الفصل السابع – المضاربة بالقدرات الممتدة

وصلت المرحلة الأولى من مراحل تطبيق الإقتصاد الأسلامي إلى مفترق الطرق؛ وعلى فقهاء هذه الأمة واجب حتمي وعاجل وفورى؛ يتمثل في تقديم صور المعاملات الشرعية التي يمكن تطبيقها وتعود بالخير على المتعاقدين والمجتمع؛ وليس بين أيدينا من العقود العملية سوى عقود المعاوضات وعقدي المرابحة والمشاركة؛ فهناك بشكل نظري عام المعاملات التي تغطي كل متطلبات التعامل التجاري إلا أن تطبيقاتها العملية تحتاج إلى الدراسة والتطوير لتناسب متطلبات هذا العصر؛ هناك المضاربة إلا أن صورة المضاربة الحالية غير عملية ولهذا فهي لا تمارس إلا فيما ندر؛ أما عقود المبادلات والإجارة بأنواعها فهذه وإن كانت لها أهميتها إلا أنها ليست كل الإقتصاد ولا يبنى عليها اقتصاد أمة ترجو التقدم والإنتاج. فهذه والمرابحة من المعاوضات؛ فإن أعتمدت أمتنا على هذه المعاملات فقط أصبحنا أمة مستهلكة غير منتجة. وعلى أهل الفقه والإفتاء أن يتحروا بالغ الدقة والحذر فيما يمنعون أو يجيزون؛ فمن هذا المنع أو الإجارة تتحدد الخطوط الرئيسية لإقتصاد هذه الأمة؛ إما مستهلكة أو منتجة؛ اما زراعية تجارية أو صناعية؛ اما خاملة أو متقدمة متطورة؛ من هذا الإفتاء أو من عدمه  يتقرر مصير هذه الأمة ومستقبل أجيالها القادمة، وقد رأينا كيف منع أغلب فقهاءنا على مدى العصور السابقة المضاربة في مجال الصناعة؛ دون الإستناد على أسس شرعية؛ ولو بينوا الإسباب الوقتية التي دعتهم إلى ذلك لتمكن من لحقهم من الإجتهاد إذا تغيرت الظروف وإنتفت هذه الأسباب؛ وقد أدى هذا المنع إلى عدم توفر التمويل للصناع فقام إقتصاد هذه الأمة على التجارة والزراعة؛ أما الصناعة فعندما تطورت وخرجت من نطاق الحرف المحدودة إلى نطاق المصانع الكبيرة وإحتاج قطاعها المال الكثير؛ لم يتوفر هذا المال لها ولم تتعد مصانعنا الكبيرة ما كان ممولا من الدولة مثل صناعة السفن والصناعة الحربية وغيرهما؛ بينما أذنت الكنيسة- على خطأ تشريعي- في أوروبا بالتمويل الربوي في القرن السادس عشر ميلادي فتوافر المال اللازم وقامت بعد ذلك ما تسميه أوروبا بالثورة الصناعية؛ بينما وفر لنا شرعنا معاملة أعدل وأحل من التمويل الربوي المحرم علينا وعليهم؛ إلا أننا منعناها عن أنفسنا دون سبب شرعي، فكان من أحد نتائج هذا المنع- والله أعلم- أن أصبحنا أمة تعتمد على التجارة والزراعة وليس لنا في الصناعة إلا القليل؛ ولا نقول هنا نأذن بالربا الظالم والعياذ بالله؛ وإنما نجيز البديل العادل الذي وفره لنا الشرع وهو المضاربة ونسمح بها في كل مجالات الإستثمار؛ والتي قال عنها الإمام مالك رضى الله عنه أنها سنة المسلمين.

لقد أجاز بعض الفقهاء المرابحة وهاجمها البعض الآخر؛ وتدور في الباكستان مناقشة حول مدى شرعية بعض المعاملات التي يقوم عليها النظام المصرفي الباكستاني؛ ومنها الإقراض بالبيع؛ وقد أصدرت المحكمة الشرعية الإتحادية في نوفمبر 1991م حكمها بحظر التعاملات الربوية واعتبرت الإقراض بالبيع منها؛ واستأنفت المصارف والحكومة الحكم أمام المحكمة العليا التي لم تصدر قرارها بعد. والنظام المصرفي الذي التزم بالشريعة منذ سنة 1985م يعتمد في كثير من أعماله- مثله مثل البنوك والمؤسسات الإسلامية الأخرى- على هذه المعاملة، ثم قال الدكتور أحمد النجار : ”أن رؤساء بعض المصارف الإسلامية سألوني كيف نعمل دون سعر فائدة؟ ووجد هؤلاء المصرفيون في المرابحة الحل وتم إستخدام المرابحة في تبرير كل العمليات المصرفية بعد ذلك، بل تحقيق نسب أرباح كبيرة تفوق سعر الفائدة بكثير، وأضاف قوله أن المرابحة تعتبر أكبر حل اجرامي في التاريخ الإسلامي فهي سعر فائدة ولكنه مضمون 100%“. ويدل كل هذا على خطورة هذه المرحلة وأهمية أن يقوم علماء الأمة بواجبهم المتمثل في تقديم المعاملات الشرعية التي يقبل عليها الناس من مؤسسات وأفراد وتفي بكافة إحتياجاتهم.

ان إقتصاد هذه الأمة يجب أن يقوم على تشجيع إستثمار متوازن في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والعقارات وغيرها؛ وعلى أهل الإفتاء أن يحذروا من ترك قطاع ما دون توفير المعاملات التي يحتاجها لنموه وتقدمه؛ والنظام الإسلامي لا يمنع معاملة دون أن يقدم بديل عنها؛ وعلى فقهاء هذا العصر أن ينظروا إلى متطلبات هذه الأمة وأن يلبوها، فالإقتصاد الذي يشرعون له منه مستقبلها ومصيرها. وبارك الله تعالى للباكستان ولكل الأمة الإسلامية التي قامت مخلصة لتطبق شريعة الله تعالى في إقتصادها؛ وعلى كل مسلم واجب تقديم العون و الدعم وتيسير الطريق إلى بلوغ هذا الهدف السامي؛ الذي يحمل بين طياته أسباب الرخاء والتقدم وأهم من كل هذا رضى الله سبحانه وتعالى.

والمضاربة بالقدرات الممتدة؛ هي عقد يوفر إجتماع صاحب المال المستثمر مع الشركة العاملة – بقدراتها الإداربة و الفكرية وخبراتها الإستثمارية – صاحبة الأصول من مكاتب ومتاجر أو معدات أو مصانع او مزارع أو وسائل نقل وغيرها؛ فتكون مشاركة بين منفعة مال هذا ومنفعة أصول ذاك وخبرته، فان كان في المال نماء كان للمنافع أثر وقيمة، وإن لم يكن لا يكون لها قيمة؛ فيكون لرب المال ما تبقى من ماله؛ ويكون للشركة أصولها فحسب ولا أجرة ولا نفقة ولا شيء لها غير ذلك. فيشتركا في الربح وفي الخسارة.

والقول أن النقود لها منفعة يجرنا إلى أن ما له منفعة يمكن تأجيره وهذا بالطبع ربا؛ المنفعة التي نقصدها هنا هي النماء العائد إليه والناتج عن العمل في المال واستثماره، أي أن النقود إذا إستثمرت فعلا وتحمل صاحبها إحتمال هلاكها أو هلاك جزء منها؛ فنمت من خلال هذا الإستثمار فقد جرت منفعة إلى صاحبها تحل له شرعاً، وهذه المنفعة التي نتحدث عنها لا تباع وتشترى ولا تستحق إلا عند ظهورها أو ظهور أثرها في النماء. والنقود لا تصح إجارتها لأنها مما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه؛ وعقد الإجارة يرد على المنفعة لا العين؛ وهذه منفعتها لا يمكن أن تتحقق مع بقاء الأصل- العين- على حاله (أو بدون نقصانه إلا بقدر لا تعتد به؛ أو يكافئ قيمة المنفعة المباعة)، ولأن هذه المنفعة غير معروفة عند التعاقد ولا يمكن وصفها أو تحديدها بل وليس من المؤكد حدوثها أو حصول المستأجر عليها؛ ولأن الأجر لا يستحق إلا عند تحقق المنفعة واستيفائها حقيقة؛ ولأن العين- التي منها المنفعة المباعة- ضمانها على المؤجر فإن هلكت فعليه غرمها؛ فكل هذه الشروط لا تتوفر في بيع منفعة النقود ، وبهذا لم يصح تأجيرها، وإن صح فيجب أن يتكافئ الأجر مع المنفعة حقيقة، ومنفعة المال في قدرته على النماء بالعمل فيه، فإن نما كان الأجر بعض من هذا النماء فإن لم يكن ثمة نماء فلا أجر وضمان الأصل أو العين على المؤجر فإن هلك فعليه؛ فيكون العقد إبضاعا إذا كان الربح لرب المال؛ أو مضاربة إذا كان بينهما؛ أو إجارة إذا كان للعامل الأجر على إستثمار المال بشرط معرفة وتحديد العمل الذي سيقوم به أو أن يسلم نفسه مدة معلومة. والقاعدة الشرعية كل قرضا جر نفعا فهو ربا، فالقرض في هذه المعاملة مضمون ويبقى المال أو يعاد مثل أصله؛ بينما لا ضمان هنا لا في المال ولا في المنفعة؛ ويتبدل المال من حال إلى حال ويتحمل صاحبه إحتمال هلاكه.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي (جزء 29 ص101): ( انا نعلم بالا ضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم، وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا).

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه إلى منفعة المال في المضاربة؛ ويمكن تجاوز تسميتها منفعة- لو فضلنا ذلك لحساسية هذا اللفظ الذي يربطه في بعض الأذهان بالربا لا لمعناه ومقصده- اذا بدلنا الألفاظ فاستخدمنا نماء محل منفعة، فتكون مشاركة هذا بقدرة ماله على النماء؛ مع ذاك بالنماء المتولد عن إستخدام معداته وأصوله كما أطلق عليها الحنابلة إذ قالوا يدفع الدابة بنماءها؛ أو كما ذكرنا إستهلاكها.

ولو نظرنا إلى المضاربة بالقدرات الممتدة؛ نجد انه كلما ازدادت قدرات الشركة العامل المستخدمة في هذه المضاربة كلما زاد عامل الأمان عند رب المال؛ لهذا فان أرباب الأموال والبنوك الإسلامية سوف توجه أموالها إلى الشركات الكبيرة ذات المعدات والمصانع والمتاجر وغيرها؛ وقد يؤدي هذا إلى حرمان الشركات الصغيرة وأصحاب الحرف من التمويل اللازم لأعمالهم؛ وهذا صحيح إلى درجة ما؛ إلا أن البنوك عامة توزع مالها على القطاعات المختلفة لأن الأرباح التي تحصل عليها من الشركات الصغيرة توازن درجة المخاطرة، وهي إذا توفر لها عامل أمان من الشركات الكبيرة سوف تجد لديها القدرة على تمويل الشركات البادئة والصغيرة. وفي كل الأحوال فان التمويل متى توفر للشركات الكبيرة فسوف يوفر الأعمال لغيرها، والوضع حالياً وفي كل النظم الإقتصادية الأخرى لا تختلف عن هذا فالبنوك لا تمول إلا الشركات القوية التي تجد عندها القدرة على السداد، وهذه خطوة أولى بوجه عام؛ ومتى كثر التعامل بالمضاربة فلا بد أن يكتسب البنك كفاءات يتمكن من خلالها من التعاقد بثقة مع الشركات الصغيرة والبادئة. وبالطبع هناك عقود أخرى يمكن عن طريقها تمويل هذا القطاع مثل الشركة والمشاركة.

وقد قدمت لهذا الفصل بوجوب توفير المعاملات الشرعية لكل قطاعات الإنتاج ولا نقتصرها على المعاوضات والوكالة والوديعة وغيرها من المعاملات التي قد تحصر بناءنا الإقتصادي في الحدود التجارية الاستهلاكية ذات طابع الخدمات دون الإنتاج الحقيقي؛ والذي يحتاج إلى المشاركات والمقابلات؛ والذي بين أيدينا منها يغلب عليه أن يكون شركات وهذه تختلف في طبيعتها عن المضاربة وغيرها من المشاركات التي تقدم مجال الاستثمار للقطاع الأكبر من الناس الذين لا خبرة لهم ولا قدرة لهم على الإدارة والعمل؛ ولهذا فإن النظام الإقتصادي يجب أن يهتم في المقام الأول بتجميع هذه الأموال وتوجيهها إلى المجالات الإنتاجية بغرض إنمائها وإنماء المجتمع الذي جمعت منه، وخاصة ان هذه القطاعات توجد فرص عمل جديدة لأفراد هذا المتجتمع.

 

في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمارات العقارية؛ لدينا المضاربة والمزارعة والمشاركات لتمويل هذه القطاعات وبالصيغة العملية التي وردت في هذا البحث؛ أما في مجال التمويل الإستهلاكي؛ فلو أخذنا تمويل المساكن الخاصة- كما هي الحالة في الإقتصاد الغربي- فيمكن تصميم معاملة يشتري العميل والبنك المنزل ويمتلكاه بينهما مشاركة بحصص المال؛ وليكن الخمس للعميل والأربعة أخماس للبنك؛ ويسكن العميل المنزل كله وفق عقد إجارة منفصل فيستحق البنك أجرة أربعة أخماس البيت، بينما يقسم ما دفعه البنك على عشرة ىسنوات مثلا يدفع العميل العشر منها كل سنة؛ فتؤول ملكية هذا العشر إليه فلا يدفع أجر هذا العشر في السنوات التي تليه؛ وهكذا حتى تؤول ملكية البيت كله إلى العميل فتنتهي المشاركة. وهذه معاملة صحيحة بشرط ألا يجبر العميل على أجرة فيها غبن أو تختلف عن أجور مثل هذه الدار، وقد لا يجوز أن يجبر علي الإستئجار إن شاء بعد أول عام أن ينتقل منه إلى غيره؛ فهذا عقد إجارة ولا علاقة له بعقد المشاركة؛ إلا أنه يتعرض في هذه الحالة إلى تغير الأجرة وفق تغير أسعار السوق عند التعاقد في الفترات اللاحقة. وربما جاز أن يتفقا على عقد إجارة مدته عشرة أعوام عندها لا يحق له الإنتقال لأن الإجارة عقد لازم لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا إذا وجد ما يوجب الفسخ. وفي كل حال فالعين موجودة فان بيعت رد لكل من الشريكين نصيبه من ثمنها بحصص مالهما. وهناك أكثر من طريقة لهذا التمويل الإستهلاكي:

1- أن يشتري البنك العقار ثم يبيعه الى العميل وفق عقد بيع مؤجل فيه بعض الثمن أو كله؛ ويجوز للبنك أن يبيعه بثمن أكثر مما أشتراه به إذا لم يكن قد أخذ ضمانات من العميل بشراءه وكان للعميل حق الخيار حتى توقيعه على عقد الشراء الخاص به؛ أما إذا أخذ من العميل وعدا ملزما بالشراء فلا يحق له الربح وإنما يحق له تقاضي قيمة المنفعة التي ينتفع بها العميل عن الجزء من الدار خلال المدة التي سكن فيها ولم يدفع الثمن بعد، فيكون الثمن المؤجل يساوي ثمن الحال زائد أجر الجزء المنتفع به حتى يتم تسديد ثمنه، وهذا العقد- بصورته الملزمة للعميل بالشراء- ملزم للطرفين في الثمن ومواعيد الدفع. فإن امتنع أو عجز العميل عن الدفع يحق للبنك أن يبيع العقار ويأخذ من ثمن البيع بقية مستحقاته وفق العقد وما يتبقى يأخذه العميل.

2- أن يشتركا في الشراء والملكية وفق عقد مشاركة؛ ثم يستأجر العميل الدار وفق أجور المثل وطبقاً لعقد إجارة، ويشتري العميل أجزاء من حصة البنك وفق عقود بيع.

  •     عقد الإجارة إما يكون ثابتا لمدة العشر سنوات أو أكثر؛ أو يكون كل سنة مثلا؛ فإن كان ثابتا لمدة طويلة يكون ملزما وعليه دفع الأجرة المتفق عليها لشركة المشاركة وتقسم الأجرة بينهما بحصة كل منهما في ذلك العام، وإن كان يجدد كل عام فكذلك إلا أنه يجب الإتفاق عليه أول كل فترة جديدة وبشرط أن يكون مثل أجور مثله، وعقد الإجارة لا علاقة له بالمشاركة وله أن يستأجر أو إن يمتنع إن شاء ذلك، أي يكون كالأجنبي عن المشاركة.
  •     أما عقد البيع فهذا اما يتفق عليه بنفس ثمن شراء المشاركة للعقار؛ فيشتري من البنك جزء من حصته كل عام وهذا إن تعاقدا على أجزاء معينة وفق تواريخ مستقبلية معينة يكون عقدا ملزما لهما. أو يُتفق عليه بموجب سعر السوق في هذه الأوقات المستقبلية فلا يكون ملزما لهما. فإن إختلفا يباع العقار ويقسم المال بنسب المشاركة. وعقد البيع المستقبلي عقد لا يتخلله ما نهي عنه مثل عدم التقابض والغرر وغيرهما مما يشوب العقود المنهي عنها، فهذا بيع موجودة فيه العين ومملوكة للبائع ومقدور على تسليمها؛ تأخر فيه تسليم العين وتسليم الثمن. فإن جاز السلم وجاز البيع المؤجل يجوز تأجيل العين والثمن والله أعلم.

 وهذا عرض عام- ويحتاج إلى بحث مفصل مطول آخر- يمكن تطبيقه على السلع الإستهلاكية الأخرى من سيارات إلى أجهزة منزلية وغيرها؛ والأساس في حساب الزيادة نظير تأجيل دفع الثمن أنها يجب أن تساوي ثمن منفعة العين في هذه الفترة المؤجلة أي أجرتها، ولا يجوز هذا النوع إلا في الأعيان ذات المنفعة أي التي يمكن إجارتها وتنضبط بأثمان هذه المنافع. أما ما لا يمكن اجارته فقد وفر الشرع له البيع المؤجل فيه الثمن والأرجح أن ضابطه هو الثمن المستقبلي لهذه السلعة، وهذه بيوع تحدد أثمانها قوى السوق المنافسة. ولا يصح أن يكون ضابطه ربح المثل لأن هذا بيع فإن إتفقا على ربح المثل في هذه المدة ضُمن هذا الربح ثم قُبض دون إستثمار أو تعرض أصل المال للمخاطرة، هناك خط يفصل بين ربح المثل أو ربح الفرصة المضاعة وبين الفائدة الربوية؛ يتمثل في إستخدام ربح المثل للمقارنة فقط مع عدم إستحقاقه إلا عند تحقق الربح الفعلي حقيقة. فإن إستحق دون إستثمار فعلي كان ربا.

أما عن تمويل المشروعات الحكومية مثل الطرق والمستشفيات وشبكات الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات التي تتعهدها الدولة فهذه تعاونية تمول من أموال الضرائب فإن لم تكف يمكن تمويل النقص بإكتتاب فينفذ المشروع وتستأجره الدولة من أموال الضرائب المستقبلية ويعود الأجر إلى مساهمي الإكتتاب على أن تحدد طريقة وثمن شراءه بطريقة مقاربة لتلك التي ذكرت فيما قبل.

ان الإقتصاد الإسلامي قادر على تلبية كل متطلبات واحتياجات البشر وبصورة عملية ذات قيم عادلة؛ تؤدي إلى تشجيع المعاملات والاستثمار بما يعود بالخير والرخاء على المجتمع الذي يأخذ به ويطبقه وفق أسلوب عملي معاصر وصادق. ومن أحد العوامل المهمة في إنجاح تطبيقه هي أن يقتنع به العاملون في أجهزته؛ ويؤمنون إيمانا مطلقا به كنظام عملي يقوم على قوانين ومعادلات ويستمد مبادئه من مثاليات وأخلاقيات، وأن يتخلوا عن الفكرة السائدة أن معاملاته تقوم على الثقة والأخلاقيات وحدها، فهذا غير صحيح وقد عرضنا هذه الدراسة آخذين في الإعتبار عدم توافر الثقة فوجدنا في هذا النظام ما يكفل الأمان حتى إذا اعتدى أو خان طرف؛ مالم نجده في النظم الأخرى، فهذا نظام إنساني عملي لو بحثنا فيه بجدية وإقتناع سنخرج منه بالنظام الإقتصادي المثالي والعملي معا؛ والذي ليس لدي أدنى شك في أن العالم كله سيأخذ به في المستقبل القريب؛ ففيه علاج كل المشاكل الإقتصادية والاجتماعية التي عانى وما زال يعاني منها نتيجة انتفاء العدالة في هذه النظم. فلنتوكل على الله تعالى ولنعمل بما أنعم به علينا؛ ونحن أولى بما إصطفانا سبحانه وتعالى به؛ لا يسبقنا إليه أحد من العالمين؛ وما التوفيق إلا من عند الله عز وجل.

تم والحمد لله، سنة 1993 ميلادي

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل

جاء عند الفقهاء أن العامل ليس له نفقة إذا عمل في المصر الذي يقيم فيه أو الذي عقدت فيه المضاربة الا بشرط وكره أغلبهم أن يشترط ذلك.

وجاء عندهم عن العمل أنه لو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق اجرة.

هاتان القاعدتان وردتا عند كثير من الفقهاء كما جاء في الفصول السابقة، ويتضح من الثانية أن الفقهاء قد كرهوا بل ومنعوا العامل أن يدفع لنفسه شيئاً من مال القراض حتى لقاء عمل يتولاه بنفسه وكان له أن يستأجر عليه أجنبي من مال المضاربة، فلم يجيزوا له أن يستأجر نفسه عليه وهذا منطقي فهو المتصرف في المال والمقصود أن يتصرف من خلال معاوضات مع أطراف أجنبية عن العقد فلا يستحب أن يكون العوض والمعوض منه.

أما الأولى فهو  كان مقيماً قبل المضاربة في المصر الذي عقدت فيه، وعوضه عن عمله هو نصيبه من الربح فلم يجز له عوضين عن عمل واحد. ولأنه يصرف من المال فلا يعرف ما سيصرفه فتكتنفه الجهالة التي قد تفضي إلى النزاع.

ولكن الرجل يضارب مع عامل قد يعمل في المال أكثر من غيره، فقد تكون له شاحنة ومتجر وليس لغيره مثلهما فيستعملهما على التجارة فلا يستأجر من الغير، فيكون العدل في أن يكون نصيبه من الربح أكثر من صاحبه الذي خاطر بمنفعة بدنه لا غير، حتى يتحقق العدل وتنتفي الجهالة، فإن نسب تقسيم الربح إذا لم تعبر تعبيراً عادلاً عما يعود إليه الربح – سواء كان مالاً أو عملاً – فإن هذا يؤدي إلى أن يأكل أحدهما من مال الآخر بدون عوض لأنه أخذ مما ليس له فيه مال ولا عمل ومما هو حقاً لصاحبه.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما جاء في كتاب مجموع الفتاوي (جزء29): في صحفة 98 عن المزارعة: ”وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر، إنماء مقصودهما جميعا ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشاركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأصول التي لهم“.

وفي صحفة99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لآنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لآنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر واجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر“.

ويضيف في صحفة 101 في موضوع المضاربة: ”انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد  إلى رب المال مثل رأس الماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

وفي صفحة103: ”وإن قيل الزرع نماء الأرض دون البدن. فقد يقال والربح نماء العامل دون الدراهم أو بالعكس. وهذا كله باطل، بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد“.

صفحة107: ”وذلك أن الأصل في هذه المعاوضات والمقابلات هو التعادل من الجانبين. فإن اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخلها ظلم، فحرمها الله الذي حرم الظلم على نفسه، وجعله محرما على عباده“.

وفي صفحة125: ”فقد تبين أن هذه المعاملة- أي المزارعة- اشتملت على ثلاثة أشياء: أصول باقية، وهي الأرض وبدن العامل والبقر والحديد. ومنافع فانية واجزاء فانية أيضاً وهي البذر وبعض أجزاء  الأرض وبعض أجزاء العامل وبقره. فهذه الأجزاء الفانية كالمنافع الفانية سواء، فتكون الخيرة إليها فيمن يبذل هذه الأجزاء، ويشتركان على أي وجه شاءا. ما لم يفض إلى بعض ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الغرر أو الربا وأكل المال بالباطل. ولهذا جوز أحمد سائر أنواع المشاركات التي تشبه المساقاة والمزارعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرهما إلى من يعمل عليها والأجرة بينهما“.

وجاء في باب المزارعة في المغني (جزء5 ص425): ”فإن قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وألتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لأن المنفعة غير معلومة، وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الأرض. وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما، ويحتمل أن لا يصح لأن البذر عوض فيشترط قبضه كما لو كان مبيعاً وما حصل فيه قبض. وإن قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال“.

ويضيف ما ذكر الخرقى: ”وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجل مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض“.

ومن هذا المثال نجد أنهما تشاركا بتفاضل أجر الأرض على منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته. فإن كان أجر نصف الأرض يساوي نصف قيمة: منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته كان لكل منهما نصف الزرع. وإن تراجعا لا يفضل لأحدهما على صاحبه شئ.

وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لاتختلف معه فتفاضلا في الزرع بتفاضل منافعهما جاز.

في المضاربة: مشاركة منفعة مال ومنفعة بدن العالم

ويجوز تساوي المتقابلات أو تفاضلها على أن تتساوى أو تتفاضل نسب ربح كل منهما بنفس القدر حتى لا يفضي التقسيم إلى الغرر.

وهذه المقابلات مجهولة القيمة إلا أنه يمكن تحديد نسب تفاضلها بجهالة يسيرة مما لا يؤدي إلا إلى الغرر اليسير المرخص به في عقود المعاوضات والمشاركات.

يقول ابن تيمية في صفحة 25: ”ومفسدة الغرر أقل من مفسدة الربا، فلذلك رخص فيما تدعوا إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضرراً من ضرر كونه غرراً مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن… فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمناً وتبعاً ما لا يجوز من غيره“.

والقيمة ليست لها أهمية فالمشارك فيه هو الربح، والمقصود هو الوصول إلى نسب الربح التي بموجبها لا ينال العامل من نصيب رأس المال في النماء ولا ينال رب المال من نصيب العمل في النماء. أما القيم فهي قيم منافع معدومة عند العقد ومعدومة عند الإنضاض كرأس مال؛ ويعبر عنها في المشاركات بقيمتها من الربح مثل نصيب العامل من الربح والذي يشتمل على عوض منفعة عمله.

ويمكن تقدير منفعة الأرض في المزارعة بأنها هي ما تكرى به عند من جوز كراء الأرض، ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد هي أجر مثل العامل والبقر والحديد، فلو افترضنا مدة المزارعة وهي من العقود التي توقت أو تعرف بوقت إدراك الثمر والزرع، عرفت الأجور وهي أثمان المنافع. ولو كان البذر والطعام والمؤونة وكل ما يستهلك ويفنى من أحدهما أضيف إلى قيمة منفعته ثم تفاضلا. فيعرف التفاضل أو التساوى، فإن تساويا صلحت المزارعة على النصف وإلا فبنسب التفاضل. فإن وفر الزرع كانت منفعة الأرض أكثر من الكراء وكانت منفعة العامل والبقر والحديد أكثر من أجور المثل. أما عن البذر فأنهم لم يتقابضا فلا بيع بينهما هنا ليتقابضا وإنما مشاركة أو مقابلة تقوم على التعادل أو التفاضل بين الجانبين كالتي قال بها وعنها ابن تيمية:” فهذه الاجزاء الفانية كالمنافع الفانية سواء، الخيرة إليها فمن يبذل هذه الأجزاء، ويشتركان على أي وجه شاءا“.

أما عند من لم يجز اجارة الأرض ولم يكن للأرض أجر تعرف به، فقد عرفنا عن عمر رضى الله عنه أنه كان يدفع الأرض والبذر بالنصف إلى من يعمل عليها، فتكون منفعة الأرض وقيمة البذر مساوية لمنفعة بدن العامل والبقر والحديد.

وفي رواية البيهقى: ”فأعطى عمر رضى الله عنه الناس البياض على ان كان البذر والبقر والحديد من عمر، فلعمر الثلثان ولهم الثلث. وإن كان منهم فلهم الشطر“.

وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر.

ومن الرويات الأخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم  دفع أرض خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

وروي عن هشيم أخبرنا ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال:” دفع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خيبر- أرضها ونخلها- إل أهلها مقاسمة على النصف“.

وقد ذكر البخاري في صحيحه: ” أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر- النصف- وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. الطرق الحكيمة لابن القيم ص248 – 250“.

وعن أبى جعفر محمد بن علي رضى الله عنهم أنه قال: ”كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يعطي الأرض على الشطر“.

فلو أخذنا بمعاملة خيبر ومعاملة أبو بكر رضى الله عنه فمنفعة الأرض فيها تساوي منفعة بدن العامل وبقره وحديده وبذره.

ولو أخذنا بمعاملة عمر رضى الله عنه فالأرض والبذر يعادلان العامل وبقره وحديده.

وإن جاء عمر رضى الله عنه بالبذر والبقر والحديد فله الثلثان وإن كان منهم فله النصف.

فتكون الأرض والبذر والبقر والحديد = ضعف منفعة بدن العامل

والأرض وحدها = منفعة بدن العامل والبقر والحديد وقيمة البذر

ومن هاتين المعادلتين نجد أن الأرض لها النصف، والعامل له الثلث، والبقر والحديد والبذر لهم السدس. وهذا يطابق معادلة معاملة خيبر ومعاملة الصديق رضى الله عنه، إلا أنه يخالف معاملة عمر رضى الله عنه الثانية والتي فيها إن كان البذر من عمر فله الشطر ولو أن الاختلاف يسير للغاية لأن قيمة البذر تكون ثلث السدس أو أقل.

ويجب التنويه هنا إلى أن الأراضي الزراعية تختلف عن بعضها البعض بدرجة خصوبتها ويسر أو مشقة زرعها وتكلفة سمادها ورويها ولا يجب الخروج من هذا بنتائج ومعادلات تطبق فكل بلد وكل أرض لها ظروفها، وقد تتوفر الأرض ويندر العمال وقد يكثر العمال وتندر الأرض، وإنما ما جاء هنا يعبر عن طريقة للحساب لا أكثر.

”وقد كان طاووس فقيه اليمن والتابعي الجليل يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالربع والثلث بأسا. ولما أحتج عليه بعضهم بأن النبي  صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض قال: قدم علينا معاذ بن جبل- مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن- فأعطى الأرض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم. وقد روي مثل هذا عن محمد بن سيرين وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنهما كانا لا يريان بأسا أن يعطي أرضه على أن يعطيه الثلث أو الربع أو العشر، ولا يكون عليه من النفقة شيء“. ورد في كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوى.

وبلغنا عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن مسعود رضى الله عنهما أنهما كانا يعطيان أرضهما بالربع والثلث.

أما عن المشاركات التي يدفع فيها الرجل دابته إلى من يعمل عليها، فكذلك يفاضل بين أجر الدابة وأجر العامل في وحدة زمنية كيوم أو شهر، ومدة المشاركة – إن عملت أو لم تعرف – فهي واحدة لهما، فيعرف تفاضلهما أو تساويهما فيشتركان في الرزق بهذه النسب. وكذلك يعامل غيرهم من المشاركات بين الابدان والمنافع.

أما المضاربة، ففيها منفعة مال من جهة ومنفعة بدن من جهة أخرى، ولقياس نسب تفاضلهما يجب أن نقدر قيمهما في ظروف إستثمار متساوية من جهة درجة المخاطرة، وكل ما قسنا به من قبل كان في أجور المثل، وهي تقل فيها درجة المخاطرة إلى درجة تقرب من أن تنعدم، والمال لا تجوز اجارته لانعدام المخاطرة فيصير والكسب بغير العوض ربا، إلا أننا نستطيع أن نفترض إستثمار المال في معاوضة تقل فيها درجة المخاطرة إلى أقل حد ممكن، وهذا يكون بافتراض إستثمار المال في شراء عقار يؤجر لمدة عام مثلاً، وهذا يماثل ما كان سيفعله صاحب المال العاجز أو المنشغل والذي رخصت المضاربة لحاجته، ويشابه ظروف أجر المثل الذي سنقدر به قيمة منفعة العامل.

فإن قلنا أن منفعة المال هي ربح الفرصة المضاعة الممثلة بشراء عقار واجارته مدة المضاربة الغير معروفة، ولهذا نثبت الزمن المقارن به بعام مثلاً، فنخرج من هذا أن منفعة المال لو إستثمر بهذه الطريقة تكون أجر هذا العقار، وهذا افتراض ليس فيه شبهة ربا لأننا لم نضمن لرب المال هذا العائد ولا غيره.

وتكون منفعة بدن العامل هي أجر المثل الذي يتقاضاه عن عمله خلال هذه الفترة، فلو وجدنا أن أن عائد أجر العقار المشترى بخمسمائة ألف جنيه هو أربعين ألف في العام، وأنه يباع في نهاية العام بنفس الثمن الذي اشتري به. وأن أجر مثل العامل كان أربعين ألف جنيه في العام أيضاً، تساوت منفعتا العامل والمال فيكون الربح بينهما بالنصف. فإن عمل وربح مائتي ألف كان لرب المال مائة ألف وللعامل مثلها، ويستحق العامل الزيادة عن اجر مثله لأنه كأنه عمل فاستحق الأجر وخاطر به فاستحق الأكثر وقد كان من المحتمل أن يكون أقل. وهذا مجازاً لأنه في الحقيقة استحق المائة لأن قيمة عمله مقاسة بمعيار النماء هي نصفه. أما رب المال فيستحق نماء المال لأنه خاطر بالمال ذاته، ولهذا كان له النماء العائد إلى المال وهو منفعة المال الحقيقة، وكانت الوضيعة من ماله ليحل له أخذ الربح فانها إن لم تكن من ماله فلا يستحق ربحاً لأن الربح كان لقاء المخاطرة بالمال ذاته.

ولو كان العامل لديه متجر سيبيع فيه، وأجرة المتجر لو استأجر من الغير لبيع السلعة سيكون عشرين ألفا خلال فترة العرض المقدرة وهي ستة شهور مثلا، وكان تقدير مدة المضاربة عاماً، فتكون منافع بدن العامل ومتجره ستون ألفاً ومنفعة المال أربعين ألفا، فيكون للعامل ستة أعشار الربح عوض منفعة بدنه ومتجره.

وقد قال يقال هذه مضاربة عُرف فيها المدة والعمل والأجرة، وليست هذه من صفات المضاربة، فنقول هذه كلها تقديرات يبنى عليها نسب تقسيم الربح، ولو حصل الربح في نصف المدة جاز لأن قيم هذه المنافع لو انتصفت لم تتغير نسب تفاضلهما. وهي أقرب للصواب من اتفاقهما وفقاً لأهوائهما إن لم يكن للمضاربة مثل، وخاصة ونحن على مشارف عصر قد أو يجب أن تطبق فيه المضاربة في مجالات الصناعة لمصلحة الأمة. ورب المال الذي كان الذي كان يدفع ماله مضاربة إلى التاجر المتأهب للسفر مع قافلة مكة المتجهة شمالاً أو جنوباً كان يعرف متى يعود التاجر من رحلته وكم سيستغرق في بيع البضاعة التي جلبها معه في رحلة الإياب. ورأى الحنابلة والأحناف والإمامية جواز أن يقيده بالإتجار بسلعة معينة أو بالتعامل مع جهة معينة، وذهب الأحناف وفي رأي عند الحنابلة إلى صحة توقيت المضاربة، ورأى الشافعية صحة توقيت الشراء. وهذه كلها إن دلت على شيء إنما تدل على صحة المضاربة التي يتفق عليها بناء على دراسة جدوى اقتصادية للتجارة أو المشروع الذي يتقدم به العامل إلى رب المال ودون شرط عليه كما بينا في الفصول السابقة، وعلى أسس هذه الدراسة يمكن تقدير قيم المنافع والمدد الزمنية والاتفاق على نصيب كل منهما من الربح، وليس في هذا تحجيرا على العامل ولا تكتنفه جهالة أو غرر أو ما قد يعيب عقود المشاركات. وإنما هو تقدير مبني على العلم فإن ربحا نال كل منهما حقه وإن لم يربحا خسر هذا من ماله وهذا منفعة عمله ومنفعة أعيانه.

وحتى في المضاربات التي قال بها الفقهاء كان العامل يخسر نفقة نفسه وقيمة عمله الذي يلزمه أن يتولاه بنفسه وقيمة العمل الذي كان له أن يستأجر عليه وتولاه بنفسه أو بأعيانه، والمتعارف عليه في عصرنا من أن العامل لا يخسر سوى مجهود فكره ليس صحيحاً بل هو عليه الجزء الأول من الخسارة، ويجب ملاحظة أن العامل لا يخسر مالاً وإنما يخسر منافع بدنه ومنافع أعيان يملكها هو، أي أنه فى كل هذه الحالات لم يدفع مالآً نقداً من ماله وإنما استهلك منافع بدنه أو منافع أعيان يملكها، أما النفقة فهذه كانت عليه قبل المضاربة ولو لم يعقد المضاربة
لظلت من ماله، أي أن رب المال يخاطر بماله والعامل يخاطر بمنفعة بدنه ومنفعة أعيانه والشركة العامل تخاطر بمنفعة عملها ومنفعة أعيانها.

وفي حالة أن المضاربة بين رب مال والشركة العامل، والشركة تعمل في عمليات مضاربة مختلفة، فيجب الإعتماد على الدراسة الجدوى للمشروع الذي ستتقدم به الشركة إلى البنك الإسلامى، وهذه الدراسة سوف تحتوي على تقديرات ثمن الشراء وتكاليف النقل التخزين واجرة المتجر والبائع ومصاريف الإدارة وثمن البيع والربح. وقد يكون المخزن والمتجر ملكاً للشركة.

ويمكن إعادة التقسيم فيوضع ثمن الشراء وتكاليف النقل في خانة تسمى رأس المال.

ويوضع أجرة المخزن والمتجر والبائع ومصاريف المكتب الرئيسي أو مصاريف الإدارة في خانة ثانية تسمى منفعة العامل.

وتقدر قيمة منفعة رأس المال في المدة التقديرية التي وردت في الدراسة بطريقة حساب ربح الفرصة المضاعة وتقارن بمنفعة العامل ويحسب تفاضلهما، فتكون نسبة نصيب العامل من الربح هي حاصل قسمة منفعة العامل على مجموع منفعة العامل ومنفعة المال.

وقد يقال هذه شركة بينهما في رؤوس الأموال، وعدا ما جاء سابقاً عن عدم جواز أن تكون المنافع رؤوس أموال، فلو قبلنا مجازاً فإن الشركة آنذاك تكون بين تقدير قيمة منفعة العامل ورأس المال، فتكون مجازاً شركة بتسعة أعشارها لرب المال والعشر للعامل، نعم العامل لن يخسر ماله إلا بهذه النسبة من الوضيعة ولكنه لن يصيب من الربح إلا بنسبة عُشر الربح. فلو قلنا أن رأس المال تسعة الآف وأن قيمة منفعة العامل ألفاً فإنهما شركة بتسعة أعشار لأولهما والعُشر للثانى، فإن ربحا الفين كان لرب المال ألف وثمانمائة ورأس ماله وللعامل مائتين ورأس ماله فإن انقضت الشركة يأخذ العامل ألف ومائتين. بينما إن كانت مضاربة فرأس مالها تسعة الآف وربح الفرصة المضاعة في العام 8% مثلاً أي سبعمائة وعشرون ومنفعة العامل ألف فكان نصيب العامل من الربح 58%. وهما قد ربحا بحساب المضاربة أي الإيراد مقتطعاً منه رأس المال وهذا ثلاثة الآف فيعود للعامل ألف وسبعمائة وأربعين. بينما يعود لرب المال ألف ومائتين وستين. أي في حساب المضاربة العائد للعامل 74% على قيمة منافعه بينما في حساب الشركة 20% وهذا نتيجة مخاطرته الأكثر في المضاربة ونتيجة مكافأته في المضاربة أيضاً. وبالطبع تختلف النتيجة بزيادة الربح فيعود للعامل أكثر كلما زاد الربح. أما في الخسارة فهو سيخسر أولاً وكما قلنا خسارته هي في حدود منافعه التي قدمها للمضاربة وهي خسارة منافع لا أموال نقدية ولاحتمال حدوث هذه الخسارة استحق الربح الأكثر.

وإضافة إلى ما سبق فالشركة هي توكيل كل منهما لصاحبه بالتصرف، وهذا العمل كله من جانب واحد، وهي إن كانت شركة أو مشاركة أموال لاختلفوا في تقدير المنافع لأنها كرأس مال سيلزم دفعها من المال عند الخسارة فيغرمها رب المال من ماله فيتشدد في تقديرها مما قد يؤدي إلى الاختلاف أو إلى أن يظلم أحدهما الآخر، أما لو كانت كنسبة من الربح فهذه تدفع من الربح ولا يعرف الربح إلا بعد سلامة رأس المال فتقل أسباب اختلافهما. وبالطبع كان المثال السابق خروجاً عن الصحيح في المعاملات فالشركة التي مثلنا بها لا تجوز شرعاً وإنما قصدنا بها إظهار مميزات المضاربة للطرفين.

وأحد القواعد التي تقوم عليها المضاربة هي أن أحد الشريكين يعمل ولهذا وجب توفير الحافز له على العمل والاسترباح، وفي هذه يتوفر الحافز لأن نصيبه من الربح كبيراً وكلما زاد الربح كلما زاد العائد على قيمة منافعه بخلاف الشركة التي مثلنا بها فنصيبه من الربح قليلاً قد لا يغريه أو يحفزه؛ أضف إلى هذا قلة تحمله في الوضيعة أيضاً ولا يصلح هذا إلا لو عملا معاً لا أن ينفرد بالتصرف ولله أعلم.

وعليه فهي مضاربة، لأن رب المال لو دفع بالمال إلى الشركة العامل فعملت على أن لها نصف الربح والنفقة من مالها جاز، فإن رأت بعد ذلك أن تستخدم شاحناتها في العمل الذي كان لها أن تستأجر عليه من مال المضاربة وفعلت ذلك فليس لها الأجرة من مال المضاربة، ويظل نصيبها من الربح النصف، وقد زاد الربح بقدر ما وفرت من الأجرة بل وبأكثر من ذلك، فيزيد نصيب رب المال من الربح، فينال مما ليس له فيه مال أو عمل، ولا يجوز أن يستحق العامل الأجرة من المال لأنه هو المتصرف والمؤجر والمستأجر، ولهذا يكون الأصلح والأقرب إلى العدل التقدير قبل العقد وقد توفرت المعلومات في دراسة الجدوى.

والمضاربة ليست مشروطة بأن يُجهل العمل، فالعمل قد يكون مقدراً معروفاً وإنما يُحتمل فيه التغيير وفقاً للظروف وأحوال السوق وهذه طبيعة الإستثمار؛ ولولا هذه الاحتمالات… لما كان هناك احتمال ربح وخسارة، ويعتمد نجاحها إلى حد كبير على خبرة المضارب أو الشركة المضاربة، وتظهر هذه الخبرة في تقديره للمتطلبات والظروف المستقبلية ثم تحركه السريع والتكيف مع المتغيرات ومواجهة الصعوبات وإعادة التخطيط، وهذه تظهر قيمتها في تقدير قيمة منافع بدنه أو حصة المشروع من مصاريف المكتب الرئيسي للشركة موزعاً على الأعمال التي تتوقع أن تقوم بها وفق طاقتها المتوسطة، وهذه الحصة هي التكلفة… ولكن هذه الشركة لو أجرت نفسها للغير فستكون الأجرة أعلى من التكلفة وهذه التي تحسب لأنها تعبر عن التكلفة والخبرة والشهرة وغيرهم مما تقيم به الشركات، أما معداتها ومخازنها ومتاجرها فتحسب على أجر المثل، وقد حسبنا ربحاً لها في أجرة المكتب الرئيسي وهذا لم يسمح به الفقهاء لأحدهما أن ينال إلا من ربح المضاربة بعد القسمة؛ وهذا ما يحدث هنا فما نحسبه لا يناله أو تناله الشركة إلا بنصيب من الربح. وإنما قصد منه التعبير عن خبرة العامل فليس التاجر المحنك الخبير بمثل التاجر حديث العهد في هذا المجال.

وقد ذكرنا – فيما سبق – أن يضاف معامل إلى أجر المثل الخاص بالعامل وهذا لا يضاف إلا للعامل الفرد أو لأجر مدير الشركة أو مجلس الإدارة المعول عليه العمل واتخاذ القرارات الهامة، أما غيره فإما يكتفى آنذاك بأجر المثل والتكلفة في المدة، أو يؤخذون كلهم – كما قلنا هنا – بأجر الشركة لو أجرت لهذه الفترة كما جاء أعلاه، وهذا سيعكس خبرتها وقدرتها. وقد نحتاج لهذا المعامل أيضاً للتعبير عن اختلاف العرض والطلب في السوق في حالة كثرة الأموال المتجهة إلى عامل معين عرف بالخبرة والحنكة.

وقد ذكرنا أيضاً طريقة أخرى هي حساب المشروع مرة لو استؤجرت الأعيان من الغير، ومرة لو دفع بها المضارب فكان الفرق نسبة من الربح مستحقة له، وهذه الطريقة لا تستدعي احتساب قيمة منفعة المال بطريقة ربح الفرصة المضاعة وهذا لأننا أفترضنا أن الربح بينهما بالنصف قبل حساب الأعيان، وهذه فيها تقريب لا داعي له إذا اعتمدنا طريقة مقارنة ربح الفرصة المضاعة وأجر المثل وهي أعدل لهما ولله أعلم.

ويجب ملاحظة أن ربح الفرصة المضاعة هي من استثمار تقل المخاطرة فيه إلى حد كبير، وكذلك أجر المثل المقارن به، فيكون العائدين قد حسبا في ظروف متماثلة فيمكن معرفة نسب التفاضل بينهما. فإن قيل رب المال يخاطر بأكثر من هذا! أليس هذا من طبيعة المضاربة وما يحدث فيها! وأليس خراجه بضمانه! وإلا فلماذا يطيب له الأكثر من ربح هذه الفرصة المضاعة. فإن قيل علاما يطيب للعامل الأكثر قلنا أن قيمة منفعة عمله بأجر المثل ليست هي قيمة منفعة عمله في المضاربة فهذه تقاس بمعيار الربح وقد كثر الربح بعمله في المال فكثرت وإن قل قلت.

وليس ربح الفرصة المضاعة حقاً لرب المال وليس أجر المثل حقاً للعامل، فلا هذا استثمر ماله في العقار ولا هذا استؤجر هو وأعيانه على العمل ليستحق أجر المثل وإنما هي بغرض المقارنة، وليس لأحدهما حقاً إلا في الربح إذا كان ثمة
ربح. هذا بنماء ماله وهذا بعوض عمله، وإنما كانت أجور المثل ومنفعة المال للمفاضلة والمكافأة بينهما لا غير.

<< previous page next page >>

الفصل الرابع – المشاركة

جاء عن ابن تيمية في القواعد النورانية عن المساقاة والمزارعة:” من المعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، والمساقاة والمزارعة لا يأكل أحدهما مال الآخر“.

والشركة من المشاركات وكذلك المضاربة والمساقاة والمزارعة، والمشاركة هي إما: مشاركة عقد أو مشاركة ملك، ومشاركة الملك أو شركة الأملاك وهي ما ليس المقصود منها الكسب ولا تتعرض أموالها للمخاطرة، وقد تكون قد حصلت باختيار المتعاقدين أو بغير اختيارهم كالأرث أو اختلاط الأموال دون قصد أو رغبة. أما شركة العقد فهي عقد بين اثنين أو أكثر لتحصيل الكسب الحلال لهما من أطراف أجنبية عن العقد. والكسب الحلال لا يتحصل إلا عن طريق المعاوضات كالبيع ولهذا وجب أن تكون الشركة قائمة على مال، والمال هو كل ما أمكن مبادلته وفق السبل الشرعية بأصل الأثمان، فيشمل الأعيان والعروض والمنافع والنقود الرائجة. فإن قامت على أموال عينية تكون شركة عنان، وإن قامت على الضمان والضمان يستحق به الربح كالمال… كانت شركة وجوه أو شركة ديون. وإن قامت على أموال منافع… تكون شركة أعمال أو أبدان أو قد نعبر عنها قامت على الضمان المتوجب بتقبل العمل الذي سيتقبلاه فنسميها شركة تقبل الأعمال.

وتقوم الشركة على اتفاق بينهما بأن يقدم كل منهما مالا أو التزاما بتقديم منفعة عمل أو التزاما بضمان دين. فيتوجب ضبط هذه الحصص حتى لا يأكل إحدهما من مال ليس له.

فإن كان المال والعمل منهما بالتساوى… كانت شركة عنان، أما لو كانت مالاً من كل منهما بالتساوي والعمل بينهما ليس متساوياً ويكون الكسب بينهما بالتساوى… ففيه ظلم لمن عمل أكثر لا يصح معه العقد الذي يشترط فيه العدالة في توزيع منافعة.

وحيث إن قيمة العمل مجهولة وقت التعاقد… فإنه يكتفى بمعرفة نسب التفاضل لأن العمل وإن كان مجهولاً إلا أنه واحد، لهذا… وجب تحديد نسب تفاضل الأعمال من جهة، وتفاضل نصيب المال من الربح إلى نصيب العمل.

أي إن الإيراد سوف يكون رأس المال العيني ومال المنفعة والربح، ويعاد منه رأس المال وما يتبقى هو قيمة المنفعة والربح المقدرين بجزء من المتبقى.

المقصود من رأس المال هو تحديد الربح وهو المال الذي يتبقى بعد إعادة رأس المال، وتحديد نصيب كل من المتعاقدين في رأس المال، وفي الربح.

والمال العيني معروف ومعين القيمة وقت العقد، فإن كان مما تتغير قيمته خلال مدة العقد اكتنفته الجهالة فلم يصلح أن يكون رأس مال كما هو الحال في العروض. ولهذا وجب أن تكون من أصول الأثمان كالذهب والفضة والنقود الرائجة.

ومال المنافع – مثل العمل – لا قيمة له وقت العقد، إلا أنه مال يتحصل عليه بالإجارة، وإن لم يوجد خلال العقد يستهلك جزء من مال الشركة في شرائه، فبوجوده توفر  مال الشركة لشيء أخر مثل الشراء وغيره مما يتحصل به على الربح. ويمكن تجاوزاً القول لأنه معدوم وقت العقد فهو معدوم وقت القسمة أيضاً فلا يعود لصاحبه، إلا ان له أثر في الربح يظهر في قيمة هذه المنفعة بزيادة الربح عما كان ليكون عليه لو استؤجر أجنبي أو من أجنبي على هذا العمل، أو بتقليل الوضيعة عنها كما سبق. وهذا قد يعنى أن صاحب المال قد استفاد من مال غيره بما قلّت به وضيعته، وهذا معنى المشاركة فهذا ليس ربا أو غرر فهو لم يأخذ مال غيره بل نقص ماله، وهو مثل المضاربة لو لم يضارب معه لاستأجره فإن خسر زادت الوضيعة عما كانت لتكون عليه في المضاربة. ولأن الوضيعة إن حصلت فتكون لأن هذه المنفعة لم يكن لها أثر وليس لها قيمة، ومن صفاتها أنها توجد وتنعدم، فلا يخسر صاحبها سوى قيمتها وهي معدومة في هذه الحالة لأنها تقاس بمعيار الربح وهذا معدوم. ولا يستحق شيء في حالة الخسارة لأنه خاطر بها على نصيب من الربح لا على قيمتها لأن هذه القيمة مجهولة ومعدومة عند العقد.

منفعة العمل المشارك بها

رأس المال هو المال المستثمر من أجل الربح والمعرض للمخاطرة فيحل لصاحبه كسبه بناء على قاعدة الغنم بالغرم. والربح هو الذي يتحصل عليه بالعمل في مال مع احتمال كونه موجباً أو سالباً فإذا كان سالباً يخسر المستثمر جزء أو كل رأس ماله. والإستثمار هو توظيف المال بقصد الحصول على ربح أو نماء مع تعرضه للمخاطرة، أما توظيف الأموال في الاجارة فهذا شراء ثم بيع منافع وقد يطلق عليه إستثمار أيضاً لأنه يعود على صاحب العين بعائد مستقبلي والمخاطرة ههنا في احتمال هلاك العين أو تغير السوق.

ورأس المال المشارك يشترط فيه تعيينه بوحدة لا تتغير بقدر يعتد به في مدة الإستثمار أو في الأمصار المتوقع التعامل فيها. ولهذا لا يجوز أن يكون إلا من أصل الأثمان. وهذا لأن رأس المال يعود إلى صاحبه وما يتبقى من المال هو الربح فإن جهل رأس المال جهل الربح وهو المعقود عليه في المشاركة وتفسد المشاركة بكل ما يؤدي إلى جهالة الربح.

والمال قد يكون نقداً رائجاً أو ذهباً وفضة أو عروضا وأعياناً أو منافع وحقوقاً. ولا يصلح من أن يكون رأس مال إلا النقد الرائج والذهب والفضة لثبات قيمها النسبي ولأنها معيار الأثمان. أما الأنواع الأخرى من الأموال فإنها لا تصلح لتغير قيمها مما يؤدي إلى الغرر الذي لا يسمح به إلا لو كان يسيراً وكانت للمعاملة حاجة وضرورة، فإن وجدت أصول الأثمان أو النقد الرائج فلا ضرورة لغيرها.

والذي يهمنا هنا هو المنافع، منفعة العامل والآلة والدور وغيرها. وهذه المنافع تستأجر وعوضها مال. ومن صفة المنفعة أنها معدومة وقت العقد وتنوجد خلال مدة العقد ثم تنعدم عند الانضاض ولو قدرت قيمتها المستقبلية وقت التعاقد يكتنف هذا التقدير غرر لأنه تقدير أجرتها وتقدير استيفاء منفعتها سواء بني التقدير على أساس المدة أو العمل. وعقد الاجارة على خلاف القياس لأن المنافع وقت العقد معدومة ولأنها من بيع ما لم يخلق، وإنما جوز الشارع هذا العقد استحسانا للحاجة إليها ولدفع الحرج ولمنفعة الناس. إلا أن التقدير فيه وقت التعاقد لا يتعدى تقدير الأجرة وتحديد المنفعة أو العمل ويشترط استيفاء المنفعة في المدة أو إتمام العمل المنوط إليها لاستحقاق الأجر، وتكون المنفعة ذاتها أو العمل مقصوداً في عقد الاجارة.

أما في المشاركة… فالعمل ليس مقصوداً، وهو مجهول وقت التعاقد، وإن عين بالوصف أو بالمدة لا يعرف أيستوفى أم لا، ومساواة المال المعلوم بتقدير مالية المنفعة قد يؤدي إلى الغرر، لهذا لا تصلح المنافع أن تكون رأس مال.

وللمنافع أثر لا ينكر على الربح، وهو لا يقل عن أهمية رأس المال، ولهذا … فقد جرت العادة على الاتفاق بين الناس أن يدفع الرجلان مالهما على أن يعملا معاً والربح بينهما… فإن تساويا في المال والعمل تناصفا الربح وهذه شركة العنان المجازة بالإجماع.

فإن تساوى المالين واختلف العمل… فمن الفقهاء من قال الربح بينهما ومنهم من قال للذي عمل أكثر نصيب أكثر ومنهم من قال يقتسمان الربح بينهما ثم يعود نو الفضل على صاحبه بنصف الفرق في أجري مثلهما. فمن ساوى بينهما قال العمل الأكثر تطوعاً؛ ومن قال للذي عمل أكثر نصيباً أكثر؛ قال هذا لأن الكسب يتحصل بالمال وبالعمل وبالضمان، ومن قال بالأجر جعلها على الاجارة.

وبالطبع كان الاختلاف لصعوبة تحديد نصيب العمل الإضافي من الربح، وهذا أيضاً يظهر في شركة الابدان جاء في المدونة(ص42) ما معناه أنه يجوز بين الصناع من نفس الصنعة في نفس الحانوت إذا تساوى أو تفاضل المال والعمل والربح بنسب واحدة:

فلا يجوز أن يقتسما الربح مناصفة أو أثلاثاً، إذا كان من أحدهما ثلث المال وعليه نصف العمل، وتجوز إن كان منه ثلث المال وعليه ثلث العمل وله ثلث الربح.

وجاء في صحفة  45 من المدونة:” أرأيت أن أشتركنا ثلاثة نفر لي بيت ولصاحبي الرحا ولصاحبي الآخر البغل على أن ما أصبنا من شيء فهو بيننا سواء وجهلنا أن يكون هذا غير جائز فعملنا على هذا فأصبنا مالا. فقال يقسم المال بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والدابة والرحا معتدلاً، فقلت فإن كان مختلفاً قال يقسم المال بينهم أثلاثاً لأن روؤس أموالهم عمل أيديهم فقد تكافؤا فيه ويرجع من له فضل كراء في متاعه على أصحابه. قلت فإن لم يصيبوا شيئاً قال يترادون ذلك فيما بينهم يرجع بذلك بعضهم على بعض إن لم يصيبوا شيئاً بفضل الكراء“.

وهذه الشركة قائمة على الاجارة بينهم، وهكذا ذهب أكثر الفقهاء عدا الحنابلة في مثل هذه المشاركات التي تجتمع فيها الأعيان مع العمل، واستحق فيها من كان له الأجر هذا الأجر سواء كان في المشاركة ربحاً أو وضيعة، وهذا صحيح لو أخرجت هذه المشاركات على الاجارة، إلا أنها لم تكن المقصودة ممن عملها، فمن دفع دابته إلى من يعمل عليها قصد الربح وليس الأجر، ومن عمل على الدابة كذلك، فيكون العمل أو المنفعة غير مقصودين كما هو الحال في الاجارة، ولن يعملها أيهما إذا كان سيغرم الأجر من ماله إذا لم يحصل الرزق. ولا فائدة للدابة عند من يريد نقل متاعاً بدون من يعمل عليها وكذلك لا فائدة من العامل بدون الدابة فاجتمعا على المصلحة وعدمها.

واستحقاق الأجر صحيح لو لم يكن له في الربح، فإن دفع دابته أو عمل بقصد الربح فقد بطل حقه في الأجر فهما لا يجتمعان، فإن قال خذ دابتي واعمل عليها والرزق بيننا فليس له الأجر بعد ذلك. وهما لو دفع كل منهما دابته وعملا معاً يكون الرزق بينهما جائزاً عند أغلب الفقهاء فيكون عدم الجواز للإختلاف ولاحتمال حدوث الغرر في توزيع الربح بينهما وليس لعدم جواز المعاملة ذاتها ولله أعلم.

حا في المدونة ص 49: ”أرأيت إن كان لي بغل ولصاحبي بغل فاشتركنا على الحمولة التي تحمل على البغلين، قال ما أرى بأساً إذا كانا يحملان جميعاً فيحملان على دابتهما لأن هذين يصير عملهما في موضع واحد وهذا مثل أن يتقبلا الشيء يحملانه إلى موضع واحد، وإن كان يعمل كل واحد منهما على حدته فلا خير فيه“.

ولهذا … فإن أمكن تحديد أنصبة الربح بتحديد التفاضل الصحيح في هذه الشركات فإنها – في رأينا – تكتون ملتزمة بالقواعد الصحيحة.

فلو فرضنا في شركة عنان يدفع أحدهما مائة ألف والثاني مائتي ألف رأس مال على أن يعمل الأول كل الوقت ويعمل الثاني نصفه فاتفقا – بناء على أجور مثلهم على العمل الذي سيقوم به كل منهما – أن أجر الأول في العام تسعة آلاف والثاني ستة آلاف وقررا أن يتركا أجرهما في المال مخاطرين به حتى يقتسما. فإن ربحا ثلاثين ألفا فالربح يعود إلى المال والعمل.

فإن قلنا يقتسما الربح بينهما ثلثا للأول أي عشرة آلاف وثلثين للثانى؛ أي عشرين ألفا، ثم يعود الأول على الثاني بثلثي الفرق بين أجور مثلهما وهو الثلاثة الآف فيكون له على صاحبه ألفان، فيكون للأول اثنا عشر، وللثاني ثمانية تكون القمسة خطأ، لأن أجر عمل الأول في مال الثاني ثلثي أجر مثله أي ستة الآف وأجر عمل الثاني في مال الأول ثلث أجر مثله وهي ألفين فيكون للأول على الثاني أربعة الآف فيكون حق الأول من القسمة أربعة عشر ألفا والثاني له ستة عشر ألفا، لهذا… لا يصح الرجوع بالفرق وإنما بالكل.

وهذا تقسيم صحيح لو قصدا إستثمار المال واستئجار كل منهما الآخر في ماله، وهذا ليس قصدهما وإنما قصدا إستثمار المال بالعمل فكان للمال ربح وللعمل ربح، فعندما خاطرا بالأجر… قصدا أكثر منه؛ فإن جاز لهما الأكثر… سقط حقهما في الأجر فيتحملا الخسارة في حدود الأجر، وهذه المشاركة لم يجزها الفقهاء عدا الحنابلة. إلا أن مشاركة العمل هي شركة أبدان يجوز لهما ما تكسبه لقاء العمل أو لقاء الضمان بتقبل العمل، ولم يقال فيها أن عليهما أن يعودا على بعضهما بأجر المثل وإن عادا… كانت النتيجة واحدة إذا كانت نسب توزيع الكسب بينهما هي نسب أجر مثليهما في العمل الذي قاما به، وليس صحيحاً إذا كان نصيب أحدهما لقاء الضمان حين تقبل العمل والآخر لقاء عمله وفي هذه الحالة نجد في مشاركة الأبدان اجتماع الضمان- كالمال- مع العمل.

وحيث أنهما قصدا المخاطرة بمنفعة عملهما… فلكل منهما نصيب من الربح أو كسب العمل بقدر تفاضلهما في المنافع المخاطر بها، فإن أخذنا المثال السابق… يكون للأول ثلثا ربح العمل وللثاني ثلثه، وربح العمل هو الجزء من ربح المشاركة العائد إلى العمل ويشمل قيمة منفعة العمل بمعيار نجاح المشاركة وربحها أو قيمة منفعة العمل كما تحددت بالنماء الحاصل في المشاركة ككل.

وهذا سيستدعي الاتفاق على نصيب المال ونصيب العمل من الربح، فإن قلنا نصيب المال من الربح هو ربح الفرصة المضاعة تحت ظروف إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة إلى أقل حد كالاجارة فنفترض شراء عقار بكل المال يكون عائده8% في السنة، فيكون عائد رأس المال أربعة وعشرين ألفا، وأجور مثل العاملين خمسة عشر ألفاً فيكون العائد عن العمل والمال إحدى وأربعين ألف نصيب المال منهم 61.5% ونصيب العمل 38.5% فإن ربحت مشاركتهم ثلاثين ألفاً كان ربح المال 18,461,5 وربح العمل11,538.5 فيكون للأول ثلث ربح المال وثلثا ربح العمل فيأخذ 13,077 وللثاني ثلثي ربح المال وثلث ربح العمل فيأخذ 16,923.

وإذا كانت في المال وضيعة تكون قيمة العمل معدومة، ويتحمل رأس المال الوضيعة بالحصص.

إذن… هناك طريقتان ولمقارنة النتائج… نعرض هذا الجدول:

 

الربح الحاصل

تقسيم الأرباح

مشــــــــاركـــة

على المـال والعمـل

الأول               الثاني

اجـــــــــــــــارة

على المـال والأجـور

الأول              الثاني

90,000

60,000

30,000

15,000

3000

(15,000)

39,231

26,154

13,077

6,538.5

1,308

(5,000)

50,769

33,846

16,923

8,461.5

1,692

(10,000)

34,000

24,000

14,000

9,000

5,000

(1,000)

56,000

36,000

16,000

6,000

(2,000)

(14,000)

         

وفي رأينا أن التوزيع الأول – مشاركة – يعدل بينهما في الربح والخسارة بنسب المال والعمل، فإن لم ينم المال لم تكن لعملهما قيمة فتقاسما الخسارة وفقاً لحصص المال، فلا يأخذ أحدهما من مال صاحبه. وتدخل عموم المنافع من منفعة العمل إلى منفعة الآلة والدار في حصة العمل بينما تبقى حصة المال وفق رؤوس المال.

وفي حالة ان اتخاذ القرار الذي يعول عليه نجاح الشركة أو فشلها يعود إلى أحدهما، فإما أن أجر المثل المقدر له سوف يعكس هذه القيمة أو أن يتفق له على معامل إضافة لتوفير حافز أكثر له.

وقد يقال إن الآلة تختلف عن الشخص لأن الآلة لا قدرة لها في زيادة الربح أو تقليله وإنماء يعود هذا إلى العامل، إلا أن الآلة لو دفعت أجرتها من المال يغرمها أصحاب المال إذا لم يكن ثمة ربح فإن قبل صاحبها أن يخاطر بأجرها استحق أكثر منه إذا وفر الربح. فهي في الحقيقة مال منفعة لا يصح أن تكون رأس مال لان رأس المال يجب إعادته وهذه تستهلك ولا تبقى إلا أن أثرها على الربح لا يختلف عن أثر المال فكانت مشاركة في الربح لا في رأس المال، عوضاً لصاحبها المخاطر بالأجر ولمصلحة الآخرين الذين لا يريدون أن يغرموا أجرها من مالهم.

وما سبق ليس مضاربة لعملهما معاً ولعدم توفر شرط التخلية – وإن كانت هناك تخلية بأن وكل كل منهما الآخر حق التصرف في المال – وإنما هو مشاركة ولا تتحقق المشاركة إلا بتحقق النماء عندما تكون لهذه المنافع قيمة لأنها تقاس بمعيار النماء. وليس في ما جاء شبهة ربا أو أكل مال بالباطل أو غرر أو جهالة أو غبن بأحدهما بل إنه تطبيق لمبدأ الغنم بالغرم.

وأهمية هذه المعاملات أنها تشجع الناس على التعاون والإستثمار بدون أن يتحمل أحدهما الخطر كله وحده إن جُبر أن يدفع أجر المثل لصاحبه سواء كسب أم لم يكسب.

وقد جاء في قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار- طبعة بولاق- القاهرة عام1299 هـ (جزء2ص258): ” وكذا في شركة البزاز حيث قال وإن لاحدهما ألف ولآخر ألفان واشتركا واشترطا العمل على صاحب الألف والربح انصافا جاز وكذا لو شرطا الربح والوضيعة على قدر المال والعمل من أحدهما بعينه جاز ولو شرطا العمل على صاحب الألفين والربح نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما اثلاثاً لأن ذا الألف شرط لنفسه بعض ربح الآخر بغير عمل ولا مال والربح إنما يستحق بالعمل أو المال أو بالضمان. لكن في مسئلة الشارح العمل على كل منهما لا على صاحب الأكثر فقط وهو صحيح سالم من الفساد كما سيصرح به. والحاصل أن المفهوم من كلامهم أن الأصل في الربح أن يكون على قدر المال كما قدمناه عن البحر إلا إذا كان لأحدهما عمل فيصح أن يكون أكثر ربحاً بمقابلة عمله وكذا لو كان العمل منهما يصح التفاوت أيضاً. تأمل قوله ثم يعقد شركة عنان وهي لا يلزمها أن يكون الربح فيها على قدر المال فلهما أن يتفقا على مناصفة الربح. قوله ثم يعمل المستقرض فقط أي بطيب نفس منه لا بشرط عليه لأن شرط الشركة أن يكون العمل عليهما كما قال على أن يعملا لكن الشرط إنما هو اشتراط العمل عليهما لا وجوده منهما، فإن العمل لايتأتى من اثنين فيصح أن ينفرد أحدهما به بعد أن شرط عليهما كما هو مقتضى عقد الشركة ويكون الربح بينهما على حسب الشرط لأن كلا منهما وكيل بما يعمله عن صاحبه فيقع شراء كل منهما بالأصالة عن نفس المباشر وبالوكالة عن شريكه لأن الشركة تتضمنها ويكون الربح على حسب الشرط كما تقدم في بابها“.

<< previous page next page >>

الفصل الثانى – في الشركة والمشاركات

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 20 ص 353): ”الكسب الذي هو معاملة الناس نوعان: معاوضة ومشاركة. فالمبايعة والمواجرة ونحو ذلك هي المعاوضة. وأما المشاركة فمثل مشاركة  العنان وغيرها من المشاركات“.

ويضيف في ص354: ”وأحمد تحصل الشركة عنده بالعقد والقسمة بالعقد، فيجوز شركة العنان مع اختلاف المالين وعدم الاختلاط، وإذا تحاسب الشريكان عنده من غير افراز كان ذلك قسمة، حتى لو خسر المال بعد ذلك لم تجبر الوضيعة بالربح“.

والشافعي لا يجوز شركة الأبدان ولا الوجوه ولا الشركة بدون خلط المالين، ولا أن يشترط لأحدهما ربحاً زائداً على نصيب الآخر من ماله؛ إذ لا تأثير عنده للعقد، وجوز المضاربة وبعض المساقاة والمزارعة تبعاً لأجل الحاجة لا لوفق القياس.

وأما أبو حنيفة نفسه فلا يجوز مساقاة ولا مزارعة؛ لأنه رأى ذلك من باب المؤاجرة، والمؤاجرة لابد فيها من العلم بالأجرة.

ومالك في هذا الباب أوسع منهما؛ حيث جوز المساقاة على جميع الثمار، مع تجويز الأنواع من المشاركات التي هي شركة العنان والأبدان، ولكنه لم يجوز المزارعة على الأرض البيضاء موافقة للكوفيين.

وأما قدماء أهل المدينة هم وغيرهم من الصحابة والتابعين فكانوا يجوزون هذا كله، وهو قول الليث (ابن) أبى ليلى، وأبى يوسف ومحمد وفقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وغيره.

والشبهة التي منعت أولئك المعاملة: أنهم ظنوا أن هذه المعاملة اجارة، والاجارة لابد فيها من العلم بقدر الأجرة، ثم استثنوا من ذلك المضاربة لأجل الحاجة، إذ الدراهم لا تؤجر.

والصواب أن هذه المعاملات من نفس المشاركات، لا من جنس المعاوضات، فان المستأجر يقصد استيفاء العمل كما يقصد استيفاء عمل الخياط والخباز والطباخ ونحوهم، وأما في هذا الباب فليس العمل هو المقصود، بل هذا يبذل نفع بدنه وهذا يبذل نفع ماله، ليشتركا فيما رزق الله من ربح، فأما يغنمان جميعاً أو يغرمان جميعاً.

ويضيف في صفحة 356: ”ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة، فان المؤاجرة والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فأنهما يشتركان في الغنم والغرم، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما في المؤاجرة“.

ويقول ابن تيمية: شركة الابدان نوعان( مجموع الفتاوي جزء30)”

”النوع الأول أن يشتركا فيما يتقبلان من العمل في ذمتهما، ويكون العمل في ذمة أحدهم بحيث يسوغ له أن يقيم غيره أن يعمل ذلك العمل والعمل دين في ذمته، كما يتقبل الشريك العمل له ولشريكه، هؤلاء جوز أكثر الفقهاء اشتراكهم كأبى حنيفة ومالك وأحمد. وذلك عندهم بمنزلة شركة الوجوه. وهذه الشركة مبناها على الوكالة فكل من الشريكين يتصرف لنفسه بالملك ولشريكه بالوكالة. ولم يجوزها الشافعى.

والنوع الثاني إذا تشاركا فيما يؤجران فيه ابدانهما ودابتيهما، وهي باطلة في مذهب أبى حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد كأبى الخطاب، والقاضي في أحد قوليه، وقال: هو قياس المذهب بناء على أن شركة الابدان لا يشترط فيها الضمان بذلك الاشتراك في كسب المباح، كالاصطياد والاحتطاب، لأنه لم يجب على أحدهما من العمل الذي وجب على الآخر شيء، وإنماء كان ذلك بمنزلة اشتراكهما في نتاج ماشيتهما، وتراث بساتينهما ونحو ذلك.

ومن جوزه قال هو مثل الاشتراك في اكتساب المباحات، لأنه لم يثبت هناك في ذمة أحدهما عمل، ولكن بالشركة صار ما يعمله أحدهما عن نفسه وعن شريكه، وكذلك هنا ما يشترطه أحدهما من الأجرة أو شرط له من الجعل، هو له ولشريكه. والعمل الذي يعمل عن نفسه وعن شريكه. وهذا القول أصح“.

من كتاب المغني لابن قدامة في الشركة والمشاركات

الشركة هي اجتماع أبدان أو أموال أو أبدان وأموال، وتختلف أنواع الشركات باختلاف تزاوجهم مع بعضهم البعض، فشركة الابدان هي اجتماع بدنين، وشركة الوجوه هي اجتماع بدنين ومال غيرهما؛ والمضاربة هي اجتماع مال وبدن وهكذا.

ويقصد بالبدن العمل الإنسانى، والمال قد يكون المال أو الضمان ومنه تقبل عمل بضمان القيام به.

والشركة لها خمسة أقسام وهى:

– شركة الابدان وهي أن يشترك أثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصناع.

– شركة العنان وهي أن يشترك بدنان بماليهما تساوى المال أو اختلف.

– شركة الوجوه وهي أن يشترك بدنان بمال غيرهما.

– شركة المضاربة وهي أن يشترك بدن ومال أو بدنان بمال احدهما أو مالان وبدن أحدهما.  

– أخيراً شركة المفاوضة وهي إما أن يجمعا جميع أنواع الشركة، مثل أن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والابدان فيصح ذلك، وغنا أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة، ويلزم كل واحد منهما ما يلزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب وقيمة متلف، وغرامة الضمان أو كفالة فهذا فاسد.

ويستحق الربح بالضمان، بدليل شركة الابدان. وتقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة. والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب، فينزل بمنزلة المضاربة. وتنعقد شركة الابدان على العمل المجرد ولهذا فيجوز ما يتفقا عليه من المساواة أو التفاضل في الربح، فإن تقبل أحدهما عملا بضمانه وعمل الأخر دون صاحبه يستحق الأول نصيباً من الربح بضمانه والثاني بعمله.

وقد جاء في المشاركات الأمثلة التالية:

1- ”إن اشترك رجلان لكل واحد منهما دابة على أن يؤجراهما فما رزقهما الله من شيء بينهما، فإذا تقبلا حمل شيء معلوم إلى مكان معلوم في ذمتهما، ثم حملها على البهيمين أو غيرهما، صح والأجرة بينهما على ما شرطاه.

وإن أجراهما بأعيانهما على حمل شيء بأجرة معلومة لم تصح الشركة“.

ففي الحالة الأولى يكون تقبلهما الحمل قد أثبت الضمان في ذمتهما ولهما أن يحملاه بأي ظهر كان، وتنعقد الشركة على الضمان كشركة الوجوه. أي أن الأجرة هي نظير نقل الشيء المعلوم والنقل في الأغلب هو ما يشمله الضمان وطالما أن غاية العمل محددة فلهما أن ينقلاه كيفما شاءا فالأجر يستحق للنقل لا لطريقة النقل، فتكون الدابتين تابعتين ولهما أن يحملا الشيء عليهما أو على أي ظهر كان والأجر لقاء تقبل العمل وثبوت الضمان في ذمتهما، فإن نفقت الدابتين توجب عليهما توفير غيرهما حتى يتم العمل.

أما في الحالة الثانية فهما أجرا الدابتين فاستحقا الأجر بتسليم الدابتين إلى المستأجر، ولا ضمان هنا وإنما بيع منفعه الدابتين بعقد اجارة، ولا عمل هنا لأن المستأجر هو الذي سيقوم بالعمل، والربح يستحق بالمال أو بالضمان أو بالعمل ولهذا لم تجز الشركة بينهما هنا وكان لكل منهما أجر دابته.

2- ”إن كان لقصار أداة ولآخر بيت، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما جاز، والأجرة على ما شرطاه. لأن الشركة وقعت على عملهما والعمل ويستحق به الربح في الشركة، والآلة والبيت لا يستحق بهما شيء لأنهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشيء الذي تقبلا حمله، وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والآلة، وإن كانت لأحدهما الة وليس للأخر شيء أو لأحدهما بيت وليس للاخر شيء فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز لما ذكرنا“.

وقد تبّع البيت للقصار والآلة للقصار الثاني فكان عمل كل منهما يشمل عمل الآلة أو منفعة البيت، والشركة وقعت على عملهما والذي اشتمل على منفعة البيت والآلة، والذي استحق به الربح. فلم يعد للبيت والآلة نصيب من الربح لأن العوض عنهما قد اشتمل عليه في نصيب صاحب كل منهما في ربحه، وعندما يقول ابن قدامة: الآلة والبيت لا يستحق بهما شيء من الربح لا يقصد انعدام حظهما من الربح أو انعدام قيمة منفعتهما بدليل أنه حالة فساد الشركة كان لكل منهما الأجر على قدر المنفعة.

ويستنتج أن نصيب كل منهما في الربح سيكون متناسبا مع العمل ومنفعة آلته، وقال ابن قدامة أنهما إن اشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت ذاك والكسب بينهما جاز، والأجرة على ما شرطاه. والكسب هو الأجرة، وتعبير الكسب بينهما، يفهم منه أن النصف لكل منهما وتعبير الأجرة على ما شرطاه قد يقصد به التفاضل أو التساوى، وقد كان بالإمكان فهم الاجرة على أنها اجرة الأعيان إلا أن هذا ينتفي في الجملة التي بعدها. وفي حالة أن لأحدهما بيت وليس للأخر شيء فاتفقا على أن يعملا في البيت والاجرة بينهما جاز، وبينهما قصد بها التساوى- لما جاء في ص33 في نفس المرجع: فأما إذا قال: والربح بيننا، فان المضاربة تصح ويكون بينهما نصفان – وهذا يعارض المنطق والأغلب أن المثال الذي أورده ابن قدامة لم يكن الغرض منه بحث طريقة تقسيم الأرباح وإنما الغرض منه بحث صحة الشركة.

ويهمنا هذا المثال بوجه خاص لأن العمل الذي استحق به نصيب الربح قد اشتمل على جهد العامل ومنفعة عمل أدواته، ولم تعامل الأدوات على أنها منافع تستحق الأجر من الكسب قبل توزيع الأرباح. فكان العمل المشارك به في هذه الشركة هو العامل وأدواته فاستحقا الربح معاً كأنهما كيان واحد.

3- ”إن دفع رجل دابته إلى أخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح.

ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئاً من هذه المعاملات، لأنها تشتمل على عمل مجهول وعوض مجهول. ولهذا فالربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها، وللعامل أجر مثله على رب الدابة.

وقد قال أن الذين قالوا بعدم صحة هذه المعاملة أن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون مضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة والتصرف في الأعيان، والدابة لا تباع ولا تخرج عن ملك صاحبها، ولهذا لم تصح كمضاربة.

وذكر القاضي فيمن استأجر دابة ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى أو ثلثه جاز. والاجارة يشترط لصحتها العلم بالعوض وتقدير المدة أو العمل. وهذا لم يوجد لهذا لا يصح تخريجها على الاجارة“.

ويقول ابن قدامة:” ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة. وقولهم أنه ليس في أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فانه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها، وبهذا يتبين أن تخريجهما على المضاربة بالعرض فاسد فأن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه“.

وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة. فقال:” لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع. لحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشرط وهذا يدل على أنه قد صار في هذا. ومثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة، لا إلى المضاربة ولا إلى الاجارة“.

والمعاملة صحيحة لما جاء عن خيبر، ولما نقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: ”أرجو ألا يكون به بأس. قال اسحاق بن ابراهيم، قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز. وبه قال الأوزاعي“.

والنماء هو الخاصية التي أودعها الله تعالى في الأشياء كالشجر والحيوان، وهناك أشياء لها خاصية الإنماء لو تجمعت كالأرض الزراعية والماء والشمس والهواء والعمل وغيرهم. وفي المزارعة فالبذر له خاصية النماء بينما كل العوامل الأخرى لها خصاية الإنماء. والنماء هوتكاثر الشيء من نفسه ومن العوامل الأخرى المتجددة على الأرض كالشمس أو المتوفرة بكثرة كالماء والهواء فكان الغير مشاعاً فيها الأرض والعمل فعقد بهما وبالبذر.

أما الزيادة المتحصلة بالعمل في الدراهم والدنانير، فهي زيادة يصحبها نقص في مكان أخر من نفس النوع. وكذلك يمكن القول عن عمل الدابة أو السيارة فكسبه هو بيع منافع أو تبديل ما يستهلك من العين بمال آخر.

ولهذا فيمكن انظر إلى هذه المعاملة من زاوية أخرى، فالدابة عندما تحمل الشيء فانها تبذل جهدا وتستهلك بقدر المنفعه التي قدمتها، وليس هذا نماء وإنما هو استهلاك للعين أو بيع منافع. إلا أن نقول أن أجر الدابة نماء وأجر الدابة هو ثمن منفعة فيكون ثمن منفعة العين نماء لها لأنه زيادة عليها، والعمل منفعة والمنفعة مال. والدبة قد تؤجر لحمل الشيء بمال، والرجل يتفق على العمل ويحمل الدابة ويسوقها وينزل الحمل ويسلمه، وعمله هذا قد يستأجر عليه بمال، فإذا استأجر الرجل الدابة من صاحبها، وكد طوال النهار فلم يكسب شيئاً غرم أجرة الدابة وضاع عليه جهده، وإن استأجر صاحب الدابة الرجل على أن يعمل عليها فلم يكسب شيئاً غرم صاحب الدابة أجر العامل، ولهذا … وجدا أن الأصلح اشتراكهما في الكسب أو في عدمه، فلا يغنم أحدهما من مال اخيه. والرزق من عند الله سبحانه وتعالى.

فإن عملا وكسبا كان الأجر الذي تتحصل عليه مشاركتهما هو مجموع أجر العامل وأجر الدابة الفعليين عن العمل الذي قاما به، والعمل عند الاتفاق مجهول إلا أن تفاضل أو تساوي الأجرين معروف، والعمل واحد فامكن الاتفاق على نسب تقسيم ما تكسبه المشاركة إذا كان ثمة عمل. والأجر عوض منفعة فيمكن القول أن هذه المشاركة مشاركة منافع تكمل بعضها لينتج عنها منفعة مكتملة قد تكون مطلوبة أكثر مما كانت لتطلب كل واحدة منهما على حدة. وهذه المشاركة فيها ضمان العمل الذي تقبله العامل، وقد يضمن صاحب الدابة أيضاً فإن نفقت الدابة بدلها بثانية حتى يتم العمل الذي تقبّله العامل.

فيكون اشتراك منفعة عامل وهي عمله وفكره مع منفعة دابة وهي القدرة على الحمل، وهذه مشاركة عمل مفكر مع عمل. والعمل الذي سيقومان به مجهول والأجر مجهول، فيكون نصيب كل منهما لقاء العمل، وهذا يقدر بجزء من الكسب، فإن كسبا كان لعمل كل منهما قيمة هي الجزء المتفق عليه من الكسب، وإن لم يكسبا فليس لعملهما قيمة.

أي إنها مشاركة مجهولان يمكن معرفة نسب تفاضلهما، معدومان وقت التعاقد، وتظهر قيمهما عند تحقق الكسب والذي نتج عنهما فيعرفا فينال كل منهما نصيبه.

والكسب يستحق بالعمل، والعمل هو بيع منفعة وهي مال، وشركة الأبدان أو الأعمال مشروعة إلا ان العمل الصادر عن كلاهما هو عمل إنساني ويتميز العمل الإنساني بالفكر، والعقد يحتاج لإرادتين وهذا موجود في مشاركة المنافع هذه، أما التنفيذ فلا يحتاج لفكرين ففكر إنساني واحد يكفى كما هو الحال في المضاربة.

والشركة فيها التوكيل، وهنا قد وكل صاحب الدابة العامل وفوضه في التصرف بما يرى في حدود تقبل العمل. ولو أخذ العامل الدابة من ربها على أن يعمل عليها فأجرها إلى آخر ولم يعمل عليها لم يجز والأجر كله لرب الدابة.

4- ”فإن كان لرجل دابة ولآخر اكاف وجوالقات- برذعة وشوالات يعبي فيها الحبوب – فاشتركا على أن يؤجراهما والأجرة بينهما نصفان فهو فاسد، لآن هذه أعيان لا يصح الاشتراك فيها كذلك في منافعها. إذ تقديره أجر دابتك لتكون أجرتها بيننا وأؤجر جوالقاتي أجرتها بيننا“.

ومن المثال الأول نرى أنه قد يصح إذا اتفقا أو أتفق أحدهما على نقل بضاعة من مكان إلى أخر فيستحقا الربح بالضمان الذي وقع عليهما بتقبل العمل.

ويضيف ابن قدامة: ” وتكون الأجرة كلها لصاحب البهيمة، لآنه مالك الأصل وللأخر أجر مثله على صاحب البهيمة. لأنه أستوفى منافع ملكه بعقد، هذا إذا اجر الدابة بما عليها من الأكاف والجوالقات في عقد واحد“.

ولو نظرنا إلى التطبيق العملي هنا نجد أن تفسيره يكون في أحدى الحالتين التاليتين:

أ‌-   أن يستأجر صاحب الدابة الاكاف والجوالقات من صاحبها لقاء مدة مثل يوم لأن العمل مجهول فإن رزقه الله بعمل أو بمن يستأجر منه الدابة بما عليها دفع لصاحبه الأجر من الرزق، وإن لم يرزق غرم أجر الأكاف والجوالقات من ماله، وكسب صاحبه.

ب‌- إن اتفقا أن يأخذ صاحب الدابة الأكاف والجوالقات على أن يؤجرهما بعقد واحد، له من الأجر نصيب الدابة ولصاحبه نصيب الأكاف والجوالقات… فإن كان المعروف أن أجر الدابة في النهار ضعف أجر الأكاف والجوالقات واشتركا معاً في الاجارة، وكان الأجر ثلاثة دراهم؛ فكأنهما أجرا الدابة وحدها بدرهمين والأكاف والجوالقات بدرهم. فان اتفقا أن تكون الأجرة بينهما ثلثين لرب الدابة وثلث لصاحب الأكاف والجوالقات فكأنما أجر كل واحد منهما ملكه منفرداً وكان لكل واحد منهما اجر ملكه. ولم يكن لأحدهما أن يؤجر منفرداً إذا كانت غاية المستأجر نقل الحبوب فالدابة تحتاج الأكاف والجوالقات والعكس صحيح.

فإن لم يؤجراهما لا يصيب أحدهما شيئاً من الأجر ولا يغرم من ماله. وهذه هي المشاركة.

أما ما جاء عمن قال لصاحبه أجر عبدي والأجر بيننا، كان الأجر لصاحبه وللأخر أجر مثله. فهذا عمل من واحد لم يشترط عليه دفع أجر العبد سواء أجره أم لم يؤجره، وهي ليست جعالة لما جاء أن الأجر له ولصاحب العبد أجر مثله؛ فلم يحدد الجعل؛ وليست اجارة، وقيل ليست مشاركة فهي منفعة أعيان من جهة وعمل من الأخر، والسؤال الذي يتبادر للذهن… هو ماذ يفعل صاحب آلة أو دابة عاجز عن العمل، أو غائب أو منشغل إذا أراد دفع منفعة دابته، إلى من يريد أن يعمل عليها. والعامل إن عمل عليها فقد يكون بناء على مشاركة أو إجارة؛ فإن أجرها منه فقد التزم بالأجر الذي يستحق بتسليم العين في المدة المتفق عليها؛ فإن لم يؤجر العامل لأجنبي غرم الأجر من ماله، ولهذا فلن يقبل إذ ليس له قصد في الدابة… وكذلك لو اشترط العامل ألا تستحق العين أجراً إلا إذا أجرها لأجنبى، فهو لا يدري بكم سيؤجرها. كذا صاحب الدابة ليس له قصد في عمل العامل ليستأجره على العمل عليها… فإن لم يك ثمة عمل غرم الأجر من ماله، لهذا تكون المشاركة بينهما أنسب لهما وأعدل، ويكون الأصلح لهما الإتفاق على تفاضل قيم عمل العامل ومنفعة الدابة، وما رزق الله بينهما لفإما ينتفعا معًا، أو يضيع جهد العامل ومنفعة الدابة معاً.

والمشاركة تجوز عندما لا يكون لأحدهما قصد مباشر في عمل او منفعة أعيان الآخر ويكون القصد الكسب بالعمل وبيع المنافع وهذا هنا.

وقد قيل لا يصح الاشتراك في الأعيان وكذلك في منافعها. وهذا لأن الأعيان لاتباع أو تستهلك بما يعتد به وتبقى على حالها فتعود إلى ربها فلهذا لا تصح أن تكون رأس مال مخاطر به ليستحق به الربح، والمنافع معدومة وقت العقد ويكتنفها الجهالة لأن العمل مجهول. إلا أن هذه المشاركات ليست مشاركات في روؤس الأموال ولا يشترط فيها تعيينها ويكفي نسب تفضلها، وإنما هي مشاركة في الربح ولا تتحقق المشاركة إلا إذا تحقق الربح. وإذا تحقق الربح أو النماء أو الكسب تكون للمنافع قيمة معلومة هي نصيبها من الربح، مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة.

جاء في كتاب فقه السنة للسيد سابق في باب الإجارة من الجزء الثالث  ص198: ”الاجارة عقد على المنافع بعوض. ويضيف:

والمنفعة قد تكون منفعة عين، كسكنى الدار أو ركوب السيارة…

وقد تكون منفعة عمل، مثل عمل المهندس والبناء والنساج والصباغ والخياط والكواء، وقد تكون منفعة الشخص الذي يبذل جهده، مثل الخدم والعمال…“

وعليه يمكن إعتبار عمل الإنسان منفعة إذا قصدت مباشرة كما في الإجارة أو إذا قصد أثرها كما المشاركة.

5- ”إن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن أخر راوية ومن الآخر العمل على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قول أحمد“.

وهكذا لو اشتراك أربعة من أحدهم دكان ومن آخر رحى ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بيهنم صح. وكان بينهم على ما شرطوه.

وقال القاضى: ”العقد فاسد في المسألتين جميعاً، فلا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة، لكونهما لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض ولأن من شروطهما عود رأس المال سليما، بمعنى أنه لا يستحق شيء من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله“.

يجب التوقف عند القول بفساد العقد للأسباب التي ذكرت، لأن بعض أنواع المشاركة لا ينطبق عليها الشروط التي ذكرت من عدم صحة كون رأس المال عروضاً، ووجوب عود رأس المال إلى صاحبه سليماً وعدم استحقاق الربح حتى يستوفى رأس المال. فأين هو رأس المال في المساقاة، إن كانت الشجر فالشجر لا يخاطر به ويظل على حاله ويعود إلى صاحبه، ورأس المال من طبيعته أن يتصرف فيه وهذا لا يتصرف فيه لا بيعاً ولا شراء، ولا يخرج عن ملك صاحبه، وكذلك المزارعة.

وشركة الابدان ليس فيها رأس مال إلا إذا قبلنا بمنافع العمل- المتوقع – كرأس مال، وهذه معدومة وقت العقد فتكون شركة في الرزق، والمضاربة نفسها ليست مشاركة في رأس المال وإنما وكالة فإن لم يتحقق ربح لا تكون شركة ولا مشاركة، والمشاركات قد تكون بدون رأس مال مثل المشاركة في الرزق بين من يدفع الدابة ومن يعمل عليها، إلا أن نقول أن رأس مالهما هو منفعة الدابة ومنفعة  العمل وهما معدومتان وقت التعاقد فلا يصلحان أن يكونا رأس مال.

والقول أنهما في شركة الابدان يستحقان الربح بالضمان بتقبل العمل، فهذا كان لتفسير استحقاق احدهما ممن لم يعمل بينما عمل الآخر، بينما إذا تقبلا وعملا معاً فالربح أو الأجر لقاء العمل أو لقاء الضمان وكلاهما ليس فيهما رؤوس أموال عندما عقدا الشركة بينهما وهذا كان قبل تقبلهما أو تقبل أحدهما العمل.

جاء في كتاب فقه المعاملات- دراسة مقارنة للدكتور محمد علي عثمان الفقي ص281: ”الشركة في الفقه الإسلامي عقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه، أو على الاشتراك في ربحه دون الإشتراك في رأس المال، أو الاشتراك في أجر العمل، أو الاشتراك فيما يباع ويشترى دون أن يكون هناك رأس مال لهم يتجر فيه“.- الشيخ علي الخفيف في الشركات في الفقه الإسلامى-

والمعاملة صحيحة وللناس حاجة لها، ولهذا يمكن أن يكون اخراجها بأنها مشاركة في عوض المنافع من عمل واحد يشتركان فيه بنسب تفاضلهما سواء أكان التفاضل في العمل أو في ضمان تقبله أو في ضمان تلف العين التي يعملان عليها أو فيهم جميعاً؛ فيستحقا الأجر عليه أو الرزق بنفس نسب اشتراكهما تفاضلا أو تساويا، والله أعلم.

أو تكون لأنه دفع دابته إلى أخر يعمل عليها و الراوية عين تنمى بالعمل عليها فهي كالبهيمة وعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه. كما جاء في المغنى.

6- وجاء في باب المزارعة في المغني (جزء 5 ص 425): ”فإن قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لأن المنفعة غير معلومة، وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الأرض. وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما، ويحتمل أن لا يصح لأن البذر عوض فيشترط قبضه كما لو كان مبيعاً وما حصل فيه قبض. وإن قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال“.

ويضيف ما ذكر الخرقى: ”وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجر مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض“.

ومن هذا المثال … نجد أنهما تشاركا بتفاضل أجر نصف الأرض  على منفعة المزارع ومنفعة بقره وألته. فإن كان أجر نصف الأرض يساوي قيمة منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته كان لكل منهما نصف الزرع. وإن تراجعا لا يفضل لأحدهما على صاحبه شئ.

وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه فتفاضلا في الزرع بتفاضل منافعهما جاز.

<< previous page next page >>

الباب السادس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل


الفصل الأول

نسب توزيع الربح

الاتفاق على حساب نسب توزيع الربح:

الشرط في المضاربة ان يتفقا عند عقدها على نصيب كل منهما من الربح، ولم يتطرق الفقهاء إلى تحديد هذه النسب فلم يكن هذا من المنطق الصحيح، واكُتفي بان يتم الاتفاق عليها بين المتعاقدين وفق رغبتهما، واعتبر ان شرط التراضي بينهما عند الاتفاق عليها سوف يؤدي إلى تحديد النسب العادلة، مثل ما يحدث في البيع والشراء؛ خاصة وأن  التسعير منهي عنه في الظروف الاعتيادية. فتتحدد هذه النسب وفق: العرف، والشروط، وظروف السوق وحجم العمل، والمال، وشهرة العامل، وغيرها من العوامل الكثيرة المتعددة التي تختلف من مضاربة إلى أخرى، ولهذا… كان الاتفاق عليها من الامور التي تعود إلى المتعاقدين.

جاء في فقه السنه (الجزء 3ص160):” روي عن أنس رضى الله عنه قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق- واني لأرجو أن القى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال“.

وقال الشوكانى: ”ان الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والأمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، واذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم والزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى: الا أن تكون تجارة عن تراض منكم“.

إلا أن المضاربة ليست كالبيع والشراء، فلا مبادلة فيها وإنما إجتماع واتحاد من أجل العمل والكسب، فهما إن ربحا يربحان سوياً، وإن لم يربحا لم يأخذ أحدهما من مال الآخر، فلا يظلم أحدهما الآخر.

وفي المضاربة في مجال التجارة… فإن هذه النسب يسهل على الناس الاتفاق عليها وفق ما جرت عليه العادة والتي امتدت منذ قرون بعيدة… إلا أن المضاربات في عصرنا هذا والتي نود الخروج بها من حدود مجال التجارة إلى مجالات الإستثمار الصناعي والعقاري والزراعي وغيرهم، تجعل من الأهمية دراسة هذا العقد لبيان العناصر العامة التي تتكون منها هذه النسب، كخطوط عامة من قبيل الإعانة لا للتحديد ولا للاشتراط، ويظل الاتفاق من الأمور التي تعود إلى المتعاقدين ولهما كامل الحرية والحق في أي نسب يختارونها.

والسبب الذي يدعو إلى وضع القواعد التي تحسب عليها هذه النسب، هي أنها تؤدي إلى استحقاق كل منهما لنصيبه من النماء الحاصل والمتولد عن المال والعمل، للمال نصيب وللعمل نصيب، ولا يجوز لصاحب المال أن يأخذ من نصيب العمل ولا يجوز العكس، ومتى تحددت هذه النسب بالاتفاق… حرص الفقهاء أشد الحرص على ألا ينال أحدهما مما ليس له فيه مال أو عمل؛ حتى لا يكون كسبه بغير عوض.

والغرر في هذه المعاملات هو ما يؤدي إلى كسب أحدهما أكثر على حساب نقصان كسب الآخر، وهذه الحصص في المضاربة بالاتفاق، إلا أنهما قد يتفقان على الثلاثة أرباع أو الربع، وتعود هذه إلى حاجة وإضطرار العامل، فكيف يكون عوض نفس عمله صحيحاً على ربع الربح، وصحيحاً على ثلاثة أرباعه وهو لنفس العمل ونفس الربح، فإن استغل رب المال حاجته فسوف يشعر بالظلم، وهذا مثل ما يؤدي إليه الغرر وأكل أموال الناس بالباطل.

وقد رأى الإمام مالك والزيدية وبعض الشافعية جواز التسعير في حالات الغلاء والإحتكار، ولسنا هنا بصدد تحديد نسب وإنما محاولة بيان العناصر التي على أساسها تقدر هذه النسب.

والمعاملة إن كانت من جنس المعاوضات كالأجرة- كما ذهب الأحناف والشافعية – يجب في المعاوضات تساوي العوضين، العمل المجهول والاجر المجهول، كأن يقول له: اعمل في مالي ولك الأجر نصف ما تكسب، وبالطبع هذه لا  تجوز على الإجارة، إلا أنها اجيزت على خلاف القياس لجهالة العمل ولجهالة الأجر.

فإن لم يعرفا… توجب على الأقل أن يكون الأجر متناسباً مع العمل؛ أي زيادة نفس نوع العمل ستوجب زيادة الأجر، وليس هذا ما يحدث في المضاربة لأن العمل الكثير ليس بالضرورة ما ينتج عنه الربح الكثير. بل وقد يعمل في أول تجارة فيربح، ثم يعمل في الثانية نفس ما عمل أول مرة فيخسر؛ ربما لتغير ظروف السوق، فيكون نفس العمل له أجر في مرة، وليس له أجر في الثانية.

وتختلف حقيقة المعاملة عن ذلك، فليس بينهما مبادلة أو معاوضة أو بيع أو شراء، وليس ربح أحدهما يقابله خسارة الآخر، وقد يقال ليس هذا بالضرورة ما يحدث في البيع والشراء وغيرهما من المعاوضات، فالبائع رابحاً لأنه قد استبدل سلعة لا يريدها لنفسه بنقوداً أو سلعة يحتاجها أكثر مما كان يحتاج ما تخلى عنه، وكذلك المشتري فيكون الربح موضوعاً نسبياً يعود إلى كل طرف فيكون كلاهما راضياً. ويحدث الربح الحقيقي في اكتمال دورة شراء ثم بيع؛ أي يشتري سلعة من شخص بنقود ثم يبيعها لشخص أخر لقاء نقود أكثر. وفي المعاوضة … يحدث تخلي عن مال أو منفعة لقاء مال أو لقاء منفعة أخرى، فيخرج المال عن ملك صاحبه لقاء امتلاك شيء أخر، أو يستفيد المستأجر بمنفعة العين التي استأجرها وضمن دفع أجرها.

وهذا لا يحدث في المشاركات؛ فالمال لا يخرج عن ملك صاحبه، فالأرض والشجر والمال يبقون على ملك أصحابهم في المزارعة والمساقاة والمضاربة، ورب المال ورب الأرض ورب الشجر لا يضمنون ولا يدفعون أجراً للعامل، والعمل حقيقى؛ فإن أصاب الزرع آفة كان العمل لا قيمة له، أما المعاوضة في هذه المشاركات فمع الأجنبي لا مع بعضهما، فلا يربح العامل من أصل المال، ولا يأخذ رب المال من العامل شيئاً لنفسه، وإنما يشتركان في ما يربحانه جميعاً  من المبادلة مع الغير.

وهذه المعاملة لا تجوز إجارة، ولهذا كانت استثناء على خلاف القياس، ولكن الشركة عقد مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وعرفها الأحناف أنها عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح. وهنا رأس المال من أحدهما فقط، ولكن شركة الأبدان ليست فيها رؤوس أموال، وقد أجازها المالكية والأحناف والحنابلة، وأبطلها الشافعية والظاهرية، وجاء فيما جاء- عمن أبطلها- أن الشركة تختص بالأموال لا بالأعمال؛ لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، ولنا أنها شركة أموال منافع، وتنضبط لا بقيم هذه المنافع المجهولة عند التعاقد وإنما بتفاضلها أو بتساويها، وكذلك المضاربة وغيرها من المشاركات، والمنافع مال وكل ما كان عوضه في عقد معاوضة تجارية مال فهو مال، والعمل منفعة بدن وهو مال.

فإن قلنا إن المضاربة شركة رأس المال فيها مال من أحدهما ومنفعة- وهي مال- من الأخر، نكون قد أخطأنا؛ لأن الخلط في رؤوس الأموال بين الأثمان والعروض والمنافع يؤدي إلى الغرر، بل وليست هذه حقيقة المضاربة.

يمكن تصور المضاربة مجازاً على أنها اجتماع خاصيتين مكملتين لبعضهما: الخاصية الأول هي القدرة على الإنماء؛ وهي ما تتميز بها قدرة العامل إذا اقترنت بمال، والخاصية الثانية هي القدرة على النماء وهي ما يتميز بها مال المالك إذا اقترن بعمل، ولا يحدث النماء إلا باجتماعهما.

وقدرة العامل إذا وجهت وجهة أخرى… كأن تؤجر؛ فإن لها قيمة مالية، والمال لو وجه إلى شراء عقار يؤجر للغير فله نماء مادي؛ إي إن هاتين القدرتين يمكن أن يكون لهما قيمة مستقبلية حقيقة، لو وجهتا إلى غير المضاربة، إلا أنهما معدوما القيمة في الحال، وبتوجههما إلى المضاربة…يُخاطر بإمكانية الحصول على هذه القيمة المستقبلية.

وهذه القيم التقديرية المستقبلية لا يشوبها تهمة الربا، فلا ضمان فيها، وقد تحدث وقد لا تحدث؛ فالغنم معه احتمال الغرم، وتتماثل هاتان القيمتان في أنهما يوجدان معا أو ينعدمان معا، وهما وإن كانتا مجهولتين وقت التعاقد، يغلب الظن بحدوثهما، وإلا فلا معنى للتعاقد، وهما يتحركان معا كثرة أو قلة أو ينعدمان بنفس الدرحة؛ لأنهما جزءان من شيء واحد: هو الفائض عن رأس المال.

ومحاولة تقدير هذه القيم يقصد بها تقدير نسب تفاضلهما، وليس قيمهما فهذا يستحيل؛ فلو افترضنا مشاركة بين مجهولين، ولتكن مشاركة من يدفع بعين تنمى بالعمل إلى من يعمل عليها كالتي قال بها الحنابلة… يمكن القول إن هذه مشاركة أعمال أو منافع؛ فإذا دفع الرجل دابة إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، فعمل الدابة فيما ستحمله مجهول وعمل العامل مجهول… إلا أنه يمكن القول إننا لو حددنا المدة بأسبوع فأجرة العامل كذا في الأسبوع وأجر الدابة كذا، فإن كانت أجرة العمل على مثل هذا العمل- لقاء فكره وعمله- ضعف أجر الدابة… يكون الرزق بينهما الثلثين للعامل والثلث للدابة، ويكون العامل قد خاطر بأجرته، والرجل قد خاطر بأجر دابته؛ فيطيب لهما ما يكسباه، وإن كثر عن الأجر المعتاد.

وفي المضاربة… يدفع الرجل ماله إلى العامل، والمال لا يعمل، كما أن الأرض لا تعمل في المزراعة… إلا أن للمال خاصية النماء وللأرض خاصية الإنبات، وهذه الخاصية تجعل للمال قيمة مضافة لو خوطر به فربح، ويمكن تقديرها بربح الفرصة المضاعة، وهي ليست مستحقة للمال إلا إذا خوطر به وتحقق النماء. ولأن المقصود من هذا التقدير هو المقارنة وليس القيمة لذاتها، قتحسب قيمة ربح الفرصه المضاعة في درجة مخاطرة مثل التي ستقدر فيها قيمة العمل، فإن قدرنا قيمة العمل بما يحصل عليه العامل كأجير مشترك من مثل العمل المتوقع أن يقوم به في المضاربة – وليس عليه ضمان إلا فيما يتلف بالتعدي – وقدرنا لهذا العمل مدة معينة… فإن نماء المال يحسب بافتراض شراء عقار، يؤجر لنفس المدة مع بقاء قيمة العين أو استهلاكها بدرجة لا يعتد بها فيعرف النماء الصافي خلال هذه المدة… فإن كان عائد المال ضعف عائد العمل، يكون تفاضلهما الثلثين للمال والثلث للعمل.

ولتوضيح هذا … نفترض مضاربة بعد انتهائها، وكان لكلا المتعاقدين نصف الربح منها، وقد عرف العمل وأجر المثل عن هذا العمل، وعرف الربح ونصيب كل منهما منه، فلو عدنا لتحليل النتائج كشركة رؤوس أموال، فإما أن نقول إن رأس المال هو المال، وأجر المثل، أو المال وقيمة العمل وهي نصيبة من الربح أو أقل، أو معادلة جديدة تعطينا نفس النتيجة التي حصلت بالفعل.

رأس مال رب المال                                            100.000

المال عند القسمة                                                120.000

ربح المضاربة                                                   20.000

نصيب رب المال                                                 10.000

نصيب العامل                                                     10.000

أجر مثل العامل                                                   8.000

لو قلنا إن رأس مال مشاركة المضاربة هو المال الذي دفعه رب المال وأجر مثل العامل، لكانت شركة بينهما بنسب المال والأجر، وكذلك لو أخذنا قيمة عمله بمعيار نصيب العامل من الربح، وهذا ليس ما اتفقنا عليه، ولو نظرنا إلى شركة الإبدان… لوجدنا أنهما تشاركا منفعة بدن هذا مع منفعة بدن هذا، فتكون هذه منفعة بدن هذا مع منفعة مال هذا، فإن افترضنا أن منفعة المال 8.000 ومنفعة بدن العامل تساوي ما يحصل عليه من نفس العمل؛ أي أجر المثل، فتكون8.000 أيضاً؛ صح اشتراكهما بالتساوي وكان رأس المال هو قيم المنافع. لكن هذه لا تنضبط ولهذا لم تكن لها قيمة وقت العقد وإنماء قيمتها مستقبلية، ولا تقصد القيمة لذاتها وإنماء تقصد لحساب تفاضلهما واحد على الآخر لحساب نسب المشاركة.

ولحساب هذه القيم المستقبليه… يجب وضع افتراضات متماثلة للمالين، وتحديد قيمهما وفق معاوضة في ظروف متساوية، ومدة المضاربة غير معروفة ولكنها واحدة للمالين، ولهذا… يمكن توحيد المدة في المعاوضتين ولنقل إنها عام واحد.

فإن افترضنا أن قيمة عمل العامل في هذه المدة لو استؤجر على هذا العمل هي أجر المثل، وكان أجر مثله في العام 8.000 تكون هذه هي قيمة منفعة بدنه في هذه المدة، وهو متى استؤجر على هذا العمل … فالأجر شبه مضمون إن قام به.

أما المال… فنحتاج إلى افتراض إستثماره في ظروف تقل فيها المخاطرة إلى أقل حد لتناسب ظروف أجر المثل التي قدرنا بها قيمة منفعة العامل، وهذا يكون في افتراض شراء عقار وتأجيره ويعتبر الأجر المتحصل خلال العام هو قيمة منفعة المال، بفرض أن العقار يباع بعدها بنفس ثمن المشترى وليست هناك تكلفة للصيانة فإن كان تحسب من الأجر. فإن كان الحاصل من العقار في العام 8.000 تكون هذه قيمة منفعة المال.

وتكون مشاركة منافع بينهما هذا بمنفعة ماله وهذا بمنفعة بدنه، وكلاهما له قيمة مستقبلية غير مضمونة وتتراوح بين الوجود والعدم، ولا تعنينا معرفة قيمتها المستقبليه وقت العقد طالما قد عرف التفاضل بينهما. أما قيمتها الحقيقة التي ترجع إلى هذا الإستثمار وهذه المخاطرة… فلا تتحدد إلا عند حصول الربح، فإن كان ربح تحددت قيمة منفعة بدن العامل فكانت له، وتحددت قيمة منفعة المال فكانت لرب المال، فإن لم يكن ربح فهذه المنافع ليست لها قيمة. وإن كانت خسارة في المال فعلى ربه لأن ما شارك به هو منفعة هذا المال ولا تجوز منفعة المال دون المخاطرة به.

وقد يقال كيف نقول إن لعمل العامل قيمة حددناها بأجر المثل، ثم نقول ليست لها قيمة إذا لم يتحقق الربح، أولاً هذه القيمة التي حددناها كانت بغرض المقارنة مع منفعة المال وفي ظروف تختلف عن ظروف عمله في المضاربة، والمجهولة عند التعاقد ولا ينكر أحد أن لعمله قيمة إلا أنها مجهولة يخاطر بها لقاء الأكثر فتقاس بمعيار النماء كجزء منه فقياس قيمة عمله في المضاربة هو بأثر هذا العمل على الربح، فإن كان الربح وفيراً فقد استحق أكثر من أجر المثل عن نفس العمل الذي قام به في هذه المضاربة إلا أنه لمخاطرته بهذا الأجر – وهي درجة مخاطرة غير ما مثلنا بها سابقاً – استحق الأكثر للمخاطرة. وبالطبع فإن  الحافز لديه في المضاربة غير ذاك في الإجارة.

ورب المال منفعة ماله ليست لها قيمة إلا بالمخاطرة بالمال، وهي في عقد المضاربة تختلف عن تلك التي قارنا بها؛ فمنفعة ماله كانت مقدرة بقصد المقارنة لا التقييم في إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة عنها في المضاربة، وهو هنا يقصد الأكثر وليستحق هذا وجب عليه تعريض أصل ماله للمخاطرة حتى يطيب له أكثر من هذه المنفعة، بل وحتى تطيب له هذه المنفعة أو أقل منها؛ فهي ليست حقاً مضموناً له وإنما تكون له إذا تعرض ماله للمخاطرة وربح. ولهذا كان عليه المخاطرة بأصل المال ليستحق منفعة المال الأكثر والتي يأمل في حدوثها، والتي تقاس مثل عمل العامل بمعيار النماء.

ولهذا … فمتى تحدد تساويهما أو تفاضلهما وعقد عليه فلا حاجة لنا بالأسس التي بني عليها هذا التفاضل فهذا عقد يختلف في العمل والمخاطرة.

وقد يقال إن ما يقدمه العامل للمضاربة يفوق ما يقدمه كأجير، فالعمل جزء من قدراته وليس كلها، فمنه الفكر والقرارات التي لها تأثير كبير على النتائج، ويختلف العمال في مهارتهم ومواهبهم وخبراتهم ونتائج أعمالهم السابقة. وهذا كله سوف ينعكس على أجر المثل المقدر له، فيكون أجر المثل معبراً عن قدراته الفكرية والبدنية. ويقابل هذا أن المال مخاطر به أكثر مما كان لو استثمر في شراء عقار لإجارته، والمال معرض للنقص إذا كان ثمة خسارة، وهذا الاحتمال هو ما يحلل لرب المال ربحه، فخسارته ليست محدودة بخسارة النماء.

فإن كانت المشاركة بين القدرة على الأنماء- العمل- وبين القدرة على النماء- المال- واستحقاق رب المال نماء ماله لأنه تابع لملكه، يكون المال لصاحبه وغير مشارك به وإنما مخاطر به على أمل النماء، فتكون المضاربة مشاركة بين مجهولين وقت التعاقد، يغلب الظن أن لهما قيما مستقبلية- ومخاطر بها، ولا يمكن حساب مقدارهما الحقيقي ولكن يمكن حساب تفاضلهما أو تساويهما، وكلاهما يخاطر هذا بماله وبقدرة هذا المال على النماء وذلك بقدراته من فكر وعمل، ولهذا… جاز لهما الكسب بأكثر مما خاطرا به، فرب المال والعامل يتوقعان أن تعود عليهما المضاربة بأكثر من عائدي الإجارة والأجر، ولقاء هذا العائد الوفير قبلا باحتمال الخسارة.

وليس في هذه التقديرات غرر فلا تجوز بسببه، فإنها أقرب ما يمكن إلى الحقيقة، والغرر يكون في جهالة نصيب أحدهما من الفائض أو جهالة الفائض وليس هذا هو الحال هنا، وتوزيع نسب الفائض أو الربح يكون عادة بالاتفاق كالنصف والثلث والربح وهذه تقديرات تعود إلى المتعاقدين ولم يشترط فيهما الدقة وإنما اشترط الاتفاق والتحديد.

وإذا لم يتحقق ربح تكون قيمة العمل معدومة ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كانت فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان الذي كان سيحلل له النماء لو كان قد تحقق.

ويجب تكرار التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيمة بمعيار هذا النماء – وهذا العمل – ونماء المال الصافي للمال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال وهو ما نسميه الربح أيضاً، أو قد يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال في هذا البحث على المعنيين ويرد إلى احد المعنيين وفق موضعه ووفق المعنى المقصود في النص.

ويمكن القول أن المشاركة هي عقد، الغاية المقصودة منه استبدال منافع بأثمان، كما هي الشركة يدفع المال والعمل فيها فإن كان ربح كان لقاء منفعة المال ومنفعة العمل، وكما هو البيع استبدال عروض بأثمان، والاجارة استبدال منافع بأثمان، تكون المشاركة استبدال منفعة مال ومنفعة عمل بأثمان والفرق بين المشاركة والبيع أن المشاركة تكون بين طرفين لا تتم المبادلة بينهما عند التعاقد وإنما تتم المبادلة بينهما أو بين من تولى الأمر منهما وبين أطراف أجنبية عن العقد وفق عقد أخر ينعقد فيما بعد، وهذا العقد الآخر مجهول وقت التعاقد. أما في البيع يتم الاتفاق على المبادلة بين طرفي العقد في نفس الوقت ويكون الاختلاف في التسليم والتقابض كما في السلم والبيع المؤجل والاجارة.

ولو نظرنا إلى ما جاء عن الفقهاء في هذه الشركات أو المشاركات التي تعلقت بمنافع نجد أنها وردت عند أغلبهم وسنقتصر في دراستنا على ما جاء في كتاب المغني لابن قدامة وفي كتاب مفتاح الكرامة وفي المدونة وفي مجموع فتاوي ابن تيمية.

<< previous page next page >>

الباب الثالث: مجالات الاستثمار من خلال عقد المضاربة

الباب الثالث

مجالات الاستثمار

من خلال عقد المضاربة

 

 الفصل الأول

طبيعة المضاربة

ذهب الأحناف والشافعية إلى أن المضاربة من جنس المعاوضة كالإجارة، وإنها واردة على خلاف القياس لجهالة العمل وجهالة الأجر، والأصل فيها إنها لا تجوز، وقد رخصها الشارع استثناءً من الأصل وتحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس وتلبية لحاجاتهم ورفقاً بهم.

بينما ذهب الحنابلة إلى أن المضاربة من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فالمضاربة مثل المساقاة والمزارعة، أصلاً يقاس عليه.

جاء في القياس لابن تيمية من أن عقد المضاربة من جنس المشاركة لا من جنس المعاوضة الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركة جنس غير جنس المعاوضة، والمضاربة ما لا يقصد فيه العمل بل المقصود المال، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئاً لم يكن له شيء. بل المضاربة مشاركة فالعامل بنفع بدنه وصاحب المال بنفع ماله وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة، وإذا شرط شيئاً مقدرا في المضاربة لم يجز لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين.

وجاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة للدكتور عبد الله عبد الحميد العبادي (صفحة 211، 212):

”ذهب الأحناف إلى أن القياس في عقد المضاربة لا يجوز، وعللوا لذلك أنه استئجار بأجر مجهول بل بأجر معدوم، والعمل مجهولاً لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع. (بدائع الصنائع جزء 8)

وجاء في تحفة المحتاج في الفقه الشافعي (جزء 5 ص220): ”وهو – أي القراض – رخصة لخروجها عن قياس الإجارات كما أنها كذلك لخروجها عن بيع ما لم يخلق“.

أما الحنابلة فإنهم اتجهوا اتجاهاً آخر فيه يسر وسعة، حيث إنهم الحقوا المضاربات بعقود الشركات: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في القواعد النورانية: من قال إجارة بالمعنى العام فقد صدق، ومن قال إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ. ثم يضيف في مكان لاحق: ولهذا جوز أحمد سائر أنواع الشركات التي تشبه المساقاة والمزراعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرها إلى من يعمل عليها، والأجرة بينهما.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: فالذين قالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس، ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة، لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا أن العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا هي على خلاف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة (إعلام الموقعين 2/4). ثم نوع العمل إلى ثلاثة أنواع:

1-     أن يكون العمل مقصوداً، معلوماً مقداره، مقدوراً على تسليمه، فهذه الإجارة  اللازمة.

2-     أن يكون العمل مقصوداً، لكنه مجهول أو غرر، فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم.

3-     مالا يقصد فيه العمل، بل المقصود منه المال وهو المضاربة“.

وجاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 29 ص 98) في موضوع المساقاة والمزارعة: ”أن هذه المعاملة مشاركة، ليست مثل المؤاجرة المطلقة، فإن النماء يحصل من منفعة أصلين، منفعة العين التي لهذا، كبدنه وبقره. ومنفعة العين التي لهذا، كأرضه وشجره. كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم، وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم. بخلاف الإجارة فإن المقصود فيها هو العمل أو المنفعة. فمن استؤجر لبناء أو لخياطة أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد، فإذا وفّاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد واستحق الأجير أجره. ولذلك يشترط في الإجارة اللازمة: أن يكون العمل مضبوطاً كما يشترط ذلك في المبيع. وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر إنما مقصودهما جميعاً ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشتركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأوص التي لهم، وهذا جنس من التصرفات يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة، وما فيه من شوب المعاوضة من جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة“.

ويضيف ابن تيمية في صحفة 99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حُرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لأنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شئ حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر.

يضيف: من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول، لما فيه من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيراً، كعمل الشريكين في المال المشترك، وعمل الشريكين في شركة الأبدان، وكاشتراك الغانمين في المغنم، ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى، نعم! لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله، كان هذا اجارة.

ويضيف في صفحة 101 في موضوع المضاربة: انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – المشاركات

ومنها شركة العقد وهي خمسة أنواع ومنها المزارعة والمساقاة.

الشركة:

الشركة عامة هي عقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في المال وربحه، أو على الاشتراك في ربحه دون الاشتراك في رأس المال، أو الإشتراك في أجر العمل، أو الإشتراك فيما يباع ويشتري دون أن يكون هناك رأس مال لهم يتجر فيه. (الشيخ علي الخفيف – في الشركات في الفقه الإسلامي – ص 19، 20).

والشركة عقد جائز غير لازم، وأنواعها:

شركَّة العَّنان : وهي أن يشترك إثنان أو أكثر بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع. ولا يشترط فيها التساوي في المال أو التصرف أو الربح، فإذا كان ثمة خسارة فتكون بنسبة رأس المال.

شركة الأبدان : وهي أن يشترك إثنان أو أكثر بعمل أبدانهما، وليس فيها رأس مال، وتسمى أيضاً شركة الصنائع لأن رأس مالهما صنعتهما، وشركة التقبل لأنهما يشتركان في تقبل العمل، وشركة الأعمال لأنها مشاركة أعمال. وهي جائزة عند المالكية والأحناف والحنابلة. وذهب الشافعية والإمامية الظاهرية إلى بطلانها.

شركة الوجوه : هي أن يشتري إثنان فأكثر دون أن يكون لهما رأس مال؛ اعتماداً على جاههم وثقة التجار بهما، على أن يكون الربح بينهما، وهي أيضاً شركة  الذمم وشركة المفاليس؛ لأنها تقوم على الذمم من غير صنعة ولا مال ويجوز تفاوتهما في ضمان الملك ويكون الربح بينهما على قدر حصص الضمان. وهي جائزة عند الأحناف والحنابلة. وأبطلها الشافعية والمالكية.

شركة المفاوضة : هي عند الأحناف أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما، ويكون كل منهما كفيلاً عن الآخر في كل ما يلزمه من عهدة ما يشتريه، كما أنه وكيل عنه. وصفتها عند المالكية هي أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته، ولا يكون شريكه إلا بما يعقدان الشركة عليه، ولا يشترط تساوي المال. ويرى الحنابلة المفاوضة أن يشتركا في جميع أنواع الشركات، مثل أن يجمعها بين شركة العنان والأبدان والوجوه وذهب الشافعية إلى إبطالها.

المضاربة : هي أن يدفع الرجل ماله إلى من يتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

المزارعة : هي أن يدفع الرجل أرضه إلى من يزرعها على أن يكون الزرع بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

المساقاة : هي أن يدفع الرجل شجره إلى من يسقيه ويقوم عليه على أن يكون الثمر بينهما على حسب ما يتفقان عليه.

الأرض الزراعية

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه“.

على صاحب الأرض الزراعية أن يزرعها بنفسه، فإن لم يتمكن … فيعيرها من يقدر على زراعتها دون مقابل، أو أن يدفعها إلى من يزرعها بآلته وبذره وحيوانه على أن يكون له جزء معلوم مما يخرج منها. واشترط البعض في هذه المعاملة أن يقدم صاحب الأرض البذر أو الآلة.

أما عن تأجير الأرض الزراعية … فقد منع البعض تأجيرها بجعل ثابت، استناداً إلى نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض. وتعود العلة في المنع إلى أن عقد الإجارة هو عقد تبادل منفعة معروفة بمال معلوم، فالذي يستأجر البيت سوف ينتفع بسكناه ويستطيع رؤية الدار فتتضح المنفعة التى سوف يستفيد منها خلال مدة العقد، أما الأرض الزراعية … فقد يستأجرها المزارع، ويزرعها ويقوم عليها بقصد أن يحصل على منفعتها وهو الزرع، وقد يحصل الزرع وقد لا يحصل؛ فالمعقود عليه هو منفعة الأرض، ويشترط فيه أن يكون مقدور الاستيفاء حقيقة.

وتختلف منفعة الأرض أيضاً عن منفعة سكنى الدار، فمنفعة الأرض المرادة هي في الحصول على نتاجها وليس في زرعها، وقد تتحقق بالعمل والإنفاق عليها، وقد لا تتحقق بهما؛ فقد يقوم عليها المستأجر بماله وجهده ولا تتحقق لآفة تصيب الزرع أو أن لا يسقط مطر ولا يصلها ماء الري. بينما تتحقق منفعة الدار دون عمل، وتتحقق منفعة الآلة بالعمل، وإن لم تتحققا لعيب منهما فلا تجوز الأجرة.

وحيث أن الزراعة تحتاج المال والعمل والأرض؛ والعوض مجهول … كان من العدل اشتراك مالك الأرض والمزارع فيما يرزق الله، وهذا أولى من أن يفوز صاحب الأرض بالأجر دون أن ينتفع بها المستأجر إن لم يصلح زرعها، وفي الحديث الشريف في وضع الجوائح ما يرجح هذا ”أرأيتم إذا منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ وفي رواية أخرى : بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟“.

والعلة الأخرى أن الأرض مال لا يستهلك ولا ينقص؛ أي إنه مضمون بطيبعته ولا يطيب ربحه اتباعاً لقاعدة الغنم بالغرم؛ وفقاً للحديث الشريف الخَراج بالضمان. والقول إن صاحبها قد دفع فيها مالاً جمعه بجهده وعمله، وإنها حزمة منافع مثلها مثل الدار والآلة، يستفاد من منافعها على مر الزمان، فالآلة والدار يستهلكان وينقصان باستهلاك منافعهما، بينما تبقى الأرض على حالها، وما دفعه في شرائها باق فيها ويستعيده حين يبيعها، وله الربح إن باع بأكثر، وعليه الوضيعة إن باع بأقل، وبينما هي في ملكه يدخل عليه جزءاً من محصولها الذي ساهم فيه بالبذر أو غيره من نفقاتها.

وجاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ. وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمُحاقلة. قال والمُحاقَلة كِراءُ الأرض.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي ص 244، 245: ”إذا قلنا إن رأس المال هو مجموع مدخر من مجهودات سابقة في صورة مادية قصد استغلالها في استثمار لاحق، فإن الإسلام يبيح هذا التملك ما دام المستمثر يبذل عملاً أو يتحمل خطراً. والقاعدة الإسلامية في هذا: الغنم بالغرم. ويضيف الدكتور في مكان لاحق: وهذا ينطبق على رجل أدخر مالاً ثم اشترى أرضاً زراعية ولم تسمح له ظروفه باستغلالها بنفسه، هل له أن يكريها أو لا؟ الجواب الذي لا خلاف فيه بالنفي، فكراء الأرض ككراء رأس المال سواء بسواء. ويضيف الدكتور في ص 264 في نفس المرجع وفي معرض المقارنة بين كراء الأرض الزراعية وكراء غيرها فيقول: ما بالنا نسمح لصاحب الدار والآلة أن يؤجر داره وآلته ولا نسمح لصاحب الأرض بمثله، جواب ذلك يسير، فالدار والآلة كلتاهما سلعة استهلاكية وإن كان استهلاكهما طويل المدى، وسيأتي وقت بَعُدَ أم قَصُرَ يصبحان فيه أثراً بعد عين. واستغلالهما هو دون شك استغلال لمنفعتهما؛ يستلزم بحكم الضرورة استهلاكاً للعين ذاتها، وصاحب الآلة والمنزل عليه دواماً أن يعمل على صيانتهما وترميمهما وحفظها من التلف الذي لا يمكن تلافيه كلية سواء استعملا أم أهملا.

ذلك أن طبيعة الأشياء الاستهلاكية أن تفنى باستعمالها، فمالكها مجبر على اقتضاء ثمنها (أو اقتضاء ثمن منفعتها حالة تأجيرها) وإلا استهلكت فاستهلك رأس المال المستغل فيها دون مقابل للجهد المبذول في إنشائها أو صناعتها، وبعبارة أخرى … مثل هذه السلع الإستهلاكية إنما تصنع أو تنشأ حتى يستفيد صاحبها من استثمار عمله فيها، وظاهر أن وضع الأرض مخالف تماماً لمثل هذه السلع، فهي ليست إستهلاكية، ولا تفنى بحكم الاستغلال والاستثمار كما أنها ليست (أو على الأقل ليس أغلبها) من عمل الناس وإنشائهم ولكنها كما سبق القول من عمل الطبيعة ومواهب الخالق تبارك وتعالى. هنا يعرض سؤال آخر : إذ لو قلنا بهذا فما حكم مالك الدار أو الآلة الذي يَرْتَزق من تأجير آلته أو داره ويقوم بعمل آخر؟ هذا عندنا رزق حلال؛ إذ هو أجر لاحق لعمل سابق، وهذا الأجر لن يستمر أبداً بل سينتهى بانتهاء الدار أو الآلة، وحينئذ عليه أن يعمل من جديد ليبني داراً أخرى أو يصنع آلة ثانية، وقياس هذا الوضع بصاحب الأرض بيِّن الخلاف“.

أما من لم يمنع تأجير الأرض إستناداً على الحديث الشريف عن رافع بن خديج – فإما بالذهب والورق فلا بأس – فقد اشترط شروطاً يقدمها المالك مع الأرض كتوفير المياه وغيرها من الشروط التي تقدم منفعة إضافية، أو اشتراط أَلاَّ تدفع الأجرة إلا عند تحقيق المنفعة، أو ربط حق استيفاء الأجرة بسقوط المطر.

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 30، ص257) : ”وسئل رحمه الله عمن استأجر أرضاً، فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع. هل توضع الجائحة؟ فأجاب : إما إذا استأجر أرضا للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق العلماء، بل إن تعطلت بطلت الإجارة بلا فسخ في الأظهر. وأما إذا نقصت المنفعة، فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة، نص على هذا أحمد بن حنبل وغيره، فيقال كم أجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد؟ فيقال ألف درهم. ويقال كم أجرتها مع نقص المطر هذا النقص؟ فيقال خمسمائة درهم. فيحط عن المستأجر نصف الأجرة المسماة، فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل التمكن من استيفائها، فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه“.

ولو افترضنا صحة إكراء الأرض بجعل ثابت … فإن عقد الإجارة هو عقد بيع منفعة معروفة، مقدورة الاستيفاء حقيقة، ويشترط القدرة على تسليم العين مع اشتمالها على المنفعة، والمنفعة هي ما تطلب العين من أجلها، ومنفعة الأرض الزراعية تتمثل في قدرتها الإنباتية، تلك الخاصية التي أودعها لله فيها، ولهذا طلبها الناس؛ فالمباع هنا هو هذه الخاصية ولا يظهر أثرها إلا بصلاح الزرع، ومتى تحقق شروط استيفاء المنفعة وجب الأجر، ولكن هذه المنفعة مجهولة القدر وقت التعاقد، وقد تنبت الأرض محصولاً وافراً أو أقل من ذلك، لهذا … فمن العدل أن يكون الأجر أو ثمن المنفعة متناسباً مع قدر استيفاء هذه المنفعة ولا يكون هذا إلا أن يكون الأجر جزءاً شائعاً مما تنبته، وهذه هي المزارعة.

وإن قيل إن الآفة التي تصيب الزرع لا علاقة لها بخاصية الأرض الإنباتية فالنبات قد ظهر قبل حدوث الآفة … فإن خاصية الإنبات والآفة والريح المدمرة كلها من عند الله سبحانه وتعالى، والخَراج بالضَّمان فصاحب الأرض له من خراجها بضمانه منفعة الإنبات، ولا يستفاد من هذه الخاصية إلا بصلاح الزرع، والمستأجر أو المزارع لا يضمن العين المستأجرة – الأرض شاملة منفعتها – والتي دفع بها صاحبها مزارعة … إلا بما أتلفت يده أو إذا تعدى، والتعدي هنا يكون في عدم زرعها أو إهمالها مما يؤدي إلى تلف الزرع أو أن يتعمد إتلافه … فإن تعدى يكون عليه ضمان ما أتلف وهو قيمة المنفعة وتحسب بنصيب صاحب الأرض في مزارعة مثلها، وعليه إصلاح الأرض إن أصابها ضرر.

المــزارعــة

معنى المزارعة في اللغة هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ومعناها هنا هو إعطاء الأرض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب بجزء شائع، مما يخرج منها كالنصف أو الثلث أو وفق ما يتفقان عليه.

والمزارعة هي نوع من التعاون بين المزارع وصاحب الأرض بقصد الكسب لهما، فقد يكون المزارع ماهراً في الزراعة وهو لا يملك أرضاً، وقد يكون مالك الأرض عاجزاً عن زراعتها، فشرعها الإسلام لما تعود به بالنفع على الطرفين وعلى المجتمع ككل. وهي مشاركة بين الطرفين في النماء الحاصل بالعمل.

وقال محمد الباقر بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا ويزرعون على الثلث والربع. ويستدل من هذا انتشار المزارعة في المدينة. وزارع على رضى الله عنه وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين. رواه البخاري.

ويشترط أن يكون نصيب كل طرف غير معين بمقدار أو بجزء معين من مساحة الأرض أو بنوع مما تنتجه لو اختلف نتاجها، بل يكون نصيب كل طرف جزء مما تنتجه الأرض فيتساويا في النوع والجودة وغيرهما مما قد يختلف فيه الزرع أو الثمار، فيأخذ كل منهما نصيبه الذي اتفق عليه. وقد اشترط هذا لضمان عدالة توزيع منافع هذه المعاملة … فإن اشترط جزء معين من الأرض لأحدهما … فقد يسلم الزرع في هذا الجزء، ويهلك في الجزء الآخر فيظفر بالثمر والزرع من اشترط له، ولا ينال الآخر شيئاً، وتكون المزارعة في هذه الحالة فاسدة لما فيها من الغرر والجهالة، ولأنها تؤدي إلى النزاع والشقاق.

وقد ذكر البخاري في صحيحه : أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عامل الناس على : إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشَّطر (النصف)، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا.

حديث جابر : عن الأوزاعي عن عطاء بن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن أبى فليمسك أرضه.

(البخاري)

أحاديث رافع بن خديج : روى البخاري عن رافع ابن خديج قال : كنا أكثر أهل الأرض – أي المدينة – مزروعاً، كنا نكري الأرض بالناحية منا تسمى لسيد الأرض، فربما يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا.

وروى مسلم عن رافع بن خديج قال : إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله بما على الماذيانات – ما ينبت على حافة النهر ومسايل الماء وإقبال الجداول – أوائل السواقي وأشياء من الزرع. فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كرى إلا هذا فلذلك زجر عنه.

وروى البخاري عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما تصنعون بمحاقلكم (مزارعكم)؟ قالوا نؤجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال : لا تفعلوا – ومعنى هذا أنهم كانوا يحددون لهم مكيلاً معيناً يأخذونه من فوق الرؤوس – كما يقال – ثم يقتسمون الباقي مع المزارعين على الربع.

وعن البخاري عن أن رافع بن خديج قال لابن عمر حين سأله ابن عمر وكان يكري مزارعة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. فقلت : بالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس. رواه الخمسة إلا الترمذي. وفي لفظ آخر : فأما بشئ معلوم مضمون فلا بأس.

والحديث المسند إلى رافع بن خديج في كراء الأرض بالذهب والفضة يبطله ما ورد عن عيسي بن سهل بن رافع انه قال : إني يتيم في حجر جدي رافع بن خديج وحججت معه، فجاء أخي عمران بن سهل قال : أكرينا أرضنا فلانة بمائتي درهم. فقال : دعه فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي ص 254 : ”وقد جاء في كتب الحديث الصحيحة ما لا يدع مجالاً للشك في أنها جميعاً تحرم كراء الأرض لا بذهب ولا بفضة ولا بغير ذلك. وقد فصل ابن حزم في المحلى هذا البحث وأورد كثيراً من الروايات التي تبطل ما أسند إلى رافع بن خديج قوله : فأما بالذهب والورق فلم ينهنا“.

وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف رضى الله عنهم. فكان طاووس فقيه اليمن والتابعي الجليل يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالربع والثلث بأساً. ولما احتج عليه بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض؛ قال: قدم علينا معاذ بن جبل – مبعوث رسول الله إلي اليمن – فأعطى الأرض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم. (فكأنه يرى الكراء المنهي عنه هو الكراء بالذهب والفضة أما المزارعة فلا بأس) – وقد روي مثل هذا عن محمد بن سيرين وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنهما كانا لا يريان بأساً أن يعطي أرضه على أن يعطيه الثلث أو الربع أو العشر، ولا يكون عليه من النفقة شيء. (كما ورد في كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي).

المُســـاقاة

وهي دفع الشجر المثمر لمن يقوم بسقيه ويتعهده حتى يبلغ تمام نضجه نظير جزء معلوم من ثمره. فهي مشاركة بين صاحب الشجر والمساقي يكون فيها الشجر من جانب والعمل فيه من جانب، والثمرة الحاصلة مشتركة بينهما بنسبة وفق ما يتفقان عليه كالنصف والثلث ونحو ذلك.

وقد اتفق الفقهاء على جوازها للحاجة إليها، ما عدا أبى حنيفة الذي رأى أنها لا تجوز.

وفي نيل الأوطار : قال الحازمي : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلي وابن شهاب الزهري، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، فقالوا : تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع. قالوا : ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين، فتساقيه على النخل وتزارعه على الأرض كما جرى في خيبر.

ويشترط في عقدها ما يشترط في العقود، وصيغتها الإيجاب والقبول. ويشترط فيها أيضاً أن يكون الشجر المساقي عليه معلوماً، وأن تكون مدتها معلومة ولو انتهت مدتها قبل نضج الثمار … تترك للمُساقي إلى أن تنضح، وأن يكون العقد قبل بدء الصلاح، وأن يكون للمساقي جزء معلوم مشاع من الثمر كالنصف والثلث.

وتفسد المساقاة متى فقد شرط من هذه الشروط، فإن كان قد مضى فيها المساقي ونما الشجر بعمله فله أجر مثله، ونَماء الشجر لمالكه.

وجاء في بداية المجتهد: ”واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط – أي صاحب الشجر – وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لأنها إجارة بما لم يخلق“.

وما يقوم به المساقي من عمل كما جاء عن النووي: ”إن عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر، واستزادته مما يتكرر كل سنة، كالسقي وتنقية الأنهار وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنحية الحشيش والقضبان عنه وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك“.

وقال مالك : ”إذا عجز العامل وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره، ووجب عليه أن يستأجر من يعمل. وإن لم يكن له شئ استؤجر من نصيبه من الثمر“.

وقال الشافعي تنفسخ المساقاة بالعجز.

وإذا مات أحد المتعاقدين … يستمر العمل في الشجر، الذي لم يبد صلاحه، حتى ينضج.

 

معاملة الأنصار والمهاجرين:

روي البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنهما إن الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال : لا. فقالوا – أي قالت الأنصار للمهاجرين – تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا : سمعنا وأطعنا؛ أي إن الأنصار أرادوا أن يشركوا معهم المهاجرين في النخيل؛ فعرضوا ذلك على رسول الله ” فأبى فعرضوا أن يتولى المهاجرين المؤونة ولهم الشطر من الثمر فأجابهم.

ومن الصعب القياس على هذه المعاملة لظروفها الخاصة، وكونها لاحقةً للعرض الأول، وهو أن يَهِبَ الأنصار بعض نخلهم للمهاجرين. والمنح قد جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه. والقصد هنا – والله أعلم – أن تُعَارَ الأرض لا أن تملك، وأن يكون صاحبها غير قادر أو غير راغب في زرعها، وأن من تعطى له قادر على زراعتها. ولم تكن لدى المهاجرون خبرة الزراعة، فأبقى الرسول صلى الله عليه وسلم الأرض على ملك أصحابها من الأنصار، ونتج عن هذا أن تعلم المهاجرين حرفة الزراعة وانتفع الجميع بما يخرج من الأرض.

يهود خيبر:

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشَطْر ما يخرج منها من زرع أو ثمر.

ومن الروايات الأخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم دفع أرض خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم، بشَطْر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

وقد روي عن مالك مرسلاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لليهود: أقركم ما أقركم الله.

وروي عن هشيم أخبرنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : ”دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر – أرضها ونخلها – إلى أهلها مقاسمة على النصف“.

وجاء فى المغنى لابن قدامة (جزء5 ص 384): ”هذا أمر مشهور عمل به رسول اللهصلى الله عليه وسلم  حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدين حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق فى المدينة أهل بيت إلا عمل به. وعمل به أزواج النبى صلى الله عليه وسلم من بعده … ومثل هذا مما لا يجوز أن ينسخ، لأن النسخ إنما يكون فى حياة رسول الله صلعم  فإما شئ عمل به إلى أن مات، ثم عمل به خلفاؤه بعده وأجمعت الصحابة – رضوان الله عليهم – عليه، وعملوا به ولم يخالف فيه منهم أحد. فكيف يجوز نسخه؟ فإن كان نسخه فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فكيف عمل به بعد نسخه؟ وكيف خفى نسخه فلم يبلغ خلفاءه مع إشتهار قصة خيبر وعملهم فيها؟ فأين كان راوى النسخ حتى لم يذكروه ولم يخبرهم به“.

واعتمد الفقهاء على معاملة خيبر فيما اعتمدوا عليه فى جواز المزارعة، بينما اعتبرها بعض الفقهاء شاذة عن القاعدة؛ لأن أرض خيبر هى أرض فيء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن هزمهم، قبل رجاءهم بأن يبقيهم، يعملون فى الأرض ويشاطرهم نصف ما يخرج منها. وهذه المعاملة لم تتوفر فيها إرادة أحد الطرفين الحرة، وعليه … فلا يجوز عندهم التشريع على أساسها، وهذا صحيح إلا أن ما عمل به الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم من مزارعة صحيح أيضاً، ولا ينطبق شذوذ معاملة يهود خيبر على المزارعات الأخرى التى عمل بها.

ولهذا فمعاملة خيبر وغيرها من المزارعات، يقاس عليهم بجواز المزارعة والمساقاة، ولأن هذه المعاملات من المشاركات مثل المضاربة ولا يشوبها ما يؤدى إلى أكل المال بالباطل أو ربا أو غَرر، أو ظلم لأى من المتعاقدين.

ويقول ابن تيمية فى مجموع الفتاوَى (جزء30 ص 226): ”إن المزارعة على الأرض كالمساقاة على الشجر، وكلاهما جائز عند فقهاء الحديث كالإمام أحمد وغيره، مثل ابن خزيمة وابن المنذر وعند ابن أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد وعند الليث ابن سعد وغيرهم من الأئمة جائزة، كما دل على جواز المزارعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع أصحابه من بعده، والذين نهوا عنها ظنوا أنها من باب الإجارة، فتكون إجارة بعوض مجهول وذلك لا يجوز“.

ويضيف فى صفحة 356: ”ومن تدبر الأصول تبين له أن المساقاة والمزارعة والمضاربة أقرب إلى العدل من المؤاجرة، فإن المؤاجرة مخاطرة والمستأجر قد ينتفع وقد لا ينتفع بخلاف المساقاة والمزارعة فإنهما يشتركان فى الغنم والغرم، فليس فيها من المخاطرة من أحد الجانبين ما فى المؤاجرة“.

ويقول ابن تيمية فى مجموع الفتاوى (جزء29 ص94): ”وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم، كأحمد بن حنبل وأصحابه كلهم من المتقدمين والمتأخرين، وإسحاق بن راهوية وأبى بكر بن أبي شيبة وسليمان بن داوود وأبى خيثمة زهير بن حرب، وأكثر فقهاء الكوفة كسفيان الثورى ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى وأبى يوسف ومحمد صاحبى أبى حنيفة، والبخاري صاحب الصحيح، وأبى داوود وجماهير فقهاء الحديث من المتأخرين، كابن المنذر وابن خزيمة والخطابي وغيرهم، وأهل الظاهر وأكثر أصحاب أبى حنيفة إلى جواز المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف“.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

الربــــا

الربا هو الزيادة المشروطة في الدين مقابل الأجل، وهو الزيادة التي لا يقابلها عوض، يقول الإمام ابن المنذر : ”أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا“.

والقاعدة الشرعية أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا.

روى الإمام مالك في الموطأ ”أن رجلاً أتى ابن عمر فقال : أنى أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه أفضل مما أسلفته. فقال ابن عمر : فذلك من الربا“.

وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: ”الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل زيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به“.

ويقول الجصاص أيضاً في أحكام القرآن : ”أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلاً من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه وقال: وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم“.

وقال الإمام مالك رضي الله عنه: ”لقد تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئاً أشر من الربا لأن الله تعالى أذن فيه بالحرب“.

وربا النَّسيئة، وربا الجاهلية، وربا الديون والربا الجلي … كلها أسماء لشئ واحد … هم الزيادة المشروطة في الدين الحال لقاء الأجل سواء أكان هذا الدين قرضاً أم ديناً مترتباً في الذمة نتيجة معاملة أخرى. والنسيئة هي التأجيل والتأخير وهذا الربا محرم بالقرآن والسنة وإجماع الأئمة.

والربا هو زيادة مشروطة – أي محددة معلومة تتزايد نظير الأجل – في دين والدين والزيادة مضمونان.

أما الربح … فهو زيادة – غير مشروطة وغير مضمونة وغير معلومة مسبقاً – تنتج عن العمل في رأس مال مخاطر لا ضمان فيه ولا في ربحه.

وهناك نوع آخر من الربا : وهو ربا البيوع أو ربا الفضل وهو بيع ربِوَي بمثله مع الزيادة في أحد المثلين، ومنه ربا النساء ويقع في البيوع عند عدم التقابض في البدلين ووجود فاصل زمني بينهما. وهذا محرم في السنة والإجماع ويدخل في عموم لفظ القرآن.

وتنشر مجلة الاقتصاد الإسلامي – في صفحة 2 من كل أعدادها – مايتضمن ما يلي:

”يعتبر ربا – بناء على ما استقر عليه رأي الفقهاء وأوضحته المنشورات التي أصدرها الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية – مستفيضة وموجزة – كل فائدة محددة سلفاً قبل الإقراض أو الإيداع منسوبة إلى رأس المال أو الزمن، يحصل عليها صاحب رأس المال دون مشاركة منه في العمل أو في المخاطرة بتحمل مسئولياته في احتمالات الربح والخسارة أُسْوة بعناصر الإنتاج الأخرى“.

وجاء في كتاب التدابير الواقية من الربا للدكتور فضل الهي صفحة 28 : ”إن انتشار ربا القروض لم يكن في الجاهلية فحسب، بل هو النوع المنتشر الآن، والمستعمل في البنوك والمصارف، وهو السبب الرئيسي لكثير من المشاكل الاقتصادية العالمية اليوم“.

تحريم الحيل:

يقول الدكتور فضل الهي في نفس المرجع السابق ص 117: ”يتعامل بعض الناس بالمعاملات الربوية، لكنهم يسمونها بغير أسمها، ويظهرون غيرها ما يبطونون، يحاولون عبثاً الاحتيال على الله العليم الخبير كما يقول أيوب السختياني: يخادعون الله كأنهم يخادعون آدمياً، لو أتوا الأمر عياناً كان أهون علي“.

وقد ضَيَّق الإسلام النِّطاق على هؤلاء المحتالين، فحرَّم رسول الله ” الحيل، حيث يقول : ”لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل“.

ويضيف في صفحة 125: يحاول المحتالون – بعقد العقود الربوية بصيغ العقود المشروعة – يحاولون في زعمهم مخادعة الله تعالى والمؤمنين، يخالفون أوامر الله تعالى ويظهرون أنهم مطيعون لها، يستهزئون بآيات الله تعالى ويظهرون أنهم ملتزمون بها، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هذا خداع لله، واستهزاء بآيات الله، وتلاعب بحدود الله.

وجاء في نفس المرجع عن ابن تيمية (إغاثة اللهفان لابن القيم (جزء 1 ص 350): ”إن باب الحيل المحرمة مداره على تسمية الشئ بغير أسمه، وعلى تغيير صورته مع بقاء حقيقته، فمداره على تغيير الإسم مع بقاء المسمى، وتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة“.

وفي مقال نشر في مجلة البنوك الإسلامية عدد 52 الصادر في فبراير 1987 جاء في صفحة 10 ما يلى، فيما قاله بعض المشاركين في المؤتمر العام الأول للبنوك الإسلامية الذي عقد في اسطنبول في أكتوبر 1986 : ”يتهم البعض البنوك الإسلامية بأنها تستخدم أحياناً نفس أساليب البنوك التقليدية مع تغيير المسميات“.

فيقول – أي الدكتور محمد هاشم عوض أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم ورئيس مجلس إدارة أحد البنوك الإسلامية الكبرى في السودان – : ”أعتقد أن هذا الاتهام فيه ظلم للبنوك الإسلامية، فمثلاً نظام المشاركة نظام إسلامي بحت. وفيه تتعرض البنوك الإسلامية للربح والخسارة في آن واحد. ومعروف أن البنوك الإسلامية لا تطالب بأي ضمانات ضد الخسارة ولو أنها تطالب بضمانات ضد التهرب من السداد. أما البنوك الربوية فتصر على ألا تخسر وأن تتلقى فوائد سواء ربح العميل أو خسر، وإذا خسر تستولي على الضمان حماية لأموالها، وفي هذا فرق كبير بين الاثنين“.

تكييف العقد الربوي ليكتسب شرعيته الإسلامية:

أما عن تكييف العقد الربوي ليكتسب شرعيته الإسلامية، فالشرط الربوي باطل والعقد صحيح، كما جاء في مجلة البنوك الإسلامية عدد 50 ص 41 – من بحوث القسم الشرعي بالإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية – أكتوبر 1986:

”أما الحنفية فيرون أن عقود الربا فاسدة لا باطلة، والباطل عندهم ما كان غير مشروع بأصله والفساد ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه وهذا النوع الأخير إذا زال عنه الوصف الفاسد أصبح مشروعاً بعد أن يزول عنه الوصف. والمقرر عندهم أن عقود الربا فاسدة بوصفها لا بأصلها لأن البيع أو الدين حلال في الأصل؛ والربا أمر طارئ عليهما فإذا زالت الزياردة الربوية بقى العقد مشروعاً، ورأي الحنفية أدق في الصناعة الفقهية وأعمق نظراً وأنسب لاستقرار التعامل، وهذا الرأي ما تؤيده الآيات الكريمة بقوله تعالى: وإن )وإن تبتم فكلم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون(. قوله: )يأيها الذين آمنوا أتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين(. وإذن فالنهي بصريح هاتين الآيتين يتوجه إلى الزيادة الربوية دون السبب الذي نشأت عنه، وتكون وحدها الباطلة عملاً بالنهي أما العقد الذي نشأت عنه فيظل خارج دائرة النهي سليماً من النقض والإبطال. فالذي يبطل هو شرط الربا بمفرده دون العقد الأصلي“.

 

 *****

نُبذة عن الجهود الذى بذلت فى النصف الثاني من القرن الميلادي الحالي لتحريم الفوائد البنكية الربوية، والتى أدت إلى وضع القواعد؛ لإعادة بناء النظام الاقتصادي الإسلامي:

صدرت في النصف الأول من هذا القرن فتاوي تحرم فوائد البنوك الربوية منها ما صدر عن دار الإفتاء للمرحوم الشيخ بكري الصدفي في عام 1325 هـ، وفتوي المرحوم الشيخ عبد المجيد سليم.

أما في النصف الثاني … فمنها ما صدر عن مجمع البحوث عن المرحوم الشيخ محمود شلتوت. وفي سنة 1951 … عقد مؤتمر الفقه الإسلامي في باريس ونوقش فيه الربا ورأى بعض المشتركين أن جميع أنواع الربا محرمة تحريماً قاطعاً.

وأنشأ في مصر في عام 1963 بنك الإدخار المحلي بميت غمر على أساس الالتزام بالمبادئ الأساسية للاقتصاد الإسلامي، وانتهت التجربة الرائدة بعد ثلاث سنوات بالرغم من نجاحها. ثم اجتمع فقهاء خمس وثلاثين دولة إسلامية في القاهرة في مايو عام 1965، وصدر عنهم بالإجماع قرار مجمع البحوث الإسلامية، والذي نصَّ على أن الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي. فإن الحسابات البنكية ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة.

وفي عام 1976 … أنشأت جامعة أم درمان الإسلامية أول قسم للاقتصاد الإسلامي في العالم، ثم طرحت فكرة إنشاء مصرف إسلامي دولي في مؤتمر ووزراء الخارجية الإسلامي في عام 1972، ووقعت إتفاقية إنشاء البنك الإسلامي للتنمية في عام 1975.

وأنشئ بنك دبي الإسلامي في 12 مارس عام 1975، ثم بنك التنمية الإسلامي في نفس العام، والذي افتتح في 20 أكتوبر، وأعيد تأكيد الفتوى والاجماع في عام 1976 في المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي في جدة، تبعته مؤتمرات عديدة، خرج فيها النقاش عن حدود تحريم الربا إلى التطبيقات العملية والوسائل والمعاملات التي تتعامل بها البنوك الإسلامية، وصور العقود المختلفة، وغيرها من شؤون الإقتصاد الإسلامي المعاصر.

ثم تتابعت البنوك الإسلامية بدءاً ببيت التمويل الكويتي وبنك فيصل الإسلامي السوداني ثم بنك فيصل الإسلامي المصري في عام 1977 حتى جاوزت الخمسين بنكاً ومؤسسة في عام 1986.

وتجدر الإشارة هنا إلى جهود الدكتور أحمد النجار في حمل فكرة البنك الإسلامي من مصر إلى السودان ثم إلى المملكة العربية السعودية، وإلى فضل كل العلماء والفقهاء، الذين حملوا هذه الرسالة، ودافعوا عنها وأسسوا لها بالبحث والتشريع والتخطيط، وإلى فضل الذين شاركوا في المؤتمرات الإسلامية التى انبثقت في العواصم الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، حتى تبنى الفكرة المغفور له الملك الصالح فيصل بن عبد العزيز آل سعود، رحمه الله تعالى، وطيَّب مثواه، فبذل لها الجهد والدعم، حتى أذن الله تعالى بخروج البنك الإسلامي للتنمية؛ ملتزماً بأحكام الشريعة، ثم كان للأمير محمد الفيصل دور كبير وفعال فى دعم مسيرة البنوك الإسلامية، وإنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، وحتى تم – بجهوده النبيلة – عقد الاجتماع الأول للهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية، للاتحاد الدولى للبنوك الإسلامية فى جدة فى 3 يناير 1989.

أهداف البنوك والمؤسسات الإسلامية:

نشأت البنوك والمؤسسات الإسلامية لتوفر الأقنية الإستثمارية الشرعية للمسلمين، بعيداً عن الربا الذي تتعامل به البنوك التقليدية، وجاء في الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية – الجزء السادس 1982 – الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية – الدكتور سيد الهواري – ما يلي:

جاء في مقاصد البنوك الإسلامية ص 143: ”لم تنشأ البنوك الإسلامية لملاكها ولأصحاب حملة الأسهم، فهي – أي البنوك الإسلامية – لا تتعامل بل لا يجوز – وفقاً للأحكام القطعية للشريعة الإسلامية – التعامل بالفائدة أخذا أو عطاء. وبالتالي … لا يجوز لها المتاجرة على الملكية بمعنى : تحقق فائض لحساب الملاك فقط على اعتبار أن الأموال المملوكة اختلطت مع الودائع الإستثمارية لتحقق فائضاً، فإذا توسعنا في المفهوم فإننا نقول: إنه يجب ألا يكون تحقيق هذا الفائض على حساب العملاء طالبي التمويل والمشاركات، فالأموال المملوكة عهدة لدى البنك الإسلامي لعمارة الأرض، ولذلك … فإن البنك الإسلامي لا يجوز أن يغفل عن أن جزءاً من أهدافه يدور حول طالبي التمويل بالمشاركة بمعنى أنه لا يضع حصة مشاركة مرتفعة، ولذلك … فإن مفهوم معدل الربح يصبح مرتبطاً ليس فقط بتعظيم رفاهية الملاك وأصحاب ودائع الإستثمار، بل وبطالبي التمويل والمشاركة أيضاً“.

وفي صفحة 151 : ”من أهداف البنك الإسلامي: الالتزام الشرعي : ابتكار أوعية جديدة لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، أو تكييف المعاملات الحالية، وكذلك عدم الوقوع في مخالفات شرعية أو شبهات شرعية، وتصحيح الأخطاء فور وقوعها، وعمل الضمانات التي تمنع من حدوث ذلك مستقبلاً“.

وجاء في ص 153 تحت عنوان : ملحق نموذجي لبنك إسلامي من واقع الأهداف – ونورد الجزء الأول منه:

شـعـارنـا

”نحن نؤمن بأن مسئوليتنا الأولى والأساسية نحو الله سبحانه وتعالى. أن نلتزم الحلال، ونبتعد عن الحرام، ونتجنب الشبهات.

نبتكر أوعية وأشاكالاً جديدة للمعاملات الإسلامية، لا تتعارض مع الشريعة، نخاف الله في كل تصرفاتنا، ولا نأكل أموال الناس بالباطل …“.

عن دور أجهزة الرقابة الشرعية:

جاء في مقال تقويم مسيرة البنوك الإسلامية، دكتور جمال الدين عطية، مجلة البنوك الإسلامية العدد 65 ص 23 – 32 (كتاب الأمة للدكتور جمال الدين عطية) : ”يقتصر الإشراف الشرعي – حالياً – في معظم البنوك الإسلامية على الوظيفة الإفتائية، يسأل فيجيب دون القيام بأي دور إيجابي في تخطيط ومراقبة الجانب الشرعي … ويضيف الدكتور: ويبقى أن تؤدي العناصر الشرعية دورها في الرقابة بصورة كاملة وليس بصورة الإفتاء، إذا استفتيت أو فحص عينات. ولعل أنسب الصور التي طبقت بالفعل طريقة الرقابة الكاملة؛ هي بصورة بنك التضامن الإسلامي في السودان؛ حيث تفرعت إدارة الفتوى ضمن جهاز البنك، وقامت بالتغلغل في جميع مراحل كل عملية قبل بدئها، وحتى نهاية تنفيذها (يراجع كتاب الأمة 13، ص 68 – 74)“.

عن عقد المرابحة:

دور البنوك الإسلامية، من نص محاضرة للدكتور أحمد النجار – مجلة البنوك الإسلامية العدد 70 ص 31-37 : ”ومن أمثلة ذلك بيوع المرابحة، التي كادت بعض البنوك الإسلامية تقصر نشاطها عليها، والتي لا تمثل في تصوري – بالنسبة لفلسفة النظام الاقتصادي الإسلامي – سوى وسيلة محدودة وسيئة، بل وتافهة إذا ما قورنت بأسلوب المشاركة الذي يعتبر الجوهر الأساسي لفلسفة عمل ونظام البنوك الإسلامية؛ حيث أن مقاصد النظام الاقتصادي الإسلامي لا تتحقق بأسلوب المرابحة، بل قد تكون هذه الوسيلة من وسائل التمويل مدعاة وذريعة لممارسات خاطئة تسيء إلى الفكر الاقتصادي الإسلامي“.

أهمية البنوك والمؤسسات الإسلامية:

لا يوجد أدنى شك في أن البنوك والمؤسسات التجارية التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية هي القاعدة الوحيدة التي منها يخرج النظام الاقتصادي الإسلامي من حيز الدراسات والنظريات إلى حيز الوجود الفعلي، والطريق إلى هذا الهدف السامي مازالت في بدايتها، والهدف له من الأهمية ما تهون أمامه المصاعب، وتتضاءل أهمية الأخطاء. وليس لهذه الأمة من سبيل آخر غيره، ولهذا … فلا بد من التوقف كل حين – ولو لبرهة قصيرة – لنحاسب أنفسنا ونصحح المسيرة، وندعمها بكل ما نملكه من طاقة وعزم؛ حتى يلمس كل فرد في هذه الأمة منافع هذا النظام وخيراته.

ولا يحتاج هذا النظام إلى قوانين تحميه من منافسة النظم الاقتصادية الأخرى … فإنه قادر على ذلك وحده؛ لأنه أفضل منها وأقدر منها على توفير العدل بين الناس في تعاملهم، وأقدر منها على تدوير عجلة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الأرباح. ولا يحتاج هذا النظام سوى صدق التطبيق، ولهذا … كان على هذه المؤسسات والبنوك الإسلامية، أن تعمل واضعة ثقتها الكاملة في هذا النظام الاقتصادي الإسلامي وحده، ومن خلال اقتناعها بهذا النظام العملي … سوف تحقق الأرباح لمودعيها فيكون النجاح حليفها.

ولن يكون هناك نظام إسلامي دون بنوك ومؤسسات إسلامية، ولا يمكن أن نأمل في ظهور عظمة هذا النظام إلا عندما يتم تطبيقه فعلاً.

ولا يتم هذا إلا بالتوقف ودراسة كل تجربة على حدة؛ للتحليل ولاستنباط الوسائل، التي من خلالها يتم تصحيح الأخطاء التطبيقية التي قد تكون قد شابتها، يقول الدكتور أحمد النجار في مقاله في مجلة البنوك الإسلامية، العدد 69 – الصادر في نوفمبر 1989 :

”ولما كانت المؤسسات المالية الإسلامية قد بدأت الانتشار في الحقبة الأخيرة ففي تقديري أن أمامنا أحد طريقين:

الطريق الأول: هو أن ننظر بأمانة وموضوعية وتجرد إلى مؤسساتنا المالية الإسلامية القائمة، فنحلل أعمالها، وننفي عنها شوائبها، ونردها إلى الالتزام بأساسيات النموذج الاقتصادي الإسلامي المطلوب. وهذا الطريق في تقديري طويل، وطويل جداً، ونحن في سباق مع الزمن، فضلاً عن أن هذا العمل – في أغلب الظن – غير مقدور عليه عملياً وإجرائياً، وهو – في نفس الوقت – يحتاج إلى صبر طويل، لا تتحمله ظروف العصر ومتغيراته. ومن ثم فإنني لا أميل إلى أن أتجه إلى هذا الطريق.

الطريق الثاني: وهو الذي يعمد رأساً إلى الإفادة؛ مما أصاب التجارب القائمة من خلل وقصور فيتلافاها، مقدماً النموذج الصحيح للمؤسسة المالية الإسلامية، التي تلتزم بأساسيات الفكر الاقتصادي الإسلامي، والمستوفية للشروط الموضوعية اللازمة لسلامة التطبيق، على أن يكون إنشاء عدد من هذه المؤسسات، بمثابة شبكة إنارة، تبث الضوء وتنشره، وتهدي من خلال ممارساتها المؤسسات القائمة فتغيرها أو تجبرها على التعديل والتصحيح“.

<< previous page next page >>

الباب الأول – الفصل الأول

المــال

المال في اللغة هو ما ملكه الإنسان من جميع الأشياء، وسمي مالا لأنه يميل إليه الطبع.

ويعرَّف في الفقة الإسلامي بأنه : كل ما يمكن تملكه مع قابلية الانتفاع به على الوجه المأذون شرعاً عند السعة والاختيار . (منهج الإسلام في المعاملات المالية د. أحمد عثمان).

عَرَّفَه المالكية بأنه ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه. وعرفه الأَحْناف بأنه : ما يميل إليه الطبع، ويمكن إدخاره لوقت الحاجة. وعرفه الحنابلة بأنه هو ما فيه منفعة مباحة لغير صاحبه أو ضرورة. وعرفه الشافعية بأنه ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه، وإن قلت وما يطرحه الناس مثل الفَلَس وما شابه ذلك.

ويشمل كل شئ يمكن تملكه وإن لم يكن مملوكاً بالفعل ، كالأسماك في البحر والماء في الأنهار وغيرها مما يمكن أن يتملك.

وليكون الشئ مالاً يجب أن يكون له نفع، والأشياء التي ينتفع بها الإنسان هي الأعيان والمنافع والحقوق.

والأعيان هي ما لها جرم ومادة كالدار والطعام وغير ذلك، والمنافع هي الفائدة المقصودة من الأعيان كسكنى الدار وركوب السفينة والدابة وغير ذلك، والحقوق هي المصالح المتعلقة بمال.

وذهب الجمهور إلى أن المنفعة مال، لإمكان حيازتها بحيازة أصلها، ولأنها هي المقصودة من العين ، ولولاها ما طلبت العين. أما الحنفية فقالوا إنها ليست بمال لعدم إمكان حيازتها بذاتها ؛ لأنها معدومة ، وإذا وجدت فإنها تفنى شيئاً فشيئاً.

والأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، لأنه يتحقق فيها البذل والمنع، وتحاز تبعاً لحيازة أصلها وهذا يتفق والعرف العام في المعاملات المالية.

وينقسم المال إلى مُتَقَوَّم وهو المال الذي يقر الشارع بملكيته، ويبيح الانتفاع به فى حالة السعة والاختيار ويمكن إحرازه، والذي حِيزَ بالفعل ويُضْمن عند التعدي، وغير المتقوم وهو مالم يحز بالفعل ، ولم يُتملك كالأسماك في البحر، أو حِيزَ وكان غير مباح للمسلم إقتناؤه أو الانتفاع به كالخمر والخنزير، ولا يضمن مُتْلِفه لصاحبه المسلم شيئًا.

وينقسم المال أيضاً إلى عقار ومَنْقول، فالعقار هو الأرض فقط كما ذهب إليه الجمهور عدا المالكية، والمنقول هو كل ما عدا الأرض فيشمل الدور والشجر والحيوان والآلات والحبوب وغيرهم من الأموال. أما المالكية فعرَّفوا العقار بأنه كل ما له أصل ثابت، لا يمكن نقله، وتحويله من مكان إلى آخر مع بقاء هيئته وشكله، كالدار والشجر والأرض. والمنقول عندهم هو ما أمكن نقله من مكان لآخر، مع بقاء حالته وشكله، وكل مستقل بذاته، غير متصل بالأرض اتصال استقرار ودوام.

وينقسم المال أيضاً إلى مِثُّلي وقيمي، والمثلي هو المعين بالنوع، وهو ما له مثل ونظير في الأسواق من غير تفاوت في أجزائه أو وحداته تفاوتًا، يعتد به من كل ما يقدر بالكيل أو الوزن أو العد أو المقاس. والقيمي هو ما ليس له نظير في الأسواق أو ما له نظير ولكن بين وحداته تفاوتًا يعتد به فلا يمكن مقارنته بمثله.

ويمكن تقسيم المال إلى نُقود وعروض، والنقود هي الأشياء التي جرت العادة أن يجعلها الناس وسيطًا للتبادل ومعيارًا ومخزنًا للقيمة ووحدة للقياس، وكان العرب قبل الإسلام يتعاملون بنقود كسرى وقيصر وهي الدراهم والدنانير، وكانت الدراهم نقوداً فضية والدنانير نقوداً ذهبية وكانوا يعبرون أحياناً عن الفضة بالورق وعن الذهب بالعين، وكان الدينار في أول عهد المسلمين يساوي عشرة دراهم، ولما جاء الإسلام أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التعامل، واستمر هذا الوضع حتى ضرب عبد الملك بن مروان دراهم ودنانير على طراز إسلامي في عامي 76 هـ و 77 هـ، وسَكَّ المسلمون في أواخر العهد العباسي بجانب الذهب والفضة نقوداً من معادن أخرى أهمها النحاس ومنها الحبة والدانق وسُمِّيَتِ الفلوس.

أما العروض فهي كل ما هو غير الثمنين – الدراهم والدنانير – من متاع الدنيا. وعرَّفها ابن قدامة في فقه الحنابلة بقوله في المُغْني (جزء 3 ص 58) : ”العَروض، جمع عَرَض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعها، من النبات والحيوان والعقار وسائر المال“.

والملك هو الاختصاص بالشئ، يمنع الغير عنه ، ويمكِّن صاحبه من الانتفاع والتصرف فيه، إلا إذا وجد مانع شرعي يمنعه التصرف كالجنون أو العتْه أو السفه ، والملك قد يكون ملكاً تاماً أو ملكاً ناقصاً . والملك التام هو ما يثبت على عين الشيء ومنفعته معاً بحيث يثبت معه للمالك فيهما جميع الحقوق المشروعة. والملك الناقص هو ما يثبت بتملك العين وحدها دون المنفعة، أو بتملك المنفعة وحدها دون العين.

وتملك المنفعة وحدها هو حق الانتفاع، وقد يتعلق بالمنتفع فيكون حقاً شخصياً له، أو يتعلق بالعين فيمكله كل من ملك العين .

وينقسم الملك أيضاً إلى ملك متميز وهو المتعين والمحدد غير المختلط بملك الغير، وملك غير المتميز وهو الملك الشائع أو المشاع، وهو ما اختلط بملك الغير وشاع فيه دون أن يتعلق بجزء معين مميز . كأن يمتلك عدة أشخاص عمارة دون تقسيمها بينهم.

أسباب التملك :

المال هو مال الله، فهو سبحانه وتعالى الخالق والواهب والوارث، وقد استخلف الناس في الأرض ، وأنعم عليهم بالإسلام ، فجاء الإسلام بالمنهاج الذي يحدد لهم سبل استعمال ما استخلفهم الله فيه ، وشرع ما يكفل لهم ولأموالهم  الحماية، وحق الدفاع عنه، ومنعهم من الاعتداء على أموال وحقوق الغير، وأوجب فيه حق الزكاة والصدقة، وحثهم على انمائه والمحافظة عليه فلا تبذير ولا تقتير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الكسب عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور. رواه أحمد والبزار، ورواه الطبراني عن ابن عمر بسند رواته ثقات.

وقال السبكي في الكفاية : ”أسباب التملك الأساسية : المعاوضات والميراث والهِبات والوصايا والوَقْف والغنيمة والاحياء والصدَّقات“.

والأصل في الحصول على المال وامتلاكه هو العمل، ويكون العمل إما بعمل الرجل في ماله أو لغيره لقاء الأجر، أو عن طريق المشاركة أو المبادلات والمعاوضات، أو بالتحصل على شئ لم يسبقه أحد إليه كإحياء المَوات مثل إصلاح الأراضي البور . ويحصل أيضاً على المال بطريق الانتقال بغير عوض مثل الوصية والميراث والصدقة والوهب والهدية.

ويوجب الإسلام على مالك المال أن يستثمره في الأوجه المشروعة، وألا يكنزه ويعطله، وعليه أن يمتنع عن استعمال ماله – أو ألا يستعمل ماله – على نحو يلحق الضرر بغيره أو بالمجتمع عامة. وحرم على الناس الربا ونهاهم عن الغش والاستغلال والاحتكار والإكراه وكل ما يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل كالربا والميسر والغرر، ونظَّم قواعد المبادلات وعيَّن الواجبات والحقوق وبيَّن الحلال والحرام، وحث على الوفاء بالعقود والأمانة في التعامل.

وربط الإسلام بين فرض الزكاة وتحريم الربا والحث على الاستثمار والنهي عن الاكتناز، فالمال إن كُنز ولم ينمَّي تأكله الزكاة، فكان استثمار المال واجباً على المسلم، والمال لا يلد المال كما هو الحال في النظم الربوية، فلا خَراج إلا بالضمان ، ولا ينمو المال إلا بالعمل أو بالمخاطرة به بدفعه في مجالات العمل ، وكل ربح أو زيادة على مال مضمون ربا.

ووضع الإسلام أسس المعاملات بين الناس، فوضع الميزان ، فتوجَّب تساوي العوض والمعوض في عقود المعاوضات، وتكافئ نصيب الربح مع نسبة المال المشارك به في عقود المشاركات. وأوجب التراضي المبني على العلم، فالتعادل هو أساس المعاملات التجارية في المقام الأول، وعندما يستحيل معرفة التعادل، يؤخذ التراضي المشروع والناتج عن إرادة حرة واعية على أنه تعادل، لأن رضى طرفي المعاوضة المشروعة دليل تعادلها.

جاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 20 ص 353) : ”الكسب الذي هو معاملة الناس نوعان : معاوضة ومشاركة . فالمبايعة والمؤاجرة ونحو ذلك هي المعاوضة. وأما المشاركة فمثل مشاركة العنان وغيرها من المشاركات“.

والسبل الشرعية لاستثمار المال تكون إما في عقود المعاوضات كالبيع والشراء والإجارة والجعالة، أو في المشاركات كالشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة.

<< previous page next page >>