان خسر بعد ذلك في معاملة أخرى، فلا زكاة فيها. أي أنه يحدد الربح بعد سلامة رأس المال في كل معاملة أو استثمار. فان صعب ذلك كونه تاجرا مديرا مثلا، أي أنه يشتري ويبيع كل يوم أو تختلط التجارات لديه وتتسم تجارته بتدوير المال مرات عديدة خلال السنة، أو أي حالات أخرى يصعب فيها التحديد، إذ تختلط فيها الأموال مع الأرباح والخسائر فلا يستطيع تحديد كل معاملة على حدة، فيمكن التيسير آنذاك ويحسب مجمل الربح أو الخسارة في نهاية السنة المالية التي يتبعها في حساباته، ثم يخرج عشر الربح الصافي زكاة عن أعماله، فان لم يكن ربحًا فلا زكاة عليه.

ويجب التفريق بين حكم السائمة وحكم التاجر المدير، في السائمة، لو نمت الأبل وزادت في النصف الأول من السنة، ثم أصابها ما أهلك بعضها في النصف الثاني، أخذت الزكاة مما بقي ولو نقص عددها. لأن ما تبقى منها حيًا بالضرورة قد نما، وهذه زكاته أن كان في المتبقي النصاب. بينما التاجر المدير لو هلك بعض المال في نهاية السنة، فلم يتحقق له ربح فلا زكاة عليه، والسبب من جهة أن أموال النقد لا تنمو بذاتها، ومن جهة أخرى أن ماله الذي خسره قد يكون قد أضاف مالا الى السوق، قد يكون قد استفاد منه العمال والتجار وغيرهم، وقد يكون هذا المال قد ذهب كسبا عند آخر استحقت منه الزكاة.

ولو نظرنا الى أسباب نقص السوائم، نجد أنها إما لأنه ذبح بعضها طعاما لأهله وعشيرته وضيوفه، وإما لأنه باعها أو أنها هلكت، فان كان ذبحها، تصبح مما يحتاجه لمعاشه وليس فيها زكاة، وان كان باعها فعليه عشر الربح عند تحققه أسوة بالتاجر، أما إن كانت هلكت، فعليه زكاة نماء ما تبقى من السوائم.

ويجب أن نلاحظ هنا أن الشرع قد يسر في زكاة السوائم، فالسائمة عند أوان العد، يكون بعضا من النماء قد استهلك، مثل اللبن والصوف وما قد يذبح منها، وما قد يضحى به، وما قد يباع، لهذا لا يعتد فيها بالعدد أول الحول وآخره، فنقصانها لا يعنى بالضرورة أن لا نماء فيها، أو أن فيها خسارة، ولكن من الممكن أن يكون كذلك. ولهذا قدر الشرع النسب وسمح بالأوقاص، التي تخفض المتوجب على الأعداد الكبيرة، حتى أن نسبة المتوجب من الغنم تنخفض حتى تصل في أدناها ثلاثة أرباع عُشر العشر (0,75%). ولهذا فالزكاة الواجبة على السوائم أخذ فيها بكثير من  الإعتبارات والتقدير والتسهيل على صاحب المال وعلى جامع الزكاة، وذكرنا فيما سبق صعوبة حساب النماء، ولهذا قدرها الشارع على ما جاءنا، فان استطعنا تحديد النماء في المعاملات الأخرى يؤخذ منه العشر ولا حاجة للتقدير.

<< previous page next page >>

مبادئ الزكاة

وبعد ان استعرضنا ما سبق، يمكننا أن نخرج بالقواعد التالية:

  • الزكاة عبادة وصدقة وليست معاوضة أو معاملة والتقدير والتيسير فيها مرغوب.
  • شرط وجوب الزكاة تحقق النماء والكسب.
  • تتوجب الزكاة من النماء إذا تجاوز والأصل النصاب.
  • الأصل أن مقدار الزكاة عُشر النماء الصافي بعد سلامة أصل المال، فإذا كان في المال نماء  وتعذر أو صعب حساب هذا النماء، يقدر النماء الصافي ويخرج عُشره زكاة.
  • فان تعزر تقدير النماء مع العلم بحدوثه، مثلاً لعدم تحديد رأس المال، إو يكون بعض المال عروضا عند وقت الزكاة فيصعب التقييم أو التقدير، فيؤخذ آنذاك بتقدير الشارع أن صافي الربح ربع المال ومقدار الزكاة عشر الربع أي ربع عشر أصل المال أو خمُس عُشر تقدير المال والنماء معا بعد خصم ما عليه من مدفوعات مؤجلة عند انقضاء الحول أيهما يسهل تقديره.
  • الأصل أن تتوجب الزكاة وقت تحقق النماء وظهوره وامتلاكه، لقوله سبحانه وتعالى: ” وَآتُوا حَقّه يَوْم حَصَاده ” كما هو في الزروع وفي ربح التاجر المحتكر، فان لم يكن له وقت محدد وتعذر حسابه، كأرباح التاجر المدير يصار الى حسابه عند انقضاء الحول.
  • نهى الشارع عن الكنز وأمر باستثمار المال الفائض عن الحاجة وتشغيله، واشترط عشر صافي الربح صدقة مفروضة، فان أخل ولي المال فلم يستثمره وعطله حولا كاملا فعليه عُشر ربح المثل يدفعه من أصل المال، لأنه لو رضي أن يضَّيع نصيبه من النماء فليس له أن يضَّيع حق أصحاب الزكاة. وقدر الشارع ربح المثل بربع أصل المال المعطل، فكان حق الزكاة عُشر ربع الأصل (أي ربع العشر على المال الذي مضى عليه الحول).

النماء المتوجب منه الزكاة هو الصافي بعد التكاليف أي بعد إعادة رأس المال شاملا سد الديون لو كان في المال دين. وقد يقول قائل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث العمال لقبض الزكاة من الأموال الظاهرة دون أن يأمرهم بالاستفصال مع أن الغالب على أهل الثمار أن تكون عليهم ديون. لقد اتبع الرسول صلّى الله عليه وسلّم التقدير إذ أمر العمال بترك الثلث وترك الربع (وهذا بعد ترك النصف إذا كان السقي بالنضح إذ كان يؤخذ نصف العشر)، ولم تبين لنا الأحاديث القواعد التي يتم بها تحديد أيهما يترك، وفي تقديرنا أن هذا يعود الى خصم التكاليف والديون وترك ما يأكل المزارع وأهله وما يتصدق به، ولهذا فلا بأس من تقدير التكلفة إذا تعذر أو صعب اليقين.

عن فقه الزكاة للدكتور القرضاوي: ” قال في المغنى: وفي الجملة كل ما سُقي بكلفة ومؤونة من دالية أو سانية أو دولاب أو ناعور أو غير ذلك ففيه نصف العُشر، وما سقي بغير مؤونة ففيه العُشر، لما روينا من الخبر، ولأن للكلفة تأثيرًا في إسقاط الزكاة جملة، بدليل العلوفة، فبأن تؤثر في تخفيفها أوْلى، ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي وللكلفة تأثير في تقليل النماء، فأثرت في تقليل الواجب . المغنى:2/698، 699.“

وعليه فيكون العشر من الصافي أي الذي يتبقى بعد إعادة أصل المال، فلو إستأجر معدة ودفع أجرتها، يخصم الأجر من المحصول، ويزكي عما تبقى، أما مال الأجرة الذي دفعه، فهو من نماء مال المعدة يزكي عنه صاحب المعدة، ولو لم نخصم الأجرة من المحصول لزكينا عن منفعة المعدة مرتين، مرة من المحصول ومرة من الأجرة وهذا لا يصح.

مال الدين هو مال انتقلت حيازته، ومسؤولية إنماء هذا المال على من حازه وكان له التصرف فيه، ولهذا فعليه زكاته، أما صاحبه فقد أقرضه قرضًا حسنًا وهذا صدقة ولم يعد يملك أن ينميه، فتتوجب الزكاة من نماء المال على من يحوز المال لو جاوز ما عنده النصاب.

ولو فرضنا أن تاجرا أقترض مالا ودفعه في تجارة، فربحت فعليه عشر الربح زكاة المال، وله تسعة أعشار الربح، بينما يعود المال المقترض الى صاحبه، وليس على صاحب المال زكاة في المال طالما لم يكن في حيازته ولأن التاجر المقترض زكاه. فإن لم يربح التاجر، فلا نماء ولا زكاة في المال، وإن أرجعه لصاحبه فلا زكاة عليه فيه.

ولتوضيح ما ورد في موضوع المال المقترض أو الدين، فان هذا المال مسؤولية من يحوزه ويتصرف فيه، فان دفع به وبماله (ونسمي الأثنين هنا رأس المال) في تجارة أو استثمار فربح، يكون الربح الصافي هو ما يتبقى بعد سلامة رأس المال (ماله ومال الدين الذي عليه) ويكون هذا الربح هو نماء ماله ومال الدين والجهد الذي بذله، فان دفع عشر هذا الربح زكاة فقد زكى عن ماله وعن مال الدين، فإن أعاد الدين إلى صاحبه فلا زكاة في مال هذا الدين على الدائن، لأنه زكى عنه. وإن عطل المدين مال الدين حولا كاملا ولم يستثمره، يكون عليه زكاته ربع العشر من ماله الخاص، ويرد مال الدين كاملا إلى صاحبه وليس على صاحبه زكاة.

ولكن ماذا يكون لو كان القرض لا يسمح للمقترض أن يتصرف فيه بتجارة أو إستثمار، يكون القرض في هذه الحالة قرض حاجة أي لمحتاج ليصرفه على حاجاته وحاجات أهله وهذا صدقة في حد ذاته. أما إذا كان القرض مشروط بمدة تقل عن الحول، ينظر هل أقترضه لحاجة له ولعياله، فان كان فمثل ما سبق، وإن أقترضه لمعاملة كتجارة أو استثمار له مدة أي كانت، فعليه زكاة عشر الربح وهو ما يتبقى بعد سلامة هذا القرض.

ولو عدنا لزكاة الزروع، فالتقدير إما نصف العشر من إجمالي الربح قبل خصم التكاليف، وهذا تقدير يتبع عندما يصعب معرفة وخصم التكاليف مع العلم بوجود تكلفة، أو العشر من الربح الصافي بعد خصم التكاليف (أو إذا لم يكن هناك تكلفة من الأصل)، ويعتبر الدين من أصل المال، والربح هو ما فضل بعد سلامة أصل المال والدين معه.

<< previous page next page >>

زكاة النقدين

المال هو مال الله تعالى، أستخلف فيه الأنسان لينفق منه، قال تعالى {ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ} [الحديد:7]، قال ابن جرير: ”أي: أنفقوا مما خولكم الله من المال الذي أورثكم عمن كان قبلكم فجعلكم خلفاؤهم فيه“.وقال القرطبي: ”فيه دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له إلا التصرف الذي يرضي الله فيثيبه على ذلك بالجنة“.

فان كان في المال فضل عن حاجته فواجبه أن يثمره ولا يعطله، لأن تعطيله كَنز يضر بالمجتمع، وقد نهى الإسلام عن كنز المال لقوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولاينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} ولقوله سبحانه وتعالى { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} التوبة:35، وحث على استثمار المال وتنميته، بما يؤدي الى خلق نشاط إقتصادي يستفيد منه أصحاب التجارة والحرف ويوفر فرص عمل للعمال والمحتاجين والمساكين والفقراء، فتغنيهم الأجور عن السؤال.

فاذا عطًل المال ولم يستثمره، ولم يدفع به الى من يثمره، وجب عليه فيه الزكاة وان لم يكن فى المال نماء، وتفسير ذلك يكمن فى عقد المضاربة، فلو دفعت بمال الى صاحب عمل بقصد إستثماره وتنميته وفق عقد مضاربة؛ فأهمله ولم يتجر فيه أو يثمره، فقد خالف الشرط، وبهذا تفسد المضاربة وعليه ربح المثل، يدفعه لصاحب المال وفق الشرط بينهما (أي وفق النسب التي أتفقا عليها)، لأنه فوت بإهماله تنمية المال فرصة الربح على صاحبه، ويكون لصاحب المال حقًا عند المضارب يعادل نصيبه من ربح المثل.

ولو طبقنا هذا على المال الذي أستخلفه الله فيه ليثمره وينميه، بشرط عشر الربح يؤديها زكاة، فاذا تجر بالمال أو استثمره فربح فعليه عشر الربح يؤديها لمستحقي الزكاة، وإن أهمل ولم يستثمر المال وعطله، ودليل تعطيله مضي حولا كاملا، فقد خالف الشرط وعليه عُشر ربح المثل يؤديها لمستحقي الزكاة، فقدر الشرع ربح المثل فى الحول ربع رأس المال (( فإن قال قائل أن تقدير ربح المثل بربع رأس المال كثير، نقول أن ربح المثل بهذه النسبة والناتج من عدة تجارات متوالية (شراء وبيع عدة مرات) خلال مدة سنة يعتبر معقولاً، وخاصة أننا نحسب الربح على رأس المال وليس على كافة التكاليف. وهذه النسبة تقدير ويتوجب في هذا التقدير الأخذ بالأعلى للحث على الإستثمار، لأنه لو أُخذ بالأقل مثل أن يكون ربح المثل عُشر رأس المال مثلاً، لأصبح تعطيل المال ودفع عُشر العُشر زكاة (أي واحد بالمائة)، أقل مما سيتوجب عند إستثماره ودفع عُشر الربح الفعلي؛ والذي بينا أنه سيكون في الأغلب أكثر، لهذا قدر الشارع ربح المثل بالربع فكان ما وصلنا من ربع العُشر. والزكاة صدقة يؤخذ في حسابها بالتقدير والتيسير والتقليل كما رأينا في الزروع، إلا عند تعطيل المال وكنزه، فهنا يؤخذ بالتقدير نحو الأكثر لما ذكرناه، ولأن التعطيل والكنز في حد ذاته أثم منهي عنه.)) ، فكان فيه العُشر أسوة بزكاة الزروع، فكانت زكاة المثل عُشر الربع من المال المعطل.

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول“ أخرجه ابن ماجه؛ المال المذكور ليس الكسب أو الزرع الذي تتوجب زكاته عند حصاده، وإنما الأصل، وهو المال الذي جاوز النصاب، لا زكاة فيه حتى يثبت تعطله، فان مر عليه الحول وهو في حوزة صاحبه، كان مالا معطلا فتوجبت فيه زكاة المثل، لأن الرجل قد يعطله عدة أشهر في انتظار فرصة جيدة لإستثماره، فجعلت السنة، وفيها كل الشهور وكل المواسم، ليثبت أنه خالف الشرط وعطل المال.

جاء فى صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من كانت له ارضا فليزرعها او ليمنحها اخاه فأن ابى فليمسك ارضه“ وهذا يبين أهمية عدم تعطيل أي مال عن القيام بدوره كمحرك للنشاط الإقتصادي، ولأن في الزرع وهو نماء الأرض حق الزكاة ومصالح الأمة. لهذا فان لم يستطع زراعة الأرض لا يصح أن يعطلها بل يمنحها الى من يزرعها ومن يخرج زكاة حصادها.

مما سبق نجد أن الأصل في أي من النقدين مما جاوز النصاب، أن يدفع به في تجارة أو إستثمار، فان ربح فعليه العشر من الربح زكاة، وإن لم يكن ربح فلا زكاة عليه، وأن عطله صاحبه فقد خالف وعطل المال، ودليل تعطيل المال إنقضاء الحول، ومتى انقضى الحول والمال معطل فعليه عشر ربح المثل يؤديها زكاة من أصل المال.

 

<< previous page next page >>

هل الزكاة في المال النامي حقيقة أم حكمًا :

لقد أكد الفقهاء هذا الأمر، فجعلوا الزكاة تتوجب في المال النامي حقيقة أو حكمًا، أي في كل الأموال التي لها خاصية النماء. أما الأموال التي لا تنمو ولا يقصد النماء فيها لأنها ليست من الفضل مثل أموال القنية، كالبيت والسيارة والأثاث وغيرهم مما يحتاجه الرجل لمعاشه ومعاش أهله، فليس فيها زكاة.

يقول ابن رشد فى المقدمات ص 201 : ”إن الزكاة سميت بذلك لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال التى يبتغى بها النماء لا من العروض المقتناه، فالزكاة فى اللغة النماء وسميت بالنماء لتعلقها به“ .

ويقول الزيلعى صاحب تبين الحقائق شرح كنز الدقائق ص 253 عن سبب اشتراط مضى الحول : ”لكون الواجب جزءا من الفضل لا من رأس المال لقوله تعالى {ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو} أى الفضل والنمو وإنما يتحقق فى الحول غالبا فأقيم السبب الظاهر وهو الحول مقام المسبب وهو النمو“.

وقد انتهى الجمهور الى أن الزكاة تؤخذ من الأموال التي يبتغى بها النماء ولا يُشترط تحقق هذا النماء، وهذا غير ما بينته الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} والتي تحدد ان الإنفاق يكون من الكسب أي من النماء ذاته وليس من الأموال التي يبتغى بها النماء. أنظر قول الزيلعي ”لكون الواجب جزءا من الفضل لا من رأس المال“، ولكن جمهور الفقهاء لم يشترطوا تحقق النماء، وفرضوا الزكاة على كل الأموال النامية حقيقة أو حكمًا. وربما يكون الذي دفعهم الى هذا الرأي، هو زكاة النقود، وهذه ليس فيها نماء، وتتوجب من الأصل، وتؤخذ بنسبة ربع العشر متى حال الحول، ومثلها زكاة السوائم، وإن كان فيها نماء، إلا أنها تؤخذ من الأصل والنماء معًا.

لقد حددت الآية أن الزكاة تجب من الكسب ومن ما يخرج من الأرض، ولو نظرنا الى زكاة الزروع، فهي عشر المحصول لو كان هناك زرع، فإن لم يكن زرع فلا زكاة. الزرع هو نماء الأرض الزراعية، والأرض ونفقتها هما أصل المال النامي، فإن لم يتحقق زرع أي لم يتحقق نماء فلا  زكاة فيها. وعليه نفترض استدلالا من الآية الكريمة ومن هذا الطرح، أن الأصل أن لا تؤخذ الزكاة من رأس المال، وإنما تؤخذ من النماء. وهذا صحيح لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ”ما نقص مال من صدقة“ .

الحديث الشريف: ”ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول“  لم ينف الزكاة عن رأس المال وإنما أشترط الحول وهو إنقضاء سنة على ملكه، بعدها تتوجب الزكاة منه. وهذه أموال كالذهب والورق والفلوس، ليس لها نماء ذاتى ولم يتحقق منها أو فيها أي نماء بعد مضي الحول، وهنا يصبح فرض الزكاة متعلق بالأصل وليس بالنماء. وكذلك فى السائمة والتى وإن كان فيها نماء، تؤخذ بعض الزكاة أو كلها من أصولها أي من أصل المال. أي لدينا هنا مسألتين:

الأولى: أن زكاة النقدين تؤخذ من أصل المال (أو رأس المال) وزكاة السوائم تؤخذ من مجموع الأصل والنماء معاً.

والثانية: أن هذه الزكاة التي تؤخذ من رأس المال يشترط أن يحول الحول على المال أي تنقضي سنة قبل أن تتوجب فيه الزكاة.

في السوائم، الحول هو المدة الزمنية التي ستنمو فيها هذه الثروة الحيوانية حقيقة، بعدها تؤخذ الزكاة التي قدرها وحددها الشرع من الأصل والنماء معًا. أما النقود فليس لها نماء ذاتي، وإن مضى الحول عليها فستبقى كما هي عددُا ووزنا.

مما سبق، نجد أن زكاة الأرض الزراعية هي الوحيدة التي ينطبق عليها الفرض الذي وضعناه من أن الزكاة على كل الأموال تكون العشر من نماءها، وليس من الأصل، وأنها تتوجب عند تحقق النماء. أما المتوجب في زكاة النقدين وزكاة السوائم، ففي الظاهر أنهما لا يتبعا هذا الفرض، بل ويتعارضا معه، لأن الزكاة فيهما تؤخذ من الأصل وبعد إنقضاء الحول. ولهذا علينا أن ندرس كل منهما على حدة ليتبين لنا كيف يصح الفرض الذي وضعناه عليهما.

<< previous page next page >>

مقدمة

الإختلاف في تطبيق فريضة الزكاة

يقول فضيلة الدكتور القرضاوي في مقدمة كتابه فقه الزكاة: ” وعلى هذه الحاجة نبَّه الأستاذ الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت في كتابه ”الإسلام عقيدة وشريعة“ (ص109 – ط . دار القلم بمصر) . حيث قال تحت عنوان ”الزكاة ركن ديني عام“:

”على رغم ما أعتقد من أن الخلاف النظري يدل على حيوية فكرية قوية، وعلى سماحة النظام الذي يكون في ظله ذلك الخلاف، على الرغم من ذلك، فكم يضيق صدري حينما أرى مجال الخلاف بين الأئمة في تطبيق هذه الفريضة يتسع على النحو الذي تراه في كتب الفقه والأحكام“.  ”هذه الفريضة التي كثيرًا ما تقترن بالصلاة، يجب أن يكون شأن المسلمين فيها أو شأنها عندهم جميعًا كشأنهم في الصلاة، وشأن الصلاة فيهم، تحديد بين واضح لا لبس فيه ولا خلاف، خمس صلوات في اليوم والليلة“.   ”هذه الفريضة تكون معظم جهاتها في الأصل والمقدار محل خلاف بين العلماء، وبالتالي تكون باختلافهم فيها مظهر تفرق في الواجب الديني بين المسلمين جميعًا لاختلافهم في التقليد وتعدد السبل“. ”هذا يزكى مال الصبي والمجنون، وذاك لا يزكيه، وهذا يزكى كل ما يستنبته الإنسان في الأرض، وذاك لا يزكى إلا نوعًا خاصًا أو ثمرة خاصة، وهذا يزكى الدين وذاك لا يزكيه، وهذا يزكى عروض التجارة وذاك لا يزكيها، وهذا يزكى حلى النساء وذاك لا يزكيه، وهذا يشترط النصاب وذاك لا يشترط وهذا وهذا إلى آخر ما تناولته الآراء فيما تجب زكاته وما لا تجب، وفيما تصرف فيه الزكاة وما لا تصرف.“

ويضيف فضيلة الدكتور القرضاوي في كتابه فقه الزكاة، تحت باب المال المستفاد:
” ولقد عانيتُ بنفسي من اختلاف المذاهب فيما بينها في هذا الأمر، واختلاف الأقوال والطرائق داخل كل مذهب، واختلاف التصحيحات والترجيحات لكل منها، ووجدت عشرات من المسائل وعشرات من التفريعات عليها، تتعلق بما يُستفاد من المال، وأقسامه وأنواعه، هل يُضم إلى ما عنده أو لا يُضم، أم يُضم البعض دون البعض، هل يُضم في النصاب أم في الحَوْل أم كليهما؟ تذكر بحوث حول هذا الأمر في زكاة الأنعام، وفى زكاة النقود، وفي زكاة عروض التجارة، وفي فروع أخر ؛ مما جعلني أستبعد أن تأتي الشريعة السمحة الميسرة التي تخاطب عموم الناس، بمثل هذه التفريعات المعقدة الصعبة في فريضة عامة يُكلَّف بها جمهور الأمة. “ أنتهى

*****

ربما لم يختلف فقهاء الأمة ومذاهبها على أمر مثل إختلافهم في موضوع الزكاة، وقد يرجع هذا إلى أنهم أستدلوا على قواعد الزكاة من أحكام وشروط متفرقة، تختلف من مال إلى مال، مثال ذلك ربع العشر وشرط انقضاء الحول في النقدين، والعدد والأوقاص في السوائم تؤخذ مرة كل سنة، بينما العُشر ونصف العُشر في الحبوب والتمر تتوجب عند الحصاد، الأولى تؤخذ من الأصل في حالة النقدين، والثانية من الأصل والنماء في حالة السائمة، وكلاهما بعد انقضاء السنة، والأخيرة تؤخذ من النماء وقت حصاده.

وجد السلف في اختيار لفظ الزكاة وفي الآيات القرآنية دلالة على علاقة الزكاة بالنماء، ثم وجدوا النماء في الزرع والسوائم، ولم يجدوه في النقدين، وانما وجدوا الزكاة تفرض في النقدين على أصل المال. وحيث أن النقود لها قدرة النماء لو دفع بها في تجارة أو إستثمار، استدلوا أن الزكاة تتوجب في المال النامي حقيقة أو حكمًا، والنامية حكما هي الأموال التي لها خاصية النماء ولكنها لم تنمو. وقاسوا بقية الأموال على هذين، ربع عشر الأصل عند إنقضاء الحول، الأعداد والأوقاص في السوائم، وعشر النماء في الزروع عند الحصاد. واختلفوا في أمور أخرى مثل هل تتوجب الزكاة في كل الزروع أم في الحبوب والتمر فقط، ولم يخرجوا بقاعدة واحدة تطبق على كل الأموال، يتساوى فيها المفروض على المال أي كانت صورته وأي كانت سبل تنميته، زراعة كانت أو تجارة أو صناعة أو إجارة أو غيرهم، ويسهل بموجبها على المسلم معرفة المتوجب عليه، دون الحاجة الى البحث والسؤال، ثم الوقوع في الحيرة اذا ما اختلفت الفتاوي والآراء.

أن أمرًا يتعلق بأموال الناس وله هذه الأهمية في تحقيق التكافل الإجتماعي وصلاح الأمة، لا يصح لنا أن نظن أنه ترك بهذا الغموض، هذا ما ذهب إليه الشيخان الكبيران محمود شلتوت رحمه الله والقرضاوي حفظه الله فيما أوردنا عنهما، يقول الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت: ”يجب أن يكون شأن المسلمين فيها أو شأنها عندهم جميعًا كشأنهم في الصلاة، وشأن الصلاة فيهم، تحديد بين واضح لا لبس فيه ولا خلاف، خمس صلوات في اليوم والليلة“ ويقول الدكتور القرضاوي: ”مما جعلني أستبعد أن تأتي الشريعة السمحة الميسرة التي تخاطب عموم الناس، بمثل هذه التفريعات المعقدة الصعبة في فريضة عامة يُكلَّف بها جمهور الأمة“. نعم هي صدقة يخرجها المتصدق عن طيب نفس، ولكن له أن يعلم المتوجب عليه، ثم بعد ذلك له التقدير والخرص والتيسير والتسهيل، ثم أن هناك حق من لهم في مصارف الزكاة. ولهذا فلابد أن يكون المفروض جليا واضحا، قاعدة بسيطة يسهل تحديدها وحسابها. وحتى نجد هذه القاعدة علينا العودة والبحث في مصادر الفقه.

<< الفهرس   next page >>