الفصل الخامس – عمل المضارب

يدفع رب المال ماله مضاربة بقصد تنمية هذا المال، وينمو المال نتيجة العامل الذي يقوم به المضارب، وهذا العمل له قيمة يحددها العقد- وفقاً لقدرته على الإنماء- بجزء من النماء الحاصل، فإن لم يحصل في المال نماء.. تنعدم قيمة هذه القدرة فلا ينال العامل شيئاً، ولهذا لا يجوز للعامل أن يقتطع لنفسه من مال المضاربة أجراً على العمل الذي يتولاه بنفسه، لأن له جزءاً من الربح عوض العمل الذي قام به، وليس له أن يشترط لنفسه أكثر من ذلك، ولأن رب المال ليس له قصد في عمل المضارب، ولأنه في الأغلب أن المضاربة والإجارة لا تجتمعان في عقد واحد، كما جاء في قول الإمام مالك: ”ولا يكون مع المضارب بيع ولا اكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه إلا أن يعين أحدهما صاحبه بالمعروف إذا صح ذلك منهما“.

وقد أجمع الفقهاء أن على العامل أن يتولى بنفسه ما يلزمه من العمل وكل ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه، وان استأجر على ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربحه.

وهذا يوضح أن المضارب يقوم بالعمل بنفسه، وقد يستأجر من يقوم عليه من ماله، وفي مجال التجارة وغيرها، يختلف العمل من مضاربة إلى مضاربة أخرى؛ فالمضاربة التي يشترط رب المال فيها أن تكون التجارة في سوق معينة أو في بضاعة معينة، غير التي قد يسافر العامل بمالها في الأرض، وقد ينعكس هذا الإختلاف في نسبة ربح المضارب التي يتفقان عليها، فيؤخذ في الأعتبار حجم العمل الذي سيتولاه العامل بنفسه؛ أي ان ربح العمل يشتمل على عوض العامل  عن عمله الذي قام به، ويشتمل أيضاً على عوض مقابل النفقة إن لم تك من مال المضاربة أو ربحها، ويشتمل أيضاً على مكافأة لخبرته ولقرارته التي نتج عنها نجاح العمل في إنماء المال، وهذه العناصر مجهولة  وقت التعاقد ولا يمكن قياسها إلا بمعيار النماء، ولا شيءللعامل إلا إذا نجح في إنماء المال لأن رب المال ليس له قصد في العمل ولهذا… لا يتوجب العوض عليه من ماله، وقد بذلهم العامل بقصد إنماء المال فيكون تقييمهم بقدر هذا النماء.

والتصور أن رب المال إذا دفع المال إلى عامل يقوم بهذه الأعمال بنفسه، على أن تكون النفقة من مال العامل؛ وأن نصيب العامل من الربح سيكون أكبر مما سيكون لو دفع إليه المال على أن يستأجر الغير على كل العمل وأن ينفق على نفسه من مال المضاربة؛ أي إن دوره في المضاربة في الحالة الثانية لا يتعدى اتخاذ القرار الحكيم النابع عن خبرته وعمله، وهذا ما ذهب إليه بعض المعاصرون حين سمحوا للمضارب أن يدفع لنفسه من مال المضاربة أو ربحها الأجر الذي كان يستأجر به الأجنبي- عن العقد- ليقوم بهذه الأعمال، وهذا ما لم يقل به أحد من الفقهاء السابقين. إلا أنه يمكن قبول المضاربة مع صاحب الفكر فقط بقصد الإستفادة من خبرته؛ بشرط ألا يكون قادراً على القيام بهذا العمل بنفسه فإن كان قادراً لا يصح أن يستأجر نفسه من مال المضاربة، وعوضه على عمله من الربح.

ولهذا … فإن قدرة العامل لها أثر كبير في تحديد نصيبه من الربح؛ فإذا كان العامل شركة ذات جهاز إداري وفني، واتفقا أن النفقة من مال الشركة، ولم يك لها أن تستأجر الغير على ما تقدر علي أن تتولاه بنفسها، ولم يك لها أن تستأجر نفسها من مال المضاربة… فإن نصيبها من الربح سيكون أكبر من الشركة التي لا تملك هذه القدرات، وسيشتمل هذا الربح العوض عما أنفقته على نفسها وعن عملها فإن كثر الربح كثر نصيبها منه.

أما الأعمال التي جرى العرف أن تستأجر عليها من يقوم بها… فلها أن تستأجر من مال المضاربة الأجراء والمعدات والعقارات وغيرها مما يحتاجه المشروع ويشمل أيضاً استئجار أصحاب الخبرات المتخصصين في مجال معين مفيد لأحد جوانب المضاربةة مما قد لا يتوفر عندها.

وقد يقترح البعض أن تخصم هذه المصروفات من الربح، إلا أن هذه المصروفات مجهولة عند التعاقد وتتعلق بالإتفاق على أجور وإستيفاء منافع يكون قرارا المؤجر والمستأجر بشأنها في يد العامل، فإن قال في نهاية المضاربة: صرفت من مالي كذا وكذا، فلا سبيل إلى الاعتراض، إلا أن يُسمح لرب المال بالإشراف خلال العمل مع منحه سلطة المفاوضة والموافقة والرفض، وهذا يتعارض مع مبدأ التخلية، وإن لم يكفي الربح … فهل يؤخذ من رأس المال؟ لهذا كان الأفضل أن تؤخذ هذه العناصر في الإعتبار عند الإتفاق على نصيبه من الربح، والمضاربة مال من جانب وعمل وخبرة من الجانب الثاني، فلا يقدّم المال على العمل ولا يقدّم العمل على المال، كلاهما يخاطر أملاً في الربح وكلاهماً معرض للخسارة.

<< previous page next page >>

الفصل الرابع – أحكام المضاربة

المقصود من أحكام المضاربة هنا: هو الآثار الأصلية المترتبة على العقد شرعاً، وتختلف هذه الآثار وفقا لكون المضاربة صحيحة أو غير صحيحة.

والمضاربة الصحيحة هي التي تتوفر فيها الأركان والشروط، وتترتب عليها آثارها من اقتسام أرباحها وفق الشرط، وأن العامل يصبح شريكاً بنصيبه من الربح، وعدم تضمين العامل لما قد يهلك من رأس المال.

أما المضاربة الغير الصحيحة.. فهي في رأي الأحناف إما باطلة؛ وهي ما فقدت ركناً من أركنها، وإما فاسدة وهي التي تخلف فيها شرط من شروط صحتها أو تخللها شرط مفسد للعقد. أما بقية المذاهب فقد اعتبرت العقد فاسداً سواء تخلف ركن من أركانه، أو شرط مما اشترطوه، ولم يفرقوا بين الباطل والفاسد كما فعل الأحناف.

الشروط المفسدة للعقد:

كل شرط يتعارض مع أحكام الشريعة، أو مع شروط صحة أركان العقد، أو مع مقتضى العقد؛ فإنه من الشروط الفاسدة، ومنها ما يفسد العقد، ومنها ما يبطُل فيه الشرط ويصح العقد، إذا كان هذا الشرط الفاسد لا يؤثر على بقية العقد أو نتائجه.

ومن الشروط المفسدة للعقد… شروط لا تلائم مقتضى العقد وتنتج عنها الجهالة في الربح أو رأس المال… فإن انتفت الجهالة ببطلان الشرط فالأغلب… يصح العقد ويبطل الشرط، وإن لم تنتف الجهالة ببطلان الشرط يفسد العقد.

ومنها:

شروط تتعارض مع الشروط الشرعية مثل: تضمين العامل، أو كسب بدون عوض كالفائدة الربوية، أو التجارة في محرم أو الغش وغيرها مما يؤدي إلى أكل الأموال بالباطل.

وشروط ينتج عنها ما يخالف المقصود من عقد المضاربة مثل: عدم التخلية، أو تدخل رب المال في قرارات وعمل العامل، أو اشتراط ربح تجارة معينة، أو اشتراط قدر معين من الربح لأحدهما.

وشروط تتعارض مع العرف وينتج عنها غبن لأحد الطرفين… كأن يشترط العامل لنفسه أجرأ أو نفقة أكثر مما يجوز له، أو أن يستأجر على ما يلزمه العقد أو العرف من مال المضاربة، أو يصرفه في غير الوجه المقصود به، أو يشترط عليه رب المال التجارة في سلعة نادرة.

وشروط تتعارض مع الرضى والعدل ويظهر فيها الاستغلال… كأن يشترط رب المال على العامل أن يقوم بعمل يخرج عن نطاق المضاربة، أو يوظف أحداً من خاصته في شركته.

وشروط تتعارض مع مفهوم عقد المضاربة… كطلب رب المال رهن لقاء رأس المال، أو وضع غرامة عليه إذا تجاوز العمل المدة التي حددت للمضاربة، أو أن يشترط عليه أن يراجعه قبل أي عمل يعمله ليحصل على موافقته، أو أن يدفع العامل بماله إلى مال المضاربة، أو أن يأخذ المال إذا كان عروضا في أي وقت يشاء ويبيعه كما يشاء سواء رضى العامل أو أبى.

وشروط يقصد بها واضعها التحايل بإلباس المحرم ثوب المحلل… كاشتراط رب المال الفائدة الربوية وتسميتها بأسماء أخرى، أو إلباس القرض الربوي ثوب عقد مضاربة أو مشاركة.

وشروط يظهر فيها الإكراه كتضمين العامل للتلف الحاصل دون تعدٍ، أو أي شرط مجحف لا يقبله إلا المضطر، وأي شرط أخر يتعارض مع ما قال به الفقهاء وأوجبوا معه الفساد أو البطلان بالإجماع.

وقد اختلف الفقهاء في الشروط التي قد تقيد العامل في التصرف أو تؤثر على قدرته، والتي اعتبرها بعضهم تفسد المضاربة، مثل اشتراط الأجل؛ فيكون هذا الشرط مفسداً للمضاربة عند الشافعية والمالكية، وغير مفسد لها عند الحنفية وبعض الحنابلة.

ويختلف تأثير الشرط الفاسد على العقد؛ تبعاً لتأثيره على الربح، جاء في كتاب فقه المضاربة للدكتور علي حسن عبد القادر صفحة23: ”والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في العقد أنه ينظر إن كان يؤدي إلى جهالة الربح يوجب فساد العقد لأن الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد. وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط وتصح المضاربة. وشرط الوضيعة عليها فاسد لأن الوضيعة جزء هالك من المال فلا يكون إلا علي رب المال، ولا يؤدي إلى جهالة الربح فلا يؤثر في المضاربة فيفسد به العقد“.

فإن فسدت المضاربة لجهالة الربح مثلا وبدون تعد من العامل؛ فالرأي الغالب أن يصبح العامل فيها أجيراً ويستحق أجر المثل عن عمله، على ألا يتجاوز نصيبه المفروض له في العقد، ويكون المال والربح كله لرب المال، وفي رأي المالكية يكون للعامل قراض المثل في بعض حالات فساد المضاربة.

ولو تعدى العامل- أو لو تعمد إفساد المضاربة- بمخالفته قيدا من قيودها، بأن يخالف شرطاً اشترطه رب المال في العقد، وكان من الشروط الصحيحة التي يحق لرب المال اشتراطه، فلرب المال أن ينظر إلى مخالفته فإن اجازها صح العقد، وإن رفض اجازتها يصبح العامل غاصباً ويضمن رأس المال وتكون الوضيعة عليه من ماله.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني: أركان عقد المضاربة: ثالثاً: شروط الصيغة

المضاربة التي سيعقدها رب المال مع البنك أو المضارب، والبنك كرب مال مع المضارب، ستكون وفق عقد مكتوب وموقع من قبل الطرفين، وقد يُشهدان عليه، ولهذا… فشروط الصيغة سوف تتحقق، ويشترط في هذه العقود تحديد رأس المال، ونصيب كل طرف من الربح كجزء شائع منه، وبيان الشروط التي يتفقان عليها، وما يجوز للعامل وما لا يجوز له من التصرف، وتحدد مسؤوليات وواجبات كل منهما.

والكتابة والتوقيع والإتفاق والإشهاد يثبت بها إجتماع النيات والقبول، ويغني هذا عن إتحاد المجلس، إذا كان كل منهما في البلد أو عجز أحدهما عن الحضور فأناب غيره، والشركة يكفى عنها حضور وتوقيع من له حق تمثيلها؛ فيكون الإيجاب أو القبول الصادر عنه وما يترتب عنهما ملزماً لها.

أما إذا شاء طرفا العقد الإكتفاء بالإيجاب والقبول الصادرين ممن لهما أهلية وولاية التعاقد فيصح، ولا يشترط لفظ معين, بل يتم العقد بكل ما يؤدي إلى معنى المضاربة.

ويجدر الإشارة هنا إلى أن عقد الوكالة يصح فيه توكيل الغائب؛ فإذا علم بالوكالة في غير مجلس الإيجاب وقَبِلَ تم العقد.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني – أركان عقد المضاربة

أولاً : المتعاقدان

يشترط في رب المال وصاحب العمل ما يشترط في العقود عامة، ويشترط في رب المال الأهلية والولاية وما يشترط في الموكل، فيكون ممن يملك فعل ما وكل فيه بنفسه، ويشترط في العامل أن يكون صالحاً وأهلاً لأن يكون وكيلاً وصحة مباشرته للتصرف الذي وُكِّلَ فيه لنفسه. وجاء في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 430): ”ويجوز تعددهما واتحادها وتعدد أحدهما خاصة“.

وينطبق ما اشترط على المتعاقدين الأشخاص؛ على الشركة أو الجهة التي ستكون طرفاً، من حيث الأهلية وملكية المال أو الولاية عليه، ومن صحة مباشرة الشركة – العامل – في التصرف بالمال وإستثماره.

الشـركة:

يجوز أن يكون رب المال شركة، وكذلك يجوز أن يكون العامل شركة؛ لأن المضاربة مع عاملين جائزة، ولا يحق لأحدهما التصرف دون الرجوع إلى صاحبه، وهما معاً أقرب إلى شركة الأبدان أو الأعمال، التي أجازها الجمهور – عدا الشافعية والإمامية – فإن جاز هذا؛ فمن المصلحة أن تجوز الشركة كعامل في المضاربة، ولا أظن أن هناك خلافاً في هذا.

إلا أن أغلب الشركات الوضعية – في العصر الحديث – تنفصل ذمتها عن ذمم أصحابها، وهذا يختلف عن الشركات التي قال بها الفقهاء السابقون، ولهذا … يجب استعراض ما جاء عن معاصرينا في هذا الموضوع.

– في الشخصية الإعتبارية للشركات:

يقول الدكتور عبد العزيز عزت الخياط في كتابه الشركات (ص 221): ”ومن الواجب، جرياً مع مقتضيات المصلحة العامة، أن نعطي الشركة تبعاً لنوعها شخصية إعتبارية. وتكون لها ذمة مستقلة ووجود مستقل. فيكون لها اسم وموطن وجنسية، ويترتب عليها مسئولية. وليس في الشرع من كتاب أو سنة ما يحول دون ذلك والعرف والمصلحة والضرورة تقضي به لتستقيم معاملات الناس“.

ويقول السيد بهاء الدين أحمد صابر تحت عنوان موضوع للمناقشة نشر في العدد 68 من مجلة البنوك الإسلامية (ص 66): ”وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء الفقهاء قد رأى عدم وجود ما يمنع إثبات شخصية معنوية لهذه الشركات، إلا أنهم في غالب الأمر لم يتطرقوا إلى دراسة ما يترتب على إثبات هذه الشخصية لتلك المؤسسات المستحدثة من فوارق في الأحكام الفقهية للإجابة على سؤال ملح ألا وهو: هل تختلف الأحكام الفقهية تبعاً للفوارق الموجودة بين الشخص الطبيعي والشخص الحكمي“.

ويقول الدكتور محمود أبو السعود في كتاب فقه الزكاة (ص 31): ”وأما أن الشريعة عرفت الشركة كشخصية معنوية وأبطلت الحيل، فذلك مضمون ما ورد عن أنس في كتاب الصدقة: (ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية لصدقة …) فمال الشركة يخضع للزكاة، ولا يجوز التحايل بأن يحسب لكل شريك سهمه في الشركة حتى يقل الواجب في المال“.

ومما سبق … فإن الشركة لها شخصيتها المعنوية المنفصلة والمستقلة عن ذمة أصحابها وتؤدي الزكاة عن نفسها، إلا أن الفقهاء المتقدمين قد اعتبروا ذمة الشركة الشرعية من ذمم الشركاء، فالخسارة في الشركة الشرعية يتحملها الشركاء برأس المال؛ فإن هلك رأس المال يتحملها أصحابها من أموالهم الخاصة، كما هوا لحال في شركات التضامن، إلا أن الحاجة إلى تشجيع الناس على المساهمة في الشركات، والذي احجموا عنها خوفاً من أن تتجاوز الخسارة رؤوس الأموال فيصيبهم ما لا طاقة لهم به من خسارة قد تؤدي إلى الإفلاس، دعت المشرع الوضعي إلى وضع نظام الشركات المحدودة، التي لا يتحمل المساهم فيها إلا في حدود رأس ماله.

وقد يبدو لأول وهلة أن لنظام الشركات المحدودة عيوبه ومضاره تجاه المطالبين في حالة إفلاس الشركة؛ إذا تعدت خسائرها رأس مالها، ولكن هذا يحدث أيضاً في حالة إفلاس التاجر وتعدى خسائره قدر أمواله الخاصة، فكما تفلس الشركة … يمكن أن يفلس الأشخاص، بل وأن المتعامل مع الشركة المحدودة يَعْرِفُ قَدْرَ رأس مالها، ويمكنه الإطلاع على حساباتها ومعرفة وضعها المالي والتعامل معها على أساس معلومات واضحة، فيتحرز بألا يتعامل معها إلا في حدود مالية معينة، بينما قد لا يستطيع الحصول على هذه المعلومات في حالة الشخصية الطبيعية (التاجر).

وبالرغم من أن أغلب الفقهاء – في هذا العصر – قد أجازوا ضمنياً هذه الشركات المحدودة برأس مالها … إلا أن الفتوى القاطعة – والله أعلم – لم تصدر بعد، والذي يهمنا في هذا البحث هو ما يلي:

–    إن الشركة لها شخصية معنوية، ويصح أن تكون رب مال أو عاملاً في المضاربة وغيرها من المشاركات.

–  إن العامل سواء كان شخصاً أو شركة لا يحق له الإستدانة أو الإتجار بأكثر من رأس مال المضاربة، إلا بأذن وضمان رب المال، على ألا يتجاوز هذا الضمان ما تملكه الشركة المقارضة من مال إن كانت من الشركات المحدودة، وإلا ضمن إصحابها في أموالهم الخاصة، وإن خالف العامل – الشركة المحدودة – يضمن أصحابها بأموالهم الخاصة أن تعدى الضمان رأس مال الشركة العامل.

–    ما ينطبق على الشخص الطبيعي ينطبق على الشركة.

–    الإيجاب والقبول والتصرف يصدران عمن لهما صلاحية تمثيل الشركة والنيابة عنها.

وحيث إن المضاربة قد حددت برأس مالها… فإن اذن بالإستدانة… وجب الضمان علي الشركة رب المال وعلي أصحابها؛ فإن الشركة الى يجوز لها أن تكون رب المال أو عاملاً في المضاربة قد استوفت شروطها الشرعية.. يجب ان تكون ذمتها من ذمة أصحابها تجاه الغير.

ويقترح أن توضع القواعد المنظمة للشركات؛ فالشركة التي تود أن تكون الطرف العامل في المضاربة- الشركة المضارب- يجب عليها أن تعلن أنها تلتزم في جميع معاملتها بالشريعة، ويكون هذا الإلتزام فيما يتعلق بتحيرم التعامل بالفائدة الربوية وفي المحرمات، لما جاء في المدونة (جزء 5 ص107):” وقال مالك لا أحب للرجل أن يقارض رجلا إلا رجلا يعرف الحلال والحرام وإن كان رجلاً مسلماً، فلا أحب، أن يقارض من يستحل شيئاً من الحرام في البيع والشراء“.

وتستطيع أي شركة قائمة أن تغير نظامها القائم، وتعدل عن معاملاتها السابقة لتكتسب شخصيتها الشرعية، ويجوز للشركات التي أصحابها من أهل الذمة أن تكتسب هذه الشخصية إذا التزمت وكان مديرها المسؤول عالماً بأمور الحلال والحرام في الإسلام.

والمقصود هنا بالشخصية الشرعية الإسلامية هو الإلتزام بالأحكام المذكورة، وليس أن يكون للشركة دين، فالدين ينطبق على البشر وله طبيعة وأحكام خاصة لاتنطبق على غيرهم، بينما المقصود هنا أن تكون هذه الشركة متميزة ومستفيدة من هذا الإنتماء فتحافظ عليه، إذ إنها ستفقد هذه الشخصية إذا استخدمت مال مضاربة في أي استثمار يحرمه الإسلام، بإذن أو دون إذن من رب المال، فيكون هذا من دواعي التزامها وحرصها على هذه الشخصية.

ولايجوز لرب مال أو مؤسسة مالية إسلامية أو بنك إسلامي دفع مال مضاربة إلي أي شركة أو تاجر لم يعلن التزامه في جميع معاملاته الأخري بهذه المبادئ، وأي نقض لهذا الإلتزام يثبت بالبينة القاطعة يفقد هذه الشركة شخصيتها الإسلامية، وهي أهليتها الشرعية… فلا يجوز أن تصبح طرفاً في عقود مضاربة، ويفقد مديرها المسؤول أهليته فلا تصح له إدارة شركة أخرى – ذات شخصية إسلامية – لمدة معينة.

وتوضع لائحة لتسجيل أسماء هذه الشركات تشرف عليها جهة شرعية، قد تكون منبثقة عن الهيئة العليا للفتوى والرقابة الشرعية، على أن يكون معها مكتب محاسبة وتدقيق حسابات، فيشترط في أي شركة تود الدخول في عقد مضاربة أن تتقدم بطلبها لقيد أسمها في هذه اللائحة، وتصدر هذه الجهة شهادة تتجدد سنوياً بعد التأكد من صحة الإلتزام.

وتنبثق عن هذه الجهة لجان تحكيم للنظر والفصل في الخلافات التي قد تنشأ عن عقود المضاربة، ولجنة للعقود تقوم بإعداد وكتابة وإصدار الشروط العامة القياسية لعقد المضاربة، فتصدر عدة عقود قياسية مختلفة بإختلاف الأغراض، ينص فيها على الشروط الشرعية الثابتة في العقد، وعلى الشروط الجعلية، والتي لأطراف العقد إبقاؤها أو النص في الملحق على إلغاء أو تعديل بعضها، وفي الحدود التي رسمها الخبراء الشرعيون، على أن ينص انه إذا تعارض شرط جعلي أضافه المتعاقدون مع أحد الشروط الشرعية..فإن الشرط الجعلي يبطل تلقائياً.

وتمويل هذه الجهة الشرعية بتقاضي رسوم تسجيل الشركات، ورسوم من أصحاب المال لقاء تقديم معلومات عن الشركات المضاربة بإذنهم، ورسوم تسجيل عقود المضاربة، ورسوم إستشارة وتحكيم وغيرها.

البنك الإسلامي:

تقوم البنوك الإسلامية علي أساس الإلتزام بمباديءوروح الإقتصاد الإسلامي، ولهذا فدورها – كبنك – يختلف إختلافا جذريا عن دور البنوك  الربوية الأخرى التي تقوم علي أساس تقاضي ودفع الفائدة، بناء علي مبدأ كراء المال الذي يحرمه الإسلام قطعياً. وطبقاً للمبدأ الإسلامي الغُنم بالغُرم … فإن البنوك الإسلامية لا تستطيع توفير عائد مضمون للأموال المودعة عندها – بغرض تحقيق عائد كحسابات الإستثمار – إلا عن طريق إستثمار هذه الأموال وفق السبل الشرعية التي وفرها لها الشارع، وهذه السبل كثيرة متعددة تغطي تقريباً كل أنواع الإستثمارات المعروفة، منها: الإستثمارات التي يقوم بها البنك مباشرة أو مشاركة، ومنها التي يدفع بها المال إلى الغير ليقوموا بالإستثمار كالمضاربة. ولهذا كان علي البنك الإسلامي إعداد جهاز فني قادر على دراسة أوجه هذه الإستثمارات وتقدير أرباحها المتوقعة. وسوف تنبثق أيضاً- في ظل هذا النظام الإسلامي- مكاتب دراسات متخصصة. كل في مجال إستثمار معين، يوظفها البنك للقيام بهذه الدراسات المتخصصة إن خرج مجال المشروع عن نطاق خبرته، ويجب أن يتوخى البنك الحرص علي ضمان توظيف الأموال التي يجمعها؛ في الإستثمارات التي تعود بالربح علي مودعيه، وبالفائدة علي المجتمع الذي جمع منه المال.

جاء في موضوع مقاصد البنوك الإسلامية في الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية-الجزء السادس 1982- الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية – الدكتور سيد الهواري. ( صفحة 143): ”لم تنشأ البنوك الإسلامية لملاكها ولأصحاب حملة الأسهم، فهي- أي البنوك الإسلامية- ولا تتعامل بل لا يجوز- وفقا للأحكام القطعية للشريعة الإسلامية- التعامل بالفائدة أخذا أو عطاء. وبالتالي لا يجوز لها المتاجرة علي الملكية بمعنى: تحقق فائض لحساب الملاك فقط علي إعتبار أن الأموال المملوكة اختلطت مع الودائع الإستثمارية لتحقق فائض علي حساب العملاء طالبي التمويل والمشاركات، فالأموال المملوكة عهدة لدي البنك الإسلامي لعمارة الأرض، ولذلك فان البنك الإسلامي لا يجوز أن يغفل عن أن جزءا من أهدافه يدور حول طالبي التمويل بالمشاركة بمعنى أنه لا يضع حصة مشاركة مرتفعة ولذلك فان مفهوم معدل الربح يصبح مرتبطا ليس فقط بتعظيم رفاهية الملاك وأصحاب ودائع الإستثمار بل وبطالبي التمويل والمشاركات أيضاً“.

رب المال:

يجوز أن يكون رب المال شركة أو شخصاً، ممن له الأهلية والملكية أو الولاية، ويجوز أن يكون عدة أشخاص أوحكومة أو بيت مال أو بنكاً يملك التصرف بالوكالة والتفويض أو قائماً على أموال اليتامي وأموال الوقف، ويجوز أن يكون من أهل الذمة.

ويقول الدكتور محمد عبد الله العربي: ”يعتبر المودعون – في مجموعهم لا فرادي- رب المال، والبنك هو المضارب مضاربة مطلقة، أي يكون له حق توكيل غيره في إستثمار مال المودعين. ويضيف الدكتور العربي: إذا كنا أعتبرنا البنك بالنسبة لأصحاب المشروعات الإستثمارية الذين أمدهم بماله هو رب المال، ونعتبر أصحاب المشروعات هم المضارب“.

وعليه… ففي حالة البنك الإسلامي؛ فإن المودع بغرض إستثمار ماله يكون رب المال في عقد المضاربة ويكون البنك هو الطرف المضارب، ويوقعان علي عقد مضاربة مطلقة التفويض، ويبين في العقد رأس المال، وينص علي نصيب كل منهما كنسبة شائعة في الربح الذي يكسبه المضارب، وتكون الوضيعة علي رب المال، ولا ضمان علي البنك. وأن ينص في العقد علي ما يجوز وما لا يجوز من التصرفات للبنك. ومما يجب النص علي جوازه خلط المال والمشاركة والمضاربة خاصة.

ويصبح البنك أميناً علي المال حتي يتصرف فيه، ووكيلاً عندما يتصرف، وشريكاً إذا تحقق الربح، ولا ضمان عليه إلا أن يتلف بالتعدي، كأن يقرضه البنك إلي طرف أخر، أو يستخدمه خلافاً لمضمون العقد فيضمن.

العـامـل:

يشترط في العامل الأهلية والصلاحية لأن يكون وكيلاً وعاقداً، وقد يكون شركة أو شخصاً أو عدة أشخاص، ويجوز أن يعطي رب المال المال إلي عاملين، ويجوز أن يكون أحدهم من أهل الذمة.

وفي حالة البنك الإسلامي… يكون البنك هو العامل في عقده مع المودعين الراغبين في إستثمار أموالهم في المضاربة، ويظل كذلك إذا استثمر المال وفق قواعد المضاربة بنفسه. أما إذا قام البنك بالدراسات المفصلة في أوجه الإستثمار المختلفة؛ فرأى أن المصلحة والخير في دفع المال مضاربة إلي العامل الثاني، وكان العقد الأول يفوضه بذلك.. لإإنه يدفع المال مضاربة الى العامل الثاني، ويصبح رب المال في عقد المضاربة الثاني، ويقتسم البنك ربحه كرب مال من المضاربة الثانية مع مودعيه، وفق شرط الربح في العقد الأول.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة مال من طرف وعمل من الطرف الثاني

الشركة العامل التي تخصصت في مجال معين من مجالات الاستثمار وليكن التجارة، هي كيان مستقل لها مكتبها الرئيسي بما فيه من الموظفين الإداريين والتنفيذين ومعاونيهم، وتملك في الأغلب أدوات ومعدات وشاحنات ومخازن ومتاجر، واكتسبت شهرتها القائمة على هذه الأصول الثابتة من جهة، وعلى خبرات أجهزتها الإدارية والتنفيذية من جهة أخرى. ولها سجل سابق أعمال وحسابات ووضع مالي وذمة منفصلة. وهذه الشركة- بكل كيانها- تأخذ محل العامل في عقد المضاربة، الا أن قدرتها تتناسب مع حجمها الأكبر بكثير من قدرة العامل الشخص، وهذا الحجم قد وجد ليناسب حجم الاعمال التي تطلبه مشروعات الاستثمار في هذا العصر، فلم يعد في قدرة الفرد القيام وحده بالمشروعات الكبيرة والتي تتطلب اجتماع خبرات مختلفة، كما لم يعد في قدرة التاجر الفرد منافسة الشركات التجارية الكبيرة والتي تمتد متاجرها ومخازنها في طول البلاد وعرضها.

وكذلك رب المال… فلم يعد مال رب مال واحد يكفي للاستثمار في المشروعات التجارية أو الصناعية التي تحتاج لأموال كثيرة، فجاءت البنوك الاسلامية لتجميع روؤس الاموال من أصحابها وتوجيهها إلى الاستثمار ذي الحجم القادر على المنافسة وتحقيق الربح. وهذا بغرض رفع كفاءة الانتاج بتقليل نسبة تحميل التكاليف الثابتة على المنتج.

ولهذا… كان التطور الطبيعي لمواجهة متطلبات العصر أن يتسع عقد المضاربة من الشكل الثنائي أو المتعدد بين أشخاص، إلى أن يشمل الشكل الثنائي أو المتعدد بين شركات لها شخصيتها المعنوية الخاصة بها ولها ذمتها المستقلة – بشرط ألا تستدين هذه الشركات أو تتاجر بأكثر مما تملك، وهذا الشرط لم يشترطه الفقهاء على طرفي المضاربة اذا قبل أحدهما بضمان الدين وكان الضمان أكثر من ماله- ولا يوجد ما يمنع هذا التوسع فالوكالة والمشاركة وكل التصرفات التي تحق لطرف المضاربة تحق للشركة، ومتى تم التعاقد وحررت اتفاقية المضاربة الصحيحة… فليس ما يمنع من تنفيذها وفق الشروط الصحيحة التي ينص عليها، وما ينطبق على الشخص ينطبق على الشركة.

نعود إلى الشركة التي لها كيان مستقل، وهي العامل، فنجد أن مصاريف مكتبها الرئيسي بموظفيها ومفروشاتها وادواتها وكافة المصروفات الثابتة والتي تصرفها على نفسها سواء عقدت المضاربة ام لم تعقدها هي نفقتها، وتعامل مثلها مثل نفقة العامل.

 وما تملكه هذه الشركة من متاجر وشاحنات والآت هي ما يكون قدراتها، والعمل الذي تقوم به هذه الأعيان والأصول هو من صميم العمل الذي يؤدي إلى نماء مال المضاربة والذي يكون منه- أي النماء- عوضها عن العمل والفكر الذي بذلته، ولولا هذه القدرة لما توجه اليها أصحاب الاموال.

أما ما تستأجره من الغير أو تستأجر الغير عليه… فمن مال المضاربة، ولها أن تختار ما تشاء بشرط أن ينعكس هذا على نصيبها من الربح والذي فيه عوضها عن ما تستخدمه من قدراتها.

المضاربة في مشروع معين:

لا يحق لرب المال أن يشترط على المضارب نوع العمل إلا في الحدود التي بينها الفقهاء، الا أنه لا يوجد مانع في أن يتوجه المضارب إلى رب المال بتجارة معينة فيقنعه بجدواها؛ فإذا اقتنع ووافق عقدت المضاربة على هذا الاساس، ولا يعود بعدها لرب المال الحق في التدخل، وأغلب الظن أن تجارة قوافل الشام واليمن في العصر الجاهلي والاسلامي الأول كانت تمول بمضاربات بقصد هذه التجارة؛ أي إن مجال ووجهة وربما نوع التجارة كان محدداً أو معروفاً.

وهذه الشروط التي ينص عليها العقد هي شروط جعلية (وضعية) انبثقت من العرض الذي تقدم به المضارب، وليس لرب المال يد فيها، ولأنها شروط مبنية على توقعات… فلا يوجب فيها الإلزام إلا ما كان يؤثر على الربح؛ فإذا اتفقا ان العامل يقدم عمله وعمل شاحنته وله من الربح الثلثين… فإن استأجر شاحنة غيره لتقوم بنفس العمل لزمه الاجر من ماله لأن له عوض ذلك من الربح.

والمعتاد ان تتقدم الشركة إلى البنك بدراسة الجدى الاقتصادية للمشروع، وفيه تفصيل التكاليف والإيرادات المتوقعة، ولو أخذنا مثالاً لدراسة جدوى عملية تجارية مبسطة؛ فسيكون ما يقدمه العامل من تقديرات كما يلي:

Chapter5-Pg273

مما سبق .. نجد أن مصاريف المكتب الرئيسي – وقد اعتبرناها نفقة العامل – يمكن أن يتحملها العامل من ماله مادام مقيماً، ويكون عوضه عنها جزء من الربح.

ويجب التنويه هنا أن أجرة البائع على العمل الذي يقوم به، من الأعمال التي جرت العادة أن يقوم بها التاجر بنفسه؛ فتتحملها الشركة العامل من مالها؛ فالأعمال التي سيقوم بها كالعرض والمساومة وقبض المال وغيرها من صميم أعمال المضارب التي وصفها الفقهاء وهي إن استأجر عليها… فمن ماله، لا من مال المضاربة ولا من ربحها.

فإن افترضنا وبعد الأخذ بعين الاعتبار تحمله مصاريف المكتب الرئيسي وأجر البائع من ماله وعوضه عن الجميع في ربحه، وأن الاتفاق المبدئي نص على أن الربح سيكون بينهما بالتساوي، تعدل الدراسة كما يلي مع تثبيت رأس المال على ما كان عليه:

Chapter5-Pg274

ولو استأجر الشاحنة من الغير… يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو227.5، وله مثله؛ وحيث إنه يود استئجار الشاحنة والمتجر من نفسه… يمكن أن يكون عوضه عنهما من النماء أيضاً.

وعمال التحميل – وإن عملوا في الشركة – إلا أنهم ليسوا من المصاريف الثابتة كالمكتب الرئيسي؛ فلا يصح اعتبارهم من النفقة أو من عمله الذي يلزمه في العقد، ويعتبرون كطرف ثالث، وما يدفع مباشرة لهم من مال المضاربة على الا يصل للعامل منه شيئاً.

فيعاد صياغة الجدول كما يلي:

Chapter5-Pg275

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل- الشاحنة والمتجر- ويعود اليه استحقاقه وهي 135، ونسبتها 22.88% من الربح، وما يتبقى يقتسم بينهما بالنصف؛ فيأخذ رب المال 227.5؛ أي 38.56 %من الربح الموزع، ومثلها للعامل.

وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 61.44% للعامل، و38.56% لرب المال.

فيكون عوض العامل عن أعيانه بقيمة منافعها، مضافاً إليها ما تربحه مثل ربح المشترى، وهي أعلى من نسبة نماء مال المضاربة؛ لأننا افترضنا في المال أن التكاليف الأخرى – غير الشراء – لن تتغير بتغير كمية الشراء، أي إن ثمن تحميل ونقل وعرض المشترى لن يزيد بزيادته، فإذا كانت مما يتأثر بزيادة كمية المشترى… يكون الصحيح من الجدولين الثاني والثالث كما يلي:

الجدول الثاني:

Chapter5-Pg276-1

أي لو استأجر الشاحنة والمتجر من الغير … يكون نصيب رب المال من الربح نصفه، وهو 215.5.

الجدول الثالث:

Chapter5-Pg276-2

وتعود الزيادة في الربح بين الجدول الثاني والثالث إلى أعيان العامل، ويعود إليه استحقاقها، وهي 141.3، ونسبتها 24.7% من الربح، وما يتبقى …
يقتسم بينهما بالنصف لرب المال 37.65%؛ أي 215.5 لرب المال ومثلها للعامل، وتكون نسب توزيع الربح الكلي بينهما: 62.35% للعامل و37.65% لرب المال.

والفرق يسير بين التعديل والأصل، إلا أن التعديل بغرض التأكد أن أحدهما لاينال مما ليس له فيه مال أو عمل، وقد اعتنى الفقهاء بهذا وحرصوا عليه، وبالرغم من تركهم تحديد النسب وفق اتفاق الطرفين… إلا أنهم حرصوا على صحة ودقة الحساب متى حددت هذه النسب.

وإن كان ثمن البيع أقل من رأس المال… تكون الوضيعة على رب المال وليس على العامل إلا ما قدمه من منافع، وتعود إليه أعيانه والتي لم تفارق ملكه.

ويتضح مما سبق… أنه يجب على العامل الذي يتقدم بدراسة إلى البنك، أن يكون حريصاً في أن تكون دراسته دقيقة وصحيحة، فكل ما قد يقدمه سوف يعاير بمعيار الربح الذي تظهره دراسته، فإن أظهر هذا الربح أكثر من الحقيقة بقصد اقناع البنك بجدوى مشروعه… فإن الأعيان التي تقدمها شركته إن قيمت بمعيار هذا الربح، كان الضرر عليه إذا كانت حقيقة الربح أقل مما جاء في دراسته، ولو أنقص الربح في دراسته – متعمداً – لزيادة نسبة هذه الأعيان منه، فقد يفقد المشروع جدواه الاقتصادية.

والمضاربة ليست كما قد يظنها البعض أن يدفع الرجل مال إلى من يأخذ المال فيصرف منه على التجارة وعلى نفسه كما يشاء، ثم قد يعود إلى رب المال خاسراً فيتحمل رب المال هذه الخسارة وحده، بل إنها تختلف عند الفقهاء المتقدمون؛ فالعامل لا يصرف من مالها على نفسه شيئاً- إلا باذن رب المال في بعض الحالات كالنفقة والتي حصرها الفقهاء وفصلوا البينود التي تصرف فيها
– بل ويصرف من ماله عليها إذا استأجر من يعمل ما لزمه هو من العمل، وعمله وفكره وما يبذله فيها لا قيمة له إذا لم يتحقق نماء، فهو من يتحمل الجزء الأول من خسارة المضاربة قبل أن تصل الخسارة إلى مالها، وربح المضاربة ليس هو الربح الصافي بعد تنزيل كل مصروفات المعاملة بما فيها قيمة عمله والذي قام به بدلا من استئجار الغير كما قد يقول البعض، وإنما ربح المضاربة الذي يوزع بينهما بالشرط هو الفرق بين إيرداها – بعد تسديد أي ديون أو أثمان مؤجلة عليها مأذون بها من قبل رب المال – ورأس المال؛ وليست ربح التجارة كما نفهمه في عصرنا الإيراد بعد خصم كل التكاليف. والمضاربة التي وضع أسسها الفقهاء المتقدمون هي المضاربة العملية العادلة التي يمكن تطبيقها في هذا العصر وفي أي عصر. أما ما جرت عليه العادة اليوم… فليس عملياً ويؤدي إلى النزاع ولهذا … يفشل تطبيقه ليس لعدم مناسبة هذا العقد وإنما لخطأ في فهمه.

ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة لهذا المعاملة؛ نظرا لتشعب سبل الإستثمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الإستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أقنية استثمارية تحكمها الضوابط والأحكام الشرعية التي توفر العدل والأمان وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالطمأنينة والرضى.

والمضاربة هي المعاملة التي وجدت فيها البنوك الإسلامية الصيغة المناسبة- بل وكأنها صممت لهذا الغرض- لتنظم العلاقة بينهما وبين المودعين، إلا أنها عزفت- في أكثر الأحيان- عن استخدامها في علاقتها مع طالبي التمويل.

ونتعرف على الأسباب من أقوال الإقتصاديين والعاملين في هذا المجال:

واقع التمويل بالمشاركة في البنوك الإسلامية العاملة في السودان- للدكتور عابدين سلامة- ص59-70 مجلة البنوك الإسلامية عدد71.

جاء في البحث: ”هناك رغبة للبنوك الإسلامية العاملة للعمل وفق صيغة المرابحة لما في ذلك من ضمان أموال المودعيين  من أن تتعرض لمخاطر المشاركة.

وفي مجال المشاركة في القطاع التجاري جاء: وبعض هذه الحالات تؤكد ما توصل إليه الباحثين من أن بعض العملاء يلجأ إلى التحايل في بيع البضاعة بسعر وإظهاره في فاتورة صورية بسعر آخر أو محولات تدوير المبلغ والاستفادة منه لمصلحة العميل فقط دون اشراك البنك أو محاولة حجب النواحي المالية والإدارية من البنك واخفائها والإنفلات الزمني للعمليات ويكون للعميل ضلع كبير فيه وللباحث صاحب الدراسة المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات المشار إليها خبرة عملية طويلة في مجال الإستثمار في البنوك الإسلامية ويؤكد ما توصل إليه هذا الباحث بعض دراسات الحالة التي استعرضناها وما توصل إليه بعض المفكرين في هذا المجال إذ أوضحوا أن ضعف القيم ووالأخلاقيات في المعاملات قد ضيق من تعامل البنوك الإسلامية على أساس المشاركة والمضاربة واتجهت كما شاهدنا من المعلومات الاحصائية التي استعرضناها إلى المرابحة حيث لا حاجة لها إلى فحص حسابات العميل“.

وجاء في البحث: ضيغ التمويل الاسلامي للدكتور سامي حمودة مجلة البنوك الاسلامية ص40

ص42: ”فالخلط بين الامواال في عقود المضاربة الشرعية لا يجوز بعد بدء العمل حتى لو كان بين ذات المتعاقدين رب المال المضارب، لأن كل عقد يستقل بحكمه بحيث لو وجد عقدان ربح الاول وخسر الثاني فان الخسارة في العقد الثاني لا تنزل من الربح المتحصل في العقد الأول، ولو حصل ذلك لكان فيه إهدار لحق العامل في المال.

كما ان طريقة قسمة الارباح المقترحة  لا تتفق مع الاصول والقواعد الفقهية المتفق عليها في المضاربة حيث يفترض في قسمة الربح في المضاربة تنضيض المال اي اعادة رأس المال نقوداً كما كان لكي يسترد رب المال كامل رأس المال إذا سلم مع نصيبه من الربح، ويأخذ المضارب حصته من الربح بحسب ما كان قد أتفق عليه من أبتداء العمل في المضاربة وهذا هو نصيب البنك الاسلامي من الربح الذي يدخله في ميزانيته ويطرح منه مصاريفه ورواتب موظفيه وسائر نفقاته.

 

أما بالنسبة لما يفعله االبعض من البنوك الاسلامية من ناحية تنزيل النفقات ورواتب العاملين في البنك ممن لهم علاقة بأعمال المضاربة ومن ليس لهم علاقة بذلك ثم يعطى للمودعين المستثمرين ما يقرره مجلس الادارة من ارباح فان ذلك التصرف يخالف القواعد الفقهية للمضاربة الشرعية.

وإذا كان تطبيق القواعد الخاصة بعقد المضاربة بصورتها الواردة فى المؤلفات الفقهية أمر متعذر عملياً في المؤسسات المصرفية، فإن الحل لا يكون بالتغاضي عن التقيد بتلك الشروط والأحكام الفقهية، وإنما يكون الحل بالتبصر فيما يلزم تقريره من أحكام لهذا الوضع الجديد.

وان الحل الذي رأيناه يمثل في الحاجة إلى استحداث عقد جديد له خصائص متميزة عن عقد المضاربة الفردية حيث يحكم هذا العقد علاقات المضاربة المشتركة بكل ما تحتويه من عناصر التعدد في المشاركين وأحكام الاستمرار فيما لا تتم تصفيته من الأموال الداخلة مع المستثمرين“.

ص47: ”ذلك أن البنوك الاسلامية- برغم نجاحها الكبير في اجتذاب المدخرات الوطنية في البلاد التي وجدت فيها- مازالت غير قادرة على إيجاد الوسائل الاستثمارية المناسبة لتوظيف السيولة الفائضة لديها والاسهام في انتقال روؤس الاموال الاسلامية داخل بلاد العالم الاسلامي. وليس هناك من اسرار يفضي بها عندما نقول بأن البنوك الاسلامية تعتمد إلى حد كبير على الاسواق المالية العالمية في أوربا وأمريكا لاستثمار فائض السيولة لديها في اسواق السلع الدولية وتمويل التجارة العالمية. وبذلك تكون البنوك الاسلامية قد أسهمت من غير قصد في استنزاف المزيد من ثروات العالم الاسلامي تاركة بلاد المسلمين تحت وطأة الحاجة للمال الذي يخرج ولا يعود“.

ويقول الشيخ صالح كامل في مجلة التجارة عدد شوال 1410هـ: ”أين هو المسلم الأمين الذي نأتمنه على أموال الناس“.

وقد خرجنا من هذا البحث أن المضاربة- كما وردت في كتب الفقه- هي عقد رائع وصالح للتطبيق العملي، ويحمل في أحكامه ما يكفل الحماية لأطراف العقد وضمان العدل في توزيع منافعه. وأن القاعدة العامة في المصروفات التي تكون من مال المضاربة: إن ما يصرف من مالها هو ما يعاوض به الغير فتدفع إلى أطراف أجنبية عن العقد مقابل معاوضات لا مقابلات، إلا بالإذن في حالة المقابلات كالمشاركة والمضاربة، ولا يجوز للعامل أن يأخذ من رأس المال سواء أكان بعوض أم بدون عوض، إلا في حالة النفقة في السفر أو الحضر، وبالشرط فقط في الحضر.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني

العـمـل

جاء في مقال الدكتور مشعل دخيل المشعل في مجلة البنوك الإسلامية: يعرّف الخطيب العمل بأنه: الجهد الذي يبذله الإنسان لتحوير وتبديل طبيعة أو استخدام شيء ما. هذا العمل قد يكون جسديا ويعتمد على القوة العضلية مثل عمل المزارع في الحقل , أو ذهنيا بالدرجة الأولى مثل عمل مراجع الحسابات أو الكاتب, وقد يكون الجهد خليطا من الاثين الجسدي والعقلي ومثال ذلك عمل الطبيب الجراح.

ويعرف المصري العمل بأنه مجموع الجهد الإنساني عقلي أو بدني أو كلاهما لخلق منفعة اقتصادية أو لزيادة قيمة شيء موجود أصلاً .ويعرف الشرباصي العمل في قاموسه بأنه خلق الشيء . (عدد69ص56)

فالعمل المنتج هو جهد إنساني – عقلي بالدرجة الأولى- وقد يستخدم فيه القوة العضلية وما سبق خلقه بجهد إنساني من امتدادات للقوة العضلية والقوة العقلية – وينتج عنه تبديل لحال الأشياء المخلوقة أو إضافة لموجود.

فالنجار يبدل بعمله الخشب إلى منضدة، والحفار يبدل حال الأرض؛ فيخفض جزءاً منها فيرتفع جزء آخر؛ فالعمل لا ينقص ولا يزيد شيئاً في هذا الكون؛ فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في كونه، لا شيء ينفى وإنماء يتحول من صورة إلى أخرى، إلا أن العمل المنتج يخرج المنافع المكنونة في الأشياء بتبديل حالها أو تبديلها وتجميعها، أو أن يكون العمل ذاته مقصوداً كالخدمات أو الفنون التي تضيف إلى سعادة الآخرين.

وحتى الآلة التي تعمل بالعقل الالكتروني بدون سائق تحتاج إلى من يبرمجها على العمل، ولا يخلو عمل من القدرتين العقلية والبدنية، وإن أمكن تقليل الأخيرة إلى الحد الأدنى لها.

وليس في قدرة العمل أو الفكر الإنساني خلق شيء جديد؛ فالخلق يستوجب أن يوجد الشيء من لا شئ. وهذا من صفات الله سبحانه وتعالى وحده، وما يقصد من الخلق هنا إنما هو تبديل طبيعة الأشياء؛ فيصنع شيئاً جديداً من الطبيعية المخلوقة، والتي سخرها الله للإنسان، والإنسان يقدر على استخراج المنفعة المكنونة أو استخدام الموارد والقوانين الطبيعية لما فيه منفعته، ومن صفات الكون الثبوت الكلي والتغير الجزئي الدائم، فكل زيادة يقابلها نقصان، وأنعم الله على الأرض فكانت تأخذ في هذا الكون ولا تعطي، تأخذ من الشمس طاقة مستمرة بقدر. وكان من صفات الأشياء التغير، منها ما تحسبه جامداً وهو متغيراً بمعدل بطئ، ومنها ما يتغير كل يوم، وله دورة من الوجود إلى النماء إلى الأُفول، ومنها ما يكون نماؤه طبيعي، ومنها ما يحتاج إلى بذل الجهد والعمل، وإنماء الأشياء من عمارة الأرض إلى الزراعة إلى نماء المال بكل صوره وغيرهم، هو ما يتحصل بالعمل المنتج.

وقد حلل الإسلام  لمالك المال الحق في إنماء ماله، سواء كان هذا النماء طبيعياً أو ناتجاً عن العمل، فإن كان النماء طبيعياً… كان له كل نمائه بالضمان، أي بتحمله وحده النتيجة المترتبة عن هذا الإستثمار؛ فإن هلك المال فعليه وإن نما فله، أما إذا كان النماء لا يتحصل إلا بالعمل، فإن عمل الرجل في ماله فنما استحق نماء ماله لقاء المال والعمل الذي قام به بنفسه، وإذا دفع المال لغيره ليعمل فيه مضاربة… اقتسما النماء الذي حصل بالمال والعمل، ويكون كسب كل منهما حلالاً ؛ لأنه نظير عوض، هذا لقاء ماله الذي نما وبالضمان أي بتحمله الخسارة إذا اصاب المال وضيعة؛ وذاك لقاء العمل… فإن دفع له أجراً صار أجيراً، فلا يطيب لمن أخذ الأجر الربح فوق ما أخذ من الأجر إذا كان الربح دون عوض.

والعمل الإنساني قد يصدر عن العامل وحده، وقد يصدر عن العامل وما يملكه فيشمل قدرته الفكرية والبدنية، وقدرة الآلة المضافة إلى قدرته العضلية، أو قدرة الكمبيوتر المضافة إلى قدرته العقلية، أو كل هذه القدرات معاً؛ مما يمكن أن نطلق عليه قدراته الممدتة.

وليس الإنسان وحده الذي يعمل، فالآلة تعمل والكمبيوتر يعمل، وكل منفعة تقاس على العمل إن استحقت الأجر؛ فالعمل والمنفعة يلتقيان في أن كلاً منهما يمكن أن يكون العوض فيه هو الأجر، أو المشاركة في النماء إن اجتمعا في عامل وآلة ونتج عنهما إنماء مال.

فإن ضارب العامل فإنه إما يضارب بفكره فقط، أو بفكره وقوة بدنه، أو بقدراته الممتدة الشاملة لما يملكه من أعيان لها منافع.

عمل المضارب في عقد المضاربة

عامل المضاربة هو من يملك القدرة على القيام بأعمال أغلب الظن أن ينتج عنها نماء رأس المال النقدي، ويكون من أثر هذا العمل تبديل المال من حال إلى حال أكثر من مرة حتى يعود إلى حالته الأولى… فإن كثر عما كان عليه فيكون نما، وإن قل يكون قد أصابته وضيعة، وقد فصل الفقهاء هذه الأعمال – وهم قد حصروا المضاربة في التجارة – كما يلي:

ما يقوم به المضارب من عمل، وما له، وما عليه يكون بما جرت به عادة التجار.

جاء في الفقه الحنفي  في المبسوط: وله أن يستأجر معه الأجراء  يشترون ويبيعون، ويستأجرون البيوت والدواب للأمتعة التي يشتريها، لأن ذلك من صنع التجار، فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح، وللمنافع حكم المال عند العقد، والإجارة والاستئجار تجارة من حيث أنه مبادلة مال بمال.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 88): ”وله أن يستأجر من يعمل في المال لأنه من عادة التجارة وضرورات التجارة أيضاً لأن الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق يحصل الربح ولا يمكنه النقل بنفسه“.

وجاء مثله الفقه الشافعي في مغني المحتاج من أن العامل يتولى ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه كنشر الثياب وطيها وذرعها، وان ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه،
وما لا يلزمه يستأجر عليه من مال القراض.

وجاء في الفقه المالكي في الدردير الكبير: وعليه أي العامل ما جرت العادة أن يتولاه كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر في ماله ان استأجر على ذلك، لا في مال القراض ولا في ربحه. وإلى هذا ذهب كل من الحنابلة والإمامة والزيدية.

 وجاء عند الحنابلة في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، من نشر الثوب وطيه وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده، وشد الكيس، وختمه وأحرازه في الصندوق ونحو ذلك. ولا أجر له عليه، لأنه مستحق للربح في مقابلته، فإن استأجر من يفعل ذلك فالأجر عليه خاصة. لأن العمل عليه فأما ما لا يليه العامل في العادة، مثل النداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل عمله،  وله أن يكتري من يعمله. نص عليه أحمد. لأن العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه، فرجع فيه إلى العرف. فإن فعل العامل ما لا يلزمه فعله متبرعاً فلا أجر له، وإن فعله ليأخذ عليه أجراً فلا شيء له أيضاً في المنصوص عند أحمد، وخرج أصحابنا وجهاً: أن له الأجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه، هل له أجر لذلك؟ على روايتين. وهذا مثله، والصحيح: أنه لا شيء له في الموضعين. لأنه عمل في مال غيره عملاً لم يجعل له في مقابلته شيء فلم يستحق شيئاً كالأجنبي“.

وجاء في فقه الشيعة الإمامية في شرائع الأسلام (جزء 5 ص137): ”أن العامل إذا أذن له رب المال في التصرف تولى باطلاق الاذن كل ما يتولاه المالك من عرض القماش والنشر والطي وإحراز المال، وقبض ثمنه، كما يقوم بإيداع المال واستئجار من جرت العادة كالدلال والوزان عملا بالعرف“.

وجاء في فقه الشيعة الزيدية في الروض النضير (جزء 3 ص 646): ”أن للعامل أن ينفق من مال القراض ما يحتاج إليه المال من كراء أو جباء وأجرة دلال وغير ذلك مما تتطلبه التجارة ويقضي العرف به“.

فالعامل إذا استلم رأس مال المضاربة… تصرف فيما يتصرف فيه التجار عادة، فله أن يشتري به البضاعة التي يرى الخير في المتاجرة بها، وله أن يستأجر العمال والمخازن ووسائل النقل وكل ما  تحتاجه التجارة وما يتم به نجاحها. أما ما جرت العادة أن يتولاه بنفسه… فعليه أن يقوم به بنفسه، وليس له أن يستأجر لذلك الأجير، وذلك كاستلام البضاعة وعرضها وتنظيمها وبيعها وتصديرها، وتحرير العقود وإيداع الأموال وغيرها مما جرت عليه العادة. فإذا استأجر لهذه الأعمال عاملا، وكان بوسعه أن يقوم بها بنفسه، لزمته الأجرة من ماله الخاص، أما ما لا يلزمه من العمل… كان له أن يستأجر عليه من مال المضاربة، وقد اتفق الفقهاء السابقون على هذا.

وقد وصف الفقهاء هذه الأعمال من باب التوضيح لا الحصر وحددوها بكل ما جرت العادة عليه، وجاء في وصفهم ما يلي: نشر الثياب وطيها وذرعها وعرضها على المشتري ومساومته وعقد البيع معه، وأخذ الثمن وانتقاده وشد الكيس وإحرازه في الصندوق وإيداع الأموال ونحو ذلك، وكل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه، وأن ما يلزمه من العمل يقوم به بنفسه، وإن استأجر على  ذلك يكون عليه الأجر في ماله، لا في مال القراض ولا في ربح القراض.

ووصف الفقهاء أيضاً ما يحق له أن يستأجر، أو يستأجر عليه من مال المضاربة، من باب التوضيح أيضاً لا من باب الحصر: الإجراء ممن يشترون ويبيعون، والبيوت والدواب والسفن، والدلال والوزان وغير ذلك مما لا يلزمه من العمل، أو لا يمكنه بنفسه، وتتطلبه التجارة ويقضي به العرف.

ومن الواضح أن الأعمال التي على المضارب أن يقوم بها بنفسه، هي ما جرت العادة عليه، و ما يلزمه من العمل، وهذا يعني أن على المضارب أن يقوم بنفسه بالأعمال التي جرى العرف أن يقوم بها التاجر ويقدر أن يقوم بها بنفسه، وأن يقوم بنفسه أيضاً بالأعمال التي اتفقا في العقد على أن يقوم هو بها وربما في حدود هذا العرف. وهو إن استأجر من يقوم على أي من هذه الأعمال … يكون الأجر في ماله وليس في مال المضاربة أو ربحها، أي إن مسؤولية هذه الأعمال تقع على عاتقه وحده والعوض له عليها من ربحه؛ أي من ربح العمل.

ومن عادة التجار العاملين في سوق معينة  أن يكون لهم متجر وربما ناقلة ومخازن، وقد تكون المضاربة مع شركة تجارية تملك متاجر متعددة وسيارات ومخازن، وقد نتج عن امتلاكها هذه الأعيان زيادة قدرتها على التجارة الناجحة فتوجه إليها أرباب الأموال.

وما جاء عن الفقهاء فيما سبق، بما يتعلق بمبادلات بين العامل وطرف أجنبي عن العقد، ولم يصرح إذا كانت الأجرة على العمل أو المحل أو وسيلة النقل تجوز لأحد طرفي المضاربة، من صاحب مال أو عامل، ونعلم من مضاربة الرسول صلى الله عليه وسلم بمال السيدة خديجة رضي الله عنها، أنها أرسلت معه غلامها ميسرة ليساعده، وقد نجزم أنها لم تأخذ من مال المضاربة أو الربح أجر عمل ميسرة. وكما ورد في المضاربة… فإن رب المال يجوز له المساعدة برضى العامل من قبيل الإعانة، رب المال قد يدفع بآلة أو بمتجر أو بعماله تطوعاً؛ فإن طلب أجر المثل… كان هذا اشتراطاً على المضارب قد تفسد معه المضاربة، وعوض رب المال عما دفع إلى المضارب يكون في الربح، فلهما أن يتفقا على نسب توزيع الربح بينهما، فإن دفع رب المال مساعده أو داراً أو آلة وكانت للمضارب حاجة لها وقبل بها؛ يكون لرب المال من الربح أكثر مما يكون له، لو لم يدفع سوى رأس المال… فإن تطوع فالربح سيكثر على أي حال لتطوعه.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 86): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً، ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال أو يسكن رب المال دار المضارب فهذا لا يجوز، لأنه إذا شرط البيع في أحد  الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان ولم يعقد على منافع الدار“.

وجاء في المغني لابن قدامة (جزء 5 ص 56): ”ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه داراً ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز. نص عليه أحمد في رواية صالح، وإن استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته ففيه روايتان. إحداهما الجواز لأن ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز أن يستأجر له الحيوان كمال الأجنبي. والأخرى لا يجوز لأن هذه لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك، لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر، فإذاً لا تجب الأجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيهما إيقاع العمل إنما توجب الأجرة بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه“.

وجاء في نفس المرجع السابق في باب المساقاة ص 404: ”وإن شرط العامل أن أجر الأجراء الذين يحتاج إلى الإستعانة بهم من الثمرة وقدر الأجرة لم يصح لأن العمل عليه فإذا شرط أجره من المال لم يصح كما لو شرط لنفسه أجر عمله وإن لم يقدره فسد لذلك ولأنه مجهول. ويفارق هذا ما إذا اشترط المضارب أجر ما يحتاج إليهم من الحمالين ونحوهم، لأن ذلك لا يلزم العامل فكان على المال، ولو شرط أجر ما يلزمه عمله بنفسه لم يصح كمسألتنا“.

ولو نظرنا إلى العامل الذي يمتلك دابة أو وسيلة نقل أو دكاناً ودور ومخازن، ويريد استعمالها بدلاً من أن يستأجر من طرف أجنبي، فهذه يمكن تصور عوض منافعها كرأس مال مشارك به، أو كأجرة أو كنصيب من النماء.

أولاً – عوض المنافع كرأس مال مشارك به:

ما تقدمه هذه الأشياء إلى المضاربة منافع، والمنافع لا تصلح أن تكون رأس مال، إلا أن تكون مشاركة منافع. والمضاربة فيها رأس مال مدفوع، ولا تصلح مشاركة المال مع المنافع كرأس مال؛ لأن رأس المال يمكن أن ينقص، بينما تبقى أعيان هذه المنافع على حالها، وخسارتها محدودة بما يستهلك منها، وإن قيل إن المشاركة في رأس المال تكون في هذا القدر، يصعب تحديد قيمة هذا القدر وقت التعاقد، إلا أن تحدد بأجر المثل، وأجر المثل فيه ربح ولا تصح لأحدهما أن ينال شيئاً من الربح قبل القمسة.

والأجر لقاء منفعة غير موجودة وقت التعاقد، ويشترط استيفاؤها لتستحق الأجرة، والأجرة لا تملك بعقد الإجارة عند الأحناف، قال أبو حنيفة ومالك رضي الله

عنها: ”أنها تجب جزءاً جزءاً بحسب ما يقبض من المنافع“.

والاجارة عقد يشترط فيه معرفة المنفعة وبيان مدتها أو العمل المطلوب وتكون إما بشرط تجصيل الغاية المقصودة، وإما بضرب الأجل، وهذا لا يتحقق في عقد المضاربة لأن العمل في المضاربة مجهول وقت التعاقد وليس مقصوداً لذاته، والغاية في المضاربة هي نماء المال، وهذا مجهول أيضاً.

والاجارة عقد لازم عند الجمهور – إلا الأحناف – وليس لأحد الطرفين فسخها، والمضاربة عقد غير لازم، وليس من المنطق الصحيح الجمع بين عقد غير لازم وعقد لازم.

ولكل ما سبق… لا يصح أن تكون المنافع رأس مال للمضاربة.

ثانياً- عوض المنافع كأجرة في عقد إجارة:

الإجارة هي عقد بيع منفعة، وقد أشرنا في المضاربة إلى شراء العامل من مال المضاربة، والمضارب وكيل، البيع وجه خأخرأ×رأ×رأخر للشراء، وكما جاء في فقه السنة عن شراء الوكيل من نفسه لنفسه (جزء 3 ص 230): ”وإذا وكل في بيع شيء هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟ قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه لا يصح شراء الوكيل من نفسه لنفسه، لآن الإنسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصاً، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة وبين الغرضين مضادة“.

وهي إن كانت أجرة، تستوفى من مال المضاربة أثناء العمل، فيكون العقد إما بين المضاربة – ككيان منفصل له شخصية إعتبارية – والعامل، أو بين رب المال والعامل، والأغلب ألا تصح في الحالتين لما يلي:

‌أ-   إذا كان عقد الاجارة بين المضاربة والعامل… فإنه يشترط فيه الايجاب والقبول، وهذا يدور بين الوكيل- له مطلق الحرية في التصرف – ونفسه، فلا يصح، جاء في كتاب ضوابط العقود للدكتور عبد الحميد البعلي (ص107-108):

”الأصل في العقود التي لا تتم إلا بتوافق إرادتين أن يتعدد العاقد. ويضيف الدكتور البعلي: أما ما عدا عقد النكاح من عقود المبادلة التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين فالاًصل فيها كما سبق تعدد العاقدين لأن الحقوق فيها ترجع إلى العاقد سواء أكان يعقد بالأصالة أم بالنيابة وهي حقوق متقابلة في زمان واحد والقول بغير ذلك يؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلماً ومتسلما وطالبا ومطالبا وهذا محال، ولذا لا يصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً من الجانبين في البيع وشباهه، ويصلح رسولاً لأن الرسول لا تلزمه الحقوق، وكذلك يصح أن يتناول القاضي العقد من الجانبين لأن الحقوق لا ترجع إليه. ويضيف الدكتور البعلي استثناء الفقهاء شراء الأب مال ولده لنفسه وبيع ماله من ولده، والوصي المختار من الأب أو الجد إذا عقد لنفسه من مال اليتيم إذا كان فيه نفع ظاهر وإلا فلا ومنعه محمد من الحنفية لأن القياس يمنع ذلك“.

‌ب- وبفرض أن الإتفاق على عقد الاجارة يتم بين رب المال والعامل… فمن طبيعة الإتفاق توفر الإرادة الحرة والقدر على المساومة، بينما لا يحق لرب مال المضاربة التدخل في قرار العامل، سواء أكان في وصف العمل أو تحديد المنفعة أو الغاية أو بيان المدة. والعامل له مصلحة في زيادة الأجر كمؤجر، وله أيضاً مصلحة في انقاصه كمضارب ليزيد ربح المضاربة الذي له فيه نصيب، وفي هذا تضاد مصالح. بينما رب المال مصلحته في تقليل الأجر، لزيادة ربح المضاربة من جهة، وخوفاً من هلاك ماله من جهة أخرى، وهو في الأغلب لا يملك خبرة المفاوضة والاستئجار، وبدفعه المال مضاربة… قد أسلم هذه الأمور إلى العامل معترفاً بحذقه ومهارته.

فإن اتفقا على الأجر… فسيكون نظير المدة لأن العمل مجهول، فيكون كذا في الشهر أو في اليوم. وعقد الاجارة وهو عقد بيع منافع، ومن طبيعته تأجيل استيفاء المنفعة لأنها تتحقق خلال مدة العقد، ويشترط لاستحقاق الأجر استيفاء المنفعة أو تسليم العين مشتملة على المنفعة، فيكون على رب المال- الطرف المستأجر- استيفاء المنفعة، وهذا سيعطيه حق الإشراف للتأكد من الحصول على المنافع، وهذا لا يجوز في عقد المضاربة وقد يؤدي إلى النزاع.

وهو إن رأى أن يستأجر غيرها مما هو أقل منها تكلفة يكون هذا تدخلاً في عمل المضارب لا يصح منه في عقد المضاربة، وماذا لو كانت العين المستأحرة مشتركة مع الغير كجزء من متجر، لا ينضبط الأجر فيه إلا بتحقق الغاية، ورب المال لا مقصد له إلا النماء، فإن حددا الغاية… فالعامل من يقرر تحققها إلا أن تكون في النماء.

‌ج- وفي الأجر ربح للعامل، ولا يحق لأحدهما أن ينال ربحاً من المضاربة قبل القسمة، وقد يكثر ما يؤجره العامل للمضاربة ويكثر ربحه منه؛ فيعادل أو تفوق أهميته للعامل أهمية ربح المضاربة عنده، فيقل الدافع لديه لتحقيق أعلى ربح للمضاربة. وهو أن أستأجر من نفسه… فإنه قد يتغاضى عن بعض العيوب التي قد تبطأ العمل والتي قد تظهر فيما استأجر، كوسيلة النقل أو الدابة.

ومنع أو كره الإمام مالك اجتماع القراض والإجارة؛ مما يمكن الاستدلال عليه في ما جاء في كتاب فقه المضاربة(ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الإستذكار، للإمام ابن عبد البر: قال مالك: ”لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا إكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحداهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الاجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافئ أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجر عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجرا لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجرا فيما عمل، لان المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً أجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لانه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة ولا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

ويضيف السرخسي في ص 150: ”ولذلك إذا شرط ذلك الأجر لعبد له يعمل معه في المضاربة أو لبيت يشتري فيه ويبيع، فالربح على ما اشترطا ولا أجر لعبد المضارب ولا لبيته، لان المشروط للبيت مشروط للمضارب وعليه حفظ مال المضاربة في بيته ولا يجوز أن يستوجب على ذلك أجرا، ولهذا لا يجوز استئجار المرتهن على حفظ المرهون، وعبد المضارب الذي لا دين عليه كسبه لمولاه فالمشروط  له من الأجر كالمشروط للمضارب. ولو كان العبد الذي اشترط له الأجر عليه دين أو كان مكاتب المضارب أو ولده أو والده فهو جائز على ما اشترطا، وللذي عمل بالمال مع المضارب من هؤلاء عشرة دراهم كل شهر على ما اشترطا لانه من كسب هؤلاء كالأجنبي وله أن يستأجرهم للعمل معه، ويكون أجرهم في مال المضاربة، فاشتراط ذلك في المضاربة لا يزيده إلا وكادة. وليس له أن يستأجر عبده الذي لا دين عليه ولا بيته من نفسه ليبيع فيه ويشتري للمضاربة، فكان اشتراط ذلك في العقد شرطاً فاسداً. ولو اشترطا أن يعمل عبد رب المال مع المضارب على أن للعبد أجرا عشرة دراهم كل شهر ما عمل معه، فهذا شرط فاسد لان عبد رب المال إذا لم يكن عليه دين كنفسه، ولو شرط عمل رب المال معه باجر لم يجز ذلك ولا أجر له فيما عمل فكذلك إذا شرط ذلك لعبده أو لأبيه والربح بينهما على الشرط، لأن الشرط الفاسد غير متمكن في صلب العقد بخلاف ما إذا شرط رب المال أن يعمل معه وهو بغير أجر لأن ذلك الشرط يعدم التخلية بين المضارب ورب المال وهنا الشرط لايعدم التخلية فان العبد أجير المضارب ويد الأجير كيده“.

وجاء في مفتاح الكرامة(جزء 7 ص 448): ”ولو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق أجرة“.

جاء في روضة الطالبين للإمام النووي (جزء 5 ص 135): ”ثم ما عليه أن يتولاه، لو استأجر عليه فالأجرة من ماله، وما ليس عليه أن يتولاه له أن يستأجر عليه من مال القراض. ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له“.

وجاء في حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج (جزء 6 ص 97): ”وما لا يلزمه من العمل له الاستئجار عليه من مال القراض لانه من تتمة التجارة ومصالحها، ولو تولاه بنفسه فلا أجرة له. وما يلزمه عمله إن استؤجر عليه تكون الأجرة من ماله“.

ثالثاً – عوض المنافع كنصيب من النماء:

فكر وعمل عامل المضاربة هو منفعة يقدمها لقاء عوض مجهول، هو نصيبه من ربحها، أي إن منفعة المضارب ومنفعة عمله يقاس عوضهما بجزء من النماء، وليس بالأجر لأن العمل مجهولاً وليس مقصودا في المضاربة وإنما المقصود فيها هو النماء. فإذا قدم أحدهما ألة أو داراً… يمكن أن تقاس قيمتها بمقدار النماء الإضافي الذي تحققه هذه العين في رأس المال، وهذا النماء الإضافي- هو في الحقيقة- قيمة المنفعة مضافاً إليه نسبة نماء رأس المال؛ لأن توفير المنفعة للمضاربة وفر مال المضاربة الذي كان سيدفع للغير لقاء هذ المنفعة فاشترى به بضاعة أكثر ربحت مثل نسبة ربح مال المضاربة؛ أي إن أثر هذه المنفعة كان في شراء أكثر وتبعه ربحه، لآن رب المال لم يدفع أو يضمن هذا الجزء من المال… فلا يجوز له شيئاً منه أو من كسبه، ولأن الشراء تحصل من منافع أعيان العامل وهي مال، والعمل منه… فإن النماء الإضافي كله له.

وهذا يختلف عن بعض مشاركات المنافع التي وردت عند الحنابلة، مثل مشاركة الدابة ومن يعمل عليها والشبكة ومن يصطاد بها، فليس في هذه المشاركات رأس مال نقدي يعاد إلى صاحبه وإنماء يقتسمان الرزق كله بينهما.

ويمكن معرفة نصيب هذه الالة أو الدار من الربح كجزء منه، بإجراء دراسة الجدوى الاقتصادية المقدمة من قبل العامل بعد الاتفاق على بنودها، مرة بإدراج الالة بفرض استئجارها من الغير، ومرة دون احتساب أجر لها، والفرق في الربح يعود لها فيحتسب كجرء من الربح الكلي ويخصص للعامل.

ومما سبق… نجد أن لعقد المضاربة طبيعة خاصة والأسلم أن يكون عوض العامل عن منافع أعيانه كنصيب من الربح لا كأجر ولا كرأس مال. وهذا سيقلل الخلاف لأن محاولة تقدير قيمة منافع هذه الأعيان- بالإضافة إلى ما سبق ذكره- قد يتسبب في كثير من الإختلاف أو الغرر أو الغبن بأحدهما؛ لأن هذا التقدير سواء كان كرأس مال أو كأجر… سيتعين على رب المال دفعه من ماله إن لم تحقق المضاربة ربح، وقد يفوز المضارب من المضاربة بمال بينما يصيب مال المالك وضيعة، وهذا سيدفع رب المال عند التعاقد إلى تخفيض هذا التقدير إلى أقصى حد قد يكون فيه غبن للمضارب المحتاج، وربما قد يعطي الحجة لرب المال أن يمارس نوعاً من الإشراف للتأكد من استيفاء المنافع فتفسد المضاربة أو يلحقها الضرر، وقد يقبل العامل مجبراً هذا الخفض في قيمة منافع أعيانه لحاجته للمال، فإن كان الربح وفيراً… لم يناله العوض الصحيح. أما إذا كان هذا التقدير كجزء من الربح… فلن يتشدد رب المال بنفس الدرجة التي كان سيتشدد بها لو كان سيدفها من ماله، ويتوفر عند العامل الحافز الأقصى لتحقيق الربح والذي منه عوض عمله وعمل أدواته وأعيانه، والحافز من العناصر المهمة التي تقوم عليها فكرة المضاربة.

ونلاحظ أن الفقهاء قد اعتبروا عوض عمل البائع في عقد المرابحة في الربح، جاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، للدكتور عبد الله العبادي(ص190): ”أما ما يرى الفقهاء إضافته إلى رأس المال الأصلي في بيع المرابحة فانهم متفقون على أصل الإضافة لرأس المال من نفقات وإن اختلفو في الشيء الذي يضاف أو لا يضاف.

ويوضح ابن رشد(الحفيد) ذلك. بأن تحصل مذهب مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائداً الثمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم يعد أصل الثمن ويكون له حظ من الربح، وقسم لا يعد أصل الثمن ولا يعد من الربح. فاما الذي يحسبه في رأس المال ويجعل له حظ من الربح فهو ما كان مؤثراً في عين السلعة مثل الخياطة والصبغ، وأما الذي يحسبه في رأس المال، ولا يجعل له حظ من الربح فما لا يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد الى بلد وكراء البيوت التي توضع فيها، وأما ما لا يحتسب فيه الأمران جميعاً فما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب السلعة بنفسه كالسمسرة والطي والشد.

كما أوضح النووي أن البائع إذا قال بعت بما قام على انه يدخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والدلال والحمال والحارس والقصار والرقاء والصباغ، وقيمة الصبغ وأجرة الختان وتطبين الدار، وسائر المؤن التي تلزم الاسترباح.

وذكر الكاساني ان مما يلحق برأس المال مرابحة أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال والخياط، والسمسار وسائق الغنم والكراء“.

ومما سبق نجد أن الفقهاء لم يدرجوا قيمة عمل البائع في رأس المال والذي وفقا لمذهب مالك، يتكون من جزءين:

أصل الثمن؛ وهو ثمن الشراء، وما كان مؤثراً في عين السلعة، ويحسب الربح المتفق عليه على هذا الجزء فقط.

ما لا يؤثر في عين السلعة، ولا يمكن أن يتولاه البائع بنفسه؛ أي يستأجره من الغير أو يستأجر عليه كالنقل والبيوت وغيرهم، وهذا لا يجعل له حظاً من الربح.

ولا شك أن الفقهاء لم يخف عليهم أن لعمل البائع قيمة، إلا أنهم – والله أعلم – قد فضلوا أن يكون العوض عن عمله في الربح الذي سيناله على أصل الثمن، فهم لو جعلوا له أجراً عن عمله يضاف إلى رأس المال… يصبح أجيراً عند المشتري، فلا يحق له الربح، فهو إن حق له الأجر عن عمله وفكره فيكون ربحه زيادة بغير عوض، وهذا يعارض قواعد الاقتصاد الإسلامي. أضف إلى هذا أن المرابحة مبادلة مبنية على الثقة وأمانة البائع، وهو يعرف بالتحديد قيمة ما دفعه إلى الغير، أما قيمة عمله… فهذا يعود إلى تقديره هو، وقد تكتنفه الجهالة، وهذا لا يصح في عقد يفترض الاتفاق فيه على نسبة الربح فقط، والغرر من الأمور الواجب الابتعاد عنها في العقود فلا تتعدى الغرر اليسير إذا لم يكن في الإمكان إنتفاؤه كلية.

ومما سبق… نجد أن الفقهاء – ونلاحظ أن النووي والكاساني، لم يذكرا قيمة عمل البائع في المقتبس من قولهما أعلاه –  في الأظهر لم يسمحوا للبائع في عقد المرابحة أن يحسب لنفسه أجرا عن عمله، وجعلوا عوضه عن هذا العمل من الربح.

منافع رب المال:

جاء في المغني (جزء 5 ص 29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه، ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

ويتوقع أن يكون نصيب رب المال الذي يدفع مع ماله غلامه ودابته، أكثر من نصيب من لم يدفع سوى ماله، أما القول بأن الربح سيصبح أوفر في الحالة الأولي؛ فينال رب المال الأول أكثر من نفس الجزء… فهذا قد لا يعبر تعبيراً صحيحاً عن حقيقة المعاملة، التي هي من المقابلات.

فلو دفع رجل بألف دينار إلى من يعمل عليها، فاستأجر عاملاً وبهيمةعلى ما لم يلزمه من العمل بمائة، واشترى بتسعمائة، فباع المشتري بألف وثلاثمائة وخمسين أي ربح النصف على ثمن الشراء، وكان الفائض بينهما بالنصف… يكون لكل منهما مائة وخمسة وسبعين.

ولو دفع إليه ألفاً وغلاماً وبهيمة بدون شرط، وكان العامل ليستأجرهما من المال على ما لم يلزمه من العمل؛ فاشترى بالألف، وباع بألف وخمسمائة يكون لكل منهما مائتين وخمسين؛ فيكون العامل قد نال خمسة وسبعين، لا مال له فيها ولا عمل.

فإن قيل إن رب المال تطوع بهذا فالأولى الجواز؛ فإن لم يكن متطوعاً… فله في النماء أكثر من النصف؛ فإن احتسبا- كمسألتنا- يكون له خمسة وستون من المائة في الربح، وللعامل خمسة وثلاثون في المائة منه، ولهما أن يتفقا كما يشاءا إن رغبا في ذلك.

<< previous page next page >>

الباب الخامس: المضاربة بالقدرات الممتدة

الباب الخامس

المضاربة بالقدرات الممتدة

 

الفصل الأول

قدرات العامل

مفهوم المضاربة المتعارف عليه هو أنها معاملة يدفع فيها رب المال مالاً إلى من ينميه بالعمل، وسمي الطرف الذي يستلم ويتصرف في هذا المال ”العامل“؛ لأنه يقوم بالعمل أو الأعمال التي يُتوقع أن ينتج عنها نماء المال؛ أي إن صفة هذا العمل أنه عمل بشري يتميز بالقدرة على تنمية المال. وهذا ما قصده رب المال من دفعه ماله مضاربة إلى العامل؛ فهو لم يقصد العمل ذاته فليس له غرض في هذا العمل، ولو كان يقصد منفعة العمل المباشرة لاستأجره عليه، وهو إن فعل لكان عليه وحده مسؤولية تقديم الفكر والإدارة، وهذا ليس من اختصاصه ولا في حدود قدراته؛ فالعامل هو صاحب الفكر والعمل، وهو القادر على إنماء المال، وليس رب المال.

والذي يهمنا هنا أن رب المال ليس له قصد في عمل العامل، بل وقد لا يعرف ما هو العمل المطلوب بذله لإنماء المال، ولا يقصد سوى نماء ماله، وعليه … فهو لا يود أن يقّيم ما يقدمه العامل إلى المضاربة سوى بمعيار استيفاء الغاية التي يقصدها … وهي إنماء ماله، فإن لم يحدث نماء … فهو لم يستوف الغاية التي عقد عليها ولا يكون ملزماً بعوض للمضارب؛ لأن عمله في هذه الحالة ليس له قيمة وفق هذا المعيار. والمضارب ليس له قصد في استيفاء عوض منفعة عمله عن طريق الأجر المحدد المعلوم على هذا العمل، ولم يكن له أن يقصد هذا لجهالة العمل. وإنما هو يرغب في التصرف في المال وفق ما يراه هو الأصلح، فتكون له الحرية الكاملة في التصرف لقاء جزء من النماء الذي قد يحققه، فهو يريد أن يكون عوضه بجزء من النماء يقابل جهده وخبرته. فإن كان ثمة ربح … فقد تولد عن الأصلين المال والعمل، لرب المال نصيب المال منه، وللعامل نصيب العمل.

وإذا لم يتحقق ربح … تكون قيمة العمل معدومة، ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كان فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان، الذي كان سيحلل له كسبه من النماء لو كان قد تحقق.

ويجب التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشتمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيَّمة بمعيار هذا النماء، ونماء هذا العوض – وكلاهما للعامل – ونماء المال الصافي والعائد إلى المال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيُستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال، أو يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال على المعنيين، ويُرد إلى أحد المعنيين وفق موضوعه ووفق المعنى المقصود في النص.

النفقـة

جاء في باب المضاربة أن الفقهاء أجمعوا على أن نفقة المضارب تكون من ماله مادام مقيماً، وأجازوا أن تكون من مال المضاربة أو ربحها إذا اتفقا على ذلك، وبفرض أنهما لم يتفقا على ذلك، وكانت النفقة من ماله … فإن المضارب لا يحق له اقتطاع جزء من مال المضاربة لنفسه، ولا يحق له بالتالي أن يجعل لنفسه أجراً أو معاشاً أو مصروفاً من مال المضاربة أو من ربحها، وإن كانت من مال المضاربة كره أن يعمل في مال آخر في نفس الوقت.

جاء في روضة الطالبين (جزء 5 ص 135): ”ولا أن ينفق منه على نفسه في الحضر قطعاً“.

وقاال الحنابلة في الأنصاف (جزء 2 ص 437): ”متى اشترط النفقة على رب المال فقد صار أجيراً له، فلا يضارب لغيره“.

وجاء في المغني (جزء 5 ص 53): ”ان دفع إليه مضاربة واشترط النفقة فكلمه رجل في أن يأخذ له بضاعة أو مضاربة ولا ضرر فيها. فقال أحمد: إذا اشترط النفقة صار أجيراً له فلا يأخذ من أحد بضاعة، فإنها تشغله عن المال الذي يضارب به. قيل: فإن كانت لا تشغله؟ فقال: ما يعجبني أن يكون إلا بإذن صاحب المضاربة، فإنه لابد من شغل. وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب وإن فعل فلا شيء عليه لأنه لا ضرر على رب المضاربة“.

وهذا يبين العلاقة بين النفقة والأجر فلا يستحب أن يجتمعا، والحقيقة أن النفقة سواء شرطت له أم لم تشترط … فإن قيمة منفعة عمله – مشتملة النفقة إن لم يشترط – مستحقة له بشرط الربح كما سيأتي فيما بعد.

وما جاء يعني – في المضاربة في العصر الحديث – أن صاحب العمل لا يأخذ لنفسه شيئاً ولا يحدد لنفسه قدراً يقتطعه من الربح قبل التوزيع، إلا لو اتفقا على ذلك ونحن في هذا الباب سنفترض أن رب المال لم يأذن.

وبفرض أن صاحب العمل شركة، وباعتبار الشركة شخصية معنوية ذات ذمة منفصلة تختص بها … فإن نفقتها، هي مصروفاتها التي تصرفها سواء قامت بأعمال المضاربة أم لم تقم، وهذه تشمل أجور مكاتبها ورواتب جهازها الإداري وغيرها من المصروفات الثابتة، التي على أساسها يقوم هيكلها وخبرتها وسمعتها، والتي من أجلها توجه أصحاب المال إليها. أي إن نفقة الشركة هي كل مصاريفها الإدارية الثابتة والتي لا تتغير سواء عقدت المضاربة أم لم تعقد.

والمتفق عليه في عصرنا هذا، والذي أخذ شكل العرف، هو أن تُحمل الشركة العامل جزءاً من مصاريف مكتبها الرئيسي على مشروع المضاربة بنسبة هذا المشروع إلى حجم أعمالها، وأن تدفع لنفسها من مال المضاربة أو من ربحها هذه التكاليف، وهذا من الامور التي يجب الاتفاق عليها، ويجوز لرب المال ألا يقبل تحمُلها من ماله أو من النماء، بل إن هذا يُمثل الأساس الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فالنفقة من مال العامل مادام مقيماً، إلا بشرط كما قال الحنابلة ولرب المال أن يقبل أو أن يمتنع، أي إن قبول رب المال هو ما يُشترط الاتفاق عليه.

ويجب ملاحظة أن النفقة ليست الأجور، فالنفقة هي ما يصرفه الرجل على نفسه وعلى من يعول في أمور معاشه الأساسية، والأجر في الأغلب أكثر من ذلك … فإن لم تجز النفقة، فالأولى ألا يجز الأجر.

جاء في بدائع الصنائع (جزء 6 ص 101): ”قال أبو يوسف إذا استأجر الرجل أجيراً كل شهر بعشرة دراهم ليشتري له ويبيع، ثم دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة، فالمضاربة فاسدة والربح كله للدافع ولا شيء للأجير سوى الأجرة، وقال محمد المضاربة جائزة ولا شيء للأجير في الوقت الذي يكون مشغولاً بعمل المضاربة، وجه قول محمد أنه لما دفع المضاربة فقد اتفقا على ترك الإجارة ونقضها فما دام يعمل بالمضاربة فلا أجر له، ولأن الاجارة شركة لهذا لا تقبل التوقيت ولو شاركه بعدما استأجره جازت الشركة فكذا المضاربة، ولأبى يوسف لأنه لما استأجره فقد ملك عمله فإذا دفع إليه مضاربة فقد شرط للمضارب ربحاً بعمل قد ملكه رب المال وهذا لا يجوز، ولأن المضارب يعمل لنفسه فلا يجوز أن يستوجب الربح والأجر، ولا يجوز أن ينقض الاجارة بالمضاربة لأن الاجارة أقوى من المضاربة لأنها لازمة والمضاربة ليست بلازمة والشيء لا ينتقض بما هو أضعف منه، وما ذكر محمد أن المضاربة شركة فالجواب أن الشريك يستحق الربح بالمال والمضارب بالعمل ورب المال قد ملك العمل فلا يجوز أن يستحق المضارب الربح، ولأن الشريك يعمل لنفسه فكأنه امتنع من عمل الاجارة فيسقط عنه الاجرة بحصته والمضارب يعمل لرب المال فبقى عمله على الاجارة“.

ويقول السرخسي في المبسوط (جزء 22 ص 149): ”وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف على أن للمضارب بما عمل في المال أجرا عشرة دراهم كل شهر، فهذا شرط فاسد ولا ينبغي له أن يشترط مع الربح أجراً لأنه شريك في المال بحصته من الربح، وكل من كان شريكاً في مال فليس ينبغي له أن يشترط أجراً فيما عمل، لأن المضارب يستوجب حصة من الربح على رب المال بإعتبار عمله له، فلا يجوز أن يستوجب بإعتبار عمله أيضاً اجراً مسمى عليه، إذ يلزم عوضان لسلامة عمل واحد له. وإن اعتبرنا معنى الشركة في المضاربة كان رأس مال المضاربة عمله ورأس ماله، فلا يجوز أن يستوجب باعتبار عمله على رب المال أجراً، فإن عمل على هذا الشرط فربح فالربح على ما اشترطا ولا أجر للمضارب في ذلك، لأنه ما سلم عمله بحكم الاجارة على رب المال، والمضاربة شركة والشركة لا تبطل بالشرط الفاسد إذا كان لا يؤدي ذلك إلى قطع الشركة بينهما في الربح بعد حصوله“.

وعلى ما سبق … فالنفقة على العامل ومن ماله إلا بالشرط، ونصيبه في الربح يشتمل على عوضها وقد يكون أكثر منها أو أقل؛ لأنها كمنفعة عمله مخاطر بها، فطاب له الأكثر عملاً بمبدأ الغنم بالغرم.

<< previous page next page >>

الباب الثالث: مجالات الاستثمار من خلال عقد المضاربة

الباب الثالث

مجالات الاستثمار

من خلال عقد المضاربة

 

 الفصل الأول

طبيعة المضاربة

ذهب الأحناف والشافعية إلى أن المضاربة من جنس المعاوضة كالإجارة، وإنها واردة على خلاف القياس لجهالة العمل وجهالة الأجر، والأصل فيها إنها لا تجوز، وقد رخصها الشارع استثناءً من الأصل وتحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس وتلبية لحاجاتهم ورفقاً بهم.

بينما ذهب الحنابلة إلى أن المضاربة من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فالمضاربة مثل المساقاة والمزارعة، أصلاً يقاس عليه.

جاء في القياس لابن تيمية من أن عقد المضاربة من جنس المشاركة لا من جنس المعاوضة الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركة جنس غير جنس المعاوضة، والمضاربة ما لا يقصد فيه العمل بل المقصود المال، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئاً لم يكن له شيء. بل المضاربة مشاركة فالعامل بنفع بدنه وصاحب المال بنفع ماله وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة، وإذا شرط شيئاً مقدرا في المضاربة لم يجز لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين.

وجاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة للدكتور عبد الله عبد الحميد العبادي (صفحة 211، 212):

”ذهب الأحناف إلى أن القياس في عقد المضاربة لا يجوز، وعللوا لذلك أنه استئجار بأجر مجهول بل بأجر معدوم، والعمل مجهولاً لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع. (بدائع الصنائع جزء 8)

وجاء في تحفة المحتاج في الفقه الشافعي (جزء 5 ص220): ”وهو – أي القراض – رخصة لخروجها عن قياس الإجارات كما أنها كذلك لخروجها عن بيع ما لم يخلق“.

أما الحنابلة فإنهم اتجهوا اتجاهاً آخر فيه يسر وسعة، حيث إنهم الحقوا المضاربات بعقود الشركات: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في القواعد النورانية: من قال إجارة بالمعنى العام فقد صدق، ومن قال إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ. ثم يضيف في مكان لاحق: ولهذا جوز أحمد سائر أنواع الشركات التي تشبه المساقاة والمزراعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرها إلى من يعمل عليها، والأجرة بينهما.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: فالذين قالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس، ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة، لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا أن العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا هي على خلاف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة (إعلام الموقعين 2/4). ثم نوع العمل إلى ثلاثة أنواع:

1-     أن يكون العمل مقصوداً، معلوماً مقداره، مقدوراً على تسليمه، فهذه الإجارة  اللازمة.

2-     أن يكون العمل مقصوداً، لكنه مجهول أو غرر، فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم.

3-     مالا يقصد فيه العمل، بل المقصود منه المال وهو المضاربة“.

وجاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 29 ص 98) في موضوع المساقاة والمزارعة: ”أن هذه المعاملة مشاركة، ليست مثل المؤاجرة المطلقة، فإن النماء يحصل من منفعة أصلين، منفعة العين التي لهذا، كبدنه وبقره. ومنفعة العين التي لهذا، كأرضه وشجره. كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم، وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم. بخلاف الإجارة فإن المقصود فيها هو العمل أو المنفعة. فمن استؤجر لبناء أو لخياطة أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد، فإذا وفّاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد واستحق الأجير أجره. ولذلك يشترط في الإجارة اللازمة: أن يكون العمل مضبوطاً كما يشترط ذلك في المبيع. وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر إنما مقصودهما جميعاً ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشتركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأوص التي لهم، وهذا جنس من التصرفات يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة، وما فيه من شوب المعاوضة من جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة“.

ويضيف ابن تيمية في صحفة 99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حُرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لأنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شئ حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر.

يضيف: من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول، لما فيه من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيراً، كعمل الشريكين في المال المشترك، وعمل الشريكين في شركة الأبدان، وكاشتراك الغانمين في المغنم، ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى، نعم! لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله، كان هذا اجارة.

ويضيف في صفحة 101 في موضوع المضاربة: انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

<< previous page next page >>

الفصل الثالث

المضاربة في غير التجارة

جرت العادة أن ينمي العامل رأس مال المضاربة في التجارة بالشراء والبيع، ويبدو أن مسألة تنمية مال المضاربة من خلال أساليب الإستثمار الأخرى قد أثيرت في العصور السابقة، ربما لحدوثها فعلاً أو لرغبة الفقهاء بحثها ودراستها، ولولا ميل الناس إليها وربما حاجتهم لها … لما تطرق البحث إليها في تلك العهود. ونحن اليوم في حاجة إلى دراسة مستفيضة نظراً لتشَعَّب سبل الاسثتمار وتنوعها. ومن بالغ الأهمية أن يوفر النظام الاقتصادي المناخ المناسب لهذه الاستثمارات، ويكون هذا بتشجيع أصحاب الأموال على استثمارها، ومساعدة أصحاب الخبرات والمواهب على استغلالها، من خلال أَقْنية استثمارية تحكمها الضواب والأحكام الشرعية، التي توفر العدل والأمان، وتمنح أطراف المعاملة الشعور بالاطمئنان والرضى.

والمضاربة من العقود التي تطفو إلى السطح تلقائياً، كلما تعرضنا لرب المال غير القادر – لأي من الأسباب – على أن يعمل في ماله بنفسه، أو تعرضنا للعامل صاحب الخبرة والمعرفة والنشاط، والذي ينقصه المال لتحقيق ما يطمح إليه. والأجير ليس كالشريك لا في الطموح ولا في الحافز ولا في الاهتمام، وكل أصحاب الحرف والصناع ومن يقدمون الخدمات يحتاجون المال في أعمالهم مثل حاجة التاجر والزارع له، ولهم حقوق على المجتمع لا تقل عن حق التاجر والزارع، ولا يوجد سبب شرعي يمنع تطبيق المبدأ – الذي تقوم على أساسه المضاربة والمزارعة والمساقاة – على سبيل جمعهم مع أصحاب الأموال، إلا أنه يبدو أن هناك أسباباً فقهية لدى بعض الفقهاء دعتهم إلى حصر المضاربة في حدود معناها الضيق فمنعوها في ما هو غير الشراء والبيع، بينما ذهب غيرهم – وهم الحنابلة – إلى التوسع في معناها فشملت تقريباً كل عمل استثماري حلال.

وقد عنى الفقهاء بثلاثة أوجه من المجالات التي يمكن من خلالها استثمار مال المضاربة هم مجال الزراعة، ومجال الحرف (الصناعة)، ومجال الكسب من العمل على عين تنمى بالعمل عليها كالآلة والشبكة والدابة يدفعها مالكها إلى العامل، فيعمل عليها والرزق بينهما.

أولاً : المضارب يستثمر رأس مال المضاربة في كِراء الأرض وزرعها، وشراء الشجر أو النخل والصرف عليه:

رأى المالكية صحة هذه المضاربة إن كانت باختيار العامل، وليس بالاشتراط عليه، جاء فى المدونة (جزء 4 ص63 – وجزء 5 ص 120 مكتبة المثنى): ”فلو دفعت إلى رجل مالاً قراضاً فاشترى به أرضاً أو اكتراها، أو اشترى زريعة وأزواجاً، فزرع فربح أو خسر، أيكون ذلك قراضاً، ويكون غير متعد؟ قال: نعم، إلا أن يكون خاطر به فى موضع ظلم أو عدو يرى أن مثله قد خاطر به فيضمن، وأما إذا كان فى موضع أمن وعدل فلا يضمن. قلت أرأيت إن أعطيته مالاً قراضاً، فذهب وأخذ نخلاً مساقاة فأنفق عليها من مال القراض أيكون هذا متعدياً؟ أم تراه قراضاً؟ قال ما سمعت من مالك فيه شيئاً، ولا أراه متعدياً، وأراه يشبه الزرع“.

أما لو اشترط رب المال على العامل ذلك … كان هذا غير صحيح عند المالكية، ويكون الزرع لصاحب المال وللعامل أجر المثل.

وجاء فى حاشية الشيخ محمد البنانى على شرح الزرقانى عن تنمية رأس مال المضاربة بالمزارعة (جزء 6 ص 217): ”ليس المضر عمل يده، إذ ليست المسئلة مفروضة كذلك، بل اشترط عليه أن ينفق المال فى المزارعة، فالمضر الشرط فقط وليس ثم عمل من العامل“.

وأجاز الحنابلة للمضارب أن يستغل مال المضاربة عن طريق الزراعة، إن قال له رب المال اتجر فى الزراعة، أو فوض إليه أمر المضاربة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء. ولا يضمن العامل لو تلف المال فى المزارعة.

وجاء فى المغنى (جزء 5 ص 44): ”وهل له الزراعة؟ يحتمل أن لا يملك ذلك لأن المضاربة لا يفهم من إطلاقها المزارعة. وقد روى عن أحمد رحمه الله فيمن دفع إلى رجل ألفاً وقال أتجر بما شئت فزرع زرعاً فربح فيه. فالمضاربة جائزة والربح بينهما. قال القاضى: ظاهر هذا أن قوله اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة، لأنها من الوجوه التى يبتغى بها النماء وعلى هذا لو توى المال كله فى المزارعة لم يلزمه ضمانه“.

وفى المذهب الشافعى … نص الرملى فى نهاية المحتاج (جزء 5 ص 234، 235) على أن ما ينتجه شجر القراض من ثمر أو ما ينتجه حيوان حامل من مال القراض، يختص بها المالك. وعلل ذلك بأن هذه ليست من فوائد التجارة. أما لو أشترى حيواناً حاملاً أو شجراً عليه ثمر غير مؤبر فالأوجه أن الولد والثمرة مال قراض. وقيل كل ما يحصل من هذه الفوائد مال قراض، لحصولها بسبب شراء العامل الأصل.

وجاء فى تكملة المجموع (جزء 14 ص 203) – تكملة المطيعى – أن الشافعية لا يقولون بصحة المضاربة، لأن النماء فى النخل وأصول الشجر أو الحيوان نتيجة نمو طبيعى فى هذه الأشياء، ولا دخل للعامل فى نموها.

ولم يتعرض الشافعية لمسألة استئجار الأرض وزرعها.

أما الأحناف، فقد رأى المتقدمون منهم صحة كراء الأرض البيضاء وزرعها، ومنعوا المعاملة والمساقاة كما جاء فى البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (جزء 7 ص 288): ”أن للمضارب أن يستأجر أرضاً بيضاء ويشترى ببعض المال طعاماً ليزرعها أو ليغرس فيها نخلاً أو شجراً، ولو أخذ نخلاً أو شجراً معاملة على أن ينفق فى تلقيحها أو تأبيرها من المال لم يجز عليه، وإن قال له أعمل برأيك“.

وجاء فى المبسوط (جز 22 ص 72): ”وإذا دفع مالاً مضاربة وأمر المضارب أن يعمل فى ذلك برأيه أو لم يأمره، فأستأجر المضارب ببعضه أرضاً بيضاء واشترى ببعضه طعاماً فزرعه فى الأرض فهو جائز على المضاربة بمنزلة التجارة لأن الزراعة من صنع التجار يقصدون به تحصيل النماء، وإليه أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم  الزارع يتاجر ربه، وما كان من عمل التجار يملكه المضارب بمطلق العقد. ولو استأجر أرضاً بيضاء على أن يغرس فيها شجراً أو أرطاباً، فقال ذلك من المضاربة، فهو جائز، والوضيعة على رب المال، والربح على ما اشترطا. ولو أخذ نخلاً أو شجراً أو أرطاباً معاملة على أن ينفق عليه من مال المضاربة، لا يجوز، ويضمن ما أنفق من مال المضاربة وإن قال له رب المال أعمل برأيك“.

وجاء فى الدُّرِّ المختار مع حاشية ابن عابدين (جزء 5 ص 648): ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز“.

ورأى بعض المتأخرين من الأحناف منع ذلك، جاء فى حاشية قرة عيون الأخبار، تعليقاً على قول الشارح: ”فلو استأجر أرضاً بيضاء ليزرعها أو يغرسها جاز. كان هذا فى عرفهم أنه من صنيع التجار، وفى عرفنا ليس هو من صنيعهم فينبغى أن لا يملكه“ (الحاشية مع تكملة المحتار جزء 8 ص 298).

وكأن الأحناف المتأخرون منعوا هذه المضاربة؛ لأنها لم تعد فى عرفهم من صنيع التجار، وقد كانت ذلك من قبل، ويستنتج من هذا أنها تجوز إن كانت من صنيع التجار فى العرف السائد فى عصر آخر.

والأقرب عند الإمامية هو فسادها، كما جاء فى مفتاح الكرامة للعاملى (جزء 7 ص 449): ”ولو شرط أن يشترى أصلاً ويشتركان فى نمائه كالشجر أو الغنم فالأقرب الفساد لأن مقتضى القراض التصرف فى رأس المال“.

ومما سبق … نجد أن الحنابلة والأحناف المتقدمين قد أجازوا للمضارب أن يستغل مال المضاربة فى الزراعة كما سبق، وأجازها المالكية أيضاً على ألا يشترط المالك هذا فى العقد، ولم يتعرض الشافعية لها. أما المساقاة … فقد منعها فى أغلب الرأى الشافعية والأحناف بينما أجازها الحنابلة والمالكية.

والذى نستنتجه هنا أن استغلال مال المضاربة فى الزراعة قد أجيز من قبل بعض المذاهب، ومن لم يجزها منهم لم يمنعها لتعارضها مع سبب شرعى، وإنما لأن هذه الطرق ليست – فى رأيه – من صنيع التجار أو من أعمال البيع والشراء، ويعود بنا هذا إلى مقصود رب المال من عقد المضاربة، والغالب هو إنه قصد المضاربة لإنماء ماله؛ وخاصة عند من لم يسمح له بالاشتراط على نوع العمل.

والتجارة الرابحة هى القيام بشراء مال ثم بيعه بربح، وعنصرا الشراء والبيع موجودان فى الزراعة والصناعة وغيرهما من طرق الاستثمار، والزراعة التى جاءت فى الصور السابقة هى كراء الأرض البيضاء، والصرف والعمل عليها بما ينتج منها، ففيها شراء الحبوب والسماد واستئجار الآلة واستصلاح الأرض وحرثها والعمل فيها ثم حصادها وبيع المحصول، والصناعة فيها شراء المواد الأولية والعمل عليها لإنتاج سلعة ثم بيعها، والتجارة أيضاً تشمل شراء سلعة وإجراء عمل عليها يزيد من قيمتها فيمكن بيعها بثمن أكثر مما اشتريت به، وقد يكون هذا العمل فى نقلها من سوق تتوفر فيه إلى سوق يقل فيه توفرها، أو شراءها من المصدر بالجملة – بكميات كبيرة – ونقلها إلى السوق وعرضها وبيعها للناس بكميات قليلة وفق جاجتهم، أو شراءها فى موسم يقل فيه الطلب عليها وتخزينها ثم بيعها فى موسم يكثر فيه الطلب عليها، كشراء الملابس الصوفية فى الصيف وبيعها فى الشتاء … كل هذه الأعمال وغيرها تتعلق بشراء سلعة ما والعمل عليها لتحسين مركزها بين السلع المنافسة أو درجة طلب السوق لها فيمكن بيعها بربح، وهذا يحدث فى الصناعى فهى تتعلق بشراء مواد أولية، قد لا تكون مطلوبة لذاتها عند الناس، وتجميعها أو تشكيلها، فينتج عن هذا التجميع والتصنيع سلعة يحتاجها الناس فيقبلون على شرائها بثمن أكثر من أثمان المواد الخام المشتراة وتكلفة العمل عليها فيتحقق الربح. والتجميع موجود عند بعض التجار بصورة أخرى، فالتاجر الذى يبيع سلعة لها مكملات من سلع أخرى، يجمع كل هذه السلع ويعرضها فى متجره.

وسواء كانت الصناعة نوعاً من التجارة أم لا … فقد بحث الفقهاء فى شأن المضاربة على الحرف وأجازها الأحناف – فى الرأى الأظهر عندهم – وأجازها الحنابلة كنوع من المشاركات؛ بينما منعها الجمهور من الفقهاء.

ثانياً : المضارب يستثمر رأس المال فى حرفة أو صناعة:

منعها المالكية كما جاء فى المدونة (جزء 4 ص 48): ”أرأيت إن دفعت إلى رجلاً مالا قراضاً على أن يشترى به جلوداً فيعملها بيده خفافاً أو نعالاً أو سفراً، ثم يبيعها فما رزق الله فيها فهو بيننا نصفين قال: لا خير فى هذا عند مالك“.

وقال الزرقانى فى شرحه (جزء 6 ص 217) إن اشتراط رب المال على العامل أن يخيط ثياباً فيتاجر بها أو يخرز جلوداً فيجعل منها خفافاً ليبيعها مفسداً للعقد.

وأضاف المالكية إذا استمر العامل فى ذلك جاء فيهما اشتراط رب المال هذا النوع من العمل على العامل وهذا الاشتراط يفسد العقد عندهم.

ورأى الأحناف عدم صحتها إذ قال السرخسى (جزء 22 ص 35): ”ولو دفع إلى حائك غزلاً على أن يحوكه سبعة فى أربعة ثوباً وسطا، على أن الثوب بينهما نصفان فهذا فاسد“.

ورأس المال فى هذا المثال مال عروض، والمضاربة لا تصح بالعروض. ولن يعرف رأس المال فمن الربح، والأفضل أن يكون أعطاه مالاً نقداً على أن يشترى به غزلاً ويحوكه، والمضاربة هنا أيضاً يكون فيها الاشتراط، والبحث يكون فى جواز لو دفع رب المال إلى المضارب مالاً نقداً فاشترى به المضارب غزلاً وحاكه أو أستأجر من يحوكه ثم باع الثوب وأخذ ثمنه نقوداً فأعاد رأس المال إلى صاحبه واقتسما الربح بينهما.

وهذا قد جاء فى نفس المرجع السابق ص 54: ”ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشترى بها الثياب ويقطعها بيده ويخيطها على أن ما رزق الله تعالى فى ذلك من شئ فهو بينهما نصفان، فهو جائز على ما اشترطا لأن العمل المشروط عليه مما يصنعه التجار على قصد تحصيل الربح فهو كالبيع والشراء، وكذلك لو قال له على أن يشترى بها الجلود والأدم ويخرزها خفافاً ودلاء وروايا وأجربة فكل هذا من صنع التجار على قصد تحصيل الربح فيجوز شرطه على المضاربة“.

وجاء فى تكملة رد المحتار (جزء 8 ص 292) – فى معرض الحديث عن أن عامل المضاربة يملك جمع المضاربة والشركة ويملك الخلط بماله إذا أذن له المالك – أنه لو اشترى العامل بمال المضاربة ثوباً، فصبغه أو خاطه، يصبح شريكاً فى هذا الثوب بالإضافة إلى كونه مضارباً، فيكون له حصة قيمة صبغة أو خياطته، وما تبقى من قيمة الثوب يعطى رب المال رأس ماله، والربح بينهما على ما اشترطا، وهم هنا لم يفسدوا المضاربة.

واعتبر الشافعية – فى رأى لهم – أن هذه المضاربة غير صحيحة ولرب المال ما ينتجه العامل، وللعامل أجر المثل.

جاء فى حواشى تحفة المحتاج للشروانى والعبادى (جزء 6 ص 86): ”ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط لم يفسخ القراض فيها إذا طحن بغير الإذن فلا أجرة له ولو استأجر عليه لزمه الأجرة ويصير ضامناً وعليه غرم ما نقص بالطحن فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه لأنه لم يتعد فيه والربح بينهما بالشرط. وجاء فى الهامش صفحة 87: نعم بحث ابن الرفعة جواز شرط ان استأجر العامل من يفعل ذلك من مال القراض ويكون حظه التصرف فقط ونازع فيه الأذرعى بقول القاضى لو قارضه على أن يشترى الحنطة ويخزنها إلى ارتفاع السعر فيبيعها، لم يصح لأن الربح ليس حاصلاً من جهة التصرف. وجاء فى صدر الصفحة: وظاهر أنه لو قارضه ولم يشترط عليه ما ذكره القاضى فاشترى هو وادخر باختياره إلى ارتفاع السعر لم يضر“.

وجاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”لو قارضه على أن يشترى الحنطة فيطحنها ويخبزها، والطعام ليطبخه ويبيعه، والغزل لينسجه، والثوب ليقصره أو يصبغه، والربح بينهما فهو فاسد. ولو اشترى العامل الحنطة وطحنها من غير شرط، فوجهان. أحدهما وهو قول القاضى حسين وآخرين: يخرج الدقيق عن كونه رأس مال قراض، فإن لم يكن فى يده غيره انفسخ القراض، لأن الربح حينئذ لا يحال على البيع والشراء فقط. وعلى هذا، لو أمر المالك العامل بطحن حنطة القراض، كان فسخاً للقراض. أصحهما: أن القراض بحاله، كما لو زاد عبد القراض بكبر، أو سمن، أو تعلم صنعة، أنه لا يخرج عن كونه مال قراض، لكن إن استقل العامل بالطحن صار ضامناً، ولزمه الغرم أن نقص الدقيق، فإن باعه لم يكن الثمن مضموناً عليه، لأنه لم يتعد فيه، ولا يستحق العامل بهذه الصناعات أجرة ولو استأجر عليها، والأجرة عليه، والربح بينه وبين المالك كما شرطا“.

وذهب الإمامية والزيدية إلى عدم صحتها لأن المضاربة تكون فى أعمال التجارة فقط واعتبروا أن الحرف ليست من التجارة. كما جاء فى قواعد العلامة (جزء 7 ص 447): ”العمل وهو عوض الربح وشرطه أن يكون تجارة فلا يصح على الطبخ والخبز والحرف“.

وجاء فى البحر الزخار (جزء 4 ص 82): ”لو قارض شخص آخر على أن يشترى بالمال حباً فيطحنه ويخبزه والربح بينهما كان هذا فاسداً“.

أما الحنابلة … فقد ذهبوا إلى صحة وجواز كل هذا، جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص 11): ”وإن دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز“.

ومثل ذلك جاء فى كشاف القناع (جزء 3 ص 525): ”من أنه لا بأس بالثوب يدفع بالثلث أو الربع“. وكذلك فى مطالب أولى النهى (جزء 3 ص 543).

وجاء فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: ”وكما يدفع إليه زيتونة يعصره والزيت بينهما“.

والحنابلة فى الأمثلة التى ساقوها، جعلوا المال الذى دفع من العروض، وهم من أجاز بعضهم المضاربة بالعروض المثلية على أن تجعل قيمتها وقت العقد رأس مال له، ولكنهم جعلوا العائد المقسم هو ثمن البيع كله وليس الربح، وهذا أقرب إلى المزارعة، ولكن الذى يعنينا هنا هو أن المعاملة إن جازت عندهم كما ذكرروه، فالأولى أن تجوز لو كان رأس المال من النقود فاستأجر به العامل صاحب حرفه، ولو كان التقسيم فى الربح بعد إعادة رأس المال لصاحبه، وهذه هى المضاربة.

وما ينطبق على أصحاب الحرف … ينطبق فى رأينا على المجال الأوسع من قطاعات الإنتاج فى هذا العصر من صناعة وخدمات، ولهذا الموضوع أهمية كبيرة لحجم هذه القطاعات وحاجتها الماسة إلى التمويل والذى قد يكون عقد المضاربة أحد أشكاله وربما أهمها.

والظاهر أن جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة والأحناف – قد ذهبوا إلى عدم صحة المضاربة التى يستثمر مالها فى حرفة ما، ويبدو أنهم ذهبوا إلى هذا لسبيين: أولهما أن المضاربة قد رخصت على خلاف القياس للحاجة إليها، وهذه الأعمال يتيسر الاستئجار عليها فتنتفى الحاجة التى صدرت الرخصة لدفعها. وثانيهما أن المضاربة تكون فى تنمية المال فى أعمال التجارة وفى كل ما هو من صنيع وعادة التجار، وهذه من الحرف وليست من أعمال التجار.

والفقهاء بهذا المنع، يحيلون رب المال إلى الإجارة، وهى وإن توفرت غير المشاركة، فالإجارة يكون العمل هو المقصود فيها، ورب المال ليس له قصد فى العمل ذاته، وإنما يقصد استثمار ماله، فيدفعه إلى العامل الذى يملك الخبرة والقدرة على تنميته، وقد يجد هذا العامل أن تحقيق النماء عن طريق شراء القماش وصناعة الثياب أصرف فى البيع وأربح، فهذا وفق رأيه ما يطلبه المشترون وليس القماش … فإن قلنا ليس له ذلك، فإن عليه آنذاك شراء القماش وبيعه للحائك؛ ثم شراء الثياب من الحائك وبيعها فى السوق، وإن لم يملك الحائك المال اللازم لشراء القماش، باعه القماش نسيئة حتى يشترى منه الثياب فيستوفى الثمن مما يدفعه؛ فإن صار القماش ثياباً … حملها وباعها فى السوق، وما سبق كله من شراء وبيع مرتين، هو من أعمال المضاربة التى يجيزها الجمهور إذا أذن المالك له ببيع النسيئة، والأَبْسط أن يستأجره على هذا العمل، والنتيجة واحدة وما يجوز للأول يجوز للثانى الذى استأجر.

وبمراجعة الأمثلة التى جئنا بها عن الفقهاء … نجد أنهم قد قالوا بمضاربات يدفع بها صاحب المال ماله إلى صاحب الحرفة مباشرة، ولم يتطرقوا – فى الغالب – إلى عامل يرى الخير فى أن يتجه إلى إنماء المال من خلال توظيفه فى حرفة معينة، والمضاربة مباشرة مع صاحب الحرف تخلق وضعا غير ذلك الذى يتعلق بموضوع استثمار مال المضاربة فى الصناعة، وهو وضع العامل فى المضاربة بين كونه وكيلاً من جهة، وأجيراً فى عمله فيما يختص بحرفته من جهة أخرى، فرأوا أن الإجارة متيسرة فى هذه الحالة. وقد خصصنا جزءاً من هذا البحث لدراسة هذا الموضوع لأهميته. والذى يهمنا هنا: هو هل يجوز استغلال مال المضاربة فى ما يتضمنه تبديل – أو إضافة إلى – عروضها المشتراة قبل إعادة بيعها.

ونضيف إلى ما سبق أن منع عامل المضاربة من بيع الأثواب التى استأجر من يحوكها، وإجباره على بيع القماش، فيه تقييداً لحريته ولقدراته، وتقييداً للمضاربة ذاتها قد ينتج عنه انخفاض أرباحها، فيعزف عنها رب المال إلى ما هو أربح، فإن أراد استثمار ماله فى هذا المجال عن طريق الإجارة … فعليه الشراء بنفسه واستئجار صاحب الحرفة، ليحوك له الثوب ثم يبيعه بنفسه، وقد لا تتوفر لديه الخبرة أو القدرة، وإن وجد من لديه الخبرة والقدرة على هذه الأعمال مجتمعة … فإن استأجره عليها، وجب عليه الإشراف، وقد لا يتمكن رب المال من بذل الجهد للإشراف ولاستيفاء العمل الذى استأجره عليه، أضف إلى هذا أن الحافز عن الشريك فى الربح أقوى منه عند الأجير، وقد يستأجر رب المال ويدفع الأجر وقد ينال مقصوده وقد لا يناله، ثم إننا قد ذكرنا أن رب المال هذا قد يكون عاجزاً أو عجوزاً أو مريضاً أو منشغلاً فكيف لهؤلاء القدرة على هذه الأعمال.

والعامل أيضاً له رغبة فى المشاركة فما قد يحققه منها قد يفوق الأجر، وإن كان صاحب حرفة … فهو بحاجة إلى التمويل مثل حاجة التاجر، والقطاع الذى يعمل فيه يفيد المجمتع بما يوفره من فرص عمل، وبما ينتجه من السلع.

أما ما جاء عن أن المضاربة تكون فى التجارة، فلا سبب شرعى يؤيد ذلك، فالمضاربة وكالة وشركة يقصد فيها النماء، والتوكيل مباح فى كل ما يجوز للإنسان أن يعمله بنفسه، والمقصود من المضاربة هو تنمية المال بالعمل، والعمل فى الزراعة والصناعة مباح وحلال كالعمل فى التجارة، ولا يوجد مانع شرعى يمنع أن يستثمر العامل المال فى الوجه الحلال الذى يجد فيه مصلحة القراض. بل ومن مصلحة المجتمع عامة، وأصحاب الحرف والصناعة خاصة أن يتوفر لهم مصدر تمويل مثل ما يوفره القراض لأشقائهم التجار، ولعامل المضاربة حقالشراء والبيع والاستئجار، وقد أوردنا المثال الذى يبين أنه – بهذه التصرفات – يستطيع شراء القماش وحياكته وبيعه ثياباً وبدون مخالفة لأى من شروط الصحة.

وقد يكون بعض الفقهاء – والله أعلم – قد فضلوا حصر المضاربة فى التجارة لسبب ثالث وهو إبقاء المعاملة – التى تعتمد فى الدرجة الأولى على التوكيل لقاء عوض مجهول – فى حدود البيع والشراء ليسر هذه العمليات ووضوحها، ولإبعاد المضاربة عن الأسباب التى قد تؤدى إلى النزاع، خاصة إذا كان عامل المضاربة هو نفسه صاحب الحرفة. ولا شك أن شراء الشئ وبقاءه على حاله طوال مدة المعاملة ثم بيعه كما هو عدداً ونوعاً وشكلاً، يختلف عن شرائه وتغيير وتبديل حاله ثم بيعه كشئ آخر مختلف عن المُشْتَرى فى الشكل والنوع والعدد.

ففى الحالة الأولى … تشترى السلع وتبقى على حالها حتى تباع، فيمكن أن تنفسخ المضاربة فى أى من مراحلها ويمكن أن ينضض المال بسهولة ويسر، كما أن تكاليف الشراء والنقل والتخزين والعرض والبيع ليست بالتكاليف المعقدة ويسهل مراجعتها عند الاختلاف، وهذه المصروفات لا تختلف كثيراً فى أسسها أو عناصرها، وإن تنوعت التجارة وتنوعت البضائع.

بينما فى حالة الحرف، فهى تتنوع وتختلف باختلاف الحرفة فشراء الحب وطحنه وخبزه فى الفرن ثم بيعه خبزاً، يختلف عن شراء الخشب والمسمار والغراء وقطعه وتشكيله بالعدد والأدوات وجمه كنضدة وصبغها أو صقلها ثم بيعها، وقد تستنفذ تكاليف الصنع جزءاً كبيراً من رأس المال، وهناك الهالك، وقد يختلط الحب أو الخشب المشترى مع غيره فيصعب معرفة المنتج إن ضارب العامل لأكثر من رب مال، أو يجبر هالك هذا ذاك، وهناك أجرة العمال والآلة والأدوات وغيرهم، والمباع لا يماثل المشترى، لا فى العدد ولا فى الشكل ولا فى الوزن ولا فى الوصف، وماذا عن أجر الطحان والخباز أو صاحب الحرفة لو كان هو نفسه العامل، وماذا عن فسخ المضاربة والمال عروض لم يزل فى طور الصنع لا مشترى ولا سوق له بعد؟

فهل رأى بعض الفقهاء أن هذا أكثر من أن يحتمله عقد المضاربة المبنى على الوكالة والثقة، وقد يؤدى جوازه إلى المنازعة فمنعوه منعاً للخلافات، قد يفسر هذا سبب منعهم لهذا النوع من المضاربة وأغلبهم أجازوها حين يستغل مالها فى الزراعة، والزراعة ليست كالتجارة إلا أنها عقد آخر جائز وربما وجدوا فيها بساطة التجارة، أو ربما أن الخبرة والعلم بها كانا منتشرين بين الناس فقل احتمال الخلاف، والذى يقف أمام صحة هذا الافتراض، أنهم لم يذكروه كسبب، وهذا ليس من عادتهم فهم قد أسهبوا فى شروحهم … إلا أنهم مع هذا الإسهاب لم يفسروا لماذا قالوا إن المضاربة لا تكون إلا فى التجارة، وتوقفوا عند هذا المبدأ، وكأنه من المسلمات الشرعية، وهو ليس منها ولأن هذا لا يخفى عليهم، فلابد أن يكون هناك سبب آخر مقنع لما ذهبوا إليه ولا يجوز لنا أن نخالفهم إلا عن فهم واقتناع.

فإذا نظرنا إلى وضع أصحاب الحرف فى العهد الإسلامى الأول … لا يسعنا إلا أن نفترض أن النزاعات بين أصحاب الحرف – الأجير المشترك – والناس، لابد وأن تكون قد وصلت إلى درجة مقلقة ضج منها الناس والقضاة حتى نستطيع تفسير ذهاب الخلفاء الراشدين عمر وعلى رضى الله عنهما إلى تضمين الصناع وحفاظاً على مصالحهم، وقد روى عن الإمام علي – كرم الله وجهه – أنه قال: ”لا يصلح الناس إلا ذلك“ وقد ذهب إلى هذا شريح القاضى وأبو يوسف ومحمد والمالكية، واختلف الفقهاء بعد ذلك فمنهم من ضمن الأجير المشترك، ومنهم من قال لا ضمان عليه.

والمقصود هنا محاولة استقصاء الأسباب التى دعت إلى منع هذه المضاربة، فهل يكون السبب – وقد دعت الحاجة إلى تضمين الأجير المشترك فى ما تحت يده حفاظاً على المصالح – أنهم لم يستطيعوا تضمينه فى مال المضاربة، لأنه لا يجوز تضمينه لو كان عاملاً فى قراض بغض النظر عن المصلحة المقصودة، لأن رب المال إن ضمن له رأس ماله فقد أَرْبى إِنْ ربح ماله وأخذ شيئاً من الربح. وعن على رضى الله عنه أنه قال: ”لا ضمان على من شورك فى الربح“ وروى معنى ذلك عن الحسن والزهرى.

وما تحت يد الأجير المشترك من خشب أو قماش أو غيرهما من متاع الناس ولمدد قصيرة، لا يقارن بمال المضاربة من دنانير ودراهم تسلم إلى المضارب وليس لصاحبها بعد هذا إلا الركون إلى أمانة المضارب وإخلاصه والقول قول المضارب إذا تلفت … فإن لم يستأمن السابقون الأجير المشترك على ما تحت يده من متاع الناس فكيف يُستأمن فى أموالهم. فمنعوا هذا النوع من المضاربة وأحالوا رب المال إلى عقد الإجارة الذى يمكن فيه تضمين الصناع وفق بعض المذاهب، إضافة إلى أن مجال الاسترباح فى الحرف كان ضيقاً فلم يجدوا ضرورة أو حاجة عند الناس تدعو إلى الترخيص به، ولم يكن أصحاب هذه الحرف بحاجة إلى التمويل الكثير فقد كانت عددهم وأدواتهم بسيطة، يملكونها فى أغلب الأحوال، فلم تتوجب ضرورة أوحاجة لتوفير التمويل لهم بعكس التجار الذين كانوا يحتاجون
إلى أموالاً كثيرة لتمويل تجاراتهم فلم تتوفر الأسباب التى من أجلها ترخص المعاملة التى اعتبروها على خلاف القياس.

ويختلف الوضع فى هذا العصر، فالحاجة والضرورة ماسة، وتتوقف عليها مصالح الناس ومنفعة الأمة، بل إن مجال الصناعة قد تعدى مجالى التجارة والزراعة فتوجب الترخيص بها لحاجة الناس لها، أما عن التضمين … فهذا لا يجوز إلا أن هذه الأمور يمكن التغلب عليها وفى نفس إطار المضاربة، وسيأتى ذِكْرُها بالتفصيل فى باب المضاربة بالقدرات فى هذا البحث، والله تعالى أعلم.

وقد رأى الحنابلة جواز هذه المشاركات، ودافعوا عنها كما سيأتى ذكره فيما بعد.

ثالثاً : المضاربة على عين يدفع بها رب المال إلى من يعمل عليها والربح بينهما:

ومثال ذلك أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، أو بآلة يعمل عليها أو شبكة يصطاد بها والرزق بينهما. وقد ذهب جمهور الفقهاء – عدا الحنابلة – إلى عدم صحة ذ1لك، وعللوا ذلك أن المقصود من المضاربة هو المتاجرة برأس المال، وهذا لا يمكن بيعه، ولا يصح أن يكون رأس مال للمضاربة. والذى يتولى الكسب هو العامل فيكون له الرزق ولرب المال أجر المثل عن دابته أو آلته أو أن يدفع رب المال أجر المثل للعامل والرزق والدابة له.

وهذا رأى الأحناف كما جاء فى المبسوط للإمام السرخسى (جزء 22 ص 35): ”وإذا دفع إلى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن ما صاد بها من شئ فهو بينهما فصاد بها سمكاً كثيراً فجميع ذلك للذى صاد … وكذلك لو دفع إليه دابة يستقى عليها الماء ويبيع عليها أو لينقل عليها الطين ليبيعه أو ما أشبه ذلك“.

وهذا هو رأى الشافعية كما جاء فى أسنى المطالب شرح روض الطالب (جزء 3 ص 382): ”لو قارض شخص آخر على شبكة يصطاد بها، والفوائد والصيد الذى تستخرج بواسطة الشبكة تكون بينهما، لا يصح ذلك، وإنما يختص بهما العامل وللمالك أجر مثل الشبكة على العامل“.

وقال الشافعى وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى فى أن يدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما: لا يصح، والربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذى يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله، لأن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأن المضاربة تكون بالتجارة فى الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. (فقه السنة جزء 3 ص 300).

جاء فى روضة الطالبين (جزء 5 ص 120): ”شرط أن يشترى شبكة ويصطاد بها والصيد بينهما، فهو فاسد ويكون الصيد للصائد وعليه أجرة الشبكة“.

وهذا ما ذهب إليه المالكية من عدم صحة ذلك، وكذلك رأى الإمامية، كما جاء فى جواهر الكلام.

وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك كله كما جاء فى المغنى لابن قدامة (جزء 5 ص9): ”وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً أو كيفما شرطا صح. نص عليه فى رواية الأثرم ومحمد ابن أبى حرب وأحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعى ما يدل على هذا“.

وقد تكون حجة جمهور الفقهاء الذين ذهبوا إلى عدم صحتها، أن هذه المعاملة لا يمكن تخريجها على المضاربة للأسباب التى ذكروها، وليست من باب الإجارة لأن العوض مجهول، ولهذا قالوا بفسادها وأحالوها إلى الإجارة وحددوا العوض بأجر المثل.

أما الحنابلة … فقد أجازوها من باب المعنى الأعم للمضاربة وهو باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك فى الرزق، هذا بماله وذاك بعمله وما رزق الله فهو بينهما، وهذا الباب أو النوع من الشركات، ومنه: المضاربة والمزارعة والمساقاة والمشاركات.

ويجب التنويه هنا أن هذه المعاملة وإن شابهت المزارعة، فى أن كلاً منهما دفع بالعين، فهى فى حالة الأرض الزراعية … اشترط بعض الفقهاء أن يكون الحب أو غيره من صاحب الأرض لأنها تنقص، أما فى حالة الدابة والشبكة والسفينة فكلها أعيان تعود إلى رب المال أيضاً ولكنها تستهلك ولو بقدر يسير، والذى هلك فى المعاملة هو منفعتها فى المدة التى دفعت فيها، والمنفعة مال عند كل الفقهاء عدا الأحناف، وهى لا تصلح أن تكون رأس مال فى مضاربة ولكنها تصلح فى المشاركة مثلها مثل منفعة العمل. وقد يمكن القول فى هذه الحالات إنها مشاركة منافع والله أعلم.

وجاء فى فقه السنة للأستاذ السيد سابق (جزء 3 ص 301) – عن ابن قدامة فى المغنى – : ”ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر فى المساقاة والأرض فى المزارعة. وقولهم إنه ليس فى أقسام الشركة ولا هو مضاربة، قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة والمزارعة فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها، وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعرض فاسد فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف فى رقبة المال، وهذا خلافه.

قال: ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطى فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو ألا يكون به بأس. قال إسحاق بن إبراهيم، قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع فهو جائز. وبه قال الأوزاعى.

وقال: وقالوا – أى بضع أئمة الفقه – لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر مثلها. وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على ما شرطا، لأنها عين تنمى بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض“.

وجاء فى الفقه الحنبلى فى إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية (فى نفس المرجع السابق): ”تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره، بأن يدفع إليه أرضه ويقول: أغرسها من الأشجار كذا وكذا، والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهمان وكما يدفع إليه شجر يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو أبله يقوم عليها والدرَ والرسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها
والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة
يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها ومن كتاب ولا سنة
ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك من باب الإجارة، فالعوض مجهول فيفسد، ثم منهم من أجاز المساقاة
والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجوازبالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر النسل، والصواب جواز ذلك كله، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنه من باب المشاركة التى يكون العامل فيها شريك المالك، هذا بماله وهذا بعمله، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة، حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الاجارة، قال: لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصودة وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة، فإن الشريكين فى الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا فى الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تأتى الشريعة بحل الاجارة وتحريم هذه المشاركات، وقد أقر النبى صلى الله عليه وسلم المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام،فضارب أصحابه فى حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كأنه رأى عين، ثم لم ينسخه ولم ينه عنه، ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه من بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، والله ورسوله لم يحرم شيئاً من ذلك، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك، فإذا بلى الرجل بمن يحتج فى التحريم بأنه هكذا فى الكتاب وهكذا قالوا، ولا يدله من فعل ذلك، إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدى إليه، فأنها حيل تؤدى إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة“.

ومما سبق … نجد أن الرأى أن هذه المعاملات كلها تشبه المضاربة والمزارعة والمساقاة إلا أنها أنواع أخرى تتبع نفس المقصد وهو دفعت العين التى تنمى بالعمل عليها إلى من يعمل عليها وينميها ببعض نمائها. وتكون المضاربة فى أحوال التجارة، وتكون المزارعة والمساقاة فى حالة الأرض الزراعية، والمشاركة الصناعية فى حالة الحرف والصناعة، وغيرها من الأسماء التى تعود إلى المشاركة فى استثمار يختص بمجال معين، وكلها تعود لنفس المبدأ وإن اختلفت فى التفاصيل.

ويمكن تخريج المشاركات – التى قال بها الحنابلة – كدفع الرجل دابته إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، إما : بأنها دفع لعين دفع لعين تنمو بالعمل إلى من يعلم عليها وينميها بجزء من نمائها، كالمزارعة والمساقاة والمضاربة. أو تخريج هذه المشاركات على أنها مشاركة منافع فى الكسب الذى يتحصل عليه من بذلها.

<< previous page next page >>