الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

Introduction

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Almudarabah.com & islamandsciencetoday.com are websites established to publish contemporary Islamic research, with the aim of providing a venue for Muslim scholars and intellectuals to review and discuss such issues.

Our researches are in the Arabic language because this is the language of the holy Quran, Hadith, and the majority of the Muslim scholars’ writings accumulated throughout the various ages of Islam. Gathering and reviewing such information from its original sources is essential to ensure that none of the original meaning is lost or misinterpreted during translation, especially for the verses of the Holy Quran and Hadith.

Although our researches are in the Arabic language, and at this time, only a few articles are published in the English language, we will Inshaa’Allah put an effort to write brief articles in the English language to summarize the outcome and conclusions reached in our studies, hoping to involve the very important and valued contribution of the non-Arab Muslim scholars, who during the history of Islam, have played a major role in advancing and enriching our culture and knowledge.

On the other hand, we consider translating the full published research and studies is of great importance, but this is an enormous task beyond our means and ability. That is why, we welcome any serious party willing to carry out part or parts of this tremendous task, their reward like ours, will be Inshaa’Allah the blessings of Allah.

Finally, we are hoping that this site will become a virtual conference place or a kind of workshop for all serious open-minded Muslim thinkers to review, share, discuss and hopefully guide and advance this research.

In today’s world of vast; varied and specialized knowledge, which is continuously advancing and opening new fields and horizons, no one man can master and conclude any subject. However, serious studies and research shall start from one point, then it should be placed in the open, to be reviewed by many intellectuals each in his or her specialized field, to scrutinize, examine and contribute toward advancing such research till it reaches its final or near final conclusion.

I have also advanced the researches and I am publishing them on Amazon/Books: 

Click here to go to the page of ‘List of Published Books‘.

www.amazon.com    Category books and put in the search box: Wassim Lababidi

Image of the Book Covers are shown under this Introduction and how to read the eBooks on any device.

The English language books are published on Paperback and eBooks.

The Arabic language books (shown on the Arabic Front Page) are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone.

All books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim (Arrange by “Oldest” to view the videos in order) And YouTube. 

To view the newly downloaded videos, Please click here to reach the page with the new addresses.

Please visit the YouTube channel and view a video, leave a comment or subscribe, so I know it is working and to avoid YouTube closing it. Thank you.

The main studies we are introducing on this site are:

Al Mudarabah: comprehensive research; which was printed a couple of decades ago in a 440 pages book and was distributed to academics, scholars and intellectuals working in the various fields of Islamic banking & financial institutions. The whole book is published again in digital form in this website, providing a valuable reference and materials useful to researchers, economists and bankers.

The research reviewed and listed the conditions of the Mudarabah contract, and its application in our modern times, and showed that it can be safely used as it has built in, adequate safeguards and conditions to equally protect the interest of the two partners and to ensure a satisfactory outcome of the business transaction. It also provides the means to justly measure the value of each party’s contribution and accordingly its fair share of the profit. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Al Mudarabah/Introduction’.  

Al Zakat: Scholars have differed since early Islam on the rules of and dues under Zakat. Based on the Quran, Sunnah, Hadith, and other Islamic sources, the research provides a different and new understanding of this religious duty (فريضة الزكاة), leading to a well-defined rule applicable equally to all types of money, investments and economic activities. A more detailed brief is published on page ‘Menu/Al Zakat’.

Creation: In this 21st century, the issue of creation is still troubling all religions, and the debate is still as engaged as it was 160 years ago when the concept of evolution was first published. However, we –Muslims- are blessed with the holy book which was revealed to our prophet (PBUH) some 1400 years ago.

Our research methodology is 1) to gather and list all the relevant verses in the Quran which cover the topics of creation, the observed universe and life. In the same time, 2) review and summarize the latest scientific theories and concepts covering various fields of the present human knowledge, 3) review and study the early scholar’s interpretations of the gathered Quranic verses relevant to this subject. 4) we looked at the direct meaning of the words as listed in the early accepted Arabic dictionary books (Ma’ajem  معاجم اللغة), to reach the direct meaning of the Quranic verse.

In all the verses we studied; the direct interpretation of these verses did not disagree with any of the contemporary scientific understandings, including the concepts of evolution and the creation of the universe. This research extended to almost 400 pages, with Chapter 3 dealing with the creation of man and Chapter 4 dealing with the creation of the universe and with the physics of the observed world. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Creation’.

I sincerely hope that you will read and contribute to these researches. May Allah bless this great nation and direct us to the straight path.

Wassim Lababidi


The following are the books published on Amazon/books/Wassim Lababidi

For the eBooks:
All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile and computer.
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To get the App on your mobile, it is in the Google Play Store

To install the Kindle app on an Android device (mobile): Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install” Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it. 

To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password. 

Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.

                


Added Pages:

        Index of the Videos published on the Channel on FaceBook.

Blog/ Al modawanah

YouTube Channel ‘Al Mudarabah’ Addresses of Videos published are listed with links on the page titled Videos here in this website. The Links are not working because YouTube terminated the Channel. A new channel on Facebook is already established and I am republishing the videos on Contemporary Islamic Research | Facebook.

Important Notice: To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account / page.


I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim

Index of the Videos Published in the English Language on Facebook:

Unfortunately all the links to the videos are not working, so please go the Facebook page  Contemporary Islamic Research (you need to have Facebook account) and you will find many of these videos there.

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.


©

Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.



Update: 13/04/2023 

A new page/ channel is established on Facebook pages. Please click on the following address: Contemporary Islamic Research | Facebook

So far I uploaded most videos. You need to have a Facebook page or account. Please visit and write to me. Best regards.

الفصل الثاني – الآيات القرآنية في خلق الإنسان – الخلق من نفس واحدة

 

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)} الزمر

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)} النساء

{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(28)} لقمان

في هذه الآيات يشير القرآن الى أن الله تعالى خلق الناس جميعًا من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها، وهذا يفيد التعقيب والتراخي الزمني، لا يوجد لدينا في الآيات القرآنية التي تسرد قصة آدم وزوجه وهما في الجنة، ما يدل على أن زوجة آدم قد خلقت من ضلعه، أو خلقت منه، وقول الله تعالى للملائكة اني خالق بشرًا من طين، لم يرد فيه خلق زوجه، ثم إخباره تعالى الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وما تلاه من تعليمه الأسماء وسجود الملائكة له، لم يأت فيه ذكر خلق زوجة آدم، أما قصة خلقها من ضلع آدم فهذه رواية توراتية، لم يذكرها القرآن بتاتًا، ولم يأت ذكر زوجة آدم إلا بعد انتهاء هذه الأحداث، إذ كان أول ذكر لها في قوله تعالى: {وَيَا ءَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(19)} الأعراف، وقوله تعالى : {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (35) البقرة، وهنا نجد ظهور زوجة آدم كان دون مقدمات، وهذا ما نتوقعه لو كانت زوجة آدم موجودة ولم تخلق آنذاك من ضلعه أو من الطين، بل أن أبليس يتوعد آدم وذريته قبل ورود أي ذكر لزوجة آدم، فمن أين لأبليس أن يعرف أنه من آدم البشر -الذي إن كان الله خلقه في البدء وحيدًا- سوف يكون له زوجة وذرية، ولكنه كان سيعلم ذلك لو كان آدم مصطفى من الناس الذين يتناسلون في الأرض آنذاك.

بالرغم من قولنا أن قصة خلق زوجة آدم لم ترد في القرآن، إلا أن الآيات التي نحن بصددها هنا تشير الى خلق نفس واحدة ثم خلق زوجها منها، وقد تكون هذه النفس الواحدة هي آدم وعليه فتكون زوجته قد خلقت منه، وبهذا يمكننا أن نعيد كل هذه الآيات المشيرة الى خلق أو جعل زوجة من النفس الواحدة الى آدم وزوجه، وهذا ما ذهب اليه المفسرون، ويصح هذا التفسير المرحلي في المراحل السابقة، وبفرض أن آدم خلق مباشرة من التراب، فتكون زوجته قد خلقت منه، ولم تخلق مثله مباشرة من التراب، تعبيرًا وتأكيدًا عن القرابة والألفة والمودة بينهما، إلا أن النص القرآني لم يذكر هذا الخلق الإعجازي، والذي يستدعي الوقوف عنده لو كان هذا ما حدث. أما إذا لم يكن آدم قد خلق مباشرة من التراب، وانه ظهر عبر سلالات تطورية، من أصل الخلية الواحدة، فلا بد أن زوجه أيضًا كانت من نتاج هذه السلالات التي تعود الى نفس هذه الخلية الواحدة، فاذا كان الأمر كذلك، فلن تعود هذه الآيات على آدم، وأنما ستعود الى أول خلية حية ظهرت على هذا الكوكب، ثم انقسمت الى خليتين، حيث كان التكاثر في المرحلة الأولى بطريق الإنقسام، كما هو حال البكتيريا اليوم، وعندما انقسمت الخلية الأولى الى خليتين، خلق منها زوجها، والزوج في أصل اللغة مطابق للأصل، وهذا بالضبط ما حدث للخلية الأولى، أما الإشارة الى {…خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ….} النساء، فيمكن القول أن ما بين النفس الواحدة وزوجها حتى كثرة الرجال والنساء سلالات كثيرة وزمانا طويلا يقدر ببلايين السنين، كما هو طول الزمان في قوله : {وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)} الروم .

والذي يدعونا الى ترجيح هذا المعنى هو أن الأشارة الى آدم وردت في القرآن بلفظي بشر وآدم، بينما لفظ ”نفس“ يستخدم للتعبير عن أي ذات حية، والجسد، وعين الشيء أي كنهه وجوهره، والروح {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} (28) الفجر، وليس ما يمنع أن يشير اللفظ ”نفس واحدة“ الى آدم البشر، أو أن يشير الى أول كائن حي يمكن أن يخلق منه زوجه، ويكون هذا في أول خلية حية خلقت ثم انقسمت فكان منها زوجها، وهذا إما أول خلية بسيطة حية، أو أول كائن أنقسم الى ذكر وأنثى ليبدأ معه التكاثر عن طريق التوالد لا الإنقسام، والأرجح أن نعود الى أول خلية حية.

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)} الأنعام

جاء عن القرطبي: الآية ””(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يُرِيد آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل السُّورَة (فمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) قَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَأَبُو عَمْرو وَعِيسَى وَالْأَعْرَج وَشَيْبَة وَالنَّخَعِيّ بِكَسْرِ الْقَاف , وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا . وَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , إِلَّا أَنَّ التَّقْدِير فِيمَنْ كَسَرَ الْقَاف فَمِنْهَا ” مُسْتَقَرّ “ وَالْفَتْح بِمَعْنَى لَهَا ” مُسْتَقَرّ “ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : فَلَهَا مُسْتَقَرّ فِي الرَّحِم وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَرْض الَّتِي تَمُوت فِيهَا ; وَهَذَا التَّفْسِير يَدُلّ عَلَى الْفَتْح . وَقَالَ الْحَسَن : فَمُسْتَقَرّ فِي الْقَبْر . وَأَكْثَر أَهْل التَّفْسِير يَقُولُونَ : الْمُسْتَقَرّ مَا كَانَ فِي الرَّحِم , وَالْمُسْتَوْدَع مَا كَانَ فِي الصُّلْب ; رَوَاهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَالَهُ النَّخَعِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : مُسْتَقَرّ فِي الْأَرْض , وَمُسْتَوْدَع فِي الْأَصْلَاب . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قَالَ لِي اِبْن عَبَّاس هَلْ تَزَوَّجْت ؟ قُلْت : لَا ; فَقَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَخْرِج مِنْ ظَهْرك مَا اِسْتَوْدَعَهُ فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ الْمُسْتَقَرّ مَنْ خُلِقَ , وَالْمُسْتَوْدَع مَنْ لَمْ يُخْلَق ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : وَمُسْتَوْدَع عِنْد اللَّه . قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل ” وَلَكُمْ فِي الْأَرْض مُسْتَقَرّ وَمَتَاع إِلَى حِين “[الْبَقَرَة:36 ] وَالِاسْتِيدَاع إِشَارَة إِلَى كَوْنهمْ فِي الْقَبْر إِلَى أَنْ يُبْعَثُوا لِلْحِسَابِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة.““

كل مخلوق حي يبدأ من خلية واحدة وفي حالة الإنسان تكون هذه الخلية هي البويضة المخصبة، والتي تنقسم على نفسها، أي منها يخلق زوجها، وتتوالى الإنقسامات، ليبدأ بعدها الإنقسامات المتخصصة التي تكون الأعضاء والأجهزة المختلفة في الجسم الحي.

وفيما عدا أول خلية حية، فان أي خلية يجب أن توجد عن ومن خلية أخرى، وكل خلية تأخذ معها من الأولى، نسختين عن شفرة الجينات تقبعان في نواتها، وتتكون الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) من ثلاثة بلايين وحدة توجد فى كل من خلايا الجسم البشري التى يبلغ عددها 100 تريليون خلية ( التريليون يساوى الف بليون ) ويتألف الحمض ( دي ان ايه ) من سلسلة من مركبات الفوسفات والسكر الخماسي على التعاقب من اربع قواعد نيرتوجينية فى صورة تباديل وتوافيق هى الادنين والسيتوزين والجوانين والثايمين وتحمل هذه الوحدات الاربع الاساسية فى الشفرة الجينية وفي الجزء الصغير منها الذي تم فك شفرته، الارشادات الكاملة اللازمة لتكوين الكائن الحي .

ويوجد فى الجسم 20 حمضا امينيا مختلفا تعتبر بمثابة اللبنات الاساسية لبناء جسم الانسان وهى تستخدم فى سلسلة من التكوينات لانتاج مختلف البروتينات من الكيراتين الموجود فى الشعر الى الهيموجلوبين الموجد فى الدم .

لا توجد وظيفة معروفة للغالبية العظمي لنحو 97 % من مجموعة الشيفرات الوراثية للانسان، ويعتقد العلماء أنه لا وظيفة لها، إلا أنه لو تبين غير ذلك، فان هذا الجزء الكبير قد يشتمل على معلومات قد تكون ذات أهمية كبيرة.

ولا يختلف الحمض النووي من انسان الى آخر الا بنسبة لا تتجاوز 0,2 فى المائة (واحد فى كل 500 وحدة) وهو ما يأخذ فى الاعتبار ان الخلايا البشرية تحمل نسختين من الشيفرات الانسانية. ويماثل الحمض النووي البشري الحمض النووي للشمبانزي بنسبة 98 % ويقدر عدد الجينات فى الانسان والفأر بما بين 60 الف و100 الف وفى الدودة الاسطوانية بنحو 19 الف جين وفى فطر الخميرة بنحو ستة الاف جين وفى الميكروب المسبب للدرن بنحو اربعة الاف.

مما سبق فكل مخلوق مركب يبدأ خلقه من خلية واحدة، ويستقر في نواتها الحمض النووي الذي هو بمثابة كتاب مودع فيه كافة معلومات بناء هذا المخلوق وكيفية بناءه، بل أن هذا الكتاب يصبح مصنعًا لإنشاء المخلوق حيث يرسل تعليمات وأوامر بناء الى المواقع المحددة التي يتم فيها بناء كل عضو وجهاز، وفق برنامج زمني محدد. النفس أو الخلية مستقر ومستودع، المستقر هو القرار المكين في نواة الخلية والمحمي بجدار خارجي وآخر داخلي حول المكان الذي تقبع فيه سلسلة الحمض النووي، والمستودع هو المكان الذي تحفظ فيه المعلومات وأوامر البناء. وهذا يكفي لتفسير أننا جميعًا أنشأنا الله سبحانه وتعالى من نفس واحدة هي البويضة المخصبة، والتي انقسمت على نفسها فجعل منها زوجها ثم منهما خلق الكائن.

ولو أردنا الرجوع الى أول خلية نشأت على الأرض، تكون النفس الواحدة هي أول خلية بسيطة تكونت، ثم انقسمت على نفسها، ثم تطورت إما الى مخلوق ذو خلية وحيدة كالبكتيريا، أو الى مخلوق متعدد الخلايا، تطور وتفرع عنه كافة أنواع الحياة المعقدة التركيب، ويحمل كل موجود حي خلايا تتطورت عبر مراحل كثيرة عن نفس الخلية الأولى، وفي كل من هذه الخلايا توجد نسخ مطابقة عن السلسلة الإهليجية له، تورث نوع بعد نوع، وجيل بعد جيل، وقد تتطور وتتبدل وتتحسن، تحمل في جزء منها كافة المعلومات الموروثة والأوامر اللازمة لتكوين نفس الجسم الحي، ومعلومات تبين تاريخ تطوره، والله أعلم سبحانه يخلق ما يشاء.

{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}(12) الزخرف

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات

في هاتين الآيتين، نجد أن الآية تشير الى خلق الأزواج كلها، وتتعلق بكل شيء، بما يشمل كل الأنواع الحية التي نعرفها، والتي لا نعرفها، وفي قوله تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون }َ(36) يس ، توحيد لمكونات خلق هذه الأزواج، بما يشتمل أيضًا على الأزواج من النوع الإنساني، والتي وردت في قوله تعالى : {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا …} (11) فاطر، أي أن الأزواج تخلق مما تنبت الأرض ومن النوع نفسه ومن غيرهما، وبناء على نوع الإنسان الذي ذكر عنه أنه خلق من تراب ثم من نطفة ثم جعل أزواجا، يمكن بالقياس استنتاج أن كل الأنواع الحية مرت بنفس المراحل التي مر بها خلق الإنسان والتي سبقت وجود الأزواج، فهل يكون المخلوق من التراب ثم من النطفة هو ذاته الذي تفرعت منه كل الأنواع والأجناس بما فيها النوع الإنساني، ليس في هذه النصوص ما يعارض هذا المعنى.


وفي قوله تعالى :{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)} فاطر

تدل الآية الكريمة على أن الماء الواحد، يخرج به تنوع الخلق وتنوع ألوانه وهيئته وشكله وصفاته، وجاء في التفاسير: ”قَوْله تَعَالَى : ” أَلَمْ تَرَ “ هَذِهِ رُؤْيَة الْقَلْب بِمَعْنَى أَلَمْ تَعْلَم.” والماء الذي نزل من السماء فأخرج به الله تعالى هذه الأنواع المختلفة من الأحياء والجماد، يشمل المطر الأول الذي أدى الى ظهور الحياة عندما اختلط الماء مع تراب الأرض، ويشمل كل المطر الذي نراه والذي يخرج الحي من البذرة المدفونة في الأرض الجافة، ويعطي جدد الجبال أي طرائقها الألوان المختلفة عن أصل لونها. ويهمنا هنا الإشارة الى اختلاف الوان الجبال الذي يدل على تغير التكوينات الصخرية نتيجة المطر، ويعبر اللون الأحمر عن تأكسد الحديد، وهذا اشارة الى ظهور الأكسجين في الغلاف الغازي الأرضي، نتيجة عملية التبادل الضوئي التي قامت بها الكائنات الكلوروفية خلال مرحلة سابقة من عصور الأرض الجيولوجية، سابقة لظهور الثدييات ومنها الناس والدواب والأنعام، أي أن النباتات والكائنات الكلوروفية أطلقت الأكسجين في الجو، مما أدى الى ظهور الطبقات الحمراء المتأكسدة، ثم ظهرت الثدييات التي تعتمد على الأكسجين في تنفسها. النباتات المثمرة المذكورة في الآية لم تظهر الا في عصر قريب نسبيًا، إلا أن النباتات الخضراء والكائنات الكلوروفية ظهرت في المرحلة السابقة التي ذكرناها، وكان لها الدور الأساسي في تغيير جو الأرض وتوفير الأكسجين الذي أدى الى ظهور المخلوقات معقدة التركيب ونحن منها.

أضف الى هذا أن بعض العلماء في هذا العصر أصبحوا مؤخرًا يرجحون أن الحمض النووي الذي أدى الى ظهور أول خلية على سطح كوكبنا، تكون على جسيمات أو غبار الفضاء، ونزل على الأرض من السماء، ويصح لغويًا التعبير عن هذه الأحماض المركبة بلفظ ماء، كما نفعل مع النطفة وغيرها.


ونلاحظ أن الأزواج وردت في القرآن للدلالة على ثلاثة أنواع:

الأول في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)} الذاريات، و”كل شيء“ يدل على كل شيء في هذا الكون، فيشمل الجماد والحي، النجوم والجبال، الصخور والتراب، وهذا يدلنا أن كل شيء في هذا الكون له مماثل، قد يكون مطابقًا له، أو معكوسا عنه كصورة المرآة، وقد توصل العلم الى ذلك، في موضوع ضد المادة Anti-matter .

والثاني في قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ..(98)} الأنعام، وقوله تعالى {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا….} الزمر، والآيات التي كنا بصددها، وتدل على الزوجية التي نشأت عندما انقسمت أول خلية حية فتكون منها زوجها.

والثالث في قوله تعالى:{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا(44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)}النجم، وقوله تعالى {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(39)}القيامة، وقوله تعالى {فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا …(11)} الشورى. وهذه الآيات تدل على زوجية نوع الإنسان خاصة والأنواع الأخرى عامة من ذكر وأنثى.


{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ(15)} غافر

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50)}الذاريات

في الآيتين من سورة الذاريات، نجد إعلام الناس ان الله خلق من كل شيء زوجين، ففروا الى الله، وحرف الفاء يفيد العطف والإتصال بلا مهلة والتعقيب والسببية، ولهذا نجد علاقة بين خلق الزوجية في الأشياء، والتي بسببها يجب علينا أن نفر الى الله تعالى، بالطبع الزوجية التي هي الذكر والأنثى لا تستدعي الفرار الى الله، ولا ينطبق عليها زوجية كل شيء، كما سبق وذكرنا أنها تشمل الجماد والحي، والتي افترضنا أنها الزوجية التي بين المادة وضد المادة، فهذين الزوجين لو تلامسا لهلكا على الفور، وحيث أنهما موجودان في هذا الكون، فكأنهما السيف المعلق فوق رؤوسنا، والذي منه هلاكنا بل واندثار الكون كله ليصبح هباء في أي لحظة، هذه الزوجية تستدعي الأنذار وتستدعي الفرار الى الله. ويقول الله تعالى : {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)} غافر، ويوم التلاقِ تعبيرًا عن اليوم الذي تزول فيه السماوات والأرض، وربما والله أعلم، سمي يوم التلاقي لأنه اليوم الذي يلتقي فيه الزوجين، أي المادة مع ضدها، فيزولا ويندثرا.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)الله الصمد(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)} الاخلاص

{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(11)} الشورى

الله تعالى من صفاته أنه أحدٌ، ليس كمثله شيء، ولهذا فليس في الكون ما هو أحدٌ غيره، أما كل شيء في الكون فله زوج، ونحن نرى الأزواج في كل الأحياء، سواء كان من ذكر وأنثى أو بالإنقسام، ولكننا لا نرى ذلك في الجماد، كالصخور والنجوم، ولهذا فالزوجية هنا يجب أن تعود الى المادة وزوجها من ضد المادة، وهذا يعني بالضرورة أن مصيرهما الفناء، أما الواحد الأحد، فيبقى خالدًا الى الأبد، وفي قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} الرحمن.


{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)} الفرقان

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)} الانبياء

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)} النور

نجد في آية سورة الأنبياء توحيد الخلق من الماء لكل المخلوقات الحية، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، ونجد في آية سورة النور وحدة تكوين كل الدواب من الماء، وهذه الآيات التي جمعت جميع المخلوقات لا تبين بالضرورة أنهم خلقوا جميعًا من نفس الماء، ولكنها أيضًا لا تنفي ذلك. ونحن نعلم أن النوع الإنساني خلق من نفس واحدة {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28) لقمان، والإنسان من هذه الدواب، إذ ورد مع من يمشي على رجلين، ولهذا يمكن ترجيح أنها اتبعت نفس الطريقة.

وفي قوله {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} (36) يس، وفي هذا توحيد لمواد الخلق الأخرى غير الماء، ونجد في هذا التشابه بين الإنسان والمخلوقات الأخرى، أي أن كل الأزواج خلقت من نفس المكونات، قد يدل هذا أيضًا أنها خلقت من نفس المكونات ذاتها، أي خلقت عبر عملية واحدة، إلا أنه لا يمكن الجزم بذلك لأن الأية قد تدل أيضًا أنها خلقت من نفس المواد إلا أنها خلقت كل منها على حدة.

والأمثلة على الجمع بين الإنسان والأنواع الأخرى كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)} الأنعام، ونجد هنا أن كافة المخلوقات المذكورة سوف تحشر يوم القيامة، وفي قوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (28)} لقمان، والمخاطب هنا هو الناس. نعرف من النصوص أن البعث هو إعادة الخلق الأول، {..كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.. } الأنبياء 104 ، ولهذا ننظر في آياته علنا نجد ما يدلنا على الخلق الأول.

والآيات التي ذكرناها لا تجزم أن خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان بدأ من نفس واحدة هي الخلية الأولى، أو أن خلق الأنواع تم كلا على حدة، وليس في القرآن ما يؤكد هذا أو يتعارض مع ذاك، ومع غياب التأكيد أو النفي القرآني، فلنا أن نلجأ الى علومنا لنجد الإجابة التي ترجح أي من الرأيين، إلتزامًا بالأمر القرآني: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)} العنكبوت وقولة تعالى {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (17)} الغاشية، وغيرهم من الآيات التي تحث الناس على البحث والتأمل والنظر والتفكير.

الذي يهمنا أن الآيات تركت هذا الأمر للناس أن يجدوه، وربما يكون هذا من متطلبات أن يكون الخطاب موجهًا الى كافة الأزمان التي اختلفت علوم الناس فيها.


{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ(8)} الطارق

عن ابن فارس: الصلب أصلان أحدهما يدل على الشدة والقوة، والآخر جنس من الوَدَك. فالأول الصلب وهو الشيء الشديد، وكذلك سمي الظهر صلبًا لقوته.“ وعنه أيضًا: ”ترب : أصلان أحدهما التراب وما يشتق منه، والآخر تساوي شيئين. فالأول التراب وهو التيرب والتوراب. وجاء في الحاشية ( يقال تيراب أيضًا وتورب، وفيه لغات أخر في القاموس وغيره. “ وجاء عن ابن منظور: الترائب: ”موضع القلادة من الصدر.“

وجاء في تفسير ابن كثير: ”يعني صلب الرجل وترائب المرأة وهو صدرها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس “يخرج من بين الصلب والترائب“ صلب الرجل وترائب المرأة أصفر رقيق لا يكون الولد إلا منهما وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبوأسامة عن مسعر سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال هذه الترائب ووضع يده على صدره. وقال الضحاك وعطية عن ابن عباس تريبة المرأة موضع القلادة وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الترائب بين ثدييها وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر وعنه أيضا الترائب أسفل من التراقي وقال سفيان الثوري: فوق الثديين وعن سعيد بن جبير الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل وعن الضحاك الترائب بين الثديين والرجلين والعينين وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي جبيبة المدني أنه بلغه في قول الله عز وجل ”يخرج من بين الصلب والترائب“ قال وهو عصارة القلب من هناك يكون الولد وعن قتادة ”يخرج من بين الصلب والترائب“ من بين صلبه ونحره.“

الترائب هي صدر المرأة وموضع القلادة، وهذه لا علاقة لها بمكان البويضة.

من النظريات العلمية التى تفسر أصل المحيطات ما يقول أن مياه المحيطات قد تدفقت من باطن الأرض الى سطحها . أي أن الماء خرج من بطن الارض أثناء تكونها فاندفع خلال النواة المنصهرة المكونة فى معظمها من عناصر مجموعة الحديد، ثم تدفق من خلال غلاف الأرض الخارجى وهو الدثار، والذى يتكون من صخور صلبة وله قشرة رقيقة من الصخور الخفيفة ومنها التراب. أي أن الماء الذي تبخر ثم نزل مطرًا، ثم خلقت منه الحياة، تدفق من بين الصلب والتراب.

والذى قد يعارض هذا الفهم أن كلمة الترائب لم تأت في معاجم اللغة على أنها من مشتقات لفظ التراب الذي هو من مكونات القشرة، بينما يوجد الكثير من الأسماء التي تطلق على التراب كما جاء في أكثر المعاجم ومنها التيرب والتوراب والتيراب والتورب، وقال ابن فارس في لفظ التراب.: ”وفيه لغات أخر في القاموس وغيره.“ أي أنه يعتقد بوجود أسماء أخرى له لم يشملها هو. أضافة الى أن القرآن الكريم قد جاء بألفاظا إصطلاحية لم يعرفها العرب قبل نزوله منها الصلاة والزكاة وفاكهة أبا، والله أعلم.

فان أفترضنا أن لفظ الترائب أنه من المشتقات اللغوية التي تعود الى التراب، نجد في هذه الآيات، حقيقة علمية تبين كيف تكونت المحيطات في العصور الأولى من تكون الأرض والتي أدت الى ظهور الحياة عليها، والله أعلم.

وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} ورد في تفسير ابن كثير: ”فيه قولان :أحدهما على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما والقول الثاني إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق أي إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر لأن من قدر على البداءة قدر على الإعادة وقد ذكر الله عز وجل هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع وهذا القول قال به الضحاك واختاره ابن جرير.“

ونجد في هذه الآية قدرة الله تعالى على رجع الماء الذي تدفق من باطن الأرض، وهي قدرة مستمرة يمكن حدوثها في أي وقت، يهلك مع حدوثها الناس وكل حي على الأرض، كما في قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} الملك ، وقوله تعالى: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا(41)} الكهف.


{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} نوح

جاء في تفسير القرطبي: ”أي جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده. قال ابن عباس: ”أطوارا“ يعني نطفة ثم علقة ثم مضغة; أي طورا بعد طور إلى تمام الخلق, كما ذكر في سورة ”المؤمنون“. والطور في اللغة: المرة; أي من فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. وقيل: ”أطوارا“ صبيانا, ثم شبابا, ثم شيوخا وضعفاء.“

والأطوار من طور، يقول ابن فارس أنها أصل صحيح يدل على معنى واحد وهو الامتداد في شيء من مكان أو زمان، وجاء عن ابن منظور الطور التارة، تقول طورا بعد طور أي تارة بعد تارة، وجمع الطور أطوار، والناس أطوار أي أخياف على حالات شتى، والطور الحال والأطوار الحالات المختلفة والتارات والحدود، واحدها طور أي مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم.

ولهذا فان الله تعالى جعل من صفات خلقنا أنه أطوارًا أي مراحل زمانية متتابعة، وهذه تنطبق على مراحل نمونا في الرحم من نطفة الى علقة الى طفلا الى رجلا، وتنطبق أيضًا على مراحل الخلق التطوري من الطين الى الإنسان.


وفي قوله تعالى: { والله أنبتكم من الأرض نباتًا . ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا } نوح 17-18

نباتًا مصدر على غير المصدر – لأن مصدره أنبت إنباتا، وهنا تشبيه خلقنا من الأرض مثل خروج النبات منها، والنبات يخرج ويعلو رويدًا حتى يصل الى حده. وقد تدل الى معنى إضافي، وهي أن أول خلقنا – وخلقنا جاء عبر خلق الحياة ذاتها – مر بمرحلة من المراحل الأولى لخلق الحياة، وهو ظهور الخلية الواحدة التي استمدت غذائها من الطاقة الشمسية، وهذا ما يتميز به النبات عن غيره من المخلوقات الأرضية، أي أن الخلق كان في مراحله الأولى نباتيًا من جهة طريقة الحصول على الطاقة، فالكائن الأول في مراحل تطوره كان يستمد الطاقة من أشعة الشمس، وهذا ما تفعله النباتات.


{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(27) المائدة

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (30) المائدة

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (31) المائدة

هاتين الآيتين تدلان أن أحد أبناء آدم، بفرض أن أبني آدم مقصود بها أولاده من صلبه، وليس أي أخين من سلالة آدم، حيث أننا نطلق على أي رجل تعبير ابن آدم، بفرض أنهما ولديه، فمن الغريب أن أحدهما لم يعرف كيف يدفن جثة أخيه، ثم لماذا ندم فقط بعد أن تعلم من الغراب كيف يدفن جثة أخيه، وهو لم يندم حين قتله، جاء في تفسير القرطبي ”قَالَ مُجَاهِد : بَعَثَ اللَّه غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا حَتَّى قَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه ثُمَّ حَفَرَ فَدَفَنَهُ , وَكَانَ اِبْن آدَمَ هَذَا أَوَّل مَنْ قُتِلَ , وَقِيلَ : إِنَّ الْغُرَاب بَحَثَ الْأَرْض عَلَى طُعْمه لِيُخْفِيَهُ إِلَى وَقْت الْحَاجَة إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ عَادَة الْغُرَاب فِعْل ذَلِكَ ; فَتَنَبَّهَ قَابِيل ذَلِكَ عَلَى مُوَارَاة أَخِيهِ . وَرُوِيَ أَنَّ قَابِيل لَمَّا قَتَلَ هَابِيل جَعَلَهُ فِي جِرَاب , وَمَشَى بِهِ يَحْمِلهُ فِي عُنُقه مِائَة سَنَة ; قَالَهُ مُجَاهِد , وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ حَمَلَهُ سَنَة وَاحِدَة ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ : حَتَّى أَرْوَح وَلَا يَدْرِي مَا يَصْنَع بِهِ إِلَى أَنْ اقْتَدَى بِالْغُرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي الْخَبَر عَنْ أَنَس قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( اِمْتَنَّ اللَّه عَلَى اِبْن آدَم بِثَلَاثٍ بَعْد ثَلَاث بِالرِّيحِ بَعْد الرُّوح فَلَوْلَا أَنَّ الرِّيح يَقَع بَعْد الرُّوح مَا دَفَنَ حَمِيم حَمِيمًا وَبِالدُّودِ فِي الْجُثَّة فَلَوْلَا أَنَّ الدُّود يَقَع فِي الْجُثَّة لَاكْتَنَزَتْهَا الْمُلُوك وَكَانَتْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَبِالْمَوْتِ بَعْد الْكِبَر وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْبَر حَتَّى يَمَلَّ نَفْسه وَيَمَلّهُ أَهْله وَوَلَده وَأَقْرِبَاؤُهُ فَكَانَ الْمَوْت أَسْتَرَ لَهُ ) , وَقَالَ قَوْم : كَانَ قَابِيل يَعْلَم الدَّفْن , وَلَكِنْ تَرَكَ أَخَاهُ بِالْعَرَاءِ اِسْتِخْفَافًا بِهِ , فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث التُّرَاب عَلَى هَابِيل لِيَدْفِنهُ , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : ” يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْءَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ “ , حَيْثُ رَأَى إِكْرَام اللَّه لِهَابِيل بِأَنْ قَيَّضَ لَهُ الْغُرَاب حَتَّى وَارَاهُ , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَدَم تَوْبَة , وَقِيلَ : إِنَّمَا نَدَمه كَانَ عَلَى فَقْده لَا عَلَى قَتْله , وَإِنْ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ مُوَفِّيًا شُرُوطَهُ . أَوْ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرّ نَدَمه ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَوْ كَانَتْ نَدَامَته عَلَى قَتْله لَكَانَتْ النَّدَامَة تَوْبَة مِنْهُ.“

نلاحظ مما جاء عن قوم: أن قابيل كان يعرف الدفن، وأنه إما ندم لأنه ترك أخاه بالعراء إستخفافًا به، أو ندم على قتله حيث رأى إكرام الله لهابيل، ولكن الأخيرة كان يعرفها لأن الله تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانه. وندمه قد يكون عن عدم دفنه وليس عن قتله، إلا أن الندم هو على عدم فعل شيء كان يعرف أن عليه أن يفعله، فان افترضنا أنه لم يكن يعرف الدفن، فلماذا يندم على عدم فعل شيئًا لم يكن يعرف كيفية فعله. قد يكون الندم هو نتيجة شعوره بالعجز. ولو قلنا يعرف الدفن فان فعل الغراب كان ”ليريه كيف يواري سوأة أخيه“ أي ليعلمه الكيفية بطريق المشاهدة، ينفي معرفته الدفن. وجاء في بعض التفاسير السلفية أن هذه الآيات لا تعود على أبني آدم من صلبه وإنما تعود على أخين من اليهود لأنه تبعها ما كتبه الله على بني إسرائيل {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…}.

وتكمن إهمية الآية أن أبن آدم –اذا كان المقصود أنه من صلبه- لو لم يكن يعرف الدفن، فهذا يدل أنه لم يرى غيره يقوم بذلك، وحيث أن الآية في ظاهر معناها تؤدي الى أن الله تعالى بعث الغراب ليريه كيف يواري جثة أخيه، وهذا قد يدلنا الى أحد احتمالين: الأول أن آدم وزوجه ثم أولاده هم أول الناس على الأرض ولم يكن هناك غيرهم. وهذا ينفي كل ما سبق وذكرناه في هذا الباب. والإحتمال الثاني أن آدم وزوجه عندما هبطا من الجنة، هبطا الى مكان من الأرض لم يكن فيه أحد من الناس، حيث أن آدم أول البشر، ومنحه الله قدرة على البيان، ومنوط اليه الخلافة، ومن معانيها ((الخَليِفة كما قال ابن الأثير: ”من يقوم مقام الذاهب ويسد مسدّه.”)) كما ذكرنا سابقًا، أن أدم وذريته سوف يخلفون ويقومون مقام الإنسان ويسدون مسده. وسواء إختلط آدم مع الناس الآخرين أم لم يختلط، إلا أنه ربما أبعد أبنيه خشية عليهما منهم لما كان الناس عليه من فساد وتوحش، وقد نجد في قوله تعالى {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ …} ما قد يصور لنا ما كان الوضع عليه، ولهذا نشأ ولديه في عزلة عن الناس، فلم يعرف قابيل كيفية دفن الموتى، أما آدم – الذي يعرف الدفن- فلم يكن حاضرًا هذه الأحداث، والا لمنع قابيل من قتل أخيه.

أخذ المفسرون الأوائل بمعناها الذي يقوم على الإحتمال الأول والمناسب لمعارفهم، بينما يصح لنا أن نأخذها بموجب الإحتمال الثاني. والآية لا تتعلق مباشرة بموضوع خلق الإنسان، وانما وردت لتبين لماذا كتب الله على بني اسرائيل أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا. وما أوردناها في هذا المحل إلا لأننا نحاول دراسة كل الآيات المتعلقة بالموضوع الذي ندرسه، سواء كان تعلقها مباشر أو غير مباشر.

***

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ   (174)} الأعراف

يخبرنا الله تعالى أنه جعل في الشفرة الجينية للحمض النووي (دي ان ايه) للبشر – ذرية آدم – فطرة ((جاء في معجم لسان العرب والفِطْرةُ: ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به))  تعرف الناس به ((لقوله {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}.)). وذكر في الآية بني آدم لأن هذه الفطرة جعلت للبشر فقط وهم ذرية آدم، لأنهم النوع الوحيد من المخلوقات الذي منح العقل وحمل الأمانة، فكان له حرية الأختيار فكان من رحمة الله به أن يفطره على نزعة معرفة الرب.   

وفي قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم 30

يقول الطبري في تفسيره: “حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَر النَّاسَ عَلَيْها) قال: الإسلام مُذ خلقهم الله من آدم جميعا، يقرّون بذلك، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قال: فهذا قول الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بعد.” أنتهى

أما لماذا لم تشمل الآية آدم، لآنه وفق ما روي عنه كان يعرف الله ولا حاجة لتعريفه بهذه الحقيقة.

ولو نظرنا إلى نص الآية أعلاه، وكل الآيات التي تروي قصة آدم، وأخذنا في الأعتبار أن الأجيال التي تلقت الرسالة في العصر الأول وطوال العصور حتى قرن أو قرنين قبل زماننا، لم يكن من الممكن أن يتصوروا أو حتى يتخيلوا ما وصلت اليه العلوم المعاصرة، بل ولن يقبلوا أن يكون خلق الحياة قد أستغرق ثلاثة بلايين ونصف سنة ((كانوا يعتقدون أن عمر الإنسان على الأرض منذ خلق آدم أربعة آلاف سنة))؛ وأنه تطور ذاتيًا من خلية واحدة الى كل أنواع الحياة التي نعرفها، كان على النص أن يخاطب هؤلاء بما يفهمونه ويعقلونه، وإلا أصابهم بالبلبلة أو كذبوه، ولم يكن نشر العلم غايته لما شرحناه مفصلا في السابق. فكان لزامًا أن يعتمد النص على التشبيه والمثل لعرض الحقيقة في صورة مشابهة لها توافق معتقدات الناس في تلك العصور مع الحفاظ التام بالدلالات الحقيقية. وقد نجح في ذلك إلى حد فائق، فلا هو بلبل أفكارهم ولا تعارض مع ما صح من علومنا المعاصرة الحديثة. وقد ذكر لنا النص هذا الأسلوب البلاغي في قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } آل عمران

في رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها.

وعليه فالمتشابهات تشمل كل ما يتعلق بالغيبيات ((منها البعث والجنة والنار والملائكة والجن وكل ما هو خارج الكون المشاهد)) وآيات الخلق الكوني وخلق الحياة والأمثال والقصص.

وهذه الآية الكريمة تعلمنا أن المتشابهات تحمل معلومات صحيحة قد تم عرضها بأسلوب وبكلمات وأسماء مغايرة للحقيقة لتناسب فهم الناس في كل العصور، وأن علينا إعمال الفكر والتدبر والجهد لنتمكن من الوصول الى المعنى الصحيح. وهذا الأسلوب المعجز ما هو إلا رحمة بالناس في العصور التي سبقت العلوم الحديثة.

***

{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22)} سورة الرحمن

تدلنا هذه الآيات الى خلق أول خلية حية في الفتحات الحرارية في قاع البحار والمحيطات، وكيف أن إلتقاء الماء القلوي النابع من هذه الفتحات مع ماء البحر المالح ينتج عنه تدرج بروتيني تتولد عن تدفقه طاقة كيميائية أدت إلى تكون الخلية الأولى التي هي أصل الحياة على كوكب الأرض. 

أنظر الرابط “مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ“ للإطلاع على الموضوع الذي نشر في المدونة.

خاتمة الباب الثالث

ذكرنا في هذا الباب بعض آيات خلق الإنسان والحياة، أما الآيات الأخرى التي لم نوردها هنا، بعضها يعود الى خلق الإنسان في الرحم، وخلق الأزواج من النوع، وغيرهم مما فسره المعاصرون وفق المعاني التي تناسب المعارف الحديثة.

والواضح مما سبق أن دلالة النصوص التى عرضنا لها، لا تدل أو تشير الى أن خلق النوع الإنساني كان خلقًا آنيًا فوريًا مباشرة من الطين. وإنما عبر تدرج مرحلي له بدء واكتمال. ويمكن تفسيرهذه النصوص بكل يسر وفق معانيها الظاهرة الواضحة، دون فرض معنى محدد عليها، مثل خلق آدم مباشرة من الطين.

الأعجاز القرآني في موضوع خلق الإنسان يظهر جليًا في الآيات التي تدل بيسر ووضوح، الى أن خلق الإنسان كان تطوريًا عبر دهرًا من الزمن حتى ظهر آدم أول البشر بما لديه من القدرة على النطق والبيان. وقلنا أنه أعجاز لأنه خالف الفكر السائد في زمان التنزيل، ولوكان من عند غير الله لما خالفه، ولأنه سبق علوم الإنسان بأكثر من الف ومائتين وخمسين سنة، سبحان الله تعالى عما يصفون.

وأخيرًا ؛ وللرد على الذين يقولون إذا كان كذلك، فلماذا لا نستخرج نظريات علمية من القرآن. نجيب لأن القرآن ليس كتاب علوم ولا يمكن أن نأت منه بنظرية جديدة، وأنما نتوقع أن دلالة أي نص قرآني يخص عالمنا المشاهد (الكون ضمن الأبعاد التي نحيا فيها) لن يتعارض مع علومنا الصحيحة، لأن هذا النص صدر عن خالق هذا الكون، وهو أعلم به.

<< previous page next page >>

مقدمة الباب الأول

مقدمة

يستمد الفقة الإسلامي أحكامه من مصادر أصلية ومصادر تبعية، والمصادر الأصلية هى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، أما المصادر التبعية فمنها المتفق عليها بين جمهور الفقهاء ، وهى : الإجماع، والقياس، والاجتهاد، ومنها المختلف فيها، وهى : قول الصحابى، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعرف وشرع من قبلنا.

ويستمد الاقتصاد الإسلامي أسسه وأحكامه من الفقه، وهو منهج حياة ينظم المعاملات البشرية على مستوى المجتمع والفرد، ويقوم الاقتصاد الإسلامي على مبادئ العدل والميزان والتراضى.

العدل فى توزيع الثروة وفى التكافل بين الناس، يقول الله عز وجل: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (سورة التوبة الآية 103). ويقول سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم فى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} (سورة التوبة الآية 60). وفي (لا ضَرَرَ ولا ضِرار)؛ فللمجتمع حق فى المال، فلا تبذير ولا تقتير ولا تعطيل ولا اكتناز.

والميزان فى تساوي العِوَض والمُعَوَّض في المبادلات، وفي تناسب البذل مع الكسب في المشاركات، وفي الغُنمِ بالغرمِ وفي الخَراج بالضَّمان، والميزان في النهي عن الربا والغرر والمَيْسرِ وأكل أموال الناس بالباطل، وكلها تؤدي إلى عدم تعادل كفتيه. ثم يأتي شرط التراضي ليعادل كِفَّتي الميزان في الحالات التي يكتنفها الغرر والجهالة اليسيرتين، ولتحقيق التراضي المبني على العلم …. فإن كل ما يؤدي إلى النِّزاع والشقاق مَنْهي عنه، وكل إكراه واستغلال وخيانة وغش منهي عنه.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – تاريخ قصة الخلق في المعرفة البشرية

          تواجد الإنسان على كوكب الأرض منذ عدة ملايين من السنين، ويعود أقدم ما وجد من أدوات حجرية بدائية إلى ما قبل مليون وتسعمائة ألف سنة تقريبًا، ويُعتقد أنه كان يمارس مهنة الزراعة منذ أحد عشر ألف سنة، أما الكتابة، فتعود أول النقوش المكتوبة على الحجر الى ما قبل خمسة آلاف وخمسمائة سنة، وهو زمن قريب نسبيًا.

          وقد واجه الإنسان قضية وجوده في هذا الكون المترامي، وحاول تفسير ما يحيط به من قوى الطبيعة، فتولدت الأساطير التي كانت في عصرها بمثابة النظريات القائمة على إفتراضات، تعتمد بالدرجة الأولى على القدرات الإقناعية وإمكانات التخيل البشرية، والتي بطبيعة الحال لا تحتاج برهان ولا يمكن إثباتها بالمشاهدة أو غيرها، وإنما يشترط التصديق والإيمان بها، وقد تستند في حالات كثيرة، على الرغبة في الإعتقاد بها. وقد لا يختلف هذا عن فرض الإيمان الغيبي الذي تتطلبه الرسالات السماوية، والذي يتطلبه أيضًا بصورة غير مباشرة، أشباه نظريات العلم الحديث مثل نظرية ال Superstring  ، وغيرها مما لا يمكن أثباته بالتجربة، لأن الموضوع الذي نتعامل معه وهو الخلق الكوني، يخرج عن قدرات معاملنا ومُسارِعاتنا، (بينما قد تفيدنا إكتشافاتنا في موضوع الخلق التطوري للإنسان)، ولهذا قد يتوجب علينا في كثير من الأحيان الإعتماد على العقل، ولكن الإعتماد على العقل (والتجربة الفكرية) فقط قد يؤدي بنا إلى أن نضل طريقنا، كما حدث عندما إعتقد أرسطو بناء على الإستدلال المنطقي أن الأرض ثابتة، وبالتالي فان الحركة التي نشاهدها في السماء هي حركة سماوية، وليست كما نعرف الآن -في معظمها- نتيجة دوران الأرض حول نفسها. وهناك أيضًا موضوع حدود صحة الظاهرة عند تطبيقها العملي، إذ أننا يجب أن نضع كل فكرة في حدودها التي وردت فيها، فلو ورد في فكرة ما أن الأرض مسطحة، لا يعني هذا خطأ الفكرة وإنما قد يشير الى نسبيتها ومحدوديتها، فاذا كانت الأرض تعنى قطعة الأرض التي يسكنها أنسان ما، فهذه يمكن التعامل معها على أنها مسطحة، وهذا ما نفعله حتى اليوم عندما نستخدم هندسة أقليدس المستوية في تخطيط منشآتنا، وإن كانت تعنى الأرض ككوكب فسطحه ليس مسطحا، أي أن حدود النظرية ونسبيتها تحدد حدود صحتها ونسبية هذه الصحة، ومتى خرجنا عن هذه الحدود تفقد مصداقيتها، والنظرية المطلقة التي تغطى كل شئ وفي كل الحدود ما زالت من أهداف العلم ولم يبلغها بعد.

          لقد تطورت تفسيرات الإنسان لهذا الكون وكيفية خلقه ونشأته، خلال حقب كثيرة من تاريخ تطوره على الأرض، وكانت في أغلب الأحيان تعكس تقدمه الفكري من جهة، ورغبات السلطة من جهة أخرى، إلا أننا نجد عددا من الطفرات التي حدثت، وتمثل بعضها في الرسالات السماوية، وبعد ذلك في ظهور العلم الحديث، ونبدأ ببعض النماذج عن الأساطير التي تداولها الناس في العصور القديمة، نعرضها من كتاب (الله جل جلاله والإنسان) للدكتور السامرائي: 

           “” تشير أغلب الأساطير القديمة، إلى الماء كأصل الخلق أو أنه المادة الأزلية، ” وأقدم ما تخيله المصريون في أصل العالم المعمور أنه عيلم واسع من الماء طفت عليه بيضة خرج منها رب الشمس وأنجب أربعة من الأبناء، هم شو وتفنوت القائمان بالفضاء و وجب رب الأرض و توت رب السماء، ثم تزاوجت السماء والأرض فولد لهما أوزيريس وإيزيس وست ونفتيس فهم تسعة آلهة في مبدأ الخليقة نشأوا من تزاوج الأرض والسماء ” . وفي قصة الخليقة الهندية شبه بقصة الخليقة المصرية، حيث تقول’’ فالحياة خرجت من بيضة ذهبية كانت تطفو على سطح الماء في العماء والإله الأكبر كان ذكرًا وأنثى فهو الأب والأم للأحياء . وتتفق مصر وبابل والهند على أن الإله الأكبر قد خلق الأرض بكلمة ساحرة فأمرها بأن توجد فبرزت على الفور إلى حيز الوجود‘‘ .

          ومن متابعة القصص والإساطير الروايات والوقوف عند الآلهة التي مثلت عقائد الإنسان في العراق نجد أن القوى التي تجمعت فيها عقائد الإنسان تمثلت بالعناصر والمظاهر والقوى الآتية :

1-  كان في البدء عنصر الماء الذي أزليًا وإلهًا في الوقت نفسه ..

2-  تولد من عنصر الماء عنصر آخر هو عنصر الأرض والسماء متحدتين، وكانت الأرض والسماء إلهين كذلك .

3-  وتولد من السماء والأرض المتحدتين عنصر غازي هو الهواء المتمدد الذي فصل بتمدده السماء عن الأرض، وجسموا الهواء وجعلوه إلهًا هو الإله إنليل …

4-  وتولد من الهواء القمر، ومن القمر ولدت الشمس، وجسموا كلا من القمر والشمس وعدوهما إلهين .

5-  وبعد إنفصال الأرض عن السماء نشأت أنواع الحياة الأخرى من نبات وحيوان وإنسان على الأرض، وقد تصوروا أن أصل الحياة والأشياء من إتحاد الهواء والتراب (الأرض)، (الماء) بمساعدة الشمس وهذه هي نظرية العناصر الأربعة . “”  ((من كتاب ‘الله جل جلاله والإنسان’ الدكتور السامرائي، صفحات 32 و33و50 عن كتابي “الله” للعقاد و “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة” لطه باقر .))

           وقد أدخلت الأساطير أيضًا عناصر: الوجود والعدم، الحياة والموت، والنور والظلام، والشر، الخطيئة والعقاب، تناسخ الأرواح، الخلود، الزفانا الأرضية والصمدية، وتخبطت بين آلهة كثيرة ربما تكون الشمس أهمها، والذي يهمنا من كل هذا أن الأنسان كان لديه عقائد تختلف وتتشابه – في بعض الأحيان – من حضارة إلى أخرى . وما قصة الطوفان التي تكررت عند أغلب الحضارات والأديان إلا دليلاً على قدم القصة، مما جعلها من التراث الذي حملته معها القبائل الأولى المهاجرة، ولا شك أن الحضارات كانت تتأثر وتنقل عن بعضها، ولهذا لا غرابة أن نجد تشابه بين الأساطير، ولا عجب أيضًا أن نجد إختلاف بينها إذ تتطور بعد إنتقالها بما يتوافق مع ثقافة وظروف كل مجتمع  .

           ومن أوائل الرسالات التي أشارت إلى خلق الكون بشيء من التفصيل، أحتواها سفر التكوين في العهد القديم، ونحن لا ندري بدقة تاريخ سفر التكوين، والذي يعيده بعض المؤرخون إلى عصر النبي موسى عليه السلام، أي حوالي 1275 ق.م ، وربما كان قبل ذلك، ولا ندري أيضًا من دوَّنه، بالطبع هو جزء من الرسالة اليهودية التي أصل مصدرها الله سبحانه وتعالى، ولكن الأصل ربما يكون قد تغير من جراء التدخل البشري في محاولتهم التوفيق بين المعتقدات التراثية والنص، أو إضفاء قدرات أعظم -وفق تصورهم- الى الخالق تعالى .

           وتتكون كتب الدين اليهودي من ثلاثة أجزاء ويحتوي كل جزء منها على العديد من الكتب، التوراة ( القانون) وهي كتب النبي موسي، وهي الكتب الخمسة الأولى، التي لم تصل إلى صورتها التي نعرفها حتى نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، ومنها سفر التكوين . والجزء الثاني الأنبياء، وهي الكتب القصصية التاريخية . والجزء الثالث هو الكتابات.

           ويجب ملاحظة أن ترتيب الكتب في العهد القديم؛ ليس بالضرورة هو تاريخ كتابتها، وقد نجد في كتاب واحد فقرات من كتب أخرى في عصور أخرى، ونجد في أغلب الحالات أن كتابات من العصور السابقة قد أعيد كتابتها من قِبل كتاب لاحقين، مما أدى إلى وجود أكثر من نص يعبر عن نفس الحدث. وقد كُـتب الكتاب اليهودي أصلاً باللغة العبرية، ثم ترجم إلى الآرامية ثم اليونانية في عصر الإسكندر الأكبر ((ويجب أن نتذكر أن ما وصلنا هو ترجمة النص الأصلي، الذي وصلنا عبر عدة لغات، والترجمة تعبر عن فهم المترجم للنص الأصلي، والذي ينتج من تفاعل النص مع المعارف الإنسانية في زمن الترجمة، وهذه ليست بالضرورة المعاني التي قد يعبر عنها النص الأصلي، لو اختلفت هذه المعارف في زمان لاحق، أي ان الترجمة تجمد معنى النص، فيتوقف عند زمان الترجمة.)) .

           وحتى وقت قريب، كان أقدم نسخة تحتوى على الجزء الأكبر من الكتاب اليهودي تعود إلى القرن التاسع ميلادي، إلا أنه تم مؤخرًا في الأربعينات من هذا القرن إكتشاف نسخًا من أجزاء الكتاب اليهودي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وهي ما تسمى مخطوطات البحر الميت.

           وقد أحتوى الكتاب المسيحي المقدس، على أكثر كتب العهد القديم (ومنها سفر التكوين) مضيفًا إليه الأناجيل التي كُتبت بعد عهد السيد المسيح عليه السلام .

           ولو نظرنا إلى سفر التكوين وحده بمنظار ثقافتنا وعلمنا المعاصر، لن يساورنا شك أن هذا النص لا يعبر عن الحقيقة، ولكننا لو نظرنا إلى النص بمنظار معرفة العصر الذي ظهر فيه، وقارناه بالأساطير المتداولة آنذاك، وبالرغم من وجود بعض عناصر التشابه معها، إلا أن النص يعتبر قفزة  في الفكر البشري . فهو يحتوي على إيجابيات كثيرة، قد تقرب النص إلى علمنا الحديث مسافة أقرب عما كانت عليه الأساطير، بالطبع ما زالت المسافة المتبقية كبيرة وشاسعة أيضًا، إلا أنها على أقل تقدير، كانت قفزة في اتجاه الطريق الصحيح .

 النص كما ورد في سفر التكوين عن الكتاب المقدس عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط:

          { في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه . وقال الله ليكن نور فكان نور . ورأي الله النور أنه حسن . وفصل الله بين النور والظلمة . ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلاً . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا واحدًا .

          وقال الله ليكن جلد ( أو رقيع وهو شئ مبسوط ) في وسط المياه . وليكن فاصلاً بين مياه ومياه . فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد . وكان كذلك . ودعا الله الجلد سماء . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا ثانيًا .

          وقال الله لتجمتع المياه تحت السماء إلى مكان واحدٍ ولتظهر اليابسة، وكان كذلك . ودعا الله اليابسة أرضًا . ومجتمع المياه دعاه بحارًا . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وقال الله لتنبت الأرض عشبًا وبقلاً يبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمرٍ يعمل ثمرًا كجنسه بزرهُ فيه على الأرض . وكان كذلك . فأخرجت الأرض عشبًا وبقلاً يبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بزره فيهِ كجنسه . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا ثالثًا .

          وقال الله لتكن أنوارٌ في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل . وتكون لآيات وأوقات وأيامٍ وسنين . وتكون أنوارًا في جلد السماء لتنير على الأرض، وكان كذلك . فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل؛ والنجوم . وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض؛ ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة . ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا رابعًا.

          وقال الله لتفض المياه زحَّافاتٍ ذات نفس حيةٍ . وليطير طيرٌ فوق الأرض على وجه جلد السماءِ .  فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كاجناسها وكل طائرٍ ذي جناحٍ كجنسهِ . وباركها الله قائلاً أثمري واكثري وإملإي المياه في البحار . وليكثر الطير على الأرض . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا خامسًا .

          وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها . بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها، وكان كذلك . فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها، ورأى الله ذلك أنه حسنٌ . وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض . فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم . وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض . وقال الله أني أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه كل الأرض وكل شجرًا فيه ثمر شجرٍ يبزر بزرًا لكم يكون طعامًا، ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعامًا . ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنٌ جدًا . وكان مساءٌ وكان صباحُ يومًا سادسًا .

          فأكملت السماوات والأرض وكل جندها . وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه . لأنه فيه إستراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا .      

          هذه مبادئ السماوات والأرض حين خلقت، يوم عمل الرب الأله الأرض والسماوات . كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد . لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان إنسان ليعمل الأرض . ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض . وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حيةً . وغرس الرب الأله جنة في عدن شرقًا ……. } أنتهى

 وورد هنا موضوع الستة أيام، الذي يتناقض مع بلايين السنوات التي أستغرقها الكون منذ نشأته الأولى حتى ظهور الإنسان، وهذا موضوعًا سوف نتعرض إليه عند دراسة نصوص الآيات القرآنية، إلا أنه يجب التنويه هنا أننا لا نتوقع أن تتضمن أي رسالة سماوية إلى أهل الأرض في تلك الأزمان، أن مرحلية الخلق أستغرقت بلايين السنوات أو حتى ثلاثمائة ألف سنة، نحن نتذكر أنه حتى عدة قرون مضت، كان البشر يعتقدون أن عمر الأنسان على الأرض لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، وإله يحتاج إلى بليون أو ثلاثمائة ألف سنة  – في نظر البشر في تلك العصور القديمة – ليس هو الإله القوى القادر، بل هم لم يكونوا يستطيعون تخيل مثل هذه الأرقام، والتي يصعب حتى علينا أن نتخيلها. ولهذا فمعنى الستة أيام نسبي ومرحلي رمزي، ونفترض أن هذا المعنى سيتضح بصورة أفضل عندما يصبح الإنسان مؤهلاً لفهم أن هذه الحقيقة إنما تعبر عن عظمة وقدرة الله تعالى .

 أما ما يأخذه البعض على أن فترة الخلق التي عبر عنها بوحدة الأيام الزمنية، لا يصح لأن اليوم هو دورة الأرض حول نفسها، والصباح والمساء يتعلقان بوجود الشمس، بينما الأيام الثلاث الأولى لم يكن هناك لا شمس ولا أرض. إلا أن هذا النقض ينطبق أيضًا على العلماء الذين يؤرخون مراحل التكوين بالسنوات، فيقولون مثلاً أن الشعاع ذو الموجات الطويلة Background Radiation  صدر عن الكون عندما كان عمره 300,000 سنة، والسنة التي يقصدونها هي زمن دورة الأرض حول الشمس، ولم يكن أيهما قد وجد آنذاك.

           بعد سفر التكوين، أو مزامناً له، نجد أن أهم المحاولات البشرية لتفسير الكون، هي النظريات الفلسفية اليونانية، ونلاحظ أن الفكر العلمي اليوناني تأسس على نظريات تقوم على العقل دون أن يكون لها أي أساس تجريبي، إذ بدأ ديمقريطس حوالى سنة 400 قبل الميلاد، بنظريته أن كل المواد والأجسام مكونة من تجمع واتحاد أعداد كبيرة جدًا من الدقائق الصغيرة التي لا نستطيع رؤيتها، وسمى هذه الدقائق الذرات بمعناها في اللغة اليونانية “الغير قابلة للإنقسام” أي أننا يمكننا تقسيم المواد إلى أجزاء أصغر حتى نبلغ الحد الصغير جدّا وهو الذرة ولن يمكننا تقسيمها أقل من ذلك . وأعتقد ديمقريطس أن هناك أربعة أنواع مختلفة من هذه الوحدات أو الذرات، ذرة الحجر، ذرة الماء، ذرة الهواء، وذرة النار .

           وفي سنة 384 ق.م ، ولد أرسطو والذي أشتهر لعبقريته الفذة، والذي تتلمذ الإسكندر المقدوني على يديه، وبالرغم من عبقرية أرسطو في مختلف مجالات المعرفة، إلا أن تصوره الخاطئ للكون قد طبع الفكر البشري طيلة ألفي سنة بنظريته، لدرجة أنها لم تصبح فقط أساس الفكر اللاهوتي المسيحي، وأنما غدت من المسلمات والبديهيات التي لم يجد البشر حاجة في البحث في أمر صدقها. 

           ان فكرة أرسطو عن الكون، والتي سيطرت قرابة ألفي عام، كانت مبنية على المشاهدة البشرية، هناك نجوم ثابتة لا تتغير مواقعها في السماء التي تدور حولنا، وهناك خمسة نجوم متحركة بالنسبة للنجوم الثابتة سميت كواكب، وهناك الشمس والقمر وهما يدوران أيضًا حول الأرض، وقد فسر أرسطو هذه المشاهدات على أن الكون عبارة عن ثمان قبب بلورية فوق بعضها البعض مثبت على كل قبة على التتالي الشمس والقمر والكواكب الخمسة (كل كوكب على قبة) ثم كل النجوم الثابتة في آخر وأعلى قبة، وتدور هذه القبب أبديًا حول الأرض الثابتة في مركزهم. 

           إن فكر أرسطو الذي كان من المسلمات العلمية حتى القرن السادس عشر، لم يكن صحيحًا، وقد وجد جاليليو عدم صحته عندما تناول موضوع أن الأرض ثابتة وأن الأجسام السماوية تتحرك في أفلاك حولها، فالأرض ثابتة وفق فكر أرسطو؛ لأن الأشياء تسقط على الأرض من الأماكن العالية (كبرج مثلاً) وفق مسار رأسي تمامًا، ولو كانت الأرض تتحرك لسقط في مسار مائل ولاصطدم بسطح الأرض بعيدًا عن قاعدة البرج، لأن البرج يكون قد تحرك مع الأرض أثناء سقوط الجسم، وليكن حجرًا مثلاً ، ولأن الحجر يسقط عند قاعدة البرج وليس بعيدًا عنها فأن هذا يعني أن الأرض وما عليها ثابتة لا تتحرك. وكلنا نعرف اليوم أن الأرض تدور حول نفسها دورة كل 24 ساعة، ومع ذلك فالحجر يسقط من أعلى البرج ويصطدم بالأرض أسفل البرج مباشرة. ويسهل تفسير ذلك لأن الحجر عند تحرره وسقوطه من البرج، يحمل معه سرعة أفقية مثل تلك التي تدور بها الأرض حول نفسها، ونرى ذلك عندما نشاهد رواد الفضاء يخرجون من سفينتهم التي تدور حول الأرض، مثل محطة ميرس الفضائية، فهم يسبحون حولها وكأنها ثابتة، بينما نعلم أنها تدور حول الأرض بسرعة فائقة.

           وقد نشأ إعتقاد أرسطو من فكرة أن الأجسام تتحرك نتيجة قوة مؤثرة عليها، ومتى توقفت القوة توقف الجسم، مثل العربة التي يجرها حصان فهي تتوقف عندما يتوقف الحصان عن الجري، ولهذا ظن الناس حتى القرن السادس عشر، أن حجرًا يقع من صارية سفينة متحركة على سطح الماء سوف يصطدم بسطح السفينة عند مؤخرتها، لأن الحجر الذي يسقط من السفينة ينفصل عنها فيتوقف تأثير قوة دفعها بينما تستمر السفينة في الحركة أثناء سقوطه الرأسي فيصطدم بسطحها عند المؤخرة.

           والفكر العلمي اليوناني، يعتمد على المنطق العقلي بصورة أساسية ولا يهتم بالتجربة، وكان الإقتناع العقلي كافيًا لصحة أي نتيجة علمية، ولم تكن التجربة لها أهمية فمن المسلم به أن ما هو منطقي سوف يثبت بالتجربة ولهذا فإجراء التجربة يعتبر في رأيهم مضيعة للوقت، ولو كلف أي بحار نفسه بإلقاء حجر من أعلى صارية السفينة لوجد أن الحجر يسقط رأسيًا عند قاعدة الصاري بالرغم من أنه أنفصل عن السفينة لحظة رميه، وأن السفينة ظلت بعد ذلك تتحرك على سطح الماء .

           لأننا لو أسقطنا حجر من فوق صارية سفينة بخارية مثلاً متحركة بسرعة ما، فإن هذا الحجر سوف يسقط تحت الصاري مباشرة، والسبب أن الحجر عند لحظة إسقاطه يكون له سرعة أفقية مساوية لسرعة السفينة وفي نفس إتجاهها، ولهذا فسوف يستمر أثناء سقوطه الرأسي في حركة أفقية موازية لحركة السفينة ومساوية لها، وسيبقى دائمًا فوق قاعدة الصاري، بينما يؤدي سقوطه الرأسي الحر (وفق معدل التسارع من أثر الجاذبية) الى أن يسقط بجاور قاعدة الصاري مباشرة تحت النقطة التي أسقط منها . إن المثال السابق يمكن تقريبه إلى أذهاننا بفرض أننا نجلس في طائرة تطير بسرعة 500 ميل في الساعة، فلو سقط منا قلم فهو يقع رأسيًا تحت مقعدنا ولا يقع في مسارمائل تحت مقعد في عدة صفوف خلفنا، وهذا واضح لدينا الآن، إلا أن الإعتقاد البشري حتى القرن السادس عشر، أي قبل عصر جاليلو، كان غير ذلك .

           وقد ناسبت نظرية أرسطو معتقدات الكنيسة، والكتب السماوية آنذاك. الأرض ثابتة والسماء تدور حولها، والقبب البلورية تتحرك في دقة ونظام بقدرة الله تعالى، ولهذا فقد حاربت الكنيسة كل من كانت تسول له نفسه تغيير هذا النظام الذي يعتمد إعتمادًا كليًا على الله سبحانه وتعالى. وكان من أهم نظرياته أيضًا أن كل شئ يتحرك إنما يتحرك نتيجة فعل قوة عليه، أي أن لكل متحرك محرك، وطالما أن هذا سوف يأخذنا في سلسلة من المتحركات والمحركات، فلابد أن ننتهي إلى محرك أول، هو الخالق. وبالرغم أن أرسطو لم يقل أن المحرك الأول هو الله تعالى، إلا أن المؤسسات الدينية وجدت في هذه النظرية الدليل العلمي الذي تحتاج إليه للإستدلال على وجود الخالق عز وجل.

           وهناك أيضًا قضية تناسب الكون وكمال تصميمه، في شكليه الميكانيكي والعضوي، وقد شغلت هذه القضية منذ بزوغ الحضارة وحتى القرن التاسع عشر، الجزء الأكبر من الجهد الفكري اللاهوتي والفلسفي،  ولها صداها في علومنا الحديثة مثل علم أنثروبي Anthropy  ((Teleology: Doctrine of final causes, view that developments are due to the purpose or design that is served by them. Anthropy: study of man and society)).             لقد بدأ الإنسان في ملاحظة روعة وكمال التصميم منذ قديم الزمان البشري، ونجد هذا في الفكر اليوناني عند سقراط وبلاتو ثم ارسطو، وقد سبقهم الطبيعيون وأولهم طاليس (624-550 ق.م) والذي ذهب إلى أن الماء أصل كل شئ، بينما عارضه في ذلك انكسمندر، والذي ذهب إلى أن المادة لامتناهية لا في الكم ولا في الكيف، وهي مزيج من المتضادات، كانت كلها في البدء شيئًا واحدًا وبفعل الحركة حدثت إنفصالات وتجمعات بين بعضها والبعض الآخر بنسب متفاوتة فتكونت عنها الأشياء الطبيعية المختلفة، منوهًا بأهمية دور الحرارة في هذه التكوينات. واستنتج أن المادة لامتناهية ثابتة غير حادثة وأبدية غير مندثرة، وتوجد الأشياء بطريق الحركة التي تجمع الأشياء وتفرقها، وليس لهذه الحركة أي غاية أو هدف . ثم جاء انكزمنيس الذي رأى أن أصل العالم هو الهواء، وذهب هيرقليطس الى أن أصل العالم النار وهي المبدأ الأول للوجود . بينما ذهب فيثاغورث إلى أهمية الأعداد والنغم، وأعاد أصل العالم الى الأعداد. واقترب ديمقريطس بعض الشئ من الحقيقة حين قال أن أصل الأشياء هو الذرة التي لا تنقسم الى ما هو أصغر منها، وما الأشياء إلا تجمع عدد من الذرات وما فسادها إلا نتيجة تفرق الذرات التي تكونها، وبالرغم أن مذهب ديمقريطس مادي إلا أن أحد أتباع مدرسته وهو أنكسجوراس قال أن الحركة التي تجمع هذه الذرات أو تفرقها في نظام وجمال لا يمكن أن تكون بفعل قوة عمياء أو بمحض الصدفة، وإنما تسيرها وتحكمها قوة عاقلة واعية ذكية، توجهها نحو هدف وغاية محددة.  

           وبعد ذلك، كان سقراط وتلميذه أفلاطون، الذي اعتمد دليل النظام الظاهر في كل أجزاء الكون، وأعتمد على الحركة الجارية فيه والمتعاقبة على كل الموجودات، للتدليل على وجود القوة المدبرة للكون والمهيمنة عليه. واعتقد سقراط أن الحقائق حاصلة في العقل، وجاء أفلاطون بنظرية المثل، لتقريب الحقيقة التي لا يدركها العقل بمثلها أو ما هو أقرب شئ لها من الموجودات التي يستطيع العقل أن يحسها.

           واعتقد أرسطو أن كل شئ له سبب وغاية وهدف، ولا يوجد شئ في هذا العالم دون غاية أو وجد هباء   in vain وان كل شئ يجري في العالم يعود الى علة أولى ومحرك أول، وتحريكه الأشياء لعلة وغاية، فكل متحرك لابد له من محرك، وهذا المحرك لا بد له من محرك، ويتسلسل الأمر حتى نصل إلى المحرك الأول الأزلي، الذي يحرك ولا يتحرك أو لا يحتاج إلى محرك، وإلا لتسلسل الأمر إلى ما لانهاية، وهذا المحرك الأول هو الله Y، ولم يوضح أرسطو صلة إلهه بالكون، هل هي صلة أولى أم مستمرة. وقال أن معرفة ظروف نشأة الكون أو البدء ليس لها أهمية لأنها ليس لها تأثير على وضعه الراهن، واعتقد أنه على الأغلب أنه لم يكن للكون بدء، وأنه موجود هكذا منذ الأزل ولا يتغير، وحيث أن كل موجود له غاية يسعى اليها، فالمهم هو معرفة غايات ونهايات الأشياء. واعتبر أرسطو الزمان مقياس للحركة، ولهذا لا يتحدد الزمان إلا بوجود حركة ومتحرك وعقل يعي حركة المتحرك ويقيسها. أما المكان فهو ما حوى شئ موجود، ولهذا ينكر وجود الفراغ المطلق الخالي من أي شئ .

           وكونت هذه المدرسة اليونانية نموذج كوني من عدة قبب سماوية مركزها الأرض، الثلاثة الأولى الأقرب إلى الأرض إحتوت على الماء والهواء والنار، يعلوها سبعة قبب تحتوي كل منها على أحد الأجسام السماوية المتحركة، ويعلوهم قبة خارجية تحتوي كل النجوم الثابتة . ولاحظ أرسطو الإنتظام والسمو في حركة ودوام الأجسام السماوية العليا، التي لا يعتريها تغير وتتميز بالحركة الدائرية والتي إعتبرها -أي الدائرة- أسمى الأشكال الهندسية لتماثلها التام، وهذا الدوام والإنتظام يختلف عن الأجسام الأرضية التي تتعرض للتغير والتحلل والفناء .

           وقد استدل ديوجين ( 400-325ق.م) من تعاقب الشتاء والصيف والليل والنهار والمطر والريح وغيرهم من الكثير من المظاهر الطبيعية، أن هذا التنظيم المتكامل لا بد أن يكون ناتجًا عن تحكم قوة مفكرة، وقد إعتقد أن هذه القوة تكمن في الهواء. وعارض ثيوفوستوس (372-287ق.م) صحة قضية أن كل شئ في الكون له هدف وغاية، مستدلاً بأمثلة منها القحط والفيضان والمجاعات، التي ليس لها هدف بناء، ونوه أن شرط الهدف والغاية لا ينطبق على كل الظواهر، وانه لا يجب إلقاء أهمية كبيرة عليه .

          بينما ظهرت في نفس الفترة أيضًا الأفكار المادية بدءًا بديمقريطس (450ق.م) كما ذكرنا، ثم بالمدرسة الأبيقورية المادية ( 341-270ق.م) التي قالت أن العالم بدأ في وقت معين في حالة فوضى مطلقة، تطورت – ربما بطريق الصدفة- من خلال عمل قوى طبيعية بحتة، لينتج عالم منتظم به حركة دائرية منتظمة، ولم تهتم المدرسة الأبيقورية بتقديم هيكل النموذج الكوني لعدم إهتمام الأبيقوريين بالبحث المنطقي أو العلمي .

          وقد أعتبر المفكرون اليونانيون المتأخرون أمثال سيسيرو (106-43ق.م) بوجود الآلهة بدليل وجود التصميم في الكون، وتبعه الطبيب جالين (131-201م) في بيان قدرة  وروعة التصميم الألهي في أعضاء المخلوقات وخاصة فيما يتعلق بتناسق وتكامل الجسم البشري، واعتبر أنه يستحيل أن يمكننا أن نحسن في تصميم الجسد البشري.

           ولم تقدم الحضارة الرومانية أي جديد في العلوم الفلسفية والكونية، ودخلت الأفكار اليونانية الى المعتقدات المسيحية، ويبدو التوفيق واضحًا بين بعض المذاهب اليونانية كفلسفة أرسطو والمعتقدات اللاهوتية المسيحية، حيث اتفقا على أن العالم قد وجد من أجل غاية معينة، بينما ناسب نموذج كون أرسطو سفر التكوين، فاتخذته الكنيسة نموذجًا دينيًا . 

           أما بالنسبة للعصر الإسلامي، قد اعتمد القرآن الكريم دلائل التصميم الكوني والعضوي، بقصد تقديم الحجج المقبولة من البشر آنذاك {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} الغاشية 17-20 ، ولهذا فقد صيغ النص بما يؤدي إلى معنى ظاهر مقبول ينبثق من تفاعل النص مع المعارف البشرية، ولهذا فاذا تغيرت المعرفة البشرية تغير المعنى الظاهر، أما المعنى الحقيقي المطلق، فلا يُبلغ إلا عند بلوغ المعرفة البشرية الحقيقة المطلقة.

           وقد قام العرب بدور هام في ترجمة الكتب اليونانية والمحافظة عليها، وأسهموا بدور فعال وهام في تقدم علوم الفلك والفلسفة، وكانوا أول من طبقوا مبادئ العدل والمساواة بين كل الأجناس، ووضعوا علم الجبر والمقابلات (المعادلات) وعلوم الأحياء والكيمياء والجغرافيا وعلم الإجتماع، واخترعوا الاسطرلاب وقدموا الأرقام العربية وكانوا اول من استخدم الصفر في الحساب، بينما شرح ابن رشد فلسفة أرسطو وأضاف الكثير إليها، وتلقفت أوروبا علومه وعلوم العرب لتبدأ عصر التنوير الذي تأسس على العلوم التي أخذتها عن العرب. وفضل حضارة الاسلام وما قدمته الى الحضارة البشرية أعظم من أن تشمله بضع سطور في هذا البحث، وليس هنا مكان سرده حيث أنه مفصلاً في العديد من الكتب المتخصصة، العربية منها والأجنبية.

          أما عن البلاغ القرآني فيما يتعلق بالكون والخلق، فقد جاء القرآن بصورة كونية مكملة من جهة، ومصححة من الجهة الأخرى للمعلومات التي سبقته، {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه} المائدة 48 ، وفي حدود المتطلبات التي بيناها في الباب الأول. وسيرد بالتفصيل إن شاء الله في البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب.

وفي العصور الوسطي، ومرورًا بعصري التنوير والنهضة، كان الجدال بين أصحاب مذاهب الإستدلال على وجود الخالق بدقة وكمال التصميم – في المجالين الكوني الميكانيكي والعضوي – وأصحاب المذاهب المادية القائلين بعدم جدوى هذا الإستدلال لأنه ليس حاسمًا ولأنه يمكن الإستدلال منه أيضًا عن عدم كفاءة وعدم كمال التصميم .

           ان التفسيرات التي قدمتها الفلسفات اللاهوتية، ركزت على تكامل وتناسب المخلوقات مع بيئتها، والذي يعود الى التصميم الرائع الذي وضعه الله تعالى في هذا الكون، وركزت أيضًا على التصميم الميكانيكي للحركة الدقيقة التي تتبعها الأجسام السماوية، وأهمية مواقعها وتأثير بعضها على البعض، مما نشأ عنه الظروف الطبيعية والمناخية الملائمة للمخلوقات، ودللوا على أن أي إختلاف بسيط في هذا التوازن سوف يؤدي إلى فناء الحياة، وأن القدرة الإلهية هي التي أوجدت هذا التوازن الدقيق وهي التي ترعاه وتحافظ عليه. وكان الإعتقاد اللاهوتي حتى القرن التاسع عشر، أن المخلوقات تتدرج في سلم يبدأ في أسفله بالمخلوقات ذات الخلية الواحدة، ويتدرج في الترقي حتى يصل الى الإنسان الذي يشغل مكانًا متوسطًا، يعلوه الملائكة. وكانت هذه الأنواع ثابتة غير متطورة، لا تزيد أو تنقص لأن الله تعالى خلقها وما خلقه الله على كماله لا يمكن تحسينه أو فناءه إلا بمشيئته. وكانت هذه الأفكار مقبولة وراسخة حتى تحدتها نظرية أصل الأنواع (النشوء والإرتقاء) وأدت الى تقويضها، والتقويض – الظاهري أو المرحلي – لكل الإستدلالات التي إعتمدت دقة التصميم البيولوجي العضوي للكائنات الحية، فملائمة الأعضاء الدقيقة لإستخداماتها، لم ينشأ عن تصميم وإنما نشأ عن تطور هذه الإعضاء لتناسب البيئة والعمل المطلوب منها، فالعين لا ترى لأنها صممت لترى الأطوال الموجية الغالبة من الشعاع الشمسي، وإنما لأنها بدأت كرد فعل لما حولها ثم تطورت لتستخدم الموجود من الأطوال الموجية، لنقل المعلومات اللازمة للبقاء النوعي، ولأنها تطورت لتناسب الموجود ناسبت الموجود بدقة، ولم تناسب غيره، مما بدا لنا كدقة في التصميم، وهو ليس إلا تفاعلاً بين الكائن الحي وبيئته.   

           أما الإستدلال بدقة التصميم الكوني (( لقد أخرج كوبرنيكس وكبلر وجاليلو الإنسان من موقعه المميز في مركز هذا الكون، وأخرجه داروين من مركزه المميز بين المخلوقات، إلا أن الفكر البشري وجد أن أهمية الإنسان لا تعود إلى الموقع أو المركز الذين قد يشغلهما، وإنما إلى قدرته على التفكير، وبالأحرى قدرته على المشاهدة والرصد، والتساؤل، ثم قدرته على تبادل المعلومات وحفظها جيل بعد جيل.)) ، أي الإستدلال الميكانيكي، فقد قضي عليه ظاهريًا أيضًا، بفكرة أن الجزء الذي نحيا فيه من الكون قد يكون هو الوحيد الصالح للحياة، ولهذا وجدنا فيه، وان الكون من الكبر والكواكب من الكثرة، حتى أنه يمكن إحتمال تصادف وجود واحدًا منها بالظروف التي وجد فيها كوكبنا، ولهذا فالإحتمال -وإن كان ضعيفًا- إلا أنه يمكن حدوثه، ولأنه حدث وبمحض الصدفة، فقد أدى إلى وجودنا، ولأننا نتجنا عنه، نستطيع أن نتساءل ونتعجب من دقة ملائمة الظروف لوجودنا، ثم نستدل من ملائمة الظروف وتوازنها الدقيق على روعة التصميم، والحقيقة التي يعتقدها أصحاب هذا التفسير، أننا وجدنا بمحض المصادفة ونتيجة تجمع هذه الظروف التي أدت إلى نشأتنا ووجودنا. وقد تطور هذا التفكير، إلى الإعتقاد بوجود أجزاء أخرى من الكون الذي نراه، والذي لا نراه، لم يسعدها الحظ بتوافر الظروف والعوامل التي تؤدي إلى نشوء الحياة فيها، ولهذا فهي أجزاء ميتة لا حياة فيها، ثم تطورت الفكرة مع ظهور نظرية النشأة المفردة، والتي تبين منها أن الكون نفسه تطور من خلال عمليات متعاقبة دقيقة الإتزان، إلى أن هناك عدد لا متناه من الأكوان الأخرى التي لم تتطور مثل كوننا، ولم تؤدِ إلى ظهور حياة، أي أكوان فاشلة بمقاييس البشر؛ والتي تعتبر أن النجاح لا يكون إلا في تطور الأكوان حتى تستطيع خلق المناخ الملائم لظهور الحياة التي تتطور بدورها حتى ظهور الإنسان. 

          وبالرغم أن الإستدلالات السابقة يمكن الإعتقاد بصحتها المرحلية، ونقصد بهذا أنها نجحت لفترة طويلة في تقديم تفسيرات تحل محل التفاسير التي تعتمد على التصميم، إلا أنها لا تسقط مطلقًا صحة فكرة الإستدلال على وجود الخالق بأدلة التصميم، حيث أنها تقدم تفسيرًا آخر، وإن كان لا يعتمد على القوى الغيبية، إلا أنه قد يتجاوز الحدود المعقولة للإعتقاد في إمكانية حدوث ما يمكن قبول إحتمال حدوثه ولو مرة واحدة في عدد لا متناهي من المحاولات.         

 أن نظرية أصل الأنواع لداروين (النشوء والإرتقاء) مع تعديلاتها الحديثة، لا تتعارض مع التصميم الألهي، وخاصة لو كان التطور من سمات هذا التصميم، والفكر الفلسفي اللاهوتي السابق لنظرية داروين، أعتمد مبدأ الخلق الآني المتكامل لكافة المخلوقات، أي أن الله تعالى قد خلق كل أنواع المخلوقات الحية في وقت واحد، الطيور والأسماك والحيوانات والزواحف والأشجار والنباتات والإنسان، كل هؤلاء في الستة أيام، وبالرغم من المذكور في سفر التكوين، إلا أن آيات الخلق القرآنية، وخاصة تلك التي تشير الى الستة أيام؛ لم تدل على خلق أي من المخلوقات الحية في هذه الفترة، وإنما أشارت الى خلق الكون من سماوات ومادة وطاقة. أما عن خلق الحياة، فهذا ما سنفصله في الباب الثالث.

<< previous page next page >>

الباب الثاني: الفصل الأول – إيجاز وتبسيط لمسيرة المعرفة البشرية

          حتى القرن السادس عشر الميلادي، كان عالم السماء غير عالم الأرض، عالم الأرض هو عالم الزوال والتحلل والتآكل والفساد؛ بينما الأشياء في السماء خالدة دائمة منتظمة لا يعتريها تغير ولا فساد، كانت الأرض مسطحة وكان الكون كله مسخر من أجلها، الشمس والكواكب والنجوم كلهم مصابيح في القبة السماوية، تتحرك في أفلاك مركزها الأرض، كانت صورة الكون لم تزل كما هي منذ تصورها أرسطو وبطليموس، أي منذ سنة 340 ق.م، عندما أعتقد أرسطو أن الأرض ثابتة في مكانها وأن القمر والكواكب والشمس والنجوم تدور حولها، وطور بطليموس هذه الفكرة في القرن الثاني بعد الميلاد عندما صور نموذج الكون على أن الأرض في المركز يغلفها سبع قبب تدور فوقها، هي مستويات القمر – عطارد – الزهرة – الشمس – المريخ – المشتري – زحل، ويعلو الجميع قبة أو سقف السماء المعلقة عليه النجوم الثوابت .

          وقد تمكنت هذه الصورة من الفكر البشري حتى أصبحت الصورة الدينية للكون، أي التي تأخذ أهمية قدسية، وهي ليست كذلك. وقد أدى هذا إلى تكفير الكنيسة لكل من قال بعدم صحتها في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. ويجب التنويه هنا أنها ليست مذكورة في النصوص الإسلامية، والذي ورد في القرآن هو “السبع سماوات” والتي فسرها البعض على أنها تلك المستويات، ولكن النص ذاته لم يشر إلى ذلك مطلقًا.

           جاء في تفسير ابن كثير : ” الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل” ، وهذا ما كان في علوم القرن السابع الميلادي، وقد نحا أكثر المفسرون الأوائل إلى تفسير السماوات السبع على أنها هي هذه المدارات أو المستويات التي تشغلها هذه الأجسام السماوية، ولاحظ قولهم السيارات المتحيرة، لأنهم إتبعوا فكرة أنها تتحرك بالنسبة إلى الأرض الثابتة أو بالأصح بالنسبة للمشاهد الواقف على سطح الأرض، فكانت حركة الكواكب (الشمس والقمر ليسا من الكواكب) متحيرة لأنها لم تتبع فلك دائري منتظم بالنسبة للأرض (لأنها تدور حول الشمس).

 ولو أخذنا بتفسير السبع سماوات الذي جاء عن بعض المفسرين المسلمين الأوائل كما سبق، فإن المستوى الأخير الأعلى والذي به النجوم الثابتة – وفق علمهم آنذاك – يصبح مستوًا ثامنًا، وهذا التفسير شابه الى حد ما نموزج أرسطو وبطليموس الذي كان سائدًا في هذه العصور والذي احتوى القبة الثامنة، وهذا التوافق بين التفسير الغير صحيح والعلم الخاطئ كان كافيًا لتأدية الغرض المطلوب في تلك المرحلة. 

 ولا بد أن المفسرين الأوائل قد عانوا بعض الشيء من محاولة التوفيق بين النصوص وهذا المعنى، ففي القرآن الكريم {فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم } والمصابيح وفق علم القرن السابع هي النجوم الثابتة، وقد تعني الكواكب أيضًا، وجاء القمر كمصباح أيضًا، وهؤلاء كلهم في السماء الدنيا. وأيضًا { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } 37/6 وهذه سماء واحدة – من السبع سماوات – وفيها المصابيح والكواكب السيارة، ولهذا فلا يمكن أن يكون تفسير السماوات السبع هو المستويات التي تحدث عنها أفلاطون، والتي أعتبرها المفسرون ألأوائل ومثلهم الكنيسة التفسير الصحيح لما ورد في الرسالات.

           ولهذا فتفسير السماوات السبع كما سبق كان مرحليًا، وكان يعكس مدى علمهم ويناسب مداركهم ويقوم بالغرض المطلوب منه آنذاك، ولكنه ليس صحيحًا، لا علميًا ولا بالنصوص القرآنية كما بيَّنا، والخطأ العلمي يتأتي من أن الكواكب السيارة في الحقيقة أكثر من الخمسة الذين جاء ذكرهم، فهناك ثمانية كواكب أساسية وخمسة أقزام وفق التقسيم المعاصر، والنجوم كلا منهم على مستوى وهؤلاء لا يمكن حصر عددهم ، وكلهم في سماء واحدة، والأهم من هذا أن هذا التفسير لا يؤدي إلى أي مدلول ذي أهمية إذا قيست هذه الأجسام السيارة بحجم الكون المشاهد، فالكواكب والقمر والشمس لا يتعدون نقطة من بحر هذا الكون المترامي الإتساع.

           تنحو بعض التفسيرات المعاصرة الى تفسير السماوات السبع أنها المجرات، مع العلم أن في الجزء المشاهد من السماء أكثر من مائة بليون مجرة، وقد قالوا أن الرقم سبعة يشير إلى عدد هائل، كما هي العادة في الكتابات القديمة ومنها اليونانية، وقد أتخذ القرآن الأسلوب التشبيهي عند بيان الأعداد الكبيرة، مثل قوله سبحانه وتعالى: { ولو أنما في الأرضِ من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} لقمان 27، وقوله:  {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} سورة إبراهيم 34. ولكننا نعلم أن المجرات ما هي إلا تجمعات نجمية هائلة، وأن المجرات والنجوم كلها في السماء الدنيا، كما جاء في قوله تعالى {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} والمصابيح هي النجوم، ومن الأوصاف القرآنية للسماوات السبع أنها طباقًا، ولا يمكن وصف المجرات أنها طباقًا، فهي تختلف في الشكل والسُمك والعُمر وعدد النجوم ومنها الكبير ومنها ما دون ذلك.

           لا بد إن للسماوات السبع تفسير يتناسب مع مدارك القرن العشرين، ليس الكواكب أو المجرات أو غيرهم مما نجده في بعض التفسيرات المعاصرة، وسوف نقدم فهمًا مرحليًا نستنتجه في جزء لاحق من هذا البحث، وقد لا يصل الى درجة التفسير، ونترك الرأي فيه، مثله مثل كل ما يرد في هذا الكتاب، الى علماء وفقهاء الأمة، مع علمنا أن التفسيرات المرحلية قابلة للتعديل والتبديل والنسخ متى تقدمت علومنا البشرية وتقدم فهمنا للكون الذي نحيا فيه، وهذا ما سوف تبت فيه علوم ومدارك القرون القادمة.

           ونعود إلى القرن السادس عشر، لنجد أن مشاهدات الفلكيين تعقدت كثيرًا من جراء محاولاتهم تصوير هذا الكون وفق المفهوم الشائع آنذاك من مركزية الأرض في الكون، إذ كانت مسارات الكواكب تبدو لهم لولبية معقدة غريبة، وفي عام 1530م أتم الفلكي البولندي كوبرنيكس ((استفاد كوبرنيكس من زوج الطوسي وجاءت نماذج الأجرام التي طورتها مدرسة مراغة مناظرة رياضيًا لنماذج كوبرنيكس. (ص20 ج2 فجر العلم الحديث – توبي هاف – ترجمة د. أحمد محمود صبحي- سلسلة عالم المعرفة 220 ) ))  مشاهداته التي أظهرت له أن الشمس هي مركز الكون، وعندما جعل كل الأجسام السماوية تدور حولها، إنتظمت حركة الكواكب في مسارات دائرية أنيقة (( نعرف الآن أن هذه المدارات بيضاوية، ولهذا لدينا أربعة فصول في السنة.)) ، ولكن كوبرنيكس لم ينشر نتائجه إلا قبل وفاته بفترة قصيرة خوفًا من سلطة الكنيسة، ومر قرابة القرن قبل أن تؤخذ فكرة كوبرنيكس بجدية، عندما رأي جاليلو من خلال منظاره المكبر أن هناك أقمارًا تدور حول كوكب المشتري (جويبتر)، مما أكد أنه ليس صحيحًا أن كل الأجسام السماوية تدور حول الأرض . وعندما درس كيبلر جداول المشاهدات الفلكية لمن سبقوه وعدل مدارات كواكب كوبرنيكس الدائرية إلى مدارات بيضاوية، وافق حساب المدارات الفلكية مشاهدات المراصد .

          إلا أن هذا تعارض مع كبرياء الإنسان ورغبته في أن يكون موقعه في مركز كل شئ، أليس هذا ما ظن الإنسان أنه ما قالت به الأديان، ولم يدر بخلد أحد آنذاك أن يعيد النظر في صحة الفهم البشري للرسالات السماوية فيما يتعلق بالكونيات، الكنيسة تعجلت الحكم فحاربت بضراوة هذا الإكتشاف العلمي، وكفرت من تجاسر بالقول بمثل هذه الأقوال، لإعتقادها الخاطئ أن النص الإلهي يضع الأرض في مركز الكون.

          يعتبر الغربيون أن جاليليو (1564 – 1642م) هو أول من قام في المعمل بتجارب علمية ودون نتائجها وإستنبط منها علاقات تعمل في مجال حركة الأجسام على الأرض، وأن كيبلر ( 1571 – 1630 ) الذي عمل في مجال علم الفلك، هو أول من قام بدراسة وتحليل جداول وسجلات مشاهدات الفلكيون الذين سبقوه وأجرى الحسابات ووضع معادلات واكتشف أن مدارات الكواكب إهليجية بيضاوية وليست دائرية .

           ومع خلافنا مع هذه الأقوال، حيث أن كثير من العلماء المسلمين قد أعتمدوا التجربة ودونوا مشاهداتهم وإستنبطوا نتائج منها، وخاصة في علوم الكيمياء والأحياء والفلك . إلا أن ما يهمنا هنا هو أن كلا من جاليلو وكيبلر قد أعتمدا على التجربة عند الأول والمشاهدة عند الثاني؛ وقاما بتحليل المعطيات والخروج بنتائج علمية، بخلاف معاصريهم ومن سبقهم – في أوروبا – من الفلاسفة الذين كانوا يعتمدون على المنطق العقلي وحده .

           وفي القرن السابع عشر جاء نيوتن ( 1642- 1727 م) ليبين أن الأجسام التي تسقط على الأرض كالتفاحة التي إشتُهر أنها سقطت أمامه من الشجرة، إنما تسقط لأن هناك قوة هي الجاذبية بينها وبين الأرض، ووجد نيوتن أيضًا إن الجاذبية التي توقع الأشياء على الأرض، هي نفسها التي تحفظ القمر في مداره حول الأرض، وهي نفسها التي تحفظ الأرض في مسارها حول الشمس، فهي تحرف مسار الأرض المستقيم فينحني شيئًا فشيئًا حتي ينتهي في مدار حول الشمس، وتستقر في المدار بفعل تعادل الجاذبية مع القوة الطاردة المركزية .

 وأهمية إكتشاف نيوتن، أنه بيَّن أن الأجسام السماوية تخضع لنفس المعادلات الرياضية التي تحكم العالم الأرضي، فالقوة التي أوقعت التفاحة هي نفسها التي تحفظ القمر في مداره حول الأرض، وفجأة أصبحت الأجسام السماوية والأرض يتبعان نظاما كونيا واحدا، وكلاهما يدور وفق نظام محدد يستطيع العقل البشري أن يخوض فيه ويعقله، وبهذا أصبحت السماء والأرض في متناول العلم البشري، وولد آنذاك العلم الحديث، وولدت معه الثقة البشرية المفرطة في قدرتها على فك ألغاز هذا الكون إعتمادًا على العقل والمشاهدة والتجربة والإستنباط . وتوجت هذه الثقة عندما قدر أدموند هيلي  ( 1656-1742م) مدار المذنب المسمى بإسمه، وتنبأ بأنه سيعود للظهور مرة أخرى، فلما ظهر النيزك في ديسمبر 1758م؛ تأكد العلماء أن الكون يعمل وفق قوانين ثابتة مثله مثل الساعة المنتظمة.

لقد شهد القرن الثامن عشر بدء تحول الفكر الغربي في أوروبا من الإيمان المطلق بالروحانيات والترتيب الكوني والطبقات العليا، إلى تفكير علمي يعتقد بإمكانية وصول العقل البشري إلى الحقائق الكونية المطلقة، ثم تطور نتيجة الثقة المفرطة إلى تفكير مادي بحت لا مكان فيه للروحانيات. وشتان بين الغرور الذي أكتنف العلماء آنذاك، وحالة الشك التي تحيط بهم في عصرنا الحديث، وخاصة بعد نظريات الكوانتم، وغيرها من النظريات الكونية التي تمتلأ بها معاهد الأبحاث.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث – يقينية تفسير النص

{أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها} سورة محمد 24


          إذا أخذنا بمعاني النصوص الدينية المتعلقة بالكونيات والخلق، التي ذهب اليها السلف بناء على علومهم ومعارفهم، فسوف نجد تعارضًا في بعض هذه المعاني مع ما توصلت اليه المعارف العلمية الحديثة. ويمكن حصر موضوعات هذا التعارض، في موضوعين أساسين، هما الخلق الكوني، وخلق الإنسان، ولهذا فعلينا  إعادة النظر في هذه النصوص، لنرى حقيقة توافق أو تعارض هذه النصوص ذاتها – وليس تفسيرها التراثي – مع علومنا المعاصرة.

           وكما جاء في مقدمة الكتاب، قد يتخلف التفسير في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف، كما هو حاصل في عصرنا هذا، حيث أن التفسير يتطلب الألمام بالكثير من العلوم الدينية والإنسانية وعلوم الطبيعة، ولا يستطيع أنسان أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قد يتخلف التفسير الموضوعي، عندما تتولى أمور التفسير فئة ليس لديها القدر المطلوب من العلوم الحديثة، وقد ينحو البعض منهم الى إنكار بعض النظريات وتخطيئها، مثل ما حدث للمسيحية منذ عدة قرون، مما أدى الى تنازل الكنيسة عن المعنى المطلق لسفر التكوين وركونها الى رمزية النصوص، وبالرغم أننا نأخذ بمبدأ متطلبات الصيغة الرمزية ((ضرب الله تعالى الأمثال للناس في مواقع كثيرة في القرآن، مبينًا رمزية السرد خاصة فيما يتعلق بالغيبيات وغيرها لتقريب المعنى الى ذهن البشر بما يعقلونه. وفي قوله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ما يدل أن معناها الحقيقي يتجاوز المعنى المباشر الذي قد يفهمه عامة الناس. {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}47/3 وهي تبين أن الأمثال صيغت بما يتناسب مع فهم الناس. ولفظ مثل الذي ورد كثيرًا في القرآن يقصد به التشبيه والتصوير، والمجاز هو تجاوز المعنى المباشر للعبارة إلى معنى آخر يتعلق به تعلقًا ما. ))  لهذه النصوص، التي نفترض أنها لم يقصد منها الخطاب العلمي البحت، إلا أننا يجب أن نتبين أسباب أختيار الأسلوب الرمزي، والقواعد التي يجب أن تحكمه، فقد تكون من الأسباب إضفاء البعد الروحي؛ أو التيسير مراعاة للقدرات الفكرية الخاصة بالمتلقي لهذا الخطاب، أو غيرهما. إلا أن هناك قاعدة أساسية يجب أن نتوقعها من الأسلوب الرمزي، وهي أنه لا يجب أن يؤدي الإسلوب الرمزي إلى الإخلال بالخبر، الى درجة تؤدي الى مدلول يتناقض مع حقيقته.

 

التأويل والتفسير المرحلي:

           الآيات الكريمة التي أشارت الى خلق الكون وخلق الحياة، تدخل ضمن الآيات  المتشابهات، والتي وردت في الآيتين الكريمتين: {هو الذي أنزل إليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات * فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} (7) آل عمران. والتأويل هو إما أعادة الشئ إلى أوله أو إلى ما سيؤول إليه، وقد يبدو من ظاهر هاتين الآيتين، أن هذه المعرفة القاطعة المطلقة إما أنها فوق قدرات فهم البشر ((قد لا تفيد هذه الآية بعجز البشر عن التأويل، وقد ذهب البعض من الأوائل إلى القراءة  بما يؤدي إلى أن الراسخون في العلم قادرون على تفسيره، وفي الحديث أن رسول الله صلعم دعا لإبن عباس فقال : (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)  وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. (مختصر تفسير ابن كثير 265/الجزء الأول) )) ، أو أن القرآن قد وضع بطريقة لا يمكن معها تأويله قبل أوانه.

 ويهمنا النظر ببعض التفصيل، في  موضوع الآيات المتشابهات، لأن له إتصال وثيق بموضوع هذه الدراسة.

 أختلف الفقهاء في تعريف المحكم والمتشابه، وفي رأي لابن عباس أن المحكمات هي التي يؤمن بها ويعمل بها؛ أي هي آيات التشريع العملي من أحكام وحدود وفرائض، أما المتشابهات فهي التي يؤمن بها ولا يعمل بها؛ ومنها كل ما يتعلق بالغيبيات وآيات الخلق الكوني والأمثال.

 جاء في تفسير الطبري:  ”وَأَمَّا قَوْله : { مُتَشَابِهَات } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مُتَشَابِهَات فِي التِّلَاوَة , مُخْتَلِفَات فِي الْمَعْنَى.“

 التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، هو ما يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، وقد يكون هذا التغير نتيجة طبيعية لتطور المعارف البشرية. وهذا التفسير قد لا يطبق إلا على آيات الكون المشاهد بما فيه من ظواهر طبيعية وأحياء، أما الإخبار بأمور الغيب، فهذه لا نعلم بها وقد تخرج عن قدرات العقل البشري في تأويلها، ولهذا فهذه لا تؤول وأنما يؤمن بها.

 جاء في تفسير القرطبي: ”اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “ هَلْ هُوَ اِبْتِدَاء كَلَام مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , أَوْ هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله فَتَكُون الْوَاو لِلْجَمْعِ . فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّهُ مَقْطُوع مِمَّا قَبْله , وَأَنَّ الْكَلَام تَمَّ عِنْد قَوْله ” إِلَّا اللَّه “.“

 ”وَمَذْهَب أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّ الْوَقْف التَّامّ فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا هُوَ عِنْد قَوْله تَعَالَى : ” وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه “ وَأَنَّ مَا بَعْده اِسْتِئْنَاف كَلَام آخَر , وَهُوَ قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ“ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأُبَيّ بْن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة . وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ نَسَق ”الرَّاسِخُونَ“ عَلَى مَا قَبْله وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهُ . وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض أَهْل اللُّغَة فَقَالَ : مَعْنَاهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ آمَنَّا ; وَزَعَمَ أَنَّ مَوْضِع ”يَقُولُونَ“ نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَعَامَّة أَهْل اللُّغَة يُنْكِرُونَهُ وَيَسْتَبْعِدُونَهُ ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُضْمِر الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعًا , وَلَا تَذْكُر حَالًا إِلَّا مَعَ ظُهُور الْفِعْل ; فَإِذَا لَمْ يَظْهَر فِعْل فَلَا يَكُون حَال،“

 ”قُلْت : مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجَاهِد غَيْره فَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الرَّاسِخِينَ مَعْطُوف عَلَى اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَأَنَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي عِلْم الْمُتَشَابِه , وَأَنَّهُمْ مَعَ عِلْمهمْ بِهِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ;“

”وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَيْضًا بِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْم ; فَكَيْفَ يَمْدَحهُمْ وَهُمْ جُهَّال وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس: ( أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ) وَقَرَأَ مُجَاهِد هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : أَنَا مِمَّنْ يَعْلَم تَأْوِيله ;“

 ” قُلْت : وَقَدْ رَدَّ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل فَقَالَ : وَتَقْدِير تَمَام الْكَلَام ” عِنْد اللَّه “ أَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله إِلَّا اللَّه يَعْنِي تَأْوِيل الْمُتَشَابِهَات , وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَ بَعْضه قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا بِمَا نَصَبَ مِنْ الدَّلَائِل فِي الْمُحْكَم وَمَكَّنَ مِنْ رَدّه إِلَيْهِ . فَإِذَا عَلِمُوا تَأْوِيل بَعْضه وَلَمْ يَعْلَمُوا الْبَعْض قَالُوا آمَنَّا بِالْجَمِيعِ كُلّ مِنْ عِنْد رَبّنَا , وَمَا لَمْ يُحَطْ بِهِ عِلْمنَا مِنْ الْخَفَايَا مِمَّا فِي شَرْعِهِ الصَّالِح فَعِلْمه عِنْد رَبّنَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : قَدْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّاسِخِينَ بَعْض تَفْسِيره حَتَّى قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( لَا أَدْرِي مَا الْأَوَّاه وَلَا مَا غِسْلِين ) قِيلَ لَهُ : هَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ اِبْن عَبَّاس قَدْ عَلِمَ بَعْد ذَلِكَ فَفَسَّرَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ . وَجَوَاب أَقْطَع مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانه لَمْ يَقُلْ وَكُلّ رَاسِخ فَيَجِب هَذَا فَإِذَا لَمْ يَعْلَمهُ أَحَد عَلِمَهُ الْآخَر . وَرَجَّحَ اِبْن فُورك أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيل وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ ; وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِ عَبَّاس : ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّين وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيل ) مَا يُبَيِّن لَك ذَلِكَ , أَيْ عَلِّمْهُ مَعَانِي كِتَابك .

وَالْوَقْف عَلَى هَذَا يَكُون عِنْد قَوْله ” وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم “. قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن عُمَر : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ تَسْمِيَتهمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب . وَفِي أَيّ شَيْء هُوَ رُسُوخهمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَم الْجَمِيع .

لَكِنَّ الْمُتَشَابِه يَتَنَوَّع , فَمِنْهُ مَا لَا يُعْلَم الْبَتَّة كَأَمْرِ الرُّوح وَالسَّاعَة مِمَّا اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِغَيْبِهِ , وَهَذَا لَا يَتَعَاطَى عِلْمه أَحَد لَا اِبْن عَبَّاس وَلَا غَيْره . فَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاء الْحُذَّاق بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْم الْمُتَشَابِه فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْع , وَأَمَّا مَا يُمْكِن حَمْله عَلَى وُجُوه فِي اللُّغَة وَمَنَاحٍ فِي كَلَام الْعَرَب فَيُتَأَوَّل وَيُعْلَم تَأْوِيله الْمُسْتَقِيم , وَيُزَال مَا فِيهِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَتَعَلَّق مِنْ تَأْوِيل غَيْر مُسْتَقِيم ; كَقَوْلِهِ فِي عِيسَى : ” وَرُوح مِنْهُ “ [ النِّسَاء : 171] إِلَى غَيْر ذَلِكَ فَلَا يُسَمَّى أَحَد رَاسِخًا إِلَّا أَنْ يَعْلَم مِنْ هَذَا النَّوْع كَثِيرًا بِحَسْب مَا قُدِّرَ لَهُ . “ أنتهى

             

       عليه، فقد ذهب بعض الفقهاء الى أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل، بينما ذهب البعض الآخر الى أنهم يعلمونه، وفي آخر فقرة من المنقول عن تفسير الطبري، بين أن بعضه يمكن علم تأويله، وبعضه الآخر -الذي يدخل في باب الغيبيات- لا يعلم تأويله.

 ويتضح من الآية أن الرسوخ في العلم هو الطريق الوحيد الى فهم معاني المتشابه الممكن تأويله، شرط أن يجتمع العلم مع الإيمان، لقوله تعالى{يقولون آمنا به كل من عند الله}. أما المحكم فقد جاء عنه ” أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَر مِنْ الْمُحْكَم الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمه جَمِيع مَنْ يَفْهَم كَلَام الْعَرَب“.

 وفي قوله تعالي {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } (19) القيامة . ما يدلنا أن بيان معاني القرآن هو مرحلة تعقب قرءانه وقد تكون مستمرة.

 والذي يدل أن الله سيبين للناس آياته العلمية المتعلقة بالكون المشاهد وبأنفسهم قوله تعالى : {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت. يقول ابن كثير:  ”سَنُرِيهِمْ آيَاتنَا فِي الْآفَاق وَفِي أَنْفُسهمْ“ أَيْ سَنُظْهِرُ لَهُمْ دَلَالَاتنَا وَحُجَجنَا عَلَى كَوْن الْقُرْآن حَقًّا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْد اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَلَائِل خَارِجِيَّة ” فِي الْآفَاق “ مِنْ الْفُتُوحَات وَظُهُور الْإِسْلَام عَلَى الْأَقَالِيم وَسَائِر الْأَدْيَان قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ وَدَلَائِل فِي أَنْفُسهمْ قَالُوا : وَقْعَة بَدْر وَفَتْح مَكَّة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْوَقَائِع الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ نَصَرَ اللَّه فِيهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحْبه وَخَذَلَ فِيهَا الْبَاطِل وَحِزْبه وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ مَا الْإِنْسَان مُرَكَّب مِنْهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ مِنْ الْمَوَادّ وَالْأَخْلَاط وَالْهَيْئَات الْعَجِيبَة كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي عِلْم التَّشْرِيح الدَّالّ عَلَى حِكْمَة الصَّانِع تَبَارَكَ وَتَعَالَى.“ 

 وفي قوله تعالى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (93) النمل، ما يدل على قدرتنا معرفة هذه الآيات عندما يكشفها الله تعالى لنا.

 ولفظ الآيات المذكور في الآيتين السابقتين وغيرهما يراد به المعجزات، ومنها الآيات الكونية وآيات الخلق، وهذه معجزات تدل على الخالق المهيمن. بينما تعود الهاء في أنهُ في {..حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ .. } الى {..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} 41 فصلت. وهذا يدل على تطابق الآيات الكونية التي سنراها في الآفاق وفي أنفسنا مع الآيات المتعلقة بهذين الموضوعين في القرآن الكريم.

 ونلاحظ في هذه الآية الكريمة من سورة فصلت، أن رؤية الآيات تحدد في موقعين، في الآفاق وفي أنفسنا، أما الآفاق، وهي منتهى البصر وحدوده، أي أقصى ما يمكن أن نشاهده في السماء، فهذا كما اكتشف العلماء مؤخرًا، نرى فيها تاريخ الخلق الكوني، فنحن عندما ننظر في الآفاق، نرى الكون كيف كان منذ بلايين السنين، وهي الفترة التي استغرقها الضوء حتى يقطع هذه المسافات الكونية الهائلة، بل وأن كل فهمنا العلمي لمعجزة بدء الخلق الكوني وتاريخه، أستمده العلماء من خلال النظر الى هذا الأفق السماوي، باستخدام تلسكوبات منها الفضائية كهابل ودبليو ماب. أما المعجزة الثانية وهي خلق الحياة فهذه تبينها لنا دراسة الجسم الحي، والتي من خلال علوم التشريح والوراثة والخلايا وعلوم الحفريات والمتحجرات يتمكن العلماء من تكوين فهم لمعجزة خلق الحياة. هاتين هما معجزتي الكون المشاهد، واللتين يمكننا أن نراهما في كل الأزمان والعصور، أما معجزات ما هو خارج الكون المشاهد وما هو خارج الكون، فلم يرد ذكرهما لأنهما من الغيبيات.     

 أما قوله تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} الاسراء.. فيدلنا أن عقولنا لا تقدر على الخوض في أمور الغيب لأن علومنا يحدها مجال العالم المشاهد، أنظر قوله تعالى {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}. وتمنع هذه الآيات البشر من الخوض في الأمور الغيبية رحمة بهم، بينما تدعو الآيات من سورتي فصلت والنمل والكثير غيرهما، الى التفكر في أمور الكون المشاهد كقوله تعالى {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) آل عمران. وقوله تعالى {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}(21) الذاريات.

          مما سبق نجد في آيتي سورة آل عمران وبناء على ما قال به السلف، أن الراسخين في العلم قد يعلمون تأويل الآيات المتشابهات المتعلقة بالعالم المشاهد، بينما نجد في قوله سبحانه وتعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علمٍ هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ….. } 7/53  وهذه الآيات لم تحدد المتشابهات، وإنما شملت الكتاب كله، وحددت ان تأويله يكون عند إنتهاء الزمان أو البعث، والمخاطب هنا هم المشركين والتأويل هنا كناية عن عاقبة الأمور وما ستؤول إليه وتحقق ما كانوا يوعدون به من حساب وجزاء.

 وقد يدل هذا أن التأويل المطلق أي تحقق كل ما في القرآن من معان سوف يكون في نهاية الزمان، عندما تؤول الأشياء إلى نهاياتها، بينما دلتنا الآيات في سورة   فصلت أن الله تعالى سيرينا الآيات في الآفاق وفي أنفسنا فنعرفها فيتبين لنا أن القرآن حق، ويكون هذا في حياتنا وقبل يوم البعث، وحيث أن هذه المعرفة أو الفهم للآيات ليس هو التأويل أي معرفة منتهى الحقيقة المطلقة، وحيث أن المتشابهات تدل على التشابه في التلاوة والإختلاف في المعنى، يدلنا أن النص الثابت قد يدل الى معاني مختلفة متغيرة، أي يتقدم فهمنا لها مع تقدم ما نراه ونتعلمه في الأفاق وفي أنفسنا، وهذا يسمح باستنباط المعاني المرحلية التي تنبثق عن تفاعل النص الثابت مع المعارف الإنسانية في مراحل تقدمها، ليولد المعنى الذي نطمئن إليه لأننا لا نجد فيه تعارضًا مع معارفنا العلمية المرحلية التي نعتقد بصحتها. وقد ذهب السلف الصالح الى تفسير الآيات المتشابهات في الموضوعات التي نحن بصددها وفق معارفهم وعلومهم واطمأنوا إليها.

 نعلم أننا في هذا الأفتراض قد أضفنا أن النص لن يتعارض مع العلوم التي يتفق علماء عصر ما على صحتها، وان ثبت عدم صحتها في عصر لاحق، وهذا لم نستدل عليه من النصوص، وإنما مما وجدنا عليه تفسير السلف الذي وافق معارفهم واطمئنوا اليه، وما وجدناه في هذه النصوص من موافقة لعلومنا الحديثة والتي اختلفت جذريًا عما كانوا في السابق يعتقدون به. ولأن التأويل الصحيح المطلق لن يكون إلا في نهاية الزمان، وعليه ففهمنا سيكون مرحليا، وحيث أن هذا الفهم المرحلي سيوافق معارفنا، سيعلم الذين أرتابوا أن النص حق.

 وهذا الفرض الذي وضعناه هو فرض بشري يمكن أسقاطه إذا تبين خطأه، وحتى الآن فهو صحيحًا بالدلالات التي أوردناها، والتعميم الذي اتبعناه مستدلين بحالة واحدة صح فيها، ليس كافيُا لدعم الفرض، ولهذا نقول أنه قد يكون صحيحًا حتى يتم نقضه فنسقطه، إذ أن مرجعنا الأول هو دلالة النص.

 لقد وضع العلماء في هذا العصر شروطًا وقواعد تحدد صحة الإستدلال العلمي، يصعب معها اجتماعهم على صحة نظرية قد يثبت في المستقبل خطأها في كليتها، وانما يمكن تطويرها الى الأقرب ثم الأقرب من الحقيقة. ولهذا فإن أهم مرحلة كان يتعين على النص أن يتخطاها هي المرحلة التي خطتها المعارف البشرية من عصور المعرفة التي لم تقم على أسس علمية، الى عصر العلم الحديث الذي تتشكل وتتقدم فيه المعارف وفق أصول وقواعد هذا العلم. هذه هي المرحلة الأصعب، وقد إستطاع النص الثابت مواكبتها.

 ولهذا نفترض أن الآيات المتعلقة بموضوع العالم المشاهد أي الطبيعة وآيات خلق الإنسان؛ قد صيغت بحيث تتفاعل مع المعارف البشرية حتى يولد المعنى، وطالما أن المعارف بطبيعتها متطورة، فالتفاعل عملية مستمرة، والمعاني متطورة. وكما رأينا كيف أن النص لم يتعارض مع علوم السلف، والتي تبين عدم صحة بعضها، لهذا نتوقع أن النص ذاته لن يتعارض مع علومنا، التي نعتقد بصحتها المرحلية.

 وحيث أننا افترضنا تغير معنى النص الثابت، فلن يكون هذا تأويلا، وإنما هو فهمًا بما يتناسب مع مرحلية المعارف البشرية. وهذا لا يختلف عن النظريات العلمية المتطورة التي لا يدعي أي من العلماء أنها الحقيقة المطلقة أو التأويل المطلق لكتاب الطبيعة المشاهد والمحسوس.

           أن عجزنا عن التأويل المطلق للنص؛ يقابله عجزنا العلمي عن بلوغ الحقيقة المطلقة، أي أننا عندما نحاول المقارنة ، فاننا نقارن بين فهم تقريبي وعلم تقريبي، إلا أن ما ييسر الأمر علينا، أننا نبدأ ولدينا بعض المعنى الذي نعتقد أن النص يشير إليه، وقد يقول قائل أن المعنى طالما أنعكس عن مرآة المعرفة، لن يتعارض بالطبع معها، إلا أن هذا ليس باليسر الذي ينوه اليه هذ القول، فالنص ألفاظه ثابتة، ومدلولات الألفاظ متفق ومتعارف عليها منذ قديم الزمان، وتحكمنا في هذه العملية قواعد اللغة العربية والتقيد بالمعاني الثابتة لكلماتها، وكل هؤلاء؛ من نص وقواعد ومعاني الألفاظ ومباني الجمل؛ ثوابت لا نملك تعديلها أو تغييرها، وقد أعتمدنا على معاجم اللغة التي سطرت منذ ما يقرب من ألف سنة، وثبتت على ذلك، وأصحابها اعتمدوا على المعاني في اللغة المتداولة قبل وأثناء عصر النبوة، فان أدت هذه المعاني اللغوية الى ما لا يتعارض مع علومنا المعاصرة، فسيكون هذا إعجازًا.

          ويجدر القول هنا أن بعض فقهاء الأمة منذ عدة عقود، قد نظروا الى هذا الأمر من زاوية مختلفة، بعد أن تبين لهم أن العلم متطور، وأن نظرياته دومًا متغيرة ومتبدلة، تحل الواحدة محل الأخرى وتنسخها، فقالوا أنه ليس من الحكمة أن نوفق بين معاني النصوص القرآنية ونظريات علمية قد تندثر بعد حين.  وهذه وجهة نظر يؤخذ عليها أننا في هذا العصر، بالرغم من علمنا أن العلوم السابقة التي أخذ بها السلف في معرض تفسيرهم للآيات العلمية قد تغيرت وتبدلت، ومع ذلك بقيت تفاسير السلف لهذه الآيات تتداول بين الناس، فأين الحكمة في إبقاء ما نعلم أنه ليس صحيحًا، لأننا ننتظر أن يتوصل العلم الى الحقائق النهائية المطلقة.

 قد لا يوجد في العلوم الطبيعية نظريات ثابتة أو مكتملة، إذ أن النظريات حتى الصحيح منه، تظل تتقدم من صحيحة إلى أصح، ومن قريبة من الحقيقة إلى الأقرب، وقد لا تصل أبدًا الى الحقيقة ذاتها. ولا يدعي العلماء أن أي نظرية لديهم وإن ثبتت بالتجارب ووافق المشاهد في الطبيعة توقعاتها أو تنبؤاتها، أنها أصبحت مطلقة أو أن نتائجها حتمية، وإنما تعنى أن إحتمال حدوث النتيجة عند توفر الأسباب والظروف يصبح إحتمالا كبيرًا الى درجة عالية. ولهذا فان إنتظار توصل العلم الى الحقائق الثابتة المطلقة قد يطول، وخاصة أن من الموضوعات الأساسية التي تهمنا، خلق الكون وخلق الحياة، لن يمكن البت فيهما ربما لزمن طويل، وربما أبدًا.

 هناك فرقًا بين ما نعلمه ونحدده ونصفه من المشاهدة والنظر في الطبيعة Observation, identification, description،    وبين ما نستنتجه كتفسير للظاهرة Theoretical explanation of phenomena. بعد إجراء التجارب واستنباط المعادلات التي تحكم العلاقة بين الأسباب والنتائج وبعد مطابقة تنبؤاتها مع الواقع.

 إن الذي قد يتغير ويتبدل هو النظرية التي تفسر هذه الظواهر، والى حد ما المعادلات التي يمكن أن تستبدل بما هو أكثر منها دقة أي أقرب للحقيقة ولكن لا تخطئها، مثال ذلك استبدال قوانين الجاذبية لنيوتن بقوانين أينشتين. أما المشاهدات فهذه لا تتغير وإنما يمكن أن يضاف عليها كلما صنع العلماء أجهزة حسية أقوى أو أفضل، أو استطاعوا وضعها في الفضاء لتتمكن من نقل صورة أوضح وابعد.

           ولهذا فعندما تصف علومنا الكون أن به نجوم ومجرات وتجمعات، وأن عمره يقدر ببلايين السنين، وأن الحياة وجدت على الأرض منذ بلايين السنين، وأن الإنسان ظهر عليها منذ ملايين السنين، فهذه كلها مشاهدات وحقائق لا يصح أن ينكرها أحد.

          أما النظريات التي لها أسس علمية تجريبية سليمة، فقد يمكن أن نجد أكثر من نظرية تفسر نفس الظاهرة، حتى يتبين من مشاهدات ومعلومات جديدة، ترجيح واحدة على الأخرين.

 وهناك نظريات مثل تلك التي تبحث في نشأة الكون، تقوم على افتراضات ومعادلات رياضية ونماذج حسابية Computer models، ولدينا عدة نظريات متنافسة، أقدمها الكون المستقر الأبدي،  ثم النشأة المفردة أو التي تسمى الإنفجار الكبير، مرورًا بالأوتار الفائقة ونظرية (م)، ثم الكون المتذبذب  cyclic universe و kpyrotic scenario . وفيما عدا نظرية النشأة المفردة، فان بقية النظريات تهدف الى ايجاد الكون من شيء آخر سابق له، أي تتحاشى فكرة الخلق أو الوجود من لا شيء، أو تقول بأنه موجود منذ الأبد. وغالبًا تتفق كل هذه النظريات في الأحداث التي أعقبت نقطة النشأة وبعد تكون الذرات. وحاليًا تُرجح نظرية النشأة المفردة، فيما يتعلق بالأحداث التى أعقبت حالة ال Singularity، خاصة بعد نتائج المكوك WMAP التي اعلنت في 2006 .

           كل هذا تفاصيل ليس لها تأثير على موضوعنا، فان قالت هذه النظريات أن الكون نشأ من نشأة مفردة أو عبر سلسلة من الأكوان السابقة، فالمنطق العقلاني يرجح أن يكون هناك بدءًا لهذه الأكوان السابقة، كل ما تفعله هذه النظريات هو في إرجاع نقطة البدء الى زمان أسبق، ولكنها كلها تتفق أن هناك بدءًا لكوننا هذا وان كان هناك ما قبله ((ليس في النص ما يدل على أنه لم يكن هناك أي شيء قبل خلق العالم، بل وتدل الآيات عن وجود الماء والعرش، والكون المخلوق يستدعي بالضرورة أن هناك ما قبله وما حوله وما بعده، وكل هؤلاء من الغيبيات التي ليس لنا مصدر لمعرفتها إلا النص، نؤمن به كما نزل، ولا نبحث فيه.)) ، أما من قال أنه كذلك منذ الأبد، فليس هذا من العلم به، وانما افتراضًا لا يقوم على أي دليل من جهة، وهروبًا من البدء في الجهة الأخرى، وهذه نظرية هجرها أغلب العلماء منذ سبعينات القرن العشرين.

           فيما عدا المشاهدات التي يجب علينا اعتمادها على أنها صحيحة، يمكن الأخذ بالنظريات على أنها تفسيرات مرحلية لظواهر الكون، والذي يهمنا هنا أننا نقارن بين نظريات علمية تقريبية، وفهمًا مرحليا للنصوص المتعلقة بهذه الموضوعات، والتي وردت في الآيات المتشابهات، والتي نعلم أن تأويلها الصحيح لن يكون إلا في نهاية الزمان، ولهذا فمن الممكن تفسيرها مرحليًا، وكما أن التفسير السابق في المراحل السابقة أدى دوره وقبله الناس لأنه وافق معارفهم، يكون تفسيرعصرنا الحالي وفق علومنا مرحليًا ولا نقول أنه التفسير المطلق، وقد ياتي زمان في المستقبل، يجد فيه أهله تفسيرًا مرحليًا آخر يختلف عن الذي نراه، فلا يخطئون تفسيرنا وانما يقبلون أنه كان تفسيرًا مرحليًا وافق معارفنا.

 

وظيفة النص العلمي في الخطاب الديني:

           نتوقع من أي رسالة سماوية أن تحتوى على إجوبة مقنعة للأسئلة التي تدور في أذهان الناس، عن من أين جاء هذا الكون، وكيف خلقنا وما هو مصيرنا وهل هناك شيئا بعد الموت.

           ولو نظرنا في المعلومات المتعلقة بعالم الشهادة، أي العالم المشاهد، سترد هذه المعلومات في الرسالة السماوية بقصد تأكيد صدقها، أي كحجة وبرهان، ولهذا لا نتوقع أن يرد ذكر موضوع خلق الكون كمادة علمية مجردة، لأنه لو ورد كمادة علمية لما أدى دوره كحجة وبرهان لدى قوم يجهلون النظريات العلمية الصحيحة، ولهذا كان من الحكمة أن تصاغ المعلومات الصحيحة في صيغة تتناسب مع معارف المتلقي، فالحجة يجب أن تكون مقنعة حتى تقوم بالغاية المطلوبة منها. ولأن الحجة لا يراد منها أن تصبح قضية يُجادل فيها؛ توجب فيها ألا تتعارض مع المعارف الإنسانية في أي مرحلة من مراحل تطوره.  

           وقد بدأنا القول بما يؤدي الى أن الفهم البشري للنصوص في هذا العصر؛ قد يتعارض بعضه فعلا مع العلم المعاصر، وأن السبب في ذلك يعود الى تخلف التفسير عن مواكبة التطور العلمي، وأنه ما زال يعتمد في أكثره على تفاسير السلف؛ دون أن يتفاعل هذا النص مع المعارف الحديثة حتى يتولد الفهم المرحلي الجديد.

           وعليه، نجد أن النصوص الكونية ونصوص الخلق في القرآن، وردت على إنها حجة وبرهان لدعم جوهر الرسالة الروحي، وأنها ليست مقصودة في حد ذاتها أي بمعناها العلمي البحت، وليس الغرض منها تعليم الناس أو إحداث طفرة علمية لبشر ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها.

           من الصحيح ان الدين الإسلامي قد جاء بطفرة أو ثورة إجتماعية سياسية إقتصادية غيرت من أخلاق وتقاليد وعادات المجتمع العربي خاصة والبشر عامة، ولكن ليس صحيحًا أو مطلوبًا أن يأتي الدين الإسلامي أو غيره بثورة علمية. لقد جابهت الدعوة الإسلامية الجديدة معارضة عنيفة كادت أن تودي بها في المهد، وليس من المنطق السليم أن نتوقع منها إحداث ثورة علمية أيضًا. لقد كان الرسول صلعم محاطًا باليهود ينظرون في الآيات ويمحَّصونها ويحكمون بصحتها أو زيفها بناء على معتقداتهم التوراتية، وخاصة فيما يتعلق بالكونيات وقصة خلق البشر، وكان بعض العرب الذين يتلقون هذه الرسالة يرجعون إليهم ويعتبرون برأيهم ويحكمون بموجبه على مصداقيتها، والتي أعلنت عن نفسها أنها آخر الرسالات السماوية وإنها مصححة ومكملة وخاتمة لما سبقها. أضف إلى كل هذا أن مبلغ العلوم الكونية عند العرب والبشر عامة؛ كان لا يتعدى خليطًا من النصوص السابقة؛ ومن كون أرسطو وأفلاطون؛ وما تفتقت عنه الأساطير والمعتقدات القديمة، فلماذا تأتِ الرسالة بطفرة علمية تحدثها في قوم ليسوا مؤهلين لتلقيها أو فهمها. أو تتضمن برهان عليها يحتاج في حد ذاته إلى برهان.

           ذكرنا أنها ثورة في أكثر من مجال فلماذا قلنا أنها لا تكون علمية أيضًا.  إضافة الى أن هذا يخرج بالرسالة عن موضوعها الأساسي، سوف نجد أن العلم يختلف عن غيره من المعارف، ولا يستفاد منه إلا بالترقي فيه درجة درجة وجيلا بعد جيل، العلم لا يمكن إيجازه في كتاب، وإنما هو ثمرة محاولات وتقدم وتجارب ومشاهدات.

           يقول لسنج ( مجموعة مؤلفات لسنج عن تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور – هامش ص259- نقلاً عن كتاب في فلسفة ابن رشد – الدكتور محمد بيصار -ص95): ”لا ينحصر فضل الإنسان في إمتلاكه الحقيقة، وإنما فضله في الجهد الذي يبذله مخلصًا في السعي إليها . ولا تنمو ملكات الانسان بامتلاك الحقيقة، بل بالبحث عنها، وكماله المتزايد ينحصر في هذا وحده، بل إن إمتلاك الإنسان للشئ يميل به إلى الركود والكسل والغرور. ولو أن الله وضع الحقائق كلها في يمينه، ووضع في شماله شوقنا المستمر إليها وإن أخطئناها دائمًا؛ ثم خيَّرني، لسارعت إلى إختيار ما في شِماله “.

           ان الرسالات السماوية ليس من أغراضها إحداث طفرة علمية، وإنما الإرتقاء الروحي والتوجيه الأخلاقي، ولهذا تحرص على عدم خلخلة الفكر العلمي المعاصر لها، ولهذا جاءت كلها بحيث لا تتعارض مع المعتقدات العلمية آنذاك، ولأنها رسالة إلى كل البشر اللاحقين، والذين سوف تتطور معارفهم العلمية وتتغير، كان يجب على هذه الآيات إما:

(أ) أن تخاطب بشر المستقبل بما لا يتعارض مع معارفهم، أو

(ب) تعتمد على تقديرهم أن الجزء العلمي الذي تضمنته الرسالة، إنما كان وقتيا ليتناسب مع معارف ذلك العصر السابق، لتفادي إحداث زلزلة فكرية قد تضر بالتدرج التطوري للفكر الإنساني. وأنه متى إستـتبت الرسالة الدينية وقويت، فان عنصر الإيمان الغيبي سوف يتغلب على عدم توافق بعض هذه الآيات العلمية مع المعرفة الحديثة، وسوف يستطيع الإنسان المتأخر زمنيًا والمتقدم علميًا أن يعي مرحلية هذه الآيات ورمزيتها.

 ولا شك أن (ب) هو ما نراه حولنا الآن، فبالرغم من تنازل المسيحية عن المعنى المطلق لسفر التكوين، فالمسيحيون عامة مؤمنون بالدين المسيحي وبالوجود الألهي، ومقتنعون بفكرة القصد الرمزي لها. بينما إستطاع المسلم أن يمضى في طريقه دون التأثر كثيرًا بالمعركة التي دارت رحاها في أوروبا في القرون الأربعة الماضية .

 إلا أن ثراء النص الإسلامي والتفصيل الذي ورد فيه، وقدرته على التفاعل مع الفكر المعرفي في كافة عصور التطور البشري، لا يسمح لنا بالتقاعس واللجوء الى مقولة رمزية النص، إذ أنه الدين المصحح المتمم الخاتم.                        

 وقبل أن نترك هذا الفصل، يجب التنويه هنا أن البرهان الذي ذكرناه ليس هو البرهان التجريبي القاطع، وأنما هو البرهان الكلامي المقنع، الذي تطمئن إليه النفوس لأنه يوافق المعروف والمتعارف عليه. وقد سبق أن بينًا أن البرهان المطلق القاطع ليس متاحًا في هذه الحياة الدنيا.                        

 

حدود الخطاب الديني:

            أما وقد تبين لنا أن الغرض من سرد النصوص الكونية قد يكون الحجة والبرهان، مع تصحيح ما شاب نصوص الرسالات السابقة من جراء الإضافات التي قام البشر بوضعها عن حسن أو سوء نية، علينا أن ننظر الى وسيلة الخطاب الديني ومدى قدرتها على نقل المعلومات، ووسيلة الخطاب هي اللغة ((تحمل اللغة  دلالات و معان ورموز للتعبير عن عالم الأشياء و الظواهر.)) ، واللغة لا تصلح إلا بناء على معرفة سابقة، ليس بها فقط وإنما بالموضوع ذاته أو ما يماثله أو يشبهه، وقد تعجز اللغة في حالات كثيرة أو نضطر لتقريب المعنى الى درجة قد يفقد معها الكثير من واقعه، منها كيف نصف عوالم أخرى تختلف كلية عن عالمنا ولا يوجد لها مثل فيه.

          لا شك أن هناك حالات يستحيل فيها التعبير اللفظي، فاللغة لا تستطيع سوى التعبير الدقيق عن الموجودات التي يمكن معرفتها بالجوارح، وما يمكن الإشارة إليه أي الأسماء. فيما عدا ذلك فاللفظ المعبر عن أي شئ يعود الى التجربة السابقة ودرجة الفهم والقدرة على التخيل، وهذا ينطبق على كل ما هو ليس بمحسوس كالزمن والجاذبية والضمير والروح والغيبيات، وأغلبها نعرفها بآثارها وليس بذاتها، وعجزنا عن معرفة الذات الإلهية هو عجز مطلق، يبينه قوله تعالى {ليس كمثله شئ وهو السميع البصير} الشورى 11.

           نحن نصف الإشياء، والوصف هو استخدام محسوس أو مشاهد لتقريب شيء غيبي، ولكن ماذا عن محاولة وصف ما لم يره أو يحسه أحد منا قط (عدا الواصف طبعًا)، يشترط في الواصف أن يستدل بأشياء محسوسة ليدل على أشياء غيبية، فلو لم تتوفر الأشياء المحسوسة التي من خلالها يمكن وصف الشئ الغيبي، كان عليه الإستدلال بأقربها شبهًا، أو تركيب أجزاء من المتشابهات لوصف الكل الذي ليس له مثل، وفي هذا تنازلاً عن الدقة المطلقة رغبة في نقل المعلومات، أي أن الفرق بين الفكرة والتعبير اللغوي عنها قد يكون كبيرًا الى حد قد يصل إلى أن تتشوه معه صورة الفكرة الأصلية. 

           البلاغ الديني هو الخطاب الصادر عن الله تعالى إلى البشر في صورة الرسالة اللغوية الثابتة والدائمة ( القرآن الكريم)، وفي صورة السنة الوقتية المجسمة في مُبلّغ الرسالة وهو الرسول صلعم، وإقتصار الرسالة الدائمة على وسيلة التعبير اللغوي فقط يحصر إمكاناتها، في حدود قدرة هذه اللغة على البيان من خلال حجم مفرداتها وإرتباط هذه المفردات بالمعاني التي تدل عليها، واللغات بصورة عامة تتطور في حجم ودلالات مفرداتها، إلا أنها تظل محدودة بحدود الأفق المعرفي للمجتمع الذي يستخدمها، ولا يمكن أن تعبر اللغة في أي وقت عما لا يعرفه هذا المجتمع، أي لا يمكن أن يوجد لفظ في لغة يدل على شئ لا يعرفه الناس بعد، خيالا ((حتى الخيال يجب ان يكون مركبًا من محسوسات، فالملائكة قد نتخيلها كمخلوقات لها أجنحة وكلاهما معروف.))  كان أم حقيقة ، ولهذا فإن قدرة البلاغ اللغوي محدودة في إطاري قدرات اللغة ومعارف الأمة، وحيث أن المعرفة مستمرة في النمو والتطور، فإن على اللغة المعبرة عن هذه المعارف أن تستمر في النمو والتطور لمواكبة متطلبات النماء الفكري والعلمي (خاصة)، ولا شك أن التعبيرات اللغوية العلمية في القرن السابع كانت محدودة للغاية، وقد تعجز لغات العالم عن التعبير لمواكبة الطفرات العلمية المستوردة، ولهذا نشأت المصطلحات العلمية التي يُتفق بين العلماء على مدلولاتها.

           جاء القرآن برسالة إلى كل البشر في كل العصور، ولهذا لم يعتمد كغيره من الرسالات التي سبقته على المعجزات المباشرة، فالمعجزة لا يمكن إعادة إجراءها في كل عصر، ولو تم هذا لفقدت صفة المعجزة، واصبحت من الظواهر الكونية المتكررة ولوجدنا لها قانونًا يحكمها. والمعجزة رهن بصدق المشاهد وتصديق المتلقي لخبرها، وتفتح بابًا للمجادلة والإنكار، لا يمكن معه التحقق العلمي من صحتها، والعهود اللاحقة ليس لديها سوى الكتاب والسنة. التفاسير والكتابات البشرية التراثية تعاملت مع الكتاب في آيات الكون والخلق بفكر عصرها، ولا يفترض فيها ما يصح أن يفترض في القرآن، ولهذا يجب أن يكون الإعتماد الأول في الآيات العلمية على الكتاب، الذي بين أيدينا كما نزل من عند الله تعالى، وهو الرسالة السماوية الموجهة إلى عصرنا وإلى غيره من العصور البشرية.

 

حدود قدرات المتلقي:

           والرسالة لها أركانها، الـمُرسلُ والموضوع والوسيلة والـمرسل إليه، والمُرسل هو الله تعالى ذو العلم المطلق والقدرة المطلقة، والمرسل إليهم هم البشر ذوي القدرات المحدودة، والموضوع هو الهدى وتعليم الحكمة؛ والوسيلة هي اللغة المنطوقة أي الكلام، وتحددت اللغة بالعربية  (({إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} الزخرف 3 ، { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} الدخان58، { كتاب فصلت آياته قرءانًا عربيًا لقوم يعلمون} فصلت 3، { وكذلك أوحينا إليك قرءانًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها …} الشورى 6))  فكانت معاني الألفاظ طبقًا لدلالات الكلمات في هذه اللغة {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} يوسف2. ولهذا فعلينا أن نسلم أن الرسالة حتى تكون مفيدة يجب أن تصاغ في حدود قدرات من يتلقون الرسالة وفي حدود إمكانيات لغتهم. أي أن محدودية الرسالة منوطة بمحدودية المتلقي وقدرات لغته؛ ولا علاقة لها البتة بقدرات المُرسل طالما كانت أرقى من قدرات المتلقي في كل النواحي الفكرية وغيرها (( يقول السيد سعدون محسن ضمد تحت عنوان  حدود الإدراك في منظومة التلقي الإنساني: ”وهنا تبرز إشكالية قصور آلة الإدراك الإنسانية ـ من جهة المتلقي، حيث أن هذه الآلية ستعمل على تقييد المعطيات المستوردة من جهة ما وراء الطبيعة لجهة الطبيعة، وعندها ستفقد تلك المعطيات الكثير من قيمتها باعتبارها منزلة من قوة فوق إنسانية، لأنها ستترجم بلغة أو بمفاهيم الإنسان، وحينها ستتحول إلى معطيات إنسانية، أو لا أقل، إلى معطيات نصف إنسانية، ولن تعود معطيات فوق إنسانية مئة بالمئة. فكيف يتسنى للإنسان أن يفهم المعطيات الغير طبيعية، وهو يعتمد على آلية المعالجة، التي تستند بدورها لجمة مفاهيم طبيعية، بعبارة أوضح، فعندما تعمل هذه الآلية على استيراد مفهوم ماوراء طبيعي، فإنها وخلال عملية فهمه، ستضطر لمعالجته (مقارنة، تشبيه، استنباط)، بالمفاهيم الطبيعية، وهكذا ستجري عملية قياس يكون نتيجتها مفهوم إنساني (طبيعي أو نصف طبيعي)..“)).

 

قضية التعارض:

           نسلم أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارضًا بين المعتقدات الصحيحة المنبثقة عن الفهم الصحيح للنصوص الدينية التي تتعلق بأي من الموضوعات العلمية كالكونيات والخلق والطبيعة، وتلك التي توصل إليها العقل البشري بطريق وسائل المشاهدة والإستدلال والإستنباط العلمي، فكلاهما يعود إلى نفس المصدر الإلهي، وكلاهما يهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية، التي بالضرورة الدينية نشأت نتيجة الإرادة الإلهية، ولهذا فإتباعًا لأسس الفكر الديني نجد أن الطبيعة والنص الديني صادرين عن مصدر واحد، ولا يجوز أن يشوبهما أي تعارض. ويتم فهم الرسالة الدينية ورسالة الطبيعية من خلال العقل البشري، الأولى من خلال النصوص والثانية من خلال المشاهدة والإستنباط العلمي والتجربة، ولو فرض وجود تعارض فالتعارض سيكون بالضرورة نتيجة خطأ في الفهم لأي من الرسالتين. ويجب أن لا يغيب عن ذهننا أن فهمنا رهن بتطور وصحة معارفنا، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن معارفنا البشرية قد إكتملت، بل وفي هذا العقد من الزمان، يعرف الراسخون في العلم أننا بعيدون عن ذلك، أبعد مما كنا نعتقده عندما نعمت البشرية بالثقة المفرطة في عالم نيوتن ذو الزمان والمكان المطلقين .

           من المسلمات الدينية الغير قابلة للجدل، أنه لا يجوز أن يكون هناك تعارض بين الدين والعلم. والدين من جانبه يدعو الإنسان إلى طلب العلم وتطويره، حيث أن العلم أداة هامة في عملية إعمار الأرض المنوط بها الإنسان، إضافة إلى أن العلم يؤدي إلى فهم أفضل لطبيعة الكون، ويمتلأ القرآن بالآيات المشيرة إلى أهمية العلم، ويخاطب العلماء خاصة لقدرتهم على الفهم الأفضل لعظمة الخلق بل ولإعجاز القرآن ذاته، إن دعوة القرآن الى الإهتمام بالعلم والحث عليه جلية واضحة لا تترك ذرة من شك في مضمونها.

           ولهذا فنحن نجد أن الدعوة القرآنية لتحصيل العلم وممارسته، وأسلوبها في الحث على المشاهدة والإستنباط دعوة متقدمة على وسائل الفكر العلمي آنذاك، الذي كان يقوم على المنطق العقلي وحده، والذي يعود إلى فلاسفة اليونان، قد لا نستطيع البت في أن أسلوب التجربة قد ورد في القرآن، إلا أنها نتيجة طبيعية للمشاهدة، فالتجربة هي في أبسط صورها محاولة تكرار الظاهرة التي تبينت من المشاهدة، وقد نجد في قصة النبي إبراهيم عليه السلام، التي وردت في القرآن الكريم، { وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم أدعهن يأتينك سعيًا واعلم إن الله عزيز حكيمٌ} 2/260، نوعًا من حث البشر على التساؤل والتيقن بالتجربة، فإن صحت في واحد من موضوعات المعتقدات الدينية الغيبية، فأولى بها أن تصح في علوم الطبيعة.

          وتعود قضية هذا الخلاف مع العلم الى القرن السادس عشر الميلادي، عندما اتخذت الكنيسة المسيحية موقفًا متشددًا من كوبرنيكس وجاليليو، لقولهما أن الأجسام السماوية لا تدور حول الأرض وإنما حول الشمس، وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه الأفكار تتعارض مع النصوص والمعتقدات الدينية، وحاربتها بضراوة إلا أنها إضطرت مكرهة الى التراجع والتنازل عن موقفها بعد إنتشار نظريات نيوتن وثبوتها بالتجارب والمشاهدات، وكانت نهاية الصراع لصالح العلماء عندما صدر كتاب أصل الأنواع لداروين في منتصف القرن التاسع عشر، واعتبرت الكنيسة أن التصوير الديني للأمور العلمية هو تصويرا رمزيًا ولا يجب أن يؤخذ كحقيقة علمية مجردة. وقد نتج عن هذا الموقف انفصال الفكر الديني عن الفكر العلمي، ومع توالي الإكتشافات العلمية وما قدمته للبشرية من مخترعات كثيرة، أتخذ العلم لنفسه مركزًا مرموقًا اتسم عند البعض بالغرور وأتاح لهم الفرصة لنقض الفكر الديني والتطاول عليه .

           قد لا يكون هذا الخلاف حقيقيًا، لأنه قد نتج إما عن فهم الكنيسة الخاطئ للنصوص الدينية، أو إعطاءها قدسية لنصوص ليست دينية من الأصل، إذ أن فكرة دوران الكواكب والشمس والقمر والنجوم حول الأرض ليست مستنبطة من النصوص المقدسة وإنما هي نتاج الفكر الفلسفي اليوناني، ولا يوجد نص ديني يقول بذلك، أما موضوع نظرية تطور المخلوقات فقد لا تتعارض أيضًا مع النصوص السماوية، أي أن الخلاف بين العلم والدين، ليس خلافًا بين العلم والنصوص الدينية؛ وإنما هو خلافًا بين العلم والفهم الخاطئ للنصوص الدينية. وسوف نبين في هذا البحث الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه النتيجة .

           وبالرغم من أهمية هذه القضية، إلا أن الأديان كلها تتواري عن مجابهتها وجهًا لوجه بأسلوب يعتمد على العقل، والعقل هو العامل المشترك، العقل والفؤاد هما المخاطبين في الخطاب الديني، بينما العقل وحده هو المخاطب في الخطاب العلمي، وحتى يصح التحاور بين الدين والعلم، يجب القبول بالإلتزام في حدود الحوار العقلي فقط، أي عدم الخوض في الحوار الميتافيزيقي أو الثيولوجي.

 **************

يقينية العلم:

 يقول برتراند راسل : أن العلم يقرر أحكامًا على سبيل التقريب لا على سبيل اليقين .

 تقوم النظم الرياضية على إنسجام قضاياها فيما بينها بطريقة صورية، وقد لا تكون لها علاقة بالواقع، ومقياس اليقين هو مطابقة الفكر مع الواقع، ولا يقين إذا تطابق الفكر مع إفتراضاته.   

 ان المبدأ العلمي الذي يقول بوجود الإضطراد في الطبيعة، وينكر الأخذ بالصدفة في القوانين العلمية، يقبل بوجود الصدفة في أهم موضوعاته العلمية وهو وجود هذه القوانين ذاتها ووجود موضوع البحث العلمي وهو الكون الذي تعمل فيه القوانين العلمية .

 نحن بصورة عامة نفترض صدق وصحة كل ما هو علمي، ولكن أكثر النظريات العلمية ينحصر تطبيقها في مجالات محددة، ولا تدعي لنفسها أنها صحيحة في كل المجالات والأبعاد، وتفقد مصداقيتها متى خرجت عن هذه الحدود.  وقد تتعارض تصورات النظريات العلمية مع بعضها إذا خرجت عن حدودها، مثال ذلك، تصورات النظرية النسبية العامة لتأثير المادة على النسيج الكوني ولطبيعة قوة الجاذبية وكلاهما يعمل بصورة دقيقة في حدود العالم التلسكوبي؛ تختلف وتتعارض هذه التصورات مع تصورات نظرية الكم (الكوانتم) للقوى في العالم الميكروسكوبي والأصغر منه، ويتعارض مبدأ الحتمية الذي تدل عليه نظريات نيوتن ومن بعده أينشتين، بالقول بامكانية معرفة مستقبل أي جسم إذا عرفنا موقعه وسرعته الحالية واتجاهها والقوى الخارجية التي تؤثر عليه، مع مبدأ هيزنبرج في عدم إمكانية التيقن عند إجراء القياسات لموقع وعزم حركة الجسيمات الأولية مثل الإلكترونات وما مثلها، ويعجز العلم عند محاولة فهم طبيعة الزمن، وأسباب وجود القوانين والثوابت الفيزيائية على ما هي عليها، أضف الى هذا عشرات النظريات التي تقوم على افتراضات ونماذج ومعادلات رياضية يضعها العلماء، وتنشغل بها أكبر المعاهد والمؤسسات العلمية لعشرات السنوات ثم يهجرونها الى غيرها وغيرها.

          إن من الأهمية البالغة إزالة وهم رسخ في أذهان الناس وأصبح حقيقة لا تقبل الجدل، وهي الثقة المطلقة في العلم، التي أصبحت من المسلمات التي يعتقد بها الإنسان العادي، ولهذا فعلينا أولاً الفصل بين العلم النظري والعلم التطبيقي ، العلم التطبيقي – التكنولوجيا – هو الذي وفر لنا كل المخترعات التي ننعم بها، وأساسه العلم النظري، ولكن نجاح المخترعات لا يعنى بالضرورة صحة فهمنا المطلق أو شمولية النظرية التي تقوم عليها هذه المخترعات، فكل أجهزتنا الكهربائية مثلاً تقوم على معلوماتنا المتعلقة بالكهرباء، وأهم مكوناتها الإلكترون، وبالرغم من نجاح هذه الأجهزة من تليفزيونات وحاسبات إلكترونية وغيرهم، إلا أننا لا نستطيع حتى الآن معرفة كنه الإلكترون، هل هو جسيم أم موجة أم كليهما، فلو تعاملنا معه كموجة وجدناه يتصرف مثل الموجات، ولو تعاملنا معه كجسيم نجده يتصرف كجسيم، ونحن نعرف الإلكترون من آثاره وليس من ذاته، وبالرغم أن القوة الكهرومغناطيسية، هي المسئولة عن تنوع العناصر وفقًا لعدد الشحنات الموجبة (البروتونات) والسالبة (الإلكترونات) في هذه العناصر، وهي المسئولة أيضًا عن تنوع المواد المركبة وفقًا لطُرق تبادل الإلكترونات بين ذرات عناصرها، إلا أننا لا نستطيع مثلاً قياس موقع الإلكترون وحركته ( السرعة والإتجاه) في آن واحد (Heisenberg Uncertainty Principle) ، وإنما أفضل ما نستطيعه هو أن نتبع مبدأ تقدير أفضل الإحتمالات Probabilities))، لا شك إن الطبيعة الإزدواجية -الجسيمية والموجية – للعالم الأصغر من الميكروسكوبي تتعارض مع المنطق العقلاني ومع المعقول وفق مسلماتنا، فالشئ لا يمكن أن يكون جسيم وموجة في آن واحد، الجسيم هو ما له كتلة وحجم، والموجة في أبسط صورها تخلخل في الوسط، وليس لها كتلة. وقد جابه فكر نظرية الكم معارضة عنيفة تزعمها ألبرت أينشتين، ومساجلاته مع بوهر أبو نظرية الكوانتم مشهورة، وبالرغم من هذا إلا أن نظرية الكم أصبحت واقعًا يقبله كل العلماء؛ أي أنهم يؤمنون بصحته وإن اعترفوا بعجزهم عن تفسيره وفق المنطق العقلي الذي يبنون عليه كل نظرياتهم، ولو تجاوزنا مشكلة إزدواجية الإلكترون والبروتون وكل مكونات الذرة، والتي تنطبق أيضًا على الفوتونات وهي الكم الضوئي، قد نتعجب أكثر من مشكلة التنسيق أو تبادل المعلومات عن بعد، بين اتجاه الدوران حول المحور Spin لإلكترونين بدءا متساويين في العزم، إصطدما فاتجها إتجاهين متعاكسين، المفروض أن مجموع عزمهما سيكون مساويًا لما قبل التصادم، واتجاه دوران كل منهما حول محوره معاكسًا للآخر، ودائمًا لو قسنا إتجاه الدوران في أحدهما نجد الآخر ولو كان على بعد شاسع يضبط إتجاه دورانه ليضاد الذي قسناه في الآخر، وكأن هناك إتصال معلوماتي آني، وهذا يشترط معه إمكانية إنتقال المعلومات والتنسيق بسرعة آنية، وهذا يتعارض مع النظرية النسبية التي تؤدي الى عدم تخطى أي شئ في كوننا لسرعة الضوء .

           وفي العلم أيضًا يوجد العلم اليقيني، والعلم الشبه يقيني، وأهل العلم قد يصرون على أنه لا يوجد شئ أسمه علم شبه يقيني، وأنا أتفق معهم في ذلك بفرض توصلهم للمعرفة المطلقة ولو في أحد الجوانب العلمية، ولكنهم يعلمون جيدًا أن علومهم ذاتها تتعارض في أسسها -بعض الأحيان- مع بعضها الآخر، فكما ذكرنا فإن النظرية النسبية لأينشتاين، تتعارض في تحديد طبيعة القوى مع نظرية الكوانتم، (إينشتاين يعتبر أن المادة والطاقة تحددان إنحناءات النسيج الكوني وإنحناء النسيج الكوني يحدد تصرف المادة والطاقة، وأن الجاذبية هي تقعر/تحدب في هذا النسيج، بينما نظرية الكوانتم تعتبر أن القوى تنتج عن تبادل جسيمات صغيرة ومنها جرافيتون الجاذبية) وكلاهما ثابتة صحته بصدق توقعاته ثم تأكدها بالمشاهدة أو التجربة، كلاهما يعتبر صحيح في مجاله، أي ان التعارض لا يعني بالضرورة خطأ نظرية وصحة الأخرى، وإنما صحة كل نظرية في مجالها وفي داخل حدودها، وعندما يقبل العلماء بهذا التعارض، يعلمون أنهم لم يصلوا بعد إلى النظرية المطلقة التي تفسر كل القوى تفسيرًا متجانسًا.

           والذي يجدر الإشارة إليه ههنا؛ أن النظرية ليست إلا تفسيرا للحقيقة، وليست هي الحقيقة ذاتها، فهي ليست إلا تقريب لها، وتستبدل النظرية بأخرى أفضل منها كلما أقتربت الأخيرة أكثر من الحقيقة، ولا يكون هذا إلا إذا جاءت بتفسير أفضل أو بمعنى آخر أكثر دقة. ومثال ذلك النظرية النسبية التي حلت محل نظرية نيوتن في أكثر من مجال. ومثال آخر هو الحدود الضيقة لتطبيقات الهندسة الإقليديسية في القياسات المساحية، والتي اعتقد الناس بكمالها قرابة ألفين عام، بينما هي محدودة بقياسات المساحات المستوية، وكوننا ثلاثي الأبعاد وكذلك سطح كرتنا الأرضية، إلا أننا نستطيع التغاضي عن هذه الحقيقة في المساحات الصغيرة نسبيًا، وحتى في هذه الحالات الضيقة، فنتائجها وإن كانت قريبة جدًا من الحقيقة ومفيدة للغاية من الوجهة العملية، إلا أنها ليست الحقيقة ذاتها.

 ويهمنا هنا أن التعارض بين أهم نظريتين علميتين في عصرنا الحديث، لم يمنع العلماء من الأخذ والعمل بهما معًا كلا في مجاله، ولم ينادي أي مناصر لأحدهما بإلغاء الأخرى لتعارضها مع نظريته، بل قبل الجميع أن كلا منهما صحيح في مجاله، والمجال هنا هو في الحجم الكوني لنظرية النسبية والحجم الذري لنظرية الكوانتم، وهذا يدعونا إلى التساؤل هل تعارض أي نظرية علمية مع الدين يستدعي نقض أحدهما، أم أنه هنا أيضًا قد يكون للمجال تأثير بالغ على قراراتنا، فالعلم يتعلق بالماديات، بينما الدين يتعلق بالأمور الإعتقادية والأخلاقية والروحية.         

           أما عن العلم الشبه يقيني، وهو ما تعمل في مجاله أكثر هيئات الأبحاث الجامعية وغيرها من المنابر العلمية المتقدمة، من أشباه نظريات لم ترتقي بعد إلى مستوى النظرية المقبولة علميًا، والتي إنما توصلوا إليها عن طريق المعادلات الرياضية Mathematical Theories، مثل Superstring & Super Symmetry ، ولا أحاول هنا التقليل من أهمية هذه النظريات العلمية التي لن يتوفر للإنسان القدرة على إجراء تجارب لإثبات صحتها أو عدم صحتها ربما لعدة قرون، وربما إلى الأبد، وإنما أحاول أن أذّكر العلماء أن الشروط التي يضعونها للبحث العلمي، عندما يتناول هذا البحث الأمور الكونية أو الأمور المتناهية في الصغر أو حالات Singularity فإنهم قد يضطرون إلى مواصلة البحث دون الإعتماد على التجربة، والقبول بالنتائج التي يتوصلون إليها عن طريق المعادلات الرياضية والنماذج أو التجارب الفكرية Thought Experiment، أي بما يمكن تسميته بالعلم الغيبي، والغيب هنا في غياب التجربة المعملية أو المشاهدة.

           نحن لا نحاول التقليل من أهمية العلم وإنما نضعه في مكانه الصحيح، خاصة عندما يضع نفسه في موقع الحاكم المطلق على صحة أو خطأ غيره، مستندًا إلى ما قدمه الى البشر من مخترعات لا ينكر أحد منا فضلها في تحقيق الرفاهية للناس، وما هي إلا علوم تطبيقية لا تختلف كثيرًا عن الحجر الذي وجده الإنسان الأول فصقله وصنع منه أدواته وسلاحه، وكما لم يتبحر الإنسان الأول في الحجر نفسه وأخذه على ما هو عليه، فمخترعاتنا كلها ما هي إلا إستخدام لما هو موجود أمامنا، ومسخر لنا، والعلم لم يخلق حجرًا من العدم ولا يستطيع ذلك. أما فهمنا المطلق لهذا الكون وما فيه، فما زال العلم بعيد عنه. ولهذا يجب أن نفصل بين العلم، وهو الفهم التقريبي النسبي المحدود بالظروف التي وجدنا أنفسنا فيها، وبين الحقيقة المطلقة. بل وكل علومنا محدودة بمشاهداتنا في أفقنا الكوني، ولا نعلم هل هذا الأفق الكوني هو كل الكون أم جزء صغير منه، وهل يمكننا أن نفترض أن ما لا نشاهده أو نحسه بأجهزتنا مثل ما نشاهده، إن من الغرور العلمي – الغير مستند على أي دليل منطقي أو علمي- أن يظن أي من البشر أنه في موقعًا يمكنه أن يحكم بصحة أو عدم صحة أي نموذج لما سبق بدء الخلق الكوني، أو أي نموذج لما هو خارج هذا الكون، إذ لا يوجد لدى العلماء الوسيلة أو التجارب التي من خلالها يستطيعون إثبات أو نقض أي نظرية علمية تفسر بدء خلق الكون، ومع غياب التجربة ليس لدينا سوى المنطق العقلاني الغيبي، والتاريخ العلمي البشري مليء بالنظريات الزائفة التي تكونت من خلال هذه العملية، ويعلم العلماء أنفسهم كم قاسوا لنقض وتجاوز بعض هذه النظريات الزائفة.

           وأخيرًا، وقبل أن نترك هذا الموضوع، يجب أن نعود ونؤكد على أهمية العلم، وصحة الكثير مما توصل إليه، طالما حرصنا على معرفة الحدود الزمانية والمكانية التي تعمل فيها نظرية معينة، واعترفنا أن هذه النظرية وإن فسرت المشاهدات ونتائج التجارب التي نقوم بها؛ وتنبأت بنتائج مستقبلية ثبتت صحتها، إلا أنها لا تتعدى مجرد كونها تفسيرا مرحليا تقريبيا لهذه الظواهر؛ وليست التفسير الوحيد الممكن، ومن المحتمل بل ومن المتوقع أن تظهر في المستقبل نظرية أخرى تفسر هذه الظواهر بصورة أكثر دقة وأوسع حدودًا.

ويجب أن نتذكر دائمًا أن العلم لم يقدم لنا حتى الآن نظرية كاملة تكفي لتفسير كل شيء،  Theory of Every Thing ولا يستطيع أن يتطرق إلى ما هو خلف العالم المحسوس، فيما يتعلق بما قبل التكوين، وما خارج الكون، وما بعد نهايته، ولم يقدم لنا أي تفسير لماذا الكون يتبع هذه القوانين والثوابت الطبيعية ومن أين أتت، ومازال يبحث عند نقطة البدء singularity  ، العلم يصف لنا فقط ما هو عليه الكون، ولا يعرف وربما لا يهتم أن يعرف لماذا هو كذلك.   

 لا نشك أن المنهج العلمي هو أحد الطرق الأساسية نحو المعرفة، ولكنه له حدوده وقدراته، وحتى يستطيع العلم أن يصل الى الحقيقة أو قريبًا منها، يشترط أن تكون هذه الحقيقة معقولة وفقًا لمبادئ الفكر البشري؛  وقابلة للمعرفة، وبعبارة أخرى أن تسمح له.

 

تم الباب الأول في ديسمبر 1995م

وجرت إضافات وتعديلات بعد ذلك.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – المعرفة البشرية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } النساء 82

 

يعتبر أصحاب المذهب العقلاني مثل ديكارت ان الأفكار العقلية فطرية تولد مع الأنسان، وأن الحقيقة وليدة التصورات. بينما يعتبر التجريبيون مثل هيوم أن الأفكار مستمدة من التجربة الحسية عند الطفل وينكرون أي وجود للأفكار الفطرية، وأخذ “كانت” طريقًا وسطًا فقال ان حدود المعرفة الممكنة هي عالم الظواهر فقط، وأنكر قدرة العقل على أي فهم في مجالات الميتافيزيقا لأنها لا تخضع للتجربة الحسية.

 وعليه فان المجال الذي يجب أن ينحصر فيه البحث المقارن هو في المعرفة الطبيعية التي تدخل وعي الانسان عن طريق تفاعله مع مشاهداته في الطبيعة، أما المعرفة الغيبية فهذه لا يعرفها الإنسان إلا عن طريق الوحي و الرسل و الكتب السماوية.

          يعَّلمنا القرآن أن المعرفة أولها فطري، ثم تجريبي حسي، والمعرفة الفطرية التي يتناولها القرآن هي معرفة وجود الله تعالى. وفي الآيات الكريمة: {وكذلك أنزلناه قرآنًـا عربيا وصّرفنا فيهِ من الوعيد لعلهم يتقون أو يُحدِثُ لهم ذِكرًا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيهُ وقل ربِ زدنى علمًا * ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزمًا} طه: 113-115 .  يُحدث تدل على أن يكون الشىء بعد أن لم يكن. وذَكَرت الشىء خلاف نسيته، ثم حمل عليه الذكر باللسان أى الصيغة الصوتية اللغوية، والمعنى الأرجح هنا هو الذى يدل على التذكر؛ ولو أخذنا بهذا المعنى، فأن {..ويُحدث لهم ذكرًا..} ((جاء في تفسير الطبري: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} يَقُول : أَوْ يُحْدث لَهُمْ هَذَا الْقُرْآن تَذْكرَة , فَيَعْتَبرُونَ وَيَتَّعظُونَ بفعْلنَا بالْأُمَم الَّتي كَذَّبَتْ الرُّسُل قَبْلهَا , وَيَنْزَجرُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْه مُقيمُونَ منْ الْكُفْر باَللَّه.))  تدل على أن القرآن قد يجعلهم يتذكرون، ويُحدث تدل أنهم يتذكرون شيئًا جديدًا عليهم لأن يُحدِثُ تدل على حدوث شيء بعد أن لم يكن. أى أنهم وان كانوا يتذكرون، فأنهم يتذكرون شيئًا وان كان فى ذاكرتهم، إلا أنه مدفونًا ولم يطَّلعوا عليه من قبل فى حياتهم هذه. وإذا عدنا الى أول العهد البشرى عندما جعل الله آدم ، وعندما أشهد كل ذرية بني آدم {وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} الأعراف:17. والمراد بالاشهاد هو فطرهم على معرفة الخالق، وفى قوله تعالى {فأقم وجهك حنيفا فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} الروم 30. والحنيف هو الميل عن الباطل الى الحق.

 ومعرفة وجود الله تعالى، تدخل في الموضوعات الغيبية، التي لا يقوم عليها دليل حسي مادي، وإنما يمكن الإستدلال عليها من خلال الوجود الكوني والحياة والوجود الإنساني ذاته، وليس من الممكن البرهان المطلق على هذا الإستدلال، وأنما يسلم له ويؤمن به، ولهذا فطرها الله في خلقه رحمة بهم.

           والعالم وفق النظرة الإسلامية يمثل نظاما أخلاقيا له غرض وغاية، وقد تكفل القرآن ببيان حدود الخير والشر، والغرضية الكلية للعالم، كما قدم تشبيهات للغيبيات، ودعا الى التسليم والإيمان بها، بينما ترك للبشر البحث عن المعارف والأسباب في العالم المشاهد. في قوله تعالى {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(78) النحل. ما يدلنا أن المعرفة تكتسب بعد الولادة من خلال الحواس والعقل. أما الفطرة التي ذكرناها، فهذه فطرة وليست علما يقينيا.

 

الإستدلال بوجود التصميم :      

 الإستدلال على الوجود الألهي من خلال روعة ودقة التصميم، وأن الكون الموجود يستدعي بالضرورة من يوجده، هما نظريتان أتخذ كثير من العلماء والفلاسفة موقفًا معارضًا لهما، وبالرغم من اعتقادهم ان نظرية النشوء والإرتقاء والفهم الحديث للنظام الكوني قد قدما تفسيرًا يبين كيف يمكن لهذا الكون أن يصل الى روعة ودقة التصميم الذي هو عليه، دون الحاجة الى الإعتماد على القوى الغيبية. إلا أن التفسير أو التفسيرات التي قدموها، اعتمدت مبدأ الإحتمالات، لحل مشكلة الدقة اللامتناهية التي احتاجها الكون في كل خطوة خطاها في مسلسل تطوره. يقول مبدأ الإحتمالات أنه إذا كان إحتمال حدوث شيء ممكن، وكان عدد المحاولات لانهائيًا، فأنه سيحدث ولو مرة واحدة. ولأننا نحيا في كون ناجح من وجهة نظرنا، يمكننا القول أن واحدًا قد نجح؛ بينما هناك عددًا لا يحصى من الأكوان التي فشلت.

  يستطيع العقل العلمي المادي أن يقبل إمكانية حدوث مثل هذا، عن أن يسلم للقوة الخالقة المهيمنة. وكما ذكرنا فلا بأس أن نقبل بما يقول، إلا أن تقديم تفسيرا لا يقوم عليه دليل مادي أو تجريبي، لن يتعدى كونه تفسيرا آخر، التصديق به قضية إعتقادية وليست علمية، ولكل إنسان الحرية أن يختار أي من التفسيرين.

 كل ما نعلمه من البحث العلمي أن خلق الكون والحياة كان تطوريًا. بل وان قامت الأدلة العلمية على صحته، فلن يدل هذا بالضرورة أن الخالق غير موجود، إذ ليس هناك علاقة منطقية أو مباشرة بين هذه المقدمة وهذه النتيجة، بل ولماذا لا يكون التخطيط الألهي يشتمل على أن يكون الكون وليد تصميم تطوري معقول، أو وليد خطة محكمة ليبدو لنا كأنه وليد الصدفة ((الصدفة تعبيرًا يستخدمه الناس، بينما الفرض العلمي تولد من مبدأ الإحتمالات، أي لو كان هناك عددا لانهائيًا من المحاولات، فمن الممكن نجاح واحدة على الأقل في إنتاج شيء مفيد، ولأن كوننا موجود، فنحن نعرف أن واحدَا على الأقل قد نجح بينما فشل عددا كبيرًا غيره (عدد المحاولات الذي يقصدونه يتجاوزآلاف البلايين) .))  أو الإنتخاب الطبيعي، أليس هذا ما سوف نتوقعه عندما تعتبر الأديان ان الحياة الدنيا مكان إختبار.

 نحن لا نختلف في ان علومنا الحديثة قد وصلت الى درجة تستطيع معها أن تفسر الكثير مما في هذا الكون، دون الحاجة الى اللجوء الى قوى غيبية كلما عجزنا عن تفسير ظاهرة ما، بل ان ما لا تستطيع هذه العلوم تفسيره مثل نقطة بدء الكون عندما تنهار كل القوانين الطبيعية التي نعرفها، لا يصح وفق المنطق العلمي الحديث، أن نلجأ الى القوى الغيبية لتفسر ما نعجز عنه، لأن اعادة كل ما نعجز وقتيًا عن فهمه الى القدرة الإلهية، يعطل قدراتنا الفكرية عن البحث في الأسباب الطبيعية، وهو ان خرج عن قدراتنا العلمية اليوم، فقد نستطيع تفسيره في المستقبل.

 إن احتمال ان نجد تفسيرا كاملاً لهذا العالم إن كان هناك مثل هذا التفسير، لا يعني مطلقًا أن الخالق ليس موجودًا، فكون العالم معقولا ليس له دلالة منطقية على أنه مخلوقًا أو غير مخلوق.

ومن الأصل، ليس من فروض الفكر الديني أنه في كون معقول، بمعنى يمكن فهمه وفك ألغازه، أن تكون وظيفة الخالق التدخل من آن الى آخر لسد النواقص التي لم تستطع مخططاته وقوانينه الطبيعية القيام بها، ولو كان الأمر كذلك، لكان التصميم الكوني ناقصًا، والنقص هو ما ننزه عنه الخالق. أي أن شرط أن يكون الكون معقولا، يمكن أن يرتبط إرتباطًا وثيقًا بكمال التصميم، ولو أشترطنا أن الخالق ضروريًا لإكتمال التفسير الطبيعي للكون، لتناقضنا مع أنفسنا، ولهدمنا الفكرة ذاتها التي سلمنا بصحتها وهي كمال التصميم.

           وتعتمد فكرة الإستدلال على وجود الله سبحانه وتعالى من دقة وروعة التصميم، على أن كل شئ في الكون سواء كان في السماء أو في الأرض، قد وجد ملائمًا الى درجة فائقة من الدقة، للغرض المطلوب منه، فالأرض مثلا على مسافة من الشمس بحيث تعطي الحرارة والدفء اللازمين للحياة على الأرض، ولو اختلف موقعها فاقتربت قليلا من الشمس فستزداد درجة الحرارة على سطحها ولاستحالت الحياة كما نعرفها عليها، وكذلك لو ابتعدت قليلا لانخفضت الحرارة ولاستحالت الحياة أيضًا، ولو لم تكن تدور حول نفسها، لما كان تعاقب النهار والليل، وما يقال عن الأرض، يقال عن أي شئ آخر، كتوافق التصميم المعقد للعين مع العمل المطلوب منها وهو الرؤية، وهناك الكثير من الأمثلة التي تبين توافق الأعضاء والمخلوقات والأجرام السماوية مع أغراضها، والتي نتجت من تعاون العدد الهائل من الأسباب بدقة متناهية، لتتمكن من تحقيق هذه النتائج أو الأغراض بنجاح فائق. ومع هذه الدقة، كان لا بد للعقل البشري أن يفترض وجود الفكرة والغرض والتخطيط المسبق والتنفيذ، والذي يستدعي وجود المصمم . المشكلة في هذا البرهان أنه يمكن أيضًا منطقيًا تفسيره بانه من الممكن أن تكون الصدفة وحدها هي التي تسببت في وجود الأرض في مكانها التي هي فيه، إذ أنها لو لم تكن وجدت في هذا المكان، لما نشأت حياة ولما كنا وجدنا على سطحها، ولما كنا لنسأل الأسئلة التي نسألها الآن!

 والصدفة التي نتحدث عنها ليست عمياء، بل أنها وليدة مبدأ الإحتمالات، ففي كون فيه آلاف البلايين من الشموس (النجوم)، من الممكن توقع وجود عددا كبيرا من المجموعات الشمسية التي تشبه مجموعتنا، وعندما تكون الأعداد المحتملة كبيرة جدًا، فمن المعقول ان نتوقع ان يصادف عدد ما من هذه الكواكب موقعًا مناسبًا حول شمسه، بحيث يتولد فيه مناخ ملائم كذلك الذي وجد على كوكبنا، وبالطبع لا يمكننا الجزم بوجود كوكب آخر في الكون المدرك مماثلا للأرض، بل ولا نستطيع حتى رؤية مجموعة شمسية أخرى، لأن الكواكب معتمة، وبالرغم أنه قد تم إكتشاف عدة مجموعات قليلة منذ بضعة سنوات، الا اننا علميًا نفترض وجود هذه المجموعات بكثرة ولكن ليس لدينا دليل مشاهد للجزم بوجودها.

 القصد من التدليل السابق، أن العلم يقول لنا، أن احتمال وجود أرضا بالصفات التي تسمح بنشوء حياة عليها ممكن وفق الإحتمالات التي ذكرناها، ونعلم أن واحدة على الأقل موجودة لأننا نحيا عليها. أي أننا وُجِدنا على الأرض، لأن ظروف الأرض وصفاتها أدت إلى وجودنا، وليس لأن الأرض وضعت بهذه الصفات وفي هذا المدار المحدد لتكون ملائمة ومناسبة لحياتنا عليها.   

 المثال الثاني الذي عرضناه هو نجاح العدد الهائل من الأسباب في التعاون لتكوين العين، أو اليد، أو الرئة، وتلائم الأعضاء ((ولا يوجد غرضية مسبقة عند الكائن ذاته لتكوين عضو ما أو عين، وانما هو رد فعل خلايا الكائن الأول لما حوله، فان كان في مكان شديد البرودة مثلا، سمك غشاءه الخارجي، وان كان يتعرض للضوء، اختصت بعض الخلايا لإستشعار الضوء، وهكذا.  بدأ الكائن كخلية بسيطة من وتعتمد على التفاعلات الكيميائية الموجودة في الطبيعة، واستغرق بليوني سنة ليتطور الى خلية لها نواة محددة، ثم تجمعت بعض الخلايا مع بعضها لتكون كائن بسيط متعدد الخلايا، واستغرق تطوره بليوني سنة أخرى ليصل الى التنوع الموجود اليوم. ))  مع بيئتها وغاياتها، هذا أيضًا قد لا يعود إلا لبقاء الناجح منها وتطوره بينما يضمر الفاشل ويندثر، وعندما نتحدث عن عدة بلايين من السنين استغرقها تطور الحياة على الأرض، فمن الممكن ان ينتج هذا التنوع الهائل من أنواع الحياة الملائمة لبيئتها ومن الأعضاء الملائمة للأغراض المطلوبة منها، ليس إلا لأن هناك عددًا أضخم بكثير قد لا يمكن حصره من المحاولات الفاشلة التي اندثرت، ولهذا فنحن قد لا نعلم عنها شيئا، أو قد نجد بعضها في الحفريات التي يقوم بها علماء تطور الأنواع، نحن لا نرى في زماننا هذا الا النجاح، ومنه نظن ان التخطيط الواعي الناجح هو ما أدى اليه، بينما من الممكن أيضًا – ونقول من الممكن ولا نقول بالضرورة أو حتمًا – أن يكون قد نتج عن طريق التطور وفق الإنتخاب الطبيعي أو أي عملية أخرى.

 تقوم فكرة البرهان بوجود التصميم، على تعاون الأسباب الكثيرة المعقدة، بدقة كبيرة على انتاج شيء مفيد في الغالب، ولكن في الحقيقة لو تتبعنا أسباب أي حدث في الكون، سواء كان مفيدًا أو مدمرًا، لوجدنا أنه ينتج عن تعاون عدد هائل من الأسباب المعقدة، واغلب الحوادث الضارة لم تنتج الا من تعاون عدد هائل من الأسباب، وبالرغم من ذلك، فاننا في الأغلب لا نطلق عليها انها نتاج تصميم بارع.

 فالفكرة تقوم دائمًا على أمثلة خيّرة، كالأرض، والعين، والشجر، والماء . ولكن الكون يمتلأ بالأشياء الخيرة والأشياء الشريرة وفق مقايسنا، وكلاهما ينتج من تعاون عدد هائل من الأسباب لينتج شئ معين، فالأوبئة التي تقضي على آلاف الناس، والزلازل والأعاصير والكوارث، كلها تنتج عن عدد هائل من الأسباب التي تعاونت مع بعضها البعض بدقة متناهية لينتج الفيروس أو الميكروب أو الإعصار. وحيث أن الناتج قد يكون خيرًا أو شرًا دون تمييز، يجد بعض الفلاسفة ان تفسير الصدفة أفضل لأن هذا ما سوف نتوقعه من الصدفة العمياء، بينما قد يعيد المؤمن وجود الشر الى حكمة إلهية، ومن الممكن أن نعيد وجود كلا من الخير والشر في عالمنا هذا الى الأرادة الإلهية ذاتها، والتي بالضرورة من مبادئ التصميم المتوقع لعالم يُختبر فيه الناس، إذ لن يصح هذا الإختبار إذا كان في هذا العالم خير فقط.   

           مما سبق، نجد أن فرضية الخالق لتفسير روعة التصميم ليست الفرضية الوحيدة التي تفسر الموجودات في الكون، الصدفة أيضًا قد تفسره، وكما سبق، لا يعني الإستدلال السابق أن فيه البرهان على صحة أي تفسير منهما وخطأ الآخر، بل يعني أنه لا يوجد برهان قاطع، كلاهما يفي بالغرض ويوفر التفسير المطلوب، ومع غياب الدليل الحسي التجريبي خاصة في لحظة البدء، يبقى التفسيران كما هما، تفسيران لا أكثر، ومع صلاحية التفسيرين، يصبح موضوع إختيار أحدهما ورفض الآخر موضوعًا إعتقاديًا لا علميًا، بل وكما جاء سابقًا نحن نجد انه من الممكن أيضًا الإعتقاد في الفكرتين معًا، طالما أن المخطط الألهي قد يشتمل على مبدأ الخلق التطوري المعقول، أي الذي يستطيع البشر عقله.

           المشكلة الأخرى التي قد يوردها أصحاب التفسير بالصدفة، أو ما أُطلق عليه معقولية العالم، هي أنه لو كان الكون مخلوقا، فما الداعي لبلايين السنوات التي استغرقها هذا الخلق حتى نصل الى ما وصلنا اليه، وحتى يصبح العقل البشري قادرًا على تلقي هذه الرسالات السماوية التي تعده للإختبار الدنيوي الذي نتحدث عنه. هل التصميم يستدعي هذا التطور البطيء والإنتخاب الطبيعي الذي عرض المخلوقات لعدد لا يحصى من المحاولات الفاشلة والأنواع المنقرضة ليستمر الناجح منها فقط في سلم التطور، لو كان الكون مخلوقًا وفق تصميم رائع كما يدعي أصحاب برهان التصميم، لسار وفق الخطة المحددة دون المحاولات العمياء التي تشير اليها نظرية الإنتخاب الطبيعي. نحن عندما نصمم منزلا، وان نمر بكثير من المحاولات التصميمية التي توصلنا في النهاية الى التصميم السليم، نبنيه ونعلم أنه صحيح، ولا نبني عددا كبيرا من المنازل ينهار معظمها حتى ينجح أحدها فنسكنه، ثم نبني الباقي على منواله ((لاشك أن أول أنسان فكر في بناء مسكن، بنى عددا من المنازل الفاشلة التي إنهارت، حتى توصل الى الطريقة التي يمكن أن يبنى بها مسكنًا لا ينهار، ولكن المقارنة هنا مع إنسانا قادرًا على التصميم الصحيح ولديه الوسائل التي تمكنه من تصور المنزل وحساب مكوناته وعناصره قبل التنفيذ.)) . الرد على هذا يعود بنا الى ان الكون يجب أن يكون معقولاً، دون أن يبرهن بالدليل القاطع على وجود الخالق، حتى لا تنتفي شروط الإختبار الدنيوي، وأليس هذا بالضبط ما نحن فيه الآن، العالم معقولاً، ويمكننا تفسيره بالعقلانية البحتة، وبالوجود الألهي، ولدينا الحرية الكاملة في الإختيار بين أي من التفسيرين.

 وهل لا يكون العالم معقولاً لو اتبع التطور بضعة قوانين يتم التطور من خلالها بنجاح دائم دون الحاجة للمحاولات الفاشلة!  القوانين موجودة وهي وحدها ما ينتج عنها الإنتخاب الطبيعي وربما البقاء للإصلح، أما ما سنحتاجه آنذاك هو خطة واضحة ذات غرض وغاية، ومع وجود الخطة والغرض والغاية سيكون العالم آنذاك أيضًا معقولاً، ولكن الخطة الحتمية سوف تدل بقوة وببرهان لا يقبل الشك على غاية التصميم، وبالتالي ستكون دليلا قاطعا على وجود المصمم، وهذا ما حرص التصميم على تجنبه. بالطبع التطور الطبيعي له قوانين تحكمه، الإختلاف هنا في غياب الخطة أو الغاية. أو ربما يمكن القول في إخفاءها عنا. أما الإمتداد الزمني فلا أهمية له، خاصة أننا نعلم أن الزمن ما هو الا من نسيج وخصائص عالمنا نحن، لا عالم الخالق، وما قد نظن أنه زمن طويل قد لا يتعدى لحظة مقارنة بعالم لا زمان فيه، إن صح التعبير!

           وهناك إضافة نود عرضها بخصوص المحاولات الفلسفية والدينية لإثبات وجود الله إعتمادًا على العقل وحده، إن القرآن الكريم يستهل آيات السورة الأولى بعد الفاتحة {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}   ويتضح من هذا أن الإيمان في هذه الأمور يجب أن يكون غيبيًا، وأتوقع أن تفشل كل المحاولات البشرية لتقديم الاثبات القاطع بوجود الخالق، سواء كان علميًا أو فلسفيًا. وهذا منطقيا إذا قبلنا بفكرة الوجود البشري في مرحلة الإختبار، إذ تنهار فكرة الإختبار، والخير والشر، وتصبح الحياة الدنيا بلا معنى فور ظهور الإثبات القاطع، وفي قوله سبحانه وتعالى ما يبين مثل هذا { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمامِ والملائكة وقضي الأمرُ وإلى الله ترجع الأمورُ} البقرة 210، وقوله تعالى: {ولو شاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض} سورة محمد 4 ، فجُعل هذا في غير متناول البشر وخارج عن حدود قدراتهم، ولهذا حتى القرآن ذاته وهو كلام الله تعالى، ليس مفروضًا فيه أن يكون دليلاً قاطعًا، إذ يمكن أن تعمى عنه القلوب والأفئدة. يقول الله تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: { وإن كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} 6/36

          إلا ان الرسالة بينت أن القرآن فوق قدرات البشر، وقد تحدت من أنكروه أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة مثله، وقضت بعدم إستطاعتهم،  وهذا الدليل القاطع لا يراه إلا المؤمن، أما الكافر فقد يجادل فيه. أي أن هذا التحدى بالرغم من قطعه بفشل كل من يحاول أن يأت بمثله، لم يؤدي في حينه الى إسلام كل مشركي مكة، وهو بهذا لا يكون الدليل القاطع.

ولو شاء الله لآمن كل من في الأرض، إلا أن الأرض دار إختبار، كما يتبين في قوله تعالى: {…وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ…}  المائدة. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} الأنعام.  {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} النحل.

<< previous page next page >>

» المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الأنسان وفي خلق الكون

Contemporary Interpretation of the Quranic Verses related to the Creation of Life & the Universe.

تمهيد

           قد يتخلف تفسير النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في مرحلة ما عن مواكبة تطور المعارف الإنسانية، كما هو حاصل في عصرنا هذا. إذ تعود معظم التفاسير المعتمدة والمجمع عليها، بما فيها تفاسير هذه النصوص العلمية، الى عصور تختلف فيها المعارف الإنسانية عما وصلت إليه في عصرنا هذا، ولا بد أن المفسرين المتقدمين قد تأثروا بتلك المعارف في معرض تفسيرهم هذه الآيات، ومن الطبيعي أن يكونوا قد حمَّلوها بعض المعاني التي تتوافق مع العلوم التي كانت شائعة في زمانهم. وقد نتج عن هذا وجود بعض التعارض بين تفسير السلف الصالح لهذه الآيات وما تدل عليه علومنا الحديثة، بما يتطلب إعادة النظر في معاني هذه النصوص.

 الجهد الكبير الذي بذله المخلصون من مفكري هذه الأمة خلال العقود الماضية، قد قطع شوطًا نحو تحقيق هذا الهدف. إلا أن الكثير منهم، ما زال يرفض بعض النظريات العلمية الحديثة، كما هو الحال عند بعض الهيئات المسيحية التي ما زالت ترفض هذه النظريات وتسعى نحو منع تدريسها في بعض المحافل التعليمية الغربية. إلا إن الرسالة التي بين أيدينا تختلف عن الرسالات التي قبلها، حيث أنها جاءت مصححة ومتممة وخاتمة، وتحتوي نصوصها على كثير من المعاني التي عرفها الإنسان المعاصر، عندما أنعكست ألفاظها وتراكيب جملها على مرآة معارفه الحديثة، ومثال ذلك قوله تعالى {والسماء بنيناها بأييدٍ وإنَّا لمُوسعُون}، الجميع فهم منها معنى تمدد الكون واتساعه المستمر، هذا المعنى الذي لم يتوصل العلماء إلى معرفته إلا منذ ثمانية عقود، وهناك مثلها الكثير من الآيات، نذكر منها النصوص التي تصف مراحل تطور الجنين في الرحم.

أديان من سبقنا لم تُفصَّل أو تحتوي نصوصها مثل الكم الكبير الموجود بين أيدينا من الآيات التى أصطلح أن يطلق عليها الآيات العلمية، فلا يصح لنا أن نحذو حذوهم، لهم أن يرفضوا النظريات الحديثة لأنها تتعارض مع نصوصهم التي ربما تدخل البشر فيها بالإضافة أو الحذف، أما نحن فلو أمعنا النظر في النصوص التي حفظها الله لنا، وبذلنا الجهد الذي أمرنا به، والذي يتطلبه البحث الجاد المتعمق في كل لفظ وجملة، فلن نجد إن شاء الله إلا ما وعدنا به سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

لو أمعنا النظر في تفسيرات السلف الصالح لهذه النصوص العلمية، لوجدنا أنهم قد واجهوا شيئًا من الصعوبة عند تفسير بعض الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، والتي يتيسر بيان مرادها وفق علومنا المعاصرة. ولهذا نجد أن علينا مسؤولية كبيرة، وواجب لا يصح أن نمتنع عنه، قانعين بما لدينا من تفاسير مرحلية لهذه الآيات مضى زمانها، راضين بالتفسيرات العصرية المتجزأة، آية من هنا وآية من هناك، التفسير الموضوعي المكتمل يجب أن يشتمل على كل النصوص المتعلقة بالموضوع الجاري بحثه.  

 إن واجبنا نحو الرسالة القرآنية، هو أن نبذل كل الجهد يحدونا إيماننا أن هذه الرسالة هي القول الحق، المشتمل على كل المعارف التي توصَلنا إليها، والتي قد نتوصل إليها في المستقبل، ويشتمل أيضًا على المعارف التي لن نتوصل إليها في هذه الدنيا. {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

***********

 

 البحث:

يتطلب التفسير أن يكون المفسر ملمًا بعلوم اللغة والقرآن والسنة وأصول الفقه والقياس والمقاصد والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وغيرهم، فإذا تطرق الى موضوعات الكون والطبيعة والحياة، فسيتطلب التفسير الإلمام أيضًا بكافة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. ولا يستطيع شخص بمفرده أن يلم بكل هذه العلوم. ولهذا قال البعض بتوجب أن يتصدى لهذا العمل السامي هيئة منتقاة من العلماء والفقهاء الراسخين والمتخصصين كلا في مجاله المحدد.

المحاولات الفردية في هذا العصر، هي محاولات يقوم بها أصحابها من الذين لديهم معلومات عامة تغطي معظم أو بعض هذه العلوم، ولكن ينقصهم التخصص والتعمق فيها، ولهذا يجب أن تؤخذ نتائجهم على أنها إجتهادات إبتدائية، بقصد عرضها للبحث والتدقيق والمراجعة، على أن يقوم بهذه المراجعة أكثر من عالم وفقيه، من الراسخين في علومهم، كلا ينظر في هذه الإجتهادات من زاوية العلم الذي يتخصص فيه، حتى يرتقي هذا العمل درجة بعد درجة، ليصل الى مستوى التفسير المرحلى الذي قد تجتمع عليه الأمة.

هذا البحث هو اجتهاد، يضاف إلى سلسلة طويلة من اجتهادات المخلصين لهذا الدين القيم، هو محاولة لفهم النصوص وفق المعارف الحديثة. كنت قبله كلما قرأت القرآن الكريم، أمر على الآيات المتعلقة بخلق الكون والإنسان، فأستشعر منها معانٍ تدور في نفس الإطار الذي يشير إليه التصور العلمي المعاصر. وهذا ما يتوقعه المؤمن، فالقرآن من عند الله تعالى، والنظريات تُستنبط من الكون الذي أوجده الله سبحانه وتعالي، كلا من عند الله.

إلا أنني وجدت غير تلك المعاني التي وردت في كتب تفاسير السلف الصالح، الذين فسروا هذه الآيات العلمية وفق معارف عصرهم، فأحسنوا جزاهم الله خيرًا في الوصول الى التفسير المرحلي الذي اطمئن الناس اليه إذ وافق علومهم. أما وقد تغيرت المعارف والعلوم، توجب علينا النظر فيها.

فتوكلت على الله وعزمت على أن أخوض في هذا الأمر الجلل، فكان هذا البحث الذي توخيت فيه الخشية والإتقاء والحذر. لقد ترددت كثيرًا قبل عرضه، بين أن أتركه فأكون قد منعت علمًا قد يكون نافعًا، أو أعرضه فأكون قد تجاوزت قدري، وليس لي في الأمر إلا غيرتي على هذا الدين القيم، وأخيرًا توكلت على الله تعالى راجيًا أن يوفقنا ,ان يغفر لي إن جانبني الصواب.

وعليه، فهذا البحث هو اجتهاد، ينحصر في محاولة فهم دلالات النصوص المتعلقة بالموضوعات العلمية في الكون المشاهد، وما وضعه هنا إلا لعرضه على علماء الأمة، وما التوفيق إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

                                                           وسيم محمد رفيق

1427هـ – 2006م

*********

 

مقدمة الكتاب

 يُفضل أن يُجرى البحث في موضوع ما، بمعزل عن ودون التأثر بالمعاني المسبقة في الذهن، إلا أن هذا قد يستحيل علينا، لأننا نبحث في معاني ألفاظ وتراكيب لغوية، وينبثق معني الكلام من توافق الألفاظ مع الصور الذهنية الموجودة في العقل، والتي تتكون من نتاج المعارف المكتسبة من قبل. ولهذا فلا مفر من البحث في معاني هذه النصوص ولدينا فكرة مسبقة لما يفترض أن تدل عليه ((أما البحث بمعزل من الأفكار المسبقة، فهذا يفترض فيه أن نتمكن من استخراج المعلومات العلمية من النصوص، قبل أن تتوصل اليها المعارف البشرية، ولا نعتقد أن هذا هو المقصود من وجودها ضمن الرسالة السماوية. )) ، وبهذا فنحن معنيين بالمقارنة، وسيقتصر بحثنا على المقارنة وبالتالي بيان مدى وجود أو عدم وجود أي تعارض.

وقد لاحظنا أن النص ذاته لم يتعارض مع المعارف الشائعة في العصور السابقة، والتي اتفق علماء تلك العصور على صحتها آنذاك، حيث أنهم فسروه الى حد ما وفقًا لتلك المعارف واطمئنوا إلي هذه التفسيرات، وما عصى عليهم – مثل أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء – أرجعوه الى المتشابهات وقالوا آمنا به كلا من عند ربنا، إلا أن معظمه وافق تصوراتهم في خلق آدم مباشرة من الطين وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وما ساعدهم وطمأنهم أن مثله كان قد ورد في شرع من قبلهم. 

إلا أننا في بحثنا هذا، سنفترض أن نفس النص الثابت سوف لن يتعارض مع معارفنا العلمية الحديثة، ولا مع المعارف المستقبلية، أي أننا نفترض أن النص القرآني الثابت قد صيغ ليكون قادرًا على عدم التعارض مع المعارف المرحلية -المتفق عليها بين العلماء- في أي من عصور التطور المعرفي الإنساني. فإن صح هذا الفرض، وتبين عدم التعارض مع معارفنا الحديثة، يكون في هذا النص إعجازًا أكبر من إعجاز النص الذي يستدل منه فقط على الحقيقة العلمية المطلقة، فلا يصلح إلا في عصر اكتشافها، ويسبب بلبلة فكرية في كل العصور التي تسبقه.

ويقوم منهج البحث على الإطلاع –بصورة عامة- على أحدث المعارف الإنسانية والنظريات العلمية المقبولة والمجمع على صحتها من قبل معظم الأوساط العلمية. والإطلاع على المعارف والعلوم التي كانت معروفة زمن التنـزيل. ثم تجميع الآيات القرآنية المتعلقة بموضوعي خلق الحياة وخلق الكون، كلاً على حدة، واعتماد معاني الألفاظ كما وردت في معاجم اللغة المتقدمة، ثم الإطلاع على تفاسير السلف الصالح لهذه الآيات، ثم الإستدلال الى المعنى المباشر الذي يتأتى من معاني الألفاظ وتراكيب الجمل، وبيان مدى توافقه أو تعارضه مع المعارف العلمية الحديثة.

والنتيجة التي يبينها هذا البحث، أن النص الثابت، فيما يتعلق بموضوعي خلق الكون وخلق الحياة، لا يتعارض مع المعارف العلمية الحديثة، وهذا ما يدل عليه البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب.

 

تناول الباب الأول موضوع الرسالة والعلم. وناقش الفصل الأول بعض الأسس المنهجية للفكرين الديني والعلمي ومناطق إتفاقهما حتى ينحصر فيها التحاور بينهما. وتناول الفصل الثاني المعرفة البشرية وقضية الإستدلال بالتصميم، والثالث محددات الخطابين الديني والعلمي ومدى يقينية العلم.

يقدم الباب الثاني موجزًا لما توصل اليه العلم المعاصر من نظريات ثبت صحتها بالتجربة ومن تصورات نظرية وافقت توقعاتها صفات الكون المشاهد. ثم يوجز الباب تاريخ قصة الخلق في مسيرة المعرفة الإنسانية (( وليتبين ما كانت عليه  معارف الناس في عصر التنزيل.)) .

وخصص الباب الثالث لموضوع خلق الحياة والإنسان، والباب الرابع لموضوع خلق الكون وصفاته، ودُرس الموضوعين (في الحدود التي قدرنا الله عليها) كما وردا في الآيات القرآنية الكريمة. مع بيان تفاسير السلف الصالح لهذه النصوص، واعتماد معاني الألفاظ من معاجم اللغة المعتمدة.

                                                           وسيم محمد رفيق

 

 تعريفات:

ونشير هنا إلى أنه كلما ورد في هذا الكتاب أي من الألفاظ التالية فأنها يقصد منها المعاني المبينة هنا:

النص؛ النصوص؛ الآيات؛ الآيات العلمية أو الآيات الكونية: القصد منها يكون الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بالكون المشاهد والموضوعات العلمية والطبيعة وخلق الكون والحياة والإنسان. وقد بينا ذلك قدر الإمكان في بعض الكتاب، واكتفينا بلفظ النص أو الآيات الكريمة في البعض الآخر تجنبًا للتكرار وحيث أن السياق يشير إلى التخصيص.

الكون؛ العالم : الكون المشاهد هو عالم المكان والزمان، وهو كل ما ندركه وما يمكن أن ندركه بحواسنا وعلومنا التجريبية، وهو كل ما يخضع للقوانين الكونية والثوابت الطبيعية.

العلم، العلوم، العلمي، العلم الحديث، علوم الطبيعة، الفكر العلمي: هي طريقة التفكير والعلوم التي تقوم على مبدأ السببية وتعتمد التجربة ما أمكن.

<< Index الفهرس next page >>