مقدمة الباب الأول

مقدمة

يستمد الفقة الإسلامي أحكامه من مصادر أصلية ومصادر تبعية، والمصادر الأصلية هى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، أما المصادر التبعية فمنها المتفق عليها بين جمهور الفقهاء ، وهى : الإجماع، والقياس، والاجتهاد، ومنها المختلف فيها، وهى : قول الصحابى، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعرف وشرع من قبلنا.

ويستمد الاقتصاد الإسلامي أسسه وأحكامه من الفقه، وهو منهج حياة ينظم المعاملات البشرية على مستوى المجتمع والفرد، ويقوم الاقتصاد الإسلامي على مبادئ العدل والميزان والتراضى.

العدل فى توزيع الثروة وفى التكافل بين الناس، يقول الله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (سورة التوبة الآية 103). ويقول سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم فى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} (سورة التوبة الآية 60). وفي (لا ضَرَرَ ولا ضِرار)؛ فللمجتمع حق فى المال، فلا تبذير ولا تقتير ولا تعطيل ولا اكتناز.

والميزان فى تساوي العِوَض والمُعَوَّض في المبادلات، وفي تناسب البذل مع الكسب في المشاركات، وفي الغُنمِ بالغرمِ وفي الخَراج بالضَّمان، والميزان في النهي عن الربا والغرر والمَيْسرِ وأكل أموال الناس بالباطل، وكلها تؤدي إلى عدم تعادل كفتيه. ثم يأتي شرط التراضي ليعادل كِفَّتي الميزان في الحالات التي يكتنفها الغرر والجهالة اليسيرتين، ولتحقيق التراضي المبني على العلم …. فإن كل ما يؤدي إلى النِّزاع والشقاق مَنْهي عنه، وكل إكراه واستغلال وخيانة وغش منهي عنه.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل

جاء عند الفقهاء أن العامل ليس له نفقة إذا عمل في المصر الذي يقيم فيه أو الذي عقدت فيه المضاربة الا بشرط وكره أغلبهم أن يشترط ذلك.

وجاء عندهم عن العمل أنه لو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق اجرة.

هاتان القاعدتان وردتا عند كثير من الفقهاء كما جاء في الفصول السابقة، ويتضح من الثانية أن الفقهاء قد كرهوا بل ومنعوا العامل أن يدفع لنفسه شيئاً من مال القراض حتى لقاء عمل يتولاه بنفسه وكان له أن يستأجر عليه أجنبي من مال المضاربة، فلم يجيزوا له أن يستأجر نفسه عليه وهذا منطقي فهو المتصرف في المال والمقصود أن يتصرف من خلال معاوضات مع أطراف أجنبية عن العقد فلا يستحب أن يكون العوض والمعوض منه.

أما الأولى فهو  كان مقيماً قبل المضاربة في المصر الذي عقدت فيه، وعوضه عن عمله هو نصيبه من الربح فلم يجز له عوضين عن عمل واحد. ولأنه يصرف من المال فلا يعرف ما سيصرفه فتكتنفه الجهالة التي قد تفضي إلى النزاع.

ولكن الرجل يضارب مع عامل قد يعمل في المال أكثر من غيره، فقد تكون له شاحنة ومتجر وليس لغيره مثلهما فيستعملهما على التجارة فلا يستأجر من الغير، فيكون العدل في أن يكون نصيبه من الربح أكثر من صاحبه الذي خاطر بمنفعة بدنه لا غير، حتى يتحقق العدل وتنتفي الجهالة، فإن نسب تقسيم الربح إذا لم تعبر تعبيراً عادلاً عما يعود إليه الربح – سواء كان مالاً أو عملاً – فإن هذا يؤدي إلى أن يأكل أحدهما من مال الآخر بدون عوض لأنه أخذ مما ليس له فيه مال ولا عمل ومما هو حقاً لصاحبه.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما جاء في كتاب مجموع الفتاوي (جزء29): في صحفة 98 عن المزارعة: ”وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر، إنماء مقصودهما جميعا ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشاركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأصول التي لهم“.

وفي صحفة99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لآنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لآنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر واجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر“.

ويضيف في صحفة 101 في موضوع المضاربة: ”انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد  إلى رب المال مثل رأس الماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

وفي صفحة103: ”وإن قيل الزرع نماء الأرض دون البدن. فقد يقال والربح نماء العامل دون الدراهم أو بالعكس. وهذا كله باطل، بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد“.

صفحة107: ”وذلك أن الأصل في هذه المعاوضات والمقابلات هو التعادل من الجانبين. فإن اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخلها ظلم، فحرمها الله الذي حرم الظلم على نفسه، وجعله محرما على عباده“.

وفي صفحة125: ”فقد تبين أن هذه المعاملة- أي المزارعة- اشتملت على ثلاثة أشياء: أصول باقية، وهي الأرض وبدن العامل والبقر والحديد. ومنافع فانية واجزاء فانية أيضاً وهي البذر وبعض أجزاء  الأرض وبعض أجزاء العامل وبقره. فهذه الأجزاء الفانية كالمنافع الفانية سواء، فتكون الخيرة إليها فيمن يبذل هذه الأجزاء، ويشتركان على أي وجه شاءا. ما لم يفض إلى بعض ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الغرر أو الربا وأكل المال بالباطل. ولهذا جوز أحمد سائر أنواع المشاركات التي تشبه المساقاة والمزارعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرهما إلى من يعمل عليها والأجرة بينهما“.

وجاء في باب المزارعة في المغني (جزء5 ص425): ”فإن قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وألتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لأن المنفعة غير معلومة، وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الأرض. وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما، ويحتمل أن لا يصح لأن البذر عوض فيشترط قبضه كما لو كان مبيعاً وما حصل فيه قبض. وإن قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال“.

ويضيف ما ذكر الخرقى: ”وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجل مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض“.

ومن هذا المثال نجد أنهما تشاركا بتفاضل أجر الأرض على منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته. فإن كان أجر نصف الأرض يساوي نصف قيمة: منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته كان لكل منهما نصف الزرع. وإن تراجعا لا يفضل لأحدهما على صاحبه شئ.

وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لاتختلف معه فتفاضلا في الزرع بتفاضل منافعهما جاز.

في المضاربة: مشاركة منفعة مال ومنفعة بدن العالم

ويجوز تساوي المتقابلات أو تفاضلها على أن تتساوى أو تتفاضل نسب ربح كل منهما بنفس القدر حتى لا يفضي التقسيم إلى الغرر.

وهذه المقابلات مجهولة القيمة إلا أنه يمكن تحديد نسب تفاضلها بجهالة يسيرة مما لا يؤدي إلا إلى الغرر اليسير المرخص به في عقود المعاوضات والمشاركات.

يقول ابن تيمية في صفحة 25: ”ومفسدة الغرر أقل من مفسدة الربا، فلذلك رخص فيما تدعوا إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضرراً من ضرر كونه غرراً مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن… فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمناً وتبعاً ما لا يجوز من غيره“.

والقيمة ليست لها أهمية فالمشارك فيه هو الربح، والمقصود هو الوصول إلى نسب الربح التي بموجبها لا ينال العامل من نصيب رأس المال في النماء ولا ينال رب المال من نصيب العمل في النماء. أما القيم فهي قيم منافع معدومة عند العقد ومعدومة عند الإنضاض كرأس مال؛ ويعبر عنها في المشاركات بقيمتها من الربح مثل نصيب العامل من الربح والذي يشتمل على عوض منفعة عمله.

ويمكن تقدير منفعة الأرض في المزارعة بأنها هي ما تكرى به عند من جوز كراء الأرض، ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد هي أجر مثل العامل والبقر والحديد، فلو افترضنا مدة المزارعة وهي من العقود التي توقت أو تعرف بوقت إدراك الثمر والزرع، عرفت الأجور وهي أثمان المنافع. ولو كان البذر والطعام والمؤونة وكل ما يستهلك ويفنى من أحدهما أضيف إلى قيمة منفعته ثم تفاضلا. فيعرف التفاضل أو التساوى، فإن تساويا صلحت المزارعة على النصف وإلا فبنسب التفاضل. فإن وفر الزرع كانت منفعة الأرض أكثر من الكراء وكانت منفعة العامل والبقر والحديد أكثر من أجور المثل. أما عن البذر فأنهم لم يتقابضا فلا بيع بينهما هنا ليتقابضا وإنما مشاركة أو مقابلة تقوم على التعادل أو التفاضل بين الجانبين كالتي قال بها وعنها ابن تيمية:” فهذه الاجزاء الفانية كالمنافع الفانية سواء، الخيرة إليها فمن يبذل هذه الأجزاء، ويشتركان على أي وجه شاءا“.

أما عند من لم يجز اجارة الأرض ولم يكن للأرض أجر تعرف به، فقد عرفنا عن عمر رضى الله عنه أنه كان يدفع الأرض والبذر بالنصف إلى من يعمل عليها، فتكون منفعة الأرض وقيمة البذر مساوية لمنفعة بدن العامل والبقر والحديد.

وفي رواية البيهقى: ”فأعطى عمر رضى الله عنه الناس البياض على ان كان البذر والبقر والحديد من عمر، فلعمر الثلثان ولهم الثلث. وإن كان منهم فلهم الشطر“.

وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر.

ومن الرويات الأخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم  دفع أرض خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

وروي عن هشيم أخبرنا ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال:” دفع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خيبر- أرضها ونخلها- إل أهلها مقاسمة على النصف“.

وقد ذكر البخاري في صحيحه: ” أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر- النصف- وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. الطرق الحكيمة لابن القيم ص248 – 250“.

وعن أبى جعفر محمد بن علي رضى الله عنهم أنه قال: ”كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يعطي الأرض على الشطر“.

فلو أخذنا بمعاملة خيبر ومعاملة أبو بكر رضى الله عنه فمنفعة الأرض فيها تساوي منفعة بدن العامل وبقره وحديده وبذره.

ولو أخذنا بمعاملة عمر رضى الله عنه فالأرض والبذر يعادلان العامل وبقره وحديده.

وإن جاء عمر رضى الله عنه بالبذر والبقر والحديد فله الثلثان وإن كان منهم فله النصف.

فتكون الأرض والبذر والبقر والحديد = ضعف منفعة بدن العامل

والأرض وحدها = منفعة بدن العامل والبقر والحديد وقيمة البذر

ومن هاتين المعادلتين نجد أن الأرض لها النصف، والعامل له الثلث، والبقر والحديد والبذر لهم السدس. وهذا يطابق معادلة معاملة خيبر ومعاملة الصديق رضى الله عنه، إلا أنه يخالف معاملة عمر رضى الله عنه الثانية والتي فيها إن كان البذر من عمر فله الشطر ولو أن الاختلاف يسير للغاية لأن قيمة البذر تكون ثلث السدس أو أقل.

ويجب التنويه هنا إلى أن الأراضي الزراعية تختلف عن بعضها البعض بدرجة خصوبتها ويسر أو مشقة زرعها وتكلفة سمادها ورويها ولا يجب الخروج من هذا بنتائج ومعادلات تطبق فكل بلد وكل أرض لها ظروفها، وقد تتوفر الأرض ويندر العمال وقد يكثر العمال وتندر الأرض، وإنما ما جاء هنا يعبر عن طريقة للحساب لا أكثر.

”وقد كان طاووس فقيه اليمن والتابعي الجليل يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالربع والثلث بأسا. ولما أحتج عليه بعضهم بأن النبي  صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض قال: قدم علينا معاذ بن جبل- مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن- فأعطى الأرض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم. وقد روي مثل هذا عن محمد بن سيرين وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنهما كانا لا يريان بأسا أن يعطي أرضه على أن يعطيه الثلث أو الربع أو العشر، ولا يكون عليه من النفقة شيء“. ورد في كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوى.

وبلغنا عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن مسعود رضى الله عنهما أنهما كانا يعطيان أرضهما بالربع والثلث.

أما عن المشاركات التي يدفع فيها الرجل دابته إلى من يعمل عليها، فكذلك يفاضل بين أجر الدابة وأجر العامل في وحدة زمنية كيوم أو شهر، ومدة المشاركة – إن عملت أو لم تعرف – فهي واحدة لهما، فيعرف تفاضلهما أو تساويهما فيشتركان في الرزق بهذه النسب. وكذلك يعامل غيرهم من المشاركات بين الابدان والمنافع.

أما المضاربة، ففيها منفعة مال من جهة ومنفعة بدن من جهة أخرى، ولقياس نسب تفاضلهما يجب أن نقدر قيمهما في ظروف إستثمار متساوية من جهة درجة المخاطرة، وكل ما قسنا به من قبل كان في أجور المثل، وهي تقل فيها درجة المخاطرة إلى درجة تقرب من أن تنعدم، والمال لا تجوز اجارته لانعدام المخاطرة فيصير والكسب بغير العوض ربا، إلا أننا نستطيع أن نفترض إستثمار المال في معاوضة تقل فيها درجة المخاطرة إلى أقل حد ممكن، وهذا يكون بافتراض إستثمار المال في شراء عقار يؤجر لمدة عام مثلاً، وهذا يماثل ما كان سيفعله صاحب المال العاجز أو المنشغل والذي رخصت المضاربة لحاجته، ويشابه ظروف أجر المثل الذي سنقدر به قيمة منفعة العامل.

فإن قلنا أن منفعة المال هي ربح الفرصة المضاعة الممثلة بشراء عقار واجارته مدة المضاربة الغير معروفة، ولهذا نثبت الزمن المقارن به بعام مثلاً، فنخرج من هذا أن منفعة المال لو إستثمر بهذه الطريقة تكون أجر هذا العقار، وهذا افتراض ليس فيه شبهة ربا لأننا لم نضمن لرب المال هذا العائد ولا غيره.

وتكون منفعة بدن العامل هي أجر المثل الذي يتقاضاه عن عمله خلال هذه الفترة، فلو وجدنا أن أن عائد أجر العقار المشترى بخمسمائة ألف جنيه هو أربعين ألف في العام، وأنه يباع في نهاية العام بنفس الثمن الذي اشتري به. وأن أجر مثل العامل كان أربعين ألف جنيه في العام أيضاً، تساوت منفعتا العامل والمال فيكون الربح بينهما بالنصف. فإن عمل وربح مائتي ألف كان لرب المال مائة ألف وللعامل مثلها، ويستحق العامل الزيادة عن اجر مثله لأنه كأنه عمل فاستحق الأجر وخاطر به فاستحق الأكثر وقد كان من المحتمل أن يكون أقل. وهذا مجازاً لأنه في الحقيقة استحق المائة لأن قيمة عمله مقاسة بمعيار النماء هي نصفه. أما رب المال فيستحق نماء المال لأنه خاطر بالمال ذاته، ولهذا كان له النماء العائد إلى المال وهو منفعة المال الحقيقة، وكانت الوضيعة من ماله ليحل له أخذ الربح فانها إن لم تكن من ماله فلا يستحق ربحاً لأن الربح كان لقاء المخاطرة بالمال ذاته.

ولو كان العامل لديه متجر سيبيع فيه، وأجرة المتجر لو استأجر من الغير لبيع السلعة سيكون عشرين ألفا خلال فترة العرض المقدرة وهي ستة شهور مثلا، وكان تقدير مدة المضاربة عاماً، فتكون منافع بدن العامل ومتجره ستون ألفاً ومنفعة المال أربعين ألفا، فيكون للعامل ستة أعشار الربح عوض منفعة بدنه ومتجره.

وقد قال يقال هذه مضاربة عُرف فيها المدة والعمل والأجرة، وليست هذه من صفات المضاربة، فنقول هذه كلها تقديرات يبنى عليها نسب تقسيم الربح، ولو حصل الربح في نصف المدة جاز لأن قيم هذه المنافع لو انتصفت لم تتغير نسب تفاضلهما. وهي أقرب للصواب من اتفاقهما وفقاً لأهوائهما إن لم يكن للمضاربة مثل، وخاصة ونحن على مشارف عصر قد أو يجب أن تطبق فيه المضاربة في مجالات الصناعة لمصلحة الأمة. ورب المال الذي كان الذي كان يدفع ماله مضاربة إلى التاجر المتأهب للسفر مع قافلة مكة المتجهة شمالاً أو جنوباً كان يعرف متى يعود التاجر من رحلته وكم سيستغرق في بيع البضاعة التي جلبها معه في رحلة الإياب. ورأى الحنابلة والأحناف والإمامية جواز أن يقيده بالإتجار بسلعة معينة أو بالتعامل مع جهة معينة، وذهب الأحناف وفي رأي عند الحنابلة إلى صحة توقيت المضاربة، ورأى الشافعية صحة توقيت الشراء. وهذه كلها إن دلت على شيء إنما تدل على صحة المضاربة التي يتفق عليها بناء على دراسة جدوى اقتصادية للتجارة أو المشروع الذي يتقدم به العامل إلى رب المال ودون شرط عليه كما بينا في الفصول السابقة، وعلى أسس هذه الدراسة يمكن تقدير قيم المنافع والمدد الزمنية والاتفاق على نصيب كل منهما من الربح، وليس في هذا تحجيرا على العامل ولا تكتنفه جهالة أو غرر أو ما قد يعيب عقود المشاركات. وإنما هو تقدير مبني على العلم فإن ربحا نال كل منهما حقه وإن لم يربحا خسر هذا من ماله وهذا منفعة عمله ومنفعة أعيانه.

وحتى في المضاربات التي قال بها الفقهاء كان العامل يخسر نفقة نفسه وقيمة عمله الذي يلزمه أن يتولاه بنفسه وقيمة العمل الذي كان له أن يستأجر عليه وتولاه بنفسه أو بأعيانه، والمتعارف عليه في عصرنا من أن العامل لا يخسر سوى مجهود فكره ليس صحيحاً بل هو عليه الجزء الأول من الخسارة، ويجب ملاحظة أن العامل لا يخسر مالاً وإنما يخسر منافع بدنه ومنافع أعيان يملكها هو، أي أنه فى كل هذه الحالات لم يدفع مالآً نقداً من ماله وإنما استهلك منافع بدنه أو منافع أعيان يملكها، أما النفقة فهذه كانت عليه قبل المضاربة ولو لم يعقد المضاربة
لظلت من ماله، أي أن رب المال يخاطر بماله والعامل يخاطر بمنفعة بدنه ومنفعة أعيانه والشركة العامل تخاطر بمنفعة عملها ومنفعة أعيانها.

وفي حالة أن المضاربة بين رب مال والشركة العامل، والشركة تعمل في عمليات مضاربة مختلفة، فيجب الإعتماد على الدراسة الجدوى للمشروع الذي ستتقدم به الشركة إلى البنك الإسلامى، وهذه الدراسة سوف تحتوي على تقديرات ثمن الشراء وتكاليف النقل التخزين واجرة المتجر والبائع ومصاريف الإدارة وثمن البيع والربح. وقد يكون المخزن والمتجر ملكاً للشركة.

ويمكن إعادة التقسيم فيوضع ثمن الشراء وتكاليف النقل في خانة تسمى رأس المال.

ويوضع أجرة المخزن والمتجر والبائع ومصاريف المكتب الرئيسي أو مصاريف الإدارة في خانة ثانية تسمى منفعة العامل.

وتقدر قيمة منفعة رأس المال في المدة التقديرية التي وردت في الدراسة بطريقة حساب ربح الفرصة المضاعة وتقارن بمنفعة العامل ويحسب تفاضلهما، فتكون نسبة نصيب العامل من الربح هي حاصل قسمة منفعة العامل على مجموع منفعة العامل ومنفعة المال.

وقد يقال هذه شركة بينهما في رؤوس الأموال، وعدا ما جاء سابقاً عن عدم جواز أن تكون المنافع رؤوس أموال، فلو قبلنا مجازاً فإن الشركة آنذاك تكون بين تقدير قيمة منفعة العامل ورأس المال، فتكون مجازاً شركة بتسعة أعشارها لرب المال والعشر للعامل، نعم العامل لن يخسر ماله إلا بهذه النسبة من الوضيعة ولكنه لن يصيب من الربح إلا بنسبة عُشر الربح. فلو قلنا أن رأس المال تسعة الآف وأن قيمة منفعة العامل ألفاً فإنهما شركة بتسعة أعشار لأولهما والعُشر للثانى، فإن ربحا الفين كان لرب المال ألف وثمانمائة ورأس ماله وللعامل مائتين ورأس ماله فإن انقضت الشركة يأخذ العامل ألف ومائتين. بينما إن كانت مضاربة فرأس مالها تسعة الآف وربح الفرصة المضاعة في العام 8% مثلاً أي سبعمائة وعشرون ومنفعة العامل ألف فكان نصيب العامل من الربح 58%. وهما قد ربحا بحساب المضاربة أي الإيراد مقتطعاً منه رأس المال وهذا ثلاثة الآف فيعود للعامل ألف وسبعمائة وأربعين. بينما يعود لرب المال ألف ومائتين وستين. أي في حساب المضاربة العائد للعامل 74% على قيمة منافعه بينما في حساب الشركة 20% وهذا نتيجة مخاطرته الأكثر في المضاربة ونتيجة مكافأته في المضاربة أيضاً. وبالطبع تختلف النتيجة بزيادة الربح فيعود للعامل أكثر كلما زاد الربح. أما في الخسارة فهو سيخسر أولاً وكما قلنا خسارته هي في حدود منافعه التي قدمها للمضاربة وهي خسارة منافع لا أموال نقدية ولاحتمال حدوث هذه الخسارة استحق الربح الأكثر.

وإضافة إلى ما سبق فالشركة هي توكيل كل منهما لصاحبه بالتصرف، وهذا العمل كله من جانب واحد، وهي إن كانت شركة أو مشاركة أموال لاختلفوا في تقدير المنافع لأنها كرأس مال سيلزم دفعها من المال عند الخسارة فيغرمها رب المال من ماله فيتشدد في تقديرها مما قد يؤدي إلى الاختلاف أو إلى أن يظلم أحدهما الآخر، أما لو كانت كنسبة من الربح فهذه تدفع من الربح ولا يعرف الربح إلا بعد سلامة رأس المال فتقل أسباب اختلافهما. وبالطبع كان المثال السابق خروجاً عن الصحيح في المعاملات فالشركة التي مثلنا بها لا تجوز شرعاً وإنما قصدنا بها إظهار مميزات المضاربة للطرفين.

وأحد القواعد التي تقوم عليها المضاربة هي أن أحد الشريكين يعمل ولهذا وجب توفير الحافز له على العمل والاسترباح، وفي هذه يتوفر الحافز لأن نصيبه من الربح كبيراً وكلما زاد الربح كلما زاد العائد على قيمة منافعه بخلاف الشركة التي مثلنا بها فنصيبه من الربح قليلاً قد لا يغريه أو يحفزه؛ أضف إلى هذا قلة تحمله في الوضيعة أيضاً ولا يصلح هذا إلا لو عملا معاً لا أن ينفرد بالتصرف ولله أعلم.

وعليه فهي مضاربة، لأن رب المال لو دفع بالمال إلى الشركة العامل فعملت على أن لها نصف الربح والنفقة من مالها جاز، فإن رأت بعد ذلك أن تستخدم شاحناتها في العمل الذي كان لها أن تستأجر عليه من مال المضاربة وفعلت ذلك فليس لها الأجرة من مال المضاربة، ويظل نصيبها من الربح النصف، وقد زاد الربح بقدر ما وفرت من الأجرة بل وبأكثر من ذلك، فيزيد نصيب رب المال من الربح، فينال مما ليس له فيه مال أو عمل، ولا يجوز أن يستحق العامل الأجرة من المال لأنه هو المتصرف والمؤجر والمستأجر، ولهذا يكون الأصلح والأقرب إلى العدل التقدير قبل العقد وقد توفرت المعلومات في دراسة الجدوى.

والمضاربة ليست مشروطة بأن يُجهل العمل، فالعمل قد يكون مقدراً معروفاً وإنما يُحتمل فيه التغيير وفقاً للظروف وأحوال السوق وهذه طبيعة الإستثمار؛ ولولا هذه الاحتمالات… لما كان هناك احتمال ربح وخسارة، ويعتمد نجاحها إلى حد كبير على خبرة المضارب أو الشركة المضاربة، وتظهر هذه الخبرة في تقديره للمتطلبات والظروف المستقبلية ثم تحركه السريع والتكيف مع المتغيرات ومواجهة الصعوبات وإعادة التخطيط، وهذه تظهر قيمتها في تقدير قيمة منافع بدنه أو حصة المشروع من مصاريف المكتب الرئيسي للشركة موزعاً على الأعمال التي تتوقع أن تقوم بها وفق طاقتها المتوسطة، وهذه الحصة هي التكلفة… ولكن هذه الشركة لو أجرت نفسها للغير فستكون الأجرة أعلى من التكلفة وهذه التي تحسب لأنها تعبر عن التكلفة والخبرة والشهرة وغيرهم مما تقيم به الشركات، أما معداتها ومخازنها ومتاجرها فتحسب على أجر المثل، وقد حسبنا ربحاً لها في أجرة المكتب الرئيسي وهذا لم يسمح به الفقهاء لأحدهما أن ينال إلا من ربح المضاربة بعد القسمة؛ وهذا ما يحدث هنا فما نحسبه لا يناله أو تناله الشركة إلا بنصيب من الربح. وإنما قصد منه التعبير عن خبرة العامل فليس التاجر المحنك الخبير بمثل التاجر حديث العهد في هذا المجال.

وقد ذكرنا – فيما سبق – أن يضاف معامل إلى أجر المثل الخاص بالعامل وهذا لا يضاف إلا للعامل الفرد أو لأجر مدير الشركة أو مجلس الإدارة المعول عليه العمل واتخاذ القرارات الهامة، أما غيره فإما يكتفى آنذاك بأجر المثل والتكلفة في المدة، أو يؤخذون كلهم – كما قلنا هنا – بأجر الشركة لو أجرت لهذه الفترة كما جاء أعلاه، وهذا سيعكس خبرتها وقدرتها. وقد نحتاج لهذا المعامل أيضاً للتعبير عن اختلاف العرض والطلب في السوق في حالة كثرة الأموال المتجهة إلى عامل معين عرف بالخبرة والحنكة.

وقد ذكرنا أيضاً طريقة أخرى هي حساب المشروع مرة لو استؤجرت الأعيان من الغير، ومرة لو دفع بها المضارب فكان الفرق نسبة من الربح مستحقة له، وهذه الطريقة لا تستدعي احتساب قيمة منفعة المال بطريقة ربح الفرصة المضاعة وهذا لأننا أفترضنا أن الربح بينهما بالنصف قبل حساب الأعيان، وهذه فيها تقريب لا داعي له إذا اعتمدنا طريقة مقارنة ربح الفرصة المضاعة وأجر المثل وهي أعدل لهما ولله أعلم.

ويجب ملاحظة أن ربح الفرصة المضاعة هي من استثمار تقل المخاطرة فيه إلى حد كبير، وكذلك أجر المثل المقارن به، فيكون العائدين قد حسبا في ظروف متماثلة فيمكن معرفة نسب التفاضل بينهما. فإن قيل رب المال يخاطر بأكثر من هذا! أليس هذا من طبيعة المضاربة وما يحدث فيها! وأليس خراجه بضمانه! وإلا فلماذا يطيب له الأكثر من ربح هذه الفرصة المضاعة. فإن قيل علاما يطيب للعامل الأكثر قلنا أن قيمة منفعة عمله بأجر المثل ليست هي قيمة منفعة عمله في المضاربة فهذه تقاس بمعيار الربح وقد كثر الربح بعمله في المال فكثرت وإن قل قلت.

وليس ربح الفرصة المضاعة حقاً لرب المال وليس أجر المثل حقاً للعامل، فلا هذا استثمر ماله في العقار ولا هذا استؤجر هو وأعيانه على العمل ليستحق أجر المثل وإنما هي بغرض المقارنة، وليس لأحدهما حقاً إلا في الربح إذا كان ثمة
ربح. هذا بنماء ماله وهذا بعوض عمله، وإنما كانت أجور المثل ومنفعة المال للمفاضلة والمكافأة بينهما لا غير.

<< previous page next page >>

الفصل الرابع – المشاركة

جاء عن ابن تيمية في القواعد النورانية عن المساقاة والمزارعة:” من المعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، والمساقاة والمزارعة لا يأكل أحدهما مال الآخر“.

والشركة من المشاركات وكذلك المضاربة والمساقاة والمزارعة، والمشاركة هي إما: مشاركة عقد أو مشاركة ملك، ومشاركة الملك أو شركة الأملاك وهي ما ليس المقصود منها الكسب ولا تتعرض أموالها للمخاطرة، وقد تكون قد حصلت باختيار المتعاقدين أو بغير اختيارهم كالأرث أو اختلاط الأموال دون قصد أو رغبة. أما شركة العقد فهي عقد بين اثنين أو أكثر لتحصيل الكسب الحلال لهما من أطراف أجنبية عن العقد. والكسب الحلال لا يتحصل إلا عن طريق المعاوضات كالبيع ولهذا وجب أن تكون الشركة قائمة على مال، والمال هو كل ما أمكن مبادلته وفق السبل الشرعية بأصل الأثمان، فيشمل الأعيان والعروض والمنافع والنقود الرائجة. فإن قامت على أموال عينية تكون شركة عنان، وإن قامت على الضمان والضمان يستحق به الربح كالمال… كانت شركة وجوه أو شركة ديون. وإن قامت على أموال منافع… تكون شركة أعمال أو أبدان أو قد نعبر عنها قامت على الضمان المتوجب بتقبل العمل الذي سيتقبلاه فنسميها شركة تقبل الأعمال.

وتقوم الشركة على اتفاق بينهما بأن يقدم كل منهما مالا أو التزاما بتقديم منفعة عمل أو التزاما بضمان دين. فيتوجب ضبط هذه الحصص حتى لا يأكل إحدهما من مال ليس له.

فإن كان المال والعمل منهما بالتساوى… كانت شركة عنان، أما لو كانت مالاً من كل منهما بالتساوي والعمل بينهما ليس متساوياً ويكون الكسب بينهما بالتساوى… ففيه ظلم لمن عمل أكثر لا يصح معه العقد الذي يشترط فيه العدالة في توزيع منافعة.

وحيث إن قيمة العمل مجهولة وقت التعاقد… فإنه يكتفى بمعرفة نسب التفاضل لأن العمل وإن كان مجهولاً إلا أنه واحد، لهذا… وجب تحديد نسب تفاضل الأعمال من جهة، وتفاضل نصيب المال من الربح إلى نصيب العمل.

أي إن الإيراد سوف يكون رأس المال العيني ومال المنفعة والربح، ويعاد منه رأس المال وما يتبقى هو قيمة المنفعة والربح المقدرين بجزء من المتبقى.

المقصود من رأس المال هو تحديد الربح وهو المال الذي يتبقى بعد إعادة رأس المال، وتحديد نصيب كل من المتعاقدين في رأس المال، وفي الربح.

والمال العيني معروف ومعين القيمة وقت العقد، فإن كان مما تتغير قيمته خلال مدة العقد اكتنفته الجهالة فلم يصلح أن يكون رأس مال كما هو الحال في العروض. ولهذا وجب أن تكون من أصول الأثمان كالذهب والفضة والنقود الرائجة.

ومال المنافع – مثل العمل – لا قيمة له وقت العقد، إلا أنه مال يتحصل عليه بالإجارة، وإن لم يوجد خلال العقد يستهلك جزء من مال الشركة في شرائه، فبوجوده توفر  مال الشركة لشيء أخر مثل الشراء وغيره مما يتحصل به على الربح. ويمكن تجاوزاً القول لأنه معدوم وقت العقد فهو معدوم وقت القسمة أيضاً فلا يعود لصاحبه، إلا ان له أثر في الربح يظهر في قيمة هذه المنفعة بزيادة الربح عما كان ليكون عليه لو استؤجر أجنبي أو من أجنبي على هذا العمل، أو بتقليل الوضيعة عنها كما سبق. وهذا قد يعنى أن صاحب المال قد استفاد من مال غيره بما قلّت به وضيعته، وهذا معنى المشاركة فهذا ليس ربا أو غرر فهو لم يأخذ مال غيره بل نقص ماله، وهو مثل المضاربة لو لم يضارب معه لاستأجره فإن خسر زادت الوضيعة عما كانت لتكون عليه في المضاربة. ولأن الوضيعة إن حصلت فتكون لأن هذه المنفعة لم يكن لها أثر وليس لها قيمة، ومن صفاتها أنها توجد وتنعدم، فلا يخسر صاحبها سوى قيمتها وهي معدومة في هذه الحالة لأنها تقاس بمعيار الربح وهذا معدوم. ولا يستحق شيء في حالة الخسارة لأنه خاطر بها على نصيب من الربح لا على قيمتها لأن هذه القيمة مجهولة ومعدومة عند العقد.

منفعة العمل المشارك بها

رأس المال هو المال المستثمر من أجل الربح والمعرض للمخاطرة فيحل لصاحبه كسبه بناء على قاعدة الغنم بالغرم. والربح هو الذي يتحصل عليه بالعمل في مال مع احتمال كونه موجباً أو سالباً فإذا كان سالباً يخسر المستثمر جزء أو كل رأس ماله. والإستثمار هو توظيف المال بقصد الحصول على ربح أو نماء مع تعرضه للمخاطرة، أما توظيف الأموال في الاجارة فهذا شراء ثم بيع منافع وقد يطلق عليه إستثمار أيضاً لأنه يعود على صاحب العين بعائد مستقبلي والمخاطرة ههنا في احتمال هلاك العين أو تغير السوق.

ورأس المال المشارك يشترط فيه تعيينه بوحدة لا تتغير بقدر يعتد به في مدة الإستثمار أو في الأمصار المتوقع التعامل فيها. ولهذا لا يجوز أن يكون إلا من أصل الأثمان. وهذا لأن رأس المال يعود إلى صاحبه وما يتبقى من المال هو الربح فإن جهل رأس المال جهل الربح وهو المعقود عليه في المشاركة وتفسد المشاركة بكل ما يؤدي إلى جهالة الربح.

والمال قد يكون نقداً رائجاً أو ذهباً وفضة أو عروضا وأعياناً أو منافع وحقوقاً. ولا يصلح من أن يكون رأس مال إلا النقد الرائج والذهب والفضة لثبات قيمها النسبي ولأنها معيار الأثمان. أما الأنواع الأخرى من الأموال فإنها لا تصلح لتغير قيمها مما يؤدي إلى الغرر الذي لا يسمح به إلا لو كان يسيراً وكانت للمعاملة حاجة وضرورة، فإن وجدت أصول الأثمان أو النقد الرائج فلا ضرورة لغيرها.

والذي يهمنا هنا هو المنافع، منفعة العامل والآلة والدور وغيرها. وهذه المنافع تستأجر وعوضها مال. ومن صفة المنفعة أنها معدومة وقت العقد وتنوجد خلال مدة العقد ثم تنعدم عند الانضاض ولو قدرت قيمتها المستقبلية وقت التعاقد يكتنف هذا التقدير غرر لأنه تقدير أجرتها وتقدير استيفاء منفعتها سواء بني التقدير على أساس المدة أو العمل. وعقد الاجارة على خلاف القياس لأن المنافع وقت العقد معدومة ولأنها من بيع ما لم يخلق، وإنما جوز الشارع هذا العقد استحسانا للحاجة إليها ولدفع الحرج ولمنفعة الناس. إلا أن التقدير فيه وقت التعاقد لا يتعدى تقدير الأجرة وتحديد المنفعة أو العمل ويشترط استيفاء المنفعة في المدة أو إتمام العمل المنوط إليها لاستحقاق الأجر، وتكون المنفعة ذاتها أو العمل مقصوداً في عقد الاجارة.

أما في المشاركة… فالعمل ليس مقصوداً، وهو مجهول وقت التعاقد، وإن عين بالوصف أو بالمدة لا يعرف أيستوفى أم لا، ومساواة المال المعلوم بتقدير مالية المنفعة قد يؤدي إلى الغرر، لهذا لا تصلح المنافع أن تكون رأس مال.

وللمنافع أثر لا ينكر على الربح، وهو لا يقل عن أهمية رأس المال، ولهذا … فقد جرت العادة على الاتفاق بين الناس أن يدفع الرجلان مالهما على أن يعملا معاً والربح بينهما… فإن تساويا في المال والعمل تناصفا الربح وهذه شركة العنان المجازة بالإجماع.

فإن تساوى المالين واختلف العمل… فمن الفقهاء من قال الربح بينهما ومنهم من قال للذي عمل أكثر نصيب أكثر ومنهم من قال يقتسمان الربح بينهما ثم يعود نو الفضل على صاحبه بنصف الفرق في أجري مثلهما. فمن ساوى بينهما قال العمل الأكثر تطوعاً؛ ومن قال للذي عمل أكثر نصيباً أكثر؛ قال هذا لأن الكسب يتحصل بالمال وبالعمل وبالضمان، ومن قال بالأجر جعلها على الاجارة.

وبالطبع كان الاختلاف لصعوبة تحديد نصيب العمل الإضافي من الربح، وهذا أيضاً يظهر في شركة الابدان جاء في المدونة(ص42) ما معناه أنه يجوز بين الصناع من نفس الصنعة في نفس الحانوت إذا تساوى أو تفاضل المال والعمل والربح بنسب واحدة:

فلا يجوز أن يقتسما الربح مناصفة أو أثلاثاً، إذا كان من أحدهما ثلث المال وعليه نصف العمل، وتجوز إن كان منه ثلث المال وعليه ثلث العمل وله ثلث الربح.

وجاء في صحفة  45 من المدونة:” أرأيت أن أشتركنا ثلاثة نفر لي بيت ولصاحبي الرحا ولصاحبي الآخر البغل على أن ما أصبنا من شيء فهو بيننا سواء وجهلنا أن يكون هذا غير جائز فعملنا على هذا فأصبنا مالا. فقال يقسم المال بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والدابة والرحا معتدلاً، فقلت فإن كان مختلفاً قال يقسم المال بينهم أثلاثاً لأن روؤس أموالهم عمل أيديهم فقد تكافؤا فيه ويرجع من له فضل كراء في متاعه على أصحابه. قلت فإن لم يصيبوا شيئاً قال يترادون ذلك فيما بينهم يرجع بذلك بعضهم على بعض إن لم يصيبوا شيئاً بفضل الكراء“.

وهذه الشركة قائمة على الاجارة بينهم، وهكذا ذهب أكثر الفقهاء عدا الحنابلة في مثل هذه المشاركات التي تجتمع فيها الأعيان مع العمل، واستحق فيها من كان له الأجر هذا الأجر سواء كان في المشاركة ربحاً أو وضيعة، وهذا صحيح لو أخرجت هذه المشاركات على الاجارة، إلا أنها لم تكن المقصودة ممن عملها، فمن دفع دابته إلى من يعمل عليها قصد الربح وليس الأجر، ومن عمل على الدابة كذلك، فيكون العمل أو المنفعة غير مقصودين كما هو الحال في الاجارة، ولن يعملها أيهما إذا كان سيغرم الأجر من ماله إذا لم يحصل الرزق. ولا فائدة للدابة عند من يريد نقل متاعاً بدون من يعمل عليها وكذلك لا فائدة من العامل بدون الدابة فاجتمعا على المصلحة وعدمها.

واستحقاق الأجر صحيح لو لم يكن له في الربح، فإن دفع دابته أو عمل بقصد الربح فقد بطل حقه في الأجر فهما لا يجتمعان، فإن قال خذ دابتي واعمل عليها والرزق بيننا فليس له الأجر بعد ذلك. وهما لو دفع كل منهما دابته وعملا معاً يكون الرزق بينهما جائزاً عند أغلب الفقهاء فيكون عدم الجواز للإختلاف ولاحتمال حدوث الغرر في توزيع الربح بينهما وليس لعدم جواز المعاملة ذاتها ولله أعلم.

حا في المدونة ص 49: ”أرأيت إن كان لي بغل ولصاحبي بغل فاشتركنا على الحمولة التي تحمل على البغلين، قال ما أرى بأساً إذا كانا يحملان جميعاً فيحملان على دابتهما لأن هذين يصير عملهما في موضع واحد وهذا مثل أن يتقبلا الشيء يحملانه إلى موضع واحد، وإن كان يعمل كل واحد منهما على حدته فلا خير فيه“.

ولهذا … فإن أمكن تحديد أنصبة الربح بتحديد التفاضل الصحيح في هذه الشركات فإنها – في رأينا – تكتون ملتزمة بالقواعد الصحيحة.

فلو فرضنا في شركة عنان يدفع أحدهما مائة ألف والثاني مائتي ألف رأس مال على أن يعمل الأول كل الوقت ويعمل الثاني نصفه فاتفقا – بناء على أجور مثلهم على العمل الذي سيقوم به كل منهما – أن أجر الأول في العام تسعة آلاف والثاني ستة آلاف وقررا أن يتركا أجرهما في المال مخاطرين به حتى يقتسما. فإن ربحا ثلاثين ألفا فالربح يعود إلى المال والعمل.

فإن قلنا يقتسما الربح بينهما ثلثا للأول أي عشرة آلاف وثلثين للثانى؛ أي عشرين ألفا، ثم يعود الأول على الثاني بثلثي الفرق بين أجور مثلهما وهو الثلاثة الآف فيكون له على صاحبه ألفان، فيكون للأول اثنا عشر، وللثاني ثمانية تكون القمسة خطأ، لأن أجر عمل الأول في مال الثاني ثلثي أجر مثله أي ستة الآف وأجر عمل الثاني في مال الأول ثلث أجر مثله وهي ألفين فيكون للأول على الثاني أربعة الآف فيكون حق الأول من القسمة أربعة عشر ألفا والثاني له ستة عشر ألفا، لهذا… لا يصح الرجوع بالفرق وإنما بالكل.

وهذا تقسيم صحيح لو قصدا إستثمار المال واستئجار كل منهما الآخر في ماله، وهذا ليس قصدهما وإنما قصدا إستثمار المال بالعمل فكان للمال ربح وللعمل ربح، فعندما خاطرا بالأجر… قصدا أكثر منه؛ فإن جاز لهما الأكثر… سقط حقهما في الأجر فيتحملا الخسارة في حدود الأجر، وهذه المشاركة لم يجزها الفقهاء عدا الحنابلة. إلا أن مشاركة العمل هي شركة أبدان يجوز لهما ما تكسبه لقاء العمل أو لقاء الضمان بتقبل العمل، ولم يقال فيها أن عليهما أن يعودا على بعضهما بأجر المثل وإن عادا… كانت النتيجة واحدة إذا كانت نسب توزيع الكسب بينهما هي نسب أجر مثليهما في العمل الذي قاما به، وليس صحيحاً إذا كان نصيب أحدهما لقاء الضمان حين تقبل العمل والآخر لقاء عمله وفي هذه الحالة نجد في مشاركة الأبدان اجتماع الضمان- كالمال- مع العمل.

وحيث أنهما قصدا المخاطرة بمنفعة عملهما… فلكل منهما نصيب من الربح أو كسب العمل بقدر تفاضلهما في المنافع المخاطر بها، فإن أخذنا المثال السابق… يكون للأول ثلثا ربح العمل وللثاني ثلثه، وربح العمل هو الجزء من ربح المشاركة العائد إلى العمل ويشمل قيمة منفعة العمل بمعيار نجاح المشاركة وربحها أو قيمة منفعة العمل كما تحددت بالنماء الحاصل في المشاركة ككل.

وهذا سيستدعي الاتفاق على نصيب المال ونصيب العمل من الربح، فإن قلنا نصيب المال من الربح هو ربح الفرصة المضاعة تحت ظروف إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة إلى أقل حد كالاجارة فنفترض شراء عقار بكل المال يكون عائده8% في السنة، فيكون عائد رأس المال أربعة وعشرين ألفا، وأجور مثل العاملين خمسة عشر ألفاً فيكون العائد عن العمل والمال إحدى وأربعين ألف نصيب المال منهم 61.5% ونصيب العمل 38.5% فإن ربحت مشاركتهم ثلاثين ألفاً كان ربح المال 18,461,5 وربح العمل11,538.5 فيكون للأول ثلث ربح المال وثلثا ربح العمل فيأخذ 13,077 وللثاني ثلثي ربح المال وثلث ربح العمل فيأخذ 16,923.

وإذا كانت في المال وضيعة تكون قيمة العمل معدومة، ويتحمل رأس المال الوضيعة بالحصص.

إذن… هناك طريقتان ولمقارنة النتائج… نعرض هذا الجدول:

 

الربح الحاصل

تقسيم الأرباح

مشــــــــاركـــة

على المـال والعمـل

الأول               الثاني

اجـــــــــــــــارة

على المـال والأجـور

الأول              الثاني

90,000

60,000

30,000

15,000

3000

(15,000)

39,231

26,154

13,077

6,538.5

1,308

(5,000)

50,769

33,846

16,923

8,461.5

1,692

(10,000)

34,000

24,000

14,000

9,000

5,000

(1,000)

56,000

36,000

16,000

6,000

(2,000)

(14,000)

         

وفي رأينا أن التوزيع الأول – مشاركة – يعدل بينهما في الربح والخسارة بنسب المال والعمل، فإن لم ينم المال لم تكن لعملهما قيمة فتقاسما الخسارة وفقاً لحصص المال، فلا يأخذ أحدهما من مال صاحبه. وتدخل عموم المنافع من منفعة العمل إلى منفعة الآلة والدار في حصة العمل بينما تبقى حصة المال وفق رؤوس المال.

وفي حالة ان اتخاذ القرار الذي يعول عليه نجاح الشركة أو فشلها يعود إلى أحدهما، فإما أن أجر المثل المقدر له سوف يعكس هذه القيمة أو أن يتفق له على معامل إضافة لتوفير حافز أكثر له.

وقد يقال إن الآلة تختلف عن الشخص لأن الآلة لا قدرة لها في زيادة الربح أو تقليله وإنماء يعود هذا إلى العامل، إلا أن الآلة لو دفعت أجرتها من المال يغرمها أصحاب المال إذا لم يكن ثمة ربح فإن قبل صاحبها أن يخاطر بأجرها استحق أكثر منه إذا وفر الربح. فهي في الحقيقة مال منفعة لا يصح أن تكون رأس مال لان رأس المال يجب إعادته وهذه تستهلك ولا تبقى إلا أن أثرها على الربح لا يختلف عن أثر المال فكانت مشاركة في الربح لا في رأس المال، عوضاً لصاحبها المخاطر بالأجر ولمصلحة الآخرين الذين لا يريدون أن يغرموا أجرها من مالهم.

وما سبق ليس مضاربة لعملهما معاً ولعدم توفر شرط التخلية – وإن كانت هناك تخلية بأن وكل كل منهما الآخر حق التصرف في المال – وإنما هو مشاركة ولا تتحقق المشاركة إلا بتحقق النماء عندما تكون لهذه المنافع قيمة لأنها تقاس بمعيار النماء. وليس في ما جاء شبهة ربا أو أكل مال بالباطل أو غرر أو جهالة أو غبن بأحدهما بل إنه تطبيق لمبدأ الغنم بالغرم.

وأهمية هذه المعاملات أنها تشجع الناس على التعاون والإستثمار بدون أن يتحمل أحدهما الخطر كله وحده إن جُبر أن يدفع أجر المثل لصاحبه سواء كسب أم لم يكسب.

وقد جاء في قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار- طبعة بولاق- القاهرة عام1299 هـ (جزء2ص258): ” وكذا في شركة البزاز حيث قال وإن لاحدهما ألف ولآخر ألفان واشتركا واشترطا العمل على صاحب الألف والربح انصافا جاز وكذا لو شرطا الربح والوضيعة على قدر المال والعمل من أحدهما بعينه جاز ولو شرطا العمل على صاحب الألفين والربح نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما اثلاثاً لأن ذا الألف شرط لنفسه بعض ربح الآخر بغير عمل ولا مال والربح إنما يستحق بالعمل أو المال أو بالضمان. لكن في مسئلة الشارح العمل على كل منهما لا على صاحب الأكثر فقط وهو صحيح سالم من الفساد كما سيصرح به. والحاصل أن المفهوم من كلامهم أن الأصل في الربح أن يكون على قدر المال كما قدمناه عن البحر إلا إذا كان لأحدهما عمل فيصح أن يكون أكثر ربحاً بمقابلة عمله وكذا لو كان العمل منهما يصح التفاوت أيضاً. تأمل قوله ثم يعقد شركة عنان وهي لا يلزمها أن يكون الربح فيها على قدر المال فلهما أن يتفقا على مناصفة الربح. قوله ثم يعمل المستقرض فقط أي بطيب نفس منه لا بشرط عليه لأن شرط الشركة أن يكون العمل عليهما كما قال على أن يعملا لكن الشرط إنما هو اشتراط العمل عليهما لا وجوده منهما، فإن العمل لايتأتى من اثنين فيصح أن ينفرد أحدهما به بعد أن شرط عليهما كما هو مقتضى عقد الشركة ويكون الربح بينهما على حسب الشرط لأن كلا منهما وكيل بما يعمله عن صاحبه فيقع شراء كل منهما بالأصالة عن نفس المباشر وبالوكالة عن شريكه لأن الشركة تتضمنها ويكون الربح على حسب الشرط كما تقدم في بابها“.

<< previous page next page >>

الباب السادس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل


الفصل الأول

نسب توزيع الربح

الاتفاق على حساب نسب توزيع الربح:

الشرط في المضاربة ان يتفقا عند عقدها على نصيب كل منهما من الربح، ولم يتطرق الفقهاء إلى تحديد هذه النسب فلم يكن هذا من المنطق الصحيح، واكُتفي بان يتم الاتفاق عليها بين المتعاقدين وفق رغبتهما، واعتبر ان شرط التراضي بينهما عند الاتفاق عليها سوف يؤدي إلى تحديد النسب العادلة، مثل ما يحدث في البيع والشراء؛ خاصة وأن  التسعير منهي عنه في الظروف الاعتيادية. فتتحدد هذه النسب وفق: العرف، والشروط، وظروف السوق وحجم العمل، والمال، وشهرة العامل، وغيرها من العوامل الكثيرة المتعددة التي تختلف من مضاربة إلى أخرى، ولهذا… كان الاتفاق عليها من الامور التي تعود إلى المتعاقدين.

جاء في فقه السنه (الجزء 3ص160):” روي عن أنس رضى الله عنه قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق- واني لأرجو أن القى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال“.

وقال الشوكانى: ”ان الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والأمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، واذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم والزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى: الا أن تكون تجارة عن تراض منكم“.

إلا أن المضاربة ليست كالبيع والشراء، فلا مبادلة فيها وإنما إجتماع واتحاد من أجل العمل والكسب، فهما إن ربحا يربحان سوياً، وإن لم يربحا لم يأخذ أحدهما من مال الآخر، فلا يظلم أحدهما الآخر.

وفي المضاربة في مجال التجارة… فإن هذه النسب يسهل على الناس الاتفاق عليها وفق ما جرت عليه العادة والتي امتدت منذ قرون بعيدة… إلا أن المضاربات في عصرنا هذا والتي نود الخروج بها من حدود مجال التجارة إلى مجالات الإستثمار الصناعي والعقاري والزراعي وغيرهم، تجعل من الأهمية دراسة هذا العقد لبيان العناصر العامة التي تتكون منها هذه النسب، كخطوط عامة من قبيل الإعانة لا للتحديد ولا للاشتراط، ويظل الاتفاق من الأمور التي تعود إلى المتعاقدين ولهما كامل الحرية والحق في أي نسب يختارونها.

والسبب الذي يدعو إلى وضع القواعد التي تحسب عليها هذه النسب، هي أنها تؤدي إلى استحقاق كل منهما لنصيبه من النماء الحاصل والمتولد عن المال والعمل، للمال نصيب وللعمل نصيب، ولا يجوز لصاحب المال أن يأخذ من نصيب العمل ولا يجوز العكس، ومتى تحددت هذه النسب بالاتفاق… حرص الفقهاء أشد الحرص على ألا ينال أحدهما مما ليس له فيه مال أو عمل؛ حتى لا يكون كسبه بغير عوض.

والغرر في هذه المعاملات هو ما يؤدي إلى كسب أحدهما أكثر على حساب نقصان كسب الآخر، وهذه الحصص في المضاربة بالاتفاق، إلا أنهما قد يتفقان على الثلاثة أرباع أو الربع، وتعود هذه إلى حاجة وإضطرار العامل، فكيف يكون عوض نفس عمله صحيحاً على ربع الربح، وصحيحاً على ثلاثة أرباعه وهو لنفس العمل ونفس الربح، فإن استغل رب المال حاجته فسوف يشعر بالظلم، وهذا مثل ما يؤدي إليه الغرر وأكل أموال الناس بالباطل.

وقد رأى الإمام مالك والزيدية وبعض الشافعية جواز التسعير في حالات الغلاء والإحتكار، ولسنا هنا بصدد تحديد نسب وإنما محاولة بيان العناصر التي على أساسها تقدر هذه النسب.

والمعاملة إن كانت من جنس المعاوضات كالأجرة- كما ذهب الأحناف والشافعية – يجب في المعاوضات تساوي العوضين، العمل المجهول والاجر المجهول، كأن يقول له: اعمل في مالي ولك الأجر نصف ما تكسب، وبالطبع هذه لا  تجوز على الإجارة، إلا أنها اجيزت على خلاف القياس لجهالة العمل ولجهالة الأجر.

فإن لم يعرفا… توجب على الأقل أن يكون الأجر متناسباً مع العمل؛ أي زيادة نفس نوع العمل ستوجب زيادة الأجر، وليس هذا ما يحدث في المضاربة لأن العمل الكثير ليس بالضرورة ما ينتج عنه الربح الكثير. بل وقد يعمل في أول تجارة فيربح، ثم يعمل في الثانية نفس ما عمل أول مرة فيخسر؛ ربما لتغير ظروف السوق، فيكون نفس العمل له أجر في مرة، وليس له أجر في الثانية.

وتختلف حقيقة المعاملة عن ذلك، فليس بينهما مبادلة أو معاوضة أو بيع أو شراء، وليس ربح أحدهما يقابله خسارة الآخر، وقد يقال ليس هذا بالضرورة ما يحدث في البيع والشراء وغيرهما من المعاوضات، فالبائع رابحاً لأنه قد استبدل سلعة لا يريدها لنفسه بنقوداً أو سلعة يحتاجها أكثر مما كان يحتاج ما تخلى عنه، وكذلك المشتري فيكون الربح موضوعاً نسبياً يعود إلى كل طرف فيكون كلاهما راضياً. ويحدث الربح الحقيقي في اكتمال دورة شراء ثم بيع؛ أي يشتري سلعة من شخص بنقود ثم يبيعها لشخص أخر لقاء نقود أكثر. وفي المعاوضة … يحدث تخلي عن مال أو منفعة لقاء مال أو لقاء منفعة أخرى، فيخرج المال عن ملك صاحبه لقاء امتلاك شيء أخر، أو يستفيد المستأجر بمنفعة العين التي استأجرها وضمن دفع أجرها.

وهذا لا يحدث في المشاركات؛ فالمال لا يخرج عن ملك صاحبه، فالأرض والشجر والمال يبقون على ملك أصحابهم في المزارعة والمساقاة والمضاربة، ورب المال ورب الأرض ورب الشجر لا يضمنون ولا يدفعون أجراً للعامل، والعمل حقيقى؛ فإن أصاب الزرع آفة كان العمل لا قيمة له، أما المعاوضة في هذه المشاركات فمع الأجنبي لا مع بعضهما، فلا يربح العامل من أصل المال، ولا يأخذ رب المال من العامل شيئاً لنفسه، وإنما يشتركان في ما يربحانه جميعاً  من المبادلة مع الغير.

وهذه المعاملة لا تجوز إجارة، ولهذا كانت استثناء على خلاف القياس، ولكن الشركة عقد مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وعرفها الأحناف أنها عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح. وهنا رأس المال من أحدهما فقط، ولكن شركة الأبدان ليست فيها رؤوس أموال، وقد أجازها المالكية والأحناف والحنابلة، وأبطلها الشافعية والظاهرية، وجاء فيما جاء- عمن أبطلها- أن الشركة تختص بالأموال لا بالأعمال؛ لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، ولنا أنها شركة أموال منافع، وتنضبط لا بقيم هذه المنافع المجهولة عند التعاقد وإنما بتفاضلها أو بتساويها، وكذلك المضاربة وغيرها من المشاركات، والمنافع مال وكل ما كان عوضه في عقد معاوضة تجارية مال فهو مال، والعمل منفعة بدن وهو مال.

فإن قلنا إن المضاربة شركة رأس المال فيها مال من أحدهما ومنفعة- وهي مال- من الأخر، نكون قد أخطأنا؛ لأن الخلط في رؤوس الأموال بين الأثمان والعروض والمنافع يؤدي إلى الغرر، بل وليست هذه حقيقة المضاربة.

يمكن تصور المضاربة مجازاً على أنها اجتماع خاصيتين مكملتين لبعضهما: الخاصية الأول هي القدرة على الإنماء؛ وهي ما تتميز بها قدرة العامل إذا اقترنت بمال، والخاصية الثانية هي القدرة على النماء وهي ما يتميز بها مال المالك إذا اقترن بعمل، ولا يحدث النماء إلا باجتماعهما.

وقدرة العامل إذا وجهت وجهة أخرى… كأن تؤجر؛ فإن لها قيمة مالية، والمال لو وجه إلى شراء عقار يؤجر للغير فله نماء مادي؛ إي إن هاتين القدرتين يمكن أن يكون لهما قيمة مستقبلية حقيقة، لو وجهتا إلى غير المضاربة، إلا أنهما معدوما القيمة في الحال، وبتوجههما إلى المضاربة…يُخاطر بإمكانية الحصول على هذه القيمة المستقبلية.

وهذه القيم التقديرية المستقبلية لا يشوبها تهمة الربا، فلا ضمان فيها، وقد تحدث وقد لا تحدث؛ فالغنم معه احتمال الغرم، وتتماثل هاتان القيمتان في أنهما يوجدان معا أو ينعدمان معا، وهما وإن كانتا مجهولتين وقت التعاقد، يغلب الظن بحدوثهما، وإلا فلا معنى للتعاقد، وهما يتحركان معا كثرة أو قلة أو ينعدمان بنفس الدرحة؛ لأنهما جزءان من شيء واحد: هو الفائض عن رأس المال.

ومحاولة تقدير هذه القيم يقصد بها تقدير نسب تفاضلهما، وليس قيمهما فهذا يستحيل؛ فلو افترضنا مشاركة بين مجهولين، ولتكن مشاركة من يدفع بعين تنمى بالعمل إلى من يعمل عليها كالتي قال بها الحنابلة… يمكن القول إن هذه مشاركة أعمال أو منافع؛ فإذا دفع الرجل دابة إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، فعمل الدابة فيما ستحمله مجهول وعمل العامل مجهول… إلا أنه يمكن القول إننا لو حددنا المدة بأسبوع فأجرة العامل كذا في الأسبوع وأجر الدابة كذا، فإن كانت أجرة العمل على مثل هذا العمل- لقاء فكره وعمله- ضعف أجر الدابة… يكون الرزق بينهما الثلثين للعامل والثلث للدابة، ويكون العامل قد خاطر بأجرته، والرجل قد خاطر بأجر دابته؛ فيطيب لهما ما يكسباه، وإن كثر عن الأجر المعتاد.

وفي المضاربة… يدفع الرجل ماله إلى العامل، والمال لا يعمل، كما أن الأرض لا تعمل في المزراعة… إلا أن للمال خاصية النماء وللأرض خاصية الإنبات، وهذه الخاصية تجعل للمال قيمة مضافة لو خوطر به فربح، ويمكن تقديرها بربح الفرصة المضاعة، وهي ليست مستحقة للمال إلا إذا خوطر به وتحقق النماء. ولأن المقصود من هذا التقدير هو المقارنة وليس القيمة لذاتها، قتحسب قيمة ربح الفرصه المضاعة في درجة مخاطرة مثل التي ستقدر فيها قيمة العمل، فإن قدرنا قيمة العمل بما يحصل عليه العامل كأجير مشترك من مثل العمل المتوقع أن يقوم به في المضاربة – وليس عليه ضمان إلا فيما يتلف بالتعدي – وقدرنا لهذا العمل مدة معينة… فإن نماء المال يحسب بافتراض شراء عقار، يؤجر لنفس المدة مع بقاء قيمة العين أو استهلاكها بدرجة لا يعتد بها فيعرف النماء الصافي خلال هذه المدة… فإن كان عائد المال ضعف عائد العمل، يكون تفاضلهما الثلثين للمال والثلث للعمل.

ولتوضيح هذا … نفترض مضاربة بعد انتهائها، وكان لكلا المتعاقدين نصف الربح منها، وقد عرف العمل وأجر المثل عن هذا العمل، وعرف الربح ونصيب كل منهما منه، فلو عدنا لتحليل النتائج كشركة رؤوس أموال، فإما أن نقول إن رأس المال هو المال، وأجر المثل، أو المال وقيمة العمل وهي نصيبة من الربح أو أقل، أو معادلة جديدة تعطينا نفس النتيجة التي حصلت بالفعل.

رأس مال رب المال                                            100.000

المال عند القسمة                                                120.000

ربح المضاربة                                                   20.000

نصيب رب المال                                                 10.000

نصيب العامل                                                     10.000

أجر مثل العامل                                                   8.000

لو قلنا إن رأس مال مشاركة المضاربة هو المال الذي دفعه رب المال وأجر مثل العامل، لكانت شركة بينهما بنسب المال والأجر، وكذلك لو أخذنا قيمة عمله بمعيار نصيب العامل من الربح، وهذا ليس ما اتفقنا عليه، ولو نظرنا إلى شركة الإبدان… لوجدنا أنهما تشاركا منفعة بدن هذا مع منفعة بدن هذا، فتكون هذه منفعة بدن هذا مع منفعة مال هذا، فإن افترضنا أن منفعة المال 8.000 ومنفعة بدن العامل تساوي ما يحصل عليه من نفس العمل؛ أي أجر المثل، فتكون8.000 أيضاً؛ صح اشتراكهما بالتساوي وكان رأس المال هو قيم المنافع. لكن هذه لا تنضبط ولهذا لم تكن لها قيمة وقت العقد وإنماء قيمتها مستقبلية، ولا تقصد القيمة لذاتها وإنماء تقصد لحساب تفاضلهما واحد على الآخر لحساب نسب المشاركة.

ولحساب هذه القيم المستقبليه… يجب وضع افتراضات متماثلة للمالين، وتحديد قيمهما وفق معاوضة في ظروف متساوية، ومدة المضاربة غير معروفة ولكنها واحدة للمالين، ولهذا… يمكن توحيد المدة في المعاوضتين ولنقل إنها عام واحد.

فإن افترضنا أن قيمة عمل العامل في هذه المدة لو استؤجر على هذا العمل هي أجر المثل، وكان أجر مثله في العام 8.000 تكون هذه هي قيمة منفعة بدنه في هذه المدة، وهو متى استؤجر على هذا العمل … فالأجر شبه مضمون إن قام به.

أما المال… فنحتاج إلى افتراض إستثماره في ظروف تقل فيها المخاطرة إلى أقل حد لتناسب ظروف أجر المثل التي قدرنا بها قيمة منفعة العامل، وهذا يكون في افتراض شراء عقار وتأجيره ويعتبر الأجر المتحصل خلال العام هو قيمة منفعة المال، بفرض أن العقار يباع بعدها بنفس ثمن المشترى وليست هناك تكلفة للصيانة فإن كان تحسب من الأجر. فإن كان الحاصل من العقار في العام 8.000 تكون هذه قيمة منفعة المال.

وتكون مشاركة منافع بينهما هذا بمنفعة ماله وهذا بمنفعة بدنه، وكلاهما له قيمة مستقبلية غير مضمونة وتتراوح بين الوجود والعدم، ولا تعنينا معرفة قيمتها المستقبليه وقت العقد طالما قد عرف التفاضل بينهما. أما قيمتها الحقيقة التي ترجع إلى هذا الإستثمار وهذه المخاطرة… فلا تتحدد إلا عند حصول الربح، فإن كان ربح تحددت قيمة منفعة بدن العامل فكانت له، وتحددت قيمة منفعة المال فكانت لرب المال، فإن لم يكن ربح فهذه المنافع ليست لها قيمة. وإن كانت خسارة في المال فعلى ربه لأن ما شارك به هو منفعة هذا المال ولا تجوز منفعة المال دون المخاطرة به.

وقد يقال كيف نقول إن لعمل العامل قيمة حددناها بأجر المثل، ثم نقول ليست لها قيمة إذا لم يتحقق الربح، أولاً هذه القيمة التي حددناها كانت بغرض المقارنة مع منفعة المال وفي ظروف تختلف عن ظروف عمله في المضاربة، والمجهولة عند التعاقد ولا ينكر أحد أن لعمله قيمة إلا أنها مجهولة يخاطر بها لقاء الأكثر فتقاس بمعيار النماء كجزء منه فقياس قيمة عمله في المضاربة هو بأثر هذا العمل على الربح، فإن كان الربح وفيراً فقد استحق أكثر من أجر المثل عن نفس العمل الذي قام به في هذه المضاربة إلا أنه لمخاطرته بهذا الأجر – وهي درجة مخاطرة غير ما مثلنا بها سابقاً – استحق الأكثر للمخاطرة. وبالطبع فإن  الحافز لديه في المضاربة غير ذاك في الإجارة.

ورب المال منفعة ماله ليست لها قيمة إلا بالمخاطرة بالمال، وهي في عقد المضاربة تختلف عن تلك التي قارنا بها؛ فمنفعة ماله كانت مقدرة بقصد المقارنة لا التقييم في إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة عنها في المضاربة، وهو هنا يقصد الأكثر وليستحق هذا وجب عليه تعريض أصل ماله للمخاطرة حتى يطيب له أكثر من هذه المنفعة، بل وحتى تطيب له هذه المنفعة أو أقل منها؛ فهي ليست حقاً مضموناً له وإنما تكون له إذا تعرض ماله للمخاطرة وربح. ولهذا كان عليه المخاطرة بأصل المال ليستحق منفعة المال الأكثر والتي يأمل في حدوثها، والتي تقاس مثل عمل العامل بمعيار النماء.

ولهذا … فمتى تحدد تساويهما أو تفاضلهما وعقد عليه فلا حاجة لنا بالأسس التي بني عليها هذا التفاضل فهذا عقد يختلف في العمل والمخاطرة.

وقد يقال إن ما يقدمه العامل للمضاربة يفوق ما يقدمه كأجير، فالعمل جزء من قدراته وليس كلها، فمنه الفكر والقرارات التي لها تأثير كبير على النتائج، ويختلف العمال في مهارتهم ومواهبهم وخبراتهم ونتائج أعمالهم السابقة. وهذا كله سوف ينعكس على أجر المثل المقدر له، فيكون أجر المثل معبراً عن قدراته الفكرية والبدنية. ويقابل هذا أن المال مخاطر به أكثر مما كان لو استثمر في شراء عقار لإجارته، والمال معرض للنقص إذا كان ثمة خسارة، وهذا الاحتمال هو ما يحلل لرب المال ربحه، فخسارته ليست محدودة بخسارة النماء.

فإن كانت المشاركة بين القدرة على الأنماء- العمل- وبين القدرة على النماء- المال- واستحقاق رب المال نماء ماله لأنه تابع لملكه، يكون المال لصاحبه وغير مشارك به وإنما مخاطر به على أمل النماء، فتكون المضاربة مشاركة بين مجهولين وقت التعاقد، يغلب الظن أن لهما قيما مستقبلية- ومخاطر بها، ولا يمكن حساب مقدارهما الحقيقي ولكن يمكن حساب تفاضلهما أو تساويهما، وكلاهما يخاطر هذا بماله وبقدرة هذا المال على النماء وذلك بقدراته من فكر وعمل، ولهذا… جاز لهما الكسب بأكثر مما خاطرا به، فرب المال والعامل يتوقعان أن تعود عليهما المضاربة بأكثر من عائدي الإجارة والأجر، ولقاء هذا العائد الوفير قبلا باحتمال الخسارة.

وليس في هذه التقديرات غرر فلا تجوز بسببه، فإنها أقرب ما يمكن إلى الحقيقة، والغرر يكون في جهالة نصيب أحدهما من الفائض أو جهالة الفائض وليس هذا هو الحال هنا، وتوزيع نسب الفائض أو الربح يكون عادة بالاتفاق كالنصف والثلث والربح وهذه تقديرات تعود إلى المتعاقدين ولم يشترط فيهما الدقة وإنما اشترط الاتفاق والتحديد.

وإذا لم يتحقق ربح تكون قيمة العمل معدومة ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كانت فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان الذي كان سيحلل له النماء لو كان قد تحقق.

ويجب تكرار التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيمة بمعيار هذا النماء – وهذا العمل – ونماء المال الصافي للمال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال وهو ما نسميه الربح أيضاً، أو قد يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال في هذا البحث على المعنيين ويرد إلى احد المعنيين وفق موضعه ووفق المعنى المقصود في النص.

ويمكن القول أن المشاركة هي عقد، الغاية المقصودة منه استبدال منافع بأثمان، كما هي الشركة يدفع المال والعمل فيها فإن كان ربح كان لقاء منفعة المال ومنفعة العمل، وكما هو البيع استبدال عروض بأثمان، والاجارة استبدال منافع بأثمان، تكون المشاركة استبدال منفعة مال ومنفعة عمل بأثمان والفرق بين المشاركة والبيع أن المشاركة تكون بين طرفين لا تتم المبادلة بينهما عند التعاقد وإنما تتم المبادلة بينهما أو بين من تولى الأمر منهما وبين أطراف أجنبية عن العقد وفق عقد أخر ينعقد فيما بعد، وهذا العقد الآخر مجهول وقت التعاقد. أما في البيع يتم الاتفاق على المبادلة بين طرفي العقد في نفس الوقت ويكون الاختلاف في التسليم والتقابض كما في السلم والبيع المؤجل والاجارة.

ولو نظرنا إلى ما جاء عن الفقهاء في هذه الشركات أو المشاركات التي تعلقت بمنافع نجد أنها وردت عند أغلبهم وسنقتصر في دراستنا على ما جاء في كتاب المغني لابن قدامة وفي كتاب مفتاح الكرامة وفي المدونة وفي مجموع فتاوي ابن تيمية.

<< previous page next page >>

الباب الرابع – المضاربة فى العصر الحديث

ودور البنوك وشركات الإستثمار الإسلامية

 

الفصل الأول

عقد المضاربة

يعتبر عقد المضاربة من العقود الشرعية الإسلامية ذات الأهمية الخاصة، لأنه من أنسب المعاملات التي تركها لنا السلف الصالح؛ ليقوم عليها النظام الاقتصادي الإسلامي الذي تصوره فقهاء عصرنا هذا، والذي نتج عن تصورهم الصحيح أن قامت البنوك الإسلامية لتؤدي رسالتها السامية؛ فالبنك الإسلامي يوفر السبل أمام المسلمين الصادقين الراغبين في إستثمار أموالهم وفق منهاج علمي مدروس مستوحى من الرسالة الخالدة، فيجمع أموالهم ويوجهها بخبرته وعلمه إلى مجالات الإستثمار التي تعود بالخير عليهم وعلى المجتمع.

والمضاربة هي العقد المناسب الذي يدفع الناس أموالهم بموجبه إلى البنك، ويدفع البنك المال بموجبه إلى أصحاب الأعمال، وكما كانت المضاربة في فجر الإسلام البديل الذي حل محل التمويل الرَبَوي، فهي البديل الآن في خروجنا من العصر الرَّبَوي وعودتنا إلى النظام الاقتصادي الذي فيه عُلُونا وخلاصنا من كل مشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية.

وسنتبع في تبويب هذا الجزء نفس نظام التبويب الذي اتبعناه في باب المضاربة في الفقه الإسلامي، وهذا الجزء هو اجتهاد عامل مضاربة، في محاولة مخلصة صادقة لفهم وتكييف بنود هذا العقد برؤية عصرية، يراعى فيها ظروف وطبيعة الإستثمار في هذا الزمان، وهو بالطبع لا يتعدى كونه اجتهاداً موضوعاً للبحث، قُصدَ منه أن يُدْلي أحد طرفي المضاربة بدلوه، راجياً أن يُبْحث هذا الأمر من قِبَلِ الأطَراف الأخرى من أصحاب مال واقتصاديين، وغيرنا من أصحاب العمل؛ حتى تتضح الصورة العملية، فيقوم الفقهاء في عصرنا هذا بالدراسة الفقهية المبنية على هذا التطبيق العملي، فيخرج عقد المضاربة الشرعي الحديث متكاملاً، يمكن تطبيقه عملياً بما يحفظ حقوق أطرافه ويحمي مصالحهم، ويحقق الخير لمجتمعاتنا.

ومن الأسباب التي دفعتنا إلى هذه الدراسة، الصعوبة التي يعاني منها أصحاب الأعمال الأمناء، نتيجة عزوف أرباب الأموال بما فيهم البنوك الإسلامية عن الإستثمار عن طريق المضاربة إلا فيما ندر. وقد صدرت فتاوي أهل الفقه والعلماء بالإجماع بأن الفوائد البنكية ربا، فامتنع أصحاب الأعمال المخلصين لدينهم عن تمويل أعمالهم بالقروض الربوية، واتجهوا إلى البنوك الإسلامية؛ فلم يجدوا عندها البديل في عقد المضاربة إلا في حالات قليلة نادرة.

ومن الأسباب التي منعت أرباب الأموال والبنوك الإسلامية من التعامل بالمضاربة هي أن شكل المضاربة الذي يفهمه الناس في هذا الزمان، أن الرجل يدفع ماله مضاربة إلى شركة فتستثمر المال، وتقتطع منه لنفسها مصاريف مكتبها الرئيسي ومصاريف وأجور معداتها وأعيانها … فإن لم تصب ربح بعد ذلك تحمل الخسارة رب المال، ولا شيء من الخسارة على الشركة، والتي ربما تكون قد ربحت من هذه الأجور التي اقتطعتها لنفسها، وهذا ما لم يقل به أحد من الفقهاء السابقون، فلا أجر لعامل المضاربة، وعمل العامل من ماله، وكذلك نفقته إذا كان شرطها عليه، فالعامل المضارب يخسر من ماله قبل خسارة رب المال، ولا يجوز له الربح من مال المضاربة إلا من نماء رأس المال وربحه.

ويتضح السبب الثاني مما جاء عن بعض العاملين في البنوك الإسلامية، وعن بعض الباحثين، وهو يتعلق بعدم أمانة بعض أصحاب الأعمال الذين يستغلون هذا العقد في تحقيق الربح لأنفسهم بطرق احتيالية، ولا ريب أن هذا ما حدث في بعض الحالات من قِبل فئة قليلة فاسدة، فأصيبت الغالبية الأمينة بجُرْم الأقلية الخائنة.

جاء في بحث: صيغ التمويل الإسلامي للدكتور سامي حمود – مجلة البنوك الإسلامية (ص 43): ”وقد جربت البنوك الإسلامية بكل حذر صيغة المضاربة فلم تجد الأمين من الناس إلا ما ندر. وكانت النتيجة المؤسفة التي توصلت إليها البنوك الإسلامية تتمثل في تقليص استعمال هذه الصيغة التمويلية الرائعة – أي المضاربة – واستبدالها بصيغ أخرى لا تحقق مقاصد الشريعة الخالدة في تحقيق التوازن في المجتمع الإسلامي المتكافل المتضامن“.

وجاء في بحث السيد م. رشيد شودري ”نظرة تقويمية للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ودورها المستقبلي“ – (ص 25 – 33 مجلة البنوك الإسلامية عدد 66): ”أن بعض الباحثين عن الثروة من رجال الأعمال قد يستغلون المزايا التي تمنحها البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية لنفعهم الشخصي. وفي بعض الأحيان يلبسون قناع الدين ليخدعوا الهيئة الإدارية“.

وجاء عن دور البنوك الإسلامية، من نص محاضرة للدكتور أحمد النجار – مجلة البنوك الإسلامية – (العدد 70 ص 31-37): ”ومن أمثلة ذلك بيوع المرابحة التي كادت بعض البنوك الإسلامية تقصر نشاطها عليها والتي لا تمثل في تصوري بالنسبة لفلسفة النظام الاقتصادي الإسلامي سوى وسيلة محدودة وسيئة بل وتافهة إذا ما قورنت بأسلوب المشاركة الذي يعتبر الجوهر الأساسي لفلسفة عمل ونظام البنوك الإسلامية، حيث أن مقاصد النظام الاقتصادي الإسلامي لا تتحقق بأسلوب المرابحة، بل قد تكون هذه الوسيلة من وسائل التمويل مدعاة وذريعة لممارسات خاطئة تسيءإلى الفكر الاقتصادي الإسلامي“.

ويقول الشيخ صالح عبد الله كامل في كلمته التي ألقاها في ندوة الاقتصاد الإسلامي والتي نشرت في مجلة التجارة عدد شوال 1410 هـ: ”أما في جانب استخدام الأموال المجمعة فهناك وسائل عديدة أولها وأهمها والتي تمثل جوهر الطرق الإسلامية للإستثمار هي المضاربة الشرعية والتي تعني مال من طرف يملكه وعمل من طرف يملك الخبرة في ذلك المجال، يحصل التزاوج بينهما فتولد الأرباح بأذن الله … ويضيف: وهذه الأداة مستخدمة في بنوك البركة وغيرها من البنوك الإسلامية، ولكن بتحفظ وحذر فأين هو المسلم الأمين الذي نأتمنه على أموال الناس، ونثق أنه سيقوم بالعمل على الوجه المرضي، ويظهر النتائج كما وفق الله ولا يقوم باستخراج حسابات ختامية أحدها لشريكه والآخر للحكومة والثالث لنفسه، والبنوك الإسلامية كلما استطاعت أن تجد هذه النوعية قامت بالعمل معها بأسلوب المضاربة“.

وفي مقال تقويم مسيرة البنوك الإسلامية، عن مجلة البنوك الإسلامية (العدد 65 ص 23-32) وتحت عنوان حماية البنوك يقول الدكتور جمال الدين عطية: ”قد يستغرب البعض أن تكون البنوك الإسلامية بحاجة إلى حماية من عملائها، ولكن التجربة أثبتت أنها ضعيفة في مواجهة العملاء عديمي الخبرة وعديمي الضمير، والبنوك التقليدية بمنأى – من الناحية النظرية – عن كلا الخطرين، إذ أن علاقتها بعملائها المقترضين علاقة دائن بمدين، ثم هي تأخذ من الضمانات ما يزيد عن قيمة الدين ولا يهمها بعد ذلك إن كان العميل عديم الخبرة أو سيءالحظ فخسارته عليه على كل حال، وذلك بخلاف الحال في البنوك الإسلامية إذا استخدمت صيغتي المضاربة والمشاركة؛ إذ أنها تتحمل حينئذ مغبة هذه الخسارة، ومن هنا كان عليها عبء إضافي في دراسة المشروع المطلوب منها تمويله وفي التحري عن خبرة العميل وسابقة أعماله.

أما الخطر الثاني وهو إنعدام الضمير فإنه أن تمثل في تزييف العميل لحساباته فذلك لا يهم البنك التقليدي خلافاً للبنك الإسلامي على النحو السابق شرحه، وأن تمثل في تأخر العميل عن السداد فالفائدة التأخيرية – وهي أعلى من الفائدة في الإتفاقية – كفيلة بزجره عن التأخير وكفيلة بتعويض البنك التقليدي، أما البنك الإسلامي فلا يستطيع استخدام هذا الإجراء الذي نظمته القوانين الوضعية، ويبقى لذلك بدون حماية“. وقد  استطرد الدكتور ففصل علاج هذا الوضع في اتجاهين أولهما الاهتمام بالتوعية والتربية الإسلامية للمواطنين في خصوص أخلاقيات التعامل، وثانيهما يقتضى إصدار بعض القوانين وتعديل بعضها الآخر بما يحقق الحماية الضرورية للبنوك. انتهى.

ومثل هذا – في رأينا – يجب أن يعالجه ويتصدى له أصحاب الأعمال الأمناء، فهم أعلم بخبايا المهنة من غيرهم، وأقدر على منع هذه التجاوزات الخطيرة، التي تسيء إليهم، وهم أعلم بسبل سد الثغرات التي قد ينفذ منها أهل السوء. وقد درسنا هذه السبل في الأبواب الأخيرة من هذا البحث، وهو يعبر عن اجتهادنا وراينا الشخصي، وهو اجتهاد نعرضه على الفقهاء، وفي كل ما ورد في هذا البحث. وتجدر الإشارة هنا إلى قول الإمام علي رضي الله عنه: ”لا يصلح الناس إلا ذلك“. إلا أنه يجب التنويه هنا أنه لا ضمان على عامل مضاربة.

فالمقصود هنا هو تقديم محاولة صادقة للوصول إلى العقد العملي، الذي يتفق في بنوده مع الأسس ا لتي ذهب إليها الجمهور، بينما تراعى فيه ظروف وطبيعة الإستثمار في هذا العصر، الذي يهدف إلى التوسع في تطبيق معاملات النظام الاقتصادي الإسلامي؛ لإيماننا أن في هذا النظام وحده يمكن خلاصنا من كل مشاكلنا الإقتصادية والاجتماعية.

وقد حاولنا البحث في عقد المضاربة في الأسباب التي لأجلها منعت بعض التصرفات أو أجيزت، واضعين نُصْبَ أعيننا التفريق بين الشروط الشرعية، وبين الشروط الجعلية الوضعية، والأخيرة هي ما يتناولها هذا البحث، أما الشروط الشرعية … فبالإضافة إلى كونها من عند الخبير العليم، فهي خير أساس للنظام الإلهي الذي صَلُحَ عليه الكون، والذي أنعم الله به علينا فأخرجنا من الظلمات إلى النور، فكنا إذا عملنا به خير أمة أخرجت للناس.

وقد التزمنا بالمبدأ العام بأن الشرط الجعلي يكون مقبولاً، طالما كانت هناك حاجة ماسة له لتكييف العقد وبما يلائم مقتضاه، وتوفرت فيه الشروط التالية:

–   ألا يتعارض مع أي من الشروط أو الأحكام الشرعية.

–   ألا يخل بركن من أركان العقد، أو بشرط من شروط الصحة.

–   ألا يؤدي إلى الغبن بأحد المتعاقدين.

–   ألا يؤدي إلى الغرر الكثير أو المتوسط إلا أن يكون قليلاً لا يمكن التحرز منه، ولضرورة وحاجة لا يتوفر لها سبيل آخر.

–   ألا يؤدي مباشرة أو غير مباشرة إلى أكل المال بالباطل، أو الكسب دون عوض.

–   ألا يتعارض مع المنطق والقياس والعرف الصحيح.

–   ألا تكون فيه مضرة على أحد المتعاقدين أو على المجتمع عامة.

–   أن تكون للشرط حاجة ماسة لأثره، ويترتب عن عدمه الضرر بالمتعاقدين أو بالمجتمع.

– أن تكون ضرورته أهم بكثير من ضرره. وبشرط أن يكون في تجويزه مصلحة للمتعاقدين وللمجتمع، وألا تكون هناك وسيلة أخرى لبلوغ نفس المقصد.

–   ألا يحتوي على جهالة، قد تؤدي إلى التنازع والخلاف وألا يحد من تصرف المتعاقدين وفق متطلبات أو مصلحة العقد.

–   أن تتوفر فيه المباديءالعامة للشروط من أن يؤدي إلى الرضى والعدل وعدالة توزيع منافع المعاملة.

معاني الألفاظ المستخدمة فيما بعد:

ربح المضاربة: هو الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، ويتكون من جزءين هما ربح المال وربح العمل.

ربح المال: هو الجزء من الربح الذي يعود إلى رب المال لقاء مخاطرته بالمال، ووفقاً لقاعدة الغنم بالغرم، والحديث الشريف الخراج بالضمان؛ أي أن ربح المال هو نماء المال الصافي العائد إلى ربه، وهو نصيب المال من الربح الحاصل نتيجة العمل فيه وتقليبه من حال إلى حال.

ربح العمل: هو الجزء من الربح الذي يعود إلى العامل لقاء عمله وبذله الفكر والجهد لتنمية المال، ويستحقه لقاء العمل الذي يبذله والذي تظهر قيمته في مدى قدرته على إنماء الماء فتقيم بجزء منه. ويستحق العامل ربح العمل عند تنضيض المال وظهوره، ولهذا تفضل القسمة عند كل إنضاض؛ لأن ربح العامل لا يجب أن يجبر خسارة المال في تجارة لاحقة، ولأن له في المال – من ربح تجارته السابق – إذا تُجِرَ في المال مرة أخرى بدون قسمة.

القسمة: وهي التي تتم بحضور رب المال أو من ينيب عنه، وتتم عند تنضيض المال بعد تبدله من حال إلى حال، أو عند انفساخ المضاربة وبيع العروض.

ويجب التنويه هنا أن الفقهاء تركوا أمر الاتفاق على تقسيم الربح بين المال والعمل إلى المتعاقدين، فيجوز أن يكن الجزء الأكبر للمال أو العكس، والفقهاء في هذا تركوا أمر هذه النسب لتحددها القوى المؤثرة في سوق ما، فهي تعود إلى عوامل كثيرة منها: ظروف السوق من جهة توفر أو نقص المال أو العمال، ونوع المشروع، وكمية العمل المتوقعة، ودرجة المخاطرة، وخبرة المضارب وغيرهم من العوامل المتعددة، ولهذا … لا يمكن تحديد هذه النسب إلا عند التعاقد، وبالرغم من ترك الحرية للمتعاقدين … إلا أن تحديد هذه النسب يجب أن يراعى فيه عدالة توزيع ربح المعاملة مقابل ما يقدمه كل منهما.

ومتى حددت هذه النسب بالاتفاق والتراضي بين المتعاقدين … حرص الفقهاء أشد الحرص على ألا يصيب أحدهما من نصيب الآخر، وألا يجبر ربح العامل خسارة رب المال السابقة لتصرفه، إلا أنهم قد سمحوا بهذا في بعض الحالات الخاصة كالمضاربة التي يتاجر العامل في مالها أكثر من مرة؛ فتتحول النقود إلى عروض ثم إلى نقود وهكذا أكثر من مرة … فإن لم تتم القسمة بعد كل إنضاض، جبر ربح العامل في أحد الدورات خسارة رب المال في دورة أخرى، وقد سمحوا بهذا لأن المضارب في عصرهم كان يسافر فتنقطع سبل اتصاله برب المال فتستحيل القسمة، وهذا لا يحدث في عصرنا نظراً لتيسر سبل الاتصال.

إلا أن هناك حالات أخرى، قد نضطر فيها لسلوك نفس التيسير لمصلحة المتعاقدين والمجتمع، منها خلط مال العامل أو غيره بمال المضاربة بعد المباشرة بالعمل في حالة نقص المال وإمتناع أو عجز رب المال عن التمويل الإضافي، مع أذنه للعامل بالحصول عليه من رب مال آخر، إذا كان في هذا مصلحة ماسة لأعمال المضاربة ولهما.

التقدير وإعادة التقدير:

قد يضطر المتعاقدان – في إحدى المراحل – إلى زيادة رأس المال، ولا مناص آنذاك من الإعتماد على التقدير؛ لمعرفةالربح أو الخسارة في أحد مراحل المشروع غير المكتمل بعد، وقد جاء عند الفقهاء أن لرب المال أن يسترد جزءاً من المال تنفسخ المضاربة في هذا الجزء المسترد وتستمر فيما تبقى، وقالوا إن الجزء المسترد له ربحه وعليه خسارته، ويصعب معرفة هذا إلا بالتقدير؛ بشرط ألا يكتنف هذا التقدير غرراً، إلا أن يكون يسيراً يقل تأثيره.

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 20 ص 350): ”ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمحاقلة، وهو اشتراء الثمر والحب بخرص، وكما نهى عن بيع الصبرة من الطعام لا يعلم كيلها بالطعام المسمى، لأن الجهل بالتساوي فيما يشترط فيه التساوي، كالعلم بالتفاضل، والخرص لا يعرف مقدار المكال، إنما هو حرز وحدس، وهذا متفق عليه بين الأئمة.

ثم أنه قد ثبت عنه أنه أرخص في العرايا يبتاعها أهلها بخرصها تمراً، فيجوز ابتياع الربوي هنا بخرصه، وأقام الخرص عند الحاجة مقام الكيل، وهذا من تمام محاسن الشريعة، كما أنه في العلم بالزكاة وفي المقاسمة أقام الخرص مقام الكيل، فكان يخرص الثمار على أهلها يحصي الزكاة، وكان عبد الله بن رواحة يقاسم أهل خيبر خرصاً بأمر النبي  صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنه إذا أمكن التقدير بالكيل فعل، فإذا لم يمكن كان الخرص قائماً مقامه للحاجة، كسائر الابدال في المعلوم والعلامة، فإن القياس يقوم مقام النص عند عدمه، والتقويم يقوم مقام المثل وعدم الثمن المسمى عند تعذر المثل والثمن المسمى.

وجاء في صفحة 556 : فإن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: لا تصروا الابل ولا الغنم، فمن ابتاع مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، أن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر. وهذا حديث صحيح.

ويضيف في صفحة 557: وهنا كان اللبن موجوداً في الضرع فصار جزءاً من المبيع، ولم يجعل الصاع عوضاً عما حدث بعد العقد بل عوضاً عن اللبن الموجود في الضرع وقت العقد، وأما تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع فلأن اللبن المضمون اختلط باللبن الحادث بعد العقد فتعذرت معرفة قدره، فلهذا قدر الشارع البدل قطعاً للنزاع، وقدر بغير المثل لأن التقدير بالجنس قد يكون أكثر من الأول أو أقل فيفضي إلى الربا“.

ومن القواعد المهمة:

– لا يملك العامل أو رب المال الربح إلا بظهوره، ولا يظهر الربح إلا عند إنضاض كل المال، ولا يُستحق الربح لأحدهما إلا بعد القسمة وإعادة رأس المال لصاحبه.

– حتى يتم إنضاض كل المال، وطالما كان بعض المال عروضاً … تنجبر خسارة مرحلة أو تجارة من ربح مرحلة أو تجارة أخرى سابقة كانت أو لاحقة.

– لا يجوز الأخذ بتقدير الربح والخسارة وبعض المال عروض، ولا يجوز إنقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية التقديرية، ولا يتحدد الربح أو الوضيعة إلا عند الإنضاض … فإن وزع ربح مرحلي – قبل الإنضاض والقسمة – كان ديناً في ذمة من استلمه حتى تنتهي المضاربة فيخصم من حقه فيها أو يُرد.

– لا يجوز أن يكسب أحدهما مما ليس له فيه مال أو عمل أو ضمان، ولا يجوز للعامل أن يتقاضى أجراً عن عمله لأن له نصيباً في الربح هو عوض عمله.

– لا يجتمع مع المضاربة إجارة أو بيع؛ أو شرط يشترطه أحدهما لنفسه قد يعود عليه بكسب أو منفعة، ولا يجوز لأحدهما الكسب أو الإنتفاع من المضاربة إلا من نصيبه من الربح.

ونحن إذ نعرض هذا البحث المقدم عن صاحب عمل ليبدي وجهة نظر العامل … نرجو من الله صادقين أن يوفق عملنا لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يسدد خطانا إلى ما يرضاه، ولا ندعي العلم فجلَّ من وَسِعَ علمه كل شئ، وإنما نجتهد وندلي بدلونا مع غيرنا في هذه المرحلة المهمة من الصحوة الإسلامية، فإن جاوزنا الصواب في بعض أو كل ما بحثناه، فنأمل أن يشفع لنا صدق مقصدنا، والله خير العالمين.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

العــقد

العقد بمعناه العام هو كل تصرف ينشأ عنه حكم شرعي، سواء أكان هذا التصرف صادراً عن شخص واحد كالوصية والهبة والصدقة والنذر والإبراء والطلاق، أم صادراً عن شخصين أو أكثر كالبيع والإجارة والمضاربة وغيرهم، وهو إن صدر عن شخصين أو أكثر يعرف بمعناه الخاص: ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه مشروع يظهر أثره في المحل. والمعنى الأخير هو الشائع وهو ما يتعلق بالتجارة وغيرها من المبادلات.

أركان العقد المتعلق بالمبادلات المالية:

1-   العاقدان أو أطراف العقد اللذان يصدر عنهما الإيجاب والقبول.

2-   محل العقد وهو المعقود عليه وتظهر فيه أحكام العقد وآثاره، وهو العين كما في البيع والرهن، أو المنفعة كما في الإجارة.

3-   الصيغة الدالة على العقد، وعند الحنفية يكفي الإيجاب والقبول.

أولاً – العاقدان أو أطراف العقد :

يشترط في العاقد الأهْلية والولاية.

1-  الأهلية : وهي صلاحية الإنسان بوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، وصلاحية صدور التصرفات منه على وجه يُعْتَدْ به شرعاً. وهي صلاحية الشخص للإلزام والإلتزام. وبالمعنى العام … تكمل الأهلية ببلوغ الرشد ما لم يطرأ على الشخص عارض يؤثر على هذه الأهلية فيزيلها أو ينقصها، أو يحد من تصرفاته من غير تعرض لأهليته.

والعوارض التي تزيل الأهلية: هي النوم والإغماء والجنون وعند بعض الفقهاء السكر، والعوارض التي تنقصها: هي العته، والعوارض التي تحد من تصرفاته لمصلحته: فهي السفَّه والغَفْلة، والعوارض التي تحد من تصرفاته لمصلحة غيره هي الدَّيْن ومرض الموت.

2-  الولاية : وهي سلطة شرعية لمن ثبت له القدرة على إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها، بحيث تترتب عليها آثارها الشرعية بمجرد صدورها، ولا تثبت إلا لمن كان كامل الأهلية.

ثانياً – المحل وهو المعقود عليه ويجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:

1-    أن يكون قابلاً لحكم الشرع، فإن لم يكن … يكون العقد باطلاً، فالمال غير المتقوم وما حرم الشرع لا يجوز التعاقد عليهما.

2-  أن يكون موجوداً عند التعاقد، أو متوقعاً وجوده في المستقبل، حسب ما تقتضيه طبيعة العقود، فمحل العقد إذا كان منفعة … لا يشترط أن توجد هذه المنفعة وقت العقد وإنما يشترط إمكان تحققها في المستقبل.

واختلف الفقهاء في حالة أن يكون المحل عيناً. فهل يشترط أن يكون موجوداً (وهو الموجود عند التعاقد)، أو يجوز أن يكون معدوماً في بعض العقود (والمعدوم هو غير الموجود عند البيع مع إمكان وجوده وتسليمه في المستقبل).

يشترط الحنفية والشافعية أن يكون موجوداً في جميع العقود، ويشترط المالكية ذلك في عقود المعاوضات فقط، واستثنوا منها
بيع الخضروات التي تظهر بالتدريج فأجازوا بيع المعدوم فيها. أما الحنابلة … فلا يشترطون وجود المحل في أي عقد، فيجيزون بيع المعدوم المقدور على تسليمه في المستقبل مادام خالياً من الغرر.

3-  أن يكون معلوماً لطرفي العقد علماً ينفي عنه الجَهالة المفضية إلى النزاع، والعلم به يتحقق بالإشارة، أو بالرؤية، أو بالوصف إذا كان مثلياً وذلك ببيان مواصفاته ونوعه وكميته أو وزنه أو ما يقاس به من وحدات قياس.

4-    أن يكون عند العقد مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيع ما لا يقدر على تسليمه.

ثالثاً – الصيغة :

ويشترط الإيجاب والقبول الصادّرْين عن رضى إرادة المتعاقدين الحرة، وأن يكون كل من الإيجاب والقبول واضح الدلالة، وأن يتوافق الإيجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه، فلو اختلفا لا يصح العقد، وأن يتصل القبول بالإيجاب دون أن يكون بينهما فاصل مضر.

وتتحقق الصيغة بالكتابة أو الكلام أو الإشارة في حالات العجز. أما تحققها بالأفعال الدالة على الرضا … فهي لا تنعقد بالأفعال مطلقاً وفقاً للشافعي وأحمد، وتنعقد بالأفعال فيما اعتاد عليه الناس وجرى به العرف وفقاً للحنفية، وتنعقد بالأفعال مطلقاً متى كان الفعل واضح الدلالة سواء كان مما يجري به العرف أم لم يكن، وهذا ما قال به المالكية وهو ظاهر مذهب أحمد بن حنبل.

وتنقسم العقود – من جهة الصيغة – إلى ثلاثة أقسام : العقد المنجز وهو ما ينعقد بصيغة تفيد وجوده ووجود حكمه في الحال، والعقد المضاف وهو ما تفيد صيغته على وجود العقد وانعقاده في الحال على ألا يترتب عليه حكمه إلا في زمن مستقبل معين، والعقد المعلق وهو ما يتعلق تنفيذه بحصول أمر آخر محتمل الوقوع في المستقبل.

والعقد الصحيح هو العقد الذي سلمت أركانه وأوصافه من الخلل، والعقد غير الصحيح، هو ما أصابه الخلل في ركن من أركانه أو وصفه، وذهب الجمهور من غير الأحناف إلى اعتبار أن العقد في هذه الحالة لا ينعقد، وإذا ما وجد عقد من هذا النوع وقع باطلاً، ولا يترتب عليه أي أثر شرعي، ولا فرق بين تسمية هذه العقود فاسدة أو باطلة.

أما الأحناف … فيرون أن العقد المالي غير الصحيح يكون باطلاً إذا كان الخلل في ركن من أركانه (الأركان هي العاقد والمحل والصيغة)، والعقد الباطل هو مالم يشرع أصلاً أو ما لا يعتبره الشارع موجوداً فلا يترتب عليه أثر. ويكون العقد غير الصحيح فاسداً إذا كان الخلل في وصف من أوصافه أو في شرط من شروطه، وتحقق وجوده شرعاً لتوافر أركانه وتحقق معناه، وأن يفسد العقد لخلل في وصف من أوصافه، لا يمنع هذا الخلل انعقاده لصحة أركانه، ورغم أنه يجب فسخ العقد الفاسد … إلا أن ذلك مشروط ببقاء المعقود عليه على ما كان عليه قبل القبض.

والعقد الصحيح الموقوف هو ما صدر ممن لا ولاية له، وكان نفاذه موقوفاً على إجازة من يملك تلك الولاية كعقد الفضولي، فإذا صدرت الإجازة … صح العقد عند المالكية والأحناف وفي رأي عند الحنابلة. وعقد الفضولي: هو الذي يبيع ملك غيره دون إذنه، أو يشتري لغيره دون إذنه، وهو عقد صحيح إلا أن لزومه يتوقف على إجازة المالك أو وليه، فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه بطل.

والعقد اللازم هو ما لا يقبل الفسخ بطبيعته، أو ما يشترط لفسخه تراضي طرفيه، والعقد غير اللازم وهو العقد الجائز والذي يمكن لأي من طرفيه أن يفسخه منفرداً دون موافقة الطرف الآخر.

وقد ينفسخ العقد لأسباب خارجة عن إرادة الطرفين كهلاك المبيع قبل تسليمه، أو موت أحد المتعاقدين كما في الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة.

ولو انفسخ العقد، إما برغبة أحد المتعاقدين، أو لأسباب خارجة عن إرادة المتعاقدين … فالمبدأ العام هو إعادة المتعاقدين إلى وضعهما قبل التعاقد إذا أمكن هذا. ولكن هذا المبدأ العام لا يسري على جميع العقود خاصة العقود التي لا يمكن إعادة العاقدين إلى سابق وضعهما قبل التعاقد، فعقود الشركة والمزارعة وما مثلهما، تنشأ عنها نتائج لا يمكن ردها إلى ما كانت عليه قبل التعامل، وكذلك عقود الإجارة التي نفذ جزء من مدتها، وكذا في حالة أن فسخ أحد الطرفين يلحق الضرر بالطرف الآخر أو ينقص من حقوقه التي اكتسبها وفقاً لقيامه بعمل نص عليه في العقد. ولهذا … فقد نص الفقهاء بما تكون عليه كل حالة في بابها.

وأنواع العقود متنوعة وفق الغاية منها، ومنها : عقود المعاوضات وهذه تنقسم إلى معاوضة مال بمال كالقرض والبيع بما فيه السلم (وهو البيع المؤجل فيه العين المشتري)، والبيع المؤجل فيه الثمن، أو معاوضة مال بمنفعة كالإجارة والجعالة.

ومنها عقود المشاركات وهذه يشترك فيها المتعاقدان بمالهما أو بعملهما أو بكليهما أو بأحدهما بهدف الإشتراك في النماء أو الكسب أو الربح كالشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة.

العقود التجارية (المعاملات وهي المعاوضات والمشاركات):

التبادل هو مبادلة مال أو منفعة مقابل مال أو منفعة أخرى، ويقصد به قيام فرد أو جهة بإعطاء سلعة أو منفعة أو خدمة إلى فرد آخر أو جهة أخرى، لقاء مال نقدي أو سلعة أو منفعة أو خدمة يقدمها الطرف الآخر له، وقد يكون التبادل آنياً أو مؤجلاً. وتسمى هذه المعاملات المعاوضات؛ لأن الإعطاء يكون فيها بعوض، أما الصدقة والهبة والورث والإعارة فهذه ليست معاوضات.

أما المشاركات … فإنها اجتماع شخصين أو أكثر بمالهما، أو بمال أحدهما، أو دون مال بقصد العمل والربح عن طريق المعاوضات مع أطراف أجنبية عنهم. وتكون في صورة متعددة كالشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة.

الشروط العامة للمعاملات التجارية:

شجع النظام الاقتصادي الإسلامي المعاملات ووَضَعَ المبادئ والأحكام التي تنظمها وتيسرها وتحفظ الحقوق، فاشترط فيها : توفر العدل والتراضي المبني على العلم، وحرية الإرادة والأهلية والولاية وحسن النية، وأوجب الوفاء بالعقود ونهى أن يشوبها كل ما قد يؤدي إلى أكل المال بالباطل أو ما يؤدي إلى المخاصمة والنزاع.

ونهى أن تشوب المعاملات أو العقود أحد المفاسد التالية:

1-   الربا وهو كل كسب دون عوض ودون مقابل. وهو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.

2-  الغبن وهو أن يبيع بأكثر من ثمن المثل أو يشتري بأقل منه، وهو عدم التماثل بين العوضين في القيمة ولا يعلمه المَغْبون عند التعاقد. والغبن نوعان: يسير وفاحش، واليسير لا يترتب عند وقوعه فسخ العقد، إلا في حالة بيوع الأمانة إذا كان ناجماً عن الخيانة فيحق له التعويض، أما الغبن الفاحش … فيحق للمغبون أن يطالب بفسخ العقد أن صاحب هذا الغبن مخالفة شرعية أخرى كالغش، أو كان يصعب عليه التوقي منه.

3-  الغرر وهو الذي لا يدري هل يحصل أم لا. وهو كل معاملة أو بيع احتوى جهالة أو تضمن مخاطرة أو قماراً، يتقلب بموجبهما الربح بين الوجود وعدمه. وهو المجهول العاقبة، وما يؤدي إلى الظلم والعداوة والبغضاء.

4-  الجهالة وهي ما عُلِمَ حصوله وجُهِلَت صفته إلى درجة تؤدي إلى عدم معرفة الحقوق المعقود عليها وتحديدها بما قد يؤدي إلى أن ينال أحد المتعاقدين من نصيب الآخر، بما قد يؤدي إلى النزاع والخلاف بينهما.

5-  الغِشْ والتَّدْليس وهو كل عمل أو قول يقصد به التمويه أو خداع أو خيانة الطرف الثاني في عقد ينتج عنه رضاه بما لم يكن ليرضى به بدونه، ومنه : كتمان العيب والتطفيف، واستخدام وسائل احتيالية لإخفاء عيب أو لتضليل الطرف الثاني. ومنه النجش: وهو أن يقوم طرف ثالث متواطئاً مع البائع ولا يرغب حقاً في الشراء، بالتقدم بثمن أعلى لسلعة يعرضها البائع، بغرض خدع المشتري وأغرائه بشرائها بثمن أكثر من قيمتها. ويقاس عليه تواطؤ المشترين في المزايدات وغيرها ليحصل أحدهم على السلعة بثمن أقل من قيمتها.

6-   الإكراه، والاحتكار، والاستغلال.

7-   الشروط الجعلية التي تتعارض مع أي من الشروط الشرعية أو مع مقتضى العقد.

<< previous page next page >>