الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

الفصل السابع – المضاربة بالقدرات الممتدة

وصلت المرحلة الأولى من مراحل تطبيق الإقتصاد الأسلامي إلى مفترق الطرق؛ وعلى فقهاء هذه الأمة واجب حتمي وعاجل وفورى؛ يتمثل في تقديم صور المعاملات الشرعية التي يمكن تطبيقها وتعود بالخير على المتعاقدين والمجتمع؛ وليس بين أيدينا من العقود العملية سوى عقود المعاوضات وعقدي المرابحة والمشاركة؛ فهناك بشكل نظري عام المعاملات التي تغطي كل متطلبات التعامل التجاري إلا أن تطبيقاتها العملية تحتاج إلى الدراسة والتطوير لتناسب متطلبات هذا العصر؛ هناك المضاربة إلا أن صورة المضاربة الحالية غير عملية ولهذا فهي لا تمارس إلا فيما ندر؛ أما عقود المبادلات والإجارة بأنواعها فهذه وإن كانت لها أهميتها إلا أنها ليست كل الإقتصاد ولا يبنى عليها اقتصاد أمة ترجو التقدم والإنتاج. فهذه والمرابحة من المعاوضات؛ فإن أعتمدت أمتنا على هذه المعاملات فقط أصبحنا أمة مستهلكة غير منتجة. وعلى أهل الفقه والإفتاء أن يتحروا بالغ الدقة والحذر فيما يمنعون أو يجيزون؛ فمن هذا المنع أو الإجارة تتحدد الخطوط الرئيسية لإقتصاد هذه الأمة؛ إما مستهلكة أو منتجة؛ اما زراعية تجارية أو صناعية؛ اما خاملة أو متقدمة متطورة؛ من هذا الإفتاء أو من عدمه  يتقرر مصير هذه الأمة ومستقبل أجيالها القادمة، وقد رأينا كيف منع أغلب فقهاءنا على مدى العصور السابقة المضاربة في مجال الصناعة؛ دون الإستناد على أسس شرعية؛ ولو بينوا الإسباب الوقتية التي دعتهم إلى ذلك لتمكن من لحقهم من الإجتهاد إذا تغيرت الظروف وإنتفت هذه الأسباب؛ وقد أدى هذا المنع إلى عدم توفر التمويل للصناع فقام إقتصاد هذه الأمة على التجارة والزراعة؛ أما الصناعة فعندما تطورت وخرجت من نطاق الحرف المحدودة إلى نطاق المصانع الكبيرة وإحتاج قطاعها المال الكثير؛ لم يتوفر هذا المال لها ولم تتعد مصانعنا الكبيرة ما كان ممولا من الدولة مثل صناعة السفن والصناعة الحربية وغيرهما؛ بينما أذنت الكنيسة- على خطأ تشريعي- في أوروبا بالتمويل الربوي في القرن السادس عشر ميلادي فتوافر المال اللازم وقامت بعد ذلك ما تسميه أوروبا بالثورة الصناعية؛ بينما وفر لنا شرعنا معاملة أعدل وأحل من التمويل الربوي المحرم علينا وعليهم؛ إلا أننا منعناها عن أنفسنا دون سبب شرعي، فكان من أحد نتائج هذا المنع- والله أعلم- أن أصبحنا أمة تعتمد على التجارة والزراعة وليس لنا في الصناعة إلا القليل؛ ولا نقول هنا نأذن بالربا الظالم والعياذ بالله؛ وإنما نجيز البديل العادل الذي وفره لنا الشرع وهو المضاربة ونسمح بها في كل مجالات الإستثمار؛ والتي قال عنها الإمام مالك رضى الله عنه أنها سنة المسلمين.

لقد أجاز بعض الفقهاء المرابحة وهاجمها البعض الآخر؛ وتدور في الباكستان مناقشة حول مدى شرعية بعض المعاملات التي يقوم عليها النظام المصرفي الباكستاني؛ ومنها الإقراض بالبيع؛ وقد أصدرت المحكمة الشرعية الإتحادية في نوفمبر 1991م حكمها بحظر التعاملات الربوية واعتبرت الإقراض بالبيع منها؛ واستأنفت المصارف والحكومة الحكم أمام المحكمة العليا التي لم تصدر قرارها بعد. والنظام المصرفي الذي التزم بالشريعة منذ سنة 1985م يعتمد في كثير من أعماله- مثله مثل البنوك والمؤسسات الإسلامية الأخرى- على هذه المعاملة، ثم قال الدكتور أحمد النجار : ”أن رؤساء بعض المصارف الإسلامية سألوني كيف نعمل دون سعر فائدة؟ ووجد هؤلاء المصرفيون في المرابحة الحل وتم إستخدام المرابحة في تبرير كل العمليات المصرفية بعد ذلك، بل تحقيق نسب أرباح كبيرة تفوق سعر الفائدة بكثير، وأضاف قوله أن المرابحة تعتبر أكبر حل اجرامي في التاريخ الإسلامي فهي سعر فائدة ولكنه مضمون 100%“. ويدل كل هذا على خطورة هذه المرحلة وأهمية أن يقوم علماء الأمة بواجبهم المتمثل في تقديم المعاملات الشرعية التي يقبل عليها الناس من مؤسسات وأفراد وتفي بكافة إحتياجاتهم.

ان إقتصاد هذه الأمة يجب أن يقوم على تشجيع إستثمار متوازن في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والعقارات وغيرها؛ وعلى أهل الإفتاء أن يحذروا من ترك قطاع ما دون توفير المعاملات التي يحتاجها لنموه وتقدمه؛ والنظام الإسلامي لا يمنع معاملة دون أن يقدم بديل عنها؛ وعلى فقهاء هذا العصر أن ينظروا إلى متطلبات هذه الأمة وأن يلبوها، فالإقتصاد الذي يشرعون له منه مستقبلها ومصيرها. وبارك الله تعالى للباكستان ولكل الأمة الإسلامية التي قامت مخلصة لتطبق شريعة الله تعالى في إقتصادها؛ وعلى كل مسلم واجب تقديم العون و الدعم وتيسير الطريق إلى بلوغ هذا الهدف السامي؛ الذي يحمل بين طياته أسباب الرخاء والتقدم وأهم من كل هذا رضى الله سبحانه وتعالى.

والمضاربة بالقدرات الممتدة؛ هي عقد يوفر إجتماع صاحب المال المستثمر مع الشركة العاملة – بقدراتها الإداربة و الفكرية وخبراتها الإستثمارية – صاحبة الأصول من مكاتب ومتاجر أو معدات أو مصانع او مزارع أو وسائل نقل وغيرها؛ فتكون مشاركة بين منفعة مال هذا ومنفعة أصول ذاك وخبرته، فان كان في المال نماء كان للمنافع أثر وقيمة، وإن لم يكن لا يكون لها قيمة؛ فيكون لرب المال ما تبقى من ماله؛ ويكون للشركة أصولها فحسب ولا أجرة ولا نفقة ولا شيء لها غير ذلك. فيشتركا في الربح وفي الخسارة.

والقول أن النقود لها منفعة يجرنا إلى أن ما له منفعة يمكن تأجيره وهذا بالطبع ربا؛ المنفعة التي نقصدها هنا هي النماء العائد إليه والناتج عن العمل في المال واستثماره، أي أن النقود إذا إستثمرت فعلا وتحمل صاحبها إحتمال هلاكها أو هلاك جزء منها؛ فنمت من خلال هذا الإستثمار فقد جرت منفعة إلى صاحبها تحل له شرعاً، وهذه المنفعة التي نتحدث عنها لا تباع وتشترى ولا تستحق إلا عند ظهورها أو ظهور أثرها في النماء. والنقود لا تصح إجارتها لأنها مما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه؛ وعقد الإجارة يرد على المنفعة لا العين؛ وهذه منفعتها لا يمكن أن تتحقق مع بقاء الأصل- العين- على حاله (أو بدون نقصانه إلا بقدر لا تعتد به؛ أو يكافئ قيمة المنفعة المباعة)، ولأن هذه المنفعة غير معروفة عند التعاقد ولا يمكن وصفها أو تحديدها بل وليس من المؤكد حدوثها أو حصول المستأجر عليها؛ ولأن الأجر لا يستحق إلا عند تحقق المنفعة واستيفائها حقيقة؛ ولأن العين- التي منها المنفعة المباعة- ضمانها على المؤجر فإن هلكت فعليه غرمها؛ فكل هذه الشروط لا تتوفر في بيع منفعة النقود ، وبهذا لم يصح تأجيرها، وإن صح فيجب أن يتكافئ الأجر مع المنفعة حقيقة، ومنفعة المال في قدرته على النماء بالعمل فيه، فإن نما كان الأجر بعض من هذا النماء فإن لم يكن ثمة نماء فلا أجر وضمان الأصل أو العين على المؤجر فإن هلك فعليه؛ فيكون العقد إبضاعا إذا كان الربح لرب المال؛ أو مضاربة إذا كان بينهما؛ أو إجارة إذا كان للعامل الأجر على إستثمار المال بشرط معرفة وتحديد العمل الذي سيقوم به أو أن يسلم نفسه مدة معلومة. والقاعدة الشرعية كل قرضا جر نفعا فهو ربا، فالقرض في هذه المعاملة مضمون ويبقى المال أو يعاد مثل أصله؛ بينما لا ضمان هنا لا في المال ولا في المنفعة؛ ويتبدل المال من حال إلى حال ويتحمل صاحبه إحتمال هلاكه.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي (جزء 29 ص101): ( انا نعلم بالا ضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم، وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا).

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه إلى منفعة المال في المضاربة؛ ويمكن تجاوز تسميتها منفعة- لو فضلنا ذلك لحساسية هذا اللفظ الذي يربطه في بعض الأذهان بالربا لا لمعناه ومقصده- اذا بدلنا الألفاظ فاستخدمنا نماء محل منفعة، فتكون مشاركة هذا بقدرة ماله على النماء؛ مع ذاك بالنماء المتولد عن إستخدام معداته وأصوله كما أطلق عليها الحنابلة إذ قالوا يدفع الدابة بنماءها؛ أو كما ذكرنا إستهلاكها.

ولو نظرنا إلى المضاربة بالقدرات الممتدة؛ نجد انه كلما ازدادت قدرات الشركة العامل المستخدمة في هذه المضاربة كلما زاد عامل الأمان عند رب المال؛ لهذا فان أرباب الأموال والبنوك الإسلامية سوف توجه أموالها إلى الشركات الكبيرة ذات المعدات والمصانع والمتاجر وغيرها؛ وقد يؤدي هذا إلى حرمان الشركات الصغيرة وأصحاب الحرف من التمويل اللازم لأعمالهم؛ وهذا صحيح إلى درجة ما؛ إلا أن البنوك عامة توزع مالها على القطاعات المختلفة لأن الأرباح التي تحصل عليها من الشركات الصغيرة توازن درجة المخاطرة، وهي إذا توفر لها عامل أمان من الشركات الكبيرة سوف تجد لديها القدرة على تمويل الشركات البادئة والصغيرة. وفي كل الأحوال فان التمويل متى توفر للشركات الكبيرة فسوف يوفر الأعمال لغيرها، والوضع حالياً وفي كل النظم الإقتصادية الأخرى لا تختلف عن هذا فالبنوك لا تمول إلا الشركات القوية التي تجد عندها القدرة على السداد، وهذه خطوة أولى بوجه عام؛ ومتى كثر التعامل بالمضاربة فلا بد أن يكتسب البنك كفاءات يتمكن من خلالها من التعاقد بثقة مع الشركات الصغيرة والبادئة. وبالطبع هناك عقود أخرى يمكن عن طريقها تمويل هذا القطاع مثل الشركة والمشاركة.

وقد قدمت لهذا الفصل بوجوب توفير المعاملات الشرعية لكل قطاعات الإنتاج ولا نقتصرها على المعاوضات والوكالة والوديعة وغيرها من المعاملات التي قد تحصر بناءنا الإقتصادي في الحدود التجارية الاستهلاكية ذات طابع الخدمات دون الإنتاج الحقيقي؛ والذي يحتاج إلى المشاركات والمقابلات؛ والذي بين أيدينا منها يغلب عليه أن يكون شركات وهذه تختلف في طبيعتها عن المضاربة وغيرها من المشاركات التي تقدم مجال الاستثمار للقطاع الأكبر من الناس الذين لا خبرة لهم ولا قدرة لهم على الإدارة والعمل؛ ولهذا فإن النظام الإقتصادي يجب أن يهتم في المقام الأول بتجميع هذه الأموال وتوجيهها إلى المجالات الإنتاجية بغرض إنمائها وإنماء المجتمع الذي جمعت منه، وخاصة ان هذه القطاعات توجد فرص عمل جديدة لأفراد هذا المتجتمع.

 

في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمارات العقارية؛ لدينا المضاربة والمزارعة والمشاركات لتمويل هذه القطاعات وبالصيغة العملية التي وردت في هذا البحث؛ أما في مجال التمويل الإستهلاكي؛ فلو أخذنا تمويل المساكن الخاصة- كما هي الحالة في الإقتصاد الغربي- فيمكن تصميم معاملة يشتري العميل والبنك المنزل ويمتلكاه بينهما مشاركة بحصص المال؛ وليكن الخمس للعميل والأربعة أخماس للبنك؛ ويسكن العميل المنزل كله وفق عقد إجارة منفصل فيستحق البنك أجرة أربعة أخماس البيت، بينما يقسم ما دفعه البنك على عشرة ىسنوات مثلا يدفع العميل العشر منها كل سنة؛ فتؤول ملكية هذا العشر إليه فلا يدفع أجر هذا العشر في السنوات التي تليه؛ وهكذا حتى تؤول ملكية البيت كله إلى العميل فتنتهي المشاركة. وهذه معاملة صحيحة بشرط ألا يجبر العميل على أجرة فيها غبن أو تختلف عن أجور مثل هذه الدار، وقد لا يجوز أن يجبر علي الإستئجار إن شاء بعد أول عام أن ينتقل منه إلى غيره؛ فهذا عقد إجارة ولا علاقة له بعقد المشاركة؛ إلا أنه يتعرض في هذه الحالة إلى تغير الأجرة وفق تغير أسعار السوق عند التعاقد في الفترات اللاحقة. وربما جاز أن يتفقا على عقد إجارة مدته عشرة أعوام عندها لا يحق له الإنتقال لأن الإجارة عقد لازم لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا إذا وجد ما يوجب الفسخ. وفي كل حال فالعين موجودة فان بيعت رد لكل من الشريكين نصيبه من ثمنها بحصص مالهما. وهناك أكثر من طريقة لهذا التمويل الإستهلاكي:

1- أن يشتري البنك العقار ثم يبيعه الى العميل وفق عقد بيع مؤجل فيه بعض الثمن أو كله؛ ويجوز للبنك أن يبيعه بثمن أكثر مما أشتراه به إذا لم يكن قد أخذ ضمانات من العميل بشراءه وكان للعميل حق الخيار حتى توقيعه على عقد الشراء الخاص به؛ أما إذا أخذ من العميل وعدا ملزما بالشراء فلا يحق له الربح وإنما يحق له تقاضي قيمة المنفعة التي ينتفع بها العميل عن الجزء من الدار خلال المدة التي سكن فيها ولم يدفع الثمن بعد، فيكون الثمن المؤجل يساوي ثمن الحال زائد أجر الجزء المنتفع به حتى يتم تسديد ثمنه، وهذا العقد- بصورته الملزمة للعميل بالشراء- ملزم للطرفين في الثمن ومواعيد الدفع. فإن امتنع أو عجز العميل عن الدفع يحق للبنك أن يبيع العقار ويأخذ من ثمن البيع بقية مستحقاته وفق العقد وما يتبقى يأخذه العميل.

2- أن يشتركا في الشراء والملكية وفق عقد مشاركة؛ ثم يستأجر العميل الدار وفق أجور المثل وطبقاً لعقد إجارة، ويشتري العميل أجزاء من حصة البنك وفق عقود بيع.

  •     عقد الإجارة إما يكون ثابتا لمدة العشر سنوات أو أكثر؛ أو يكون كل سنة مثلا؛ فإن كان ثابتا لمدة طويلة يكون ملزما وعليه دفع الأجرة المتفق عليها لشركة المشاركة وتقسم الأجرة بينهما بحصة كل منهما في ذلك العام، وإن كان يجدد كل عام فكذلك إلا أنه يجب الإتفاق عليه أول كل فترة جديدة وبشرط أن يكون مثل أجور مثله، وعقد الإجارة لا علاقة له بالمشاركة وله أن يستأجر أو إن يمتنع إن شاء ذلك، أي يكون كالأجنبي عن المشاركة.
  •     أما عقد البيع فهذا اما يتفق عليه بنفس ثمن شراء المشاركة للعقار؛ فيشتري من البنك جزء من حصته كل عام وهذا إن تعاقدا على أجزاء معينة وفق تواريخ مستقبلية معينة يكون عقدا ملزما لهما. أو يُتفق عليه بموجب سعر السوق في هذه الأوقات المستقبلية فلا يكون ملزما لهما. فإن إختلفا يباع العقار ويقسم المال بنسب المشاركة. وعقد البيع المستقبلي عقد لا يتخلله ما نهي عنه مثل عدم التقابض والغرر وغيرهما مما يشوب العقود المنهي عنها، فهذا بيع موجودة فيه العين ومملوكة للبائع ومقدور على تسليمها؛ تأخر فيه تسليم العين وتسليم الثمن. فإن جاز السلم وجاز البيع المؤجل يجوز تأجيل العين والثمن والله أعلم.

 وهذا عرض عام- ويحتاج إلى بحث مفصل مطول آخر- يمكن تطبيقه على السلع الإستهلاكية الأخرى من سيارات إلى أجهزة منزلية وغيرها؛ والأساس في حساب الزيادة نظير تأجيل دفع الثمن أنها يجب أن تساوي ثمن منفعة العين في هذه الفترة المؤجلة أي أجرتها، ولا يجوز هذا النوع إلا في الأعيان ذات المنفعة أي التي يمكن إجارتها وتنضبط بأثمان هذه المنافع. أما ما لا يمكن اجارته فقد وفر الشرع له البيع المؤجل فيه الثمن والأرجح أن ضابطه هو الثمن المستقبلي لهذه السلعة، وهذه بيوع تحدد أثمانها قوى السوق المنافسة. ولا يصح أن يكون ضابطه ربح المثل لأن هذا بيع فإن إتفقا على ربح المثل في هذه المدة ضُمن هذا الربح ثم قُبض دون إستثمار أو تعرض أصل المال للمخاطرة، هناك خط يفصل بين ربح المثل أو ربح الفرصة المضاعة وبين الفائدة الربوية؛ يتمثل في إستخدام ربح المثل للمقارنة فقط مع عدم إستحقاقه إلا عند تحقق الربح الفعلي حقيقة. فإن إستحق دون إستثمار فعلي كان ربا.

أما عن تمويل المشروعات الحكومية مثل الطرق والمستشفيات وشبكات الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات التي تتعهدها الدولة فهذه تعاونية تمول من أموال الضرائب فإن لم تكف يمكن تمويل النقص بإكتتاب فينفذ المشروع وتستأجره الدولة من أموال الضرائب المستقبلية ويعود الأجر إلى مساهمي الإكتتاب على أن تحدد طريقة وثمن شراءه بطريقة مقاربة لتلك التي ذكرت فيما قبل.

ان الإقتصاد الإسلامي قادر على تلبية كل متطلبات واحتياجات البشر وبصورة عملية ذات قيم عادلة؛ تؤدي إلى تشجيع المعاملات والاستثمار بما يعود بالخير والرخاء على المجتمع الذي يأخذ به ويطبقه وفق أسلوب عملي معاصر وصادق. ومن أحد العوامل المهمة في إنجاح تطبيقه هي أن يقتنع به العاملون في أجهزته؛ ويؤمنون إيمانا مطلقا به كنظام عملي يقوم على قوانين ومعادلات ويستمد مبادئه من مثاليات وأخلاقيات، وأن يتخلوا عن الفكرة السائدة أن معاملاته تقوم على الثقة والأخلاقيات وحدها، فهذا غير صحيح وقد عرضنا هذه الدراسة آخذين في الإعتبار عدم توافر الثقة فوجدنا في هذا النظام ما يكفل الأمان حتى إذا اعتدى أو خان طرف؛ مالم نجده في النظم الأخرى، فهذا نظام إنساني عملي لو بحثنا فيه بجدية وإقتناع سنخرج منه بالنظام الإقتصادي المثالي والعملي معا؛ والذي ليس لدي أدنى شك في أن العالم كله سيأخذ به في المستقبل القريب؛ ففيه علاج كل المشاكل الإقتصادية والاجتماعية التي عانى وما زال يعاني منها نتيجة انتفاء العدالة في هذه النظم. فلنتوكل على الله تعالى ولنعمل بما أنعم به علينا؛ ونحن أولى بما إصطفانا سبحانه وتعالى به؛ لا يسبقنا إليه أحد من العالمين؛ وما التوفيق إلا من عند الله عز وجل.

تم والحمد لله، سنة 1993 ميلادي

<< previous page next page >>

الباب السادس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل


الفصل الأول

نسب توزيع الربح

الاتفاق على حساب نسب توزيع الربح:

الشرط في المضاربة ان يتفقا عند عقدها على نصيب كل منهما من الربح، ولم يتطرق الفقهاء إلى تحديد هذه النسب فلم يكن هذا من المنطق الصحيح، واكُتفي بان يتم الاتفاق عليها بين المتعاقدين وفق رغبتهما، واعتبر ان شرط التراضي بينهما عند الاتفاق عليها سوف يؤدي إلى تحديد النسب العادلة، مثل ما يحدث في البيع والشراء؛ خاصة وأن  التسعير منهي عنه في الظروف الاعتيادية. فتتحدد هذه النسب وفق: العرف، والشروط، وظروف السوق وحجم العمل، والمال، وشهرة العامل، وغيرها من العوامل الكثيرة المتعددة التي تختلف من مضاربة إلى أخرى، ولهذا… كان الاتفاق عليها من الامور التي تعود إلى المتعاقدين.

جاء في فقه السنه (الجزء 3ص160):” روي عن أنس رضى الله عنه قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق- واني لأرجو أن القى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال“.

وقال الشوكانى: ”ان الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والأمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، واذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم والزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى: الا أن تكون تجارة عن تراض منكم“.

إلا أن المضاربة ليست كالبيع والشراء، فلا مبادلة فيها وإنما إجتماع واتحاد من أجل العمل والكسب، فهما إن ربحا يربحان سوياً، وإن لم يربحا لم يأخذ أحدهما من مال الآخر، فلا يظلم أحدهما الآخر.

وفي المضاربة في مجال التجارة… فإن هذه النسب يسهل على الناس الاتفاق عليها وفق ما جرت عليه العادة والتي امتدت منذ قرون بعيدة… إلا أن المضاربات في عصرنا هذا والتي نود الخروج بها من حدود مجال التجارة إلى مجالات الإستثمار الصناعي والعقاري والزراعي وغيرهم، تجعل من الأهمية دراسة هذا العقد لبيان العناصر العامة التي تتكون منها هذه النسب، كخطوط عامة من قبيل الإعانة لا للتحديد ولا للاشتراط، ويظل الاتفاق من الأمور التي تعود إلى المتعاقدين ولهما كامل الحرية والحق في أي نسب يختارونها.

والسبب الذي يدعو إلى وضع القواعد التي تحسب عليها هذه النسب، هي أنها تؤدي إلى استحقاق كل منهما لنصيبه من النماء الحاصل والمتولد عن المال والعمل، للمال نصيب وللعمل نصيب، ولا يجوز لصاحب المال أن يأخذ من نصيب العمل ولا يجوز العكس، ومتى تحددت هذه النسب بالاتفاق… حرص الفقهاء أشد الحرص على ألا ينال أحدهما مما ليس له فيه مال أو عمل؛ حتى لا يكون كسبه بغير عوض.

والغرر في هذه المعاملات هو ما يؤدي إلى كسب أحدهما أكثر على حساب نقصان كسب الآخر، وهذه الحصص في المضاربة بالاتفاق، إلا أنهما قد يتفقان على الثلاثة أرباع أو الربع، وتعود هذه إلى حاجة وإضطرار العامل، فكيف يكون عوض نفس عمله صحيحاً على ربع الربح، وصحيحاً على ثلاثة أرباعه وهو لنفس العمل ونفس الربح، فإن استغل رب المال حاجته فسوف يشعر بالظلم، وهذا مثل ما يؤدي إليه الغرر وأكل أموال الناس بالباطل.

وقد رأى الإمام مالك والزيدية وبعض الشافعية جواز التسعير في حالات الغلاء والإحتكار، ولسنا هنا بصدد تحديد نسب وإنما محاولة بيان العناصر التي على أساسها تقدر هذه النسب.

والمعاملة إن كانت من جنس المعاوضات كالأجرة- كما ذهب الأحناف والشافعية – يجب في المعاوضات تساوي العوضين، العمل المجهول والاجر المجهول، كأن يقول له: اعمل في مالي ولك الأجر نصف ما تكسب، وبالطبع هذه لا  تجوز على الإجارة، إلا أنها اجيزت على خلاف القياس لجهالة العمل ولجهالة الأجر.

فإن لم يعرفا… توجب على الأقل أن يكون الأجر متناسباً مع العمل؛ أي زيادة نفس نوع العمل ستوجب زيادة الأجر، وليس هذا ما يحدث في المضاربة لأن العمل الكثير ليس بالضرورة ما ينتج عنه الربح الكثير. بل وقد يعمل في أول تجارة فيربح، ثم يعمل في الثانية نفس ما عمل أول مرة فيخسر؛ ربما لتغير ظروف السوق، فيكون نفس العمل له أجر في مرة، وليس له أجر في الثانية.

وتختلف حقيقة المعاملة عن ذلك، فليس بينهما مبادلة أو معاوضة أو بيع أو شراء، وليس ربح أحدهما يقابله خسارة الآخر، وقد يقال ليس هذا بالضرورة ما يحدث في البيع والشراء وغيرهما من المعاوضات، فالبائع رابحاً لأنه قد استبدل سلعة لا يريدها لنفسه بنقوداً أو سلعة يحتاجها أكثر مما كان يحتاج ما تخلى عنه، وكذلك المشتري فيكون الربح موضوعاً نسبياً يعود إلى كل طرف فيكون كلاهما راضياً. ويحدث الربح الحقيقي في اكتمال دورة شراء ثم بيع؛ أي يشتري سلعة من شخص بنقود ثم يبيعها لشخص أخر لقاء نقود أكثر. وفي المعاوضة … يحدث تخلي عن مال أو منفعة لقاء مال أو لقاء منفعة أخرى، فيخرج المال عن ملك صاحبه لقاء امتلاك شيء أخر، أو يستفيد المستأجر بمنفعة العين التي استأجرها وضمن دفع أجرها.

وهذا لا يحدث في المشاركات؛ فالمال لا يخرج عن ملك صاحبه، فالأرض والشجر والمال يبقون على ملك أصحابهم في المزارعة والمساقاة والمضاربة، ورب المال ورب الأرض ورب الشجر لا يضمنون ولا يدفعون أجراً للعامل، والعمل حقيقى؛ فإن أصاب الزرع آفة كان العمل لا قيمة له، أما المعاوضة في هذه المشاركات فمع الأجنبي لا مع بعضهما، فلا يربح العامل من أصل المال، ولا يأخذ رب المال من العامل شيئاً لنفسه، وإنما يشتركان في ما يربحانه جميعاً  من المبادلة مع الغير.

وهذه المعاملة لا تجوز إجارة، ولهذا كانت استثناء على خلاف القياس، ولكن الشركة عقد مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وعرفها الأحناف أنها عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح. وهنا رأس المال من أحدهما فقط، ولكن شركة الأبدان ليست فيها رؤوس أموال، وقد أجازها المالكية والأحناف والحنابلة، وأبطلها الشافعية والظاهرية، وجاء فيما جاء- عمن أبطلها- أن الشركة تختص بالأموال لا بالأعمال؛ لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، ولنا أنها شركة أموال منافع، وتنضبط لا بقيم هذه المنافع المجهولة عند التعاقد وإنما بتفاضلها أو بتساويها، وكذلك المضاربة وغيرها من المشاركات، والمنافع مال وكل ما كان عوضه في عقد معاوضة تجارية مال فهو مال، والعمل منفعة بدن وهو مال.

فإن قلنا إن المضاربة شركة رأس المال فيها مال من أحدهما ومنفعة- وهي مال- من الأخر، نكون قد أخطأنا؛ لأن الخلط في رؤوس الأموال بين الأثمان والعروض والمنافع يؤدي إلى الغرر، بل وليست هذه حقيقة المضاربة.

يمكن تصور المضاربة مجازاً على أنها اجتماع خاصيتين مكملتين لبعضهما: الخاصية الأول هي القدرة على الإنماء؛ وهي ما تتميز بها قدرة العامل إذا اقترنت بمال، والخاصية الثانية هي القدرة على النماء وهي ما يتميز بها مال المالك إذا اقترن بعمل، ولا يحدث النماء إلا باجتماعهما.

وقدرة العامل إذا وجهت وجهة أخرى… كأن تؤجر؛ فإن لها قيمة مالية، والمال لو وجه إلى شراء عقار يؤجر للغير فله نماء مادي؛ إي إن هاتين القدرتين يمكن أن يكون لهما قيمة مستقبلية حقيقة، لو وجهتا إلى غير المضاربة، إلا أنهما معدوما القيمة في الحال، وبتوجههما إلى المضاربة…يُخاطر بإمكانية الحصول على هذه القيمة المستقبلية.

وهذه القيم التقديرية المستقبلية لا يشوبها تهمة الربا، فلا ضمان فيها، وقد تحدث وقد لا تحدث؛ فالغنم معه احتمال الغرم، وتتماثل هاتان القيمتان في أنهما يوجدان معا أو ينعدمان معا، وهما وإن كانتا مجهولتين وقت التعاقد، يغلب الظن بحدوثهما، وإلا فلا معنى للتعاقد، وهما يتحركان معا كثرة أو قلة أو ينعدمان بنفس الدرحة؛ لأنهما جزءان من شيء واحد: هو الفائض عن رأس المال.

ومحاولة تقدير هذه القيم يقصد بها تقدير نسب تفاضلهما، وليس قيمهما فهذا يستحيل؛ فلو افترضنا مشاركة بين مجهولين، ولتكن مشاركة من يدفع بعين تنمى بالعمل إلى من يعمل عليها كالتي قال بها الحنابلة… يمكن القول إن هذه مشاركة أعمال أو منافع؛ فإذا دفع الرجل دابة إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، فعمل الدابة فيما ستحمله مجهول وعمل العامل مجهول… إلا أنه يمكن القول إننا لو حددنا المدة بأسبوع فأجرة العامل كذا في الأسبوع وأجر الدابة كذا، فإن كانت أجرة العمل على مثل هذا العمل- لقاء فكره وعمله- ضعف أجر الدابة… يكون الرزق بينهما الثلثين للعامل والثلث للدابة، ويكون العامل قد خاطر بأجرته، والرجل قد خاطر بأجر دابته؛ فيطيب لهما ما يكسباه، وإن كثر عن الأجر المعتاد.

وفي المضاربة… يدفع الرجل ماله إلى العامل، والمال لا يعمل، كما أن الأرض لا تعمل في المزراعة… إلا أن للمال خاصية النماء وللأرض خاصية الإنبات، وهذه الخاصية تجعل للمال قيمة مضافة لو خوطر به فربح، ويمكن تقديرها بربح الفرصة المضاعة، وهي ليست مستحقة للمال إلا إذا خوطر به وتحقق النماء. ولأن المقصود من هذا التقدير هو المقارنة وليس القيمة لذاتها، قتحسب قيمة ربح الفرصه المضاعة في درجة مخاطرة مثل التي ستقدر فيها قيمة العمل، فإن قدرنا قيمة العمل بما يحصل عليه العامل كأجير مشترك من مثل العمل المتوقع أن يقوم به في المضاربة – وليس عليه ضمان إلا فيما يتلف بالتعدي – وقدرنا لهذا العمل مدة معينة… فإن نماء المال يحسب بافتراض شراء عقار، يؤجر لنفس المدة مع بقاء قيمة العين أو استهلاكها بدرجة لا يعتد بها فيعرف النماء الصافي خلال هذه المدة… فإن كان عائد المال ضعف عائد العمل، يكون تفاضلهما الثلثين للمال والثلث للعمل.

ولتوضيح هذا … نفترض مضاربة بعد انتهائها، وكان لكلا المتعاقدين نصف الربح منها، وقد عرف العمل وأجر المثل عن هذا العمل، وعرف الربح ونصيب كل منهما منه، فلو عدنا لتحليل النتائج كشركة رؤوس أموال، فإما أن نقول إن رأس المال هو المال، وأجر المثل، أو المال وقيمة العمل وهي نصيبة من الربح أو أقل، أو معادلة جديدة تعطينا نفس النتيجة التي حصلت بالفعل.

رأس مال رب المال                                            100.000

المال عند القسمة                                                120.000

ربح المضاربة                                                   20.000

نصيب رب المال                                                 10.000

نصيب العامل                                                     10.000

أجر مثل العامل                                                   8.000

لو قلنا إن رأس مال مشاركة المضاربة هو المال الذي دفعه رب المال وأجر مثل العامل، لكانت شركة بينهما بنسب المال والأجر، وكذلك لو أخذنا قيمة عمله بمعيار نصيب العامل من الربح، وهذا ليس ما اتفقنا عليه، ولو نظرنا إلى شركة الإبدان… لوجدنا أنهما تشاركا منفعة بدن هذا مع منفعة بدن هذا، فتكون هذه منفعة بدن هذا مع منفعة مال هذا، فإن افترضنا أن منفعة المال 8.000 ومنفعة بدن العامل تساوي ما يحصل عليه من نفس العمل؛ أي أجر المثل، فتكون8.000 أيضاً؛ صح اشتراكهما بالتساوي وكان رأس المال هو قيم المنافع. لكن هذه لا تنضبط ولهذا لم تكن لها قيمة وقت العقد وإنماء قيمتها مستقبلية، ولا تقصد القيمة لذاتها وإنماء تقصد لحساب تفاضلهما واحد على الآخر لحساب نسب المشاركة.

ولحساب هذه القيم المستقبليه… يجب وضع افتراضات متماثلة للمالين، وتحديد قيمهما وفق معاوضة في ظروف متساوية، ومدة المضاربة غير معروفة ولكنها واحدة للمالين، ولهذا… يمكن توحيد المدة في المعاوضتين ولنقل إنها عام واحد.

فإن افترضنا أن قيمة عمل العامل في هذه المدة لو استؤجر على هذا العمل هي أجر المثل، وكان أجر مثله في العام 8.000 تكون هذه هي قيمة منفعة بدنه في هذه المدة، وهو متى استؤجر على هذا العمل … فالأجر شبه مضمون إن قام به.

أما المال… فنحتاج إلى افتراض إستثماره في ظروف تقل فيها المخاطرة إلى أقل حد لتناسب ظروف أجر المثل التي قدرنا بها قيمة منفعة العامل، وهذا يكون في افتراض شراء عقار وتأجيره ويعتبر الأجر المتحصل خلال العام هو قيمة منفعة المال، بفرض أن العقار يباع بعدها بنفس ثمن المشترى وليست هناك تكلفة للصيانة فإن كان تحسب من الأجر. فإن كان الحاصل من العقار في العام 8.000 تكون هذه قيمة منفعة المال.

وتكون مشاركة منافع بينهما هذا بمنفعة ماله وهذا بمنفعة بدنه، وكلاهما له قيمة مستقبلية غير مضمونة وتتراوح بين الوجود والعدم، ولا تعنينا معرفة قيمتها المستقبليه وقت العقد طالما قد عرف التفاضل بينهما. أما قيمتها الحقيقة التي ترجع إلى هذا الإستثمار وهذه المخاطرة… فلا تتحدد إلا عند حصول الربح، فإن كان ربح تحددت قيمة منفعة بدن العامل فكانت له، وتحددت قيمة منفعة المال فكانت لرب المال، فإن لم يكن ربح فهذه المنافع ليست لها قيمة. وإن كانت خسارة في المال فعلى ربه لأن ما شارك به هو منفعة هذا المال ولا تجوز منفعة المال دون المخاطرة به.

وقد يقال كيف نقول إن لعمل العامل قيمة حددناها بأجر المثل، ثم نقول ليست لها قيمة إذا لم يتحقق الربح، أولاً هذه القيمة التي حددناها كانت بغرض المقارنة مع منفعة المال وفي ظروف تختلف عن ظروف عمله في المضاربة، والمجهولة عند التعاقد ولا ينكر أحد أن لعمله قيمة إلا أنها مجهولة يخاطر بها لقاء الأكثر فتقاس بمعيار النماء كجزء منه فقياس قيمة عمله في المضاربة هو بأثر هذا العمل على الربح، فإن كان الربح وفيراً فقد استحق أكثر من أجر المثل عن نفس العمل الذي قام به في هذه المضاربة إلا أنه لمخاطرته بهذا الأجر – وهي درجة مخاطرة غير ما مثلنا بها سابقاً – استحق الأكثر للمخاطرة. وبالطبع فإن  الحافز لديه في المضاربة غير ذاك في الإجارة.

ورب المال منفعة ماله ليست لها قيمة إلا بالمخاطرة بالمال، وهي في عقد المضاربة تختلف عن تلك التي قارنا بها؛ فمنفعة ماله كانت مقدرة بقصد المقارنة لا التقييم في إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة عنها في المضاربة، وهو هنا يقصد الأكثر وليستحق هذا وجب عليه تعريض أصل ماله للمخاطرة حتى يطيب له أكثر من هذه المنفعة، بل وحتى تطيب له هذه المنفعة أو أقل منها؛ فهي ليست حقاً مضموناً له وإنما تكون له إذا تعرض ماله للمخاطرة وربح. ولهذا كان عليه المخاطرة بأصل المال ليستحق منفعة المال الأكثر والتي يأمل في حدوثها، والتي تقاس مثل عمل العامل بمعيار النماء.

ولهذا … فمتى تحدد تساويهما أو تفاضلهما وعقد عليه فلا حاجة لنا بالأسس التي بني عليها هذا التفاضل فهذا عقد يختلف في العمل والمخاطرة.

وقد يقال إن ما يقدمه العامل للمضاربة يفوق ما يقدمه كأجير، فالعمل جزء من قدراته وليس كلها، فمنه الفكر والقرارات التي لها تأثير كبير على النتائج، ويختلف العمال في مهارتهم ومواهبهم وخبراتهم ونتائج أعمالهم السابقة. وهذا كله سوف ينعكس على أجر المثل المقدر له، فيكون أجر المثل معبراً عن قدراته الفكرية والبدنية. ويقابل هذا أن المال مخاطر به أكثر مما كان لو استثمر في شراء عقار لإجارته، والمال معرض للنقص إذا كان ثمة خسارة، وهذا الاحتمال هو ما يحلل لرب المال ربحه، فخسارته ليست محدودة بخسارة النماء.

فإن كانت المشاركة بين القدرة على الأنماء- العمل- وبين القدرة على النماء- المال- واستحقاق رب المال نماء ماله لأنه تابع لملكه، يكون المال لصاحبه وغير مشارك به وإنما مخاطر به على أمل النماء، فتكون المضاربة مشاركة بين مجهولين وقت التعاقد، يغلب الظن أن لهما قيما مستقبلية- ومخاطر بها، ولا يمكن حساب مقدارهما الحقيقي ولكن يمكن حساب تفاضلهما أو تساويهما، وكلاهما يخاطر هذا بماله وبقدرة هذا المال على النماء وذلك بقدراته من فكر وعمل، ولهذا… جاز لهما الكسب بأكثر مما خاطرا به، فرب المال والعامل يتوقعان أن تعود عليهما المضاربة بأكثر من عائدي الإجارة والأجر، ولقاء هذا العائد الوفير قبلا باحتمال الخسارة.

وليس في هذه التقديرات غرر فلا تجوز بسببه، فإنها أقرب ما يمكن إلى الحقيقة، والغرر يكون في جهالة نصيب أحدهما من الفائض أو جهالة الفائض وليس هذا هو الحال هنا، وتوزيع نسب الفائض أو الربح يكون عادة بالاتفاق كالنصف والثلث والربح وهذه تقديرات تعود إلى المتعاقدين ولم يشترط فيهما الدقة وإنما اشترط الاتفاق والتحديد.

وإذا لم يتحقق ربح تكون قيمة العمل معدومة ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كانت فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان الذي كان سيحلل له النماء لو كان قد تحقق.

ويجب تكرار التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيمة بمعيار هذا النماء – وهذا العمل – ونماء المال الصافي للمال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال وهو ما نسميه الربح أيضاً، أو قد يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال في هذا البحث على المعنيين ويرد إلى احد المعنيين وفق موضعه ووفق المعنى المقصود في النص.

ويمكن القول أن المشاركة هي عقد، الغاية المقصودة منه استبدال منافع بأثمان، كما هي الشركة يدفع المال والعمل فيها فإن كان ربح كان لقاء منفعة المال ومنفعة العمل، وكما هو البيع استبدال عروض بأثمان، والاجارة استبدال منافع بأثمان، تكون المشاركة استبدال منفعة مال ومنفعة عمل بأثمان والفرق بين المشاركة والبيع أن المشاركة تكون بين طرفين لا تتم المبادلة بينهما عند التعاقد وإنما تتم المبادلة بينهما أو بين من تولى الأمر منهما وبين أطراف أجنبية عن العقد وفق عقد أخر ينعقد فيما بعد، وهذا العقد الآخر مجهول وقت التعاقد. أما في البيع يتم الاتفاق على المبادلة بين طرفي العقد في نفس الوقت ويكون الاختلاف في التسليم والتقابض كما في السلم والبيع المؤجل والاجارة.

ولو نظرنا إلى ما جاء عن الفقهاء في هذه الشركات أو المشاركات التي تعلقت بمنافع نجد أنها وردت عند أغلبهم وسنقتصر في دراستنا على ما جاء في كتاب المغني لابن قدامة وفي كتاب مفتاح الكرامة وفي المدونة وفي مجموع فتاوي ابن تيمية.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة:

ما يمكله المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف، والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضا من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: أعمل برأيك، أو كما شئت. وأخيراً هنا تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها، أو يأذن بها صراحة.

1- الشراء:

قال الجمهور إن العامل إذا اشترى بغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. وليس للغبن الفاحش حد شرعي، ويرجع فيه إلى العرف، وعند الأحناف… يكون الغبن فاحشاً إذا اختلف الثمن عن تقدير خبير واحد بأكثر من 5% في المنقولات، أو 10% في الحيوان، 20% في العقارات. ويترواح الغبن الفاحش عند المذاهب الأخرى بين السدس والثلث، واعتبرت مجلة الأحكام العدلية –المقننة من المذهب الحنفي- أن الغبن يكون فاحشاً إذا اختلف الثمن عن تقدير خبير واحد بأكثر من 5%  في المنقولات، أو 10% في في الحيوان، أو 20% في العقارات.(الدكتور محمد أنس الزرقا، مجلة بحوث الاقتصاد الإسلامي العدد الثاني 1991 ص 53.54) ويقول الدكتور الزرقا في معرض حديثه عن المبادلات: “لا ريب أن الغبن الكثير يخل إخلالاً شديداً بقاعدة العدالة. وقد نتوقع لذلك أن يكون حكمه الشرعي هو: جواز فسخ العقد من قبل الطرف المغبون، لكن اللافت للنظر أن جمهور الفقهاء لا يرون الغبن وحده ولو كان كثيراً يجيز الفسخ. ومع تعدد أرائهم في الموضوع – والتي يخرج عرضها عن نطاق هذا البحث- نراهم يكادوا يتفقون على الحكم الأساسي التالي: لا يؤثر الغبن الكثير وحده في العقد، لكن إذا لابسته مخالفة شرعية أخرى، أو كان يصعب على الطرف المغبون التوقي منه، فإن للمغبون حينئذ فسخ العقد”.

وما سبق قد عنى بغبن المشتري أو البائع، والمضارب إن اشترى بغبن فاحش… فله أن يرجع على البائع، إن كانت لابسته مخالفة شرعية أخرى كالغش، ولا يمكن القول إن العامل صاحب الخبرة كان يصعب عليه التوقي منه.

ولكن الغبن الذي وقع فيه العامل هو غبن يلحق برب المال لأنه وكيله في التصرف، وعليه… يكون الشراء لنفسه لا من مال المضاربة إلا أن يرجع المشترى إلى البائع.

فإن اختلفا فقال رب المال إن العامل اشترى بغبن فاحش، وقال العامل بل هو شراء صحيح… فإن الحكم لا يكون لأحدهما، بل يعينا خبيرين يقدران ثمن المثل – بشرط أن يكون للسلعة مثل- وأن يكون تقديرهما لثمن السلعة كما لو كانت ستشتري في نفس الفترة والظروف التي اشترى بها العامل… فإن كان ثمن المشترى يزيد أكثر من الثُمن (1/8)- أو أي نسبة معقولة أخري- عن أعلى التقديرين كان الغبن فاحشاً ويصبح المشترى للعامل ويدفع ثمنه من ماله، أو ان قبل رب المال يدفع العامل الفرق عن أعلى التقديرين من ماله، وأجر الخبيرين من مال العامل. أما إذا كان الثمن أقل من أعلى التقديرين مضافاً إليه ثُمن (1/8) التقدير الأعلى… يكون الغبن يسيراً ويدفع رب المال أجر الخبيرين من ماله.

ويمكن تحاشى الوقوع في هذا الخلاف لأن أثمان الشراء قد سبق تقديرها من قبل العامل في دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، والذي على أساسه أو بعد تعديله عقدت المضاربة، فإن صادف العامل شراء يختلف في سعره عن التقدير، فله أن يعود إلى رب المال ويعلمه فيكون تصرفه بعد ذلك بإذن رب المال فينتفي إحتمال الخلاف، وليس في رجوعه إلى رب المال تقييداً لحريته فهو إنما رجع إليه تحاشياً لأسباب النزاع ومن قبيل الاستعانة فقد يدله رب المال إلى من يبيعه بأقل.

أما إذا لم يكن للسلعة ثمن، أو كان حجم الشراء يسمح، فيشترط أن يعد العامل كراسة المواصفات والشروط مبيناً الكمية المطلوبة ومكان وتاريخ التسليم، ويدعو ثلاثة موردين أو أكثر إلى التقدم بعطائاتهم في يوم محدد، يختار منها الجهة التي يرغب في الشراء منها، وينطبق نفس الترتيب على تلزيم الأعمال التي تزيد قيمتها عن مبلغ محدد يعين في العقد.

فإن ظهر أنه وبرغم المناقصة قد اشترى بغبن فاحش، وبشرط أن يثبت بالبينة أن هذا الغبن الفاحش قد رافقته مخالفة شرعية من قبل المضارب كالنجش- أي يتفق العامل مع ثلاثة موردين على أن يرفعوا أسعارهم- أو غيره، فيبطل الشراء ويكون كشراء العامل لنفسه من ماله ولو كان رب المال قد أذن له بهذا الشراء، ونقترح أن يفقد العامل نصيبه من الربح إذا ظهر ربح، ولا نفقة له ولا شيء وإن كان قد نص عليها في العقد، ونقترح أن تفقد الشركة العامل شخصيتها الإسلامية لمدة معينة فلا يضارب معها. وكذلك في البيع إذا تواطؤ المشترون مع العامل بتخفيض عروضهم ليشتري أحدهم بثمن منخفض فيه غبن على مال المضاربة، ولا يشترط أن يكون الغبن فاحشاً… فإن ثبت التواطؤ فالغبن اليسير يكون له حكم الغبن الفاحش؛ لأن الخيانة في حد ذاتها كافية إذا ثبتت بالدليل البين، ولا يجوز الركون إلى الظن أو وشاية أحد من الناس وإن كانوا كثرة في العدد، عملاً بالآية الكريمة: ( يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (سورة الحجرات الآية6)

وليس للعامل أن يشتري بأكثر من مال المضاربة، فإن رأى الخير في ذلك فعليه أن يطلب الأذن والضمان من رب المال، فإن أجازه جاز له ذلك، بشرط ألا يتعدى الضمان القيمة الصافية لمال الشركة رب المال، فإن تعداها يضمن أصحابها من أموالهم الخاصة.

2- البيع:

والبيع مثل الشراء، وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير… فإن باع بغبن فاحش فإما يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص. وينطبق هنا ما سبق ذكره في بند الشراء.

والأصلح ألا يجوز له أن يبيع بالنسيئة إلا بأذن رب المال الصريح لكل بيع بالنسيئة، ولا يكفي التفويض أو الآذن عند العقد وإنما يجب عليه أن يراجع رب المال قبل كل بيع إلا إذا تعسر ذلك فيكتفي بالاذن وقت العقد. لأن مدة تأجيل الثمن تتراوح بين القصيرة كعدة أشهر، والطويلة كسنة أو عدة سنوات، ورب المال وخاصة إذا كان بنك عليه التخطيط لنفسه ولعملائه فيما فيما يتعلق بالسيولة النقدية، وله أيضاً أن يقارن بين العائد الذي يعود عليهما من البيع بالنسيئة، وبين العائد التقديري لو بيع حالاً وضورب بالمال أو استثمر خلال هذه المدة- وهو ما يسميه الاقتصاديون المقارنة بربح الفرصة المضاعة- وهذا لا يمكن تقديره وقت العقد.

وبيع النسيئة المؤجل فيه الثمن تكون فيه زيادة عن ثمن الحال، وهذا لقاء انتفاع المشتري بالعرض المشترى حتى يدفع ثمنه، وفي أغلب الأحيان… أن العرض له ثمن حال ومشتري يرغب في الشراء في الحال، وله أيضاً ثمن مؤجل ومشتري يرغب في الشراء المؤجل، والعامل له في الربح فإن باع نسيئة زاد ربحه لقاء تأخير الدفع وهذا لا عمل له فيه إلا أنه فاوض واختار، وهو لن يبذل جهدا خلال فترة التأجيل. فتكون مصلحته في بيع النسيئة إذا علم أن رب المال لن يدفع إليه المال مضاربة مرة أخرى إذا باع حالاً.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة …فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال ربح فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

والمقصود من المضاربة هو تحقيق الربح، والمضارب هو وحده من يملك القرار، فإن اشترى أو باع على الغير … فإنه سيفاصل ويساوم ويجتهد للشراء بأقل وفي البيع بأكثر، فهذا من طبيعة عمله، فإن كان هو البائع والمشتري، تضاربت المصالح وتعارضت مصلحة المضاربة مع مصلحة نفسه، فأما أن يظلم نفسه أو يظلم المضاربة.

فإن كان في المال ربح …لم يجز شراءه لنفسه لأن له حقاً في المال، وإن لم يظهر ربح فقد قال بعض الفقهاء له أن يشتري ومنع ذلك البعض الآخر، فإن سمح له بالشراء … فعليه أن يشتري بثمن المثل، ويفضل أن يعرف ثمن المثل بعد بيع جزء من العروض لأجنبي عن العقد فيقارن بها، أما أن يشتري كل العروض … فإن كان فيها ربح لم يجز، وإن لم يكن فيها ربح فالأغلب أن يكون فيها خسارة، فهذا سيدعو إلى التساؤل لماذا يشتريها العامل إذن إن لم ير فيها وجه الخير، إلا أن يثبت أنها لإستهلاكه الخاص أو لتصنيعها، أي ألا يكون قد اشتراها ليبيعها مرة أخرى، لأن الأجدر أن يعمل هذا وهي مال مضاربة.

وعليه … فإن العامل لا يجوز له الشراء من مال المضاربة إلا أن يكون شراؤه لإستهلاكه الخاص لا لإعادة البيع بحالتها كما هي، وأن يكون في المضاربة ربح، وأن يكون لها ثمن مثل يفضل أن يكون من بيع سابق لجزء من المال.

وبالرغم من منع الفقهاء لشراء المضارب من مال المضاربة إذا كان فيها ربح، فالأولى بالسماح إذا كان المضارب يحتاج لإستهلاكه الخاص جزءاً من المال، عملاً برأي الشافعية والرأي الأظهر عند الأحناف والقائل بالجواز.

أما أن يبيع المضارب شيئاً من ماله، كأن يأخذ مال المضاربة فيشتري من نفسه سلعاً ليبيع، فهذا لا يجوز مطلقاً لتضاد المصالح؛ ولأن في بيعه للمضاربة ربحاً، ولا يجوز له أن يربح من مال المضاربة ما هو أكثر مما شرط له في العقد، وهو نصيبه من ربحها عند القسمة لا غير، فإن بيعه على المضاربة بيع تولية… فلا يخلو الأمر أن يكون أصل شرائه لهذه السلع بثمن فيه غبن يسير أو كثير، بل وتقوم المضاربة على تجارته بالمال وهو صاحب المال فلماذا عقد المضاربة أصلاً إن كان قصده بيع ما عنده. فإن كان عقدها لاحتياجه المال للصرف والنقل وغيرهما، فالأولى أن يشارك رب المال بالعروض التي يمتلكها فتقيم بثمن مثلها فيصبح شريكاً في المال من جهة، وعاملاً من جهة أخرى، وقد سبق ذكر هذا النوع من المضاربة بالعروض عندما تقتضيها الضرورة.

وما ينطبق على عدم جواز شرائه العروض من نفسه للمضاربة بمالها… يسري على شراء أو بيع المنافع والحقوق، فلا يجوز له أن يستأجر من نفسه للمضاربة ؛ لأن الاجارة تملك المنافع، والاستئجار فيه تحديد مدة والإتفاق على أجر واستيفاء منفعة، والمدة والأجر هو الذي يحددهما كمؤجر وكمستأجر، وهو الذي عليه استيفاء المنفعة من نفسه، والأجر يشتمل على ربح لا يجوز له أخذ من مال المضاربة، زيادة عما شرط له.

فإن كان لديه أعيان للمضاربة حاجة لمنافعها، وكان عليه أن يستأجرها من الغير إن لم يستأجرها من نفسه، ولأنها منافع لا تصلح أن تكون رأس مال لما يشوب تقديرها من جهالة، ولأنها منفعة عمل لا يقصد لذاته… فيدفع بها إلى المضاربة بنصيب من الربح.

جاء في كتاب فقه المضاربة (ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الاستذكار للإمام ابن عبد البر: ”قال مالك: لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن  يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دونأنأ صاحبه، مع القراض بيع ولا اكراء ولا عمل ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحدهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الإجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافيء أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه، فإذا وفر المال وحصل عزل رأس المال ثم أقتسما الربح على شرطهما، فإن لم يكن للمال ربح أو دخلته وضيعة لم يلحق العامل من ذلك شيء إلا ممن أنفق على نفسه ولا من الوضعية وذلك على رب المال من ماله، والقراض جائز على ما تراضى عليه رب المال من نصف الربح أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر“.

4- استدانته للمضاربة:

اشترط جميع الفقهاء أن يأذن المالك للعامل بالإستدانة حتى يجوز له ذلك، وتختلف صورة هذا الإذن عند الفقهاء ولأن زيادة مسؤولية وضمان المالك من الأمور التي يفضل تحديدها والرجوع فيها إلى الضامن ليعرف حدود التزاماته … فإن الأفضل اشتراط موافقة المالك المسبقة، وقبوله الالتزام من ماله بسداد الثمن المؤجل لو هلك مال القراض أو لو حان أجل الثمن وكان مال القراض عروضاً ولم ينضض بعد. وهذا لا يعني عدم جواز الموافقة اللاحقة إلا أنه في هذه الحالة يكون له حق الإختيار، وقد ذهب المالكية والإمامية إلى جواز اذن المالك بعد الشراء.

والرأي الأظهر هو انه إذا استدان باذن رب المال وضمانه لكل الدين الذي وقع على المضاربة… كان الدين إضافة إلى مال القراض ووقع عليه حكم المضاربة، أما إذا استدان المضارب بدون إذن رب المال كان الشراء الزائد لنفسه له ربحه وعليه خسارته.

ولو نظرنا إلى الشراء الزائد المؤجل فيه الثمن والذي ضمنه رب المال، نجد أنه يكون عادة وفق برنامج زمني؛ مخطط فيه أن تباع عروض مال المضاربة قبل حلول الأجل فيسدد منها ثمن الشراء الزائد، ولهذا… فإن سارت الأمور وفق الخطة التي رسمها العامل فلن يحتاج إلى مال إضافي، فتظل المضاربة على حالها الأول، فينضض عروض الشراء الزائد ويسدد منه رأس المال وما بقى يقتسماه بالشرط.

وقد لا تسير الأمور بنا خطط لها، فيتعطل بيع كل أو بعض عروض المضاربة، أو يصيب مالها وضيعة، ويحين أوان سداد الثمن المؤجل، فيتوجب على رب المال دفع الثمن المؤجل كله أو ما نقص منه، فيزيد رأس مال المضاربة بهذا القدر الذي دفعه، ويرد من ثمن بيع العروض كلها وما بقى يقتسمانه بشرط الربح الأصلي.

فيكون ربح المال – الأصلي بالمال والزائد بالضمان- كله لرب المال، وربح العمل كله للعامل. ولا يستحق العامل حصة من ربح البيع الأول وحده لأنها أصبحت مضاربة واحدة وبعض مالها آنذاك عروضاً ولا يظهر الربح إلا عندما يكون المال كله ناضاً، وفي بعض المذاهب لا يملك العامل ربحه إلا بالقسمة، إضافة إلى أن هذه تمت بإختيار العامل ولم يشترط هذا رب المال.

وما ذهب إليه الأحناف في إعتبار الدين المؤجل شركة وجوه… فهذا لأن المضاربة لاتجوز إلا في مال بعينه، فذهبوا إلى فصل المضاربة عن الشراء الجديد، والذي يكون بينهما شركة وجوه، وقسموا ربحها بنسب التفاضل في الضمان. وشركة الوجوه الجائزة عند الأحناف والحنابلة هي شركة على الذمم يكون ربحها بينهما على قدر نصيب كل منهما في الملك، ولهذا… فنحن نفترض أن الأحناف بفصلهم المضاربة عن هذه الشركة لا يسمحون أن يسدد الثمن المؤجل من إيراد بيع المضاربة، وإلا اختلت نسب الضمان التي ذكروها وهذه الشركة لا تعوض العامل عن جهده وعمله وإنما يقتسمان الربح بنسب تفاضلهما في الضمان.

وهما ان اشتركا في المال في مضاربة فللمال ربحه وللعمل ربحه، والضمان له مثل المال في الربح وخراج المال بضمانه، ولهذا … فشركة الوجوه فيها انتقاص لعوض العامل عن جهده.

ومما سبق لا يجوز للعامل الشراء بأكثر من مال المضاربة أو الإستدانة إلا بأذن رب المال الصريح وضمانه للزيادة من ماله، فإن لم يأذن رب المال … كان الشراء لنفسه من ماله وعليه ضمان الزيادة، ولأن الضمان والعمل منه يكون كل ربح الزيادة له والخسارة عليه، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ولو فعل العامل هذا في تجارة ما، كأن يشتري بكل رأس المال سلعة ثم ينقلها على أن يدفع لمتعهد النقل في الأجل… فإن هذه الزيادة تكون من ماله إذا طلب الأذن من رب المال فرفض، فإن ربحت البضاعة أي كان ثمن المبيع أكثر من رأس المال وثمن النقل، قسم الربح على المال وثمن النقل، فكان له ربح ثمن النقل بضمانه وعمله وله ربح العمل في رأس المال. أما لو خسر… فتكون الوضيعة في المال وثمن النقل بالتناسب فيدفع من ماله وضيعة ثمن النقل.

أما لو اشترى بألف المضاربة بضاعة ثم اشترى بألف ومائة مؤجلة بضاعة مثله… فإن رفض رب المال الأذن له وأصبح الضمان من ماله، فعليه ألا يخلطهما فتكون كل تجارة على حدة، فإن خلطهما كان البيع الأول هو بيع عروض المضاربة وما تبقى بعده هو من بضاعته، ويقسم المال متى انتهى من بيع عروض المضاربة ولا تصح المشاركة هنا.

والأغلب ألا يكتفى بتفويض أمر المضاربة لاعتبار إذن رب المال، والأخذ بالرأي القائل باشتراط اذن رب المال الصريح وضمانه، ويجوز قبل الإستدانة أو بعدها، فإن كان العامل قد اشترى ثم طلب الأذن فرفض رب المال وقع ضمان الشراء الزائد على العامل فكان له ربح الزيادة وعليه خسارتها.

5- الرهن والارتهان:

قال الجمهور إن للمضارب أن يرهن ويرتهن، ومنع الشافعية ذلك، وحيث إن الجمهور قد منعوا الإستدانة إلا بأذن رب المال… فإنه يشترط ألا يترتب على الرهن التجارة بأكثر من رأس المال أو الإستدانة.

6- التوكيل:

يجوز للمضارب أن يوكل غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، والتوكيل هنا يقتصر على الإنابة في ما كان يستدعي حضوره بنفسه والقيام ببعض الأعمال التنفيذية وغيرها، أما التوكيل لغيره باتخاذه القرارات المهمة أو القيام بكل أعمال المضاربة دون إشراف منه على هذا الوكيل… فهذا يستوجب إذن المالك الصريح، إلا إذا عجز العامل عن قيام بالعمل والإدارة، ويشترط إعلام المالك بذلك.

7- الإبضاع:

يشترط موافقة المالك لإبضاع العامل للغير… فإن فعل ذلك دون الرجوع إلى رأي المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترطت الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف إن الإبضاع من عادة التجار ولهذا… فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة… فلهم رأيان: رأي يجيز له ذلك ورأي يشترط موافقة رب المال.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك. ولو نظرنا إلى ما يدعو العامل الذي استلم  رأس مال نقدي إلى المقايضة… نجد أن هذا لن يحدث إلا إذا اشترى عروضاً ثم رأى أن يستبدلها بغيرها، وهذا وإن كان في مصلحة المضاربة… إلا أنه تصرف غريب؛ فالتاجر يشتري ليبيع لا ليبادل، وقد يكون علامة على حدوث مشكلة أو خطأ في التقدير يوجب معه إعلام المالك، ونرى أن نكتفي بإعلامه وليس بطلب الأذن منه فالمقايضة هي مبادلة وهو من البيع و الشراء  وهما مما يجوز له بمضمون عقد  المضاربة.

9- الحولة:

أجاز الأحناف له الحوالة بينما اشترط المالكية اذن رب المال، والحوالة تتأتى من بيعه بالنسيئة، وهذه تتطلب إذن رب المال ولهذا فالأصلح أن يطلب الأذن فيهما معاً.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العامل:

يجوز الخلط قبل العمل عند الجمهور بإذن رب المال، وبشرط أن يكون العامل قادراً على الإتجار بالمالين، أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل… فقد منعه جمهور الفقهاء عن ذلك؛ لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح.

وجهالة الربح تقع لعدم معرفة الربح العائد إلى المالين كل على حدة بفرض اختلافه، ففي نهاية المشروع… سيكون الربح معروفاً للمضاربة ككل، ونصيب العمل فيه واحد فلا جهالة في هذا الجزء، وقد اجتهد الفقههاء لضمان ألا ينال مال ربح يعود إلى مال غيره.

وبالنظر إلى السبب الذي سيدعو العامل إلى خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل… نجد أن الأمر قد يكون لأحد سببين:

–   إما لأنه رأى الخير فيها فأراد أن يدفع ماله ليحقق ربح لنفسه إضافة لربح العمل، وهذا قد يتسبب في جهالة الربح لأن المال المخاطر به حتى هذه المرحلة لا يتساوى ربحه مع المال الذي يدفع به بعد أن تبين احتمال تحقق الربح، وقد يؤدي دفعه بماله إلى أن يباع بعض المال ويتعطل بعضه فيجر ماله وضعية إلى مال المضاربة، ولهذا… يجب إعطاء رب المال الأولوية في الإضافة، فإن لم يرغب فليس للعامل أن يخلط، لأنه إذا دفع بماله إلى المضاربة فكل نماء هذا المال له، فيكون قد جر إلى نفسه منفعة مال غيره الذي خوطر به أولاً، فقد تباع معظم العروض ويتعطل بعضها وقد تكون مما دفع به العامل من ماله، فيصيب رب المال وضيعة ما ليس من خسارة ماله، فيكون الأفضل عدم الجواز، والعامل- إن لم يشترط عليه رب المال ألا يفعل- له أن يتاجر بماله خارج المضاربة بدون الحاجة إلى الخلط، فإن كان قد اشترط عليه… فهو إما أن يكون غير قادر على الإتجار بأكثر من رأس المال فيمنع، أو أن تكون النفقة على رب المال فيتفقا على غير ذلك، مثل أن تكون النفقة على المالين، فإن تاجر بماله فعليه ألا يخلط العروض فيكون ربح أو وضيعة كل منهما معروفاً.

– والسبب الثاني، الذي قد يدعو إلى الخلط هو نقص المال أو حاجه العمل للتمويل الإضافي، ونقص المال في التجارة لابد أن يكون قد نتج عن تصرف العامل وتجارته بأكثر من رأس المال، وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فإن فعل فيكون هذا من قبيل الإستدانة؛ فإن لم يأذن له رب المال… كان الشراء لنفسه من ماله وعليه ضمان الزيادة، ولأن الضمان والعمل منه يكون كل ربح الزيادة له والخسارة عليه، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

وهذا يسهل في التجارة: أما لو كان المشروع عقارياً أو صناعياً فنقص المال قد يحدث لخطأ في تقدير الميزانية أو لتغير في الظروف: كإرتفاع كلفة المراحل المختلفة والغلاء وغيرهم، ويصعب فصل الشراء الزائد لأنه مصاريف المراحل المتأخرة من المشروع الذي لم يكتمل بعد، وهو ليس من قبيل الإستدانة إلا لو رهن المشروع وليس له أن يرهن إلا بالأذن… فإن طلب من رب المال ما نقص من المال فامتنع رب المال، فامتناعه قد يكون إما لعدم توفر المال لديه، أو لأن لديه اقتناعاً أن في المشروع خسارة.

– فإن كان امتناعه لعدم توفر المال لديه؛ فالمشروع مهدد بالخسارة إذا لم يكتمل وبيع ناقصاً… فإن أراد العامل أن يدفع بماله دون شرط عليه رغبة منه في إنقاذ نصيبه من الربح… فلن يكون هذا سوى عند ثقته بربح المشروع إذا اكتمل، ويكون ماله الذي دفع به مخاطراً به مثله مثل مال رب المال وإن اختلفت مدة المخاطرة، فالإولى الجواز طالما كانت هذه رغبة العامل وبإذن رب المال والذي كان في قدرته رهن المشروع لقاء المال الذي نقص، ولا يجوز التقدير وانقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية؛ لأن من طبيعة الخسارة المرحلية أن تنجبر من ربح مرحلة لاحقة، وهي لا تتأكد إلا بإنضاض المال.

فإن دفع العامل ماله يكون مشاركاً في رأس المال بالقدر الذي دفعه، ولأنه دفعه بمحض إختياره وعلمه بظروف المشروع وبعد امتناع رب المال… فله نصيب من ربح المال بحصة ماله وله كل نصيب ربح العمل.

والجهالة التي ستكون في نصيب مالهما من الربح هي جهالة يسيرة؛ فلولا توقعه الربح لم يدفع ماله إلى المضاربة؛ أي إن احتمال جبران خسارة رب المال من ماله غير واردة؛ لأنه لو كان ثمة خسارة لما دفع ماله صيانة لنصيبه من الربح كما افترضنا أعلاه.

ولهذا… فالأرجح – والله أعلم – أن تجاز هذه الحالة الخاصة حماية لمصالحهما، ولأن في منعها ضرراً يصيب طرفي العقد، ولأن الإتفاق يتم بالرضى والقبول.

وهناك سبيل أخر… يستطيع العامل فيه أن يصون ما يتوقعه من ربح عمله، وهو في إقراض المال إذا توفر لديه إلى رب المال، فيستحق رب المال كل ربح المال في المضاربة بماله وبالضمان للدين الذي أصبح في ذمته، ولا يتعرض مال العامل للخطر ولا يختلط بمال رب المال فتنتفي الجهالة.

– أما إذا امتنع رب المال عن تمويل ما ينقص من المال لشكه في إمكانية حدوث الربح؛ مما يوحي بتوقع حدوث الخسارة… فإن رغب العامل في التمويل برغم هذا؛ فرأيه مسبق على رأي المالك لخبرته ودرايته بدقائق وخبايا المشروع، فأما يجاز بأذن المالك ودون شرط إذا كانت هذه رغبته وفق توقعاته المدروسة… فإن لم تكن كذلك وتوقع الخسارة أيضاً، فمصلحة رب المال في إكمال المشروع لتقليل خسارة ماله، ومصلحة العامل هذا أيضاً لما قد يصيب اسمه ومركزه في السوق إذا بيع المشروع قبل اكتماله… فإن امتنع رب المال لنقص المال لديه… فيلجأ عندئذ إلى التقدير بالإتفاق بينهما، فتقدر الخسارة وينقص رأس المال بقدرها.

ويدفع العامل برضاه وبأذن رب المال ما نقص لإكمال المشروع، فإذا نضض المال… عاد لرب المال ماله المنقوص، وعاد للعامل ماله، وقسم ربح المال بحصص رأس المال الجديد، وأخذ العامل كل ربح العمل، وإن كان ثمة وضيعة تحملاها بالحصص هذا عن المال المنقوص، وذاك عن المال الذي دفع به مؤخراً.

ومن القواعد المهمة:

– لا يملك العامل أو رب المال الربح إلا بظهوره، ولا يظهر الربح إلا عند إنضاض كل المال، ولايستحق الربح لأحدهما إلا بالقسمة وبعد إعادة رأس المال.

– حتى يتم إنضاض كل المال، وطالما كان بعض المال عروضاً، تنجبر خسارة مرحلة أو تجارة من ربح مرحلة أو تجارة أخرى سابقة كانت أو لاحقة.

– يؤخذ بتقدير الربح والخسارة وبعض المال عروض كربح أو خسارة شركة المضاربة لا غير، ولا يجوز إنقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية التقديرية إلا في حالات خاصة. وإن وزع ربح مرحلي… كان ديناً في ذمة من استلمه حتى تنتهي المضاربة فيخصم من حقه فيها أو يرد.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

والمفهوم مما جاء أن الفقهاء منعوا الخلط إذا كان المال عروضاً؛ حماية للعامل وخوفاً أن يجبر ربح مال خسارة مال أخر، والعامل له في الربح وليس عليه في الخسارة فينقص حقه إن ربحت واحدة وخسرت الأخرى. وهذا بفرض أن العامل يوظف المال في مشروعات مختلفة… فإن كان المال الأول قد وظف في إستثمار واحد معين ثم تغيرت ظروف هذا الإستثمار – دون تعد منه – مما استدعى زيادة رأس المال لمصلحة المشروع أو للضرورة التي بدونه لن يكتمل المشروع… فإن من مصلحة الطرفين الإستمرار في العمل وزيادة رأس مال المضاربة، وهذه مضاربة واحدة وفي مشروع واحد فتكون نسب توزيع ربح  المال الثاني نفس نسب الأول، ورب المال لم يشترط هذا وإنما الذي رغب فيه وطلبه هو العامل، وقد أجاز المالكية الخلط إذا كان هذا رأيه.

ويجب التنويه هنا أن هذه المضاربة في هذا الوقت ليست بالضرورة خاسرة، وإنما ينقصا المال الذي طلبه العامل من رب المال، وهو لم يطلب المال إلا لإكمال المشروع وتحصيل الربح، فالخسارة ستحدث إن لم يوفر له المال اللازم، وعليه… فلا يتوقع أن يجبر ربحه المستقبلي خسارة رب المال الحالية إذ ليست هناك خسارة أنذاك، وبفرض منع هذا التمويل الإضافي فالضرر يقع على العامل فالمشروع لاربح فيه بدون المال الإضافي؛ فيخسر جهده إذا انفسخت المضاربة أو بيع المشروع ناقصاً، والأغلب أن تحدث الخسارة في مثل هذا البيع الاضطراري، حتى وإن كان المشروع رابحاً عند إكماله؛ فيصيب الضرر العامل كما يصيب رب المال، وهذا ما لم يقصده الفقهاء حين منعوا الخلط والمال الأول عروض.

وحيث إن العامل هو الذي طلب المال الإضافي بنفس شروط المضاربة الأولى، ولم يشترط هذا رب المال، وفيه مصلحة للطرفين، وأي تقييم للمشروع في ذلك الوقت سيظهر ربحاً إذا توفر له التمويل المطلوب، فمتى انتفى احتمال جبران الخسارة بالربح المستقبلي، يكون بذلك التمويل الإضافي لا يتعارض مع أي من شروط صحة المضاربة.

أما إذا فرض أن تقييم المشروع – في ذلك الوقت – قد أظهر احتمال الخسارة المستقبلية، أو أن بيعه ناقصاً لن يغطي رأس المال… فإن هذا التقييم هو تقديرات لا يصح معها تحديد الخسارة وتحميل رب المال هذه الخسارة التقديرية بإنقاص رأس المال الأول بقدرها؛ لأن المشروع لم ينته، والعامل مازال يرى وجه الربح فيه إذا تمكن من إكماله، وإلا فلماذا يسعى طالباً المال الثاني وباذلاً الجهد والعمل حتى يكتمل، فيكون الخيار للعامل وهو من قصد الفقهاء حمايته… فإن رأى الاستمرار فله هذا، وليس من المنطق نص الشروط التي تقرر ما هو خير له بقصد حمايته، فهو أدرى بمصلحته إن لم يتعارض مراده مع الشروط الشرعية.

وقد لايرى العامل الخير في الاستمرار، فله فسخ المضاربة لنقص المال فتباع العروض ويضيع عليه جهده وعمله، أو أن يتم الاتفاق مع رب المال على تقدير وإنقاص ما هلك من رأس المال الأول، يدفع بعدها رب المال المال الأضافي؛ رغبة منه في تعويض ما نقص إذا ربح المشروع أو تقليل الخسارة، ويصبح رأس المال هو الأصلي المنقوص وهذا المال الإضافي.

وما سبق يتعلق بمشروع واحد، فماذا عن مال المضاربة الذي وزع في عدة مشروعات، مثل وضع المودع في البنك الذي يوزع البنك ماله في عدة مشروعات، والمودع لن يشترط، فمضاربته مع البنك مطلقة، ولهذا… فالعامل له الخيار، ولكن العامل هنا هو البنك وهو رب المال في المضاربة الثانية، فإن نقص مال في المضاربة الثانية وقبل البنك طلب العامل الثاني بالتمويل وبدون شرط عليه… وجب عليه أن يجمع المال بنفس الحصص السابقة من أصحاب الودائع، فلا يدفع مال غيرهم في نفس المشروع، حتى لا يجبر ربح أحدهم خسارة الآخر، ولا يكسب أحدهم مما حق له فيه، فهذا لا يجوز وإن وافق الجميع، فإن لم يكن مال عند المودعين أو امتنعوا ورأى البنك الخير في إكماله، يقيم المشروع بدقة فتكون قيمته هي رأس مال جديد من ودائع أخرى، ويتساوى أرباب المال أنذاك في الربح والخسارة. وهذا الترتيب في رؤوس الأموال لا علاقة له في حصة المضارب الثاني ولا في حصة البنك من الربح وهي حصص ربح العمل، والذي لا يحدد إلا عند إنتهاء المضاربة، مع توفر شرط الاختيار لهما فإن شاءا أكمل المضارب الثاني المشروع وإن أبى أحدهما تنفسخ المضاربة.

12- مضاربته للغير:

لا يجوز للمضارب أن يأخذ مال أخر مضاربة إلا أن يأذن له رب المال، ويجب النص في العقد على ذلك، فإن أذن له وكانت النفقة من المال الأول… تقسم النفقة على المالين.

فإن لم يأذن رب المال أو منع العامل في العقد عن ذلك فأخذ مالا مضاربة من غيره… فإن ربح المضارب  من المضاربة الثانية، يرد ربحه إلى المضاربة الأولى كربح لها.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

لا يجوز للعامل أن يشارك غيره في مال المضاربة إلا بإذن رب المال.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

يجوز أن يدفع العامل مال المضاربة إلى مضارب ثان إذا أذن له رب المال صراحة بذلك في العقد، وقد اكتفى الفقهاء غير المالكية والشافعية بالتفويض، إلا أننا في هذا العصر نجد أن الأدوار محددة وموزعة فمن يدفع ماله إلى بنك إسلامي أو شركة استثمار أموال يعرف أن البنك أو الشركة قد يدفعان به إلى مضارب ثان، ولا مانع في هذه الحالة أن نكتفي بالتفويض، إلا أن الأذن صراحة في العقد أسلم لأن التفويض المطلق قد يشتمل على أذون أخرى وقد لا يعرف صاحب المال ما قد يشمله هذا التفويض المطلق.

بينما رب المال الذي يقصد تاجراً أو شركة عاملة، لايود – في الأغلب – أن تعطي هذه الشركة ماله إلى مضارب أخر فهو قد قصدها لتستثمر ماله في أعمالها، ولهذا… يجب أن ينص العقد صراحة إن أرادت الشركة ذلك فيعرف رب المال فيأذن أو يرفض.

ويفضل الحرص في إعطاء الإذن للعامل – غير البنك والشركة المتخصصة – حق دفع المال مضاربة مع الغير لما فيه من تفويض يؤثر على نصيب رب المال من الربح، وقد يستغل هذا التفويض من قبل البعض القليل من العمال الذين قد يجدون فيه طريقة جائزة لمضاعفة نصيبهم من الربح، فيدفعون المال إلى شركات أخرى قد تكون مملوكة لهم أو جهة تخصهم؛ فيتوزع الربح نصفه مثلاً للعامل الثاني والنصف بالشرط بينهم وبين رب المال، ولاداعي لإعطاء العامل – غير البنك والشركات المتخصصة – هذا الحق فإن أصاب العامل ما يمنعه عن العمل فإما يستأجر أو يعود إلى رب المال فيطلب الأذن بإعطاء المال مضاربة، وهذه حالات نادرة.

أما ما قال به الشافعية من عدم جواز دفع مال المضاربة مضاربة؛ لأن القراض موضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملا ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح. فإن البنك الإسلامي له دور مهم في هذه المضاربة فهو يجمع الأموال من عدة مودعين، ويوزع الإستثمار على عدة عمليات لتقليل درجة المخاطرة، ويقوم بالدراسات والأبحاث لاختيار أفضل المشروعات، ويتأكد من قدرة وأهلية وأمانة العامل، ولهذا العمل أثر بالغ في تحقيق أعلى عائد ربحي مع تقليل احتمالات الخسارة، ونظراً لطبيعة هذا العمل وأثره على الربح… يفضل أن يقاس جزاء من يقوم به بمعيار ما حققه من ربح، فتتوفر له الحافز الذي لم يكن ليتوفر بنفس الدرجة لو استؤجر عليه أو وكل به لقاء أجر.

ومتى وقع اختيار البنك على العامل… تختلف الأدوار فيكون البنك العامل في المضاربة الأولى، رب المال في المضاربة الثانية، وهو إن لم يكن يملك المال… إلا أنه  يملك التصرف فيه بالوكالة، فيصبح في المضاربة الثانية منه المال بالوكالة فيدفعه إلى العامل الثاني الذي منه العمل.

ونجد أن المضاربة إذا تشعبت مجالاتها فشملت الصناعة وغيرها من مجالات الاستثمار المتنوعة … فإن دور البنك والشركات المتخصصة … دور لا يمكن الاستغناء عنه، وهذه المؤسسات تمتلك الخبرة والقدرة والمعرفة وسيكون لها أثر كبير في ضبط وتطبيق هذه المعاملة التي سيعود نفعها بالخير على المجتمع عامة، والمشروعات التي تحتاج للتمويل في هذا العصر أغلبها ذو حجم أكبر من أن يمول من مال رب مال واحد، وليس من المنطقي أن يشترك أرباب الأموال معاً إلا من خلال هذه القنوات التي تتمتع بالخبرة والعلم وثقة الناس بها، ومصلحة الأمة في اجازة هذه المضاربات والأخذ برأي الجمهور الذي أفتى بجوازها.

ولهذا… يجب التفريق بين الاجازة في حالة البنوك والشركات المتخصصة، والكراهة فيما عداهم إلا في بعض الحالات النادرة، منها أن يرى المضارب- من غيرهما- أن الخير والمصلحة يكونان في دفع جزء من العمل مع دفع جزء من المال- أو دون دفع مال- إلى جهة معينة لقاء نصيب من الربح.

أما عن طريق تقسيم الأرباح… فالأنسب هو ما ذهب إليه الأحناف والزيدية من أن: لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله: خذ هذا المال على أن مارزقك الله من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح، فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزق الله للمضارب الأول، النصف للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي؛ أي لكل منهما ربع الربح الذي حققه المضارب الثاني.

أما لو دفع العامل مضاربة إلى عامل ثان، دون إذن رب المال فتجر فيه العامل الثاني فهلك جزء من رأس المال، فالرأي كما يلي:

إن كانت المضاربتان صحيحتين، وتصرف العامل الثاني في المال، يضمن العاملان رأس المال لربه… فإن كان العامل الثاني يعرف أن المال مال مضاربة أولى، يحق لرب المال مطالبة أي من العاملين بما تلف من المال، فإن طالب العامل  الثاني فعليه الأداء، ولا يحق للعامل الثاني أن يطالب العامل الأول. وإن طالب رب المال العامل الأول … فعليه الأداء ويحق له أن يطالب العامل الثاني؛ أي إن العامل الثاني هو الضامن الأخير لعلمه ولأن المال تلف في يده. وقال المالكية بتضمين العامل الأول لأنه والأغلب قد تعدى، وقال الأحناف بتضمين الأول لأنه غر الثاني بالعقد، وهذا لا يحدث في حالة علم العامل الثاني.

وقد أخذنا بتضمين الثاني في حالة علمه؛ لأنه في حالة الربح… يكون تصرف العامل الأول مفيداً للمضاربة.

أما لو لم يعرف المضارب الثاني بالمضاربة الأولى … يكون الأول غره بالعقد فيضمن الإثنان؛ فإن طالب رب المال الأول … لم يكن له أن يرجع على الثاني، وإن طالب الثاني كان له أن يرجع على الأول لأنه غره.

أما لو لم تكن المضاربة الأولى صحيحة لتخلف ركن من أركانها أو شرط من شروط صحتها، فقد قال الأحناف إن فساد الأولى يوجب فساد الثانية ويصبحان أجيرين ولا ضمان عليهما، وإن صحت الأولى وفسدت الثانية قالوا يصبح العامل الثاني أجيراً عند الأول والأول له أن يستأجر فتصح المضاربة الأولى ولا ضمان عليه.

أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح؛ فالمشكلة تقع هنا لأن الضمان قد حدث عندما تصرف العامل الثاني في المال، فضمن لرب المال ماله، فلم يعد يطيب له ربح ما ضمن له، فإن لم يكن له الربح كان كله للعاملين… فإن تحقق الربح من المضاربة الثانية، ينال العامل الأول أكثر بتعديه مما كان ليناله لو لم يتعد أو كان قد طلب الإذن وإذن له.

وقدا اختلف الفقهاء فيمن يحق له الربح:

فقال الحنابلة والزيدية في رأي لهم إن الربح كله لرب المال ولا شيء للعاملين.

وقال الزيدية في رأي لهم الربح بين رب المال والعامل الأول، على أن يدفع الأول للثاني أجرة عمله.

وقال الشافعية – في رأيهم القديم – إن نصف الربح للمالك والنصف بين العاملين بالتساوي، وفي القول الجديد للإمام الشافعي رحمه الله أن الربح كله للغاصب، واختار الإمام السبكي أن يكون الربح للثاني.

وقال المالكية الربح بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للأول.

وقال الأحناف والزيدية – في رأي لهم – إن الربح بين العاملين، وقال الأحناف إذا لم تكن المضاربتان صحيحتين… كان الربح كله لرب المال، وللعامل الأول أجر عمله على المالك، ويرجع الثاني على الأول بأجر عمله.

وقد اختلفت اجتهادات الفقهاء للمشكلة التي ذكرناها، وهي اجتماع الضمان والربح، والضمان وقع قبل حدوث الربح وكان من الممكن أن يكون مكلفاً لأحد العاملين لو لم يتحقق الربح، ولهذا… يجب التفريق بين من يقع عليه الضمان في حالة هلاك رأس المال أو تلف جزء منه وكانت المضاربتان صحيحتين… فإن كان الضمان سيقع على الأول لعدم معرفة الثاني بأصل المال، فالربح بينهما هذا بضمانه وذاك بعمله، ولرب المال ماله ولا شيء له في الربح. وإن كان الضمان سيقع على العامل الثاني لمعرفته بالمضاربة الأولى… فله نصيبه وما كان لرب المال من الربح، الجزء الأول بعمله والثاني بضمانه، ويجب إعلام رب المال حال عقد المضاربة الثانية وله في هذه الحالة إما أن يأذن، أو يفسخ، أو يقبل الضمان… فإن قبل الضمان صح ما سبق ذكره هنا.

وإعلام المالك هو من مسؤولية المضارب الأول إن لم يعرف الثاني حقيقة المال، فإن لم يعلمه المضارب الأول فالضمان لم يعط لرب المال في ذلك الوقت، فإن عرف الحقيقة عند حدوث الربح أو الخسارة… فله أن يجيز فتصح المضاربة ويطيب له ربحه، أو لا يجيز فيحق له ضمان ماله، وبالطبع سيجيز لو كان في المال ربح، وسيمتنع إن كانت فيه خسارة، وهذا لا يتعارض مع حقه في الربح لأن الضمان لم يقع، وهو حتى علمه بالأمر كان مخاطراً بماله أي ضامناً له.

ونحتاج هنا إلى دراسة متى يقع الضمان، واتفق الفقهاءأن الضمان يقع عند التعدي، والتعدي هنا هو بدفع المال إلى المضارب الثاني، ولكن العامل قد دفع المال لفائدة ترجى من استثمار مع العامل الثاني، والشروط عامة يمكن تعديها إلى ما هو أفضل بشرط تحقق الأفضل، وفي حالة الاستدانة والشراء للمضاربة بأكثر من المال مع تأجيل الثمن بدون إذن… أجاز المالكية والإمامية أن يعود العامل إلى رب المال؛ فإن أذن له جاز، وإن لم يأذن… كان شراء العامل بالثمن المؤجل لنفسه، فلا يفسد العقد تلقائياً بالتعدي الذي يرجى منه الخير فيخير المالك فإن أبى ضمن العامل هذه الزيادة، ويصبح الشراء الزائد لنفسه وتستمر المضاربة في المال الأصلى غير المضمون من العامل، ولهذا… فإن تعدي العامل بدفعه المال مضاربة لمصلحة يراها، هو رهناً بإذن رب المال، والذي لا يزال من الممكن تصور الحصول عليه لاشتراكهما في المصلحة، فإن رفض المالك وكان المضارب الثاني قد باشر العمل… وقع أنذاك الضمان على العامل، ومتى وقع الضمان فليس لرب المال إلا رأس ماله، والله أعلم.

أما إذا عرف المضارب الثاني بحقيقة مال المضاربة الأولى، فمسؤولية إعلام رب المال تقع عليهما معاً، فإن أعلماه أو أعلمه أحدهما وأبى أن يأذن… كان على العامل الثاني أن يعيد المال، ومتى عاد المال… كانت المضاربة الأولى صحيحة إلا أن يفسخها رب المال، أما إذا لم يعلماه فالعامل الثاني تقع عليه المسؤولية لأن العامل الأول إنما دفع المال لما رأى من المصلحة، بينما الثاني قد أخذ المال، مع علمه أن صاحبه لم يجز له أن يتصرف فيه وهو ما أخذ المال ليعمل فيه إلا راجياً الربح، فإن عمل وربح أو خسر، وعلم رب المال بالأمر فله أن يختار بين أن يجيز ما فعله الأول أو يأذن به، فإن أجاز… صحت المضاربتان وكان الربح على الشرط، وإن رفض ضمن الثاني له ماله، فإن طالب الأول رجع الأول على الثاني.

15- سفره للمضاربة:

للمضارب أن يسافر بالمال، إن لم ينه رب المال عن ذلك أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

ولا يجوز له الإقراض أو التبرع من مال المضاربة، إلا بأذن رب المال.

17- المخاصمة والمقاضاة:

والخصومة تنشأ عن تصرف العامل أو اعتداء الغير دون تعد من العامل؛ ولأن العامل يملك المعلومات والأدلة التي تيسر له المقاضاة… وجب عليه أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير، أو يدافع عن مالها لو تعدى الغير… فإن كانت الخصومة ناتجة عن تقصير بين من جانبه يتحمل هو تكاليفها من ماله وإلا كانت من مال المضاربة.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة مال من طرف وعمل من الطرف الثاني

الشركة العامل التي تخصصت في مجال معين من مجالات الاستثمار وليكن التجارة، هي كيان مستقل لها مكتبها الرئيسي بما فيه من الموظفين الإداريين والتنفيذين ومعاونيهم، وتملك في الأغلب أدوات ومعدات وشاحنات ومخازن ومتاجر، واكتسبت شهرتها القائمة على هذه الأصول الثابتة من جهة، وعلى خبرات أجهزتها الإدارية والتنفيذية من جهة أخرى. ولها سجل سابق أعمال وحسابات ووضع مالي وذمة منفصلة. وهذه الشركة- بكل كيانها- تأخذ محل العامل في عقد المضاربة، الا أن قدرتها تتناسب مع حجمها الأكبر بكثير من قدرة العامل الشخص، وهذا الحجم قد وجد ليناسب حجم الاعمال التي تطلبه مشروعات الاستثمار في هذا العصر، فلم يعد في قدرة الفرد القيام وحده بالمشروعات الكبيرة والتي تتطلب اجتماع خبرات مختلفة، كما لم يعد في قدرة التاجر الفرد منافسة الشركات التجارية الكبيرة والتي تمتد متاجرها ومخازنها في طول البلاد وعرضها.

وكذلك رب المال… فلم يعد مال رب مال واحد يكفي للاستثمار في المشروعات التجارية أو الصناعية التي تحتاج لأموال كثيرة، فجاءت البنوك الاسلامية لتجميع روؤس الاموال من أصحابها وتوجيهها إلى الاستثمار ذي الحجم القادر على المنافسة وتحقيق الربح. وهذا بغرض رفع كفاءة الانتاج بتقليل نسبة تحميل التكاليف الثابتة على المنتج.

ولهذا… كان التطور الطبيعي لمواجهة متطلبات العصر أن يتسع عقد المضاربة من الشكل الثنائي أو المتعدد بين أشخاص، إلى أن يشمل الشكل الثنائي أو المتعدد بين شركات لها شخصيتها المعنوية الخاصة بها ولها ذمتها المستقلة – بشرط ألا تستدين هذه الشركات أو تتاجر بأكثر مما تملك، وهذا الشرط لم يشترطه الفقهاء على طرفي المضاربة اذا قبل أحدهما بضمان الدين وكان الضمان أكثر من ماله- ولا يوجد ما يمنع هذا التوسع فالوكالة والمشاركة وكل التصرفات التي تحق لطرف المضاربة تحق للشركة، ومتى تم التعاقد وحررت اتفاقية المضاربة الصحيحة… فليس ما يمنع من تنفيذها وفق الشروط الصحيحة التي ينص عليها، وما ينطبق على الشخص ينطبق على الشركة.

نعود إلى الشركة التي لها كيان مستقل، وهي العامل، فنجد أن مصاريف مكتبها الرئيسي بموظفيها ومفروشاتها وادواتها وكافة المصروفات الثابتة والتي تصرفها على نفسها سواء عقدت المضاربة ام لم تعقدها هي نفقتها، وتعامل مثلها مثل نفقة العامل.

 وما تملكه هذه الشركة من متاجر وشاحنات والآت هي ما يكون قدراتها، والعمل الذي تقوم به هذه الأعيان والأصول هو من صميم العمل الذي يؤدي إلى نماء مال المضاربة والذي يكون منه- أي النماء- عوضها عن العمل والفكر الذي بذلته، ولولا هذه القدرة لما توجه اليها أصحاب الاموال.

أما ما تستأجره من الغير أو تستأجر الغير عليه… فمن مال المضاربة، ولها أن تختار ما تشاء بشرط أن ينعكس هذا على نصيبها من الربح والذي فيه عوضها عن ما تستخدمه من قدراتها.

المضاربة في مشروع معين:

لا يحق لرب المال أن يشترط على المضارب نوع العمل إلا في الحدود التي بينها الفقهاء، الا أنه لا يوجد مانع في أن يتوجه المضارب إلى رب المال بتجارة معينة فيقنعه بجدواها؛ فإذا اقتنع ووافق عقدت المضاربة على هذا الاساس، ولا يعود بعدها لرب المال الحق في التدخل، وأغلب الظن أن تجارة قوافل الشام واليمن في العصر الجاهلي والاسلامي الأول كانت تمول بمضاربات بقصد هذه التجارة؛ أي إن مجال ووجهة وربما نوع التجارة كان محدداً أو معروفاً.

وهذه الشروط التي ينص عليها العقد هي شروط جعلية (وضعية) انبثقت من العرض الذي تقدم به المضارب، وليس لرب المال يد فيها، ولأنها شروط مبنية على توقعات… فلا يوجب فيها الإلزام إلا ما كان يؤثر على الربح؛ فإذا اتفقا ان العامل يقدم عمله وعمل شاحنته وله من الربح الثلثين… فإن استأجر شاحنة غيره لتقوم بنفس العمل لزمه الاجر من ماله لأن له عوض ذلك من الربح.

والمعتاد ان تتقدم الشركة إلى البنك بدراسة الجدى الاقتصادية للمشروع، وفيه تفصيل التكاليف والإيرادات المتوقعة، ولو أخذنا مثالاً لدراسة جدوى عملية تجارية مبسطة؛ فسيكون ما يقدمه العامل من تقديرات كما يلي:

Chapter5-Pg273

مما سبق .. نجد أن مصاريف المكتب الرئيسي – وقد اعتبرناها نفقة العامل – يمكن أن يتحملها العامل من ماله مادام مقيماً، ويكون عوضه عنها جزء من الربح.

ويجب التنويه هنا أن أجرة البائع على العمل الذي يقوم به، من الأعمال التي جرت العادة أن يقوم بها التاجر بنفسه؛ فتتحملها الشركة العامل من مالها؛ فالأعمال التي سيقوم بها كالعرض والمساومة وقبض المال وغيرها من صميم أعمال المضارب التي وصفها الفقهاء وهي إن استأجر عليها… فمن ماله، لا من مال المضاربة ولا من ربحها.

فإن افترضنا وبعد الأخذ بعين الاعتبار تحمله مصاريف المكتب الرئيسي وأجر البائع من ماله وعوضه عن الجميع في ربحه، وأن الاتفاق المبدئي نص على أن الربح سيكون بينهما بالتساوي، تعدل الدراسة كما يلي مع تثبيت رأس المال على ما كان عليه:

Chapter5-Pg274

ولو استأجر الشاحنة من الغير… يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو227.5، وله مثله؛ وحيث إنه يود استئجار الشاحنة والمتجر من نفسه… يمكن أن يكون عوضه عنهما من النماء أيضاً.

وعمال التحميل – وإن عملوا في الشركة – إلا أنهم ليسوا من المصاريف الثابتة كالمكتب الرئيسي؛ فلا يصح اعتبارهم من النفقة أو من عمله الذي يلزمه في العقد، ويعتبرون كطرف ثالث، وما يدفع مباشرة لهم من مال المضاربة على الا يصل للعامل منه شيئاً.

فيعاد صياغة الجدول كما يلي:

Chapter5-Pg275

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل- الشاحنة والمتجر- ويعود اليه استحقاقه وهي 135، ونسبتها 22.88% من الربح، وما يتبقى يقتسم بينهما بالنصف؛ فيأخذ رب المال 227.5؛ أي 38.56 %من الربح الموزع، ومثلها للعامل.

وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 61.44% للعامل، و38.56% لرب المال.

فيكون عوض العامل عن أعيانه بقيمة منافعها، مضافاً إليها ما تربحه مثل ربح المشترى، وهي أعلى من نسبة نماء مال المضاربة؛ لأننا افترضنا في المال أن التكاليف الأخرى – غير الشراء – لن تتغير بتغير كمية الشراء، أي إن ثمن تحميل ونقل وعرض المشترى لن يزيد بزيادته، فإذا كانت مما يتأثر بزيادة كمية المشترى… يكون الصحيح من الجدولين الثاني والثالث كما يلي:

الجدول الثاني:

Chapter5-Pg276-1

أي لو استأجر الشاحنة والمتجر من الغير … يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو 215.5.

الجدول الثالث:

Chapter5-Pg276-2

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل، ويعود إليه استحقاقها، وهي 141.3، ونسبتها 24.7% من الربح، وما يتبقى …
يقتسم بينهما بالنصف لرب المال 37.65%؛ أي 215.5 لرب المال ومثلها للعامل، وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 62.35% للعامل و37.65% لرب المال.

والفرق يسير بين التعديل والأصل، إلا أن التعديل بغرض التأكد أن أحدهما لاينال مما ليس له فيه مال أو عمل، وقد اعتنى الفقهاء بهذا وحرصوا عليه، وبالرغم من تركهم تحديد النسب وفق اتفاق الطرفين… إلا أنهم حرصوا على صحة ودقة الحساب متى حددت هذه النسب.

وإن كان ثمن البيع أقل من رأس المال… تكون الوضيعة على رب المال وليس على العامل إلا ما قدمه من منافع، وتعود إليه أعيانه والتي لم تفارق ملكه.

ويتضح مما سبق… أنه يجب على العامل الذي يتقدم بدراسة إلى البنك، أن يكون حريصاً في أن تكون دراسته دقيقة وصحيحة، فكل ما قد يقدمه سوف يعاير بمعيار الربح الذي تظهره دراسته، فإن أظهر هذا الربح أكثر من الحقيقة بقصد اقناع البنك بجدوى مشروعه… فإن الأعيان التي تقدمها شركته إن قيمت بمعيار هذا الربح، كان الضرر عليه إذا كانت حقيقة الربح أقل مما جاء في دراسته، ولو أنقص الربح في دراسته – متعمداً – لزيادة نسبة هذه الأعيان منه، فقد يفقد المشروع جدواه الاقتصادية.

والمضاربة ليست كما قد يظنها البعض أن يدفع الرجل مال إلى من يأخذ المال فيصرف منه على التجارة وعلى نفسه كما يشاء، ثم قد يعود إلى رب المال خاسراً فيتحمل رب المال هذه الخسارة وحده، بل إنها تختلف عند الفقهاء المتقدمون؛ فالعامل لا يصرف من مالها على نفسه شيئاً- إلا باذن رب المال في بعض الحالات كالنفقة والتي حصرها الفقهاء وفصلوا البينود التي تصرف فيها
– بل ويصرف من ماله عليها إذا استأجر من يعمل ما لزمه هو من العمل، وعمله وفكره وما يبذله فيها لا قيمة له إذا لم يتحقق نماء، فهو من يتحمل الجزء الأول من خسارة المضاربة قبل أن تصل الخسارة إلى مالها، وربح المضاربة ليس هو الربح الصافي بعد تنزيل كل مصروفات المعاملة بما فيها قيمة عمله والذي قام به بدلا من استئجار الغير كما قد يقول البعض، وإنما ربح المضاربة الذي يوزع بينهما بالشرط هو الفرق بين إيرداها – بعد تسديد أي ديون أو أثمان مؤجلة عليها مأذون بها من قبل رب المال – ورأس المال؛ وليست ربح التجارة كما نفهمه في عصرنا الإيراد بعد خصم كل التكاليف. والمضاربة التي وضع أسسها الفقهاء المتقدمون هي المضاربة العملية العادلة التي يمكن تطبيقها في هذا العصر وفي أي عصر. أما ما جرت عليه العادة اليوم… فليس عملياً ويؤدي إلى النزاع ولهذا … يفشل تطبيقه ليس لعدم مناسبة هذا العقد وإنما لخطأ في فهمه.

ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة لهذا المعاملة؛ نظرا لتشعب سبل الإستثمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الإستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أقنية استثمارية تحكمها الضوابط والأحكام الشرعية التي توفر العدل والأمان وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالطمأنينة والرضى.

والمضاربة هي المعاملة التي وجدت فيها البنوك الإسلامية الصيغة المناسبة- بل وكأنها صممت لهذا الغرض- لتنظم العلاقة بينهما وبين المودعين، إلا أنها عزفت- في أكثر الأحيان- عن استخدامها في علاقتها مع طالبي التمويل.

ونتعرف على الأسباب من أقوال الإقتصاديين والعاملين في هذا المجال:

واقع التمويل بالمشاركة في البنوك الإسلامية العاملة في السودان- للدكتور عابدين سلامة- ص59-70 مجلة البنوك الإسلامية عدد71.

جاء في البحث: ”هناك رغبة للبنوك الإسلامية العاملة للعمل وفق صيغة المرابحة لما في ذلك من ضمان أموال المودعيين  من أن تتعرض لمخاطر المشاركة.

وفي مجال المشاركة في القطاع التجاري جاء: وبعض هذه الحالات تؤكد ما توصل إليه الباحثين من أن بعض العملاء يلجأ إلى التحايل في بيع البضاعة بسعر وإظهاره في فاتورة صورية بسعر آخر أو محولات تدوير المبلغ والاستفادة منه لمصلحة العميل فقط دون اشراك البنك أو محاولة حجب النواحي المالية والإدارية من البنك واخفائها والإنفلات الزمني للعمليات ويكون للعميل ضلع كبير فيه وللباحث صاحب الدراسة المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات الحالة التي استعرضناها وما توصل إليه بعض المفكرين في هذا المجال إذ أوضحوا أن ضعف القيم ووالأخلاقيات في المعاملات قد ضيق من تعامل البنوك الإسلامية على أساس المشاركة والمضاربة واتجهت كما شاهدنا من المعلومات الاحصائية التي استعرضناها إلى المرابحة حيث لا حاجة لها إلى فحص حسابات العميل“.

وجاء في البحث: ضيغ التمويل الاسلامي للدكتور سامي حمودة مجلة البنوك الاسلامية ص40

ص42: ”فالخلط بين الامواال في عقود المضاربة الشرعية لا يجوز بعد بدء العمل حتى لو كان بين ذات المتعاقدين رب المال المضارب، لأن كل عقد يستقل بحكمه بحيث لو وجد عقدان ربح الاول وخسر الثاني فان الخسارة في العقد الثاني لا تنزل من الربح المتحصل في العقد الأول، ولو حصل ذلك لكان فيه إهدار لحق العامل في المال.

كما ان طريقة قسمة الارباح المقترحة  لا تتفق مع الاصول والقواعد الفقهية المتفق عليها في المضاربة حيث يفترض في قسمة الربح في المضاربة تنضيض المال اي اعادة رأس المال نقوداً كما كان لكي يسترد رب المال كامل رأس المال إذا سلم مع نصيبه من الربح، ويأخذ المضارب حصته من الربح بحسب ما كان قد أتفق عليه من أبتداء العمل في المضاربة وهذا هو نصيب البنك الاسلامي من الربح الذي يدخله في ميزانيته ويطرح منه مصاريفه ورواتب موظفيه وسائر نفقاته.

 

أما بالنسبة لما يفعله االبعض من البنوك الاسلامية من ناحية تنزيل النفقات ورواتب العاملين في البنك ممن لهم علاقة بأعمال المضاربة ومن ليس لهم علاقة بذلك ثم يعطى للمودعين المستثمرين ما يقرره مجلس الادارة من ارباح فان ذلك التصرف يخالف القواعد الفقهية للمضاربة الشرعية.

وإذا كان تطبيق القواعد الخاصة بعقد المضاربة بصورتها الواردة فى المؤلفات الفقهية أمر متعذر عملياً في المؤسسات المصرفية، فإن الحل لا يكون بالتغاضي عن التقيد بتلك الشروط والأحكام الفقهية، وإنما يكون الحل بالتبصر فيما يلزم تقريره من أحكام لهذا الوضع الجديد.

وان الحل الذي رأيناه يمثل في الحاجة إلى استحداث عقد جديد له خصائص متميزة عن عقد المضاربة الفردية حيث يحكم هذا العقد علاقات المضاربة المشتركة بكل ما تحتويه من عناصر التعدد في المشاركين وأحكام الاستمرار فيما لا تتم تصفيته من الأموال الداخلة مع المستثمرين“.

ص47: ”ذلك أن البنوك الاسلامية- برغم نجاحها الكبير في اجتذاب المدخرات الوطنية في البلاد التي وجدت فيها- مازالت غير قادرة على إيجاد الوسائل الاستثمارية المناسبة لتوظيف السيولة الفائضة لديها والاسهام في انتقال روؤس الاموال الاسلامية داخل بلاد العالم الاسلامي. وليس هناك من اسرار يفضي بها عندما نقول بأن البنوك الاسلامية تعتمد إلى حد كبير على الاسواق المالية العالمية في أوربا وأمريكا لاستثمار فائض السيولة لديها في اسواق السلع الدولية وتمويل التجارة العالمية. وبذلك تكون البنوك الاسلامية قد أسهمت من غير قصد في استنزاف المزيد من ثروات العالم الاسلامي تاركة بلاد المسلمين تحت وطأة الحاجة للمال الذي يخرج ولا يعود“.

ويقول الشيخ صالح كامل في مجلة التجارة عدد شوال 1410هـ: ”أين هو المسلم الأمين الذي نأتمنه على أموال الناس“.

وقد خرجنا من هذا البحث أن المضاربة- كما وردت في كتب الفقه- هي عقد رائع وصالح للتطبيق العملي، ويحمل في أحكامه ما يكفل الحماية لأطراف العقد وضمان العدل في توزيع منافعه. وأن القاعدة العامة في المصروفات التي تكون من مال المضاربة: إن ما يصرف من مالها هو ما يعاوض به الغير فتدفع إلى أطراف أجنبية عن العقد مقابل معاوضات لا مقابلات، إلا بالإذن في حالة المقابلات كالمشاركة والمضاربة، ولا يجوز للعامل أن يأخذ من رأس المال سواء أكان بعوض أم بدون عوض، إلا في حالة النفقة في السفر أو الحضر، وبالشرط فقط في الحضر.

<< previous page next page >>

الباب الثالث: مجالات الاستثمار من خلال عقد المضاربة

الباب الثالث

مجالات الاستثمار

من خلال عقد المضاربة

 

 الفصل الأول

طبيعة المضاربة

ذهب الأحناف والشافعية إلى أن المضاربة من جنس المعاوضة كالإجارة، وإنها واردة على خلاف القياس لجهالة العمل وجهالة الأجر، والأصل فيها إنها لا تجوز، وقد رخصها الشارع استثناءً من الأصل وتحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس وتلبية لحاجاتهم ورفقاً بهم.

بينما ذهب الحنابلة إلى أن المضاربة من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فالمضاربة مثل المساقاة والمزارعة، أصلاً يقاس عليه.

جاء في القياس لابن تيمية من أن عقد المضاربة من جنس المشاركة لا من جنس المعاوضة الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركة جنس غير جنس المعاوضة، والمضاربة ما لا يقصد فيه العمل بل المقصود المال، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئاً لم يكن له شيء. بل المضاربة مشاركة فالعامل بنفع بدنه وصاحب المال بنفع ماله وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة، وإذا شرط شيئاً مقدرا في المضاربة لم يجز لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين.

وجاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة للدكتور عبد الله عبد الحميد العبادي (صفحة 211، 212):

”ذهب الأحناف إلى أن القياس في عقد المضاربة لا يجوز، وعللوا لذلك أنه استئجار بأجر مجهول بل بأجر معدوم، والعمل مجهولاً لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع. (بدائع الصنائع جزء 8)

وجاء في تحفة المحتاج في الفقه الشافعي (جزء 5 ص220): ”وهو – أي القراض – رخصة لخروجها عن قياس الإجارات كما أنها كذلك لخروجها عن بيع ما لم يخلق“.

أما الحنابلة فإنهم اتجهوا اتجاهاً آخر فيه يسر وسعة، حيث إنهم الحقوا المضاربات بعقود الشركات: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في القواعد النورانية: من قال إجارة بالمعنى العام فقد صدق، ومن قال إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ. ثم يضيف في مكان لاحق: ولهذا جوز أحمد سائر أنواع الشركات التي تشبه المساقاة والمزراعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرها إلى من يعمل عليها، والأجرة بينهما.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: فالذين قالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس، ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة، لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا أن العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا هي على خلاف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة (إعلام الموقعين 2/4). ثم نوع العمل إلى ثلاثة أنواع:

1-     أن يكون العمل مقصوداً، معلوماً مقداره، مقدوراً على تسليمه، فهذه الإجارة  اللازمة.

2-     أن يكون العمل مقصوداً، لكنه مجهول أو غرر، فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم.

3-     مالا يقصد فيه العمل، بل المقصود منه المال وهو المضاربة“.

وجاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 29 ص 98) في موضوع المساقاة والمزارعة: ”أن هذه المعاملة مشاركة، ليست مثل المؤاجرة المطلقة، فإن النماء يحصل من منفعة أصلين، منفعة العين التي لهذا، كبدنه وبقره. ومنفعة العين التي لهذا، كأرضه وشجره. كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم، وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم. بخلاف الإجارة فإن المقصود فيها هو العمل أو المنفعة. فمن استؤجر لبناء أو لخياطة أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد، فإذا وفّاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد واستحق الأجير أجره. ولذلك يشترط في الإجارة اللازمة: أن يكون العمل مضبوطاً كما يشترط ذلك في المبيع. وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر إنما مقصودهما جميعاً ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشتركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأوص التي لهم، وهذا جنس من التصرفات يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة، وما فيه من شوب المعاوضة من جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة“.

ويضيف ابن تيمية في صحفة 99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حُرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لأنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شئ حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر.

يضيف: من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول، لما فيه من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيراً، كعمل الشريكين في المال المشترك، وعمل الشريكين في شركة الأبدان، وكاشتراك الغانمين في المغنم، ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى، نعم! لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله، كان هذا اجارة.

ويضيف في صفحة 101 في موضوع المضاربة: انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة في غير التجارة

جرت العادة أن ينمي العامل رأس مال المضاربة في التجارة بالشراء والبيع، ويبدو أن مسألة تنمية مال المضاربة من خلال أساليب الإستثمار الأخرى قد أثيرت في العصور السابقة، ربما لحدوثها فعلاً أو لرغبة الفقهاء بحثها ودراستها، ولولا ميل الناس إليها وربما حاجتهم لها … لما تطرق البحث إليها في تلك العهود. ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة نظراً لتشَعَّب سبل الاسثتمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الاستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أَقْنية استثمارية تحكمها الضواب والأحكام الشرعية، التي توفر العدل والأمان، وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالاطمئنان والرضى.

والمضاربة من العقود التي تطفو إلى السطح تلقائياً، كلما تعرضنا لرب المال غير القادر – لأي من الأسباب – على أن يعمل في ماله بنفسه، أو تعرضنا للعامل صاحب الخبرة والمعرفة والنشاط، والذي ينقصه المال لتحقيق ما يطمح إليه. والأجير ليس كالشريك لا في الطموح ولا في الحافز ولا في الاهتمام، وكل أصحاب الحرف والصناع ومن يقدمون الخدمات يحتاجون المال في أعمالهم مثل حاجة التاجر والزارع له، ولهم حقوق على المجتمع لا تقل عن حق التاجر والزارع، ولا يوجد سبب شرعي يمنع تطبيق المبدأ – الذي تقوم على أساسه المضاربة والمزارعة والمساقاة – على سبيل جمعهم مع أصحاب الأموال، إلا أنه يبدو أن هناك أسباباً فقهية لدى بعض الفقهاء دعتهم إلى حصر المضاربة في حدود معناها الضيق فمنعوها في ما هو غير الشراء والبيع، بينما ذهب غيرهم – وهم الحنابلة – إلى التوسع في معناها فشملت تقريباً كل عمل استثماري حلال.

وقد عنى الفقهاء بثلاثة أوجه من المجالات التي يمكن من خلالها استثمار مال المضاربة هم مجال الزراعة، ومجال الحرف (الصناعة)، ومجال الكسب من العمل على عين تنمى بالعمل عليها كالآلة والشبكة والدابة يدفعها مالكها إلى العامل، فيعمل عليها والرزق بينهما.

أولاً : المضارب يستثمر رأس مال المضاربة في كِراء الأرض وزرعها، وشراء الشجر أو النخل والصرف عليه:

رأى المالكية صحة هذه المضاربة إن كانت باختيار العامل، وليس بالاشتراط عليه، جاء فى المدونة (جزء 4 ص63 – وجزء 5 ص 120 مكتبة المثنى): ”فلو دفعت إلى رجل مالاً قراضاً فاشترى به أرضاً أو اكتراها، أو اشترى زريعة وأزواجاً، فزرع فربح أو خسر، أيكون ذلك قراضاً، ويكون غير متعد؟ قال: نعم، إلا أن يكون خاطر به فى موضع ظلم أو عدو يرى أن مثله قد خاطر به فيضمن، وأما إذا كان فى موضع أمن وعدل فلا يضمن. قلت أرأيت إن أعطيته مالاً قراضاً، فذهب وأخذ نخلاً مساقاة فأنفق عليها من مال القراض أيكون هذا متعدياً؟ أم تراه قراضاً؟ قال ما سمعت من مالك فيه شيئاً، ولا أراه متعدياً، وأراه يشبه الزرع“.

أما لو اشترط رب المال على العامل ذلك … كان هذا غير صحيح عند المالكية، ويكون الزرع لصاحب المال وللعامل أجر المثل.

وجاء فى حاشية الشيخ محمد البنانى على شرح الزرقانى عن تنمية رأس مال المضاربة بالمزارعة (جزء 6 ص 217): ”ليس المضر عمل يده، إذ ليست المسئلة مفروضة كذلك، بل اشترط عليه أن ينفق المال فى المزارعة، فالمضر الشرط فقط وليس ثم عمل من العامل“.

وأجاز الحنابلة للمضارب أن يستغل مال المضاربة عن طريق الزراعة، إن قال له رب المال اتجر فى الزراعة، أو فوض إليه أمر المضاربة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء. ولا يضمن العامل لو تلف المال فى المزارعة.

وجاء فى المغنى (جزء 5 ص 44): ”وهل له الزراعة؟ يحتمل أن لا يملك ذلك لأن المضاربة لا يفهم من إطلاقها المزارعة. وقد روى عن أحمد رحمه الله فيمن دفع إلى رجل ألفاً وقال أتجر بما شئت فزرع زرعاً فربح فيه. فالمضاربة جائزة والربح بينهما. قال القاضى: ظاهر هذا أن قوله اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء وعلى هذا لو توى المال كله فى المزارعة لم يلزمه ضمانه“.

وفى المذهب الشافعى … نص الرملى فى نهاية المحتاج (جزء 5 ص 234، 235) على أن ما ينتجه شجر القراض من ثمر أو ما ينتجه حيوان حامل من مال القراض، يختص بها المالك. وعلل ذلك بأن هذه ليست من فوائد التجارة. أما لو أشترى حيواناً حاملاً أو شجراً عليه ثمر غير مؤبر فالأوجه أن الولد والثمرة مال قراض. وقيل كل ما يحصل من هذه الفوائد مال قراض، لحصولها بسبب شراء العامل الأصل.

وجاء فى تكملة المجموع (جزء 14 ص 203) – تكملة المطيعى – أن الشافعية لا يقولون بصحة المضاربة، لأن النماء فى النخل وأصول الشجر أو الحيوان نتيجة نمو طبيعى فى هذه الأشياء، ولا دخل للعامل فى نموها.

ولم يتعرض الشافعية لمسألة استئجار الأرض وزرعها.

أما الأحناف، فقد رأى المتقدمون منهم صحة كراء الأرض البيضاء وزرعها، ومنعوا المعاملة والمساقاة كما جاء فى البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (جزء 7 ص 288): ”أن للمضارب أن يستأجر أرضاً بيضاء ويشترى ببعض المال طعاماً ليزرعها أو ليغرس فيها نخلاً أو شجراً، ولو أخذ نخلاً أو شجراً معاملة على أن ينفق فى تلقيحها أو تأبيرها من المال لم يجز عليه، وإن قال له أعمل برأيك“.

وجاء فى المبسوط (جز 22 ص 72): ”وإذا دفع مالاً مضاربة وأمر المضارب أن يعمل فى ذلك برأيه أو لم يأمره، فأستأجر المضارب ببعضه أرضاً بيضاء واشترى ببعضه طعاماً فزرعه فى الأرض فهو جائز على المضاربة بمنزلة التجارة لأن الزراعة من صنع التجار يقصدون به تحصيل النماء، وإليه أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم  الزارع يتاجر ربه، وما كان من عمل التجار يملكه المضارب بمطلق العقد. ولو استأجر أرضاً بيضاء على أن يغرس فيها شجراً أو أرطاباً، فقال ذلك من المضاربة، فهو جائز، والوضيعة على رب المال، والربح على ما اشترطا. ولو أخذ نخلاً أو شجراً أو أرطاباً معاملة على أن ينفق عليه من مال المضاربة، لا يجوز، ويضمن ما أنفق من مال المضاربة وإن قال له رب المال أعمل برأيك“.

وجاء فى الدُّرِّ المختار مع حاشية ابن عابدين (جزء 5 ص 648): ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز“.

ورأى بعض المتأخرين من الأحناف منع ذلك، جاء فى حاشية قرة عيون الأخبار، تعليقاً على قول الشارح: ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز. كان هذا فى عرفهم أنه من صنيع التجار، وفى عرفنا ليس هو من صنيعهم فينبغى أن لا يملكه“ (الحاشية مع تكملة المحتار جزء 8 ص 298).

وكأن الأحناف المتأخرون منعوا هذه المضاربة؛ لأنها لم تعد فى عرفهم من صنيع التجار، وقد كانت ذلك من قبل، ويستنتج من هذا أنها تجوز إن كانت من صنيع التجار فى العرف السائد فى عصر آخر.

والأقرب عند الإمامية هو فسادها، كما جاء فى مفتاح الكرامة للعاملى (جزء 7 ص 449): ”ولو شرط أن يشترى أصلاً ويشتركان فى نمائه كالشجر أو الغنم فالأقرب الفساد لأن مقتضى القراض التصرف فى رأس المال“.

ومما سبق … نجد أن الحنابلة والأحناف المتقدمين قد أجازوا للمضارب أن يستغل مال المضاربة فى الزراعة كما سبق، وأجازها المالكية أيضاً على ألا يشترط المالك هذا فى العقد، ولم يتعرض الشافعية لها. أما المساقاة … فقد منعها فى أغلب الرأى الشافعية والأحناف بينما أجازها الحنابلة والمالكية.

والذى نستنتجه هنا أن استغلال مال المضاربة فى الزراعة قد أجيز من قبل بعض المذاهب، ومن لم يجزها منهم لم يمنعها لتعارضها مع سبب شرعى، وإنما لأن هذه الطرق ليست – فى رأيه – من صنيع التجار أو من أعمال البيع والشراء، ويعود بنا هذا إلى مقصود رب المال من عقد المضاربة، والغالب هو إنه قصد المضاربة لإنماء ماله؛ وخاصة عند من لم يسمح له بالاشتراط على نوع العمل.

والتجارة الرابحة هى القيام بشراء مال ثم بيعه بربح، وعنصرا الشراء والبيع موجودان فى الزراعة والصناعة وغيرهما من طرق الاستثمار، والزراعة التى جاءت فى الصور السابقة هى كراء الأرض البيضاء، والصرف والعمل عليها بما ينتج منها، ففيها شراء الحبوب والسماد واستئجار الآلة واستصلاح الأرض وحرثها والعمل فيها ثم حصادها وبيع المحصول، والصناعة فيها شراء المواد الأولية والعمل عليها لإنتاج سلعة ثم بيعها، والتجارة أيضاً تشمل شراء سلعة وإجراء عمل عليها يزيد من قيمتها فيمكن بيعها بثمن أكثر مما اشتريت به، وقد يكون هذا العمل فى نقلها من سوق تتوفر فيه إلى سوق يقل فيه توفرها، أو شراءها من المصدر بالجملة – بكميات كبيرة – ونقلها إلى السوق وعرضها وبيعها للناس بكميات قليلة وفق جاجتهم، أو شراءها فى موسم يقل فيه الطلب عليها وتخزينها ثم بيعها فى موسم يكثر فيه الطلب عليها، كشراء الملابس الصوفية فى الصيف وبيعها فى الشتاء … كل هذه الأعمال وغيرها تتعلق بشراء سلعة ما والعمل عليها لتحسين مركزها بين السلع المنافسة أو درجة طلب السوق لها فيمكن بيعها بربح، وهذا يحدث فى الصناعى فهى تتعلق بشراء مواد أولية، قد لا تكون مطلوبة لذاتها عند الناس، وتجميعها أو تشكيلها، فينتج عن هذا التجميع والتصنيع سلعة يحتاجها الناس فيقبلون على شرائها بثمن أكثر من أثمان المواد الخام المشتراة وتكلفة العمل عليها فيتحقق الربح. والتجميع موجود عند بعض التجار بصورة أخرى، فالتاجر الذى يبيع سلعة لها مكملات من سلع أخرى، يجمع كل هذه السلع ويعرضها فى متجره.

وسواء كانت الصناعة نوعاً من التجارة أم لا … فقد بحث الفقهاء فى شأن المضاربة على الحرف وأجازها الأحناف – فى الرأى الأظهر عندهم – وأجازها الحنابلة كنوع من المشاركات؛ بينما منعها الجمهور من الفقهاء.

ثانياً : المضارب يستثمر رأس المال فى حرفة أو صناعة:

منعها المالكية كما جاء فى المدونة (جزء 4 ص 48): ”أرأيت إن دفعت إلى رجلاً مالا قراضاً على أن يشترى به جلوداً فيعملها بيده خفافاً أو نعالاً أو سفراً، ثم يبيعها فما رزق الله فيها فهو بيننا نصفين قال: لا خير فى هذا عند مالك“.

وقال الزرقانى فى شرحه (جزء 6 ص 217) إن اشتراط رب المال على العامل أن يخيط ثياباً فيتاجر بها أو يخرز جلوداً فيجعل منها خفافاً ليبيعها مفسداً للعقد.

وأضاف المالكية إذا استمر العامل فى ذلك جاء فيهما اشتراط رب المال هذا النوع من العمل على العامل وهذا الاشتراط يفسد العقد عندهم.

ورأى الأحناف عدم صحتها إذ قال السرخسى (جزء 22 ص 35): ”ولو دفع إلى حائك غزلاً على أن يحوكه سبعة فى أربعة ثوباً وسطا، على أن الثوب بينهما نصفان فهذا فاسد“.

ورأس المال فى هذا المثال مال عروض، والمضاربة لا تصح بالعروض. ولن يعرف رأس المال فمن الربح، والأفضل أن يكون أعطاه مالاً نقداً على أن يشترى به غزلاً ويحوكه، والمضاربة هنا أيضاً يكون فيها الاشتراط، والبحث يكون فى جواز لو دفع رب المال إلى المضارب مالاً نقداً فاشترى به المضارب غزلاً وحاكه أو أستأجر من يحوكه ثم باع الثوب وأخذ ثمنه نقوداً فأعاد رأس المال إلى صاحبه واقتسما الربح بينهما.

وهذا قد جاء فى نفس المرجع السابق ص 54: ”ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشترى بها الثياب ويقطعها بيده ويخيطها على أن ما رزق الله تعالى فى ذلك من شئ فهو بينهما نصفان، فهو جائز على ما اشترطا لأن العمل المشروط عليه مما يصنعه التجار على قصد تحصيل الربح فهو كالبيع والشراء، وكذلك لو قال له على أن يشترى بها الجلود والأدم ويخرزها خفافاً ودلاء وروايا وأجربة فكل هذا من صنع التجار على قصد تحصيل الربح فيجوز شرطه على المضاربة“.

وجاء فى تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 292) – فى معرض الحديث عن أن عامل المضاربة يملك جمع المضاربة والشركة ويملك الخلط بماله إذا أذن له المالك – أنه لو اشترى العامل بمال المضاربة ثوباً، فصبغه أو خاطه، يصبح شريكاً فى هذا الثوب بالإضافة إلى كونه مضارباً، فيكون له حصة قيمة صبغة أو خياطته، وما تبقى من قيمة الثوب يعطى رب المال رأس ماله، والربح بينهما على ما اشترطا، وهم هنا لم يفسدوا المضاربة.

واعتبر الشافعية – فى رأى لهم – أن هذه المضاربة غير صحيحة ولرب المال ما ينتجه العامل، وللعامل أجر المثل.

جاء فى حواشى تحفة المحتاج للشروانى والعبادى (جزء 6 ص 86): ”ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط لم يفسخ القراض فيها إذا طحن بغير الإذن فلا أجرة له ولو استأجر عليه لزمه الأجرة ويصير ضامناً وعليه غرم ما نقص بالطحن فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه لأنه لم يتعد فيه والربح بينهما بالشرط. وجاء فى الهامش صفحة 87: نعم بحث ابن الرفعة جواز شرط ان استأجر العامل من يفعل ذلك من مال القراض ويكون حظه التصرف فقط ونازع فيه الأذرعى بقول القاضى لو قارضه على أن يشترى الحنطة ويخزنها إلى ارتفاع السعر فيبيعها، لم يصح لأن الربح ليس حاصلاً من جهة التصرف. وجاء فى صدر الصفحة: وظاهر أنه لو قارضه ولم يشترط عليه ما ذكره القاضى فاشترى هو وادخر باختياره إلى ارتفاع السعر لم يضر“.

وجاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”لو قارضه على أن يشترى الحنطة فيطحنها ويخبزها، والطعام ليطبخه ويبيعه، والغزل لينسجه، والثوب ليقصره أو يصبغه، والربح بينهما فهو فاسد. ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط، فوجهان. أحدهما وهو قول القاضى حسين وآخرين: يخرج الدقيق عن كونه رأس مال قراض، فإن لم يكن فى يده غيره انفسخ القراض، لأن الربح حينئذ لا يحال على البيع والشراء فقط. وعلى هذا، لو أمر المالك العامل بطحن حنطة القراض، كان فسخاً للقراض. أصحهما: أن القراض بحاله، كما لو زاد عبد القراض بكبر، أو سمن، أو تعلم صنعة، أنه لا يخرج عن كونه مال قراض، لكن إن استقل العامل بالطحن صار ضامناً، ولزمه الغرم أن نقص الدقيق، فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه، لأنه لم يتعد فيه، ولا يستحق العامل بهذه الصناعات أجرة ولو استأجر عليها، والأجرة عليه، والربح بينه وبين المالك كما شرطا“.

وذهب الإمامية والزيدية إلى عدم صحتها لأن المضاربة تكون فى أعمال التجارة فقط واعتبروا أن الحرف ليست من التجارة. كما جاء فى قواعد العلامة (جزء 7 ص 447): ”العمل وهو عوض الربح وشرطه أن يكون تجارة فلا يصح على الطبخ والخبز والحرف“.

وجاء فى البحر الزخار (جزء 4 ص 82): ”لو قارض شخص آخر على أن يشترى بالمال حباً فيطحنه ويخبزه والربح بينهما كان هذا فاسداً“.

أما الحنابلة … فقد ذهبوا إلى صحة وجواز كل هذا، جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص 11): ”وإن دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز“.

ومثل ذلك جاء فى كشاف القناع (جزء 3 ص 525): ”من أنه لا بأس بالثوب يدفع بالثلث أو الربع“. وكذلك فى مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 543).

وجاء فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: ”وكما يدفع إليه زيتونة يعصره والزيت بينهما“.

والحنابلة فى الأمثلة التى ساقوها، جعلوا المال الذى دفع من العروض، وهم من أجاز بعضهم المضاربة بالعروض المثلية على أن تجعل قيمتها وقت العقد رأس مال له، ولكنهم جعلوا العائد المقسم هو ثمن البيع كله وليس الربح، وهذا أقرب إلى المزارعة، ولكن الذى يعنينا هنا هو أن المعاملة إن جازت عندهم كما ذكرروه، فالأولى أن تجوز لو كان رأس المال من النقود فاستأجر به العامل صاحب حرفه، ولو كان التقسيم فى الربح بعد إعادة رأس المال لصاحبه، وهذه هى المضاربة.

وما ينطبق على أصحاب الحرف … ينطبق فى رأينا على المجال الأوسع من قطاعات الإنتاج فى هذا العصر من صناعة وخدمات، ولهذا الموضوع أهمية كبيرة لحجم هذه القطاعات وحاجتها الماسة إلى التمويل والذى قد يكون عقد المضاربة أحد أشكاله وربما أهمها.

والظاهر أن جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة والأحناف – قد ذهبوا إلى عدم صحة المضاربة التى يستثمر مالها فى حرفة ما، ويبدو أنهم ذهبوا إلى هذا لسبيين: أولهما أن المضاربة قد رخصت على خلاف القياس للحاجة إليها، وهذه الأعمال يتيسر الاستئجار عليها فتنتفى الحاجة التى صدرت الرخصة لدفعها. وثانيهما أن المضاربة تكون فى تنمية المال فى أعمال التجارة وفى كل ما هو من صنيع وعادة التجار، وهذه من الحرف وليست من أعمال التجار.

والفقهاء بهذا المنع، يحيلون رب المال إلى الإجارة، وهى وإن توفرت غير المشاركة، فالإجارة يكون العمل هو المقصود فيها، ورب المال ليس له قصد فى العمل ذاته، وإنما يقصد استثمار ماله، فيدفعه إلى العامل الذى يملك الخبرة والقدرة على تنميته، وقد يجد هذا العامل أن تحقيق النماء عن طريق شراء القماش وصناعة الثياب أصرف فى البيع وأربح، فهذا وفق رأيه ما يطلبه المشترون وليس القماش … فإن قلنا ليس له ذلك، فإن عليه آنذاك شراء القماش وبيعه للحائك؛ ثم شراء الثياب من الحائك وبيعها فى السوق، وإن لم يملك الحائك المال اللازم لشراء القماش، باعه القماش نسيئة حتى يشترى منه الثياب فيستوفى الثمن مما يدفعه؛ فإن صار القماش ثياباً … حملها وباعها فى السوق، وما سبق كله من شراء وبيع مرتين، هو من أعمال المضاربة التى يجيزها الجمهور إذا أذن المالك له ببيع النسيئة، والأَبْسط أن يستأجره على هذا العمل، والنتيجة واحدة وما يجوز للأول يجوز للثانى الذى استأجر.

وبمراجعة الأمثلة التى جئنا بها عن الفقهاء … نجد أنهم قد قالوا بمضاربات يدفع بها صاحب المال ماله إلى صاحب الحرفة مباشرة، ولم يتطرقوا – فى الغالب – إلى عامل يرى الخير فى أن يتجه إلى إنماء المال من خلال توظيفه فى حرفة معينة، والمضاربة مباشرة مع صاحب الحرف تخلق وضعا غير ذلك الذى يتعلق بموضوع استثمار مال المضاربة فى الصناعة، وهو وضع العامل فى المضاربة بين كونه وكيلاً من جهة، وأجيراً فى عمله فيما يختص بحرفته من جهة أخرى، فرأوا أن الإجارة متيسرة فى هذه الحالة. وقد خصصنا جزءاً من هذا البحث لدراسة هذا الموضوع لأهميته. والذى يهمنا هنا: هو هل يجوز استغلال مال المضاربة فى ما يتضمنه تبديل – أو إضافة إلى – عروضها المشتراة قبل إعادة بيعها.

ونضيف إلى ما سبق أن منع عامل المضاربة من بيع الأثواب التى استأجر من يحوكها، وإجباره على بيع القماش، فيه تقييداً لحريته ولقدراته، وتقييداً للمضاربة ذاتها قد ينتج عنه انخفاض أرباحها، فيعزف عنها رب المال إلى ما هو أربح، فإن أراد استثمار ماله فى هذا المجال عن طريق الإجارة … فعليه الشراء بنفسه واستئجار صاحب الحرفة، ليحوك له الثوب ثم يبيعه بنفسه، وقد لا تتوفر لديه الخبرة أو القدرة، وإن وجد من لديه الخبرة والقدرة على هذه الأعمال مجتمعة … فإن استأجره عليها، وجب عليه الإشراف، وقد لا يتمكن رب المال من بذل الجهد للإشراف ولاستيفاء العمل الذى استأجره عليه، أضف إلى هذا أن الحافز عن الشريك فى الربح أقوى منه عند الأجير، وقد يستأجر رب المال ويدفع الأجر وقد ينال مقصوده وقد لا يناله، ثم إننا قد ذكرنا أن رب المال هذا قد يكون عاجزاً أو عجوزاً أو مريضاً أو منشغلاً فكيف لهؤلاء القدرة على هذه الأعمال.

والعامل أيضاً له رغبة فى المشاركة فما قد يحققه منها قد يفوق الأجر، وإن كان صاحب حرفة … فهو بحاجة إلى التمويل مثل حاجة التاجر، والقطاع الذى يعمل فيه يفيد المجمتع بما يوفره من فرص عمل، وبما ينتجه من السلع.

أما ما جاء عن أن المضاربة تكون فى التجارة، فلا سبب شرعى يؤيد ذلك، فالمضاربة وكالة وشركة يقصد فيها النماء، والتوكيل مباح فى كل ما يجوز للإنسان أن يعمله بنفسه، والمقصود من المضاربة هو تنمية المال بالعمل، والعمل فى الزراعة والصناعة مباح وحلال كالعمل فى التجارة، ولا يوجد مانع شرعى يمنع أن يستثمر العامل المال فى الوجه الحلال الذى يجد فيه مصلحة القراض. بل ومن مصلحة المجتمع عامة، وأصحاب الحرف والصناعة خاصة أن يتوفر لهم مصدر تمويل مثل ما يوفره القراض لأشقائهم التجار، ولعامل المضاربة حقالشراء والبيع والاستئجار، وقد أوردنا المثال الذى يبين أنه – بهذه التصرفات – يستطيع شراء القماش وحياكته وبيعه ثياباً وبدون مخالفة لأى من شروط الصحة.

وقد يكون بعض الفقهاء – والله أعلم – قد فضلوا حصر المضاربة فى التجارة لسبب ثالث وهو إبقاء المعاملة – التى تعتمد فى الدرجة الأولى على التوكيل لقاء عوض مجهول – فى حدود البيع والشراء ليسر هذه العمليات ووضوحها، ولإبعاد المضاربة عن الأسباب التى قد تؤدى إلى النزاع، خاصة إذا كان عامل المضاربة هو نفسه صاحب الحرفة. ولا شك أن شراء الشئ وبقاءه على حاله طوال مدة المعاملة ثم بيعه كما هو عدداً ونوعاً وشكلاً، يختلف عن شرائه وتغيير وتبديل حاله ثم بيعه كشئ آخر مختلف عن المُشْتَرى فى الشكل والنوع والعدد.

ففى الحالة الأولى … تشترى السلع وتبقى على حالها حتى تباع، فيمكن أن تنفسخ المضاربة فى أى من مراحلها ويمكن أن ينضض المال بسهولة ويسر، كما أن تكاليف الشراء والنقل والتخزين والعرض والبيع ليست بالتكاليف المعقدة ويسهل مراجعتها عند الاختلاف، وهذه المصروفات لا تختلف كثيراً فى أسسها أو عناصرها، وإن تنوعت التجارة وتنوعت البضائع.

بينما فى حالة الحرف، فهى تتنوع وتختلف باختلاف الحرفة فشراء الحب وطحنه وخبزه فى الفرن ثم بيعه خبزاً، يختلف عن شراء الخشب والمسمار والغراء وقطعه وتشكيله بالعدد والأدوات وجمه كنضدة وصبغها أو صقلها ثم بيعها، وقد تستنفذ تكاليف الصنع جزءاً كبيراً من رأس المال، وهناك الهالك، وقد يختلط الحب أو الخشب المشترى مع غيره فيصعب معرفة المنتج إن ضارب العامل لأكثر من رب مال، أو يجبر هالك هذا ذاك، وهناك أجرة العمال والآلة والأدوات وغيرهم، والمباع لا يماثل المشترى، لا فى العدد ولا فى الشكل ولا فى الوزن ولا فى الوصف، وماذا عن أجر الطحان والخباز أو صاحب الحرفة لو كان هو نفسه العامل، وماذا عن فسخ المضاربة والمال عروض لم يزل فى طور الصنع لا مشترى ولا سوق له بعد؟

فهل رأى بعض الفقهاء أن هذا أكثر من أن يحتمله عقد المضاربة المبنى على الوكالة والثقة، وقد يؤدى جوازه إلى المنازعة فمنعوه منعاً للخلافات، قد يفسر هذا سبب منعهم لهذا النوع من المضاربة وأغلبهم أجازوها حين يستغل مالها فى الزراعة، والزراعة ليست كالتجارة إلا أنها عقد آخر جائز وربما وجدوا فيها بساطة التجارة، أو ربما أن الخبرة والعلم بها كانا منتشرين بين الناس فقل احتمال الخلاف، والذى يقف أمام صحة هذا الافتراض، أنهم لم يذكروه كسبب، وهذا ليس من عادتهم فهم قد أسهبوا فى شروحهم … إلا أنهم مع هذا الإسهاب لم يفسروا لماذا قالوا إن المضاربة لا تكون إلا فى التجارة، وتوقفوا عند هذا المبدأ، وكأنه من المسلمات الشرعية، وهو ليس منها ولأن هذا لا يخفى عليهم، فلابد أن يكون هناك سبب آخر مقنع لما ذهبوا إليه ولا يجوز لنا أن نخالفهم إلا عن فهم واقتناع.

فإذا نظرنا إلى وضع أصحاب الحرف فى العهد الإسلامى الأول … لا يسعنا إلا أن نفترض أن النزاعات بين أصحاب الحرف – الأجير المشترك – والناس، لابد وأن تكون قد وصلت إلى درجة مقلقة ضج منها الناس والقضاة حتى نستطيع تفسير ذهاب الخلفاء الراشدين عمر وعلى رضى الله عنهما إلى تضمين الصناع وحفاظاً على مصالحهم، وقد روى عن الإمام علي – كرم الله وجهه – أنه قال: ”لا يصلح الناس إلا ذلك“ وقد ذهب إلى هذا شريح القاضى وأبو يوسف ومحمد والمالكية، واختلف الفقهاء بعد ذلك فمنهم من ضمن الأجير المشترك، ومنهم من قال لا ضمان عليه.

والمقصود هنا محاولة استقصاء الأسباب التى دعت إلى منع هذه المضاربة، فهل يكون السبب – وقد دعت الحاجة إلى تضمين الأجير المشترك فى ما تحت يده حفاظاً على المصالح – أنهم لم يستطيعوا تضمينه فى مال المضاربة، لأنه لا يجوز تضمينه لو كان عاملاً فى قراض بغض النظر عن المصلحة المقصودة، لأن رب المال إن ضمن له رأس ماله فقد أَرْبى إِنْ ربح ماله وأخذ شيئاً من الربح. وعن على رضى الله عنه أنه قال: ”لا ضمان على من شورك فى الربح“ وروى معنى ذلك عن الحسن والزهرى.

وما تحت يد الأجير المشترك من خشب أو قماش أو غيرهما من متاع الناس ولمدد قصيرة، لا يقارن بمال المضاربة من دنانير ودراهم تسلم إلى المضارب وليس لصاحبها بعد هذا إلا الركون إلى أمانة المضارب وإخلاصه والقول قول المضارب إذا تلفت … فإن لم يستأمن السابقون الأجير المشترك على ما تحت يده من متاع الناس فكيف يُستأمن فى أموالهم. فمنعوا هذا النوع من المضاربة وأحالوا رب المال إلى عقد الإجارة الذى يمكن فيه تضمين الصناع وفق بعض المذاهب، إضافة إلى أن مجال الاسترباح فى الحرف كان ضيقاً فلم يجدوا ضرورة أو حاجة عند الناس تدعو إلى الترخيص به، ولم يكن أصحاب هذه الحرف بحاجة إلى التمويل الكثير فقد كانت عددهم وأدواتهم بسيطة، يملكونها فى أغلب الأحوال، فلم تتوجب ضرورة أوحاجة لتوفير التمويل لهم بعكس التجار الذين كانوا يحتاجون
إلى أموالاً كثيرة لتمويل تجاراتهم فلم تتوفر الأسباب التى من أجلها ترخص المعاملة التى اعتبروها على خلاف القياس.

ويختلف الوضع فى هذا العصر، فالحاجة والضرورة ماسة، وتتوقف عليها مصالح الناس ومنفعة الأمة، بل إن مجال الصناعة قد تعدى مجالى التجارة والزراعة فتوجب الترخيص بها لحاجة الناس لها، أما عن التضمين … فهذا لا يجوز إلا أن هذه الأمور يمكن التغلب عليها وفى نفس إطار المضاربة، وسيأتى ذِكْرُها بالتفصيل فى باب المضاربة بالقدرات فى هذا البحث، والله تعالى أعلم.

وقد رأى الحنابلة جواز هذه المشاركات، ودافعوا عنها كما سيأتى ذكره فيما بعد.

ثالثاً : المضاربة على عين يدفع بها رب المال إلى من يعمل عليها والربح بينهما:

ومثال ذلك أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، أو بآلة يعمل عليها أو شبكة يصطاد بها والرزق بينهما. وقد ذهب جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة – إلى عدم صحة ذ1لك، وعللوا ذلك أن المقصود من المضاربة هو المتاجرة برأس المال، وهذا لا يمكن بيعه، ولا يصح أن يكون رأس مال للمضاربة. والذى يتولى الكسب هو العامل فيكون له الرزق ولرب المال أجر المثل عن دابته أو آلته أو أن يدفع رب المال أجر المثل للعامل والرزق والدابة له.

وهذا رأى الأحناف كما جاء فى المبسوط للإمام السرخسى (جزء 22 ص 35): ”وإذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صاد بها من شئ فهو بينهما فصاد بها سمكاً كثيراً فجميع ذلك للذى صاد … وكذلك لو دفع إليه دابة يستقى عليها الماء ويبيع عليها أو لينقل عليها الطين ليبيعه أو ما أشبه ذلك“.

وهذا هو رأى الشافعية كما جاء فى أسنى المطالب شرح روض الطالب (جزء 3 ص 382): ”لو قارض شخص آخر على شبكة يصطاد بها، والفوائد والصيد الذى تستخرج بواسطة الشبكة تكون بينهما، لا يصح ذلك، وإنما يختص بهما العامل وللمالك أجر مثل الشبكة على العامل“.

وقال الشافعى وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى فى أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما: لا يصح، والربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذى يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله، لأن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة فى الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. (فقه السنة جزء 3 ص 300).

جاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”شرط أن يشترى شبكة ويصطاد بها والصيد بينهما، فهو فاسد ويكون الصيد للصائد وعليه أجرة الشبكة“.

وهذا ما ذهب إليه المالكية من عدم صحة ذلك، وكذلك رأى الإمامية، كما جاء فى جواهر الكلام.

وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك كله كما جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص9): ”وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح. نص عليه فى رواية الأثرم ومحمد ابن أبى حرب وأحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعى ما يدل على هذا“.

وقد تكون حجة جمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى عدم صحتها، أن هذه المعاملة لا يمكن تخريجها على المضاربة للأسباب التى ذكروها، وليست من باب الإجارة لأن العوض مجهول، ولهذا قالوا بفسادها وأحالوها إلى الإجارة وحددوا العوض بأجر المثل.

أما الحنابلة … فقد أجازوها من باب المعنى الأعم للمضاربة وهو باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك فى الرزق، هذا بماله وذاك بعمله وما رزق الله فهو بينهما، وهذا الباب أو النوع من الشركات، ومنه: المضاربة والمزارعة والمساقاة والمشاركات.

ويجب التنويه هنا أن هذه المعاملة وإن شابهت المزارعة، فى أن كلاً منهما دفع بالعين، فهى فى حالة الأرض الزراعية … اشترط بعض الفقهاء أن يكون الحب أو غيره من صاحب الأرض لأنها تنقص، أما فى حالة الدابة والشبكة والسفينة فكلها أعيان تعود إلى رب المال أيضاً ولكنها تستهلك ولو بقدر يسير، والذى هلك فى المعاملة هو منفعتها فى المدة التى دفعت فيها، والمنفعة مال عند كل الفقهاء عدا الأحناف، وهى لا تصلح أن تكون رأس مال فى مضاربة ولكنها تصلح فى المشاركة مثلها مثل منفعة العمل. وقد يمكن القول فى هذه الحالات إنها مشاركة منافع والله أعلم.

وجاء فى فقه السنة للأستاذ السيد سابق (جزء 3 ص 301) – عن ابن قدامة فى المغنى – : ”ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر فى المساقاة والأرض فى المزارعة. وقولهم إنه ليس فى أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها، وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعرض فاسد فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف فى رقبة المال، وهذا خلافه.

قال: ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطى فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو ألا يكون به بأس. قال إسحاق بن إبراهيم، قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز. وبه قال الأوزاعى.

وقال: وقالوا – أى بضع أئمة الفقه – لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر مثلها. وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على ما شرطا، لأنها عين تنمى بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض“.

وجاء فى الفقه الحنبلى فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية (فى نفس المرجع السابق): ”تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضه ويقول: أغرسها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهمان وكما يدفع إليه شجر يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو أبله يقوم عليها والدرَ والرسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها
والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة
يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها ومن كتاب ولا سنة
ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد، ثم منهم من أجاز المساقاة
والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجوازبالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر النسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك، هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة، حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الاجارة، قال: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصودة وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين فى الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا فى الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تأتى الشريعة بحل الاجارة وتحريم هذه المشاركات، وقد أقر النبى صلى الله عليه وسلم المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام،فضارب أصحابه فى حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كأنه رأى عين، ثم لم ينسخه ولم ينه عنه، ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه من بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، والله ورسوله لم يحرم شيئاً من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك، فإذا بلى الرجل بمن يحتج فى التحريم بأنه هكذا فى الكتاب وهكذا قالوا، ولا يدله من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدى إليه، فأنها حيل تؤدى إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة“.

ومما سبق … نجد أن الرأى أن هذه المعاملات كلها تشبه المضاربة والمزارعة والمساقاة إلا أنها أنواع أخرى تتبع نفس المقصد وهو دفعت العين التى تنمى بالعمل عليها إلى من يعمل عليها وينميها ببعض نمائها. وتكون المضاربة فى أحوال التجارة، وتكون المزارعة والمساقاة فى حالة الأرض الزراعية، والمشاركة الصناعية فى حالة الحرف والصناعة، وغيرها من الأسماء التى تعود إلى المشاركة فى استثمار يختص بمجال معين، وكلها تعود لنفس المبدأ وإن اختلفت فى التفاصيل.

ويمكن تخريج المشاركات – التى قال بها الحنابلة – كدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، إما : بأنها دفع لعين دفع لعين تنمو بالعمل إلى من يعلم عليها وينميها بجزء من نمائها، كالمزارعة والمساقاة والمضاربة. أو تخريج هذه المشاركات على أنها مشاركة منافع فى الكسب الذى يتحصل عليه من بذلها.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة

المضارب متصرف بالأذن فلا يتصرف في غير ما إذن له فيه كالوكيل.

ما يملكه المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف. والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضاً من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: اعمل برأيك أو كما شئت، وأخيراً هناك تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها صراحة أو يأذن بها.

أما الذي ليس للمضارب أن يعمله، فشراء ما لا يملك بالقبض ولا يجوز بيعه فيه إذا قبضه، مثل: الخمر والخنزير والميتة والدم والخبائث والمحرمات والمغصوب.

1- الشراء:

وله أن يشتري بثمن المثل أو بأقل أو بما يتغابن الناس في مثله، فإن اشترى بأكثر من ثمن المثل وبغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. ويجوز له شراء المعيب إذا رأى المصلحة فيه، ويجوز له أن يرد المشتري إذا وجد فيه عيباً، وليس له أن يشتري في الذمة دون إذن رب المال.

2- البيع:

وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير … فإن باع بغبن فاحش، فإما: يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص في الحالتين أن تعذر رد المبيع أو الرجوع على المشتري بالفرق. وهذا ما قال به الجمهور وذهب إليه الإمامان أبو يوسف ومحمد من الأحناف، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة؛ إذ جاء في الدر المختار (جزء 8 ص 288): ”ولو باع مال المضاربة بما لا يتغابن فيه أو بأجل غير متعارف جاز عند الإمام“.

ولم يجز المالكية والشافعية والإمامية للعامل أن يبيع بالنسيئة إلا أن يأذن له رب المال بذلك، وأجاز الحنابلة له ذلك إن فوَّض رب المال أمر المضاربة إليه، كقوله له: أعمل برأيك أو تصرف في المال كيف شئت. وأجاز الإمام أبو حنيفة للمضارب أن يبيع مال المضاربة نسيئة دون حاجة إلى إذن من رب المال، وإلى هذا ذهب الزيدية أيضاً.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 39): ”وفي البيع نسيئة روايتان: أحداهما: ليس له ذلك. وهو قول مالك وابن أبى ليلى والشافعي لأنه نائب في البيع لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والإحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال، وقرينة الحال تقيد مطلق الكلام فيصير كأنه قال: بعه حالاً. والثانية: أنه يجوز له البيع نساء وهو قول أبى حنيفة وإختيار ابن عقيل؛ لأنه أذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر“.

وجاء في فقه السنة في باب الوكالة (جزء 3 ص 230): ”قال الإمام أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء نقداً أو نسيئة، وبدون ثمن المثل وبما لا يتغابن الناس بمثله وبنقد
البلد وبغير نقده، لأن هذا هو معنى الإطلاق. وقد يرغب الإنسان في التخلص من بعض ما يملك ببيعه ولو بغبن فاحش“.

ويضيف المرجع السابق: ”هذا إذا كانت الوكالة مطلقة، فإذا كانت مقيدة فإنه يجب على الوكيل أن يتقيد بما قيده به الموكل ولا يجوز مخالفته إلا إذا خالفه إلى ما هو خير للموكل، فإذا قيده بثمن معين فباعه بأزيد أو قال بعه مؤجلاً فباعه حالاً صح هذا البيع. فإذا لم تكن المخالفة إلى ما هو خير للموكل كان تصرفه باطلاً عند الشافعي، ويرى الأحناف أن هذا التصرف يتوقف على رضا الموكل فإن أجازه صح وإلا فلا. وعند الحنابلة أن الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو الثمن الذي قدره له الموكل بما لا يتغابن الناس فيه عادة صح الشراء للموكل وضمن الوكيل الزيادة، والبيع كالشراء في صحته، وضمان الوكيل النقص في الثمن، أما ما يتغابن فيه الناس عادة فعفو لا يضمنه“.

وجاء في رأي في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 458): ”أن فعل العامل شيئاً مما ذكر من التصرف بالغبن أو بالنسيئة لا مع الأذن وقف على الأجازة ولا يقع باطلاً عند القائلين بجواز عقد الفضولي فإن أجازه المالك نفذ وإلا بطل“.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك كما جاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 231)، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال
ربح … فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول: ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة، سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

أما عن شراء الوكيل، جاء في المغني (جزء 5 ص 117): ”شراء الوكيل من نفسه غير جائز وكذلك الوصى. وجملة ذلك: أن من وكل في بيع شئ لم يجز له أن يشتريه من نفسه في إحدى الروايتين نقلها ههنا. وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئاً لنفسه في إحدى الروايتين. وهو مذهب الشافعي، وحكى عن مالك والأوزاعي جواز ذلك فيهما.

والرواية الثانية: عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين.

أحدهما: أن يزيدا على مبلغ مثله في النداء.

والثاني: أن يتولى النداء غيره. قال القاضي: يحتمل أن يكون إشتراط تولى غيره النداء واجباً. ويحتمل أن يكون مستحباً. والأول أشبه بظاهر كلامه. وقال أبو الخطاب: الشرط الثاني: أن يولى من يبيبع ويكون هو أحد المشترين.

ويضيف نفس المرجع: وقد روي ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك فرساً فقال الوصي: أشتره؟ قال: لا“.

وجاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شئ هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لأن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الإجتهاد في الزيادة، وبين الغرضين مضادة“.

والمضارب حتى يتحقق الربح وكيل؛ فإن ظهر ربح يصبح شريكاً في المال بقدر نصيبه من الربح.

4- استدانته للمضاربة:

اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فلو اشترى سلعة برأس المال كله، ثم اشترى أكثر بثمن مؤجل أو استدان لنقلها … يكون هذا من قبيل الإستدانة، وليس من حقه أن يستدين على المضاربة دون إذن رب المال؛ فرب المال لم يضمن سوى رأس المال الذي دفع به إلى المضارب، ولا يجوز إلزام رب المال ضمان الزيادة، التي لم يرض بها أصلاً، ولأن المالك لم يضمن الزيادة … فلا يحق له شيئاً من ربحها، وليس عليه غرمها.

أما لو أذن له المالك أو فوضه أمر المضاربة بما يخول له القيام بذلك … فإن الرأي كما يلي:

أجاز الشافعية للمضارب، إذا أذن له المالك أن يشتري بضاعة، ويدفع جزءاً من الثمن والباقي دين على المضاربة، جاء في الرملي (جزء 5 ص 231): ”ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال إلا بإذن المالك“.

أما لو لم يأذن رب المال فلا يقع الزائد على مال المضاربة، ويلزمه الثمن من ماله.

ويرى الحنابلة أن رب المال لو أذن للمضارب بالإستدانة … جاز له ذلك وكان ديناً على المضاربة. أما لو استدان المضارب من غير إذن أو تفويض مسبق … فإن الشراء الزائد يكون كما يشتريه لنفسه، وكان ربح البضاعة – التي اشتراها بثمن مؤجل – له وخسارتها عليه.

وذهب الأحناف إلى عدم جواز الإستدانة إن لم يأذن المالك … فإن أذن المالك للمضارب جاز له، إلا أنهم قالوا إن ما يستدينه المضارب يكون بينهما شركة وجوه، وعلى هذا … يكون المشتري بثمن مؤجل بين المالك والمضارب نصفين، إلا إذا اشترطا غير ذلك من التفاضل في الضمان … فإن شرطاً التفاضل في الضمان … كان الربح كذلك، ويصير الثمن ديناً عليهما من غير مضاربة، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ومنع المالكية العامل أن يشتري للقراض بالدين وإن أذن له رب المال، إلا أن يأذن له أن يشتري على القراض على أنه إن ضاع مال القراض كان – أي رب المال – ضامناً لذلك في ذمته … فإن ضمن رب المال يجوز وتكون السلعة من مال القراض. وذكروا بأن المضارب لو اشترى بأكثر من رأس المال … فإن اشترى بمؤجل في ذمته لنفسه يصبح شريكاً لرب المال بما زاده على مال المضاربة، ولأن رب المال لم يضمن هذا المال، ولأن العمل من المضارب … يختص المُضارب عندئذ بربح الزيادة وخسرها.

وأجاز الإمامية للمضارب أن يشتري بثمن مؤجل إن أذن له المالك، فإن لم يأذن واشتراه لنفسه صح شراءه لنفسه … أما إن اشتراه وذكر المالك، ولم يجزه المالك بعد ذلك … بطل شراؤه، سواء كان في حق المضاربة أو لنفسه، وبطلان الشراء في حق المضاربة لعدم إجازة المالك، وبطلان الشراء لنفسه فلأنه لم يكن قاصد الشراء لها.

وأجاز الزيدية إستدانة المضارب إذا أذن المالك، وأضافوا الدين إلى رأس مال المضاربة السابقة.

5- الرهن والإرتهان:

قالت الأحناف بجواز أن يرهن المضارب بدين على المضاربة من مالها، وأن يرتهن بدين له منها، ورأى ذلك المالكية والإمامية والزيدية – في أظهر القول – قياساً على أن هذه الأمور من متطلبات التجارة، وله أن يفعل كل ما كان عملاً من أعمالها.

ورأى الحنابلة قياساً على الشركة عندهم أن للشريك أن يرهن وأن يرتهن إذا دعت الحاجة، وللحنابلة رأي آخر يتفق مع رأي الشافعية الذي يمنعون فيه الشريك من ذلك؛ لأن فيه خطرًا ومجازفة.

6- التوكيل:

رأى الأحناف والزيدية بجواز أن يوكل المضارب غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، ورأى المالكية عدم جواز أن يوكل غيره … فإن فعل وتصرف وكيله … كان عليه ضمان ما يهلك أو يتلف من المال، ورأى الحنابلة في رأي لهم عدم الجواز، إلا إذا عجز المضارب عن القيام بالأمر والذي وكل فيه، وفي رأي آخر لهم … قالوا بجواز التوكيل في الشركة، والمضاربة نوع من الشركة.

7- الإبضاع:

اشترط المالكية موافقة المالك لإبضاع العامل للغير … فإن فعل دون الرجوع إلى المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترط الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف أن الإبضاع من عادة التجار، ولهذا فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة … فلهم رايان: رأي يجيز له ذلك، ورأي يشترط موافقة رب المال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 87): ”وله أن يدفع المال بضاعة لأن الإبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح والإبضاع طريق إلى ذلك، ولأنه يملك الإستئجار فالإبضاع أولى لأن الإستئجار استعمال في المال بعوض والإبضاع استعمال فيه بغير عوض فكان أولى، وله أن يودع لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة“.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك.

9- الحوالة:

وهي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وتكون هنا في بيعه من مال المضاربة بثمن مؤجل إلى من يريد نقل الدين من ذمته إلى ذمة رجل آخر، والرأي عند الحنفية هو أن الحوالة من عادة التجار وله ذلك، وأجاز الحنابلة للشريك في الشركة أن يتعامل بها، بينما اشترط المالكية موافقة رب المال … فإن فعل دون إذنه ضمن.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العمل:

ذهب الحنابلة والأحناف والزيدية والإمامية – في رأي لهم- إلى جواز خلط المضارب ماله بمال المضاربة، بإذن رب المال وقبل بدء العمل، وأعتبروا تفويض رب المال أمر المضاربة إليه كافياً، جاء في بدائع الصنائع عند الأحناف: ”القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له أعمل برأيك وإن لم ينص عليه، فالمضاربة والشركة والخلط“.

بينما ذهب الشافعية –في الرأي الأظهر- إلى منع الخلط، وفي رأي آخر إلى إشتراط الأذن الصريح الواضح بالخلط، وإلا فسد القراض. وقال المالكية بجواز الخلط إذا كان العامل قادراً على التجر بالمالين، ومنعه إن لم يكن قادراً … فإن تجر في ماله وعطل مال رب المال، فيكون عليه رأس المال في أظهر القول عندهم، ويكون عليه ما حرمه من الربح في قول آخر.

أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل، فقد منعه الفقهاء عن ذلك لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح، جاء في الروضة عند الأحناف (جزء 5 ص 148): ”إن خلط العامل مال المضاربة بماله صار ضامناً، وكذا لو قارضه واحد على مالين بعقدين فخالطهما ضمن، فلو دفع إليه الفا قراضاً ثم ألفا وقال ضمه إلى الأول، فإن لم يكن تصرف بعد في الأول جاز“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله، فإن فعل ولم يتميز ضمنه، لأنه أمانة فهي كالوديعة. فإن قال له أعمل برأيك جاز له ذلك. وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضمان أن فعله لأن ذلك ليس من التجارة. ولنا: أنه قد يرى الخلط أصلح له. فيدخل في قوله أعمل برأيك“.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

يجوز ذلك إذا كان مال المضاربة الأولي مازال ناضاً، أما إذا كان المال الأول قد أصبح عروضاً … قال الحنابلة لا يجوز الخلط؛ لأن ضم الثاني إليه يوجب جبران خسران أحدهما بربح الآخر، ولو شرط رب المال ذلك في العقد الثاني يفسد العقد الثاني. جاء في المغني (جزء 5 ص 50): ”إذا دفع إليه ألفاً آخر، لم يجز له ضم أحدهما إلى الآخر، لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم، فلم يملك تغييره، فإن أمره بضمهما قبل التصرف فيهما أو بعد أن نضا جاز، وصار مضاربة واحدة، وإن كان بعد التصرف وقبل أن ينضا لم يجز“. وذهب الإمامية في الرأي إلى مثل ما ذهب إليه الحنابلة.

أما المالكية فقد قالوا بجواز الضم إذا اشترطا ذلك في العقد الثاني وكان العامل لم يبدأ العمل في المال الأول سواء كان نصيب العامل في الربح متفقاً في العقدين أو مختلفاً، أما إذا لم يشترطا خلط المالين أجازوا للعامل أن يخلطهما من تلقاء نفسه لو كان نصيبه في الربح بنسبة واحدة في المالين وكان المال الأول لم يزل ناضاً (التاج والإكليل جز 5 ص 264).

أما إذا كان المال الأول عروضاً … أجازوا له الخلط، لو كان نصيبه من الربح في المالين متفقاً، وعلى ألا يشترط رب المال الخلط في العقد؛ لأن الإشتراط يكون زيادة يشترطها رب المال على العامل فلا يجوز، ولرب المال أن يشترط خلط المالين بعد نضوض الأول؛ بشرط أن يكون القراض الأول لا ربح فيه ولا خسارة، وأن يكون ما شرط للعامل في المال الثاني مثل ما شرط له في المال الأول.

والأغلب أن الشافعية يمنعون الخلط، سواء كان المال ناضاً أو عروضاً.

والمقصود عند من منع العامل من الخلط من تلقاء نفسه، إذا اختلفت نسب الربح في المضاربتين وكان المال الأول ناضاً لم يتصرف فيه بعد، هو أن العامل إذا خلطهما وتاجر في عدة سلع، يؤدي هذا إلى جَهالة الربح الناتج عن كل منهما على حدة، وقد يخصص العامل الجزء الأكبر من الربح إلى المضاربة، التي نصيبه فيها أكبر. أما إذا قلنا يقسم الربح بين المضاربتين بنسب رأس المالين، ففي هذا جهالة قدر نصيب كل مضاربة من الربح، وهو إن خلط وخسرت تجارة سلعة من السلع التي تاجر بها وكانت بقدر أحد المالين … صعب عليه اقناع المالك بأن أحد المالين خسر،؛ فينجبر خسران مضاربة من ربح الأخرى فينقص ربحه المتوجب له من المضاربة الرابحة، وإن أصر على حقه قد يظن المالك أنه لم ينصفه، فيؤدي هذا كله إلى النزاع.

والأولى أن تنفسخ الأولى من البداية؛ حيث إنه لم يباشر العمل بعد، ويدفع رب المال المالين إلى العامل في مضاربة جديدة تكون نسبة العامل فيها من الربح متوسط النسبتين، فإن كان له نصف الربح في الألف الأولى؛ والربع في الألفين الثانية؛ يكون له الثلث من ربح المضاربة الجديدة ذات الثلاثة آلاف رأس مال.

فإن كانت النسب واحدة، وكان المال الأول لم يزل ناضاً، جاز له الخلط من تلقاء نفسه إذا كان هذا ما يرغب به ويرى فيه المصلحة، ولا يشترط قبول رب المال؛ لأن الضرر إن حدث سيصيبه هو ولن يصيب رب المال، لأنه إن لم يخلط لا يجبر ربح واحدة الأخرى … فإن خلط صار المال كله مضاربة واحدة، وهذا لمصلحة رب المال، فكان الإختيار فيه للعامل إن لم يشترط ذلك رب المال، وجاز لأنه لا يؤدى إلى النزاع، وليس فيه جَهالة في الربح لأن المضارب متى خلطهما صارا مضاربة واحدة.

والمقصود عند من منع الخلط، وكان العامل قد باشر في العمل:

أ‌-   إن للعامل في الربح وليس عليه في الخسارة، فإن ربح أحد المالين وخسر الآخر، فللعامل ربح الأول ولا شيء عليه في الثانية. أما لو خلط المالين جبر ربح الأول خسارة الثاني … فلم يظهر ربح فيها، فيصبح لا شئ للعامل في مجموعهما، فيخسر من جراء ذلك.

ب‌- إن رب المال إن اشترط هذا، ففيه زيادة وفائدة له؛ فلم يجيزوا له
هذا الشرط، ولأن المنع كان لحماية العامل فقد جوز المالكية الخلط للعامل إذا كان هذا رأيه ودون شرط عليه.

12- مضاربته للغير:

ذهب المالكية والحنابلة والإمامية إلى أن المضارب ليس له أن يأخذ من آخر مالا مضاربة إن كان في ذلك ضرر على رب المال الأول، إلا أن يأذن له.

وقال الحنابلة في الإنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”إن دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فأنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الإستحباب وإن فعل فلا شئ عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

أما لو ضارب مع غير رب المال دون إذنه، وكان في أخذه المال الثاني ضرر على المضاربة الأولى … ذهب أكثر فقهاء الحنابلة إلى أن ربح المضارب من المضاربة الثانية، يرد إلى المضاربة الأولى كربح للمال الأول.

وقال الشافعية بالجواز إذا كان ذلك في وقت واحد، جاء في مغني المحتاج (جزء 2 ص 315): ”ويجوز أن يقارض الإثنان عاملاً واحداً، لأن ذلك كعقد واحد ثم إن تساويا فيما شرط فذاك وإن تفاوتا كأن شرط أحدهما النصف والآخر الربع؛ فإن أبهما لم يجز، أو عينا جاز إن علم بقدر ما لكل منهما“.

وقال الأحناف في تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 315): ”ولو سافر بماله ومالها أو خلط بإذن أو بمالين لرجلين أنفق بالحصة“.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

قال المالكية في المدونة (جزء 4 ص 55): ”لا يجوز للعامل أن يشارك بالقراض إلا بأمر رب المال“.

أما الأحناف والحنابلة … فقد اعتبروا أن تفويض رب المال أمر المضاربة للعامل بمثابة إذن له في المشاركة مع غيره، قال الكاساني (جزء 6 ص 95): ”فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، وأن يشارك غيره في مال المضاربة شركة عنان، وأن يخلط مال المضاربة بمال نفسه، إذا قال له رب المال أعمل برأيك، وليس له أن يعمل شيئاً من ذلك إذا لم يقل له ذلك“.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

أ-  أجمع الفقهاء على عدم جواز إعطاء العامل رأس المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال. جاء في شرح الخرشي لمختصر خليل في الفقه المالكي: ”يضمن العامل إذا قارض في مال القراض بغير إذن ربه، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال ولا ربح للعامل الأول، لما علمت أن القراض جعل لا يستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل فلا ربح له“.

واعتبروا ذلك تعدياً منه إن فعل ذلك، جاء في بداية المجتهد: ”ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأنصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر فإنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حظه مما بقى من المال“.

”ويرى أبو قلابة ونافع وأحمد واسحاق: أن المضارب إذا خالف فهو ضامن والربح لرب المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب ويتصدق به، والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معاً“.

وذهب المالكية والأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية إلى أن للعامل أن يدفع بمال المضاربة مضاربة إلى عامل آخر لو أذن له رب المال بذلك، وخالف الشافعية وحدهم في القول الأصح عندهم، وقالوا بعدم جواز ذلك، فجاء في نهاية المحتاج (جزء 5 ص 227): ”ولو قارض العامل شخصاً آخر بإذن المالك، ليشاركه ذلك الآخر في العمل والربح لم يجز في الأصح. وقالوا في تعليل منعهم: لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملاً ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح“.

ب- أما عن صيغة إذن رب المال … فقد رأى الأحناف والحنابلة والإمامية والزيدية أن تفويض رب المال أمر المضاربة إلى العامل يكفي لدفعه المال مضاربة إلى غيره، كقول رب المال له أعمل برأيك أو بما أراك الله. جاء في بدائع الصنائع: ”فأما إذا قال له أعمل برأيك، فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى غيره، لأنه فوض الرأي إليه، وقد رأى أن يدفعه مضاربة فكان له ذلك“.

وذهب الحنابلة والإمامية في رأي آخر لهما إلى ما ذهب إليه المالكية أن التفويض لا يكفي، واشترطوا إذن رب المال في ذلك صراحة.

جـ- وإذا حصل ربح في المضاربة الثانية عند صحتها وفق ما اشترط كل فقيه عن صورة إذن المالك … ذهب الحنابلة والمالكية والإمامية إلى أن العامل الأول ليس له شيئاً من الربح، وعللوا ذلك لأنه ليس من جهته مال ولا عمل، والربح يستحق بأحدهما.

جاء في المغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي: ”وإن أذن رب المال في دفع المال مضاربة جاز ذلك. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً، ويكون العامل الأول وكيلاً لرب المال في ذلك، فإذا دفعه إلى آخر، ولم يشترط لنفسه شيئاً من الربح كان صحيحاً، وأن شرط لنفسه شيئاً من الربح لم يصح، لأنه ليس من جهته مال ولا عمل والربح يستحق بواحد منهما“.

            بينما رأى الأحناف أن الربح بين الثلاثة كما يلي:

إذا أطلق رب المال الربح في عقد المضاربة أي لم يضفه إلى المضارب، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزق الله فهو بيننا نصفان، جاء في البدائع (جزء 6 ص 97): ”فإن أطلق الربح ولم يضفه إلى المضارب، ثم دفع المضارب الأول المال إلى غيره مضاربة بالثلث، فربح الثاني؛ فثلث جميع الربح للثاني، لأن شرط الأول للثاني قد صح، لأنه يملك نصف الربح، فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول فجاز شرطه للثاني؛ فكان ثلث جميع الربح للثاني ونصفه لرب المال، لأن الأول لا يملك من نصيب رب المال شيئاً، فانصرف شرطه إلى نصيبه لا نصيب رب المال، فبقى نصيب رب المال على حاله وهو النصف وسدس الربح للمضارب الأول، لأنه لم يجعله للثاني فبقى له بالعقد الأول، ويطيب له ذلك، لأن عمل المضارب الثاني وقع له فكأنه عمل بنفسه“.

أما لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله خذ هذا المال على أن ما رزقك الله تعالى من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح؛ فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزقه الله للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي.

وذهب الزيدية إلى رأي الأحناف الأخير حيث جاء في البحر الزخار (جزء 4 ص 83): ”فإن قال رب المال للعامل ما ربحت أو كسبت فهو بيننا نصفان، فضارب العامل غيره بالنصف، كان لرب المال الربع“.

د-  اتفق المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة والزيدية، عن عدم جواز أن يدفع المضارب مال المضاربة، مضاربة إلى عامل آخر من غير إذن رب المال، وعللوا ذلك بأن رب المال قد دفع المال إليه ليضارب به هو، وإن دفع المضارب بالمال لغيره يوجب فيه حقاً للغير، ولو فعل العامل ذلك دون إذن رب المال … فتصرف العامل الثاني في المال وخسر، اختلفت آراء الفقهاء فيمن يكون عليه الضمان.

قالت المالكية بضمان العامل الأول، ورأى الأحناف إن الضمان على العامل الأول ولرب المال أن يضمّن أيهما يشاء، ولو ضمن العامل الأول لا يرجع بما ضمن على الثاني، وإن ضمّن العامل الثاني … رجع بما ضمن على الأول، وصار حاصل الضمان على الأول؛ لأن الأول غرَّه بالعقد، فصار مغروراً من جهته، فكان له أن يرجع عليه بما ضمن.

وقال الشافعية إن تَلفَ في يد العامل الثاني وعلم بالحال فغاصب؛ فقرار الضمان عليه، وإن جَهلَ فعلى العامل الأول.

وقال الحنابلة والإمامية إن لرب المال أن يطالب من يشاء من العاملين برد المال … فإن ضمن العامل الأول … فله أن يرجع على العامل الثاني، إن كان الثاني يعرف حقيقة الأمر، وإلا … فعليه الضمان. وإن ضمن رب المال العامل الثاني، لم يرجع الثاني على العامل الأول إذا كان يعرف حقيقة الأمر … فإن لم يكن يعرف فلهم رأيان: أحدهما يرجع عليه لأنه غره، والثاني لا يرجع، لأن التلف كان في يده فاستقر الضمان عليه. وقال  العاملي في مفتاح الكرامة في الفقه الإمامي عن الرأي الأخير؛ بتضمين العامل الثاني وإن لم يكن عالمًا بالحال، أنه رأي ضعيف جداً.

وأتفق المالكية والشافعية والحنابلة والإمامية، وبعض الأحناف، بإلزام الضمان بمجرد دفع المضارب الأول المال للمضارب الثاني، سواء كانت المضاربة الأولى أو الثانية صحيحة أو فاسدة، وسواء باشر المضارب الثاني بالعمل أو لم يباشر.

أما من الأحناف … فقد قال الأئمة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن لضمان المال على المضارب الأول شرطين، الأول صحة المضاربتين، والثاني أن يتصرف المضارب الثاني بالمال في أمر من أمور التجارة، وعللوا ذلك أن فساد الثانية يجعل العامل الثاني أجيراً وللأول أن يستأجر من يعمل في المال، وفساد الأولى يوجب فساد الثانية، لأن الأولى لما فسدت صارت إجارة، فلا تصح الثانية؛ لأن الأجير ليس له أن يشارك غيره، فتفسد الثانية بالضرورة، ويصبحا أجيرين، وكذا إذا كانتا فاسدتين، وإذا كانا أجيرين … لا يضمن واحد منهما. أما إذا هلك المال ولم يكن المضارب الثاني قد تصرف فيه فأنه يهلك أمانة، ولا ضمان إلا مع العدوان أو التقصير، ولو غصب المال من المضارب الثاني … يجب الضمان على الغاصب فقط، وكذلك لو استهلك المضارب الثاني المال في غير أعمال المضاربة كتصدقه به أو كهبته المال فالضمان يلزم المضارب الثاني فقط.

هـ- أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح، فالرأي في من يختص بالربح يكون كما يلي:

قال المالكية إن الربح يكون بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للعامل الأول لتعديه.

وقال الشافعية إن تصرف العامل الثاني تصرف غاصب فيضمن ما تصرف فيه؛ لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل، وإن اشترى بعين المال فباطل شراؤه، وإن اشترى في الذمة وسلم ما أخذه من مال القراض فيما اشتراه وربح، فالربح نصفه للمالك، ونصفه بين العاملين سواء. وعلى القول الجديد للإمام الشافعي الربح كله للغاصب، ويكون في هذه الحالة للعامل الأول، وعليه أن يدفع للعامل الثاني أجرة عمله، وللشافعية رأي آخر أن يكون الربح في المسألة المذكورة للثاني من العاملين.

وذهب الأحناف إلى أن المضارب الأول إذا ضمن … صحت المضاربة الثانية والربح بينهما على ما إتفقا, وكذلك لو ضمن المضارب الثاني فرجع على المضارب الأول بما ضمن, فيصير حاصل الضمان على الأول, ولما تقرر عليه الضمان, كان له ربح ما ضمن, بشرط أن تكون المضاربتين صحيحتين. أما لو فسدت المضاربتان, كان الربح كله لرب المال, وللمضارب الأول أجر عمله على المالك, وللمضارب الثاني أجر عمله على الأول. ولو كانت فاسدة والثانية صحيحة؛ فالربح لرب المال وللمضارب الأول أجر المثل على رب المال, وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح. وإن كانت الأولى صحيحة والثانية فاسدة … كان للمضارب الأول ما شرط من الربح وللمضارب الثاني أجر مثل عمله على المضارب الأول.

وقال الحنابلة إن الربح كله لرب المال, ولا شيء منه لأحد العاملين, فالمضارب الأول لم يوجد منه مال ولا عمل, ويستحق الربح في المضاربة بأحدهما, والمضارب الثاني قد عمل في مال غيره بغير إذن منه ولا شرط, فلا شيء له من الربح قياساً على عدم إستحقاق العامل شيئاً من الربح في المضاربة الفاسدة.

15- سفره للمضاربة:

إن لم يشترط المالك ألاَّ يسافر العامل بالمال ولم ينهه عنه, أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين, ورأي المضارب المصلحة في السفر, قال المالكية له ذلك دون الرجوع إلى الرب المال, وكذلك قال الأحناف والزيدية والحنابلة في أظهر القول عندهم, وأشترطوا أن يكون سفره إلى جهة آمنة لا يتعرض فيها أو في الطريق إليها للأخطار وفق ظنه.

وقال الشافعية لا يجوز أن يسافر بالمال إلاَّ بإذن رب المال, وبهذا قال الإمامية والحنابلة في رأي لهم.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

اتفق جمهور الفقهاء على عدم جواز إقراضه وتبرعه ووهبه شيئاً من المال إلا بإذن رب المال.

17- أخذه وإعطاؤه سفَتجة:

السفَتجة من المعاملات التي كانت تستخدم ليأمن بها التجار مخاطر الطريق، فيأخذ الرجل مالاً أو بضاعة من آخر, ويعطيه صكاً بثمنها يصرفه عند وكيل له في بلد آخر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 92) :” ولا يأخذ سفتجة لأن أخذها إستدانة وهو لا يملك الإستدانة, وكذا لا يعطي سفتجة لأن إعطاء السفتجة إقراض, وهو لا يملك الإقراض إلا بالتنصيص عليه, هكذا قال محمد عن أبي حنيفة أنه قال: ليس له أن يقرض ولا أن يأخذ سفتجة حتى يأمره بذلك بعينه فيقول له خذ السفاتج وأقرض“.

وإلى هذا … ذهبت الزيدية والحنابلة, إلا أن الحنابلة –في رأي لهم – أجازوا له أخذه سفتجة دون أن يشترطوا موافقة رب المال, بينما اشترطوا الإذن في حالة الإعطاء.

18- المخاصمة والمقاضاة:

للفقهاء رأيان عند الأعتداء على مال المضاربة من قبل شخص آخر، أولهما: أن للعامل أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير, ولو كان للغير حق عليها فللغير أن يخاصم العامل من أجل حقه, هذا هو رأي الأحناف وأحد الرأيين عند الشافعية والحنابلة والزيدية, والرأي الثاني عندهم أن المضاربة عقد على التجارة ولا تدخل الخصومة فيه.

<< previous page next page >>