الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

Introduction

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Almudarabah.com & islamandsciencetoday.com are websites established to publish contemporary Islamic research, with the aim of providing a venue for Muslim scholars and intellectuals to review and discuss such issues.

Our researches are in the Arabic language because this is the language of the holy Quran, Hadith, and the majority of the Muslim scholars’ writings accumulated throughout the various ages of Islam. Gathering and reviewing such information from its original sources is essential to ensure that none of the original meaning is lost or misinterpreted during translation, especially for the verses of the Holy Quran and Hadith.

Although our researches are in the Arabic language, and at this time, only a few articles are published in the English language, we will Inshaa’Allah put an effort to write brief articles in the English language to summarize the outcome and conclusions reached in our studies, hoping to involve the very important and valued contribution of the non-Arab Muslim scholars, who during the history of Islam, have played a major role in advancing and enriching our culture and knowledge.

On the other hand, we consider translating the full published research and studies is of great importance, but this is an enormous task beyond our means and ability. That is why, we welcome any serious party willing to carry out part or parts of this tremendous task, their reward like ours, will be Inshaa’Allah the blessings of Allah.

Finally, we are hoping that this site will become a virtual conference place or a kind of workshop for all serious open-minded Muslim thinkers to review, share, discuss and hopefully guide and advance this research.

In today’s world of vast; varied and specialized knowledge, which is continuously advancing and opening new fields and horizons, no one man can master and conclude any subject. However, serious studies and research shall start from one point, then it should be placed in the open, to be reviewed by many intellectuals each in his or her specialized field, to scrutinize, examine and contribute toward advancing such research till it reaches its final or near final conclusion.

I have also advanced the researches and I am publishing them on Amazon/Books: 

Click here to go to the page of ‘List of Published Books‘.

www.amazon.com    Category books and put in the search box: Wassim Lababidi

Image of the Book Covers are shown under this Introduction and how to read the eBooks on any device.

The English language books are published on Paperback and eBooks.

The Arabic language books (shown on the Arabic Front Page) are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone.

All books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim (Arrange by “Oldest” to view the videos in order) And YouTube. 

To view the newly downloaded videos, Please click here to reach the page with the new addresses.

Please visit the YouTube channel and view a video, leave a comment or subscribe, so I know it is working and to avoid YouTube closing it. Thank you.

The main studies we are introducing on this site are:

Al Mudarabah: comprehensive research; which was printed a couple of decades ago in a 440 pages book and was distributed to academics, scholars and intellectuals working in the various fields of Islamic banking & financial institutions. The whole book is published again in digital form in this website, providing a valuable reference and materials useful to researchers, economists and bankers.

The research reviewed and listed the conditions of the Mudarabah contract, and its application in our modern times, and showed that it can be safely used as it has built in, adequate safeguards and conditions to equally protect the interest of the two partners and to ensure a satisfactory outcome of the business transaction. It also provides the means to justly measure the value of each party’s contribution and accordingly its fair share of the profit. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Al Mudarabah/Introduction’.  

Al Zakat: Scholars have differed since early Islam on the rules of and dues under Zakat. Based on the Quran, Sunnah, Hadith, and other Islamic sources, the research provides a different and new understanding of this religious duty (فريضة الزكاة), leading to a well-defined rule applicable equally to all types of money, investments and economic activities. A more detailed brief is published on page ‘Menu/Al Zakat’.

Creation: In this 21st century, the issue of creation is still troubling all religions, and the debate is still as engaged as it was 160 years ago when the concept of evolution was first published. However, we –Muslims- are blessed with the holy book which was revealed to our prophet (PBUH) some 1400 years ago.

Our research methodology is 1) to gather and list all the relevant verses in the Quran which cover the topics of creation, the observed universe and life. In the same time, 2) review and summarize the latest scientific theories and concepts covering various fields of the present human knowledge, 3) review and study the early scholar’s interpretations of the gathered Quranic verses relevant to this subject. 4) we looked at the direct meaning of the words as listed in the early accepted Arabic dictionary books (Ma’ajem  معاجم اللغة), to reach the direct meaning of the Quranic verse.

In all the verses we studied; the direct interpretation of these verses did not disagree with any of the contemporary scientific understandings, including the concepts of evolution and the creation of the universe. This research extended to almost 400 pages, with Chapter 3 dealing with the creation of man and Chapter 4 dealing with the creation of the universe and with the physics of the observed world. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Creation’.

I sincerely hope that you will read and contribute to these researches. May Allah bless this great nation and direct us to the straight path.

Wassim Lababidi


The following are the books published on Amazon/books/Wassim Lababidi

For the eBooks:
All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile and computer.
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To get the App on your mobile, it is in the Google Play Store

To install the Kindle app on an Android device (mobile): Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install” Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it. 

To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password. 

Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.

                


Added Pages:

        Index of the Videos published on the Channel on FaceBook.

Blog/ Al modawanah

YouTube Channel ‘Al Mudarabah’ Addresses of Videos published are listed with links on the page titled Videos here in this website. The Links are not working because YouTube terminated the Channel. A new channel on Facebook is already established and I am republishing the videos on Contemporary Islamic Research | Facebook.

Important Notice: To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account / page.


I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim

Index of the Videos Published in the English Language on Facebook:

Unfortunately all the links to the videos are not working, so please go the Facebook page  Contemporary Islamic Research (you need to have Facebook account) and you will find many of these videos there.

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.


©

Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.



Update: 13/04/2023 

A new page/ channel is established on Facebook pages. Please click on the following address: Contemporary Islamic Research | Facebook

So far I uploaded most videos. You need to have a Facebook page or account. Please visit and write to me. Best regards.

الفصل السابع – المضاربة بالقدرات الممتدة

وصلت المرحلة الأولى من مراحل تطبيق الإقتصاد الأسلامي إلى مفترق الطرق؛ وعلى فقهاء هذه الأمة واجب حتمي وعاجل وفورى؛ يتمثل في تقديم صور المعاملات الشرعية التي يمكن تطبيقها وتعود بالخير على المتعاقدين والمجتمع؛ وليس بين أيدينا من العقود العملية سوى عقود المعاوضات وعقدي المرابحة والمشاركة؛ فهناك بشكل نظري عام المعاملات التي تغطي كل متطلبات التعامل التجاري إلا أن تطبيقاتها العملية تحتاج إلى الدراسة والتطوير لتناسب متطلبات هذا العصر؛ هناك المضاربة إلا أن صورة المضاربة الحالية غير عملية ولهذا فهي لا تمارس إلا فيما ندر؛ أما عقود المبادلات والإجارة بأنواعها فهذه وإن كانت لها أهميتها إلا أنها ليست كل الإقتصاد ولا يبنى عليها اقتصاد أمة ترجو التقدم والإنتاج. فهذه والمرابحة من المعاوضات؛ فإن أعتمدت أمتنا على هذه المعاملات فقط أصبحنا أمة مستهلكة غير منتجة. وعلى أهل الفقه والإفتاء أن يتحروا بالغ الدقة والحذر فيما يمنعون أو يجيزون؛ فمن هذا المنع أو الإجارة تتحدد الخطوط الرئيسية لإقتصاد هذه الأمة؛ إما مستهلكة أو منتجة؛ اما زراعية تجارية أو صناعية؛ اما خاملة أو متقدمة متطورة؛ من هذا الإفتاء أو من عدمه  يتقرر مصير هذه الأمة ومستقبل أجيالها القادمة، وقد رأينا كيف منع أغلب فقهاءنا على مدى العصور السابقة المضاربة في مجال الصناعة؛ دون الإستناد على أسس شرعية؛ ولو بينوا الإسباب الوقتية التي دعتهم إلى ذلك لتمكن من لحقهم من الإجتهاد إذا تغيرت الظروف وإنتفت هذه الأسباب؛ وقد أدى هذا المنع إلى عدم توفر التمويل للصناع فقام إقتصاد هذه الأمة على التجارة والزراعة؛ أما الصناعة فعندما تطورت وخرجت من نطاق الحرف المحدودة إلى نطاق المصانع الكبيرة وإحتاج قطاعها المال الكثير؛ لم يتوفر هذا المال لها ولم تتعد مصانعنا الكبيرة ما كان ممولا من الدولة مثل صناعة السفن والصناعة الحربية وغيرهما؛ بينما أذنت الكنيسة- على خطأ تشريعي- في أوروبا بالتمويل الربوي في القرن السادس عشر ميلادي فتوافر المال اللازم وقامت بعد ذلك ما تسميه أوروبا بالثورة الصناعية؛ بينما وفر لنا شرعنا معاملة أعدل وأحل من التمويل الربوي المحرم علينا وعليهم؛ إلا أننا منعناها عن أنفسنا دون سبب شرعي، فكان من أحد نتائج هذا المنع- والله أعلم- أن أصبحنا أمة تعتمد على التجارة والزراعة وليس لنا في الصناعة إلا القليل؛ ولا نقول هنا نأذن بالربا الظالم والعياذ بالله؛ وإنما نجيز البديل العادل الذي وفره لنا الشرع وهو المضاربة ونسمح بها في كل مجالات الإستثمار؛ والتي قال عنها الإمام مالك رضى الله عنه أنها سنة المسلمين.

لقد أجاز بعض الفقهاء المرابحة وهاجمها البعض الآخر؛ وتدور في الباكستان مناقشة حول مدى شرعية بعض المعاملات التي يقوم عليها النظام المصرفي الباكستاني؛ ومنها الإقراض بالبيع؛ وقد أصدرت المحكمة الشرعية الإتحادية في نوفمبر 1991م حكمها بحظر التعاملات الربوية واعتبرت الإقراض بالبيع منها؛ واستأنفت المصارف والحكومة الحكم أمام المحكمة العليا التي لم تصدر قرارها بعد. والنظام المصرفي الذي التزم بالشريعة منذ سنة 1985م يعتمد في كثير من أعماله- مثله مثل البنوك والمؤسسات الإسلامية الأخرى- على هذه المعاملة، ثم قال الدكتور أحمد النجار : ”أن رؤساء بعض المصارف الإسلامية سألوني كيف نعمل دون سعر فائدة؟ ووجد هؤلاء المصرفيون في المرابحة الحل وتم إستخدام المرابحة في تبرير كل العمليات المصرفية بعد ذلك، بل تحقيق نسب أرباح كبيرة تفوق سعر الفائدة بكثير، وأضاف قوله أن المرابحة تعتبر أكبر حل اجرامي في التاريخ الإسلامي فهي سعر فائدة ولكنه مضمون 100%“. ويدل كل هذا على خطورة هذه المرحلة وأهمية أن يقوم علماء الأمة بواجبهم المتمثل في تقديم المعاملات الشرعية التي يقبل عليها الناس من مؤسسات وأفراد وتفي بكافة إحتياجاتهم.

ان إقتصاد هذه الأمة يجب أن يقوم على تشجيع إستثمار متوازن في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والعقارات وغيرها؛ وعلى أهل الإفتاء أن يحذروا من ترك قطاع ما دون توفير المعاملات التي يحتاجها لنموه وتقدمه؛ والنظام الإسلامي لا يمنع معاملة دون أن يقدم بديل عنها؛ وعلى فقهاء هذا العصر أن ينظروا إلى متطلبات هذه الأمة وأن يلبوها، فالإقتصاد الذي يشرعون له منه مستقبلها ومصيرها. وبارك الله تعالى للباكستان ولكل الأمة الإسلامية التي قامت مخلصة لتطبق شريعة الله تعالى في إقتصادها؛ وعلى كل مسلم واجب تقديم العون و الدعم وتيسير الطريق إلى بلوغ هذا الهدف السامي؛ الذي يحمل بين طياته أسباب الرخاء والتقدم وأهم من كل هذا رضى الله سبحانه وتعالى.

والمضاربة بالقدرات الممتدة؛ هي عقد يوفر إجتماع صاحب المال المستثمر مع الشركة العاملة – بقدراتها الإداربة و الفكرية وخبراتها الإستثمارية – صاحبة الأصول من مكاتب ومتاجر أو معدات أو مصانع او مزارع أو وسائل نقل وغيرها؛ فتكون مشاركة بين منفعة مال هذا ومنفعة أصول ذاك وخبرته، فان كان في المال نماء كان للمنافع أثر وقيمة، وإن لم يكن لا يكون لها قيمة؛ فيكون لرب المال ما تبقى من ماله؛ ويكون للشركة أصولها فحسب ولا أجرة ولا نفقة ولا شيء لها غير ذلك. فيشتركا في الربح وفي الخسارة.

والقول أن النقود لها منفعة يجرنا إلى أن ما له منفعة يمكن تأجيره وهذا بالطبع ربا؛ المنفعة التي نقصدها هنا هي النماء العائد إليه والناتج عن العمل في المال واستثماره، أي أن النقود إذا إستثمرت فعلا وتحمل صاحبها إحتمال هلاكها أو هلاك جزء منها؛ فنمت من خلال هذا الإستثمار فقد جرت منفعة إلى صاحبها تحل له شرعاً، وهذه المنفعة التي نتحدث عنها لا تباع وتشترى ولا تستحق إلا عند ظهورها أو ظهور أثرها في النماء. والنقود لا تصح إجارتها لأنها مما لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه؛ وعقد الإجارة يرد على المنفعة لا العين؛ وهذه منفعتها لا يمكن أن تتحقق مع بقاء الأصل- العين- على حاله (أو بدون نقصانه إلا بقدر لا تعتد به؛ أو يكافئ قيمة المنفعة المباعة)، ولأن هذه المنفعة غير معروفة عند التعاقد ولا يمكن وصفها أو تحديدها بل وليس من المؤكد حدوثها أو حصول المستأجر عليها؛ ولأن الأجر لا يستحق إلا عند تحقق المنفعة واستيفائها حقيقة؛ ولأن العين- التي منها المنفعة المباعة- ضمانها على المؤجر فإن هلكت فعليه غرمها؛ فكل هذه الشروط لا تتوفر في بيع منفعة النقود ، وبهذا لم يصح تأجيرها، وإن صح فيجب أن يتكافئ الأجر مع المنفعة حقيقة، ومنفعة المال في قدرته على النماء بالعمل فيه، فإن نما كان الأجر بعض من هذا النماء فإن لم يكن ثمة نماء فلا أجر وضمان الأصل أو العين على المؤجر فإن هلك فعليه؛ فيكون العقد إبضاعا إذا كان الربح لرب المال؛ أو مضاربة إذا كان بينهما؛ أو إجارة إذا كان للعامل الأجر على إستثمار المال بشرط معرفة وتحديد العمل الذي سيقوم به أو أن يسلم نفسه مدة معلومة. والقاعدة الشرعية كل قرضا جر نفعا فهو ربا، فالقرض في هذه المعاملة مضمون ويبقى المال أو يعاد مثل أصله؛ بينما لا ضمان هنا لا في المال ولا في المنفعة؛ ويتبدل المال من حال إلى حال ويتحمل صاحبه إحتمال هلاكه.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي (جزء 29 ص101): ( انا نعلم بالا ضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم، وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا).

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه إلى منفعة المال في المضاربة؛ ويمكن تجاوز تسميتها منفعة- لو فضلنا ذلك لحساسية هذا اللفظ الذي يربطه في بعض الأذهان بالربا لا لمعناه ومقصده- اذا بدلنا الألفاظ فاستخدمنا نماء محل منفعة، فتكون مشاركة هذا بقدرة ماله على النماء؛ مع ذاك بالنماء المتولد عن إستخدام معداته وأصوله كما أطلق عليها الحنابلة إذ قالوا يدفع الدابة بنماءها؛ أو كما ذكرنا إستهلاكها.

ولو نظرنا إلى المضاربة بالقدرات الممتدة؛ نجد انه كلما ازدادت قدرات الشركة العامل المستخدمة في هذه المضاربة كلما زاد عامل الأمان عند رب المال؛ لهذا فان أرباب الأموال والبنوك الإسلامية سوف توجه أموالها إلى الشركات الكبيرة ذات المعدات والمصانع والمتاجر وغيرها؛ وقد يؤدي هذا إلى حرمان الشركات الصغيرة وأصحاب الحرف من التمويل اللازم لأعمالهم؛ وهذا صحيح إلى درجة ما؛ إلا أن البنوك عامة توزع مالها على القطاعات المختلفة لأن الأرباح التي تحصل عليها من الشركات الصغيرة توازن درجة المخاطرة، وهي إذا توفر لها عامل أمان من الشركات الكبيرة سوف تجد لديها القدرة على تمويل الشركات البادئة والصغيرة. وفي كل الأحوال فان التمويل متى توفر للشركات الكبيرة فسوف يوفر الأعمال لغيرها، والوضع حالياً وفي كل النظم الإقتصادية الأخرى لا تختلف عن هذا فالبنوك لا تمول إلا الشركات القوية التي تجد عندها القدرة على السداد، وهذه خطوة أولى بوجه عام؛ ومتى كثر التعامل بالمضاربة فلا بد أن يكتسب البنك كفاءات يتمكن من خلالها من التعاقد بثقة مع الشركات الصغيرة والبادئة. وبالطبع هناك عقود أخرى يمكن عن طريقها تمويل هذا القطاع مثل الشركة والمشاركة.

وقد قدمت لهذا الفصل بوجوب توفير المعاملات الشرعية لكل قطاعات الإنتاج ولا نقتصرها على المعاوضات والوكالة والوديعة وغيرها من المعاملات التي قد تحصر بناءنا الإقتصادي في الحدود التجارية الاستهلاكية ذات طابع الخدمات دون الإنتاج الحقيقي؛ والذي يحتاج إلى المشاركات والمقابلات؛ والذي بين أيدينا منها يغلب عليه أن يكون شركات وهذه تختلف في طبيعتها عن المضاربة وغيرها من المشاركات التي تقدم مجال الاستثمار للقطاع الأكبر من الناس الذين لا خبرة لهم ولا قدرة لهم على الإدارة والعمل؛ ولهذا فإن النظام الإقتصادي يجب أن يهتم في المقام الأول بتجميع هذه الأموال وتوجيهها إلى المجالات الإنتاجية بغرض إنمائها وإنماء المجتمع الذي جمعت منه، وخاصة ان هذه القطاعات توجد فرص عمل جديدة لأفراد هذا المتجتمع.

 

في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمارات العقارية؛ لدينا المضاربة والمزارعة والمشاركات لتمويل هذه القطاعات وبالصيغة العملية التي وردت في هذا البحث؛ أما في مجال التمويل الإستهلاكي؛ فلو أخذنا تمويل المساكن الخاصة- كما هي الحالة في الإقتصاد الغربي- فيمكن تصميم معاملة يشتري العميل والبنك المنزل ويمتلكاه بينهما مشاركة بحصص المال؛ وليكن الخمس للعميل والأربعة أخماس للبنك؛ ويسكن العميل المنزل كله وفق عقد إجارة منفصل فيستحق البنك أجرة أربعة أخماس البيت، بينما يقسم ما دفعه البنك على عشرة ىسنوات مثلا يدفع العميل العشر منها كل سنة؛ فتؤول ملكية هذا العشر إليه فلا يدفع أجر هذا العشر في السنوات التي تليه؛ وهكذا حتى تؤول ملكية البيت كله إلى العميل فتنتهي المشاركة. وهذه معاملة صحيحة بشرط ألا يجبر العميل على أجرة فيها غبن أو تختلف عن أجور مثل هذه الدار، وقد لا يجوز أن يجبر علي الإستئجار إن شاء بعد أول عام أن ينتقل منه إلى غيره؛ فهذا عقد إجارة ولا علاقة له بعقد المشاركة؛ إلا أنه يتعرض في هذه الحالة إلى تغير الأجرة وفق تغير أسعار السوق عند التعاقد في الفترات اللاحقة. وربما جاز أن يتفقا على عقد إجارة مدته عشرة أعوام عندها لا يحق له الإنتقال لأن الإجارة عقد لازم لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا إذا وجد ما يوجب الفسخ. وفي كل حال فالعين موجودة فان بيعت رد لكل من الشريكين نصيبه من ثمنها بحصص مالهما. وهناك أكثر من طريقة لهذا التمويل الإستهلاكي:

1- أن يشتري البنك العقار ثم يبيعه الى العميل وفق عقد بيع مؤجل فيه بعض الثمن أو كله؛ ويجوز للبنك أن يبيعه بثمن أكثر مما أشتراه به إذا لم يكن قد أخذ ضمانات من العميل بشراءه وكان للعميل حق الخيار حتى توقيعه على عقد الشراء الخاص به؛ أما إذا أخذ من العميل وعدا ملزما بالشراء فلا يحق له الربح وإنما يحق له تقاضي قيمة المنفعة التي ينتفع بها العميل عن الجزء من الدار خلال المدة التي سكن فيها ولم يدفع الثمن بعد، فيكون الثمن المؤجل يساوي ثمن الحال زائد أجر الجزء المنتفع به حتى يتم تسديد ثمنه، وهذا العقد- بصورته الملزمة للعميل بالشراء- ملزم للطرفين في الثمن ومواعيد الدفع. فإن امتنع أو عجز العميل عن الدفع يحق للبنك أن يبيع العقار ويأخذ من ثمن البيع بقية مستحقاته وفق العقد وما يتبقى يأخذه العميل.

2- أن يشتركا في الشراء والملكية وفق عقد مشاركة؛ ثم يستأجر العميل الدار وفق أجور المثل وطبقاً لعقد إجارة، ويشتري العميل أجزاء من حصة البنك وفق عقود بيع.

  •     عقد الإجارة إما يكون ثابتا لمدة العشر سنوات أو أكثر؛ أو يكون كل سنة مثلا؛ فإن كان ثابتا لمدة طويلة يكون ملزما وعليه دفع الأجرة المتفق عليها لشركة المشاركة وتقسم الأجرة بينهما بحصة كل منهما في ذلك العام، وإن كان يجدد كل عام فكذلك إلا أنه يجب الإتفاق عليه أول كل فترة جديدة وبشرط أن يكون مثل أجور مثله، وعقد الإجارة لا علاقة له بالمشاركة وله أن يستأجر أو إن يمتنع إن شاء ذلك، أي يكون كالأجنبي عن المشاركة.
  •     أما عقد البيع فهذا اما يتفق عليه بنفس ثمن شراء المشاركة للعقار؛ فيشتري من البنك جزء من حصته كل عام وهذا إن تعاقدا على أجزاء معينة وفق تواريخ مستقبلية معينة يكون عقدا ملزما لهما. أو يُتفق عليه بموجب سعر السوق في هذه الأوقات المستقبلية فلا يكون ملزما لهما. فإن إختلفا يباع العقار ويقسم المال بنسب المشاركة. وعقد البيع المستقبلي عقد لا يتخلله ما نهي عنه مثل عدم التقابض والغرر وغيرهما مما يشوب العقود المنهي عنها، فهذا بيع موجودة فيه العين ومملوكة للبائع ومقدور على تسليمها؛ تأخر فيه تسليم العين وتسليم الثمن. فإن جاز السلم وجاز البيع المؤجل يجوز تأجيل العين والثمن والله أعلم.

 وهذا عرض عام- ويحتاج إلى بحث مفصل مطول آخر- يمكن تطبيقه على السلع الإستهلاكية الأخرى من سيارات إلى أجهزة منزلية وغيرها؛ والأساس في حساب الزيادة نظير تأجيل دفع الثمن أنها يجب أن تساوي ثمن منفعة العين في هذه الفترة المؤجلة أي أجرتها، ولا يجوز هذا النوع إلا في الأعيان ذات المنفعة أي التي يمكن إجارتها وتنضبط بأثمان هذه المنافع. أما ما لا يمكن اجارته فقد وفر الشرع له البيع المؤجل فيه الثمن والأرجح أن ضابطه هو الثمن المستقبلي لهذه السلعة، وهذه بيوع تحدد أثمانها قوى السوق المنافسة. ولا يصح أن يكون ضابطه ربح المثل لأن هذا بيع فإن إتفقا على ربح المثل في هذه المدة ضُمن هذا الربح ثم قُبض دون إستثمار أو تعرض أصل المال للمخاطرة، هناك خط يفصل بين ربح المثل أو ربح الفرصة المضاعة وبين الفائدة الربوية؛ يتمثل في إستخدام ربح المثل للمقارنة فقط مع عدم إستحقاقه إلا عند تحقق الربح الفعلي حقيقة. فإن إستحق دون إستثمار فعلي كان ربا.

أما عن تمويل المشروعات الحكومية مثل الطرق والمستشفيات وشبكات الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات التي تتعهدها الدولة فهذه تعاونية تمول من أموال الضرائب فإن لم تكف يمكن تمويل النقص بإكتتاب فينفذ المشروع وتستأجره الدولة من أموال الضرائب المستقبلية ويعود الأجر إلى مساهمي الإكتتاب على أن تحدد طريقة وثمن شراءه بطريقة مقاربة لتلك التي ذكرت فيما قبل.

ان الإقتصاد الإسلامي قادر على تلبية كل متطلبات واحتياجات البشر وبصورة عملية ذات قيم عادلة؛ تؤدي إلى تشجيع المعاملات والاستثمار بما يعود بالخير والرخاء على المجتمع الذي يأخذ به ويطبقه وفق أسلوب عملي معاصر وصادق. ومن أحد العوامل المهمة في إنجاح تطبيقه هي أن يقتنع به العاملون في أجهزته؛ ويؤمنون إيمانا مطلقا به كنظام عملي يقوم على قوانين ومعادلات ويستمد مبادئه من مثاليات وأخلاقيات، وأن يتخلوا عن الفكرة السائدة أن معاملاته تقوم على الثقة والأخلاقيات وحدها، فهذا غير صحيح وقد عرضنا هذه الدراسة آخذين في الإعتبار عدم توافر الثقة فوجدنا في هذا النظام ما يكفل الأمان حتى إذا اعتدى أو خان طرف؛ مالم نجده في النظم الأخرى، فهذا نظام إنساني عملي لو بحثنا فيه بجدية وإقتناع سنخرج منه بالنظام الإقتصادي المثالي والعملي معا؛ والذي ليس لدي أدنى شك في أن العالم كله سيأخذ به في المستقبل القريب؛ ففيه علاج كل المشاكل الإقتصادية والاجتماعية التي عانى وما زال يعاني منها نتيجة انتفاء العدالة في هذه النظم. فلنتوكل على الله تعالى ولنعمل بما أنعم به علينا؛ ونحن أولى بما إصطفانا سبحانه وتعالى به؛ لا يسبقنا إليه أحد من العالمين؛ وما التوفيق إلا من عند الله عز وجل.

تم والحمد لله، سنة 1993 ميلادي

<< previous page next page >>

الفصل السادس – المضاربة في التجارة والصناعة

 بدأنا هذا البحث بما ذكر عن عزوف أصحاب الأموال والبنوك الإسلامية عن الإستثمار من خلال المضاربة لما ذكر من فساد بعض العمال الذين خانوا الأمانة، وقد أحزننا هذا لما لمسناه من أن أموال المسلمين لا تستثمر في الوجوه التي تخلق صناعات جديدة توفر فرص عمل للناس ومكاسب شرعية لهم تقوى بها الأمة وتعلو بين غيرها من الأمم، والاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد راسخ يقوم على أسس عادلة وهذه فرصتنا التي شاء الله أن تولد في هذا الزمان وواجبنا أمام ديننا الحنيف أن نبذل أقصى الجهد لانجاحها، وهي بلا شك ناجحة في نظريتها ومبادئها ولا أشك أننا لو طبقنا هذه المبادئ لأثبتت للعالم كله تفوقها الذي لا جدال فيه على غيرها من النظم الوضعية الاقتصادية.

ومن أجل هذا العزوف عنها، ولمحاربة الذين أفسدوا من بعض أصحاب الأعمال لو صح ما جاء عنهم – ولقطع الطريق عليهم اجتهدنا للوصول إلى صيغة المضاربة التي لا يستطيع محتال أن يكتسب منها، فقلت يتحمل شيئا من نفسه أو ماله فقيل لي ليست هذه المضاربة، والمضاربة التي قالوها وقرأتها في الكتب المعاصرة مضاربة تعتمد – في الدرجة الأولى – على أمانة العامل، النفقة والأجر من رأس المال أو من الربح والخسارة على رب المال، فإن كان هذا فلماذا يستحق العامل نصيباً من الربح، قيل بفكره وقرارته الحكيمة، ولكن المضاربة لم تشرع للعباقرة فقط، قالتاجر مثله الآلف ويجوز له أن يضارب، بل وربما هذا هو المقصود مساعدته وتوفير المال الذي يحتاجه فلا يجبر على التمويل الربوى.

فعدت إلى ما قاله الفقهاء في القديم، قالوا النفقة من ماله، والعمل الذي جرت العادة أن يعمله إن استأجر عليه فمن ماله، وماذا عن آلته ودكانه قالوا لو عمل ما كان يجوز أن يستأجر عليه فلا أجرة له. وقالوا لا يكون مع المضاربة بيع ولا اكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما. ولا أكل مال بالباطل ولا غرر ولا جهالة ولا خراج إلا بالضمان ولا كسب بدون مال أو عمل أو ضمان فلا ينال أحدهما من نصيب الآخر.

إذن فالمضارب يمكن أن يخسر مالا وإن كان مال منافع، بل ويخسر قبل خسارة صاحبه، وهذا يمنع الشركة المضارب أن تستأجر نفسها فلا مصاريف مكتب رئيسي ولا أجرة عن العمل الذي تقوم به فهذان عوضهما في الربح.

فإذا كان رأس المال مليون جنيه وكانت مصاريف المكتب الرئيسي ستون ألفا والمتجر والمخزن والشاحنة مائة ألف وكان ثمن البيع مليون وثلاثمائة ألف فأن الربح سيكون ثلاثمئة ألف فلو كان للشركة ثلثاه وللبنك الثلث فقد ربحا جميعاً. ويكون عامل أمان البنك هو ثلاثمائة ألفا لا يخسر إلا لو كان ثمن البيع أقل من مليون. ويصعب حدوث هذا في تجارة تمت دراسة جداوها من قبل المختصين في البنك.

ولو أراد العامل أن يرفع نسبته فزاد في تقديرات منافعه قلت نسبة البنك من الربح فخرج المشروع عن نطاق صلاحيته للإستثمار. ولو زاد في ثمن المبيع ليظهره أصلح من حقيقته قلت نسبة نصيبه من الربح فإن كان الربح الفعلي أقل مما قال كان نصيبه أقل.

فتصبح دراسته التي يقدمها شاهداً عليه، فإن تلاعب فيها وقع الضرر عليه، فتعود المضاربة إلى أصحاب العمل الأمناء الصادقين والذين لن يضيرهم هذه الحماية للبنوك لأنهم سيتقدمون بمشروعاتهم وفق تقديراتهم الصادقة التي بعون الله ستتحقق فينال كلا منهما نصيبه، فإن قدر الله لهما الخسارة فهذا من قواعد المضاربة ولا يخسر العمال إلا منافع أبدانهم وأعيانهم ويبقون على أصولها فلا تصاب بيوتهم بالخراب كما يحدث عند الخسارة مع البنوك الربوية.

وهناك أهمية أخرى لهذه المضاربة وهي مجال الصناعة، لو فرضنا أن صاحب مصنع قائم يشتري مواد خام وينقلها إلى مصنعه فيصنّعها بماكينات مصنعه ثم يبيعها إلى التجار، هذا عمل مستمر متواصل؛ وأنه لنقص التمويل لا يعمل بكفاءة المصنع القصوى، وهو يملك المصنع والمعدات والمخزن، فأعد دراسة جدوى الإستثمار وكانت كما يلى:

Chapter6-Pg334

وطلب من البنك 720.000 كرأس مال مضاربة والربح بينهما أو ثلثاه له أو غيرهما.

فلو نظرنا إلى هذه الدراسة نجد أن استهلاك المعدات أو قيمة منافعها وأجر المبنى والمخزن هي أجور أعيان يملكها هو والأجر عليها لنفسه وهذه أولاً لا تجوز، وثانياً هو لا يحتاج لتمويلها فهي ليست مدفوعة لأجنبي. وتكاليف المكتب الرئيسي كذلك إضافة إلى أنها بمثابة النفقة وهذه من ماله ويصرفها سواء صارت المضاربة أم لا. ورب المال ليس له قصد في أي من هؤلاء ومجموعهم 130.000  فيكون ما يحتاجه كرأس مال 590.000 فقط.

ومنفعة رأس المال بحساب ربح الفرصة المضاعة – شراء عقار وتأجيره – بفرض أنها 8% في العام هي 47.200  فإن كان الشراء والعمل والبيع لن يستغرق سوى تسع شهور، تكون منفعة المال 35.400 وتكون منفعة العامل ومنافع أعيانه 130.000 فتكون القسمة 21.4% لرب المال و78.6% لصاحب المصنع، فإن تحقق البيع كما جاء في الدراسة يكون الربح هو ما يتبقى بعد إعادة رأس المال إلى ربه وهو 310.000 فيأخذ رب المال منه 66.340 ويأخذ العامل 243.660 وهذا يشمل عوضه عن منافع أعيانه وربحه.

فيكون عائد رب المال في تسعة شهور عن ماله 11.23% أي؛ معدل15% في السنة. ويكون عائد العامل على منافعه وفق تقديره هو 87.4% وهذا يعكس درجة مخاطرته وثمن خبرته.

فإن هلك جزء من المال بدون تعد من العامل أو أعرض التجار عن الشراء أو انخفض سعر المنتج وكان ثمن المباع أقل من رأس المال تكون الوضيعة على رب المال وحده وليس على العامل شيء.

وليس على العامل غرم إذا تلفت معداته بدون تعد إلا أن عليه اصلاحها
أو التصنيع في مصنع آخر والأجر من ماله فان تأخر العمل فليس عليه غرامة
أو عقاب إلا أن يكون قد أهمل أو فرط، وإذا انفسخت المضاربة فعليه الانضاض.

ولو كان البنك مضارباً لمودعيه فيفاضل بين منفعة المال وحصة المشروع من تكاليف البنك فإن كانت تكاليف البنك عشرة آلاف ومنفعة المال 35.400 فإن ربح المضاربة الأولى ستكون 22% للبنك و 78% للمودع وهذين من نصيب البنك في المضاربة الثانية وهي 66.340 فيأخذ البنك 14.595 ورب المال – المودع – 51.745 وهذا ما يربحه في تسعة شهور فيكون عائد المودع 11.7% في السنة.

ويجب على البنك الاتفاق على نسبة نصيبه من الربح عند العقد الأول وقبل أن يعرف العمل الذي سيستثمر فيه المال، إلا أن نسبته تعود إلى عمله في الدراسة والتعاقد وهذه لا علاقة لها بالعقد الثاني والذي يتعلق به المتابعة وإستلام التقارير وغيرها، وهذه الأعمال تكون في العادة 1% إلى 2% من قيمة المشروع والذي هو قد يكون أكثر من رأس المال بقيمة منافع العامل ونفقته. وحيث أن هذا يقارن بربح الفرصة المضاعة للمال وافترضنا أنها 8% فالاقتراح أن يكون نصيب البنك من ربح المال في المضاربة الثانية بين الخمس والربع، وهذه تختلف من بلد إلى بلد ومن عام إلى عام لأنها تعود إلى اختلاف ربح الفرصة المضاعة والتي قد تتراوح بين5% إلى 12% وكذلك اختلاف مصاريف البنوك والعائدة إلى أجهزتها افنية وخبرتهم وغيرها من الأمور التي تميز البنوك عن بعضها، والحكم في هذا سيكون في مقارنة عائد المودع من الإستثمار بالعائد الذي كان ليحققه من ربح الفرصة المضاعة، فإن كان أقل فإن البنك لن يدفع المال مضاربة فيبقى المال وديعة لصاحبه أو يعاد إليه بدون ربح لأي منهما.  

والحمد لله، إذ ينتهي هنا هذا البحث فإن كانت منه فائدة فإنها من عند الله تعالى، وإن كنا قد جانبنا الصواب فإننا نسأل الله عز وجل المغفرة والعفو ويشفع لنا أننا قد اجتهدنا تحدونا رغبة صادقة مخلصة في رفعة ورخاء هذه الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس، ولله وحده العزة والإجلال، والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد رسول الله.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل

جاء عند الفقهاء أن العامل ليس له نفقة إذا عمل في المصر الذي يقيم فيه أو الذي عقدت فيه المضاربة الا بشرط وكره أغلبهم أن يشترط ذلك.

وجاء عندهم عن العمل أنه لو استأجر لما يجب عليه مباشرته فالأجرة عليه خاصة. ولو عمل بنفسه ما يستؤجر له عادة لم يستحق اجرة.

هاتان القاعدتان وردتا عند كثير من الفقهاء كما جاء في الفصول السابقة، ويتضح من الثانية أن الفقهاء قد كرهوا بل ومنعوا العامل أن يدفع لنفسه شيئاً من مال القراض حتى لقاء عمل يتولاه بنفسه وكان له أن يستأجر عليه أجنبي من مال المضاربة، فلم يجيزوا له أن يستأجر نفسه عليه وهذا منطقي فهو المتصرف في المال والمقصود أن يتصرف من خلال معاوضات مع أطراف أجنبية عن العقد فلا يستحب أن يكون العوض والمعوض منه.

أما الأولى فهو  كان مقيماً قبل المضاربة في المصر الذي عقدت فيه، وعوضه عن عمله هو نصيبه من الربح فلم يجز له عوضين عن عمل واحد. ولأنه يصرف من المال فلا يعرف ما سيصرفه فتكتنفه الجهالة التي قد تفضي إلى النزاع.

ولكن الرجل يضارب مع عامل قد يعمل في المال أكثر من غيره، فقد تكون له شاحنة ومتجر وليس لغيره مثلهما فيستعملهما على التجارة فلا يستأجر من الغير، فيكون العدل في أن يكون نصيبه من الربح أكثر من صاحبه الذي خاطر بمنفعة بدنه لا غير، حتى يتحقق العدل وتنتفي الجهالة، فإن نسب تقسيم الربح إذا لم تعبر تعبيراً عادلاً عما يعود إليه الربح – سواء كان مالاً أو عملاً – فإن هذا يؤدي إلى أن يأكل أحدهما من مال الآخر بدون عوض لأنه أخذ مما ليس له فيه مال ولا عمل ومما هو حقاً لصاحبه.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما جاء في كتاب مجموع الفتاوي (جزء29): في صحفة 98 عن المزارعة: ”وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر، إنماء مقصودهما جميعا ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشاركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأصول التي لهم“.

وفي صحفة99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لآنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لآنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شيء حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر واجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر“.

ويضيف في صحفة 101 في موضوع المضاربة: ”انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد  إلى رب المال مثل رأس الماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

وفي صفحة103: ”وإن قيل الزرع نماء الأرض دون البدن. فقد يقال والربح نماء العامل دون الدراهم أو بالعكس. وهذا كله باطل، بل الزرع يحصل بمنفعة الأرض المشتملة على التراب والماء والهواء ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد“.

صفحة107: ”وذلك أن الأصل في هذه المعاوضات والمقابلات هو التعادل من الجانبين. فإن اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخلها ظلم، فحرمها الله الذي حرم الظلم على نفسه، وجعله محرما على عباده“.

وفي صفحة125: ”فقد تبين أن هذه المعاملة- أي المزارعة- اشتملت على ثلاثة أشياء: أصول باقية، وهي الأرض وبدن العامل والبقر والحديد. ومنافع فانية واجزاء فانية أيضاً وهي البذر وبعض أجزاء  الأرض وبعض أجزاء العامل وبقره. فهذه الأجزاء الفانية كالمنافع الفانية سواء، فتكون الخيرة إليها فيمن يبذل هذه الأجزاء، ويشتركان على أي وجه شاءا. ما لم يفض إلى بعض ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الغرر أو الربا وأكل المال بالباطل. ولهذا جوز أحمد سائر أنواع المشاركات التي تشبه المساقاة والمزارعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرهما إلى من يعمل عليها والأجرة بينهما“.

وجاء في باب المزارعة في المغني (جزء5 ص425): ”فإن قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف منفعتك ومنفعة بقرك وألتك وأخرج المزارع البذر كله لم يصح لأن المنفعة غير معلومة، وكذلك لو جعلها أجرة لأرض أخرى أو دار لم يجز ويكون الزرع كله للمزارع وعليه أجر مثل الأرض. وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا تختلف معه ومعرفة البذر جاز وكان الزرع بينهما، ويحتمل أن لا يصح لأن البذر عوض فيشترط قبضه كما لو كان مبيعاً وما حصل فيه قبض. وإن قال أجرتك نصف أرضي بنصف منفعتك ومنفعة بقرك وآلتك وأخرجا البذر فهي كالتي قبلها إلا أن الزرع يكون بينهما على كل حال“.

ويضيف ما ذكر الخرقى: ”وإن كان البذر منهما فالزرع بينهما ويتراجعان بما يفضل لأحدهما على صاحبه من أجل مثل الأرض التي فيها نصيب العامل وأجر العامل بقدر عمله في نصيب صاحب الأرض“.

ومن هذا المثال نجد أنهما تشاركا بتفاضل أجر الأرض على منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته. فإن كان أجر نصف الأرض يساوي نصف قيمة: منفعة المزارع ومنفعة بقره وآلته كان لكل منهما نصف الزرع. وإن تراجعا لا يفضل لأحدهما على صاحبه شئ.

وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لاتختلف معه فتفاضلا في الزرع بتفاضل منافعهما جاز.

في المضاربة: مشاركة منفعة مال ومنفعة بدن العالم

ويجوز تساوي المتقابلات أو تفاضلها على أن تتساوى أو تتفاضل نسب ربح كل منهما بنفس القدر حتى لا يفضي التقسيم إلى الغرر.

وهذه المقابلات مجهولة القيمة إلا أنه يمكن تحديد نسب تفاضلها بجهالة يسيرة مما لا يؤدي إلا إلى الغرر اليسير المرخص به في عقود المعاوضات والمشاركات.

يقول ابن تيمية في صفحة 25: ”ومفسدة الغرر أقل من مفسدة الربا، فلذلك رخص فيما تدعوا إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضرراً من ضرر كونه غرراً مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن… فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمناً وتبعاً ما لا يجوز من غيره“.

والقيمة ليست لها أهمية فالمشارك فيه هو الربح، والمقصود هو الوصول إلى نسب الربح التي بموجبها لا ينال العامل من نصيب رأس المال في النماء ولا ينال رب المال من نصيب العمل في النماء. أما القيم فهي قيم منافع معدومة عند العقد ومعدومة عند الإنضاض كرأس مال؛ ويعبر عنها في المشاركات بقيمتها من الربح مثل نصيب العامل من الربح والذي يشتمل على عوض منفعة عمله.

ويمكن تقدير منفعة الأرض في المزارعة بأنها هي ما تكرى به عند من جوز كراء الأرض، ومنفعة بدن العامل والبقر والحديد هي أجر مثل العامل والبقر والحديد، فلو افترضنا مدة المزارعة وهي من العقود التي توقت أو تعرف بوقت إدراك الثمر والزرع، عرفت الأجور وهي أثمان المنافع. ولو كان البذر والطعام والمؤونة وكل ما يستهلك ويفنى من أحدهما أضيف إلى قيمة منفعته ثم تفاضلا. فيعرف التفاضل أو التساوى، فإن تساويا صلحت المزارعة على النصف وإلا فبنسب التفاضل. فإن وفر الزرع كانت منفعة الأرض أكثر من الكراء وكانت منفعة العامل والبقر والحديد أكثر من أجور المثل. أما عن البذر فأنهم لم يتقابضا فلا بيع بينهما هنا ليتقابضا وإنما مشاركة أو مقابلة تقوم على التعادل أو التفاضل بين الجانبين كالتي قال بها وعنها ابن تيمية:” فهذه الاجزاء الفانية كالمنافع الفانية سواء، الخيرة إليها فمن يبذل هذه الأجزاء، ويشتركان على أي وجه شاءا“.

أما عند من لم يجز اجارة الأرض ولم يكن للأرض أجر تعرف به، فقد عرفنا عن عمر رضى الله عنه أنه كان يدفع الأرض والبذر بالنصف إلى من يعمل عليها، فتكون منفعة الأرض وقيمة البذر مساوية لمنفعة بدن العامل والبقر والحديد.

وفي رواية البيهقى: ”فأعطى عمر رضى الله عنه الناس البياض على ان كان البذر والبقر والحديد من عمر، فلعمر الثلثان ولهم الثلث. وإن كان منهم فلهم الشطر“.

وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر.

ومن الرويات الأخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم  دفع أرض خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

وروي عن هشيم أخبرنا ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال:” دفع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خيبر- أرضها ونخلها- إل أهلها مقاسمة على النصف“.

وقد ذكر البخاري في صحيحه: ” أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر- النصف- وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا. الطرق الحكيمة لابن القيم ص248 – 250“.

وعن أبى جعفر محمد بن علي رضى الله عنهم أنه قال: ”كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يعطي الأرض على الشطر“.

فلو أخذنا بمعاملة خيبر ومعاملة أبو بكر رضى الله عنه فمنفعة الأرض فيها تساوي منفعة بدن العامل وبقره وحديده وبذره.

ولو أخذنا بمعاملة عمر رضى الله عنه فالأرض والبذر يعادلان العامل وبقره وحديده.

وإن جاء عمر رضى الله عنه بالبذر والبقر والحديد فله الثلثان وإن كان منهم فله النصف.

فتكون الأرض والبذر والبقر والحديد = ضعف منفعة بدن العامل

والأرض وحدها = منفعة بدن العامل والبقر والحديد وقيمة البذر

ومن هاتين المعادلتين نجد أن الأرض لها النصف، والعامل له الثلث، والبقر والحديد والبذر لهم السدس. وهذا يطابق معادلة معاملة خيبر ومعاملة الصديق رضى الله عنه، إلا أنه يخالف معاملة عمر رضى الله عنه الثانية والتي فيها إن كان البذر من عمر فله الشطر ولو أن الاختلاف يسير للغاية لأن قيمة البذر تكون ثلث السدس أو أقل.

ويجب التنويه هنا إلى أن الأراضي الزراعية تختلف عن بعضها البعض بدرجة خصوبتها ويسر أو مشقة زرعها وتكلفة سمادها ورويها ولا يجب الخروج من هذا بنتائج ومعادلات تطبق فكل بلد وكل أرض لها ظروفها، وقد تتوفر الأرض ويندر العمال وقد يكثر العمال وتندر الأرض، وإنما ما جاء هنا يعبر عن طريقة للحساب لا أكثر.

”وقد كان طاووس فقيه اليمن والتابعي الجليل يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالربع والثلث بأسا. ولما أحتج عليه بعضهم بأن النبي  صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض قال: قدم علينا معاذ بن جبل- مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن- فأعطى الأرض على الثلث والربع فنحن نعملها إلى اليوم. وقد روي مثل هذا عن محمد بن سيرين وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنهما كانا لا يريان بأسا أن يعطي أرضه على أن يعطيه الثلث أو الربع أو العشر، ولا يكون عليه من النفقة شيء“. ورد في كتاب الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوى.

وبلغنا عن سعد بن أبي وقاص وعن ابن مسعود رضى الله عنهما أنهما كانا يعطيان أرضهما بالربع والثلث.

أما عن المشاركات التي يدفع فيها الرجل دابته إلى من يعمل عليها، فكذلك يفاضل بين أجر الدابة وأجر العامل في وحدة زمنية كيوم أو شهر، ومدة المشاركة – إن عملت أو لم تعرف – فهي واحدة لهما، فيعرف تفاضلهما أو تساويهما فيشتركان في الرزق بهذه النسب. وكذلك يعامل غيرهم من المشاركات بين الابدان والمنافع.

أما المضاربة، ففيها منفعة مال من جهة ومنفعة بدن من جهة أخرى، ولقياس نسب تفاضلهما يجب أن نقدر قيمهما في ظروف إستثمار متساوية من جهة درجة المخاطرة، وكل ما قسنا به من قبل كان في أجور المثل، وهي تقل فيها درجة المخاطرة إلى درجة تقرب من أن تنعدم، والمال لا تجوز اجارته لانعدام المخاطرة فيصير والكسب بغير العوض ربا، إلا أننا نستطيع أن نفترض إستثمار المال في معاوضة تقل فيها درجة المخاطرة إلى أقل حد ممكن، وهذا يكون بافتراض إستثمار المال في شراء عقار يؤجر لمدة عام مثلاً، وهذا يماثل ما كان سيفعله صاحب المال العاجز أو المنشغل والذي رخصت المضاربة لحاجته، ويشابه ظروف أجر المثل الذي سنقدر به قيمة منفعة العامل.

فإن قلنا أن منفعة المال هي ربح الفرصة المضاعة الممثلة بشراء عقار واجارته مدة المضاربة الغير معروفة، ولهذا نثبت الزمن المقارن به بعام مثلاً، فنخرج من هذا أن منفعة المال لو إستثمر بهذه الطريقة تكون أجر هذا العقار، وهذا افتراض ليس فيه شبهة ربا لأننا لم نضمن لرب المال هذا العائد ولا غيره.

وتكون منفعة بدن العامل هي أجر المثل الذي يتقاضاه عن عمله خلال هذه الفترة، فلو وجدنا أن أن عائد أجر العقار المشترى بخمسمائة ألف جنيه هو أربعين ألف في العام، وأنه يباع في نهاية العام بنفس الثمن الذي اشتري به. وأن أجر مثل العامل كان أربعين ألف جنيه في العام أيضاً، تساوت منفعتا العامل والمال فيكون الربح بينهما بالنصف. فإن عمل وربح مائتي ألف كان لرب المال مائة ألف وللعامل مثلها، ويستحق العامل الزيادة عن اجر مثله لأنه كأنه عمل فاستحق الأجر وخاطر به فاستحق الأكثر وقد كان من المحتمل أن يكون أقل. وهذا مجازاً لأنه في الحقيقة استحق المائة لأن قيمة عمله مقاسة بمعيار النماء هي نصفه. أما رب المال فيستحق نماء المال لأنه خاطر بالمال ذاته، ولهذا كان له النماء العائد إلى المال وهو منفعة المال الحقيقة، وكانت الوضيعة من ماله ليحل له أخذ الربح فانها إن لم تكن من ماله فلا يستحق ربحاً لأن الربح كان لقاء المخاطرة بالمال ذاته.

ولو كان العامل لديه متجر سيبيع فيه، وأجرة المتجر لو استأجر من الغير لبيع السلعة سيكون عشرين ألفا خلال فترة العرض المقدرة وهي ستة شهور مثلا، وكان تقدير مدة المضاربة عاماً، فتكون منافع بدن العامل ومتجره ستون ألفاً ومنفعة المال أربعين ألفا، فيكون للعامل ستة أعشار الربح عوض منفعة بدنه ومتجره.

وقد قال يقال هذه مضاربة عُرف فيها المدة والعمل والأجرة، وليست هذه من صفات المضاربة، فنقول هذه كلها تقديرات يبنى عليها نسب تقسيم الربح، ولو حصل الربح في نصف المدة جاز لأن قيم هذه المنافع لو انتصفت لم تتغير نسب تفاضلهما. وهي أقرب للصواب من اتفاقهما وفقاً لأهوائهما إن لم يكن للمضاربة مثل، وخاصة ونحن على مشارف عصر قد أو يجب أن تطبق فيه المضاربة في مجالات الصناعة لمصلحة الأمة. ورب المال الذي كان الذي كان يدفع ماله مضاربة إلى التاجر المتأهب للسفر مع قافلة مكة المتجهة شمالاً أو جنوباً كان يعرف متى يعود التاجر من رحلته وكم سيستغرق في بيع البضاعة التي جلبها معه في رحلة الإياب. ورأى الحنابلة والأحناف والإمامية جواز أن يقيده بالإتجار بسلعة معينة أو بالتعامل مع جهة معينة، وذهب الأحناف وفي رأي عند الحنابلة إلى صحة توقيت المضاربة، ورأى الشافعية صحة توقيت الشراء. وهذه كلها إن دلت على شيء إنما تدل على صحة المضاربة التي يتفق عليها بناء على دراسة جدوى اقتصادية للتجارة أو المشروع الذي يتقدم به العامل إلى رب المال ودون شرط عليه كما بينا في الفصول السابقة، وعلى أسس هذه الدراسة يمكن تقدير قيم المنافع والمدد الزمنية والاتفاق على نصيب كل منهما من الربح، وليس في هذا تحجيرا على العامل ولا تكتنفه جهالة أو غرر أو ما قد يعيب عقود المشاركات. وإنما هو تقدير مبني على العلم فإن ربحا نال كل منهما حقه وإن لم يربحا خسر هذا من ماله وهذا منفعة عمله ومنفعة أعيانه.

وحتى في المضاربات التي قال بها الفقهاء كان العامل يخسر نفقة نفسه وقيمة عمله الذي يلزمه أن يتولاه بنفسه وقيمة العمل الذي كان له أن يستأجر عليه وتولاه بنفسه أو بأعيانه، والمتعارف عليه في عصرنا من أن العامل لا يخسر سوى مجهود فكره ليس صحيحاً بل هو عليه الجزء الأول من الخسارة، ويجب ملاحظة أن العامل لا يخسر مالاً وإنما يخسر منافع بدنه ومنافع أعيان يملكها هو، أي أنه فى كل هذه الحالات لم يدفع مالآً نقداً من ماله وإنما استهلك منافع بدنه أو منافع أعيان يملكها، أما النفقة فهذه كانت عليه قبل المضاربة ولو لم يعقد المضاربة
لظلت من ماله، أي أن رب المال يخاطر بماله والعامل يخاطر بمنفعة بدنه ومنفعة أعيانه والشركة العامل تخاطر بمنفعة عملها ومنفعة أعيانها.

وفي حالة أن المضاربة بين رب مال والشركة العامل، والشركة تعمل في عمليات مضاربة مختلفة، فيجب الإعتماد على الدراسة الجدوى للمشروع الذي ستتقدم به الشركة إلى البنك الإسلامى، وهذه الدراسة سوف تحتوي على تقديرات ثمن الشراء وتكاليف النقل التخزين واجرة المتجر والبائع ومصاريف الإدارة وثمن البيع والربح. وقد يكون المخزن والمتجر ملكاً للشركة.

ويمكن إعادة التقسيم فيوضع ثمن الشراء وتكاليف النقل في خانة تسمى رأس المال.

ويوضع أجرة المخزن والمتجر والبائع ومصاريف المكتب الرئيسي أو مصاريف الإدارة في خانة ثانية تسمى منفعة العامل.

وتقدر قيمة منفعة رأس المال في المدة التقديرية التي وردت في الدراسة بطريقة حساب ربح الفرصة المضاعة وتقارن بمنفعة العامل ويحسب تفاضلهما، فتكون نسبة نصيب العامل من الربح هي حاصل قسمة منفعة العامل على مجموع منفعة العامل ومنفعة المال.

وقد يقال هذه شركة بينهما في رؤوس الأموال، وعدا ما جاء سابقاً عن عدم جواز أن تكون المنافع رؤوس أموال، فلو قبلنا مجازاً فإن الشركة آنذاك تكون بين تقدير قيمة منفعة العامل ورأس المال، فتكون مجازاً شركة بتسعة أعشارها لرب المال والعشر للعامل، نعم العامل لن يخسر ماله إلا بهذه النسبة من الوضيعة ولكنه لن يصيب من الربح إلا بنسبة عُشر الربح. فلو قلنا أن رأس المال تسعة الآف وأن قيمة منفعة العامل ألفاً فإنهما شركة بتسعة أعشار لأولهما والعُشر للثانى، فإن ربحا الفين كان لرب المال ألف وثمانمائة ورأس ماله وللعامل مائتين ورأس ماله فإن انقضت الشركة يأخذ العامل ألف ومائتين. بينما إن كانت مضاربة فرأس مالها تسعة الآف وربح الفرصة المضاعة في العام 8% مثلاً أي سبعمائة وعشرون ومنفعة العامل ألف فكان نصيب العامل من الربح 58%. وهما قد ربحا بحساب المضاربة أي الإيراد مقتطعاً منه رأس المال وهذا ثلاثة الآف فيعود للعامل ألف وسبعمائة وأربعين. بينما يعود لرب المال ألف ومائتين وستين. أي في حساب المضاربة العائد للعامل 74% على قيمة منافعه بينما في حساب الشركة 20% وهذا نتيجة مخاطرته الأكثر في المضاربة ونتيجة مكافأته في المضاربة أيضاً. وبالطبع تختلف النتيجة بزيادة الربح فيعود للعامل أكثر كلما زاد الربح. أما في الخسارة فهو سيخسر أولاً وكما قلنا خسارته هي في حدود منافعه التي قدمها للمضاربة وهي خسارة منافع لا أموال نقدية ولاحتمال حدوث هذه الخسارة استحق الربح الأكثر.

وإضافة إلى ما سبق فالشركة هي توكيل كل منهما لصاحبه بالتصرف، وهذا العمل كله من جانب واحد، وهي إن كانت شركة أو مشاركة أموال لاختلفوا في تقدير المنافع لأنها كرأس مال سيلزم دفعها من المال عند الخسارة فيغرمها رب المال من ماله فيتشدد في تقديرها مما قد يؤدي إلى الاختلاف أو إلى أن يظلم أحدهما الآخر، أما لو كانت كنسبة من الربح فهذه تدفع من الربح ولا يعرف الربح إلا بعد سلامة رأس المال فتقل أسباب اختلافهما. وبالطبع كان المثال السابق خروجاً عن الصحيح في المعاملات فالشركة التي مثلنا بها لا تجوز شرعاً وإنما قصدنا بها إظهار مميزات المضاربة للطرفين.

وأحد القواعد التي تقوم عليها المضاربة هي أن أحد الشريكين يعمل ولهذا وجب توفير الحافز له على العمل والاسترباح، وفي هذه يتوفر الحافز لأن نصيبه من الربح كبيراً وكلما زاد الربح كلما زاد العائد على قيمة منافعه بخلاف الشركة التي مثلنا بها فنصيبه من الربح قليلاً قد لا يغريه أو يحفزه؛ أضف إلى هذا قلة تحمله في الوضيعة أيضاً ولا يصلح هذا إلا لو عملا معاً لا أن ينفرد بالتصرف ولله أعلم.

وعليه فهي مضاربة، لأن رب المال لو دفع بالمال إلى الشركة العامل فعملت على أن لها نصف الربح والنفقة من مالها جاز، فإن رأت بعد ذلك أن تستخدم شاحناتها في العمل الذي كان لها أن تستأجر عليه من مال المضاربة وفعلت ذلك فليس لها الأجرة من مال المضاربة، ويظل نصيبها من الربح النصف، وقد زاد الربح بقدر ما وفرت من الأجرة بل وبأكثر من ذلك، فيزيد نصيب رب المال من الربح، فينال مما ليس له فيه مال أو عمل، ولا يجوز أن يستحق العامل الأجرة من المال لأنه هو المتصرف والمؤجر والمستأجر، ولهذا يكون الأصلح والأقرب إلى العدل التقدير قبل العقد وقد توفرت المعلومات في دراسة الجدوى.

والمضاربة ليست مشروطة بأن يُجهل العمل، فالعمل قد يكون مقدراً معروفاً وإنما يُحتمل فيه التغيير وفقاً للظروف وأحوال السوق وهذه طبيعة الإستثمار؛ ولولا هذه الاحتمالات… لما كان هناك احتمال ربح وخسارة، ويعتمد نجاحها إلى حد كبير على خبرة المضارب أو الشركة المضاربة، وتظهر هذه الخبرة في تقديره للمتطلبات والظروف المستقبلية ثم تحركه السريع والتكيف مع المتغيرات ومواجهة الصعوبات وإعادة التخطيط، وهذه تظهر قيمتها في تقدير قيمة منافع بدنه أو حصة المشروع من مصاريف المكتب الرئيسي للشركة موزعاً على الأعمال التي تتوقع أن تقوم بها وفق طاقتها المتوسطة، وهذه الحصة هي التكلفة… ولكن هذه الشركة لو أجرت نفسها للغير فستكون الأجرة أعلى من التكلفة وهذه التي تحسب لأنها تعبر عن التكلفة والخبرة والشهرة وغيرهم مما تقيم به الشركات، أما معداتها ومخازنها ومتاجرها فتحسب على أجر المثل، وقد حسبنا ربحاً لها في أجرة المكتب الرئيسي وهذا لم يسمح به الفقهاء لأحدهما أن ينال إلا من ربح المضاربة بعد القسمة؛ وهذا ما يحدث هنا فما نحسبه لا يناله أو تناله الشركة إلا بنصيب من الربح. وإنما قصد منه التعبير عن خبرة العامل فليس التاجر المحنك الخبير بمثل التاجر حديث العهد في هذا المجال.

وقد ذكرنا – فيما سبق – أن يضاف معامل إلى أجر المثل الخاص بالعامل وهذا لا يضاف إلا للعامل الفرد أو لأجر مدير الشركة أو مجلس الإدارة المعول عليه العمل واتخاذ القرارات الهامة، أما غيره فإما يكتفى آنذاك بأجر المثل والتكلفة في المدة، أو يؤخذون كلهم – كما قلنا هنا – بأجر الشركة لو أجرت لهذه الفترة كما جاء أعلاه، وهذا سيعكس خبرتها وقدرتها. وقد نحتاج لهذا المعامل أيضاً للتعبير عن اختلاف العرض والطلب في السوق في حالة كثرة الأموال المتجهة إلى عامل معين عرف بالخبرة والحنكة.

وقد ذكرنا أيضاً طريقة أخرى هي حساب المشروع مرة لو استؤجرت الأعيان من الغير، ومرة لو دفع بها المضارب فكان الفرق نسبة من الربح مستحقة له، وهذه الطريقة لا تستدعي احتساب قيمة منفعة المال بطريقة ربح الفرصة المضاعة وهذا لأننا أفترضنا أن الربح بينهما بالنصف قبل حساب الأعيان، وهذه فيها تقريب لا داعي له إذا اعتمدنا طريقة مقارنة ربح الفرصة المضاعة وأجر المثل وهي أعدل لهما ولله أعلم.

ويجب ملاحظة أن ربح الفرصة المضاعة هي من استثمار تقل المخاطرة فيه إلى حد كبير، وكذلك أجر المثل المقارن به، فيكون العائدين قد حسبا في ظروف متماثلة فيمكن معرفة نسب التفاضل بينهما. فإن قيل رب المال يخاطر بأكثر من هذا! أليس هذا من طبيعة المضاربة وما يحدث فيها! وأليس خراجه بضمانه! وإلا فلماذا يطيب له الأكثر من ربح هذه الفرصة المضاعة. فإن قيل علاما يطيب للعامل الأكثر قلنا أن قيمة منفعة عمله بأجر المثل ليست هي قيمة منفعة عمله في المضاربة فهذه تقاس بمعيار الربح وقد كثر الربح بعمله في المال فكثرت وإن قل قلت.

وليس ربح الفرصة المضاعة حقاً لرب المال وليس أجر المثل حقاً للعامل، فلا هذا استثمر ماله في العقار ولا هذا استؤجر هو وأعيانه على العمل ليستحق أجر المثل وإنما هي بغرض المقارنة، وليس لأحدهما حقاً إلا في الربح إذا كان ثمة
ربح. هذا بنماء ماله وهذا بعوض عمله، وإنما كانت أجور المثل ومنفعة المال للمفاضلة والمكافأة بينهما لا غير.

<< previous page next page >>

الفصل الرابع – المشاركة

جاء عن ابن تيمية في القواعد النورانية عن المساقاة والمزارعة:” من المعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، والمساقاة والمزارعة لا يأكل أحدهما مال الآخر“.

والشركة من المشاركات وكذلك المضاربة والمساقاة والمزارعة، والمشاركة هي إما: مشاركة عقد أو مشاركة ملك، ومشاركة الملك أو شركة الأملاك وهي ما ليس المقصود منها الكسب ولا تتعرض أموالها للمخاطرة، وقد تكون قد حصلت باختيار المتعاقدين أو بغير اختيارهم كالأرث أو اختلاط الأموال دون قصد أو رغبة. أما شركة العقد فهي عقد بين اثنين أو أكثر لتحصيل الكسب الحلال لهما من أطراف أجنبية عن العقد. والكسب الحلال لا يتحصل إلا عن طريق المعاوضات كالبيع ولهذا وجب أن تكون الشركة قائمة على مال، والمال هو كل ما أمكن مبادلته وفق السبل الشرعية بأصل الأثمان، فيشمل الأعيان والعروض والمنافع والنقود الرائجة. فإن قامت على أموال عينية تكون شركة عنان، وإن قامت على الضمان والضمان يستحق به الربح كالمال… كانت شركة وجوه أو شركة ديون. وإن قامت على أموال منافع… تكون شركة أعمال أو أبدان أو قد نعبر عنها قامت على الضمان المتوجب بتقبل العمل الذي سيتقبلاه فنسميها شركة تقبل الأعمال.

وتقوم الشركة على اتفاق بينهما بأن يقدم كل منهما مالا أو التزاما بتقديم منفعة عمل أو التزاما بضمان دين. فيتوجب ضبط هذه الحصص حتى لا يأكل إحدهما من مال ليس له.

فإن كان المال والعمل منهما بالتساوى… كانت شركة عنان، أما لو كانت مالاً من كل منهما بالتساوي والعمل بينهما ليس متساوياً ويكون الكسب بينهما بالتساوى… ففيه ظلم لمن عمل أكثر لا يصح معه العقد الذي يشترط فيه العدالة في توزيع منافعة.

وحيث إن قيمة العمل مجهولة وقت التعاقد… فإنه يكتفى بمعرفة نسب التفاضل لأن العمل وإن كان مجهولاً إلا أنه واحد، لهذا… وجب تحديد نسب تفاضل الأعمال من جهة، وتفاضل نصيب المال من الربح إلى نصيب العمل.

أي إن الإيراد سوف يكون رأس المال العيني ومال المنفعة والربح، ويعاد منه رأس المال وما يتبقى هو قيمة المنفعة والربح المقدرين بجزء من المتبقى.

المقصود من رأس المال هو تحديد الربح وهو المال الذي يتبقى بعد إعادة رأس المال، وتحديد نصيب كل من المتعاقدين في رأس المال، وفي الربح.

والمال العيني معروف ومعين القيمة وقت العقد، فإن كان مما تتغير قيمته خلال مدة العقد اكتنفته الجهالة فلم يصلح أن يكون رأس مال كما هو الحال في العروض. ولهذا وجب أن تكون من أصول الأثمان كالذهب والفضة والنقود الرائجة.

ومال المنافع – مثل العمل – لا قيمة له وقت العقد، إلا أنه مال يتحصل عليه بالإجارة، وإن لم يوجد خلال العقد يستهلك جزء من مال الشركة في شرائه، فبوجوده توفر  مال الشركة لشيء أخر مثل الشراء وغيره مما يتحصل به على الربح. ويمكن تجاوزاً القول لأنه معدوم وقت العقد فهو معدوم وقت القسمة أيضاً فلا يعود لصاحبه، إلا ان له أثر في الربح يظهر في قيمة هذه المنفعة بزيادة الربح عما كان ليكون عليه لو استؤجر أجنبي أو من أجنبي على هذا العمل، أو بتقليل الوضيعة عنها كما سبق. وهذا قد يعنى أن صاحب المال قد استفاد من مال غيره بما قلّت به وضيعته، وهذا معنى المشاركة فهذا ليس ربا أو غرر فهو لم يأخذ مال غيره بل نقص ماله، وهو مثل المضاربة لو لم يضارب معه لاستأجره فإن خسر زادت الوضيعة عما كانت لتكون عليه في المضاربة. ولأن الوضيعة إن حصلت فتكون لأن هذه المنفعة لم يكن لها أثر وليس لها قيمة، ومن صفاتها أنها توجد وتنعدم، فلا يخسر صاحبها سوى قيمتها وهي معدومة في هذه الحالة لأنها تقاس بمعيار الربح وهذا معدوم. ولا يستحق شيء في حالة الخسارة لأنه خاطر بها على نصيب من الربح لا على قيمتها لأن هذه القيمة مجهولة ومعدومة عند العقد.

منفعة العمل المشارك بها

رأس المال هو المال المستثمر من أجل الربح والمعرض للمخاطرة فيحل لصاحبه كسبه بناء على قاعدة الغنم بالغرم. والربح هو الذي يتحصل عليه بالعمل في مال مع احتمال كونه موجباً أو سالباً فإذا كان سالباً يخسر المستثمر جزء أو كل رأس ماله. والإستثمار هو توظيف المال بقصد الحصول على ربح أو نماء مع تعرضه للمخاطرة، أما توظيف الأموال في الاجارة فهذا شراء ثم بيع منافع وقد يطلق عليه إستثمار أيضاً لأنه يعود على صاحب العين بعائد مستقبلي والمخاطرة ههنا في احتمال هلاك العين أو تغير السوق.

ورأس المال المشارك يشترط فيه تعيينه بوحدة لا تتغير بقدر يعتد به في مدة الإستثمار أو في الأمصار المتوقع التعامل فيها. ولهذا لا يجوز أن يكون إلا من أصل الأثمان. وهذا لأن رأس المال يعود إلى صاحبه وما يتبقى من المال هو الربح فإن جهل رأس المال جهل الربح وهو المعقود عليه في المشاركة وتفسد المشاركة بكل ما يؤدي إلى جهالة الربح.

والمال قد يكون نقداً رائجاً أو ذهباً وفضة أو عروضا وأعياناً أو منافع وحقوقاً. ولا يصلح من أن يكون رأس مال إلا النقد الرائج والذهب والفضة لثبات قيمها النسبي ولأنها معيار الأثمان. أما الأنواع الأخرى من الأموال فإنها لا تصلح لتغير قيمها مما يؤدي إلى الغرر الذي لا يسمح به إلا لو كان يسيراً وكانت للمعاملة حاجة وضرورة، فإن وجدت أصول الأثمان أو النقد الرائج فلا ضرورة لغيرها.

والذي يهمنا هنا هو المنافع، منفعة العامل والآلة والدور وغيرها. وهذه المنافع تستأجر وعوضها مال. ومن صفة المنفعة أنها معدومة وقت العقد وتنوجد خلال مدة العقد ثم تنعدم عند الانضاض ولو قدرت قيمتها المستقبلية وقت التعاقد يكتنف هذا التقدير غرر لأنه تقدير أجرتها وتقدير استيفاء منفعتها سواء بني التقدير على أساس المدة أو العمل. وعقد الاجارة على خلاف القياس لأن المنافع وقت العقد معدومة ولأنها من بيع ما لم يخلق، وإنما جوز الشارع هذا العقد استحسانا للحاجة إليها ولدفع الحرج ولمنفعة الناس. إلا أن التقدير فيه وقت التعاقد لا يتعدى تقدير الأجرة وتحديد المنفعة أو العمل ويشترط استيفاء المنفعة في المدة أو إتمام العمل المنوط إليها لاستحقاق الأجر، وتكون المنفعة ذاتها أو العمل مقصوداً في عقد الاجارة.

أما في المشاركة… فالعمل ليس مقصوداً، وهو مجهول وقت التعاقد، وإن عين بالوصف أو بالمدة لا يعرف أيستوفى أم لا، ومساواة المال المعلوم بتقدير مالية المنفعة قد يؤدي إلى الغرر، لهذا لا تصلح المنافع أن تكون رأس مال.

وللمنافع أثر لا ينكر على الربح، وهو لا يقل عن أهمية رأس المال، ولهذا … فقد جرت العادة على الاتفاق بين الناس أن يدفع الرجلان مالهما على أن يعملا معاً والربح بينهما… فإن تساويا في المال والعمل تناصفا الربح وهذه شركة العنان المجازة بالإجماع.

فإن تساوى المالين واختلف العمل… فمن الفقهاء من قال الربح بينهما ومنهم من قال للذي عمل أكثر نصيب أكثر ومنهم من قال يقتسمان الربح بينهما ثم يعود نو الفضل على صاحبه بنصف الفرق في أجري مثلهما. فمن ساوى بينهما قال العمل الأكثر تطوعاً؛ ومن قال للذي عمل أكثر نصيباً أكثر؛ قال هذا لأن الكسب يتحصل بالمال وبالعمل وبالضمان، ومن قال بالأجر جعلها على الاجارة.

وبالطبع كان الاختلاف لصعوبة تحديد نصيب العمل الإضافي من الربح، وهذا أيضاً يظهر في شركة الابدان جاء في المدونة(ص42) ما معناه أنه يجوز بين الصناع من نفس الصنعة في نفس الحانوت إذا تساوى أو تفاضل المال والعمل والربح بنسب واحدة:

فلا يجوز أن يقتسما الربح مناصفة أو أثلاثاً، إذا كان من أحدهما ثلث المال وعليه نصف العمل، وتجوز إن كان منه ثلث المال وعليه ثلث العمل وله ثلث الربح.

وجاء في صحفة  45 من المدونة:” أرأيت أن أشتركنا ثلاثة نفر لي بيت ولصاحبي الرحا ولصاحبي الآخر البغل على أن ما أصبنا من شيء فهو بيننا سواء وجهلنا أن يكون هذا غير جائز فعملنا على هذا فأصبنا مالا. فقال يقسم المال بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والدابة والرحا معتدلاً، فقلت فإن كان مختلفاً قال يقسم المال بينهم أثلاثاً لأن روؤس أموالهم عمل أيديهم فقد تكافؤا فيه ويرجع من له فضل كراء في متاعه على أصحابه. قلت فإن لم يصيبوا شيئاً قال يترادون ذلك فيما بينهم يرجع بذلك بعضهم على بعض إن لم يصيبوا شيئاً بفضل الكراء“.

وهذه الشركة قائمة على الاجارة بينهم، وهكذا ذهب أكثر الفقهاء عدا الحنابلة في مثل هذه المشاركات التي تجتمع فيها الأعيان مع العمل، واستحق فيها من كان له الأجر هذا الأجر سواء كان في المشاركة ربحاً أو وضيعة، وهذا صحيح لو أخرجت هذه المشاركات على الاجارة، إلا أنها لم تكن المقصودة ممن عملها، فمن دفع دابته إلى من يعمل عليها قصد الربح وليس الأجر، ومن عمل على الدابة كذلك، فيكون العمل أو المنفعة غير مقصودين كما هو الحال في الاجارة، ولن يعملها أيهما إذا كان سيغرم الأجر من ماله إذا لم يحصل الرزق. ولا فائدة للدابة عند من يريد نقل متاعاً بدون من يعمل عليها وكذلك لا فائدة من العامل بدون الدابة فاجتمعا على المصلحة وعدمها.

واستحقاق الأجر صحيح لو لم يكن له في الربح، فإن دفع دابته أو عمل بقصد الربح فقد بطل حقه في الأجر فهما لا يجتمعان، فإن قال خذ دابتي واعمل عليها والرزق بيننا فليس له الأجر بعد ذلك. وهما لو دفع كل منهما دابته وعملا معاً يكون الرزق بينهما جائزاً عند أغلب الفقهاء فيكون عدم الجواز للإختلاف ولاحتمال حدوث الغرر في توزيع الربح بينهما وليس لعدم جواز المعاملة ذاتها ولله أعلم.

حا في المدونة ص 49: ”أرأيت إن كان لي بغل ولصاحبي بغل فاشتركنا على الحمولة التي تحمل على البغلين، قال ما أرى بأساً إذا كانا يحملان جميعاً فيحملان على دابتهما لأن هذين يصير عملهما في موضع واحد وهذا مثل أن يتقبلا الشيء يحملانه إلى موضع واحد، وإن كان يعمل كل واحد منهما على حدته فلا خير فيه“.

ولهذا … فإن أمكن تحديد أنصبة الربح بتحديد التفاضل الصحيح في هذه الشركات فإنها – في رأينا – تكتون ملتزمة بالقواعد الصحيحة.

فلو فرضنا في شركة عنان يدفع أحدهما مائة ألف والثاني مائتي ألف رأس مال على أن يعمل الأول كل الوقت ويعمل الثاني نصفه فاتفقا – بناء على أجور مثلهم على العمل الذي سيقوم به كل منهما – أن أجر الأول في العام تسعة آلاف والثاني ستة آلاف وقررا أن يتركا أجرهما في المال مخاطرين به حتى يقتسما. فإن ربحا ثلاثين ألفا فالربح يعود إلى المال والعمل.

فإن قلنا يقتسما الربح بينهما ثلثا للأول أي عشرة آلاف وثلثين للثانى؛ أي عشرين ألفا، ثم يعود الأول على الثاني بثلثي الفرق بين أجور مثلهما وهو الثلاثة الآف فيكون له على صاحبه ألفان، فيكون للأول اثنا عشر، وللثاني ثمانية تكون القمسة خطأ، لأن أجر عمل الأول في مال الثاني ثلثي أجر مثله أي ستة الآف وأجر عمل الثاني في مال الأول ثلث أجر مثله وهي ألفين فيكون للأول على الثاني أربعة الآف فيكون حق الأول من القسمة أربعة عشر ألفا والثاني له ستة عشر ألفا، لهذا… لا يصح الرجوع بالفرق وإنما بالكل.

وهذا تقسيم صحيح لو قصدا إستثمار المال واستئجار كل منهما الآخر في ماله، وهذا ليس قصدهما وإنما قصدا إستثمار المال بالعمل فكان للمال ربح وللعمل ربح، فعندما خاطرا بالأجر… قصدا أكثر منه؛ فإن جاز لهما الأكثر… سقط حقهما في الأجر فيتحملا الخسارة في حدود الأجر، وهذه المشاركة لم يجزها الفقهاء عدا الحنابلة. إلا أن مشاركة العمل هي شركة أبدان يجوز لهما ما تكسبه لقاء العمل أو لقاء الضمان بتقبل العمل، ولم يقال فيها أن عليهما أن يعودا على بعضهما بأجر المثل وإن عادا… كانت النتيجة واحدة إذا كانت نسب توزيع الكسب بينهما هي نسب أجر مثليهما في العمل الذي قاما به، وليس صحيحاً إذا كان نصيب أحدهما لقاء الضمان حين تقبل العمل والآخر لقاء عمله وفي هذه الحالة نجد في مشاركة الأبدان اجتماع الضمان- كالمال- مع العمل.

وحيث أنهما قصدا المخاطرة بمنفعة عملهما… فلكل منهما نصيب من الربح أو كسب العمل بقدر تفاضلهما في المنافع المخاطر بها، فإن أخذنا المثال السابق… يكون للأول ثلثا ربح العمل وللثاني ثلثه، وربح العمل هو الجزء من ربح المشاركة العائد إلى العمل ويشمل قيمة منفعة العمل بمعيار نجاح المشاركة وربحها أو قيمة منفعة العمل كما تحددت بالنماء الحاصل في المشاركة ككل.

وهذا سيستدعي الاتفاق على نصيب المال ونصيب العمل من الربح، فإن قلنا نصيب المال من الربح هو ربح الفرصة المضاعة تحت ظروف إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة إلى أقل حد كالاجارة فنفترض شراء عقار بكل المال يكون عائده8% في السنة، فيكون عائد رأس المال أربعة وعشرين ألفا، وأجور مثل العاملين خمسة عشر ألفاً فيكون العائد عن العمل والمال إحدى وأربعين ألف نصيب المال منهم 61.5% ونصيب العمل 38.5% فإن ربحت مشاركتهم ثلاثين ألفاً كان ربح المال 18,461,5 وربح العمل11,538.5 فيكون للأول ثلث ربح المال وثلثا ربح العمل فيأخذ 13,077 وللثاني ثلثي ربح المال وثلث ربح العمل فيأخذ 16,923.

وإذا كانت في المال وضيعة تكون قيمة العمل معدومة، ويتحمل رأس المال الوضيعة بالحصص.

إذن… هناك طريقتان ولمقارنة النتائج… نعرض هذا الجدول:

 

الربح الحاصل

تقسيم الأرباح

مشــــــــاركـــة

على المـال والعمـل

الأول               الثاني

اجـــــــــــــــارة

على المـال والأجـور

الأول              الثاني

90,000

60,000

30,000

15,000

3000

(15,000)

39,231

26,154

13,077

6,538.5

1,308

(5,000)

50,769

33,846

16,923

8,461.5

1,692

(10,000)

34,000

24,000

14,000

9,000

5,000

(1,000)

56,000

36,000

16,000

6,000

(2,000)

(14,000)

         

وفي رأينا أن التوزيع الأول – مشاركة – يعدل بينهما في الربح والخسارة بنسب المال والعمل، فإن لم ينم المال لم تكن لعملهما قيمة فتقاسما الخسارة وفقاً لحصص المال، فلا يأخذ أحدهما من مال صاحبه. وتدخل عموم المنافع من منفعة العمل إلى منفعة الآلة والدار في حصة العمل بينما تبقى حصة المال وفق رؤوس المال.

وفي حالة ان اتخاذ القرار الذي يعول عليه نجاح الشركة أو فشلها يعود إلى أحدهما، فإما أن أجر المثل المقدر له سوف يعكس هذه القيمة أو أن يتفق له على معامل إضافة لتوفير حافز أكثر له.

وقد يقال إن الآلة تختلف عن الشخص لأن الآلة لا قدرة لها في زيادة الربح أو تقليله وإنماء يعود هذا إلى العامل، إلا أن الآلة لو دفعت أجرتها من المال يغرمها أصحاب المال إذا لم يكن ثمة ربح فإن قبل صاحبها أن يخاطر بأجرها استحق أكثر منه إذا وفر الربح. فهي في الحقيقة مال منفعة لا يصح أن تكون رأس مال لان رأس المال يجب إعادته وهذه تستهلك ولا تبقى إلا أن أثرها على الربح لا يختلف عن أثر المال فكانت مشاركة في الربح لا في رأس المال، عوضاً لصاحبها المخاطر بالأجر ولمصلحة الآخرين الذين لا يريدون أن يغرموا أجرها من مالهم.

وما سبق ليس مضاربة لعملهما معاً ولعدم توفر شرط التخلية – وإن كانت هناك تخلية بأن وكل كل منهما الآخر حق التصرف في المال – وإنما هو مشاركة ولا تتحقق المشاركة إلا بتحقق النماء عندما تكون لهذه المنافع قيمة لأنها تقاس بمعيار النماء. وليس في ما جاء شبهة ربا أو أكل مال بالباطل أو غرر أو جهالة أو غبن بأحدهما بل إنه تطبيق لمبدأ الغنم بالغرم.

وأهمية هذه المعاملات أنها تشجع الناس على التعاون والإستثمار بدون أن يتحمل أحدهما الخطر كله وحده إن جُبر أن يدفع أجر المثل لصاحبه سواء كسب أم لم يكسب.

وقد جاء في قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار- طبعة بولاق- القاهرة عام1299 هـ (جزء2ص258): ” وكذا في شركة البزاز حيث قال وإن لاحدهما ألف ولآخر ألفان واشتركا واشترطا العمل على صاحب الألف والربح انصافا جاز وكذا لو شرطا الربح والوضيعة على قدر المال والعمل من أحدهما بعينه جاز ولو شرطا العمل على صاحب الألفين والربح نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما اثلاثاً لأن ذا الألف شرط لنفسه بعض ربح الآخر بغير عمل ولا مال والربح إنما يستحق بالعمل أو المال أو بالضمان. لكن في مسئلة الشارح العمل على كل منهما لا على صاحب الأكثر فقط وهو صحيح سالم من الفساد كما سيصرح به. والحاصل أن المفهوم من كلامهم أن الأصل في الربح أن يكون على قدر المال كما قدمناه عن البحر إلا إذا كان لأحدهما عمل فيصح أن يكون أكثر ربحاً بمقابلة عمله وكذا لو كان العمل منهما يصح التفاوت أيضاً. تأمل قوله ثم يعقد شركة عنان وهي لا يلزمها أن يكون الربح فيها على قدر المال فلهما أن يتفقا على مناصفة الربح. قوله ثم يعمل المستقرض فقط أي بطيب نفس منه لا بشرط عليه لأن شرط الشركة أن يكون العمل عليهما كما قال على أن يعملا لكن الشرط إنما هو اشتراط العمل عليهما لا وجوده منهما، فإن العمل لايتأتى من اثنين فيصح أن ينفرد أحدهما به بعد أن شرط عليهما كما هو مقتضى عقد الشركة ويكون الربح بينهما على حسب الشرط لأن كلا منهما وكيل بما يعمله عن صاحبه فيقع شراء كل منهما بالأصالة عن نفس المباشر وبالوكالة عن شريكه لأن الشركة تتضمنها ويكون الربح على حسب الشرط كما تقدم في بابها“.

<< previous page next page >>

الباب السادس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل


الفصل الأول

نسب توزيع الربح

الاتفاق على حساب نسب توزيع الربح:

الشرط في المضاربة ان يتفقا عند عقدها على نصيب كل منهما من الربح، ولم يتطرق الفقهاء إلى تحديد هذه النسب فلم يكن هذا من المنطق الصحيح، واكُتفي بان يتم الاتفاق عليها بين المتعاقدين وفق رغبتهما، واعتبر ان شرط التراضي بينهما عند الاتفاق عليها سوف يؤدي إلى تحديد النسب العادلة، مثل ما يحدث في البيع والشراء؛ خاصة وأن  التسعير منهي عنه في الظروف الاعتيادية. فتتحدد هذه النسب وفق: العرف، والشروط، وظروف السوق وحجم العمل، والمال، وشهرة العامل، وغيرها من العوامل الكثيرة المتعددة التي تختلف من مضاربة إلى أخرى، ولهذا… كان الاتفاق عليها من الامور التي تعود إلى المتعاقدين.

جاء في فقه السنه (الجزء 3ص160):” روي عن أنس رضى الله عنه قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق- واني لأرجو أن القى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال“.

وقال الشوكانى: ”ان الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والأمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، واذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم والزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى: الا أن تكون تجارة عن تراض منكم“.

إلا أن المضاربة ليست كالبيع والشراء، فلا مبادلة فيها وإنما إجتماع واتحاد من أجل العمل والكسب، فهما إن ربحا يربحان سوياً، وإن لم يربحا لم يأخذ أحدهما من مال الآخر، فلا يظلم أحدهما الآخر.

وفي المضاربة في مجال التجارة… فإن هذه النسب يسهل على الناس الاتفاق عليها وفق ما جرت عليه العادة والتي امتدت منذ قرون بعيدة… إلا أن المضاربات في عصرنا هذا والتي نود الخروج بها من حدود مجال التجارة إلى مجالات الإستثمار الصناعي والعقاري والزراعي وغيرهم، تجعل من الأهمية دراسة هذا العقد لبيان العناصر العامة التي تتكون منها هذه النسب، كخطوط عامة من قبيل الإعانة لا للتحديد ولا للاشتراط، ويظل الاتفاق من الأمور التي تعود إلى المتعاقدين ولهما كامل الحرية والحق في أي نسب يختارونها.

والسبب الذي يدعو إلى وضع القواعد التي تحسب عليها هذه النسب، هي أنها تؤدي إلى استحقاق كل منهما لنصيبه من النماء الحاصل والمتولد عن المال والعمل، للمال نصيب وللعمل نصيب، ولا يجوز لصاحب المال أن يأخذ من نصيب العمل ولا يجوز العكس، ومتى تحددت هذه النسب بالاتفاق… حرص الفقهاء أشد الحرص على ألا ينال أحدهما مما ليس له فيه مال أو عمل؛ حتى لا يكون كسبه بغير عوض.

والغرر في هذه المعاملات هو ما يؤدي إلى كسب أحدهما أكثر على حساب نقصان كسب الآخر، وهذه الحصص في المضاربة بالاتفاق، إلا أنهما قد يتفقان على الثلاثة أرباع أو الربع، وتعود هذه إلى حاجة وإضطرار العامل، فكيف يكون عوض نفس عمله صحيحاً على ربع الربح، وصحيحاً على ثلاثة أرباعه وهو لنفس العمل ونفس الربح، فإن استغل رب المال حاجته فسوف يشعر بالظلم، وهذا مثل ما يؤدي إليه الغرر وأكل أموال الناس بالباطل.

وقد رأى الإمام مالك والزيدية وبعض الشافعية جواز التسعير في حالات الغلاء والإحتكار، ولسنا هنا بصدد تحديد نسب وإنما محاولة بيان العناصر التي على أساسها تقدر هذه النسب.

والمعاملة إن كانت من جنس المعاوضات كالأجرة- كما ذهب الأحناف والشافعية – يجب في المعاوضات تساوي العوضين، العمل المجهول والاجر المجهول، كأن يقول له: اعمل في مالي ولك الأجر نصف ما تكسب، وبالطبع هذه لا  تجوز على الإجارة، إلا أنها اجيزت على خلاف القياس لجهالة العمل ولجهالة الأجر.

فإن لم يعرفا… توجب على الأقل أن يكون الأجر متناسباً مع العمل؛ أي زيادة نفس نوع العمل ستوجب زيادة الأجر، وليس هذا ما يحدث في المضاربة لأن العمل الكثير ليس بالضرورة ما ينتج عنه الربح الكثير. بل وقد يعمل في أول تجارة فيربح، ثم يعمل في الثانية نفس ما عمل أول مرة فيخسر؛ ربما لتغير ظروف السوق، فيكون نفس العمل له أجر في مرة، وليس له أجر في الثانية.

وتختلف حقيقة المعاملة عن ذلك، فليس بينهما مبادلة أو معاوضة أو بيع أو شراء، وليس ربح أحدهما يقابله خسارة الآخر، وقد يقال ليس هذا بالضرورة ما يحدث في البيع والشراء وغيرهما من المعاوضات، فالبائع رابحاً لأنه قد استبدل سلعة لا يريدها لنفسه بنقوداً أو سلعة يحتاجها أكثر مما كان يحتاج ما تخلى عنه، وكذلك المشتري فيكون الربح موضوعاً نسبياً يعود إلى كل طرف فيكون كلاهما راضياً. ويحدث الربح الحقيقي في اكتمال دورة شراء ثم بيع؛ أي يشتري سلعة من شخص بنقود ثم يبيعها لشخص أخر لقاء نقود أكثر. وفي المعاوضة … يحدث تخلي عن مال أو منفعة لقاء مال أو لقاء منفعة أخرى، فيخرج المال عن ملك صاحبه لقاء امتلاك شيء أخر، أو يستفيد المستأجر بمنفعة العين التي استأجرها وضمن دفع أجرها.

وهذا لا يحدث في المشاركات؛ فالمال لا يخرج عن ملك صاحبه، فالأرض والشجر والمال يبقون على ملك أصحابهم في المزارعة والمساقاة والمضاربة، ورب المال ورب الأرض ورب الشجر لا يضمنون ولا يدفعون أجراً للعامل، والعمل حقيقى؛ فإن أصاب الزرع آفة كان العمل لا قيمة له، أما المعاوضة في هذه المشاركات فمع الأجنبي لا مع بعضهما، فلا يربح العامل من أصل المال، ولا يأخذ رب المال من العامل شيئاً لنفسه، وإنما يشتركان في ما يربحانه جميعاً  من المبادلة مع الغير.

وهذه المعاملة لا تجوز إجارة، ولهذا كانت استثناء على خلاف القياس، ولكن الشركة عقد مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وعرفها الأحناف أنها عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح. وهنا رأس المال من أحدهما فقط، ولكن شركة الأبدان ليست فيها رؤوس أموال، وقد أجازها المالكية والأحناف والحنابلة، وأبطلها الشافعية والظاهرية، وجاء فيما جاء- عمن أبطلها- أن الشركة تختص بالأموال لا بالأعمال؛ لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، ولنا أنها شركة أموال منافع، وتنضبط لا بقيم هذه المنافع المجهولة عند التعاقد وإنما بتفاضلها أو بتساويها، وكذلك المضاربة وغيرها من المشاركات، والمنافع مال وكل ما كان عوضه في عقد معاوضة تجارية مال فهو مال، والعمل منفعة بدن وهو مال.

فإن قلنا إن المضاربة شركة رأس المال فيها مال من أحدهما ومنفعة- وهي مال- من الأخر، نكون قد أخطأنا؛ لأن الخلط في رؤوس الأموال بين الأثمان والعروض والمنافع يؤدي إلى الغرر، بل وليست هذه حقيقة المضاربة.

يمكن تصور المضاربة مجازاً على أنها اجتماع خاصيتين مكملتين لبعضهما: الخاصية الأول هي القدرة على الإنماء؛ وهي ما تتميز بها قدرة العامل إذا اقترنت بمال، والخاصية الثانية هي القدرة على النماء وهي ما يتميز بها مال المالك إذا اقترن بعمل، ولا يحدث النماء إلا باجتماعهما.

وقدرة العامل إذا وجهت وجهة أخرى… كأن تؤجر؛ فإن لها قيمة مالية، والمال لو وجه إلى شراء عقار يؤجر للغير فله نماء مادي؛ إي إن هاتين القدرتين يمكن أن يكون لهما قيمة مستقبلية حقيقة، لو وجهتا إلى غير المضاربة، إلا أنهما معدوما القيمة في الحال، وبتوجههما إلى المضاربة…يُخاطر بإمكانية الحصول على هذه القيمة المستقبلية.

وهذه القيم التقديرية المستقبلية لا يشوبها تهمة الربا، فلا ضمان فيها، وقد تحدث وقد لا تحدث؛ فالغنم معه احتمال الغرم، وتتماثل هاتان القيمتان في أنهما يوجدان معا أو ينعدمان معا، وهما وإن كانتا مجهولتين وقت التعاقد، يغلب الظن بحدوثهما، وإلا فلا معنى للتعاقد، وهما يتحركان معا كثرة أو قلة أو ينعدمان بنفس الدرحة؛ لأنهما جزءان من شيء واحد: هو الفائض عن رأس المال.

ومحاولة تقدير هذه القيم يقصد بها تقدير نسب تفاضلهما، وليس قيمهما فهذا يستحيل؛ فلو افترضنا مشاركة بين مجهولين، ولتكن مشاركة من يدفع بعين تنمى بالعمل إلى من يعمل عليها كالتي قال بها الحنابلة… يمكن القول إن هذه مشاركة أعمال أو منافع؛ فإذا دفع الرجل دابة إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، فعمل الدابة فيما ستحمله مجهول وعمل العامل مجهول… إلا أنه يمكن القول إننا لو حددنا المدة بأسبوع فأجرة العامل كذا في الأسبوع وأجر الدابة كذا، فإن كانت أجرة العمل على مثل هذا العمل- لقاء فكره وعمله- ضعف أجر الدابة… يكون الرزق بينهما الثلثين للعامل والثلث للدابة، ويكون العامل قد خاطر بأجرته، والرجل قد خاطر بأجر دابته؛ فيطيب لهما ما يكسباه، وإن كثر عن الأجر المعتاد.

وفي المضاربة… يدفع الرجل ماله إلى العامل، والمال لا يعمل، كما أن الأرض لا تعمل في المزراعة… إلا أن للمال خاصية النماء وللأرض خاصية الإنبات، وهذه الخاصية تجعل للمال قيمة مضافة لو خوطر به فربح، ويمكن تقديرها بربح الفرصة المضاعة، وهي ليست مستحقة للمال إلا إذا خوطر به وتحقق النماء. ولأن المقصود من هذا التقدير هو المقارنة وليس القيمة لذاتها، قتحسب قيمة ربح الفرصه المضاعة في درجة مخاطرة مثل التي ستقدر فيها قيمة العمل، فإن قدرنا قيمة العمل بما يحصل عليه العامل كأجير مشترك من مثل العمل المتوقع أن يقوم به في المضاربة – وليس عليه ضمان إلا فيما يتلف بالتعدي – وقدرنا لهذا العمل مدة معينة… فإن نماء المال يحسب بافتراض شراء عقار، يؤجر لنفس المدة مع بقاء قيمة العين أو استهلاكها بدرجة لا يعتد بها فيعرف النماء الصافي خلال هذه المدة… فإن كان عائد المال ضعف عائد العمل، يكون تفاضلهما الثلثين للمال والثلث للعمل.

ولتوضيح هذا … نفترض مضاربة بعد انتهائها، وكان لكلا المتعاقدين نصف الربح منها، وقد عرف العمل وأجر المثل عن هذا العمل، وعرف الربح ونصيب كل منهما منه، فلو عدنا لتحليل النتائج كشركة رؤوس أموال، فإما أن نقول إن رأس المال هو المال، وأجر المثل، أو المال وقيمة العمل وهي نصيبة من الربح أو أقل، أو معادلة جديدة تعطينا نفس النتيجة التي حصلت بالفعل.

رأس مال رب المال                                            100.000

المال عند القسمة                                                120.000

ربح المضاربة                                                   20.000

نصيب رب المال                                                 10.000

نصيب العامل                                                     10.000

أجر مثل العامل                                                   8.000

لو قلنا إن رأس مال مشاركة المضاربة هو المال الذي دفعه رب المال وأجر مثل العامل، لكانت شركة بينهما بنسب المال والأجر، وكذلك لو أخذنا قيمة عمله بمعيار نصيب العامل من الربح، وهذا ليس ما اتفقنا عليه، ولو نظرنا إلى شركة الإبدان… لوجدنا أنهما تشاركا منفعة بدن هذا مع منفعة بدن هذا، فتكون هذه منفعة بدن هذا مع منفعة مال هذا، فإن افترضنا أن منفعة المال 8.000 ومنفعة بدن العامل تساوي ما يحصل عليه من نفس العمل؛ أي أجر المثل، فتكون8.000 أيضاً؛ صح اشتراكهما بالتساوي وكان رأس المال هو قيم المنافع. لكن هذه لا تنضبط ولهذا لم تكن لها قيمة وقت العقد وإنماء قيمتها مستقبلية، ولا تقصد القيمة لذاتها وإنماء تقصد لحساب تفاضلهما واحد على الآخر لحساب نسب المشاركة.

ولحساب هذه القيم المستقبليه… يجب وضع افتراضات متماثلة للمالين، وتحديد قيمهما وفق معاوضة في ظروف متساوية، ومدة المضاربة غير معروفة ولكنها واحدة للمالين، ولهذا… يمكن توحيد المدة في المعاوضتين ولنقل إنها عام واحد.

فإن افترضنا أن قيمة عمل العامل في هذه المدة لو استؤجر على هذا العمل هي أجر المثل، وكان أجر مثله في العام 8.000 تكون هذه هي قيمة منفعة بدنه في هذه المدة، وهو متى استؤجر على هذا العمل … فالأجر شبه مضمون إن قام به.

أما المال… فنحتاج إلى افتراض إستثماره في ظروف تقل فيها المخاطرة إلى أقل حد لتناسب ظروف أجر المثل التي قدرنا بها قيمة منفعة العامل، وهذا يكون في افتراض شراء عقار وتأجيره ويعتبر الأجر المتحصل خلال العام هو قيمة منفعة المال، بفرض أن العقار يباع بعدها بنفس ثمن المشترى وليست هناك تكلفة للصيانة فإن كان تحسب من الأجر. فإن كان الحاصل من العقار في العام 8.000 تكون هذه قيمة منفعة المال.

وتكون مشاركة منافع بينهما هذا بمنفعة ماله وهذا بمنفعة بدنه، وكلاهما له قيمة مستقبلية غير مضمونة وتتراوح بين الوجود والعدم، ولا تعنينا معرفة قيمتها المستقبليه وقت العقد طالما قد عرف التفاضل بينهما. أما قيمتها الحقيقة التي ترجع إلى هذا الإستثمار وهذه المخاطرة… فلا تتحدد إلا عند حصول الربح، فإن كان ربح تحددت قيمة منفعة بدن العامل فكانت له، وتحددت قيمة منفعة المال فكانت لرب المال، فإن لم يكن ربح فهذه المنافع ليست لها قيمة. وإن كانت خسارة في المال فعلى ربه لأن ما شارك به هو منفعة هذا المال ولا تجوز منفعة المال دون المخاطرة به.

وقد يقال كيف نقول إن لعمل العامل قيمة حددناها بأجر المثل، ثم نقول ليست لها قيمة إذا لم يتحقق الربح، أولاً هذه القيمة التي حددناها كانت بغرض المقارنة مع منفعة المال وفي ظروف تختلف عن ظروف عمله في المضاربة، والمجهولة عند التعاقد ولا ينكر أحد أن لعمله قيمة إلا أنها مجهولة يخاطر بها لقاء الأكثر فتقاس بمعيار النماء كجزء منه فقياس قيمة عمله في المضاربة هو بأثر هذا العمل على الربح، فإن كان الربح وفيراً فقد استحق أكثر من أجر المثل عن نفس العمل الذي قام به في هذه المضاربة إلا أنه لمخاطرته بهذا الأجر – وهي درجة مخاطرة غير ما مثلنا بها سابقاً – استحق الأكثر للمخاطرة. وبالطبع فإن  الحافز لديه في المضاربة غير ذاك في الإجارة.

ورب المال منفعة ماله ليست لها قيمة إلا بالمخاطرة بالمال، وهي في عقد المضاربة تختلف عن تلك التي قارنا بها؛ فمنفعة ماله كانت مقدرة بقصد المقارنة لا التقييم في إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة عنها في المضاربة، وهو هنا يقصد الأكثر وليستحق هذا وجب عليه تعريض أصل ماله للمخاطرة حتى يطيب له أكثر من هذه المنفعة، بل وحتى تطيب له هذه المنفعة أو أقل منها؛ فهي ليست حقاً مضموناً له وإنما تكون له إذا تعرض ماله للمخاطرة وربح. ولهذا كان عليه المخاطرة بأصل المال ليستحق منفعة المال الأكثر والتي يأمل في حدوثها، والتي تقاس مثل عمل العامل بمعيار النماء.

ولهذا … فمتى تحدد تساويهما أو تفاضلهما وعقد عليه فلا حاجة لنا بالأسس التي بني عليها هذا التفاضل فهذا عقد يختلف في العمل والمخاطرة.

وقد يقال إن ما يقدمه العامل للمضاربة يفوق ما يقدمه كأجير، فالعمل جزء من قدراته وليس كلها، فمنه الفكر والقرارات التي لها تأثير كبير على النتائج، ويختلف العمال في مهارتهم ومواهبهم وخبراتهم ونتائج أعمالهم السابقة. وهذا كله سوف ينعكس على أجر المثل المقدر له، فيكون أجر المثل معبراً عن قدراته الفكرية والبدنية. ويقابل هذا أن المال مخاطر به أكثر مما كان لو استثمر في شراء عقار لإجارته، والمال معرض للنقص إذا كان ثمة خسارة، وهذا الاحتمال هو ما يحلل لرب المال ربحه، فخسارته ليست محدودة بخسارة النماء.

فإن كانت المشاركة بين القدرة على الأنماء- العمل- وبين القدرة على النماء- المال- واستحقاق رب المال نماء ماله لأنه تابع لملكه، يكون المال لصاحبه وغير مشارك به وإنما مخاطر به على أمل النماء، فتكون المضاربة مشاركة بين مجهولين وقت التعاقد، يغلب الظن أن لهما قيما مستقبلية- ومخاطر بها، ولا يمكن حساب مقدارهما الحقيقي ولكن يمكن حساب تفاضلهما أو تساويهما، وكلاهما يخاطر هذا بماله وبقدرة هذا المال على النماء وذلك بقدراته من فكر وعمل، ولهذا… جاز لهما الكسب بأكثر مما خاطرا به، فرب المال والعامل يتوقعان أن تعود عليهما المضاربة بأكثر من عائدي الإجارة والأجر، ولقاء هذا العائد الوفير قبلا باحتمال الخسارة.

وليس في هذه التقديرات غرر فلا تجوز بسببه، فإنها أقرب ما يمكن إلى الحقيقة، والغرر يكون في جهالة نصيب أحدهما من الفائض أو جهالة الفائض وليس هذا هو الحال هنا، وتوزيع نسب الفائض أو الربح يكون عادة بالاتفاق كالنصف والثلث والربح وهذه تقديرات تعود إلى المتعاقدين ولم يشترط فيهما الدقة وإنما اشترط الاتفاق والتحديد.

وإذا لم يتحقق ربح تكون قيمة العمل معدومة ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كانت فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان الذي كان سيحلل له النماء لو كان قد تحقق.

ويجب تكرار التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيمة بمعيار هذا النماء – وهذا العمل – ونماء المال الصافي للمال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال وهو ما نسميه الربح أيضاً، أو قد يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال في هذا البحث على المعنيين ويرد إلى احد المعنيين وفق موضعه ووفق المعنى المقصود في النص.

ويمكن القول أن المشاركة هي عقد، الغاية المقصودة منه استبدال منافع بأثمان، كما هي الشركة يدفع المال والعمل فيها فإن كان ربح كان لقاء منفعة المال ومنفعة العمل، وكما هو البيع استبدال عروض بأثمان، والاجارة استبدال منافع بأثمان، تكون المشاركة استبدال منفعة مال ومنفعة عمل بأثمان والفرق بين المشاركة والبيع أن المشاركة تكون بين طرفين لا تتم المبادلة بينهما عند التعاقد وإنما تتم المبادلة بينهما أو بين من تولى الأمر منهما وبين أطراف أجنبية عن العقد وفق عقد أخر ينعقد فيما بعد، وهذا العقد الآخر مجهول وقت التعاقد. أما في البيع يتم الاتفاق على المبادلة بين طرفي العقد في نفس الوقت ويكون الاختلاف في التسليم والتقابض كما في السلم والبيع المؤجل والاجارة.

ولو نظرنا إلى ما جاء عن الفقهاء في هذه الشركات أو المشاركات التي تعلقت بمنافع نجد أنها وردت عند أغلبهم وسنقتصر في دراستنا على ما جاء في كتاب المغني لابن قدامة وفي كتاب مفتاح الكرامة وفي المدونة وفي مجموع فتاوي ابن تيمية.

<< previous page next page >>

الفصل السابع – القسمة وتوزيع الربح

لا يستحق الربح إلا بعد ان يسلم رأس المال إلى صاحبه، فلا يكون ربح إلا بعد كمال رأس المال وما تبقى من المال بعد إعادة رأس المال يكون ربح المضاربة فيقسمانه على الشرط الذي اتفقا عليه.

ومن الأمور المهمة في المضاربة هو متى يملك ومتى يستحق أو يأخذ العامل نصيبه من الربح، والملك يقصد به هنا هو الملك الذي يعطي لصاحبه  الحق في المال ونمائه ولا يعطيه الحق في التصرف به خارج نطاق المضاربة، أي أن المال ماله الا أن تصرفه فيه مقيد بشروط عقد المضاربة فلا يجوز له أخذه من مال المضاربة إلا بعد القسمة، والاستحقاق هو الملك التام الذي يمنحه الحق في أخذ المال والتصرف فيه كما يشاء. والسؤال هو هل يملك المال بالظهور أم بالقسمة وتسليم رأس المال إلى صاحبه؟

قال ابن رشد (جزء 2 ص 237): ”ولا خلاص بينهم ان المقارض انما يأخذ حظه من الربح بعد أن ينض جميع رأس المال وانه ان خسر ثم اتجر ثم ربح جبر الخسران من الربح“.

ويقول ابن حزم في المحلى (جزء 8 ص 248): ”وما ربح ربحاه فلهما أن يتقاسماه. فإن لم يفعلا وتركا الأمر بحسبه ثم خسر في المال فلا ربح للعامل، وأما اذا اقتسما الربح فقد ملك كل واحد منهما ما صار له فلا يسقط ملكه عنه، لأنهما على هذا تعاملا وعلى أن يكون لكل واحد منهما حظ من الربح فإذا اقتسماه فهو عقدهما المتفق على جوازه، فإن لم يقتسماه فقد تطوعا بترك حقهما وذلك مباح“.

ويقول ابن قدامة (جزء 5 ص 41): ”وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال، يعني أنه لا يستحق أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسران وربح جبرت الوضيعة من الربح، وسواء كان الخسران والربح في مرة واحدة أو الخسران في صفقه والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى، لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح“.

وقد اتفق الفقهاء في كل المذاهب أن الخسارة في المال بعد تصرف العامل فيه تجبر بربح ما بعدها، إلا أن ينضض المال ويعاد ما بقى منه إلى صاحبه، فإن دفعه إلى العامل… كانت مضاربة جديدة لا يجبر ربحها خسارة السابقة. أما إذا كان التلف قد أصاب بعض المال قبل أن يتصرف العامل فيه… فإن المضاربة تفسد عند بعض الفقهاء في الجزء الذي هلك فقط، وتصح فيما سلم وبقى من رأس المال، فلا يجبر ربحه ما تلف قبل التصرف. وقال المالكية- وفي رأي عند الشافعية والإمامية- إن الربح يجبر ما تلف، إلا إذا أعاد العامل الباقي إلى رب المال فدفعه إليه رب المال مضاربة جديدة.

وقد قالت الحنابلة والزيدية والإمامية والشافعية في رأي لهم، إن العامل يملك حصته من الربح بمجرد ظهوره قبل القسمة، وقالت المالكية والأحناف والشافعية في الرأي الأظهر عندهم، وفي رأي ثان عند الإمامية إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة، وبعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، وللإمامية رأي ثالث… يقولون فيه إن العامل يملك حصته من الربح عند إنضاض المال.

ومنع الأحناف والمالكية، وفي الرأي الأظهر عند الشافعية أن يأخذ أحد المتعاقدين شيئاً من الربح قبل القسمة، قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالا قراضا فعمل فيه فربح، فأراد أن يأخذ حصته من الربح وصاحب المال غائب، قال: لا ينبغي له أن يأخذ منه شيئاً إلا بحضرة صاحب المال؛ وإن أخذ شيئاً… فهو له ضامن حتى يتحاسبا ويتفاصلا والمال غائب عنهما، حتى يحضر المال فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على شرطهما.

واتفق الفقهاء أن العامل لو أخذ نصيبه من الربح بعد القسمة بإذن رب المال والمضاربة مازالت بحالها، وحدث بعد ذلك خسر في المال لزمه رد ما أخذ من ربح؛ أي إن القسمة ليست انتهاء مضاربة وبدء مضاربة جديدة، ولا يكون هذا إلا برد المال إلى ربه واقتسام الربح بينهما وقبضه فتنتهي المضاربة. بينما قال الزيدية والظاهرية إن القسمة مانعة من استرداد الربح، وقالت الأحناف والمالكية بعدم جواز أخذ أحدهما شيئاً من الربح قبل القسمة وسلامة رأس المال.

مما سبق… نجد أن الصورة العامة لما تتفق عليه المذاهب هي كما يلي(والمذاهب التي أجازت ملك العامل للربح عند ظهوره تجيز بالطبع ذلك عند القسمة):

1- يجبر الربح خسارة ما سبقه، وتنجبر الخسارة من ربح ما سبقها، ما دامت المضاربة مستمرة ولم يقتسما المال، إلا أن تكون الخسارة قبل التصرف لسبب قاهري خارج عن إرادة العامل.

2- إن الربح لا يجب اعتبار تقديره والمال عروض، ولا يعرف إلا عندما يكون المال ناضا، فإذا أصبح المال ناضا وظهر فيه ربح، فإما أن يعاد رأس المال إلى ربه ويقتسمان الربح بينهما فيأخذ كل منهما نصيبه من الربح  وتنتهي المضاربة، أو أن يستمر العامل في المضاربة فيشتري ويبيع… فإن خسر يجبر ربح البيع الأول خسارة البيع الثاني.

وإن أصبح المال ناضا وظهرت فيه وضيعة، فإما أن يعيد العامل ما بقى من مال إلى ربه وتنتهي المضاربة، وإما أن يستمر العامل في المضاربة… فإن ربح جبر ربح التجارة الثانية خسارة الأولى.

3- يمتلك العامل ورب المال نصيبهما من الربح عند القسمة ورد رأس المال.

4- إذا أخذ العامل جزءاً من ربحه قبل القسمة وإن إذن له رب المال… كان هذا المال الذي أخذه بمثابة دين في ذمته وكان ضامنا له، حتى تتم القسمة ويرد رأس المال إلى صاحبه… فإن كان نصيبه من الربح أقل مما أخذ… فعليه أن يرد الفرق، وإن أصابت رأس المال وضعية رد كل ما أخذه.

5- إن المضاربة التي يتاجر فيها العامل عدة مرات, تعتبر مضاربة واحدة يجبر ربح تجارة فيها خسارة الأخرى.

6- تختلف النتيجة كليةًً إذا أعاد المضارب المال- سواء كان فيه ربح
أو خسارة- بعد كل تجارة وعند كل نضوض للمال فاقتسم مع رب المال, ثم دفع رب المال المال إليه قراض جديد ليتجر به, لا تنجبر خسارة تجارة بربح أخر، فيكون للعامل نصيبه من ربح كل المضاربات التي ربحت، ولا شيء عليه من وضيعة المضاربات التي خسرت.

ولو أخذنا بما سبق … نجد أن مصلحة العامل في إجراء القسمة لإنهاء كل مضاربة سواء كان فيها ربح أو خسارة، ومصلحة رب المال في الاستمرار إلى أن يحتاج المال، وللعامل حق إنهاء المضاربة كلما نض المال، فما الذي يدعوه إلى الاستمرار؟ قد يكون السبب خوف العامل ألا يدفع إليه رب المال المال مرة أخرى, فيستمر في العمل آملاً في تحقيق الربح إن كان خسر أول مرة أو زيادته لعدم ظنه الخسارة في التجارة الثانية. لكن رب المال له نفس الحق في إنهاء المضاربة وعند المالكية متى نض المال، وهو لن ينه المضاربة إن كان ينوي الاستمرار، فمصلحته أن يبقي كل الربح لتعويض ما قد يحدث في المستقبل من خسارة، ولا يعني هذا ظنه الخسارة لأنه إن ظن هذا… فلن يترك المال في يد المضارب، وإنماء لكون الربح الأول بمثابة عامل أمان ووقاية لرأس المال ومقصده… لم يزل في تحقيق الربح.

ورأى الحنابلة والإمامية وغيرهم أن العامل يملك الربح عند ظهوره أو عند إنضاض المال، والأغلب أن الحنابلة قصدوا بالظهور ظهوره عند إنضاض المال؛ لأنه إن لم ينض المال يكون الربح تقديراً جزافياً وهذا لا يعتد به لما يكتنفه من جهالة، هذا الرأي قد لا يتعارض مع الآراء الأخرى إن قصد غيرهم استحقاقه بمعنى أخذه من المال وهذا لا يحق له إلا بعد القسمة وإعادة رأس المال إلى صاحبه.

يقول ابن قدامة في المغني * (جزء 5 ص 57): ”لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح ولا نعلم في هذا خلافا، وأما ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرد الظهور قبل القسمة فظاهر المذهب أنه يثبت. هذا الذي ذكره القاضي مذهباً، وبه قال أبو حنيفة. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يملكه إلا بالقسمة، وهذا مذهب مالك. وللشافعي قولان كالمذهبين. واحتج من لم يملكه بأنه لو ملكه لاختص بربحه، ولوجب أن يكون شريكاً لرب المال كشريكي العنان“.

والربح مال حقيقي وقد جد فعلاً بعد التجارة الأولى، وهو مال يجب أن يكون له صاحب، والمضاربة هي عقد مشاركة في النماء، ومتى تحقق النماء … تحققت المشاركة فأصبح النماء مملوكاً بالشرط. أما استحقاق العامل حق التصرف فيه فيكون وفق شروط العقد، وهو بعد تسليم رأس المال إلى صاحبه، أما إذا قلنا أن المال مال المضاربة، وشركة المضاربة بشخصيتها الاعتبارية تملكه حتى تنفسخ أو تنتهي… لوجب إعادة صياغة أحكامها؛ لأنها مبنية على أن المال ملك رب المال، وأن العامل وكيل عنه في التصرف، فإن تحقق ربح فهي مشاركة في الربح، وهذا ما يجب أن يكون لطبيعتها الخاصة ولا يصح تغييره، وقال الحنابلة في المغني* (جزء 5 ص 57): ”أن هذا الربح مملوك فلا بد له من مالك، ورب المال لايملكه اتفاقاً، ولا تثبت أحكام الملك في حقه، فلزم أن يملكه للمضارب، ولأنه يملك المطالبة بالقسمة فكان مالكاً كأحد شريكي العنان. ولا يمنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب رأس المال من الربح، وبهذا امتنع اختصاصه بربحه. ولأنه لو أختص بربح نصيبه لاستحق من الربح أكثر مما شرط له ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه“.

جاء في كتاب الأم – المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، الطبعة الأولى 1321هـ (جزء 2 ص 235): ”قال الشافعي رحمه الله لا يجوز أن أقارضك بالشيء جزافا لا أعرفه ولا تعرفه. فلما كان هكذا، لم يجز أن أقارضك إلى مدة من المدد وذلك أني لو دفعت إليك ألف درهم على أن تعمل بها سنة، فبعت بها وأشتريت في شهر بيعا فربحت ألف درهم، ثم اشتريت بها كنت قد اشتريت بمالي ومالك غير مفرق، ولعلي لا أرضى بشركتك فيه، واشتريت برأس مال لي لا أعرفه، لعلي لو نض لي لم آمنك عليه أو لا أريد أن يغيب عني كله“.

فإن سلمنا بأن نصيب العامل من الربح مملوك له، وليس لأحد غيره ملك فيه، فإن له حقاً في نماء هذا المال إذا نما، فإن عمل بعد ذلك… كان هذا الجزء من المال منه والعمل منه، فكان له كل ربحه وعليه كل خسارته، فإن لم يكن له ذلك، فلمن يكون ورب المال لا مال له فيه ولا عمل؟ وقد يقال إن رب المال لن يصيب منه شيء أبداً، لأنه في حال الربح سيأخذه العامل، وفي حالة الخسارة … سيأخذ رب المال رأس ماله منقوصاً. وهذا ليس صحيحاً في حالة الربح؛ لأن الشرط في المضاربة التي عقداها أن العامل نصيبه من نسبة الربح العائدة إلى العمل، ورب المال يأخذ نسبة الربح العائدة إلى كل المال؛ فتشمل الجزء المخصص للمال من نماء الربح السابق للعامل، فيأخذ رب المال ما لا حق له فيه.

وبالطبع … لو اشترى العامل سلعة بنصف المال، وسلعة أخرى بنصف المال الثاني، تنجبر خسارة الأولى بربح الثانية، ولا حق أو ملك في ربح الأولى لأن المال لم يصبح كله ناضاً بعد، وكذلك لو أخر الثانية فاشترى بها بعد تنضيض الأولى وكذا؛ أي إن المال كله لم ينضض في وقت واحد، فنضوض كل المال شرط من شروط معرفة الربح، وهو لا يملك الربح إلا بظهوره ناضاً ومنفصلاً عن رأس المال.

فإن نض كل المال وظهر فيه ربح… فيمكن للعامل أن يقوم بإعلام رب المال باجتماعهما أو بالكتابة إليه بذلك، بحضور المال ل أو بحضور ما يفيد وجوده كوديعة في بنك وخلافه، فيقتسمان وإن اختارا استمرا وكان حكم الاستمرار حكم مضاربة جديدة… فإن أبقيا المال كما كان، يكون العامل شريكاً بربحه السابق ومشاركاً بعمله، وإن وزعا الربح فلرب المال أن يدفع رأس مال جديد إلى العامل في مضاربة جديدة، وللعامل أن يشارك في رأس مالها إن أراد ذلك دون شرط عليه.

جاء في كتاب الأم (جزء 2 ص 237): ”المحاسبة في القراض: قال الشافعي رحمه الله: وهذا كله كما قال مالك إلا قوله يحضر المال حتى يحاسبه فإن كان صادقا فلا يضره يحضر المال أو لا يحضره“.

ولا يوجد سبب يوجب عليهما- إن كان ما رغبا فيه هو مضاربة  جديدة – أن يتم تحويل المال من البنك إلى رب المال ثم إعادة تحويله مرة أخرى من حساب رب المال إلى العامل، وهذه تكاليف لا داع لها والعقود بالنيات والمقاصد، وطالما أنه ليست هناك شبهة في عدم وجود المال وأظهرته المستندات الثبوتية البنكية، وطالما أن الحساب النهائي والقسمة تم تثبيتها كتابياً، ثم عقدت المضاربة الثانية وفق الشروط الصحيحة، ولم يتخلل القسمة أو الحساب أو الاتفاق جهالة أو غرر أو ما قد يوشبها… فالأولى الاعتبار بها وإن لم يتم التسليم باليد، فهو قد تم حقيقة بالاتفاق والكتابة.

أما إذا وجد المضارب الخير في الاستمرار لعدم قدرته الاتصال برب المال، أو لأي سبب وجيه آخر يمنعه من ذلك… فله أن يستمر في المضاربة؛ فإن فعل تنجبر خسارة تجارة من ربح غيرها… إلا أنه يجب التنويه هنا أن من العدل اشتراط أن يعلم المضارب رب المال كلما نض المال إذا تيسر ذلك؛ وخاصة وإن المالكية قد قالوا إن العقد ملزم إذا كان المال عروضاً؛ فرب المال له حق في المال وقد يحتاجه، أو قد يعجل العامل بشراء العروض؛ ليبقى المال في يده إن هو خسر في أول تجارة. وإن كان العقد غير ملزم عند جمهور… إلا أن فسخه أصعب والمال عروض عن فسخه وهو ناض.

وموضع توزيع الأرباح بصورة دورية له بالغ الأهمية عند البنوك الإسلامية، لأهميته في إرضاء المودعين ولما جرت عليه العادة في هذا الزمان، والمودع وهو رب المال قد يحتاج الربح ولكنه يرغب في إعادة إستثمار ماله، والعامل من مصلحته إنهاء المضاربة عند كل إنضاض لحفظ حقه في الربح… إلا أنه يرغب أيضاً في الاستمرار، ومن طبيعة البنوك أنها تحبذ توزيع أرباح دورية لتجذب مودعين جدداً، ومتى اتفقت وصلحت النيات، يمكن الاتفاق بينهم- والمال ناضا في حساب البنك- على القسمة وبدء مضاربة جديدة، دون الرجوع إلى الشكليات كتسليم المال إلى المودع؛ لأن المال في الحساب البنكي هو أصلاً ملك المودع والبنك  وكيلا عنه في التصرف.

ولا يجوز بأي حال توزيع أرباح مضاربة  على المودعين أو العامل والمال أو بعض المال عروض، لما سيكتنف هذه التقديرات من جهالة ولأن الربح قد تعقبه خسارة… فإن أراد البنك توزيع أرباح تقديرية دورية إلى أرباب الأموال، فإما أن يكون هذا المال الموزع من احتياطي البنك كقرض من البنك يُسترد عند إعادة رأس المال، أو من رأس المال لأن رب المال له أن يسترد جزءاً من رأس المال برضى العامل في الرأي الأظهر، فينقص رأس مال المضاربة بهذا القدر، ولا يعاد إلا المتبقي منه عند إنضاض المشروع والقسمة، فيحتسب الربح بما يتبقى من مال المضاربة بعد إعادة رأس المال المنقوص. ولا يجوز توزيع أرباحاً تقديرية إلى البنك أو العامل؛ لأن لا مال لهما لأخذ ما دفع لهم إذا خسرت المضاربة في النهاية، ولأن المال الذي أخذاه ينقص رأس المال المضارب به وتقدير الربح لا يمكن الاعتبار به وبعض المال عروض.

وقد ذهب البعض- في عصرنا هذا- إلى الأخذ بتقدير الربح في الاستثمار الجماعي، ونحن إن كنا نتفق معهم في هذا فيما يتعلق برب المال، إما: بانقاص ماله أو بتضمينه لما أخذ والأصح إنقاص ماله، نجد أن تطبيقه فيما يتعلق بالمضارب لا يصح ولو بضمان منه برده إن كان في المال وضيعة فيما بعد؛ لأن المال يكون قد نقص فتقل التجارة ويقل الربح عما كان يجب أن يكون، إلا بالأذن الصريح من رب المال ويكون قرضاً للمضارب؛ فرب المال وحده له حق انقاص المال.

وأخيراً … تجدر الإشارة هنا إلى مسألتين لهما علاقة بهذا الموضوع، الأولى: أن الفقهاء قد منعوا خلط الأموال بعد بدء العمل؛ خاصة إذا اشترط رب المال هذا الخلط، حتى لا تنجبر خسارة مال من ربح الآخر فيصيب العامل ضرراً من جراء ذلك، وهذا مثل ما يحدث في المضاربات التي تتعدد فيها التجارة والأسفار دون قسمة.

والثانية: إن المضاربة منذ العصر الجاهلي حتى القرن الماضي، والتي تعلقت بسفر، مثل مضاربات قوافل الشام واليمن في الجاهلية والعصر الإسلامي ألاول… كان التاجر يأخذ المال في مكة؛ فيشتري بضاعة يتجه بها إلى الشام فيبيعها وينضض المال، فيستحيل عليه أن يقتسم وصاحبه في مكه، فيشتري بضاعة من الشام يحملها إلى مكة فيبيعها فينضض المال ثم يذهب إلى صاحبه فيعيد له رأس ماله، ويقتسمان الربح على شرطهما. وهو إن ربح في تجارة الذهاب، وخسر في تجارة الإياب جبر ربحه الأول الخسارة التالية، فليس هناك سبيل آخر للقسمة إلا أن تكون كلمة المضارب مصدقة، وهذا قد يؤدي إلى النزاع والخصام، وقد يستغله بعض النفوس الضعيفة من أصحاب العمل، ولو نظرنا إلى المصلحة العامة… لوجدنا أن اعتبارها مضاربة واحدة هو الصحيح في هذه الظروف، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء، فالمصلحة تفوق احتمال الضرر والذي قد يندر حدوثه لما سبق ذكره عن ربح هذه المضاربات شبه المؤكد، وفي حالة الربح… فإن الفرق متناه في الصغر ولا يعتد به إذا كان في تجارتين أو ثلاث.

أما… وقد تيسر الاتصال الهاتفي والبرقي وقربت المسافات بوسائل السفر الحديثة، فلا سبب يدعو لعدم حساب كل تجارة على حدة، إذا كان هذا ما يرغبه العامل عند كل إنضاض، ولم يمنعه أحد من الفقهاء عن هذا وإنما اشترطوا عليه أن يعيد رأس المال أو ما تبقى منه.

والمقصود من إعادة رأس المال في الأغلب، هو التأكد من وجوده، وإعطاء رب المال كامل الحرية في أخذه أو دفعه مرة أخرى إلى العامل في مضاربة جديدة، وربما بشروط جديدة أيضاً، وهذا يمكن إثباته فالمال الناض سيكون في حساب البنك.

جاء في المغني لابن قدامة * (جزء 5 ص 61 – 62): ”قال يقاسمه ما فوق الألف، يعني إذا كانت الألف ناضة حاضرة إن شاء صاحبها قبضها، فهذا الحساب الذي كالقبض. فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية. كما لو قبضها منه ثم ردها إليه“.

ورب المال متى أُعلم بنضوض المال له أن يعزل العامل أو يتفق معه من جديد. وهذا يمكن في المضاربة الثنائية أو الثلاثية، أما المضاربة التي يكون فيها أرباب المال هو مودعو البنك… فسيتصل العامل بالبنك ثم على البنك أن يتصل بعدد كبير من مودعيه، وهذا غير عملي، ولهذا… يتوجب على البنك أن يحصل على هذا التفويض عند العقد معهم؛ فيصنفهم وفقاً لأقل المدد التي يرغبون فيها استثمار أموالهم بناء على حاجتهم المستقبلية لها، فيجمع كل من استثمر لمدة واحدة في مضاربة واحدة، ويجب التنويه أن العقد غير ملزم ولهم فسخ المضاربة في أي وقت، إلا لو أخذنا برأي المالكية.

ولو قلنا إن اجتماع المودعين كرب مال المضاربة هو – في الحقيقة – شركة الغرض منها توظيف المال في المضاربة؛ إن المودعين يمكن أن يعقدوا شركة بينهم يكون البنك شريكاً فيها بسهم من رأس مالها، ويكون له التصرف والإدارة لقاء نصيب من الربح، فيدفع المال مضاربة إلى العامل ويكون تصرفه في المضاربة تصرف رب المال، وتكون هذه الشركة- والممثلة بالبنك- هي رب مال المضاربة وليس المودعين. وقد كره المالكية اجتماع شركة مع المضاربة بينما أجازها غيرهم من الفقهاء، جاء في المدونة (جزء 4 ص 58): ”وقال مالك لا يصلح أن يقول: أقارضك بألف على أن تخرج من عندك ألف درهم أو أقل أو أكثر على أن تخلطهما بألفي هذه تعمل بها جميعاً، فكره مالك هذا“. وقد علل المالكية ذلك بأن الشراء يكون أكثر، فيزداد الربح والفضل، فيصير رب المال الذي دفع المال قراضا قد جر إلى نفسه منفعة غيره، ونرى فيه اشتراط من قبل رب المال تفسد معه المضاربة.

وهذا يدور بين رب مال وعامل، ومنفعة الشراء الأكثر تعود على المالين، وفيه اشتراط من رب المال على العامل الذي رخصت المضاربة معه لعمله لا لماله. ولم يمانع الأحناف والشافعية والحنابلة اجتماع الشركة والمضاربة في عقد واحد، وقصدوا بذلك في الأغلب أن يكون المال من رب المال ومن المضارب، أو بين أرباب مال.

إلا أن الشركة هذه قد تعطي البنك تفويضاً أكثر مما تحتمله طبيعة علاقة المودع بالبنك، ويتم التعاقد بين أطراف الشركة باجتماعهم وهذا لا يحدث هنا، ولهذا… فالحل الوسط المناسب يكمن في الاكتفاء بتفويض البنك بالدخول في مضاربات متعددة متتالية، ويشمل التفويض تصرف البنك بإنهاء المضاربة والبدء بمضاربة أخرى جديدة، ومتى تم هذا يمكن للبنك توزيع أرباح المضاربة الأولى على مودعيه أو دفعها مع رأس المال كرأس مال جديد في المضاربة الجديدة، وهذا يتوقف على اتفاق البنك مع المودع في عقد الإيداع الأصلي.

أما عن عادة البنوك توزيع أرباح دورية بمعدل ربح واحد إلى كل مودعيها … فهذا يتنافى مع مفهوم المضاربة… فإن كان لابد منه… فيكون إنقاصاً للمال؛ حتى يثبت الربح ويتحقق بالتنضيض، وتوزيع معدل ربح واحد لكل مودعيه يعني بالضرورة أن هذه الأموال قد استثمرت في نفس المضاربات، وهذا لا يصح إلا لو كان الإيداع في وقت واحد، وهذا لا يقبله المنطق السليم، ولهذا… يجب أن يكون توزيع الربح عند انتهاء المضاربة ووفقاً لنصيب أرباب المال من المضاربات التي وزع عليها البنك أموالهم وليس من معدل نتائج استثمارات البنك ككل. فإن نتج عن هذا أن ربح بعضهم أكثر من بعض… فهذه هي المضاربة، ولا يصح تكييفها لإرضاء الناس، وعلى البنك أن يصدر كشف حساب بنكي لكل مودع يظهر فيه حسابه في صورة تبين أسماء المشروعات التي دفع ماله مضاربة فيها ونسبة ماله إلى رأس مال كل مضاربة، والتاريخ الذي دفع بالمال إليها، ونسبة نصيب رب المال من ربح كل مضاربة، فإن انتهت إحدى هذه المضاربات… بين في الكشف الذي يلي تاريخ انتهائها والربح الذي تحقق ونصيبه منها. ويجب إعلام المودع  صفة ما يوزع عليه بصورة دورية؛ فيبين الربح الذي تحقق فعلاً من الجزء الذي أُنقصَ به رأس ماله.

النماء الطبيعي والربح في المضاربة:

قال الظاهرية وكثير من غيرهم من الفقهاء إن النماء الذي يشارك فيه بين رب المال والعامل هو النماء الناتج عن العمل في المال، أما النماء الطبيعي فهو تبع للملك وهذا للمالك، كولد الماشية وثمر الشجر؛ لأنه شيء حدث في ماله، وإنما للعامل من حظه من الربح فقط، ولا يسمى ربحاً إلا ما نمى بالعمل فقط.

<< previous page next page >>

الفصل السادس – تصرفات رب المال في مال المضاربة

1- استرداده جزءاً من رأس المال:

اذا استرد رب المال جزءاً من رأس ماله… يكون الجزء المسترد من المال قد انفسخت فيه المضاربة، والباقي من المال هو رأس مالها؛ فإن كان في المضاربة ربح أو خسارة، فيوزع الربح والخسارة على القسم المسترد وعلى ما تبقى من المال. ولا يجبر ربح المسترد خسارة ما بقي من المال في يد العامل، ولا تنجبر خسارة المسترد من ربح ما بقى في يد العامل لمفارقته إياه.

وفرق الأحناف بين أن يكون مال المضاربة نقداً أو عروضاً، فقالوا إن رب المال ان كان استرد مال المضاربة بدون رضى العامل، وهو مازال نقداً ولم يتصرف فيه العامل فإن المضاربة تبطل، والربح كله لرب المال اذا عمل فيه رب المال بعد ذلك وربح، لأنه عمله ليس من قبيل الإعانة لعدم رضى العامل. اما لو استرد المال بعد أن أصبح عروضاً، فباع وربح، كان الربح بينهما على ما شرطا، وكان عمل رب المال من قبيل الاعانة للمضارب فلا تنقض المضاربة هنا لأن رب المال لا يملك نقضها لأن العامل عمل وترتب له حقوق بموجبها, (انظر المبسوط جزء22 ص85)

وعليه… فإن رأس مال المضاربة قابل للإنقاص، أي إن لرب المال أن يأخذ جزءاً من رأس المال تنفسخ فيه المضاربة، فيه ربحه ومنه خسارته، وتستمر المضاربة بعد ذلك دون حاجة لعقد مضاربة جديدة، ولم يشترط الفقهاء رضى العامل، ويمكن أن نفترض هنا ان الجزء المنفسخ تحكمه شروط فسخ المضاربة بإرادة رب المال، فإن كان المال نقداً، فله ربحه وعليه خسارته، وان كان المال عروضاً فالفسخ الكلي عند أغلب الفقهاء يسري على الشراء وليس على البيع؛ أي إن للعامل أن ينضض المال إذا كان فيه ربح بعد علمه بالفسخ، فإن كان فيه ربح فكما شرطا، وقد عامل الفقهاء هنا هذا الفسخ الجزئي كالفسخ الكلي في هذا الجزء. فعليه ان كان بعض المال عروضاً… كان على العامل ان يبيع العروض، ولكن ماذا إن كان بعض المال عروضاً وبعضه نقداً، وطالبه بالنقد، فلن يعرف الربح أو الخسارة إلا بعد تنضيض العروض، فإن اعتبر كلاً منهما منفصلين… فإن كان النقد ايراد بيع سابق بربح وخسرت العروض عند بيعها، أخذ العامل ربحه من الأولى فلم تنجبر الثانية فيخسر المالك لانه سيتحمل وضيعتها وحده، وكذلك إن كان النقد فيه وضيعة والعروض فيها ربح عند بيعها، ولهذا… فإن كان المالك هو من رغب في هذا مع معرفته بما يصيبه من جراء هذا التقسيم فقد أجاز له الفقهاء لاحتمال اضطراره إلى المال.

والأولى في هذه الحالة أن يأخذ النقد الموجود بموافقة العامل بمثابة دين عليه للمضاربة حتى تنضض العروض وتتم القسمة.

وهناك مسألة تفويت فرصة الربح على العامل في الفسخ والمال عروض، سواء كان جزئياً أو كلياً، فإن أطلق له البيع أو أنيب ولي الأمر على البيع … فلا يوجد فرصة ضائعة. أما اذا أخذ المال العروض أو جزءاً منه بدون رضى العامل فباعه كما قال الأحناف، فالأغلب أن للعامل في الربح أو أجر المثل، فالأحناف قالوا في الفسخ الكلي أن الفسخ اذا حدث والمال عروض فللعامل أن يبيعه وينضض المال ولا يمنعه العزل عن ذلك، ويقوم العامل بالبيع سواء رضى رب المال أم لم يرض، جاء في شرح العناية على الهداية(جزء7 ص76): ”وإذا علم المضارب بعزله والمال عروض، فله أن يبيعه ولا يمنعه العزل عن ذلك، نقداً أو نسيئه، حتى لو نهاه عن البيع نسيئة لم يعمل بنهيه، لان حقه قد ثبت في الربح بمقتضى صحة العقد، والربح انما يظهر بالقسمة، والقسمة تبتنى على رأس المال بتمييزه، ورأس المال إنما ينض، أي يتيسر بالبيع“.

ورب المال حين فسخ المضاربة في هذا الجزء ثم أخذ العروض، قد خالف شرطاً من شروط المضاربة بعدم سماحه للعامل بالبيع، والعامل لو تعمد فعل ما نهاه عنه رب المال يصبح غاصباً، ورب المال تعمد أخذ العروض وقد نهى عنه فيمكن القول أنه أضر بشرط التخلية وهو من شروط الصحة في المضاربة، فأقل ما يكون عليه أجر المثل إن لم يكن هناك ربح في العروض التي أخذها وباعها بدون رضى العامل، لأنه ضيع على العامل ما بذله من جهد في هذه العروض.

وماذا لو أراد أحد مودعي البنك إنهاء مضاربة له سهم فيها لحاجته للمال، بينما لم يرغب الآخرون في ذلك أو لم يصدر عنهم ما يدل على ذلك، وكان المال عروضاً، وهذا من حقه، فإن أراد ذلك… فيمكن معاملته بمثل ان يسترد رب المال جزءاً من رأس المال.

2- رده للمعيب:

لرب المال رد العرض المبيع بموافقة العامل، فإن اختلفا… عملا بما فيه المصلحة، أو يحكمان بينهما من يفصل في الأمر.

3- انتفاعه بعرض من مال المضاربة:

لا يحق لرب المال استعمال أو الاستفادة أو الانتفاع  بعروض المضاربة أو بمنافعها أو بما قد يستأجر بمالها، وليس له ان يجر إلى نفسه منفعة من وراء المضاربة مباشرة كانت أو غير مباشرة، وليس له أن يشترط أي من ذلك لأن فيه اشتراط زيادة قد تكون كل الربح. فإن كان أذن العامل ولم يكن في هذا تعطيل لمال أو لعمل المضاربة… وجب عليه دفع ما يدفعه الأجنبي من الأجر.

وليس للعامل أي شيء من ذلك إلا أن يدفع من ماله أجر المثل للمضاربة بإذن المالك، وبموافقة المالك على الأجر والمدة، والأغلب كراهة ذلك إذا كان العامل هو المنتفع لأنه هو يقرر إذا كان في هذا التأجير تعطيل للمضاربة وله رغبة في الاستئجار فتتعارض المصلحتان، ويننتفي هذا إذا أجر لأجنبي أو لرب المال.

4- إتلافه لشيء من مال المضاربة:

لو أتلف رب المال أو استهلك شيئاً من مال القراض… يخرج الهالك من القراض، ويكون ما تبقى من المال هو رأس مالها… فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه، وله حصة المثل مما هلك إن كان قد هلك بعد تصرفه في المال.

5- شراؤه من مال المضاربة:

لا يجوز لرب المال أن يشتري لنفسه شيئاً من مال المضاربة الا اذا كان شراؤه لاستهلاكه الشخصي وصح قصده بأنه لم يرد أن يأخذ شيئاً من الربح قبل المفاصلة؛ لانه ليس من حق أحدهما أن يأخذ شيئاً من الربح قبل القسمة.

وجاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص500): ”ولا يصح أن يشتري المالك من العامل شيئا من مال القراض ولا أن يأخذ منه بالشفعة“.

ويجوز أن يتصرف رب المال في عرض من عروض المضاربة كالبيع، بشرط أن يكون بمثل قيمة ما بيع من مثله أو أكثر، ويكون ذلك من قبيل المعاونة وبشرط موافقة العامل ورضاه.

6- طلبه الشفعة:

لا شفعة لرب المال، إذا باع المضارب داراً تعود للمضاربة.

7- إعطاء رب المال مال المضاربة إلى عاملين:

يجوز لرب المال إعطاء مال المضاربة إلى عاملين، ولا يشترط تساويهما في الربح، وليس لأحدهما أن يتصرف دون إذن صاحبه. 

8 – الإشراف والمتابعة:

من مفهوم المضاربة ان العامل هو من يملك الخبرة والقدرة على استثمار المال، ومن شروط صحتها التخلية، فيترك للعامل حرية التصرف فيما يراه الأنسب لبلوغ القصد منها وهو أفضل نماء لرأس المال، ولأنه له حقا في هذا النماء ولأن تنمية المال هي وظيفته في المضاربة؛ فقد منع الفقهاء رب المال من التدخل في العمل، إلا من قبيل المساعدة لا من قبيل الاشراف أو الإدارة، ولو اشترط رب المال العمل مع المضارب تفسد المضاربة عند أغلب الفقهاء، إلا أن يكون هذا من قبيل اعانة العامل ومساعدته بدون أجر منه أو من مال المضاربة، وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصي عليه تصرفاته.

وما قصده الفقهاء هو منع رب المال من القيام بأي عمل يكون من ِشأنه التأثير على نتائج المشروع لأن هذا ليس من اختصاصه ومن المفترض في المضاربة ان العامل أكثر منه قدرة وخبرة، ولو كان هذا الفرض خطأ في مضاربة ما… فكان رب المال أقدر من العامل؛ فإما ان يكون رب المال قد دفع ماله لانشغاله في اعمال أخرى وبهذا الانشغال… ينتفي تفاضل خبرته وقدرته لعدم توافرها متى احتيج اليها، أو كان بلا عملا اخر فيحالا إلى نوع أخر من الشركات التي وفرها لهما الاسلام. والإشراف والرقابة قد يؤثران بطريق غير مباشر على قدرة العامل على تركيز كل طاقاته على عمله في المضاربة، أو يشغلانه في أمور الحصول على موافقة الجهة المشرفة أو تفسير تصرفاته لها، عدا احتمال رفضها لبعض ما كان ينوي أو يعزم على عمل، فلا تتحقق له حرية التصرف في المال والذي هو شرط من شروط الصحة.

ولا ينكر أحد في هذا العصر أهمية الرقابة والاشراف والمتابعة، بل إن هذا الجهاز من الاجهزة المتواجدة في داخل المؤسسات التجارية والمالية، والذي دعا المؤسسة إلى إيجاد جهاز متابعة ورقابة منها وعليها، هو الفائدة المتوقعة مما يصدره هذا الجهاز من تقارير وتوصيات دورية، تعين أجهزة التنفيذ وتوفر لهم وضوح الرؤية فيما يفوت عليهم لانشغالهم في العمل، فهي تراجع نتائج المراحل التي تم تنفيذها وتخطط للمراحل القادمة، وتتأكد من جودة الانتاج أو المشترى ومطابقته للمواصفات التي يقبل عليها العملاء أو المشترون، وعليها التوصية بالتعديل أو التغيير في الوقت المناسب وقبل ان يفوت الأوان فتصبح تكاليف الإصلاح باهظة، وهذا بالطبع من صميم عمل الإدارة والتي هي من اختصاص العامل، ولكن العامل قد يكون مؤسسة كبيرة وقد يكون تاجراً بسيطاً وليس لديه مثل هذه الامكانيات.

والمقصود الحقيقي من الإشراف والرقابة عند رب المال المعاصر، هو التأكد من تصرف العامل وفقاً لقواعد الأمانة، وهناك أيضاً مقاصد أخرى كضمان التزام العامل بشروط المضاربة؛ إضافة إلى ماذكرناه من مراجعة.

والطريق إلى اطمئنان رب المال وقد يكون في تعيين عامل ثان، فقد ذهب الفقهاء إلى جواز إعطاء المال إلى عاملين، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه. والمفهوم من هذا أن العامل الثاني يعمل مع العامل الأول لا أن يراقبه، ولهذا… فله من الربح وفق الشرط، فلو كان العامل الثاني جهة متخصصة في أعمال الإدارة والمراجعة والتخطيط، وكان عملها هذا مفيداً للمضاربة، صح كونها طرفاً فيها، وصح اشتراط رب المال اعطاء ماله إلى عاملين، فلا ينفرد أحدهما بالتصرف دون صاحبه، بشرط ألا يكون العامل الثاني ملزماً أكثر من العامل الأول بتقديم تقارير أو بالرجوع إلى المالك، ويكون ولاء العاملين للمضاربة ولتحقيق الربح لا لرب المال؛ أي إن رب المال متى عين العامل الثاني يرفع يده ويمنع عن التدخل الا في الحدود الصحيحة، وإن نص العقد على تسلمه تقارير دورية أو معلومات عن سير العمل والتوقعات المستقبيلة يتسملها من إدارة المشروع أو منهما معاً وليس من أحدهما أو من المضارب الثاني.

ويجب التنوية هنا أن هذا الحق لرب المال، له أن يستخدمه مرة واحدة فقط وقت العقد ومتى استخدمه لا يعود له الحق في التدخل، فتتم التخلية الكاملة ويكون للعاملين حرية التصرف.

والعامل الثاني سيكون أحد المكاتب ذات السمعة الطيب والمتخصصة في مجالات الاستثمار أو التصميم والهندسة أو التجارة والتسويق وغيرهم، والتي بمرور الوقت… سوف تتخصص أكثر في مجالات معينة فيستفيد العامل ويضيف خبرتها إلى خبرته فينفذ المشروع على أفضل الاسس العملية والخبرات العملية وفق تخطيط ومراجعة وتعديل دوري بما يناسب بما بناسب الواقع، مما ينتج عنه فائدة لاطراف العقد.

<< previous page next page >>

الفصل الخامس – تصرفات العامل في مال المضاربة:

ما يمكله المضارب بمطلق العقد: وهو ما يحق للعامل التصرف فيه دون حاجة إلى تفويض أو نص معين في العقد يبيح له هذا التصرف، والإطلاق في العقد معناه أن للمضارب كل التصرفات التي تحتاجها أمور التجارة المتتعارف عليها لدى التجار وبما هو أنفع للمال ومنه البيع والشراء والإستئجار.

وهناك أيضا من التصرفات ما يملكه إذا قيل له: أعمل برأيك، أو كما شئت. وأخيراً هنا تصرفات لا يملكها إلا أن ينص المالك عليها، أو يأذن بها صراحة.

1- الشراء:

قال الجمهور إن العامل إذا اشترى بغبن فاحش، كان شراؤه لنفسه لا للمضاربة. وليس للغبن الفاحش حد شرعي، ويرجع فيه إلى العرف، وعند الأحناف… يكون الغبن فاحشاً إذا اختلف الثمن عن تقدير خبير واحد بأكثر من 5% في المنقولات، أو 10% في الحيوان، 20% في العقارات. ويترواح الغبن الفاحش عند المذاهب الأخرى بين السدس والثلث، واعتبرت مجلة الأحكام العدلية –المقننة من المذهب الحنفي- أن الغبن يكون فاحشاً إذا اختلف الثمن عن تقدير خبير واحد بأكثر من 5%  في المنقولات، أو 10% في في الحيوان، أو 20% في العقارات.(الدكتور محمد أنس الزرقا، مجلة بحوث الاقتصاد الإسلامي العدد الثاني 1991 ص 53.54) ويقول الدكتور الزرقا في معرض حديثه عن المبادلات: “لا ريب أن الغبن الكثير يخل إخلالاً شديداً بقاعدة العدالة. وقد نتوقع لذلك أن يكون حكمه الشرعي هو: جواز فسخ العقد من قبل الطرف المغبون، لكن اللافت للنظر أن جمهور الفقهاء لا يرون الغبن وحده ولو كان كثيراً يجيز الفسخ. ومع تعدد أرائهم في الموضوع – والتي يخرج عرضها عن نطاق هذا البحث- نراهم يكادوا يتفقون على الحكم الأساسي التالي: لا يؤثر الغبن الكثير وحده في العقد، لكن إذا لابسته مخالفة شرعية أخرى، أو كان يصعب على الطرف المغبون التوقي منه، فإن للمغبون حينئذ فسخ العقد”.

وما سبق قد عنى بغبن المشتري أو البائع، والمضارب إن اشترى بغبن فاحش… فله أن يرجع على البائع، إن كانت لابسته مخالفة شرعية أخرى كالغش، ولا يمكن القول إن العامل صاحب الخبرة كان يصعب عليه التوقي منه.

ولكن الغبن الذي وقع فيه العامل هو غبن يلحق برب المال لأنه وكيله في التصرف، وعليه… يكون الشراء لنفسه لا من مال المضاربة إلا أن يرجع المشترى إلى البائع.

فإن اختلفا فقال رب المال إن العامل اشترى بغبن فاحش، وقال العامل بل هو شراء صحيح… فإن الحكم لا يكون لأحدهما، بل يعينا خبيرين يقدران ثمن المثل – بشرط أن يكون للسلعة مثل- وأن يكون تقديرهما لثمن السلعة كما لو كانت ستشتري في نفس الفترة والظروف التي اشترى بها العامل… فإن كان ثمن المشترى يزيد أكثر من الثُمن (1/8)- أو أي نسبة معقولة أخري- عن أعلى التقديرين كان الغبن فاحشاً ويصبح المشترى للعامل ويدفع ثمنه من ماله، أو ان قبل رب المال يدفع العامل الفرق عن أعلى التقديرين من ماله، وأجر الخبيرين من مال العامل. أما إذا كان الثمن أقل من أعلى التقديرين مضافاً إليه ثُمن (1/8) التقدير الأعلى… يكون الغبن يسيراً ويدفع رب المال أجر الخبيرين من ماله.

ويمكن تحاشى الوقوع في هذا الخلاف لأن أثمان الشراء قد سبق تقديرها من قبل العامل في دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع، والذي على أساسه أو بعد تعديله عقدت المضاربة، فإن صادف العامل شراء يختلف في سعره عن التقدير، فله أن يعود إلى رب المال ويعلمه فيكون تصرفه بعد ذلك بإذن رب المال فينتفي إحتمال الخلاف، وليس في رجوعه إلى رب المال تقييداً لحريته فهو إنما رجع إليه تحاشياً لأسباب النزاع ومن قبيل الاستعانة فقد يدله رب المال إلى من يبيعه بأقل.

أما إذا لم يكن للسلعة ثمن، أو كان حجم الشراء يسمح، فيشترط أن يعد العامل كراسة المواصفات والشروط مبيناً الكمية المطلوبة ومكان وتاريخ التسليم، ويدعو ثلاثة موردين أو أكثر إلى التقدم بعطائاتهم في يوم محدد، يختار منها الجهة التي يرغب في الشراء منها، وينطبق نفس الترتيب على تلزيم الأعمال التي تزيد قيمتها عن مبلغ محدد يعين في العقد.

فإن ظهر أنه وبرغم المناقصة قد اشترى بغبن فاحش، وبشرط أن يثبت بالبينة أن هذا الغبن الفاحش قد رافقته مخالفة شرعية من قبل المضارب كالنجش- أي يتفق العامل مع ثلاثة موردين على أن يرفعوا أسعارهم- أو غيره، فيبطل الشراء ويكون كشراء العامل لنفسه من ماله ولو كان رب المال قد أذن له بهذا الشراء، ونقترح أن يفقد العامل نصيبه من الربح إذا ظهر ربح، ولا نفقة له ولا شيء وإن كان قد نص عليها في العقد، ونقترح أن تفقد الشركة العامل شخصيتها الإسلامية لمدة معينة فلا يضارب معها. وكذلك في البيع إذا تواطؤ المشترون مع العامل بتخفيض عروضهم ليشتري أحدهم بثمن منخفض فيه غبن على مال المضاربة، ولا يشترط أن يكون الغبن فاحشاً… فإن ثبت التواطؤ فالغبن اليسير يكون له حكم الغبن الفاحش؛ لأن الخيانة في حد ذاتها كافية إذا ثبتت بالدليل البين، ولا يجوز الركون إلى الظن أو وشاية أحد من الناس وإن كانوا كثرة في العدد، عملاً بالآية الكريمة: ( يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (سورة الحجرات الآية6)

وليس للعامل أن يشتري بأكثر من مال المضاربة، فإن رأى الخير في ذلك فعليه أن يطلب الأذن والضمان من رب المال، فإن أجازه جاز له ذلك، بشرط ألا يتعدى الضمان القيمة الصافية لمال الشركة رب المال، فإن تعداها يضمن أصحابها من أموالهم الخاصة.

2- البيع:

والبيع مثل الشراء، وله أن يبيع بثمن المثل أو بأكثر أو مع الغبن اليسير… فإن باع بغبن فاحش فإما يبطل البيع أو يصح البيع ويضمن العامل النقص. وينطبق هنا ما سبق ذكره في بند الشراء.

والأصلح ألا يجوز له أن يبيع بالنسيئة إلا بأذن رب المال الصريح لكل بيع بالنسيئة، ولا يكفي التفويض أو الآذن عند العقد وإنما يجب عليه أن يراجع رب المال قبل كل بيع إلا إذا تعسر ذلك فيكتفي بالاذن وقت العقد. لأن مدة تأجيل الثمن تتراوح بين القصيرة كعدة أشهر، والطويلة كسنة أو عدة سنوات، ورب المال وخاصة إذا كان بنك عليه التخطيط لنفسه ولعملائه فيما فيما يتعلق بالسيولة النقدية، وله أيضاً أن يقارن بين العائد الذي يعود عليهما من البيع بالنسيئة، وبين العائد التقديري لو بيع حالاً وضورب بالمال أو استثمر خلال هذه المدة- وهو ما يسميه الاقتصاديون المقارنة بربح الفرصة المضاعة- وهذا لا يمكن تقديره وقت العقد.

وبيع النسيئة المؤجل فيه الثمن تكون فيه زيادة عن ثمن الحال، وهذا لقاء انتفاع المشتري بالعرض المشترى حتى يدفع ثمنه، وفي أغلب الأحيان… أن العرض له ثمن حال ومشتري يرغب في الشراء في الحال، وله أيضاً ثمن مؤجل ومشتري يرغب في الشراء المؤجل، والعامل له في الربح فإن باع نسيئة زاد ربحه لقاء تأخير الدفع وهذا لا عمل له فيه إلا أنه فاوض واختار، وهو لن يبذل جهدا خلال فترة التأجيل. فتكون مصلحته في بيع النسيئة إذا علم أن رب المال لن يدفع إليه المال مضاربة مرة أخرى إذا باع حالاً.

3- شراؤه لنفسه من عروض المضاربة:

أما إذا أراد العامل أن يشتري شيئاً من مال المضاربة … فقد أجاز الإمام أبو حنيفة والشافعية له ذلك، أما الإمامية والزيدية فأجازوه إن لم يظهر ربح في المال، فإن ظهر ربح بطل البيع بمقدار ما يستحقه من الربح. أما الحنابلة …فالرأي عندهم أنه إن ظهر في المال ربح فليس له أن يشتري شيئاً من مال المضاربة لأنه يصير شريكاً في الربح، وإن لم يظهر ربح جاز له ذلك. وللمذهب الحنفي رأيان الأول ما سبق ذكره بأنه يجوز له ذلك، والثاني أنه لا يجوز للمضارب أن يشتري شيئاً من مال المضاربة سواء حصل ربح للعامل أم لم يحصل.

والمقصود من المضاربة هو تحقيق الربح، والمضارب هو وحده من يملك القرار، فإن اشترى أو باع على الغير … فإنه سيفاصل ويساوم ويجتهد للشراء بأقل وفي البيع بأكثر، فهذا من طبيعة عمله، فإن كان هو البائع والمشتري، تضاربت المصالح وتعارضت مصلحة المضاربة مع مصلحة نفسه، فأما أن يظلم نفسه أو يظلم المضاربة.

فإن كان في المال ربح …لم يجز شراءه لنفسه لأن له حقاً في المال، وإن لم يظهر ربح فقد قال بعض الفقهاء له أن يشتري ومنع ذلك البعض الآخر، فإن سمح له بالشراء … فعليه أن يشتري بثمن المثل، ويفضل أن يعرف ثمن المثل بعد بيع جزء من العروض لأجنبي عن العقد فيقارن بها، أما أن يشتري كل العروض … فإن كان فيها ربح لم يجز، وإن لم يكن فيها ربح فالأغلب أن يكون فيها خسارة، فهذا سيدعو إلى التساؤل لماذا يشتريها العامل إذن إن لم ير فيها وجه الخير، إلا أن يثبت أنها لإستهلاكه الخاص أو لتصنيعها، أي ألا يكون قد اشتراها ليبيعها مرة أخرى، لأن الأجدر أن يعمل هذا وهي مال مضاربة.

وعليه … فإن العامل لا يجوز له الشراء من مال المضاربة إلا أن يكون شراؤه لإستهلاكه الخاص لا لإعادة البيع بحالتها كما هي، وأن يكون في المضاربة ربح، وأن يكون لها ثمن مثل يفضل أن يكون من بيع سابق لجزء من المال.

وبالرغم من منع الفقهاء لشراء المضارب من مال المضاربة إذا كان فيها ربح، فالأولى بالسماح إذا كان المضارب يحتاج لإستهلاكه الخاص جزءاً من المال، عملاً برأي الشافعية والرأي الأظهر عند الأحناف والقائل بالجواز.

أما أن يبيع المضارب شيئاً من ماله، كأن يأخذ مال المضاربة فيشتري من نفسه سلعاً ليبيع، فهذا لا يجوز مطلقاً لتضاد المصالح؛ ولأن في بيعه للمضاربة ربحاً، ولا يجوز له أن يربح من مال المضاربة ما هو أكثر مما شرط له في العقد، وهو نصيبه من ربحها عند القسمة لا غير، فإن بيعه على المضاربة بيع تولية… فلا يخلو الأمر أن يكون أصل شرائه لهذه السلع بثمن فيه غبن يسير أو كثير، بل وتقوم المضاربة على تجارته بالمال وهو صاحب المال فلماذا عقد المضاربة أصلاً إن كان قصده بيع ما عنده. فإن كان عقدها لاحتياجه المال للصرف والنقل وغيرهما، فالأولى أن يشارك رب المال بالعروض التي يمتلكها فتقيم بثمن مثلها فيصبح شريكاً في المال من جهة، وعاملاً من جهة أخرى، وقد سبق ذكر هذا النوع من المضاربة بالعروض عندما تقتضيها الضرورة.

وما ينطبق على عدم جواز شرائه العروض من نفسه للمضاربة بمالها… يسري على شراء أو بيع المنافع والحقوق، فلا يجوز له أن يستأجر من نفسه للمضاربة ؛ لأن الاجارة تملك المنافع، والاستئجار فيه تحديد مدة والإتفاق على أجر واستيفاء منفعة، والمدة والأجر هو الذي يحددهما كمؤجر وكمستأجر، وهو الذي عليه استيفاء المنفعة من نفسه، والأجر يشتمل على ربح لا يجوز له أخذ من مال المضاربة، زيادة عما شرط له.

فإن كان لديه أعيان للمضاربة حاجة لمنافعها، وكان عليه أن يستأجرها من الغير إن لم يستأجرها من نفسه، ولأنها منافع لا تصلح أن تكون رأس مال لما يشوب تقديرها من جهالة، ولأنها منفعة عمل لا يقصد لذاته… فيدفع بها إلى المضاربة بنصيب من الربح.

جاء في كتاب فقه المضاربة (ص57) للدكتور علي حسن عبد القادر عن كتاب الاستذكار للإمام ابن عبد البر: ”قال مالك: لا ينبغي لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون العامل، ولا ينبغي للعامل أن  يشترط لنفسه شيئاً من الربح دون صاحبه، ولا يكون مع القراض بيع ولا ينبغي للعامل أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح دونأنأ صاحبه، مع القراض بيع ولا اكراء ولا عمل ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه، إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما، ولا ينبغي للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء من الأشياء يزداد أحدهما على صاحبه، فإن دخل القراض شيء من ذلك صار اجارة ولا تصلح الإجارة إلا بشيء ثابت معلوم، ولا ينبغي للذي أخذ المال أن يشترط مع أخذه المال أن يكافيء أو يولي من سلعته أحدا ولا يتولى منها شيئاً لنفسه، فإذا وفر المال وحصل عزل رأس المال ثم أقتسما الربح على شرطهما، فإن لم يكن للمال ربح أو دخلته وضيعة لم يلحق العامل من ذلك شيء إلا ممن أنفق على نفسه ولا من الوضعية وذلك على رب المال من ماله، والقراض جائز على ما تراضى عليه رب المال من نصف الربح أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر“.

4- استدانته للمضاربة:

اشترط جميع الفقهاء أن يأذن المالك للعامل بالإستدانة حتى يجوز له ذلك، وتختلف صورة هذا الإذن عند الفقهاء ولأن زيادة مسؤولية وضمان المالك من الأمور التي يفضل تحديدها والرجوع فيها إلى الضامن ليعرف حدود التزاماته … فإن الأفضل اشتراط موافقة المالك المسبقة، وقبوله الالتزام من ماله بسداد الثمن المؤجل لو هلك مال القراض أو لو حان أجل الثمن وكان مال القراض عروضاً ولم ينضض بعد. وهذا لا يعني عدم جواز الموافقة اللاحقة إلا أنه في هذه الحالة يكون له حق الإختيار، وقد ذهب المالكية والإمامية إلى جواز اذن المالك بعد الشراء.

والرأي الأظهر هو انه إذا استدان باذن رب المال وضمانه لكل الدين الذي وقع على المضاربة… كان الدين إضافة إلى مال القراض ووقع عليه حكم المضاربة، أما إذا استدان المضارب بدون إذن رب المال كان الشراء الزائد لنفسه له ربحه وعليه خسارته.

ولو نظرنا إلى الشراء الزائد المؤجل فيه الثمن والذي ضمنه رب المال، نجد أنه يكون عادة وفق برنامج زمني؛ مخطط فيه أن تباع عروض مال المضاربة قبل حلول الأجل فيسدد منها ثمن الشراء الزائد، ولهذا… فإن سارت الأمور وفق الخطة التي رسمها العامل فلن يحتاج إلى مال إضافي، فتظل المضاربة على حالها الأول، فينضض عروض الشراء الزائد ويسدد منه رأس المال وما بقى يقتسماه بالشرط.

وقد لا تسير الأمور بنا خطط لها، فيتعطل بيع كل أو بعض عروض المضاربة، أو يصيب مالها وضيعة، ويحين أوان سداد الثمن المؤجل، فيتوجب على رب المال دفع الثمن المؤجل كله أو ما نقص منه، فيزيد رأس مال المضاربة بهذا القدر الذي دفعه، ويرد من ثمن بيع العروض كلها وما بقى يقتسمانه بشرط الربح الأصلي.

فيكون ربح المال – الأصلي بالمال والزائد بالضمان- كله لرب المال، وربح العمل كله للعامل. ولا يستحق العامل حصة من ربح البيع الأول وحده لأنها أصبحت مضاربة واحدة وبعض مالها آنذاك عروضاً ولا يظهر الربح إلا عندما يكون المال كله ناضاً، وفي بعض المذاهب لا يملك العامل ربحه إلا بالقسمة، إضافة إلى أن هذه تمت بإختيار العامل ولم يشترط هذا رب المال.

وما ذهب إليه الأحناف في إعتبار الدين المؤجل شركة وجوه… فهذا لأن المضاربة لاتجوز إلا في مال بعينه، فذهبوا إلى فصل المضاربة عن الشراء الجديد، والذي يكون بينهما شركة وجوه، وقسموا ربحها بنسب التفاضل في الضمان. وشركة الوجوه الجائزة عند الأحناف والحنابلة هي شركة على الذمم يكون ربحها بينهما على قدر نصيب كل منهما في الملك، ولهذا… فنحن نفترض أن الأحناف بفصلهم المضاربة عن هذه الشركة لا يسمحون أن يسدد الثمن المؤجل من إيراد بيع المضاربة، وإلا اختلت نسب الضمان التي ذكروها وهذه الشركة لا تعوض العامل عن جهده وعمله وإنما يقتسمان الربح بنسب تفاضلهما في الضمان.

وهما ان اشتركا في المال في مضاربة فللمال ربحه وللعمل ربحه، والضمان له مثل المال في الربح وخراج المال بضمانه، ولهذا … فشركة الوجوه فيها انتقاص لعوض العامل عن جهده.

ومما سبق لا يجوز للعامل الشراء بأكثر من مال المضاربة أو الإستدانة إلا بأذن رب المال الصريح وضمانه للزيادة من ماله، فإن لم يأذن رب المال … كان الشراء لنفسه من ماله وعليه ضمان الزيادة، ولأن الضمان والعمل منه يكون كل ربح الزيادة له والخسارة عليه، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

ولو فعل العامل هذا في تجارة ما، كأن يشتري بكل رأس المال سلعة ثم ينقلها على أن يدفع لمتعهد النقل في الأجل… فإن هذه الزيادة تكون من ماله إذا طلب الأذن من رب المال فرفض، فإن ربحت البضاعة أي كان ثمن المبيع أكثر من رأس المال وثمن النقل، قسم الربح على المال وثمن النقل، فكان له ربح ثمن النقل بضمانه وعمله وله ربح العمل في رأس المال. أما لو خسر… فتكون الوضيعة في المال وثمن النقل بالتناسب فيدفع من ماله وضيعة ثمن النقل.

أما لو اشترى بألف المضاربة بضاعة ثم اشترى بألف ومائة مؤجلة بضاعة مثله… فإن رفض رب المال الأذن له وأصبح الضمان من ماله، فعليه ألا يخلطهما فتكون كل تجارة على حدة، فإن خلطهما كان البيع الأول هو بيع عروض المضاربة وما تبقى بعده هو من بضاعته، ويقسم المال متى انتهى من بيع عروض المضاربة ولا تصح المشاركة هنا.

والأغلب ألا يكتفى بتفويض أمر المضاربة لاعتبار إذن رب المال، والأخذ بالرأي القائل باشتراط اذن رب المال الصريح وضمانه، ويجوز قبل الإستدانة أو بعدها، فإن كان العامل قد اشترى ثم طلب الأذن فرفض رب المال وقع ضمان الشراء الزائد على العامل فكان له ربح الزيادة وعليه خسارتها.

5- الرهن والارتهان:

قال الجمهور إن للمضارب أن يرهن ويرتهن، ومنع الشافعية ذلك، وحيث إن الجمهور قد منعوا الإستدانة إلا بأذن رب المال… فإنه يشترط ألا يترتب على الرهن التجارة بأكثر من رأس المال أو الإستدانة.

6- التوكيل:

يجوز للمضارب أن يوكل غيره في كل ما يحق له أن يعمله بنفسه، والتوكيل هنا يقتصر على الإنابة في ما كان يستدعي حضوره بنفسه والقيام ببعض الأعمال التنفيذية وغيرها، أما التوكيل لغيره باتخاذه القرارات المهمة أو القيام بكل أعمال المضاربة دون إشراف منه على هذا الوكيل… فهذا يستوجب إذن المالك الصريح، إلا إذا عجز العامل عن قيام بالعمل والإدارة، ويشترط إعلام المالك بذلك.

7- الإبضاع:

يشترط موافقة المالك لإبضاع العامل للغير… فإن فعل ذلك دون الرجوع إلى رأي المالك ضمن ما يهلك من المال، واشترطت الشافعية أيضاً موافقة المالك، بينما قالت الأحناف إن الإبضاع من عادة التجار ولهذا… فله أن يدفع المال بضاعة وليس عليه ضمان إن هلك المال كله أو بعضه، وهذا رأي الإمامية والزيدية، أما الحنابلة… فلهم رأيان: رأي يجيز له ذلك ورأي يشترط موافقة رب المال.

8- المقايضة:

أجاز جمهور الفقهاء شراء العامل وبيعه مقايضة، فيما عدا الأحناف الذين قالوا بعدم جواز ذلك. ولو نظرنا إلى ما يدعو العامل الذي استلم  رأس مال نقدي إلى المقايضة… نجد أن هذا لن يحدث إلا إذا اشترى عروضاً ثم رأى أن يستبدلها بغيرها، وهذا وإن كان في مصلحة المضاربة… إلا أنه تصرف غريب؛ فالتاجر يشتري ليبيع لا ليبادل، وقد يكون علامة على حدوث مشكلة أو خطأ في التقدير يوجب معه إعلام المالك، ونرى أن نكتفي بإعلامه وليس بطلب الأذن منه فالمقايضة هي مبادلة وهو من البيع و الشراء  وهما مما يجوز له بمضمون عقد  المضاربة.

9- الحولة:

أجاز الأحناف له الحوالة بينما اشترط المالكية اذن رب المال، والحوالة تتأتى من بيعه بالنسيئة، وهذه تتطلب إذن رب المال ولهذا فالأصلح أن يطلب الأذن فيهما معاً.

10- خلطه مال المضاربة بماله قبل بدء العامل:

يجوز الخلط قبل العمل عند الجمهور بإذن رب المال، وبشرط أن يكون العامل قادراً على الإتجار بالمالين، أما إذا أراد العامل خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل… فقد منعه جمهور الفقهاء عن ذلك؛ لأن هذا قد يؤدي إلى جهالة الربح.

وجهالة الربح تقع لعدم معرفة الربح العائد إلى المالين كل على حدة بفرض اختلافه، ففي نهاية المشروع… سيكون الربح معروفاً للمضاربة ككل، ونصيب العمل فيه واحد فلا جهالة في هذا الجزء، وقد اجتهد الفقههاء لضمان ألا ينال مال ربح يعود إلى مال غيره.

وبالنظر إلى السبب الذي سيدعو العامل إلى خلط ماله بمال المضاربة بعد بدء العمل… نجد أن الأمر قد يكون لأحد سببين:

–   إما لأنه رأى الخير فيها فأراد أن يدفع ماله ليحقق ربح لنفسه إضافة لربح العمل، وهذا قد يتسبب في جهالة الربح لأن المال المخاطر به حتى هذه المرحلة لا يتساوى ربحه مع المال الذي يدفع به بعد أن تبين احتمال تحقق الربح، وقد يؤدي دفعه بماله إلى أن يباع بعض المال ويتعطل بعضه فيجر ماله وضعية إلى مال المضاربة، ولهذا… يجب إعطاء رب المال الأولوية في الإضافة، فإن لم يرغب فليس للعامل أن يخلط، لأنه إذا دفع بماله إلى المضاربة فكل نماء هذا المال له، فيكون قد جر إلى نفسه منفعة مال غيره الذي خوطر به أولاً، فقد تباع معظم العروض ويتعطل بعضها وقد تكون مما دفع به العامل من ماله، فيصيب رب المال وضيعة ما ليس من خسارة ماله، فيكون الأفضل عدم الجواز، والعامل- إن لم يشترط عليه رب المال ألا يفعل- له أن يتاجر بماله خارج المضاربة بدون الحاجة إلى الخلط، فإن كان قد اشترط عليه… فهو إما أن يكون غير قادر على الإتجار بأكثر من رأس المال فيمنع، أو أن تكون النفقة على رب المال فيتفقا على غير ذلك، مثل أن تكون النفقة على المالين، فإن تاجر بماله فعليه ألا يخلط العروض فيكون ربح أو وضيعة كل منهما معروفاً.

– والسبب الثاني، الذي قد يدعو إلى الخلط هو نقص المال أو حاجه العمل للتمويل الإضافي، ونقص المال في التجارة لابد أن يكون قد نتج عن تصرف العامل وتجارته بأكثر من رأس المال، وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز شراء العامل للمضاربة بأكثر من رأس مالها، فإن فعل فيكون هذا من قبيل الإستدانة؛ فإن لم يأذن له رب المال… كان الشراء لنفسه من ماله وعليه ضمان الزيادة، ولأن الضمان والعمل منه يكون كل ربح الزيادة له والخسارة عليه، وتظل المضاربة برأس المال على حالها الأول.

وهذا يسهل في التجارة: أما لو كان المشروع عقارياً أو صناعياً فنقص المال قد يحدث لخطأ في تقدير الميزانية أو لتغير في الظروف: كإرتفاع كلفة المراحل المختلفة والغلاء وغيرهم، ويصعب فصل الشراء الزائد لأنه مصاريف المراحل المتأخرة من المشروع الذي لم يكتمل بعد، وهو ليس من قبيل الإستدانة إلا لو رهن المشروع وليس له أن يرهن إلا بالأذن… فإن طلب من رب المال ما نقص من المال فامتنع رب المال، فامتناعه قد يكون إما لعدم توفر المال لديه، أو لأن لديه اقتناعاً أن في المشروع خسارة.

– فإن كان امتناعه لعدم توفر المال لديه؛ فالمشروع مهدد بالخسارة إذا لم يكتمل وبيع ناقصاً… فإن أراد العامل أن يدفع بماله دون شرط عليه رغبة منه في إنقاذ نصيبه من الربح… فلن يكون هذا سوى عند ثقته بربح المشروع إذا اكتمل، ويكون ماله الذي دفع به مخاطراً به مثله مثل مال رب المال وإن اختلفت مدة المخاطرة، فالإولى الجواز طالما كانت هذه رغبة العامل وبإذن رب المال والذي كان في قدرته رهن المشروع لقاء المال الذي نقص، ولا يجوز التقدير وانقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية؛ لأن من طبيعة الخسارة المرحلية أن تنجبر من ربح مرحلة لاحقة، وهي لا تتأكد إلا بإنضاض المال.

فإن دفع العامل ماله يكون مشاركاً في رأس المال بالقدر الذي دفعه، ولأنه دفعه بمحض إختياره وعلمه بظروف المشروع وبعد امتناع رب المال… فله نصيب من ربح المال بحصة ماله وله كل نصيب ربح العمل.

والجهالة التي ستكون في نصيب مالهما من الربح هي جهالة يسيرة؛ فلولا توقعه الربح لم يدفع ماله إلى المضاربة؛ أي إن احتمال جبران خسارة رب المال من ماله غير واردة؛ لأنه لو كان ثمة خسارة لما دفع ماله صيانة لنصيبه من الربح كما افترضنا أعلاه.

ولهذا… فالأرجح – والله أعلم – أن تجاز هذه الحالة الخاصة حماية لمصالحهما، ولأن في منعها ضرراً يصيب طرفي العقد، ولأن الإتفاق يتم بالرضى والقبول.

وهناك سبيل أخر… يستطيع العامل فيه أن يصون ما يتوقعه من ربح عمله، وهو في إقراض المال إذا توفر لديه إلى رب المال، فيستحق رب المال كل ربح المال في المضاربة بماله وبالضمان للدين الذي أصبح في ذمته، ولا يتعرض مال العامل للخطر ولا يختلط بمال رب المال فتنتفي الجهالة.

– أما إذا امتنع رب المال عن تمويل ما ينقص من المال لشكه في إمكانية حدوث الربح؛ مما يوحي بتوقع حدوث الخسارة… فإن رغب العامل في التمويل برغم هذا؛ فرأيه مسبق على رأي المالك لخبرته ودرايته بدقائق وخبايا المشروع، فأما يجاز بأذن المالك ودون شرط إذا كانت هذه رغبته وفق توقعاته المدروسة… فإن لم تكن كذلك وتوقع الخسارة أيضاً، فمصلحة رب المال في إكمال المشروع لتقليل خسارة ماله، ومصلحة العامل هذا أيضاً لما قد يصيب اسمه ومركزه في السوق إذا بيع المشروع قبل اكتماله… فإن امتنع رب المال لنقص المال لديه… فيلجأ عندئذ إلى التقدير بالإتفاق بينهما، فتقدر الخسارة وينقص رأس المال بقدرها.

ويدفع العامل برضاه وبأذن رب المال ما نقص لإكمال المشروع، فإذا نضض المال… عاد لرب المال ماله المنقوص، وعاد للعامل ماله، وقسم ربح المال بحصص رأس المال الجديد، وأخذ العامل كل ربح العمل، وإن كان ثمة وضيعة تحملاها بالحصص هذا عن المال المنقوص، وذاك عن المال الذي دفع به مؤخراً.

ومن القواعد المهمة:

– لا يملك العامل أو رب المال الربح إلا بظهوره، ولا يظهر الربح إلا عند إنضاض كل المال، ولايستحق الربح لأحدهما إلا بالقسمة وبعد إعادة رأس المال.

– حتى يتم إنضاض كل المال، وطالما كان بعض المال عروضاً، تنجبر خسارة مرحلة أو تجارة من ربح مرحلة أو تجارة أخرى سابقة كانت أو لاحقة.

– يؤخذ بتقدير الربح والخسارة وبعض المال عروض كربح أو خسارة شركة المضاربة لا غير، ولا يجوز إنقاص رأس المال بقدر الخسارة المرحلية التقديرية إلا في حالات خاصة. وإن وزع ربح مرحلي… كان ديناً في ذمة من استلمه حتى تنتهي المضاربة فيخصم من حقه فيها أو يرد.

11- مضاربته بمالين لنفس المقارض وخلطهما:

والمفهوم مما جاء أن الفقهاء منعوا الخلط إذا كان المال عروضاً؛ حماية للعامل وخوفاً أن يجبر ربح مال خسارة مال أخر، والعامل له في الربح وليس عليه في الخسارة فينقص حقه إن ربحت واحدة وخسرت الأخرى. وهذا بفرض أن العامل يوظف المال في مشروعات مختلفة… فإن كان المال الأول قد وظف في إستثمار واحد معين ثم تغيرت ظروف هذا الإستثمار – دون تعد منه – مما استدعى زيادة رأس المال لمصلحة المشروع أو للضرورة التي بدونه لن يكتمل المشروع… فإن من مصلحة الطرفين الإستمرار في العمل وزيادة رأس مال المضاربة، وهذه مضاربة واحدة وفي مشروع واحد فتكون نسب توزيع ربح  المال الثاني نفس نسب الأول، ورب المال لم يشترط هذا وإنما الذي رغب فيه وطلبه هو العامل، وقد أجاز المالكية الخلط إذا كان هذا رأيه.

ويجب التنويه هنا أن هذه المضاربة في هذا الوقت ليست بالضرورة خاسرة، وإنما ينقصا المال الذي طلبه العامل من رب المال، وهو لم يطلب المال إلا لإكمال المشروع وتحصيل الربح، فالخسارة ستحدث إن لم يوفر له المال اللازم، وعليه… فلا يتوقع أن يجبر ربحه المستقبلي خسارة رب المال الحالية إذ ليست هناك خسارة أنذاك، وبفرض منع هذا التمويل الإضافي فالضرر يقع على العامل فالمشروع لاربح فيه بدون المال الإضافي؛ فيخسر جهده إذا انفسخت المضاربة أو بيع المشروع ناقصاً، والأغلب أن تحدث الخسارة في مثل هذا البيع الاضطراري، حتى وإن كان المشروع رابحاً عند إكماله؛ فيصيب الضرر العامل كما يصيب رب المال، وهذا ما لم يقصده الفقهاء حين منعوا الخلط والمال الأول عروض.

وحيث إن العامل هو الذي طلب المال الإضافي بنفس شروط المضاربة الأولى، ولم يشترط هذا رب المال، وفيه مصلحة للطرفين، وأي تقييم للمشروع في ذلك الوقت سيظهر ربحاً إذا توفر له التمويل المطلوب، فمتى انتفى احتمال جبران الخسارة بالربح المستقبلي، يكون بذلك التمويل الإضافي لا يتعارض مع أي من شروط صحة المضاربة.

أما إذا فرض أن تقييم المشروع – في ذلك الوقت – قد أظهر احتمال الخسارة المستقبلية، أو أن بيعه ناقصاً لن يغطي رأس المال… فإن هذا التقييم هو تقديرات لا يصح معها تحديد الخسارة وتحميل رب المال هذه الخسارة التقديرية بإنقاص رأس المال الأول بقدرها؛ لأن المشروع لم ينته، والعامل مازال يرى وجه الربح فيه إذا تمكن من إكماله، وإلا فلماذا يسعى طالباً المال الثاني وباذلاً الجهد والعمل حتى يكتمل، فيكون الخيار للعامل وهو من قصد الفقهاء حمايته… فإن رأى الاستمرار فله هذا، وليس من المنطق نص الشروط التي تقرر ما هو خير له بقصد حمايته، فهو أدرى بمصلحته إن لم يتعارض مراده مع الشروط الشرعية.

وقد لايرى العامل الخير في الاستمرار، فله فسخ المضاربة لنقص المال فتباع العروض ويضيع عليه جهده وعمله، أو أن يتم الاتفاق مع رب المال على تقدير وإنقاص ما هلك من رأس المال الأول، يدفع بعدها رب المال المال الأضافي؛ رغبة منه في تعويض ما نقص إذا ربح المشروع أو تقليل الخسارة، ويصبح رأس المال هو الأصلي المنقوص وهذا المال الإضافي.

وما سبق يتعلق بمشروع واحد، فماذا عن مال المضاربة الذي وزع في عدة مشروعات، مثل وضع المودع في البنك الذي يوزع البنك ماله في عدة مشروعات، والمودع لن يشترط، فمضاربته مع البنك مطلقة، ولهذا… فالعامل له الخيار، ولكن العامل هنا هو البنك وهو رب المال في المضاربة الثانية، فإن نقص مال في المضاربة الثانية وقبل البنك طلب العامل الثاني بالتمويل وبدون شرط عليه… وجب عليه أن يجمع المال بنفس الحصص السابقة من أصحاب الودائع، فلا يدفع مال غيرهم في نفس المشروع، حتى لا يجبر ربح أحدهم خسارة الآخر، ولا يكسب أحدهم مما حق له فيه، فهذا لا يجوز وإن وافق الجميع، فإن لم يكن مال عند المودعين أو امتنعوا ورأى البنك الخير في إكماله، يقيم المشروع بدقة فتكون قيمته هي رأس مال جديد من ودائع أخرى، ويتساوى أرباب المال أنذاك في الربح والخسارة. وهذا الترتيب في رؤوس الأموال لا علاقة له في حصة المضارب الثاني ولا في حصة البنك من الربح وهي حصص ربح العمل، والذي لا يحدد إلا عند إنتهاء المضاربة، مع توفر شرط الاختيار لهما فإن شاءا أكمل المضارب الثاني المشروع وإن أبى أحدهما تنفسخ المضاربة.

12- مضاربته للغير:

لا يجوز للمضارب أن يأخذ مال أخر مضاربة إلا أن يأذن له رب المال، ويجب النص في العقد على ذلك، فإن أذن له وكانت النفقة من المال الأول… تقسم النفقة على المالين.

فإن لم يأذن رب المال أو منع العامل في العقد عن ذلك فأخذ مالا مضاربة من غيره… فإن ربح المضارب  من المضاربة الثانية، يرد ربحه إلى المضاربة الأولى كربح لها.

13- المشاركة مع الغير بمال المضاربة:

لا يجوز للعامل أن يشارك غيره في مال المضاربة إلا بإذن رب المال.

14- إعطاء العامل رأس المال مضاربة لعامل آخر:

يجوز أن يدفع العامل مال المضاربة إلى مضارب ثان إذا أذن له رب المال صراحة بذلك في العقد، وقد اكتفى الفقهاء غير المالكية والشافعية بالتفويض، إلا أننا في هذا العصر نجد أن الأدوار محددة وموزعة فمن يدفع ماله إلى بنك إسلامي أو شركة استثمار أموال يعرف أن البنك أو الشركة قد يدفعان به إلى مضارب ثان، ولا مانع في هذه الحالة أن نكتفي بالتفويض، إلا أن الأذن صراحة في العقد أسلم لأن التفويض المطلق قد يشتمل على أذون أخرى وقد لا يعرف صاحب المال ما قد يشمله هذا التفويض المطلق.

بينما رب المال الذي يقصد تاجراً أو شركة عاملة، لايود – في الأغلب – أن تعطي هذه الشركة ماله إلى مضارب أخر فهو قد قصدها لتستثمر ماله في أعمالها، ولهذا… يجب أن ينص العقد صراحة إن أرادت الشركة ذلك فيعرف رب المال فيأذن أو يرفض.

ويفضل الحرص في إعطاء الإذن للعامل – غير البنك والشركة المتخصصة – حق دفع المال مضاربة مع الغير لما فيه من تفويض يؤثر على نصيب رب المال من الربح، وقد يستغل هذا التفويض من قبل البعض القليل من العمال الذين قد يجدون فيه طريقة جائزة لمضاعفة نصيبهم من الربح، فيدفعون المال إلى شركات أخرى قد تكون مملوكة لهم أو جهة تخصهم؛ فيتوزع الربح نصفه مثلاً للعامل الثاني والنصف بالشرط بينهم وبين رب المال، ولاداعي لإعطاء العامل – غير البنك والشركات المتخصصة – هذا الحق فإن أصاب العامل ما يمنعه عن العمل فإما يستأجر أو يعود إلى رب المال فيطلب الأذن بإعطاء المال مضاربة، وهذه حالات نادرة.

أما ما قال به الشافعية من عدم جواز دفع مال المضاربة مضاربة؛ لأن القراض موضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له والآخر عاملا ولو متعدداً لا ملك له، وهذا يدور بين عاملين فلا يصح. فإن البنك الإسلامي له دور مهم في هذه المضاربة فهو يجمع الأموال من عدة مودعين، ويوزع الإستثمار على عدة عمليات لتقليل درجة المخاطرة، ويقوم بالدراسات والأبحاث لاختيار أفضل المشروعات، ويتأكد من قدرة وأهلية وأمانة العامل، ولهذا العمل أثر بالغ في تحقيق أعلى عائد ربحي مع تقليل احتمالات الخسارة، ونظراً لطبيعة هذا العمل وأثره على الربح… يفضل أن يقاس جزاء من يقوم به بمعيار ما حققه من ربح، فتتوفر له الحافز الذي لم يكن ليتوفر بنفس الدرجة لو استؤجر عليه أو وكل به لقاء أجر.

ومتى وقع اختيار البنك على العامل… تختلف الأدوار فيكون البنك العامل في المضاربة الأولى، رب المال في المضاربة الثانية، وهو إن لم يكن يملك المال… إلا أنه  يملك التصرف فيه بالوكالة، فيصبح في المضاربة الثانية منه المال بالوكالة فيدفعه إلى العامل الثاني الذي منه العمل.

ونجد أن المضاربة إذا تشعبت مجالاتها فشملت الصناعة وغيرها من مجالات الاستثمار المتنوعة … فإن دور البنك والشركات المتخصصة … دور لا يمكن الاستغناء عنه، وهذه المؤسسات تمتلك الخبرة والقدرة والمعرفة وسيكون لها أثر كبير في ضبط وتطبيق هذه المعاملة التي سيعود نفعها بالخير على المجتمع عامة، والمشروعات التي تحتاج للتمويل في هذا العصر أغلبها ذو حجم أكبر من أن يمول من مال رب مال واحد، وليس من المنطقي أن يشترك أرباب الأموال معاً إلا من خلال هذه القنوات التي تتمتع بالخبرة والعلم وثقة الناس بها، ومصلحة الأمة في اجازة هذه المضاربات والأخذ برأي الجمهور الذي أفتى بجوازها.

ولهذا… يجب التفريق بين الاجازة في حالة البنوك والشركات المتخصصة، والكراهة فيما عداهم إلا في بعض الحالات النادرة، منها أن يرى المضارب- من غيرهما- أن الخير والمصلحة يكونان في دفع جزء من العمل مع دفع جزء من المال- أو دون دفع مال- إلى جهة معينة لقاء نصيب من الربح.

أما عن طريق تقسيم الأرباح… فالأنسب هو ما ذهب إليه الأحناف والزيدية من أن: لو أضاف رب المال الربح إلى المضارب في العقد، كقوله: خذ هذا المال على أن مارزقك الله من ربح فهو بيننا، فلو أعطى المضارب الأول المال مضاربة إلى المضارب الثاني على نصف الربح، فربح المضارب الثاني، فله النصف وللمضارب الأول النصف الآخر من الربح، فيكون هذا النصف ما رزق الله للمضارب الأول، النصف للمضارب الأول، فيكون بينه وبين المالك بالتساوي؛ أي لكل منهما ربع الربح الذي حققه المضارب الثاني.

أما لو دفع العامل مضاربة إلى عامل ثان، دون إذن رب المال فتجر فيه العامل الثاني فهلك جزء من رأس المال، فالرأي كما يلي:

إن كانت المضاربتان صحيحتين، وتصرف العامل الثاني في المال، يضمن العاملان رأس المال لربه… فإن كان العامل الثاني يعرف أن المال مال مضاربة أولى، يحق لرب المال مطالبة أي من العاملين بما تلف من المال، فإن طالب العامل  الثاني فعليه الأداء، ولا يحق للعامل الثاني أن يطالب العامل الأول. وإن طالب رب المال العامل الأول … فعليه الأداء ويحق له أن يطالب العامل الثاني؛ أي إن العامل الثاني هو الضامن الأخير لعلمه ولأن المال تلف في يده. وقال المالكية بتضمين العامل الأول لأنه والأغلب قد تعدى، وقال الأحناف بتضمين الأول لأنه غر الثاني بالعقد، وهذا لا يحدث في حالة علم العامل الثاني.

وقد أخذنا بتضمين الثاني في حالة علمه؛ لأنه في حالة الربح… يكون تصرف العامل الأول مفيداً للمضاربة.

أما لو لم يعرف المضارب الثاني بالمضاربة الأولى … يكون الأول غره بالعقد فيضمن الإثنان؛ فإن طالب رب المال الأول … لم يكن له أن يرجع على الثاني، وإن طالب الثاني كان له أن يرجع على الأول لأنه غره.

أما لو لم تكن المضاربة الأولى صحيحة لتخلف ركن من أركانها أو شرط من شروط صحتها، فقد قال الأحناف إن فساد الأولى يوجب فساد الثانية ويصبحان أجيرين ولا ضمان عليهما، وإن صحت الأولى وفسدت الثانية قالوا يصبح العامل الثاني أجيراً عند الأول والأول له أن يستأجر فتصح المضاربة الأولى ولا ضمان عليه.

أما لو دفع العامل المال مضاربة إلى عامل آخر دون إذن رب المال فتصرف فيه المضارب الثاني وربح؛ فالمشكلة تقع هنا لأن الضمان قد حدث عندما تصرف العامل الثاني في المال، فضمن لرب المال ماله، فلم يعد يطيب له ربح ما ضمن له، فإن لم يكن له الربح كان كله للعاملين… فإن تحقق الربح من المضاربة الثانية، ينال العامل الأول أكثر بتعديه مما كان ليناله لو لم يتعد أو كان قد طلب الإذن وإذن له.

وقدا اختلف الفقهاء فيمن يحق له الربح:

فقال الحنابلة والزيدية في رأي لهم إن الربح كله لرب المال ولا شيء للعاملين.

وقال الزيدية في رأي لهم الربح بين رب المال والعامل الأول، على أن يدفع الأول للثاني أجرة عمله.

وقال الشافعية – في رأيهم القديم – إن نصف الربح للمالك والنصف بين العاملين بالتساوي، وفي القول الجديد للإمام الشافعي رحمه الله أن الربح كله للغاصب، واختار الإمام السبكي أن يكون الربح للثاني.

وقال المالكية الربح بين رب المال والعامل الثاني ولا شيء للأول.

وقال الأحناف والزيدية – في رأي لهم – إن الربح بين العاملين، وقال الأحناف إذا لم تكن المضاربتان صحيحتين… كان الربح كله لرب المال، وللعامل الأول أجر عمله على المالك، ويرجع الثاني على الأول بأجر عمله.

وقد اختلفت اجتهادات الفقهاء للمشكلة التي ذكرناها، وهي اجتماع الضمان والربح، والضمان وقع قبل حدوث الربح وكان من الممكن أن يكون مكلفاً لأحد العاملين لو لم يتحقق الربح، ولهذا… يجب التفريق بين من يقع عليه الضمان في حالة هلاك رأس المال أو تلف جزء منه وكانت المضاربتان صحيحتين… فإن كان الضمان سيقع على الأول لعدم معرفة الثاني بأصل المال، فالربح بينهما هذا بضمانه وذاك بعمله، ولرب المال ماله ولا شيء له في الربح. وإن كان الضمان سيقع على العامل الثاني لمعرفته بالمضاربة الأولى… فله نصيبه وما كان لرب المال من الربح، الجزء الأول بعمله والثاني بضمانه، ويجب إعلام رب المال حال عقد المضاربة الثانية وله في هذه الحالة إما أن يأذن، أو يفسخ، أو يقبل الضمان… فإن قبل الضمان صح ما سبق ذكره هنا.

وإعلام المالك هو من مسؤولية المضارب الأول إن لم يعرف الثاني حقيقة المال، فإن لم يعلمه المضارب الأول فالضمان لم يعط لرب المال في ذلك الوقت، فإن عرف الحقيقة عند حدوث الربح أو الخسارة… فله أن يجيز فتصح المضاربة ويطيب له ربحه، أو لا يجيز فيحق له ضمان ماله، وبالطبع سيجيز لو كان في المال ربح، وسيمتنع إن كانت فيه خسارة، وهذا لا يتعارض مع حقه في الربح لأن الضمان لم يقع، وهو حتى علمه بالأمر كان مخاطراً بماله أي ضامناً له.

ونحتاج هنا إلى دراسة متى يقع الضمان، واتفق الفقهاءأن الضمان يقع عند التعدي، والتعدي هنا هو بدفع المال إلى المضارب الثاني، ولكن العامل قد دفع المال لفائدة ترجى من استثمار مع العامل الثاني، والشروط عامة يمكن تعديها إلى ما هو أفضل بشرط تحقق الأفضل، وفي حالة الاستدانة والشراء للمضاربة بأكثر من المال مع تأجيل الثمن بدون إذن… أجاز المالكية والإمامية أن يعود العامل إلى رب المال؛ فإن أذن له جاز، وإن لم يأذن… كان شراء العامل بالثمن المؤجل لنفسه، فلا يفسد العقد تلقائياً بالتعدي الذي يرجى منه الخير فيخير المالك فإن أبى ضمن العامل هذه الزيادة، ويصبح الشراء الزائد لنفسه وتستمر المضاربة في المال الأصلى غير المضمون من العامل، ولهذا… فإن تعدي العامل بدفعه المال مضاربة لمصلحة يراها، هو رهناً بإذن رب المال، والذي لا يزال من الممكن تصور الحصول عليه لاشتراكهما في المصلحة، فإن رفض المالك وكان المضارب الثاني قد باشر العمل… وقع أنذاك الضمان على العامل، ومتى وقع الضمان فليس لرب المال إلا رأس ماله، والله أعلم.

أما إذا عرف المضارب الثاني بحقيقة مال المضاربة الأولى، فمسؤولية إعلام رب المال تقع عليهما معاً، فإن أعلماه أو أعلمه أحدهما وأبى أن يأذن… كان على العامل الثاني أن يعيد المال، ومتى عاد المال… كانت المضاربة الأولى صحيحة إلا أن يفسخها رب المال، أما إذا لم يعلماه فالعامل الثاني تقع عليه المسؤولية لأن العامل الأول إنما دفع المال لما رأى من المصلحة، بينما الثاني قد أخذ المال، مع علمه أن صاحبه لم يجز له أن يتصرف فيه وهو ما أخذ المال ليعمل فيه إلا راجياً الربح، فإن عمل وربح أو خسر، وعلم رب المال بالأمر فله أن يختار بين أن يجيز ما فعله الأول أو يأذن به، فإن أجاز… صحت المضاربتان وكان الربح على الشرط، وإن رفض ضمن الثاني له ماله، فإن طالب الأول رجع الأول على الثاني.

15- سفره للمضاربة:

للمضارب أن يسافر بالمال، إن لم ينه رب المال عن ذلك أو لم يشترط عليه أن يتاجر في بلد معين.

16- إقراضه وتبرعه من مال المضاربة:

ولا يجوز له الإقراض أو التبرع من مال المضاربة، إلا بأذن رب المال.

17- المخاصمة والمقاضاة:

والخصومة تنشأ عن تصرف العامل أو اعتداء الغير دون تعد من العامل؛ ولأن العامل يملك المعلومات والأدلة التي تيسر له المقاضاة… وجب عليه أن يخاصم من أجل المضاربة إذا كان لها حق على الغير، أو يدافع عن مالها لو تعدى الغير… فإن كانت الخصومة ناتجة عن تقصير بين من جانبه يتحمل هو تكاليفها من ماله وإلا كانت من مال المضاربة.

<< previous page next page >>