الصفحة الأولى

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ

مقدمة الموقع

يحتوي هذا الموقع (الغير ربحي) على دراسات إسلامية في موضوعات مختلفة، قام بها الباحث خلال مدة إمتدت لعدة عقود. وقد تم نشر وتوزيع كتاب المضاربة من قبل، بينما نعرض في هذا الموقع بحثي (الزكاة) و ( الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون).

وقد أضفت باب “المدوًَنة”  

 والتي عبرها وعبر الفهرس الرأسي في الجانب الأيسر من هذه الصفحة، يتم تباعًا إضافة ونشر مقالات وأبحاث جديدة. 

وأضفت أيضًا قناة بأسم  Al Mudarabah على   You Tube  وصفحة في هذا الموقع بعنوان Videos  ننشر فيها عناوين الفيديوهات التي تنشرها القناة على اليوتيوب.

الهدف من الموقع هو تقديم دراسات وإجتهادات في الموضوعات التي تهم الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ونعرضها في هذا الموقع حتى يطّلع ويُعقب عليها ويناقشها أهل الفقه والعلم والإفتاء، آملين أن ينبثق عن هذه الدراسات والبحوث ما فيه الخير، خاصة أنها تقدم فهمًا جديدًا في موضوعات هامة، وما التوفيق إلا من عند الله؛ والحمد والشكر لله سبحانه وتعالى،،                                                                                                                            وسيم محمد رفيق                     

For the website Introduction in English Language, please click here or visit ‘Menu / introduction’ listed at the top of this pageeditoratalmudarabah

.©

حقوق الملكية الفكرية وحقوق النشر أو الطبع أو التوزيع لكافة ما ينشر في هذا الموقع مسجلة وملك المؤلف ولا يحق إستنساخ أو نشر أو طبع أي من الموضوعات أو أجزاء مما ينشر في هذا الموقع دون الحصول مسبقًا على موافقة كتابية من المؤلف.Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without the prior written permission from the Author.

الى زوار الموقع الأفاضل:  يهمني إستلام رسائلكم وأن تصلني إقتراحاتكم.

ونُقّيم مشاركتكم بالإضافة والمراجعة والمساعدة بالترجمة والثواب عند الله سبحانه وتعالى. 


ننشر هنا تباعًا أحدث الموضوعات التي يتم نشرها في هذا الموقع والقناة :


وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  –  ذوالقرنين    The Sun Sets in a Warm Spring – Zul-Qarnain

The Seven Skies  –   Al Quran Chapter 41 Verse 12

Expansion of the Universe – The Quran Chapter 51 Verse 47


الرد على من أنكر الإعجاز العلمي في آيات الخلق


Black Hole          النجم الثاقب والثقب الأسود


فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ   موت مجرة         Death of Galaxy


Which Created First? Earth or the Sky    أيهما خلق أولاً    الأرض أم السماء؟


The Moon Split Part 1 of 3 Parts

The Moon Split   (Part 2 of 3)

Moon Split   Part 3 of 3 (Final Part)


Buying Car or House on installments without Riba – Sale at Deferred Price Higher than Present Price


مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الأول من جزئين

            مخطوطة مصحف برمنجهام الجزء الثاني والأخير           


الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء    الجزء الأول

الرد على إدعاء إطروحة دان جيبسون أن الإسلام بدأ في البتراء وليس في مكة وأن قِبلة المساجد الأولى كانت تتجه نحو البتراء   الجزء الثاني


الرد على شُبهة وإدعاء أن القرآن الكريم نُقل من الكتب السماوية التي سبقته وأنه بشري المصدر

الجزء الأول من خمسة أجزاء

بسم الله الرحمن الرحيم

يوجد على اليوتيوب والأنترنيت قنوات أصبحنا نعرفها، لا تتوانى في استخدام أساليب الغش والكذب والإفتراء بقصد تشكيك المسلمين في دينهم. يظهرون بمظهر الدارس الباحث الأكاديمي الذي يعتمد على مصادر موثوقة وعلى استنتاجات منطقية، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، مقدماتهم إنتقائية أو كاذبة وأبحاثهم -إن سميناها أبحاثا تجاوزا- لا تعتمد منهجا علميا ولا تأخذ موقفا محايدا من المُعطيات ولا يهمهم سوى الوصول الى النتيجة التي بدأوا بها، وهي أن هذا الدين وهذا القرآن بشري المصدر. وبينكم من ليس لديه الوقت للبحث والدراسة والفحص والتمحيص، يسمعون لهم مرة بعد مرة فيدب الشك رويدا رويدا في قلوب البعض.

القرآن والدين الإسلامي أقوى من هؤلاء جميعًا، مهما كثروا ومهما نشروا من افتراءات وأكاذيب، ولكن واجبنا أن نرد عليهم، ليس من أجلهم ولكن من أجل أخواننا في الدين الذين علينا أن نبين لهم أن ديننا هو دين الحق، ليس لشيء إلا لأنه فعلاً دين الحق. ولهذا أرجوك يا أخي المستمع الكريم، أن تنشر هذا الفيديو لمن ينتفعون به، عسى الله تعالى أن يحفظ ديننا ويقوي إيماننا. والحمد لله إذ هدانا.

سيكون الرد على حلقات تتناول الشبهات التي يطلعون بها علينا –كيفما يقدرنا الله على المتابعة والدراسة والكتابة والإنتاج- وسأبدأ في أول حلقة بالرد على إدعاء  أن مصادر القرآن هي كتب أديان وعلوم من سبقوه، وقد ذهبوا إلى هذا لأنه ورد فيه بعض من  قصص وشرائع أنبياء الأديان الأبراهيمية التي سبقته. ونحن لا نجد غرابة في هذا فالرسالة الإسلامية أعلنت عن نفسها أنها مكملة مصححة خاتمة لما سبقها من الأديان التي تعود الى الله تعالى، ولهذا فمن الطبيعي أن يشتمل القرآن الكريم على قصص الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتب اليهود والنصارى، لأنهم ورسل وأنبياء من عند الله، أنظر قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.. (13)}  الشوري 62

وقبل الخوض في الرد، يجب أن نبين أن هؤلاء الذين يدعون هذا، يتناسون أن القرآن كتاب يختلف كلية عن كل الكتب السماوية التي سبقته، بل ويختلف كلية عن أي منتج بشري، هو ليس كتاب تاريخ أمة وأنبياء يفصل أسماء أولادهم وأحفادهم ككتب اليهود، وهو ليس سيرة نبي معلم تُجمع فيها أقواله وخطبه ومواعظه ومعجزاته كالأناجيل، وليس مثل الأفيستا الزرداشتية مقابلات وأسئلة يجيب عنها الإله. القرآن كتاب لا يهتم بالتسلسل الزمني والتأريخ، لا يهتم بالأماكن والأمصار، يخرج عن حدود الأزمنة والأمكنة. كتاب لا يهتم بأسماء الناس عدا أسماء الأنبياء والرسل. ليس مثل أي شيء سبقه، أو لحقه، كتاب فريد ليس مثل كتب البشر، التي تتكون من موضوعات معنونة في أبواب وفصول ولها فهرس وترتيب وتدرج وبداية ونهاية. إنما هو نسيج متداخل ممتد ينتقل ببراعة وسلاسة من موضوع الى موضوع ومن قصص الأنبياء الى أحكام وتشريعات، من عبادات إلى حكم ومواعظ، من كرائم الأخلاق إلى علوم الكون والخلق، من تكافل ورحمة وجمال إلى إنذار ووعيد وعذاب، من عالم الشهادة الى عالم الغيب، ضمن خطاب قوي جريء متسلط لا يشوبه ذرة من تردد أو محاباة أو مسايرة. لا يقيم وزنًا لا لملك ولا لفرعون ولا لملاك ولا لشيطان، كل شيء خاضع لمشيئته وأوامره.

كل الكتب التي سبقته هي كلام بشر يقصون علينا سير أنبياء يخبروننا بدورهم عن الله سبحانه تعالى، بنبرة واحدة لا وزن فيها ولا جمال ولا بلاغة، بينما القرآن هو كلام الله تعالى يخاطب الرسول والأمم والناس مباشرة، بكلام بليغ منسق مرتب موزون سلس. يخاطب به الله الرسول والناس مباشرة، أنظر كم من الآيات تبدأ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،  يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.

القرآن خطاب مباشر من الله الى الناس كافة، من الله تعالى إلى وإليك مباشرة، لا كهنة ولا أحبار ولا قساوسة ولا شيوخ. أنظر كم من آية تبدأ بقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا، قل للمؤمنين، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ،  قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا،  قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون. ونجد فيه نسبة الخطاب الى القائل الله تعالى بقوله: إنّا وأنّا، كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)}الحجر. القرآن كلام الله الصادر عنه مباشرة الى كل الناس. ولن تجد مثله في أي كتاب آخر. ليس كلام الرسول، إذ يختلف في أسلوبه عن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح هذا بما نجده في الأحاديث والخطب والرسائل، الفرق بين يعرفه كل من يتحدث اللغة العربية.

بل هل كان من الممكن أن ينتحل الرسول صفة الله ويتكلم بإسمه زورًا، يرد القرآن بقوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) } سورة الحاقة. أنظر قوة الرد الذي كان يفهمه المشركون في ذلك الزمان، فهم وإن أشركوا، فإنهم لم ينكروا وجود الله تعالى وإنما أشركوا معه الللات والعزى ومنى، ويعلمون أن الله يغضب لو تقّول عليه أحد ويخافون غضبه.

السؤال هنا، ليس لماذا إشتمل القرآن على هذه القصص؟ فكما ذكرنا أنه لا غرابة أن تذكُر رسالة الله تعالى الرسل والأنبياء الذين أرسلهم من قبل. وإنما السؤال للذين يدّعون بشرية القرآن، هو كيف عرف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخبار والروايات بهذه الدقة والتفصيل؟ لأن الإتهام ليس فقط أنه نقل عن كتب اليهود والنصارى، وأنما نقل أيضًا عن أديان وحضارات أخرى بعضها بادت واندثرت، منها أديان وعلوم زرادشتية وسومرية وفارسية ويونانية وغيرهم – بل ولو نظرنا الى اليهودية والمسيحية، فبالإضافة الى كتب العهد القديم والأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائلهم، هناك كتابات الأحبار والربانيون والقساوسة التي هي في درجة المرويات والتفاسير، وهؤلاء كثر لا يحيط بهم شخص في ذلك الزمان، ولا في أي زمان. فهل كان ليتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم – أو غيره من معاصريه في مكة- أن يطّلع على هذا الكم الهائل من المصادر، في عصر لم يكن فيه كتب أو مكتبة أو مُجمّع علماء، فهل يُعقل أن يُلمَ شخص أو مجموعة أشخاص بكل هذه العلوم ويمحصها ثم يختار منها ما يسرده في كتاب واحد كموضوع جانبي ليس من أصل الكتاب. فان كان -وهو من الصعب أن يكون-  فلماذا سلم هؤلاء العلماء هذه العلوم الى الرسول ثم تواروا عن الأنظار واختبئوا ولم نسمع عنهم شيئا.

وهذه الأتهامات ليست جديدة، فقد أعياهم القرآن اليوم كما أعيّا مشركي مكة وكان حسرة عليهم، فإحتاروا فيه ولم يجدوا ما يطعنوا فيه سوى إتهام الرسول بالنقل والتأليف.

في قوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} سورة الفرقان الترتيب 42 ص41

كان هذا الإتهام بعد عدة سنوات من بدء الدعوة، وبعد أن نزلت أربعون سورة قبلها. فجاء الرد في الآية التي تلتها: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)} الفرقان

وقوله تعالى {أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سنجد فيما بعد –في هذه الدراسة- أن هذا القرآن أحتوى علوما لم يكن أحدا على وجه البسيطة في القرن السابع يعرفها أو حتى يتخيلها، ولهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الذي يعلم أسرار السماوات والأرض.

ثم قال المشركون مثل قولهم الأول كما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} سورة النحل. والأعجم في اللغة هو الرجل الذي لا يفصح، وقولهم: العَجَمُ الذين ليسوا من العرب، وهذا من هذا القياس كأنَّهم لمّا لم يَفْهَمُوا عنهم سَمُّوهم عَجَماً.

 فكان الرد {لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}

نزلت هذه الآية في سورة النحل، وترتيب سورة النحل ال 70 في ترتيب نزول السور، أي كانت في حوالي السنة الثامنة بعد البعث. أي أن أكثر من نصف القرآن كان قد نزل قبل هذه الآية، فمن أين أستقى الرسول العلم قبل ظهور هذا الأعجمي.

ولماذا يعرف الأعجمي لو كان روميًا أو نصرانيا علوم زرادشتية وفارسية، ولو كان من الفرس لماذا سيعرف علوم النصاري واليهود واليونان والروم؟ ولو كان هذا الأعجمي يملك كل هذه العلوم لعلا شأنه ولوصلنا ذكره. أضف أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فكيف تم حصر المعلومات وتنظميها وترجمتها وصياغتها ثم سردها ببلاغة ويسر بلسان عربي مبين.

بل والأهم، أن المبادئ والمفاهيم والثوابت الأساسية مثل التوحيد ويوم القيامة والحساب والميزان والجنة والنار والملائكة والشيطان والخلق والأنبياء إبراهيم وموسى وذكر الحضارات البائدة عاد وإرم وثمود وفرعون وذكر الصلاة والصدقة والزكاة وإكرام اليتيم كل هؤلاء ذكروا في السور القصيرة التي نزلت في السنة الأولى من البعث، ثم فُصّلت هذه العنواين الأساسية خلال العشرون سنة التي تلت، وهذا يدل أن القرآن لم يتطور وينمو مع معلومات جديدة تصل الى الرسول عن طريق من قد يستمع إليهم خلال الثلاثة والعشرين سنوات الدعوة، وأنما كان بينا واضحا في أساسياته من الأشهر الأولى من التنزيل. بل وأن القرآن سمى الذين يدخلون الدين الجديد {المسلمين} في سورة القلم وهي ثاني سورة نزلت على الرسول. وفي هذا رد على اللذين يدّعون أن تسمية أتباع الدين بالمسلمين جاءت متأخرة. 

  بل والأسلوب القوي المتحدي الغير مهادن الذي نزل به القرآن في أوائل شهور البعث النبوي لا يمكن أن يصدر عن رجل يتحسس طريقه نحو إنشاء دين جديد أو أنه نتاج فكر بشري يتشكل ويتطور جزءًا جزءًا معتمدا في مضمونه وأساسياته على ما قد يسمعه من بعض الموالي كما يدّعي هؤلاء. بل وأن يهدد –في الوقت الذي كان هو وأتباعه القليلين مستضعفين في مكة – يهدد القرآن أكابر القوم من قريش بالعذاب المهين. 

لقد نزلت سورة المسد بقوله تعالى{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} سادس السور في ترتيب التنزيل، والذين سبقوا كلهم قصار، نزلت في أول الدعوة تتوعد عم الرسول وزوجته بعذاب النار وذل الآخرة، وهما من أكابر وزعماء مكة؛ هل هذا قول بشر يطمح أن يقنع قومه بالدخول في الدين الجديد؛ أم هو قول عزيز مقتدر.

ويجدر الإشارة هنا أن أبا لهب –الذي بتت الآية الكريمة أن مصيره في النار- مات بعد أربعة عشر أو ثلاثة عشر سنة بعد نزول هذه السورة وظل على كفره طوال هذه السنين فحق عليه دخول النار كما تنبأت بذلك السورة الكريمة، ولو كان آمن لكان إيمانهُ حُجة على الدين الجديد، ولكنه لم يؤمن وصدَقَت الآية الكريمة.

بل ونجد الفرق بين أفعال الرسول  وبين من أنزل القرآن عز وجل، في الآيات التي نزلت في أوائل البعث، في قوله تعالى:

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)} سورة عبس ترتيبها في النزول 24  أي لم يكن نزل من القرآن 5% منه بعد. (أي جزء واحد من عشرين).

يقول ابن كثير في تفسيره: ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله عز وجل ( عبس وتولى ). أنتهى كلام ابن كثير.

نجد هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يأمل في إسلام بعض أغنياء وأكابر قريش، فيعبس ويُعرض عن الأعمى الذي جاءه، بينما الله القوي المستغني، يُنزل آية تبت أبا لهب وتب، لا يهمه أحد كبيرا كان أو صغير، غني أو فقير، بل لا يهمه إن آمن أم كفر، إن آمنتم فلأنفسكم وإن كفرتم فعليها. أنظر قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)} يونس 52 مكية.

بل وما زلنا في أوائل ما نزل من السور، نزلت سورة النجم لتبلغ المشركين عن الآلهة التي يوقرونها ويبجلونها، وكانوا يقولون لمحمد لو ذكرت آلهتنا بخير نؤمن بك وبربك، بينما القرآن لا يأبه بهم ولا بآلهتهم، إذ يقول عز من قائل:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)} يقول عز وجل: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}، لا مهادنة أو سياسة هنا، بل مواجهة وتحدي وعدم إكتراث بقوة وسيطرة الخصم في ذلك الزمان.

ويقول لمحمد صلى الله عليه وسلم {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} الإسراء 50 ص 67

ويقول عز وجل : {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} سورة يونس 51 ص 71 (الأرقام التي بجوار أسم السورة هي ترتيبها في التنزيل)

هذه الآيات كلها مكية نزلت والمسلمين في قلة وضعف. بينما الآيات المنزلة قوية لا تأبه بقوة المشركين وسيطرتهم.

ولو عدنا الى الآية الكريمة { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)} النحل 70 ص 130 مكية

وذكر في التفسير مرة بلعام وكان نصرانيا وأخرى يعيش وكان أعجميا ومرة جبر النصراني غلام الحضرمي وذكروا غيرهم، وهؤلاء غلمان موالي لم يكونوا ليفقهوا في علوم الدين وان فعلوا فليسوا ممن قد يجلس معهم الرسول ليتعلم منهم، أضف أن هذا الشخص كان أعجمي اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.

ثم قال بعضهم بل هو سلمان الفارسي، والآية مكية والرسول لم يعرف سلمان الفارسي ولم يلتقي معه إلا بعد أكثر من ثلاثة عشر سنة من البعث وكان أكثر من نصف القرآن قد نزل عليه وحيا.

والرد القرآني جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)} النحل يقول ابن كثير: “أخبر تعالى أن رسوله ليس بمفتر ولا كذاب ; لأنه ( إنما يفتري الكذب) على الله وعلى رسوله شرار الخلق ، ( الذين لا يؤمنون بآيات الله ) من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس . والرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد.” أنتهى كلام ابن كثير.

وما ذكرناه على الآية 103 من سورة النحل والتي ذكر فيها الأعجمي، ينطبق على الآية 5 من سورة الفرقان، في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} وهنا نجد الإتهام أن هناك من يملي على الرسول وهو يكتب صباحا ومساءا، أي هناك إستمرارية، وحيث أننا ذكرنا أن المفاهيم والمبادئ الأساسية نزلت في أوائل السور، ثم كان تفصيل هذه المبادئ والمفاهيم والقصص الذي استمر حتى أنتهاء التنزيل بعد 23 سنة، فلابد لو صح كلامهم أن هؤلاء اللذين يملون عليه ظلوا معه طوال هذه السنوات، ولا بد أنهم كانوا معروفين للناس حيث أنهم مع الرسول ويرافقونه بكرة وأصيلا، ولو كان كذلك ظاهرٍا للناس وأنكره الرسول فكيف كان يلقب بالصادق الأمين. 

وفي قوله {وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)} الأنعام. هذه الآية ترتيبها في النزول ال 55 وسبقها نزول أكثر من ثلث آيات القرآن،  وأذكر هنا تفسير ابن عاشور إذ يقول رحمه الله: أي نصرّف الآيات مثلَ هذا التّصريف الساطع فيحسبونك اقتبسته بالدّراسة والتّعليم فيقولوا : دَرَسْتَ . والمعنى : أنّا نصرّف الآيات ونبيّنها تبييناً من شأنه أن يصدر من العَالِم الَّذي دَرَس العلم فيقول المشركون دَرستَ هذا وتَلَقَّيتَه من العلماء والكُتب ، لإعراضهم عن النّظر الصّحيح الموصل إلى أنّ صدور مثل هذا التَّبيين من رجل يعلمونه أمِّيّاً لا يكون إلاّ من قِبل وحي من الله إليه. أنتهى كلام ابن عاشور.

الجزء الثاني من “الرد على إدعاء أن القرآن الكريم بشري المصدر وأنه نُقل من الكتب السماوية التي سبقته”  –   

الحلقة الثانية على قناة المضاربة حيث تجدون الحلقات الخمس    https://www.youtube.com/watch?v=M9iMHloGTrI


القرآن ونظرية التطور

(الجزء الأول من ثمانية أجزاء)

هذا المقال مقتبس من كتاب : الفهم المعاصر لدلالات الآيات القرآنية في خلق الإنسان وفي خلق الكون. ولا يُغنى عن المفصل في الكتاب.

القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تتوافق نصوصه مع نظرية التطور، بل وإن حاولت قراءة النصوص وفي ذهنك أن الله خلق آدم من الطين مباشرة فستقع في كثير من الإشكالات في فهم دلالات النصوص، وهذا ما تجده في تفاسير السلف الصالح حيث أنه في بعض الأحوال إستشكلت عليهم الدلائل وهم يحاولون جاهدين توفيق النص مع المعاني المسبقة في إذهانهم من أن آدم خلق خلقًا آنيا مباشرة من الطين. وما وجدوا صعوبة في توفيقه مروا عليه دون تفسير مع ذكر ما يعرفونه هم عن كيفية الخلق دون بيان علاقة المذكور التفسيري بالنص. وقد بذلوا جهدهم المخلص وفق علوم الناس في عصورهم، والتي كانت متأخرة عن علوم القرآن الصحيحة، فاجتازوا بالأمة هذه المعضلة. وما لم يقدروا عليه قالوا نؤمن به كما نزل من عند الله، كما قال الناس عندما احتاروا في الآيات التي تقول بخلق السماء قبل الأرض، وأخرى بخلق الأرض قبل السماء. وقد بينا دلالات هذه الآيات في موضوع أيهما خلق أولاً الأرض أم السماء؟ في المقال المقتبس من الكتاب المذكور– الباب الرابع – الفصل الأول.

نحن لدينا اليوم علوم تبين صحتها بالأدلة العقلية والمشاهدات والتجارب فأصبحت لا تقبل الشك، وأصبح التشكيك فيها يقلل من قيمة المشكك لا من النظرية ذاتها، قد يقول قائل أن المعركة ما زالت مستعرة بين أصحاب نظرية الخلق الآني Creation  كما وردت في كتب العهد القديم في الديانتين اليهودية والمسيحية، وأصحاب نظرية التطور، وهذا صحيح وما زالت المناظرات والمداولات مستمرة حتى يومنا هذا خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. أصحاب الخلق الآني هؤلاء يتشبسون بالمعنى الحرفي لما جاء في كتبهم في سفر التكوين في اليوم السادس إذ جاء فيه: ” وقال الله نعمل الأنسان على صورتنا كشبهنا”، وأيضًا: “وجبل الرب الأله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوةٍ . فصار آدم نفسًا حية .” هنا في سفر التكوين نجد أن الله تعالى خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وكل أنواع الطيور والأسماك والحيوانات والإنسان في الأيام الستة. بينما نص القرآن أن خلق السماوات والأرض فقط هو الذي تم في الأيام الستة بينما خلق كل أنواع الحياة بما فيها الإنسان حدث في مراحل لاحقة، إضافة أن القرآن نفى أن يكون الأنسان على صورة الله تعالى أو شبهه، حيث نص القرآن أن الله تعالى {ليس كمثلهِ شيءٌ} وهذا ينفي بالضرورة أن الإنسان خلق على صورة الله تعالى عما يصفون. نقول أن اليهود والنصاري ليس لديهم ما لدينا في القرآن من نصوص تتوافق مع نظرية التطور ولهذا لا يجب علينا إتباعهم والإستشهاد بهم في هجومهم المستمر اللاعلمي على هذه النظرية، التي أشار اليها القرآن منذ زمن البعث والتنزيل.

قصة ظهور وتطور الحياة على كوكب الأرض من منظور العلوم الحديثة:

 قبل النظر في الآيات القرآنية التي ورد فيها موضوع خلق الحياة، نسرد فيما يلي تلخيصًا لقصة خلق الحياة وفقًا لما توصل إليه العلم الحديث، بالطبع ليست كل تفاصيلها مثبتة، وما زالت هناك الكثير من الحلقات رهن البحث والتنقيب، إلا أنه يمكن القول أنها بصورتها العامة –لا التفصيلية- تفسر الكيفية التي تطورت وفقها أنواع الحياة المختلفة على سطح الأرض، ويجدر الذكر أن تفسير الكيفية التى أدت الى ظهور أول خلية حية لم يزل قيد البحث ولم يصل العلماء بعد الى الأدلة العلمية التي تؤكد ظهور هذه الخلية تلقائياً، وهذا لا يضعف النظرية ولا يقلل من أهميتها.

 تتجه أغلب النظريات الحالية إلى أن كوكبنا الأرضي تكون كجزء من ذراع أحد نجوم الجيل الثاني، أثناء تكون هذا النجم منذ خمسة بليون سنة، وقد تكوَّن من هذه الذراع أيضًا بقية كواكب المجموعة التي نسميها اليوم “المجموعة الشمسية”، وكان كوكب الأرض في منتصف هذه الذراع تقريبًا فتكون معظمه من المواد الثقيلة كالحديد. كان هذا الكوكب عند مولده منذ زهاء 4,6 بليون سنة كرة ملتهبة منصهرة، وبمرور مئات الآلاف من السنين، بدأ سطح الكوكب المنصهر يتكون من المواد الأخف التى طفت على السطح وأخذت تبرد وتتجمد تدريجيًا، ومع الحرارة والضغوط الهائلة التي استمرت في باطنه الحديدي المنصهر، أندفعت منه أبخرة وغازات أحاطت بسطح الكوكب مكونة غلافه الغازي، وظهرت على سطحه البراكين والزلازل، وأنبثقت كميات كبيرة من المياه مكونة الينابيع والبحار والمحيطات، تبخر بعضها ليكون سحبًا ضخمة رعدية ممطرة.

وترى النظريات العلمية الحديثة ان الحياة بدأت على كوكب الأرض ربما منذ أربعة بلايين سنة، عندما كان المناخ مختلفًا الى حد كبير عما هو عليه الآن، فلم يكن هناك كميات تذكر من الأكسجين الحر، مع وفرة الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، وقد أظهرت التجارب أن المركبات العضوية مثل الأحماض الأمينية تتكون تحت الظروف التي نعتقد أنها كانت موجودة في هذه الحقبة الأولى، ويعتقد علماء التطور ، ونقول هنا يعتقد وليس لديهم دليلا حتى الآن، (وهذا النقص في الأدلة لا يتعدى كيفية وجود الخلية الأولى، أما بعد ذلك، فيوجد بعض الأدلة والتي يعتبرها العلماء كافية لتدل على أغلب المراحل) أن التفاعلات الكيميائية لهذه المركَّبات العضوية في الظروف المناخية الأولى، أدت الى تكون أول خلية حية في المحيطات. وأول صورة للحياة هي كائن أولي بسيط ميكرسكوبي ذو خلية واحدة دون نواة، يتكاثر عن طريق الإنقسام. وكان يعتمد في أول الأمر على المركبات العضوية الأخرى في مصدر قوته، وتطور ليتغذى عن طريق التفاعلات الكيميائية المولدة لطاقة Chemosynthesis ، ثم من الضوء عن طريق خاصية التمثيل الضوئي Photosynthesis. وقد أنتشرت هذه الكائنات في كل المحيطات، وأدت عملية التمثيل الضوئي الى تحرير الأكسجين في الجو. ونجد أن الطبقة الجوية قبل 1,7 بليون سنة أصبحت تحتوى على أكسجين حر، وقد ظهرت خلال هذه الحقب كائنات أكثر تطورًا هي Eukaryotes وبالرغم أنها كانت وحيدة الخلية إلا أنها احتوت على نواة وأجهزة لتخزين الطعام والتنفس وكانت تتوالد عن طريق التزاوج بدلاَ من الإنقسام، وأدى هذا الى البدء في ظهور أنواع جديدة، وحتى بليون سنة قبل الآن كانت هذه الكائنات الأولية البسيطة والأنواع التي تطورت عنها هي المسيطرة على الأرض، بعد ذلك ومع توفر الأكسجين في الجو بكميات كافية، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا، وكانت هذه الكائنات ذات أجسام رخوية، ومنها ظهرت Jellyfish & worms التي تعود الى أكثر من 680 مليون سنة قبل الآن، وظهرت الحيوانات الصدفية منذ 570 مليون سنة بعدها ظهرت الفقاريات والأسماك منذ حوالي 500 مليون سنة، ومنذ 400 مليون سنة خرجت بعض النباتات والكائنات من الماء الى اليابسة، وظهرت الزواحف  reptiles منذ 330 مليون سنة، وظهرت الأسماك المتنوعة وسمك القرش في البحار. وظهرت أيضًا أول أنواع الحشرات، ثم ظهرت الديناصورات منذ 220 مليون سنة والتي انقرضت منذ 65 مليون سنة، وزامنها تنوع كثير في أنواع الحياة الأخرى من حيوانات وحشرات وكائنات بحرية. وظهرت الطيور منذ مائتين مليون سنة، والنباتات الزهرية منذ مائة وستة وثلاثون مليون سنة، ثم الثدييات Mammals ،  وظهر الإنسان المنتصب على رجلين منذ 10 مليون سنة تقريبًا.

وقد تطور الإنسان وتفرع عدة فروع منذ ذلك الزمن، وانقرضت كل هذه الفروع فيما عدا الفرع الذي جاء منه كل الناس اليوم، وقد نما حجم مخه تدريجيًا خلال تطوره، قد تبين التدرج في نماء حجم مخ الإنسان من 500 سم3 الى متوسط 1300-1500 سم3 من قياس حجم الفراغ داخل الجماجم التي تم العثور عليها والتي تعود الى عدة أزمان من هذه الحقبة الطويلة.

 وقد قام العلماء حتى الآن بتسجيل ووصف أكثر من مليونين من الأنواع النباتية والحيوانية، ويوجد عدد أكبر بكثير من الأنواع والتي لم يسجلها العلماء بعد، وتتراوح تقديراتهم أن هناك بين 10 ملايين الى 30 مليون نوعا يوجدون على كوكب الأرض، وقد يتجاوز العدد الفعلي هذه الأرقام.

 وتفسر نظرية الإنتخاب الطبيعي، عملية التحولات النوعية في الكائن الحي، والتي أدت الى هذا التنوع الذي بدء من خلية واحدة، على أنها نتيجة تراكم التغيرات النوعية الطفيفة التي تحدث في الكائن الحي نتيجة محاولته التكيف بصورة أفضل مع تغيرات الظروف البيئية المحيطة به، وهذه التغيرات الطفيفة تحدث تعديلاً طفيفًا في السلسلة الإهليجية التي تتضمن تعليمات إنشاء وصيانة الكائن ذاته ( DNA ) والتي يورثها الكائن الى نسله، فإن نجح هذا التغيير في جعل الكائن أكثر تكيفًا مع بيئته فانه يستطيع الأستمرار والتناسل، بينما التعديلات الفاشلة ينتج عنها كائنات هي وذريتها ضعيفة غير قادرة على التكيف مع بيئتها، فتندثر هذه الكائنات الأقل ملائمة، وخلال فترات زمنية طويلة، يبقى فيها فقط أصحاب التغييرات الصالحة، فتتقدم الكائنات وتتنوع وفق الظروف والبيئات التي تتعرض لها، وخلال عدة بلايين من السنوات ومع تراكم هذه التغييرات الطفيفة التي قد لا يمكن حصرها، وصل تنوع الحياة الى ما هو عليه الآن. والأنسان وفق هذه النظريات ما هو إلا فرع من الفروع الكثيرة التي تشعبت اليها شجرة الحياة، ولا يختلف تكوين ال DNA   الإنساني عن ذلك الموجود في بقية انواع الحياة وحتى عن ذلك الموجود في الأشجار والنباتات إلا بجزء صغير من تلك الأوامر البنائية للمخلوق.   

 هذا تبسيط لما توصل اليه العلم الحديث، مع بعض إختلاف النظريات التي تفصَّل الأسباب والسبل التي أدت الى التطور، ونقص التفسيرات فيما يتعلق ببعض التفاصيل الهامة وخاصة فيما يتعلق بظهور وتطور العقل الإنساني، وكيفية بدأ الخلية الأولي.

ما سبق لم يكن معروفا في الأزمان السابقة، وحتى مائة وستون سنة خلت، كان أكثر الناس يعتقدون أن الله تعالى خلق من الطين هيئة إنسان ثم نفخ في الطين فأصبح رجلا حيا هو آدم. وكذلك خلق الله تعالى كل الحيوانات والطيور والأسماك والنباتات خلقًا آنيا مباشرا. هذا ما أعتقده المفسرون الأوائل، وتوقعوا أن النصوص تشير إليه.

***  يتبع في الجزء الثاني  ***


حُكم وشروط البيع بالثَّمَن المؤجّل مع الزِّيادة على الثمن الحال


الرد على الدعوة للمساواة بين الذكر والأُنثى في الميراث

النص القرآني في سورة النساء {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ………………………………} (11) الى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)  سورة النساء

 أنظر قول الله تعالى: {.. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ …} وقوله تعالى: { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ …………}

المواريث وفق الآية هي من حدود الله والأجدر ألا تُتعدى حدود الله تعالى.

مقولة أن قطع اليد وعقاب الزنا لا يطبقان في عصرنا هذا، فهذان من العقوبات وليس من حدود الله التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وأن أطلق عليهما الفقهاء أسم الحد كحد السرقة وحد الزنا، فهذا قول الفقهاء وليس في النص القرآني ما يدل أن العقوبات من حدود الله. ولهذا لا تقاس المواريث التي هي من حدود الله على العقوبات، أو على أي شيء فهذه الآيات قطعية الدلالة.

والآية الكريمة سمحت بوصية تسبق التقسيم، في قوله تعالى { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} والوصية لا يصح أن تخالف ما فرض في الآية، أي أن يوصي الرجل بأكثر للذكر أو للأنثى عما فرض لأيهما. وقد أجتمع الفقهاء على أنه لا وصية لوارث، وهذا صحيح، لأنه لو أوصى لأي من أولاده (أو لأي ممن جاء ذكرهم في آية المواريث) بأكثر مما فرض له في الآية، إختلت النسب وأختلفت عن المفروض في الآية، وهذا لا يصح. ولأصبح فعل الموصي تعديا يقع به ظلمًا على بعض ورثته فلا يصلهم ما كتبه الله تعالى لهم.

الأغلب أن الوصية التي تسبق نصيب الورثة من الأقرباء تكون للغير – الذين لم يرد ذكرهم فيما فرض في الآية الكريمة – ومنهم الفقراء والمساكين وما يوصى به الى الجمعيات الخيرية والصدقات وأعمال الخير وما يوصى به للخادم والصديق الذي قد يكون له فضل وآخر كان الموصى يساعده أثناء حياته وغيرهم. ولحفظ حقوق الورثة حدد الفقهاء المال الذي تشمله الوصية المذكورة أن لا يزيد عن ثلث المال الذي يتركه إلا بإجازة الورثة ((اجمع الفقهاء على أن تكون الوصية في حدود الثلث وإن لم يجزها الورثة، مستندين في ذلك على أحاديث عدة كالحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:” جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال: يرحم الله ابن عفراء” قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله قال “لا” قلت :فالشطر قال:”لا” قلت فالثلث قال:”فالثلث، والثلث كثير”)).

الآية الكريمة (وغيرها من آيات المواريث) تحفظ حق الأولاد في الميراث، فما يضمن إن تحول عنها الناس فكان لكل شخص أن يوصي كما يشاء فربما في بعض الأحوال تظلم البنات اللاتي يتصور أصحاب هذه الدعوة أنهم يدافعون عن حقهن. العدل في ما شرع الله تعالى.

Introduction

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Almudarabah.com & islamandsciencetoday.com are websites established to publish contemporary Islamic research, with the aim of providing a venue for Muslim scholars and intellectuals to review and discuss such issues.

Our researches are in the Arabic language because this is the language of the holy Quran, Hadith, and the majority of the Muslim scholars’ writings accumulated throughout the various ages of Islam. Gathering and reviewing such information from its original sources is essential to ensure that none of the original meaning is lost or misinterpreted during translation, especially for the verses of the Holy Quran and Hadith.

Although our researches are in the Arabic language, and at this time, only a few articles are published in the English language, we will Inshaa’Allah put an effort to write brief articles in the English language to summarize the outcome and conclusions reached in our studies, hoping to involve the very important and valued contribution of the non-Arab Muslim scholars, who during the history of Islam, have played a major role in advancing and enriching our culture and knowledge.

On the other hand, we consider translating the full published research and studies is of great importance, but this is an enormous task beyond our means and ability. That is why, we welcome any serious party willing to carry out part or parts of this tremendous task, their reward like ours, will be Inshaa’Allah the blessings of Allah.

Finally, we are hoping that this site will become a virtual conference place or a kind of workshop for all serious open-minded Muslim thinkers to review, share, discuss and hopefully guide and advance this research.

In today’s world of vast; varied and specialized knowledge, which is continuously advancing and opening new fields and horizons, no one man can master and conclude any subject. However, serious studies and research shall start from one point, then it should be placed in the open, to be reviewed by many intellectuals each in his or her specialized field, to scrutinize, examine and contribute toward advancing such research till it reaches its final or near final conclusion.

I have also advanced the researches and I am publishing them on Amazon/Books: 

Click here to go to the page of ‘List of Published Books‘.

www.amazon.com    Category books and put in the search box: Wassim Lababidi

Image of the Book Covers are shown under this Introduction and how to read the eBooks on any device.

The English language books are published on Paperback and eBooks.

The Arabic language books (shown on the Arabic Front Page) are only published as eBooks and can be read on a Kindle, Tablet, iPad, iPhone and Android phone.

All books are priced at or near the minimum allowed by the publisher Amazon (Their minimum price covers Amazon’s printing, management and publishing costs).

I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim (Arrange by “Oldest” to view the videos in order) And YouTube. 

To view the newly downloaded videos, Please click here to reach the page with the new addresses.

Please visit the YouTube channel and view a video, leave a comment or subscribe, so I know it is working and to avoid YouTube closing it. Thank you.

The main studies we are introducing on this site are:

Al Mudarabah: comprehensive research; which was printed a couple of decades ago in a 440 pages book and was distributed to academics, scholars and intellectuals working in the various fields of Islamic banking & financial institutions. The whole book is published again in digital form in this website, providing a valuable reference and materials useful to researchers, economists and bankers.

The research reviewed and listed the conditions of the Mudarabah contract, and its application in our modern times, and showed that it can be safely used as it has built in, adequate safeguards and conditions to equally protect the interest of the two partners and to ensure a satisfactory outcome of the business transaction. It also provides the means to justly measure the value of each party’s contribution and accordingly its fair share of the profit. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Al Mudarabah/Introduction’.  

Al Zakat: Scholars have differed since early Islam on the rules of and dues under Zakat. Based on the Quran, Sunnah, Hadith, and other Islamic sources, the research provides a different and new understanding of this religious duty (فريضة الزكاة), leading to a well-defined rule applicable equally to all types of money, investments and economic activities. A more detailed brief is published on page ‘Menu/Al Zakat’.

Creation: In this 21st century, the issue of creation is still troubling all religions, and the debate is still as engaged as it was 160 years ago when the concept of evolution was first published. However, we –Muslims- are blessed with the holy book which was revealed to our prophet (PBUH) some 1400 years ago.

Our research methodology is 1) to gather and list all the relevant verses in the Quran which cover the topics of creation, the observed universe and life. In the same time, 2) review and summarize the latest scientific theories and concepts covering various fields of the present human knowledge, 3) review and study the early scholar’s interpretations of the gathered Quranic verses relevant to this subject. 4) we looked at the direct meaning of the words as listed in the early accepted Arabic dictionary books (Ma’ajem  معاجم اللغة), to reach the direct meaning of the Quranic verse.

In all the verses we studied; the direct interpretation of these verses did not disagree with any of the contemporary scientific understandings, including the concepts of evolution and the creation of the universe. This research extended to almost 400 pages, with Chapter 3 dealing with the creation of man and Chapter 4 dealing with the creation of the universe and with the physics of the observed world. A more detailed brief will be published on page ‘Menu/Creation’.

I sincerely hope that you will read and contribute to these researches. May Allah bless this great nation and direct us to the straight path.

Wassim Lababidi


The following are the books published on Amazon/books/Wassim Lababidi

For the eBooks:
All English language eBooks can be read on your PC, MAC and on all other devices such as tablets, iPad including mobiles.
All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile and computer.
All eBooks are priced at the allowed minimum of US $2.99 from Amazon.com And £1.99 from Amazon.co.uk
Kindle for PC & MAC
With the free Kindle for PC, You can read (and/or Listen using ‘Text to speech’ found in the Menu under Tools) English language eBooks on any device, including Computers and Laptops. (This applies to all my English Language eBooks).
First:
Install or Update the ‘Kindle For PC on Your Computer’
Download and install Kindle:
Search Google for Kindle for pc
Page title: Install or Update the Kindle For PC on Your Computer. Then ‘Download for PC or Mac’
Or the following link

To get the App on your mobile, it is in the Google Play Store

To install the Kindle app on an Android device (mobile): Open the Google Play Store, search for “Kindle” or ‘Kindle free read’, select the app, and then tap “Install” Once installed, open the app and sign in with your Amazon account. Your Kindle library should then appear, and you can start reading by tapping on a book to download it. 

To register an account with Amazon, just type your email as a user name, then choose a password. 

Second:
All English language books can be read on your PC, All Arabic Language eBooks can be read on all devices including your mobile (but not on computer).
Find the book in Amazon Category Books
Search for the Book title
Or search in Amazon .com: Books/ Wassim Lababidi        For Amazon.co.uk/ Wassim Lababidi  But if the book you wanted is not showing, then enter the name in Arabic   وسيم اللبابيدي    to get the Arabic language books.  If still not showing enter the book title in any Amazon.

                


Added Pages:

        Index of the Videos published on the Channel on FaceBook.

Blog/ Al modawanah

YouTube Channel ‘Al Mudarabah’ Addresses of Videos published are listed with links on the page titled Videos here in this website. The Links are not working because YouTube terminated the Channel. A new channel on Facebook is already established and I am republishing the videos on Contemporary Islamic Research | Facebook.

Important Notice: To be able to see the videos uploaded on Facebook, you must have a Facebook account / page.


I have started to download the videos on TikTok. The Address is https://www.tiktok.com/@lababidiwassim

Index of the Videos Published in the English Language on Facebook:

Unfortunately all the links to the videos are not working, so please go the Facebook page  Contemporary Islamic Research (you need to have Facebook account) and you will find many of these videos there.

1- Quran & Science:

2- Islamic Economy & Al Zakat:

3- Response to Dan Gibson Al Petra Kaaba Claims:

4- Birmingham Manuscript & the Writing of the Early Quran.

5 – Various Subjects.


©

Copyright ©.  No part of or any of the contents of this website may be used, published or reproduced in any manner whatsoever without prior written permission from the Author.



Update: 13/04/2023 

A new page/ channel is established on Facebook pages. Please click on the following address: Contemporary Islamic Research | Facebook

So far I uploaded most videos. You need to have a Facebook page or account. Please visit and write to me. Best regards.

الفصل السادس – المضاربة في التجارة والصناعة

 بدأنا هذا البحث بما ذكر عن عزوف أصحاب الأموال والبنوك الإسلامية عن الإستثمار من خلال المضاربة لما ذكر من فساد بعض العمال الذين خانوا الأمانة، وقد أحزننا هذا لما لمسناه من أن أموال المسلمين لا تستثمر في الوجوه التي تخلق صناعات جديدة توفر فرص عمل للناس ومكاسب شرعية لهم تقوى بها الأمة وتعلو بين غيرها من الأمم، والاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد راسخ يقوم على أسس عادلة وهذه فرصتنا التي شاء الله أن تولد في هذا الزمان وواجبنا أمام ديننا الحنيف أن نبذل أقصى الجهد لانجاحها، وهي بلا شك ناجحة في نظريتها ومبادئها ولا أشك أننا لو طبقنا هذه المبادئ لأثبتت للعالم كله تفوقها الذي لا جدال فيه على غيرها من النظم الوضعية الاقتصادية.

ومن أجل هذا العزوف عنها، ولمحاربة الذين أفسدوا من بعض أصحاب الأعمال لو صح ما جاء عنهم – ولقطع الطريق عليهم اجتهدنا للوصول إلى صيغة المضاربة التي لا يستطيع محتال أن يكتسب منها، فقلت يتحمل شيئا من نفسه أو ماله فقيل لي ليست هذه المضاربة، والمضاربة التي قالوها وقرأتها في الكتب المعاصرة مضاربة تعتمد – في الدرجة الأولى – على أمانة العامل، النفقة والأجر من رأس المال أو من الربح والخسارة على رب المال، فإن كان هذا فلماذا يستحق العامل نصيباً من الربح، قيل بفكره وقرارته الحكيمة، ولكن المضاربة لم تشرع للعباقرة فقط، قالتاجر مثله الآلف ويجوز له أن يضارب، بل وربما هذا هو المقصود مساعدته وتوفير المال الذي يحتاجه فلا يجبر على التمويل الربوى.

فعدت إلى ما قاله الفقهاء في القديم، قالوا النفقة من ماله، والعمل الذي جرت العادة أن يعمله إن استأجر عليه فمن ماله، وماذا عن آلته ودكانه قالوا لو عمل ما كان يجوز أن يستأجر عليه فلا أجرة له. وقالوا لا يكون مع المضاربة بيع ولا اكراء ولا عمل ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه دون صاحبه إلا أن يعين أحدهما صاحبه على غير شرط على وجه المعروف إذا صح ذلك منهما. ولا أكل مال بالباطل ولا غرر ولا جهالة ولا خراج إلا بالضمان ولا كسب بدون مال أو عمل أو ضمان فلا ينال أحدهما من نصيب الآخر.

إذن فالمضارب يمكن أن يخسر مالا وإن كان مال منافع، بل ويخسر قبل خسارة صاحبه، وهذا يمنع الشركة المضارب أن تستأجر نفسها فلا مصاريف مكتب رئيسي ولا أجرة عن العمل الذي تقوم به فهذان عوضهما في الربح.

فإذا كان رأس المال مليون جنيه وكانت مصاريف المكتب الرئيسي ستون ألفا والمتجر والمخزن والشاحنة مائة ألف وكان ثمن البيع مليون وثلاثمائة ألف فأن الربح سيكون ثلاثمئة ألف فلو كان للشركة ثلثاه وللبنك الثلث فقد ربحا جميعاً. ويكون عامل أمان البنك هو ثلاثمائة ألفا لا يخسر إلا لو كان ثمن البيع أقل من مليون. ويصعب حدوث هذا في تجارة تمت دراسة جداوها من قبل المختصين في البنك.

ولو أراد العامل أن يرفع نسبته فزاد في تقديرات منافعه قلت نسبة البنك من الربح فخرج المشروع عن نطاق صلاحيته للإستثمار. ولو زاد في ثمن المبيع ليظهره أصلح من حقيقته قلت نسبة نصيبه من الربح فإن كان الربح الفعلي أقل مما قال كان نصيبه أقل.

فتصبح دراسته التي يقدمها شاهداً عليه، فإن تلاعب فيها وقع الضرر عليه، فتعود المضاربة إلى أصحاب العمل الأمناء الصادقين والذين لن يضيرهم هذه الحماية للبنوك لأنهم سيتقدمون بمشروعاتهم وفق تقديراتهم الصادقة التي بعون الله ستتحقق فينال كلا منهما نصيبه، فإن قدر الله لهما الخسارة فهذا من قواعد المضاربة ولا يخسر العمال إلا منافع أبدانهم وأعيانهم ويبقون على أصولها فلا تصاب بيوتهم بالخراب كما يحدث عند الخسارة مع البنوك الربوية.

وهناك أهمية أخرى لهذه المضاربة وهي مجال الصناعة، لو فرضنا أن صاحب مصنع قائم يشتري مواد خام وينقلها إلى مصنعه فيصنّعها بماكينات مصنعه ثم يبيعها إلى التجار، هذا عمل مستمر متواصل؛ وأنه لنقص التمويل لا يعمل بكفاءة المصنع القصوى، وهو يملك المصنع والمعدات والمخزن، فأعد دراسة جدوى الإستثمار وكانت كما يلى:

Chapter6-Pg334

وطلب من البنك 720.000 كرأس مال مضاربة والربح بينهما أو ثلثاه له أو غيرهما.

فلو نظرنا إلى هذه الدراسة نجد أن استهلاك المعدات أو قيمة منافعها وأجر المبنى والمخزن هي أجور أعيان يملكها هو والأجر عليها لنفسه وهذه أولاً لا تجوز، وثانياً هو لا يحتاج لتمويلها فهي ليست مدفوعة لأجنبي. وتكاليف المكتب الرئيسي كذلك إضافة إلى أنها بمثابة النفقة وهذه من ماله ويصرفها سواء صارت المضاربة أم لا. ورب المال ليس له قصد في أي من هؤلاء ومجموعهم 130.000  فيكون ما يحتاجه كرأس مال 590.000 فقط.

ومنفعة رأس المال بحساب ربح الفرصة المضاعة – شراء عقار وتأجيره – بفرض أنها 8% في العام هي 47.200  فإن كان الشراء والعمل والبيع لن يستغرق سوى تسع شهور، تكون منفعة المال 35.400 وتكون منفعة العامل ومنافع أعيانه 130.000 فتكون القسمة 21.4% لرب المال و78.6% لصاحب المصنع، فإن تحقق البيع كما جاء في الدراسة يكون الربح هو ما يتبقى بعد إعادة رأس المال إلى ربه وهو 310.000 فيأخذ رب المال منه 66.340 ويأخذ العامل 243.660 وهذا يشمل عوضه عن منافع أعيانه وربحه.

فيكون عائد رب المال في تسعة شهور عن ماله 11.23% أي؛ معدل15% في السنة. ويكون عائد العامل على منافعه وفق تقديره هو 87.4% وهذا يعكس درجة مخاطرته وثمن خبرته.

فإن هلك جزء من المال بدون تعد من العامل أو أعرض التجار عن الشراء أو انخفض سعر المنتج وكان ثمن المباع أقل من رأس المال تكون الوضيعة على رب المال وحده وليس على العامل شيء.

وليس على العامل غرم إذا تلفت معداته بدون تعد إلا أن عليه اصلاحها
أو التصنيع في مصنع آخر والأجر من ماله فان تأخر العمل فليس عليه غرامة
أو عقاب إلا أن يكون قد أهمل أو فرط، وإذا انفسخت المضاربة فعليه الانضاض.

ولو كان البنك مضارباً لمودعيه فيفاضل بين منفعة المال وحصة المشروع من تكاليف البنك فإن كانت تكاليف البنك عشرة آلاف ومنفعة المال 35.400 فإن ربح المضاربة الأولى ستكون 22% للبنك و 78% للمودع وهذين من نصيب البنك في المضاربة الثانية وهي 66.340 فيأخذ البنك 14.595 ورب المال – المودع – 51.745 وهذا ما يربحه في تسعة شهور فيكون عائد المودع 11.7% في السنة.

ويجب على البنك الاتفاق على نسبة نصيبه من الربح عند العقد الأول وقبل أن يعرف العمل الذي سيستثمر فيه المال، إلا أن نسبته تعود إلى عمله في الدراسة والتعاقد وهذه لا علاقة لها بالعقد الثاني والذي يتعلق به المتابعة وإستلام التقارير وغيرها، وهذه الأعمال تكون في العادة 1% إلى 2% من قيمة المشروع والذي هو قد يكون أكثر من رأس المال بقيمة منافع العامل ونفقته. وحيث أن هذا يقارن بربح الفرصة المضاعة للمال وافترضنا أنها 8% فالاقتراح أن يكون نصيب البنك من ربح المال في المضاربة الثانية بين الخمس والربع، وهذه تختلف من بلد إلى بلد ومن عام إلى عام لأنها تعود إلى اختلاف ربح الفرصة المضاعة والتي قد تتراوح بين5% إلى 12% وكذلك اختلاف مصاريف البنوك والعائدة إلى أجهزتها افنية وخبرتهم وغيرها من الأمور التي تميز البنوك عن بعضها، والحكم في هذا سيكون في مقارنة عائد المودع من الإستثمار بالعائد الذي كان ليحققه من ربح الفرصة المضاعة، فإن كان أقل فإن البنك لن يدفع المال مضاربة فيبقى المال وديعة لصاحبه أو يعاد إليه بدون ربح لأي منهما.  

والحمد لله، إذ ينتهي هنا هذا البحث فإن كانت منه فائدة فإنها من عند الله تعالى، وإن كنا قد جانبنا الصواب فإننا نسأل الله عز وجل المغفرة والعفو ويشفع لنا أننا قد اجتهدنا تحدونا رغبة صادقة مخلصة في رفعة ورخاء هذه الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس، ولله وحده العزة والإجلال، والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد رسول الله.

<< previous page next page >>

الفصل الرابع – المشاركة

جاء عن ابن تيمية في القواعد النورانية عن المساقاة والمزارعة:” من المعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، والمساقاة والمزارعة لا يأكل أحدهما مال الآخر“.

والشركة من المشاركات وكذلك المضاربة والمساقاة والمزارعة، والمشاركة هي إما: مشاركة عقد أو مشاركة ملك، ومشاركة الملك أو شركة الأملاك وهي ما ليس المقصود منها الكسب ولا تتعرض أموالها للمخاطرة، وقد تكون قد حصلت باختيار المتعاقدين أو بغير اختيارهم كالأرث أو اختلاط الأموال دون قصد أو رغبة. أما شركة العقد فهي عقد بين اثنين أو أكثر لتحصيل الكسب الحلال لهما من أطراف أجنبية عن العقد. والكسب الحلال لا يتحصل إلا عن طريق المعاوضات كالبيع ولهذا وجب أن تكون الشركة قائمة على مال، والمال هو كل ما أمكن مبادلته وفق السبل الشرعية بأصل الأثمان، فيشمل الأعيان والعروض والمنافع والنقود الرائجة. فإن قامت على أموال عينية تكون شركة عنان، وإن قامت على الضمان والضمان يستحق به الربح كالمال… كانت شركة وجوه أو شركة ديون. وإن قامت على أموال منافع… تكون شركة أعمال أو أبدان أو قد نعبر عنها قامت على الضمان المتوجب بتقبل العمل الذي سيتقبلاه فنسميها شركة تقبل الأعمال.

وتقوم الشركة على اتفاق بينهما بأن يقدم كل منهما مالا أو التزاما بتقديم منفعة عمل أو التزاما بضمان دين. فيتوجب ضبط هذه الحصص حتى لا يأكل إحدهما من مال ليس له.

فإن كان المال والعمل منهما بالتساوى… كانت شركة عنان، أما لو كانت مالاً من كل منهما بالتساوي والعمل بينهما ليس متساوياً ويكون الكسب بينهما بالتساوى… ففيه ظلم لمن عمل أكثر لا يصح معه العقد الذي يشترط فيه العدالة في توزيع منافعة.

وحيث إن قيمة العمل مجهولة وقت التعاقد… فإنه يكتفى بمعرفة نسب التفاضل لأن العمل وإن كان مجهولاً إلا أنه واحد، لهذا… وجب تحديد نسب تفاضل الأعمال من جهة، وتفاضل نصيب المال من الربح إلى نصيب العمل.

أي إن الإيراد سوف يكون رأس المال العيني ومال المنفعة والربح، ويعاد منه رأس المال وما يتبقى هو قيمة المنفعة والربح المقدرين بجزء من المتبقى.

المقصود من رأس المال هو تحديد الربح وهو المال الذي يتبقى بعد إعادة رأس المال، وتحديد نصيب كل من المتعاقدين في رأس المال، وفي الربح.

والمال العيني معروف ومعين القيمة وقت العقد، فإن كان مما تتغير قيمته خلال مدة العقد اكتنفته الجهالة فلم يصلح أن يكون رأس مال كما هو الحال في العروض. ولهذا وجب أن تكون من أصول الأثمان كالذهب والفضة والنقود الرائجة.

ومال المنافع – مثل العمل – لا قيمة له وقت العقد، إلا أنه مال يتحصل عليه بالإجارة، وإن لم يوجد خلال العقد يستهلك جزء من مال الشركة في شرائه، فبوجوده توفر  مال الشركة لشيء أخر مثل الشراء وغيره مما يتحصل به على الربح. ويمكن تجاوزاً القول لأنه معدوم وقت العقد فهو معدوم وقت القسمة أيضاً فلا يعود لصاحبه، إلا ان له أثر في الربح يظهر في قيمة هذه المنفعة بزيادة الربح عما كان ليكون عليه لو استؤجر أجنبي أو من أجنبي على هذا العمل، أو بتقليل الوضيعة عنها كما سبق. وهذا قد يعنى أن صاحب المال قد استفاد من مال غيره بما قلّت به وضيعته، وهذا معنى المشاركة فهذا ليس ربا أو غرر فهو لم يأخذ مال غيره بل نقص ماله، وهو مثل المضاربة لو لم يضارب معه لاستأجره فإن خسر زادت الوضيعة عما كانت لتكون عليه في المضاربة. ولأن الوضيعة إن حصلت فتكون لأن هذه المنفعة لم يكن لها أثر وليس لها قيمة، ومن صفاتها أنها توجد وتنعدم، فلا يخسر صاحبها سوى قيمتها وهي معدومة في هذه الحالة لأنها تقاس بمعيار الربح وهذا معدوم. ولا يستحق شيء في حالة الخسارة لأنه خاطر بها على نصيب من الربح لا على قيمتها لأن هذه القيمة مجهولة ومعدومة عند العقد.

منفعة العمل المشارك بها

رأس المال هو المال المستثمر من أجل الربح والمعرض للمخاطرة فيحل لصاحبه كسبه بناء على قاعدة الغنم بالغرم. والربح هو الذي يتحصل عليه بالعمل في مال مع احتمال كونه موجباً أو سالباً فإذا كان سالباً يخسر المستثمر جزء أو كل رأس ماله. والإستثمار هو توظيف المال بقصد الحصول على ربح أو نماء مع تعرضه للمخاطرة، أما توظيف الأموال في الاجارة فهذا شراء ثم بيع منافع وقد يطلق عليه إستثمار أيضاً لأنه يعود على صاحب العين بعائد مستقبلي والمخاطرة ههنا في احتمال هلاك العين أو تغير السوق.

ورأس المال المشارك يشترط فيه تعيينه بوحدة لا تتغير بقدر يعتد به في مدة الإستثمار أو في الأمصار المتوقع التعامل فيها. ولهذا لا يجوز أن يكون إلا من أصل الأثمان. وهذا لأن رأس المال يعود إلى صاحبه وما يتبقى من المال هو الربح فإن جهل رأس المال جهل الربح وهو المعقود عليه في المشاركة وتفسد المشاركة بكل ما يؤدي إلى جهالة الربح.

والمال قد يكون نقداً رائجاً أو ذهباً وفضة أو عروضا وأعياناً أو منافع وحقوقاً. ولا يصلح من أن يكون رأس مال إلا النقد الرائج والذهب والفضة لثبات قيمها النسبي ولأنها معيار الأثمان. أما الأنواع الأخرى من الأموال فإنها لا تصلح لتغير قيمها مما يؤدي إلى الغرر الذي لا يسمح به إلا لو كان يسيراً وكانت للمعاملة حاجة وضرورة، فإن وجدت أصول الأثمان أو النقد الرائج فلا ضرورة لغيرها.

والذي يهمنا هنا هو المنافع، منفعة العامل والآلة والدور وغيرها. وهذه المنافع تستأجر وعوضها مال. ومن صفة المنفعة أنها معدومة وقت العقد وتنوجد خلال مدة العقد ثم تنعدم عند الانضاض ولو قدرت قيمتها المستقبلية وقت التعاقد يكتنف هذا التقدير غرر لأنه تقدير أجرتها وتقدير استيفاء منفعتها سواء بني التقدير على أساس المدة أو العمل. وعقد الاجارة على خلاف القياس لأن المنافع وقت العقد معدومة ولأنها من بيع ما لم يخلق، وإنما جوز الشارع هذا العقد استحسانا للحاجة إليها ولدفع الحرج ولمنفعة الناس. إلا أن التقدير فيه وقت التعاقد لا يتعدى تقدير الأجرة وتحديد المنفعة أو العمل ويشترط استيفاء المنفعة في المدة أو إتمام العمل المنوط إليها لاستحقاق الأجر، وتكون المنفعة ذاتها أو العمل مقصوداً في عقد الاجارة.

أما في المشاركة… فالعمل ليس مقصوداً، وهو مجهول وقت التعاقد، وإن عين بالوصف أو بالمدة لا يعرف أيستوفى أم لا، ومساواة المال المعلوم بتقدير مالية المنفعة قد يؤدي إلى الغرر، لهذا لا تصلح المنافع أن تكون رأس مال.

وللمنافع أثر لا ينكر على الربح، وهو لا يقل عن أهمية رأس المال، ولهذا … فقد جرت العادة على الاتفاق بين الناس أن يدفع الرجلان مالهما على أن يعملا معاً والربح بينهما… فإن تساويا في المال والعمل تناصفا الربح وهذه شركة العنان المجازة بالإجماع.

فإن تساوى المالين واختلف العمل… فمن الفقهاء من قال الربح بينهما ومنهم من قال للذي عمل أكثر نصيب أكثر ومنهم من قال يقتسمان الربح بينهما ثم يعود نو الفضل على صاحبه بنصف الفرق في أجري مثلهما. فمن ساوى بينهما قال العمل الأكثر تطوعاً؛ ومن قال للذي عمل أكثر نصيباً أكثر؛ قال هذا لأن الكسب يتحصل بالمال وبالعمل وبالضمان، ومن قال بالأجر جعلها على الاجارة.

وبالطبع كان الاختلاف لصعوبة تحديد نصيب العمل الإضافي من الربح، وهذا أيضاً يظهر في شركة الابدان جاء في المدونة(ص42) ما معناه أنه يجوز بين الصناع من نفس الصنعة في نفس الحانوت إذا تساوى أو تفاضل المال والعمل والربح بنسب واحدة:

فلا يجوز أن يقتسما الربح مناصفة أو أثلاثاً، إذا كان من أحدهما ثلث المال وعليه نصف العمل، وتجوز إن كان منه ثلث المال وعليه ثلث العمل وله ثلث الربح.

وجاء في صحفة  45 من المدونة:” أرأيت أن أشتركنا ثلاثة نفر لي بيت ولصاحبي الرحا ولصاحبي الآخر البغل على أن ما أصبنا من شيء فهو بيننا سواء وجهلنا أن يكون هذا غير جائز فعملنا على هذا فأصبنا مالا. فقال يقسم المال بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والدابة والرحا معتدلاً، فقلت فإن كان مختلفاً قال يقسم المال بينهم أثلاثاً لأن روؤس أموالهم عمل أيديهم فقد تكافؤا فيه ويرجع من له فضل كراء في متاعه على أصحابه. قلت فإن لم يصيبوا شيئاً قال يترادون ذلك فيما بينهم يرجع بذلك بعضهم على بعض إن لم يصيبوا شيئاً بفضل الكراء“.

وهذه الشركة قائمة على الاجارة بينهم، وهكذا ذهب أكثر الفقهاء عدا الحنابلة في مثل هذه المشاركات التي تجتمع فيها الأعيان مع العمل، واستحق فيها من كان له الأجر هذا الأجر سواء كان في المشاركة ربحاً أو وضيعة، وهذا صحيح لو أخرجت هذه المشاركات على الاجارة، إلا أنها لم تكن المقصودة ممن عملها، فمن دفع دابته إلى من يعمل عليها قصد الربح وليس الأجر، ومن عمل على الدابة كذلك، فيكون العمل أو المنفعة غير مقصودين كما هو الحال في الاجارة، ولن يعملها أيهما إذا كان سيغرم الأجر من ماله إذا لم يحصل الرزق. ولا فائدة للدابة عند من يريد نقل متاعاً بدون من يعمل عليها وكذلك لا فائدة من العامل بدون الدابة فاجتمعا على المصلحة وعدمها.

واستحقاق الأجر صحيح لو لم يكن له في الربح، فإن دفع دابته أو عمل بقصد الربح فقد بطل حقه في الأجر فهما لا يجتمعان، فإن قال خذ دابتي واعمل عليها والرزق بيننا فليس له الأجر بعد ذلك. وهما لو دفع كل منهما دابته وعملا معاً يكون الرزق بينهما جائزاً عند أغلب الفقهاء فيكون عدم الجواز للإختلاف ولاحتمال حدوث الغرر في توزيع الربح بينهما وليس لعدم جواز المعاملة ذاتها ولله أعلم.

حا في المدونة ص 49: ”أرأيت إن كان لي بغل ولصاحبي بغل فاشتركنا على الحمولة التي تحمل على البغلين، قال ما أرى بأساً إذا كانا يحملان جميعاً فيحملان على دابتهما لأن هذين يصير عملهما في موضع واحد وهذا مثل أن يتقبلا الشيء يحملانه إلى موضع واحد، وإن كان يعمل كل واحد منهما على حدته فلا خير فيه“.

ولهذا … فإن أمكن تحديد أنصبة الربح بتحديد التفاضل الصحيح في هذه الشركات فإنها – في رأينا – تكتون ملتزمة بالقواعد الصحيحة.

فلو فرضنا في شركة عنان يدفع أحدهما مائة ألف والثاني مائتي ألف رأس مال على أن يعمل الأول كل الوقت ويعمل الثاني نصفه فاتفقا – بناء على أجور مثلهم على العمل الذي سيقوم به كل منهما – أن أجر الأول في العام تسعة آلاف والثاني ستة آلاف وقررا أن يتركا أجرهما في المال مخاطرين به حتى يقتسما. فإن ربحا ثلاثين ألفا فالربح يعود إلى المال والعمل.

فإن قلنا يقتسما الربح بينهما ثلثا للأول أي عشرة آلاف وثلثين للثانى؛ أي عشرين ألفا، ثم يعود الأول على الثاني بثلثي الفرق بين أجور مثلهما وهو الثلاثة الآف فيكون له على صاحبه ألفان، فيكون للأول اثنا عشر، وللثاني ثمانية تكون القمسة خطأ، لأن أجر عمل الأول في مال الثاني ثلثي أجر مثله أي ستة الآف وأجر عمل الثاني في مال الأول ثلث أجر مثله وهي ألفين فيكون للأول على الثاني أربعة الآف فيكون حق الأول من القسمة أربعة عشر ألفا والثاني له ستة عشر ألفا، لهذا… لا يصح الرجوع بالفرق وإنما بالكل.

وهذا تقسيم صحيح لو قصدا إستثمار المال واستئجار كل منهما الآخر في ماله، وهذا ليس قصدهما وإنما قصدا إستثمار المال بالعمل فكان للمال ربح وللعمل ربح، فعندما خاطرا بالأجر… قصدا أكثر منه؛ فإن جاز لهما الأكثر… سقط حقهما في الأجر فيتحملا الخسارة في حدود الأجر، وهذه المشاركة لم يجزها الفقهاء عدا الحنابلة. إلا أن مشاركة العمل هي شركة أبدان يجوز لهما ما تكسبه لقاء العمل أو لقاء الضمان بتقبل العمل، ولم يقال فيها أن عليهما أن يعودا على بعضهما بأجر المثل وإن عادا… كانت النتيجة واحدة إذا كانت نسب توزيع الكسب بينهما هي نسب أجر مثليهما في العمل الذي قاما به، وليس صحيحاً إذا كان نصيب أحدهما لقاء الضمان حين تقبل العمل والآخر لقاء عمله وفي هذه الحالة نجد في مشاركة الأبدان اجتماع الضمان- كالمال- مع العمل.

وحيث أنهما قصدا المخاطرة بمنفعة عملهما… فلكل منهما نصيب من الربح أو كسب العمل بقدر تفاضلهما في المنافع المخاطر بها، فإن أخذنا المثال السابق… يكون للأول ثلثا ربح العمل وللثاني ثلثه، وربح العمل هو الجزء من ربح المشاركة العائد إلى العمل ويشمل قيمة منفعة العمل بمعيار نجاح المشاركة وربحها أو قيمة منفعة العمل كما تحددت بالنماء الحاصل في المشاركة ككل.

وهذا سيستدعي الاتفاق على نصيب المال ونصيب العمل من الربح، فإن قلنا نصيب المال من الربح هو ربح الفرصة المضاعة تحت ظروف إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة إلى أقل حد كالاجارة فنفترض شراء عقار بكل المال يكون عائده8% في السنة، فيكون عائد رأس المال أربعة وعشرين ألفا، وأجور مثل العاملين خمسة عشر ألفاً فيكون العائد عن العمل والمال إحدى وأربعين ألف نصيب المال منهم 61.5% ونصيب العمل 38.5% فإن ربحت مشاركتهم ثلاثين ألفاً كان ربح المال 18,461,5 وربح العمل11,538.5 فيكون للأول ثلث ربح المال وثلثا ربح العمل فيأخذ 13,077 وللثاني ثلثي ربح المال وثلث ربح العمل فيأخذ 16,923.

وإذا كانت في المال وضيعة تكون قيمة العمل معدومة، ويتحمل رأس المال الوضيعة بالحصص.

إذن… هناك طريقتان ولمقارنة النتائج… نعرض هذا الجدول:

 

الربح الحاصل

تقسيم الأرباح

مشــــــــاركـــة

على المـال والعمـل

الأول               الثاني

اجـــــــــــــــارة

على المـال والأجـور

الأول              الثاني

90,000

60,000

30,000

15,000

3000

(15,000)

39,231

26,154

13,077

6,538.5

1,308

(5,000)

50,769

33,846

16,923

8,461.5

1,692

(10,000)

34,000

24,000

14,000

9,000

5,000

(1,000)

56,000

36,000

16,000

6,000

(2,000)

(14,000)

         

وفي رأينا أن التوزيع الأول – مشاركة – يعدل بينهما في الربح والخسارة بنسب المال والعمل، فإن لم ينم المال لم تكن لعملهما قيمة فتقاسما الخسارة وفقاً لحصص المال، فلا يأخذ أحدهما من مال صاحبه. وتدخل عموم المنافع من منفعة العمل إلى منفعة الآلة والدار في حصة العمل بينما تبقى حصة المال وفق رؤوس المال.

وفي حالة ان اتخاذ القرار الذي يعول عليه نجاح الشركة أو فشلها يعود إلى أحدهما، فإما أن أجر المثل المقدر له سوف يعكس هذه القيمة أو أن يتفق له على معامل إضافة لتوفير حافز أكثر له.

وقد يقال إن الآلة تختلف عن الشخص لأن الآلة لا قدرة لها في زيادة الربح أو تقليله وإنماء يعود هذا إلى العامل، إلا أن الآلة لو دفعت أجرتها من المال يغرمها أصحاب المال إذا لم يكن ثمة ربح فإن قبل صاحبها أن يخاطر بأجرها استحق أكثر منه إذا وفر الربح. فهي في الحقيقة مال منفعة لا يصح أن تكون رأس مال لان رأس المال يجب إعادته وهذه تستهلك ولا تبقى إلا أن أثرها على الربح لا يختلف عن أثر المال فكانت مشاركة في الربح لا في رأس المال، عوضاً لصاحبها المخاطر بالأجر ولمصلحة الآخرين الذين لا يريدون أن يغرموا أجرها من مالهم.

وما سبق ليس مضاربة لعملهما معاً ولعدم توفر شرط التخلية – وإن كانت هناك تخلية بأن وكل كل منهما الآخر حق التصرف في المال – وإنما هو مشاركة ولا تتحقق المشاركة إلا بتحقق النماء عندما تكون لهذه المنافع قيمة لأنها تقاس بمعيار النماء. وليس في ما جاء شبهة ربا أو أكل مال بالباطل أو غرر أو جهالة أو غبن بأحدهما بل إنه تطبيق لمبدأ الغنم بالغرم.

وأهمية هذه المعاملات أنها تشجع الناس على التعاون والإستثمار بدون أن يتحمل أحدهما الخطر كله وحده إن جُبر أن يدفع أجر المثل لصاحبه سواء كسب أم لم يكسب.

وقد جاء في قرة عيون الأخيار لتكملة رد المحتار- طبعة بولاق- القاهرة عام1299 هـ (جزء2ص258): ” وكذا في شركة البزاز حيث قال وإن لاحدهما ألف ولآخر ألفان واشتركا واشترطا العمل على صاحب الألف والربح انصافا جاز وكذا لو شرطا الربح والوضيعة على قدر المال والعمل من أحدهما بعينه جاز ولو شرطا العمل على صاحب الألفين والربح نصفين لم يجز الشرط والربح بينهما اثلاثاً لأن ذا الألف شرط لنفسه بعض ربح الآخر بغير عمل ولا مال والربح إنما يستحق بالعمل أو المال أو بالضمان. لكن في مسئلة الشارح العمل على كل منهما لا على صاحب الأكثر فقط وهو صحيح سالم من الفساد كما سيصرح به. والحاصل أن المفهوم من كلامهم أن الأصل في الربح أن يكون على قدر المال كما قدمناه عن البحر إلا إذا كان لأحدهما عمل فيصح أن يكون أكثر ربحاً بمقابلة عمله وكذا لو كان العمل منهما يصح التفاوت أيضاً. تأمل قوله ثم يعقد شركة عنان وهي لا يلزمها أن يكون الربح فيها على قدر المال فلهما أن يتفقا على مناصفة الربح. قوله ثم يعمل المستقرض فقط أي بطيب نفس منه لا بشرط عليه لأن شرط الشركة أن يكون العمل عليهما كما قال على أن يعملا لكن الشرط إنما هو اشتراط العمل عليهما لا وجوده منهما، فإن العمل لايتأتى من اثنين فيصح أن ينفرد أحدهما به بعد أن شرط عليهما كما هو مقتضى عقد الشركة ويكون الربح بينهما على حسب الشرط لأن كلا منهما وكيل بما يعمله عن صاحبه فيقع شراء كل منهما بالأصالة عن نفس المباشر وبالوكالة عن شريكه لأن الشركة تتضمنها ويكون الربح على حسب الشرط كما تقدم في بابها“.

<< previous page next page >>

الباب السادس – المضاربة مشاركة منفعة مال ومنفعة عمل


الفصل الأول

نسب توزيع الربح

الاتفاق على حساب نسب توزيع الربح:

الشرط في المضاربة ان يتفقا عند عقدها على نصيب كل منهما من الربح، ولم يتطرق الفقهاء إلى تحديد هذه النسب فلم يكن هذا من المنطق الصحيح، واكُتفي بان يتم الاتفاق عليها بين المتعاقدين وفق رغبتهما، واعتبر ان شرط التراضي بينهما عند الاتفاق عليها سوف يؤدي إلى تحديد النسب العادلة، مثل ما يحدث في البيع والشراء؛ خاصة وأن  التسعير منهي عنه في الظروف الاعتيادية. فتتحدد هذه النسب وفق: العرف، والشروط، وظروف السوق وحجم العمل، والمال، وشهرة العامل، وغيرها من العوامل الكثيرة المتعددة التي تختلف من مضاربة إلى أخرى، ولهذا… كان الاتفاق عليها من الامور التي تعود إلى المتعاقدين.

جاء في فقه السنه (الجزء 3ص160):” روي عن أنس رضى الله عنه قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرازق- واني لأرجو أن القى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال“.

وقال الشوكانى: ”ان الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والأمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، واذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم والزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى: الا أن تكون تجارة عن تراض منكم“.

إلا أن المضاربة ليست كالبيع والشراء، فلا مبادلة فيها وإنما إجتماع واتحاد من أجل العمل والكسب، فهما إن ربحا يربحان سوياً، وإن لم يربحا لم يأخذ أحدهما من مال الآخر، فلا يظلم أحدهما الآخر.

وفي المضاربة في مجال التجارة… فإن هذه النسب يسهل على الناس الاتفاق عليها وفق ما جرت عليه العادة والتي امتدت منذ قرون بعيدة… إلا أن المضاربات في عصرنا هذا والتي نود الخروج بها من حدود مجال التجارة إلى مجالات الإستثمار الصناعي والعقاري والزراعي وغيرهم، تجعل من الأهمية دراسة هذا العقد لبيان العناصر العامة التي تتكون منها هذه النسب، كخطوط عامة من قبيل الإعانة لا للتحديد ولا للاشتراط، ويظل الاتفاق من الأمور التي تعود إلى المتعاقدين ولهما كامل الحرية والحق في أي نسب يختارونها.

والسبب الذي يدعو إلى وضع القواعد التي تحسب عليها هذه النسب، هي أنها تؤدي إلى استحقاق كل منهما لنصيبه من النماء الحاصل والمتولد عن المال والعمل، للمال نصيب وللعمل نصيب، ولا يجوز لصاحب المال أن يأخذ من نصيب العمل ولا يجوز العكس، ومتى تحددت هذه النسب بالاتفاق… حرص الفقهاء أشد الحرص على ألا ينال أحدهما مما ليس له فيه مال أو عمل؛ حتى لا يكون كسبه بغير عوض.

والغرر في هذه المعاملات هو ما يؤدي إلى كسب أحدهما أكثر على حساب نقصان كسب الآخر، وهذه الحصص في المضاربة بالاتفاق، إلا أنهما قد يتفقان على الثلاثة أرباع أو الربع، وتعود هذه إلى حاجة وإضطرار العامل، فكيف يكون عوض نفس عمله صحيحاً على ربع الربح، وصحيحاً على ثلاثة أرباعه وهو لنفس العمل ونفس الربح، فإن استغل رب المال حاجته فسوف يشعر بالظلم، وهذا مثل ما يؤدي إليه الغرر وأكل أموال الناس بالباطل.

وقد رأى الإمام مالك والزيدية وبعض الشافعية جواز التسعير في حالات الغلاء والإحتكار، ولسنا هنا بصدد تحديد نسب وإنما محاولة بيان العناصر التي على أساسها تقدر هذه النسب.

والمعاملة إن كانت من جنس المعاوضات كالأجرة- كما ذهب الأحناف والشافعية – يجب في المعاوضات تساوي العوضين، العمل المجهول والاجر المجهول، كأن يقول له: اعمل في مالي ولك الأجر نصف ما تكسب، وبالطبع هذه لا  تجوز على الإجارة، إلا أنها اجيزت على خلاف القياس لجهالة العمل ولجهالة الأجر.

فإن لم يعرفا… توجب على الأقل أن يكون الأجر متناسباً مع العمل؛ أي زيادة نفس نوع العمل ستوجب زيادة الأجر، وليس هذا ما يحدث في المضاربة لأن العمل الكثير ليس بالضرورة ما ينتج عنه الربح الكثير. بل وقد يعمل في أول تجارة فيربح، ثم يعمل في الثانية نفس ما عمل أول مرة فيخسر؛ ربما لتغير ظروف السوق، فيكون نفس العمل له أجر في مرة، وليس له أجر في الثانية.

وتختلف حقيقة المعاملة عن ذلك، فليس بينهما مبادلة أو معاوضة أو بيع أو شراء، وليس ربح أحدهما يقابله خسارة الآخر، وقد يقال ليس هذا بالضرورة ما يحدث في البيع والشراء وغيرهما من المعاوضات، فالبائع رابحاً لأنه قد استبدل سلعة لا يريدها لنفسه بنقوداً أو سلعة يحتاجها أكثر مما كان يحتاج ما تخلى عنه، وكذلك المشتري فيكون الربح موضوعاً نسبياً يعود إلى كل طرف فيكون كلاهما راضياً. ويحدث الربح الحقيقي في اكتمال دورة شراء ثم بيع؛ أي يشتري سلعة من شخص بنقود ثم يبيعها لشخص أخر لقاء نقود أكثر. وفي المعاوضة … يحدث تخلي عن مال أو منفعة لقاء مال أو لقاء منفعة أخرى، فيخرج المال عن ملك صاحبه لقاء امتلاك شيء أخر، أو يستفيد المستأجر بمنفعة العين التي استأجرها وضمن دفع أجرها.

وهذا لا يحدث في المشاركات؛ فالمال لا يخرج عن ملك صاحبه، فالأرض والشجر والمال يبقون على ملك أصحابهم في المزارعة والمساقاة والمضاربة، ورب المال ورب الأرض ورب الشجر لا يضمنون ولا يدفعون أجراً للعامل، والعمل حقيقى؛ فإن أصاب الزرع آفة كان العمل لا قيمة له، أما المعاوضة في هذه المشاركات فمع الأجنبي لا مع بعضهما، فلا يربح العامل من أصل المال، ولا يأخذ رب المال من العامل شيئاً لنفسه، وإنما يشتركان في ما يربحانه جميعاً  من المبادلة مع الغير.

وهذه المعاملة لا تجوز إجارة، ولهذا كانت استثناء على خلاف القياس، ولكن الشركة عقد مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وعرفها الأحناف أنها عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح. وهنا رأس المال من أحدهما فقط، ولكن شركة الأبدان ليست فيها رؤوس أموال، وقد أجازها المالكية والأحناف والحنابلة، وأبطلها الشافعية والظاهرية، وجاء فيما جاء- عمن أبطلها- أن الشركة تختص بالأموال لا بالأعمال؛ لأن ذلك لا ينضبط فهو غرر عندهم، ولنا أنها شركة أموال منافع، وتنضبط لا بقيم هذه المنافع المجهولة عند التعاقد وإنما بتفاضلها أو بتساويها، وكذلك المضاربة وغيرها من المشاركات، والمنافع مال وكل ما كان عوضه في عقد معاوضة تجارية مال فهو مال، والعمل منفعة بدن وهو مال.

فإن قلنا إن المضاربة شركة رأس المال فيها مال من أحدهما ومنفعة- وهي مال- من الأخر، نكون قد أخطأنا؛ لأن الخلط في رؤوس الأموال بين الأثمان والعروض والمنافع يؤدي إلى الغرر، بل وليست هذه حقيقة المضاربة.

يمكن تصور المضاربة مجازاً على أنها اجتماع خاصيتين مكملتين لبعضهما: الخاصية الأول هي القدرة على الإنماء؛ وهي ما تتميز بها قدرة العامل إذا اقترنت بمال، والخاصية الثانية هي القدرة على النماء وهي ما يتميز بها مال المالك إذا اقترن بعمل، ولا يحدث النماء إلا باجتماعهما.

وقدرة العامل إذا وجهت وجهة أخرى… كأن تؤجر؛ فإن لها قيمة مالية، والمال لو وجه إلى شراء عقار يؤجر للغير فله نماء مادي؛ إي إن هاتين القدرتين يمكن أن يكون لهما قيمة مستقبلية حقيقة، لو وجهتا إلى غير المضاربة، إلا أنهما معدوما القيمة في الحال، وبتوجههما إلى المضاربة…يُخاطر بإمكانية الحصول على هذه القيمة المستقبلية.

وهذه القيم التقديرية المستقبلية لا يشوبها تهمة الربا، فلا ضمان فيها، وقد تحدث وقد لا تحدث؛ فالغنم معه احتمال الغرم، وتتماثل هاتان القيمتان في أنهما يوجدان معا أو ينعدمان معا، وهما وإن كانتا مجهولتين وقت التعاقد، يغلب الظن بحدوثهما، وإلا فلا معنى للتعاقد، وهما يتحركان معا كثرة أو قلة أو ينعدمان بنفس الدرحة؛ لأنهما جزءان من شيء واحد: هو الفائض عن رأس المال.

ومحاولة تقدير هذه القيم يقصد بها تقدير نسب تفاضلهما، وليس قيمهما فهذا يستحيل؛ فلو افترضنا مشاركة بين مجهولين، ولتكن مشاركة من يدفع بعين تنمى بالعمل إلى من يعمل عليها كالتي قال بها الحنابلة… يمكن القول إن هذه مشاركة أعمال أو منافع؛ فإذا دفع الرجل دابة إلى من يعمل عليها والرزق بينهما، فعمل الدابة فيما ستحمله مجهول وعمل العامل مجهول… إلا أنه يمكن القول إننا لو حددنا المدة بأسبوع فأجرة العامل كذا في الأسبوع وأجر الدابة كذا، فإن كانت أجرة العمل على مثل هذا العمل- لقاء فكره وعمله- ضعف أجر الدابة… يكون الرزق بينهما الثلثين للعامل والثلث للدابة، ويكون العامل قد خاطر بأجرته، والرجل قد خاطر بأجر دابته؛ فيطيب لهما ما يكسباه، وإن كثر عن الأجر المعتاد.

وفي المضاربة… يدفع الرجل ماله إلى العامل، والمال لا يعمل، كما أن الأرض لا تعمل في المزراعة… إلا أن للمال خاصية النماء وللأرض خاصية الإنبات، وهذه الخاصية تجعل للمال قيمة مضافة لو خوطر به فربح، ويمكن تقديرها بربح الفرصة المضاعة، وهي ليست مستحقة للمال إلا إذا خوطر به وتحقق النماء. ولأن المقصود من هذا التقدير هو المقارنة وليس القيمة لذاتها، قتحسب قيمة ربح الفرصه المضاعة في درجة مخاطرة مثل التي ستقدر فيها قيمة العمل، فإن قدرنا قيمة العمل بما يحصل عليه العامل كأجير مشترك من مثل العمل المتوقع أن يقوم به في المضاربة – وليس عليه ضمان إلا فيما يتلف بالتعدي – وقدرنا لهذا العمل مدة معينة… فإن نماء المال يحسب بافتراض شراء عقار، يؤجر لنفس المدة مع بقاء قيمة العين أو استهلاكها بدرجة لا يعتد بها فيعرف النماء الصافي خلال هذه المدة… فإن كان عائد المال ضعف عائد العمل، يكون تفاضلهما الثلثين للمال والثلث للعمل.

ولتوضيح هذا … نفترض مضاربة بعد انتهائها، وكان لكلا المتعاقدين نصف الربح منها، وقد عرف العمل وأجر المثل عن هذا العمل، وعرف الربح ونصيب كل منهما منه، فلو عدنا لتحليل النتائج كشركة رؤوس أموال، فإما أن نقول إن رأس المال هو المال، وأجر المثل، أو المال وقيمة العمل وهي نصيبة من الربح أو أقل، أو معادلة جديدة تعطينا نفس النتيجة التي حصلت بالفعل.

رأس مال رب المال                                            100.000

المال عند القسمة                                                120.000

ربح المضاربة                                                   20.000

نصيب رب المال                                                 10.000

نصيب العامل                                                     10.000

أجر مثل العامل                                                   8.000

لو قلنا إن رأس مال مشاركة المضاربة هو المال الذي دفعه رب المال وأجر مثل العامل، لكانت شركة بينهما بنسب المال والأجر، وكذلك لو أخذنا قيمة عمله بمعيار نصيب العامل من الربح، وهذا ليس ما اتفقنا عليه، ولو نظرنا إلى شركة الإبدان… لوجدنا أنهما تشاركا منفعة بدن هذا مع منفعة بدن هذا، فتكون هذه منفعة بدن هذا مع منفعة مال هذا، فإن افترضنا أن منفعة المال 8.000 ومنفعة بدن العامل تساوي ما يحصل عليه من نفس العمل؛ أي أجر المثل، فتكون8.000 أيضاً؛ صح اشتراكهما بالتساوي وكان رأس المال هو قيم المنافع. لكن هذه لا تنضبط ولهذا لم تكن لها قيمة وقت العقد وإنماء قيمتها مستقبلية، ولا تقصد القيمة لذاتها وإنماء تقصد لحساب تفاضلهما واحد على الآخر لحساب نسب المشاركة.

ولحساب هذه القيم المستقبليه… يجب وضع افتراضات متماثلة للمالين، وتحديد قيمهما وفق معاوضة في ظروف متساوية، ومدة المضاربة غير معروفة ولكنها واحدة للمالين، ولهذا… يمكن توحيد المدة في المعاوضتين ولنقل إنها عام واحد.

فإن افترضنا أن قيمة عمل العامل في هذه المدة لو استؤجر على هذا العمل هي أجر المثل، وكان أجر مثله في العام 8.000 تكون هذه هي قيمة منفعة بدنه في هذه المدة، وهو متى استؤجر على هذا العمل … فالأجر شبه مضمون إن قام به.

أما المال… فنحتاج إلى افتراض إستثماره في ظروف تقل فيها المخاطرة إلى أقل حد لتناسب ظروف أجر المثل التي قدرنا بها قيمة منفعة العامل، وهذا يكون في افتراض شراء عقار وتأجيره ويعتبر الأجر المتحصل خلال العام هو قيمة منفعة المال، بفرض أن العقار يباع بعدها بنفس ثمن المشترى وليست هناك تكلفة للصيانة فإن كان تحسب من الأجر. فإن كان الحاصل من العقار في العام 8.000 تكون هذه قيمة منفعة المال.

وتكون مشاركة منافع بينهما هذا بمنفعة ماله وهذا بمنفعة بدنه، وكلاهما له قيمة مستقبلية غير مضمونة وتتراوح بين الوجود والعدم، ولا تعنينا معرفة قيمتها المستقبليه وقت العقد طالما قد عرف التفاضل بينهما. أما قيمتها الحقيقة التي ترجع إلى هذا الإستثمار وهذه المخاطرة… فلا تتحدد إلا عند حصول الربح، فإن كان ربح تحددت قيمة منفعة بدن العامل فكانت له، وتحددت قيمة منفعة المال فكانت لرب المال، فإن لم يكن ربح فهذه المنافع ليست لها قيمة. وإن كانت خسارة في المال فعلى ربه لأن ما شارك به هو منفعة هذا المال ولا تجوز منفعة المال دون المخاطرة به.

وقد يقال كيف نقول إن لعمل العامل قيمة حددناها بأجر المثل، ثم نقول ليست لها قيمة إذا لم يتحقق الربح، أولاً هذه القيمة التي حددناها كانت بغرض المقارنة مع منفعة المال وفي ظروف تختلف عن ظروف عمله في المضاربة، والمجهولة عند التعاقد ولا ينكر أحد أن لعمله قيمة إلا أنها مجهولة يخاطر بها لقاء الأكثر فتقاس بمعيار النماء كجزء منه فقياس قيمة عمله في المضاربة هو بأثر هذا العمل على الربح، فإن كان الربح وفيراً فقد استحق أكثر من أجر المثل عن نفس العمل الذي قام به في هذه المضاربة إلا أنه لمخاطرته بهذا الأجر – وهي درجة مخاطرة غير ما مثلنا بها سابقاً – استحق الأكثر للمخاطرة. وبالطبع فإن  الحافز لديه في المضاربة غير ذاك في الإجارة.

ورب المال منفعة ماله ليست لها قيمة إلا بالمخاطرة بالمال، وهي في عقد المضاربة تختلف عن تلك التي قارنا بها؛ فمنفعة ماله كانت مقدرة بقصد المقارنة لا التقييم في إستثمار تقل فيه درجة المخاطرة عنها في المضاربة، وهو هنا يقصد الأكثر وليستحق هذا وجب عليه تعريض أصل ماله للمخاطرة حتى يطيب له أكثر من هذه المنفعة، بل وحتى تطيب له هذه المنفعة أو أقل منها؛ فهي ليست حقاً مضموناً له وإنما تكون له إذا تعرض ماله للمخاطرة وربح. ولهذا كان عليه المخاطرة بأصل المال ليستحق منفعة المال الأكثر والتي يأمل في حدوثها، والتي تقاس مثل عمل العامل بمعيار النماء.

ولهذا … فمتى تحدد تساويهما أو تفاضلهما وعقد عليه فلا حاجة لنا بالأسس التي بني عليها هذا التفاضل فهذا عقد يختلف في العمل والمخاطرة.

وقد يقال إن ما يقدمه العامل للمضاربة يفوق ما يقدمه كأجير، فالعمل جزء من قدراته وليس كلها، فمنه الفكر والقرارات التي لها تأثير كبير على النتائج، ويختلف العمال في مهارتهم ومواهبهم وخبراتهم ونتائج أعمالهم السابقة. وهذا كله سوف ينعكس على أجر المثل المقدر له، فيكون أجر المثل معبراً عن قدراته الفكرية والبدنية. ويقابل هذا أن المال مخاطر به أكثر مما كان لو استثمر في شراء عقار لإجارته، والمال معرض للنقص إذا كان ثمة خسارة، وهذا الاحتمال هو ما يحلل لرب المال ربحه، فخسارته ليست محدودة بخسارة النماء.

فإن كانت المشاركة بين القدرة على الأنماء- العمل- وبين القدرة على النماء- المال- واستحقاق رب المال نماء ماله لأنه تابع لملكه، يكون المال لصاحبه وغير مشارك به وإنما مخاطر به على أمل النماء، فتكون المضاربة مشاركة بين مجهولين وقت التعاقد، يغلب الظن أن لهما قيما مستقبلية- ومخاطر بها، ولا يمكن حساب مقدارهما الحقيقي ولكن يمكن حساب تفاضلهما أو تساويهما، وكلاهما يخاطر هذا بماله وبقدرة هذا المال على النماء وذلك بقدراته من فكر وعمل، ولهذا… جاز لهما الكسب بأكثر مما خاطرا به، فرب المال والعامل يتوقعان أن تعود عليهما المضاربة بأكثر من عائدي الإجارة والأجر، ولقاء هذا العائد الوفير قبلا باحتمال الخسارة.

وليس في هذه التقديرات غرر فلا تجوز بسببه، فإنها أقرب ما يمكن إلى الحقيقة، والغرر يكون في جهالة نصيب أحدهما من الفائض أو جهالة الفائض وليس هذا هو الحال هنا، وتوزيع نسب الفائض أو الربح يكون عادة بالاتفاق كالنصف والثلث والربح وهذه تقديرات تعود إلى المتعاقدين ولم يشترط فيهما الدقة وإنما اشترط الاتفاق والتحديد.

وإذا لم يتحقق ربح تكون قيمة العمل معدومة ونماء المال معدوماً، ويعود المال إلى صاحبه، فإن كانت فيه خسارة تحملها رب المال وحده لقاء الضمان الذي كان سيحلل له النماء لو كان قد تحقق.

ويجب تكرار التنويه هنا أن لفظ الربح في المضاربة يستعمل مجازاً للتعبير عن الفائض في المال بعد إعادة رأس المال إلى صاحبه، فهو ليس ربح التجارة الصافي كما نعرفه، فهو نماء المال ويشمل على مجموع: عوض منفعة العمل مقيمة بمعيار هذا النماء – وهذا العمل – ونماء المال الصافي للمال وهذا لربه.

وما نعنيه بنماء المال هو في الحقيقة النماء الحاصل من المال والعمل فيستحق لهما، فيكون نماء المال قد يقصد به الفائض بعد إعادة رأس المال وهو ما نسميه الربح أيضاً، أو قد يقصد به نصيب رب المال من النماء وهو جزء من المقصود في المعنى الأول، وقد ورد لفظ نماء المال في هذا البحث على المعنيين ويرد إلى احد المعنيين وفق موضعه ووفق المعنى المقصود في النص.

ويمكن القول أن المشاركة هي عقد، الغاية المقصودة منه استبدال منافع بأثمان، كما هي الشركة يدفع المال والعمل فيها فإن كان ربح كان لقاء منفعة المال ومنفعة العمل، وكما هو البيع استبدال عروض بأثمان، والاجارة استبدال منافع بأثمان، تكون المشاركة استبدال منفعة مال ومنفعة عمل بأثمان والفرق بين المشاركة والبيع أن المشاركة تكون بين طرفين لا تتم المبادلة بينهما عند التعاقد وإنما تتم المبادلة بينهما أو بين من تولى الأمر منهما وبين أطراف أجنبية عن العقد وفق عقد أخر ينعقد فيما بعد، وهذا العقد الآخر مجهول وقت التعاقد. أما في البيع يتم الاتفاق على المبادلة بين طرفي العقد في نفس الوقت ويكون الاختلاف في التسليم والتقابض كما في السلم والبيع المؤجل والاجارة.

ولو نظرنا إلى ما جاء عن الفقهاء في هذه الشركات أو المشاركات التي تعلقت بمنافع نجد أنها وردت عند أغلبهم وسنقتصر في دراستنا على ما جاء في كتاب المغني لابن قدامة وفي كتاب مفتاح الكرامة وفي المدونة وفي مجموع فتاوي ابن تيمية.

<< previous page next page >>

الفصل الثامن – آثار المضاربة الفاسدة

أولاً: فساد المضاربة بتخلف شرط من شروط صحتها

إذا كان الخلل في بعض أركان العقد… يكون العقد غير مشروع بأصله، ولا يترتب عليه أي أثر ؛ فإذا بطلت المضاربة… يبطل شرط الربح، فيكون كل الربح لرب المال وللعامل أجر المثل ولو خسر المال أو ربح.

والعقد غير الصحيح، هو مالم يستوف أركانه وشروطه الشرعية ولا يترتب عليه أثره الشرعي، وقد قسم الأحناف العقد غير الصحيح إلى عقد باطل وعقد فاسد، والعقد الباطل هو ما كان عدم الصحة لسبب في أصله كعدم وجود بعض أركانه كمحله أو لانتفاء معناه فيكون العقد غير مشروع بأصله، ولا يترتب عليه أي أثر، فإذا بطلت المضاربة من أصلها يبطل شرط الربح، فإن عمل العامل يكون كل الربح لرب المال وللعامل أجر المثل ولو خسر المال أو ربح. أما العقد الفاسد… فهو ما توفر أركانه ومحله وتحقق معناه، ويرجع الخلل فيه إلى وصف من أوصافه، أو شرط من شروطه.

إذا فسدت المضاربة نتيجة تخلف أو اختلال شرط من شروط صحتها، دون تعد من قبل العامل، فالرأي المقترح فيما يتعلق بالربح والضمان والتصرف ما يلي:

1- الربح:

إذا فسدت المضاربة نتيجة تخلف أو اختلال شرط من شروطها، ولم يكن هناك تعد من قبل العامل… ينظر إلى الشرط الفاسد، فإذا كان يؤثر على الربح.. كان للعامل أجر المثل، وإن كان لا يؤثر على الربح… يفسد الشرط وتصح المضاربة والربح بينهما على الشرط.

والشروط التي تؤثر على الربح عدة أنواع:

نوع يؤدي إلى جهالة رأس المال فلا يعرف الربح؛ فيكون للعامل أجر المثل عن عمله.

نوع يؤدي إلى جهالة نصيب كل منهما منه … كأن لا يحددان نصيب كل منهما من الربح، فإن عرف الربح لا يدرى كيفية تقسيمه، فيكون للعامل أجر المثل إن كان في المال ربح، فإن لم يكن في المال ربح … فلا شيء له لأنهما لو كانا قد حددا فلن يناله شيء لانعدام الربح.

ونوع يتسبب في التحجير على العامل والحد من قدرته على العمل، وهذه تؤدي إلى عدم معرفة الربح الحقيقي، والذي كان سيتحقق لو لم يحد من قدرة العامل على العمل، ويكون الربح الناتج عن المضاربة أقل من الربح الذي كان سينتج عنها لو انتفى الشرط قبل العمل. لهذا… يكون للعامل أجر المثل سواء كان في المال ربح أو لحقته وضيعة، فإن كان نصيبه من الربح أكثر من أجر المثل فله الأكثر.

أما الشروط الفاسدة، التي لا تؤثر على الربح بالنقصان كاشتراط رب المال أن يضمن العامل رأس المال أو قدراً من الربح، فهذه إن كان لها تأثير على الربح فهو بالزيادة لاجتهاد العامل خوفاً من ضياع ماله بالضمان، فيبطل الشرط وتصح المضاربة وللعامل من الربح وفق الشرط، فإن لم يكن ربح فلا شيء له.

ويجب هنا أن يفرق بين العقد المصاغ من قبل العامل، والمصاغ من قبل رب المال، ونوع الشرط يوضح في أغلب الأحيان من اشترطه، فلا يعقل أن يشترط العامل على نفسه ضمان رأس المال، فإن كان الشرط مما يظهر أن العامل هو من وضعه في العقد، وكان مما يفسد العقد فيعطيه الحق في الأكثر من أجر المثل ونصيبه من الربح… وجب التأكد أنه لم يضع الشرط بهذا القصد… فإن ثبت هذا عليه يكون له الأقل منهما.

أما إذا كان الخلل في بعض أركان العقد، يكون العقد غير مشروع بأصله، فلا يترتب عليه أي أثر، فإذا بطلت المضاربة… يبطل شرط الربح؛ فيكون كل الربح لرب المال وللعامل أجر المثل ولو خسر المال أو ربح.

2- الضمان:

ذهب الجمهور إلى أنه لا ضمان على العامل فيما يتلف بغير تعديه أو تفريطه.

3- التصرف:

كل ما جاز للمضارب في المضاربة الصحيحة من شراء أو بيع أو اجارة أو بضاعة أو غير ذلك، فهو جائز له في المضاربة الفاسدة. إلا في حالة إذا كان فساد القراض ناتجاً عن قصور في أهلية العاقد كما قال الشافعية، أو كان الفساد مما يوجب أن تصبح المضاربة باطلة بمفهوم الأحناف، فالأغلب أن جمهور الفقهاء يحيلون المعاملة في هذه الحالة إلى الوكالة بالأجر أو الإجارة، والأولى تبيح للعامل التصرف، والثانية يكون الرأي والقرار فيها لرب المال.

 

ثانياً: فساد المضاربة بمخالفة العامل

إذا تعدى العامل- بمخالفته لشرط من الشروط التي حددها المالك له في العقد، والتي يجوز للمالك اشتراطها- كأن ينهاه عن السفر بماله فيسافر به، أو أن يعتمد المضارب هذا الإخلال لتفسد المضاربة… فإن الرأي أن ينظر إلى التعدي كما يلي:

إن تعدى العامل بأن خالف شرطاً من الشروط، وربح… فلهذا وجهان،     

الأول: انه تعمد المخالفة لإفساد العقد، والثاني: أنه خالف لظنه أن ما يخالف إليه هو الأصلح.

وعقد الفضولي وهو عقد الذي يبيع ملك غيره دونه إذنه، أو يشتري لغيره دون إذنه، هو عقد صحيح إلا أن لزومه يتوقف على إجازة المالك أو وليه… فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه بطل. والمضارب ليس فضولياً لأنه وكيل له حق التصرف فيلزمه عقد الشراء إذا كانت في شرائه مخالفة لشروط عقد المضاربة.

روى أبو لبيد عن عروة بن الجعد قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني ديناراً فقال: عروة ائت الجلب، فأشتر لنا شاة. فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقها أو أقودهما. فلقيني رجل بالطريق فساومني فبعت منهما شاة بالدينار. فجئت بالدينار والشاة فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم وهذه شاتكم. قال: وكيف صنعت؟ فحدثته الحديث فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه. رواه الأثرم.

وجاء في المغني*(جزء 5 ص 129): ”إن الوكيل في الشراء إذا خالف موكله فاشترى غير ما وكل في شرائه… إذا ثبت هذا فعن أحمد روايتان.

أحدهما الشراء لازم للمشتري. وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي. لأنه اشترى في ذمته بغير إذن غيره فكان الشراء له كما لو لم ينو غيره.

والرواية الثانية: يقف على اجازة الموكل، فإن اجازه لزمه لأنه اشترى له وقد أجازه فلزمه، كما لو اشترى بإذنه، وإن لم يجزه لزم الوكيل.

ويضيف: فالصحيح في المذهب أن البيع باطل وهو مذهب الشافعي وفيه رواية أخرى أنه صحيح ويقف على إجازة المالك، فإن لم يجزه بطل، وإن أجازه صح، لحديث عروة بن الجعد: أنه باع مالم يؤذن له في بيعه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له. ولأنه تصرف له بخير فصح. ويضيف في صفحة 139: وهذا أصل لكل من تصرف في ملك غيره بغير إذنه ووكيل يخالف موكله. هل يقع باطلا أو يصح ويقف على إجازة المالك؟ فيه روايتان. وللشافعي في صحة البيع ههنا وجهان“.

وجاء في رأي في مفتاح الكرامة (جزء 7 ص 458): ”وإن فعل العامل شيئاً مما ذكر من التصرف بالغبن أو بالنسيئة لا مع الإذن وقف على الإجازة ولا يقع باطلا عند القائلين بجواز عقد الفضولي فإن أجازه المالك نفذ وإلا بطل“.

وجاء في مفتاح الكرامة (جزء 7ص474): ”ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها أو بابتياع شيء معين فبتاع غيره ضمن ولو ربح فالربح على الشرط“.

وما جاء، فيه اجتماع الضمان واستحقاق الربح، وهذا كسب بدون عوض. والرأي أنه إن خالف لما يظنه الأصلح… فالأولى أن يقف تصرفه على إجازة الموكل، ولرب المال أن ينظر في الأمر وفي المال ويختار وفق مشيئته، فإن أجازه لزمه لأنه اشترى له وقد أجازه فلزمه، كما لو اشترى بإذنه، وإن لم يجزه… لزم المضارب، يثبت آنذاك كون المضارب خالف فيضمن، فإن ضمن المضارب فله كسب ما ضمن وعليه وضيعته، وليس لرب المال إلا رأس ماله الذي ضمن له، ولا ينظر إذا كان في المال ربح من تجارة سابقة إذا لم يقتسما قبل التضمين، وعلى المضارب أن ينضض المال لانفساخ المضاربة بتعديه.

ولهذا… فعليه أن يعلم المالك عند المخالفة أو بعدها، وللمالك أن يأذن فيصح العقد؛ أو يرفض فيفسد العقد ويقع الضمان على العامل ويكون له ربحها وعليه الوضيعة؛ فإن لم يُعلم المالك… فللمالك الحق عند علمه في الاذن أو الامتناع وتضمينه المال.

وقد يتحقق الأصلح بحدوث الربح – وإن لم يعرف هل هذا هو الأصلح أم الربح الذي كان سيتحقق إذا التزم بشروطها- قبل علم المالك، والأغلب أن المالك سوف يأذن لنماء ماله، وله أن يرفض إذا كان في المال وضيعة فيتحملها العامل من ماله، ولا يجديه القول إنه قد خالف إلى الأصلح إلا أن يتحقق الأصلح وهو الربح، ولا يجوز لرب المال أن يطالبه بقراض المثل؛ لأنه إما أن يوافق فلا ضمان، وإما أن يرفض فيضمن ماله ولا ربح. ولا يقع الضمان تلقائياً بحدوث المخالفة وإنما يقع عند علم رب المال بالمخالفة وعند عدم إجازته لها.

أما إذا تعدى العامل بقصد إفساد المضاربة، فالأغلب أن لا ربح فيها، ولرب المال متى علم أن يضًمنه؛ فتكون الوضعية من مال العامل، فإن كان فيه ربح… فله أن يبقيها على حالها، أو أن يكون للعامل الأقل من أجر المثل ونصيبه من الربح، والله أعلم.

ورب المال قد يعلم والمال عروض لم يظهر فيه ربح أو خسارة بعد، وعليه أن يتخذ قراره خلال فترة قصيرة معقولة بعد علمه بمخالفة العامل، وليس له أن يؤخره حتى يتبين ما ستصير إليه نتيجة المضاربة؛ فإن لم يتخذ قراره المبني على معلومات صحيحة يقدمها العامل- خلال هذه الفترة فإن الضمان يقع عند انتهائها، ويضمن العامل ويكون الربح له والوضيعة عليه، أما لو قصر العامل في تقديم المعلومات الصحيحة أو ثبت عليه التضليل… فللمالك الحق في تغيير قراره في الوقت الذي تتوفر فيه المعلومات الصحيحة بشرط أن يثبت بالبينة القاطعة أن العامل قد أخفى هذه المعلومات أو عرضها بصورة مضللة مع علمه بها في ذاك الوقت؛ فإن كان في المضاربة ربح… فيقترح إن أجاز رب المال المخالفة أن يكون للعامل الأقل من أجر المثل أو نصيبه من الربح.

<< previous page next page >>

الفصل السادس – تصرفات رب المال في مال المضاربة

1- استرداده جزءاً من رأس المال:

اذا استرد رب المال جزءاً من رأس ماله… يكون الجزء المسترد من المال قد انفسخت فيه المضاربة، والباقي من المال هو رأس مالها؛ فإن كان في المضاربة ربح أو خسارة، فيوزع الربح والخسارة على القسم المسترد وعلى ما تبقى من المال. ولا يجبر ربح المسترد خسارة ما بقي من المال في يد العامل، ولا تنجبر خسارة المسترد من ربح ما بقى في يد العامل لمفارقته إياه.

وفرق الأحناف بين أن يكون مال المضاربة نقداً أو عروضاً، فقالوا إن رب المال ان كان استرد مال المضاربة بدون رضى العامل، وهو مازال نقداً ولم يتصرف فيه العامل فإن المضاربة تبطل، والربح كله لرب المال اذا عمل فيه رب المال بعد ذلك وربح، لأنه عمله ليس من قبيل الإعانة لعدم رضى العامل. اما لو استرد المال بعد أن أصبح عروضاً، فباع وربح، كان الربح بينهما على ما شرطا، وكان عمل رب المال من قبيل الاعانة للمضارب فلا تنقض المضاربة هنا لأن رب المال لا يملك نقضها لأن العامل عمل وترتب له حقوق بموجبها, (انظر المبسوط جزء22 ص85)

وعليه… فإن رأس مال المضاربة قابل للإنقاص، أي إن لرب المال أن يأخذ جزءاً من رأس المال تنفسخ فيه المضاربة، فيه ربحه ومنه خسارته، وتستمر المضاربة بعد ذلك دون حاجة لعقد مضاربة جديدة، ولم يشترط الفقهاء رضى العامل، ويمكن أن نفترض هنا ان الجزء المنفسخ تحكمه شروط فسخ المضاربة بإرادة رب المال، فإن كان المال نقداً، فله ربحه وعليه خسارته، وان كان المال عروضاً فالفسخ الكلي عند أغلب الفقهاء يسري على الشراء وليس على البيع؛ أي إن للعامل أن ينضض المال إذا كان فيه ربح بعد علمه بالفسخ، فإن كان فيه ربح فكما شرطا، وقد عامل الفقهاء هنا هذا الفسخ الجزئي كالفسخ الكلي في هذا الجزء. فعليه ان كان بعض المال عروضاً… كان على العامل ان يبيع العروض، ولكن ماذا إن كان بعض المال عروضاً وبعضه نقداً، وطالبه بالنقد، فلن يعرف الربح أو الخسارة إلا بعد تنضيض العروض، فإن اعتبر كلاً منهما منفصلين… فإن كان النقد ايراد بيع سابق بربح وخسرت العروض عند بيعها، أخذ العامل ربحه من الأولى فلم تنجبر الثانية فيخسر المالك لانه سيتحمل وضيعتها وحده، وكذلك إن كان النقد فيه وضيعة والعروض فيها ربح عند بيعها، ولهذا… فإن كان المالك هو من رغب في هذا مع معرفته بما يصيبه من جراء هذا التقسيم فقد أجاز له الفقهاء لاحتمال اضطراره إلى المال.

والأولى في هذه الحالة أن يأخذ النقد الموجود بموافقة العامل بمثابة دين عليه للمضاربة حتى تنضض العروض وتتم القسمة.

وهناك مسألة تفويت فرصة الربح على العامل في الفسخ والمال عروض، سواء كان جزئياً أو كلياً، فإن أطلق له البيع أو أنيب ولي الأمر على البيع … فلا يوجد فرصة ضائعة. أما اذا أخذ المال العروض أو جزءاً منه بدون رضى العامل فباعه كما قال الأحناف، فالأغلب أن للعامل في الربح أو أجر المثل، فالأحناف قالوا في الفسخ الكلي أن الفسخ اذا حدث والمال عروض فللعامل أن يبيعه وينضض المال ولا يمنعه العزل عن ذلك، ويقوم العامل بالبيع سواء رضى رب المال أم لم يرض، جاء في شرح العناية على الهداية(جزء7 ص76): ”وإذا علم المضارب بعزله والمال عروض، فله أن يبيعه ولا يمنعه العزل عن ذلك، نقداً أو نسيئه، حتى لو نهاه عن البيع نسيئة لم يعمل بنهيه، لان حقه قد ثبت في الربح بمقتضى صحة العقد، والربح انما يظهر بالقسمة، والقسمة تبتنى على رأس المال بتمييزه، ورأس المال إنما ينض، أي يتيسر بالبيع“.

ورب المال حين فسخ المضاربة في هذا الجزء ثم أخذ العروض، قد خالف شرطاً من شروط المضاربة بعدم سماحه للعامل بالبيع، والعامل لو تعمد فعل ما نهاه عنه رب المال يصبح غاصباً، ورب المال تعمد أخذ العروض وقد نهى عنه فيمكن القول أنه أضر بشرط التخلية وهو من شروط الصحة في المضاربة، فأقل ما يكون عليه أجر المثل إن لم يكن هناك ربح في العروض التي أخذها وباعها بدون رضى العامل، لأنه ضيع على العامل ما بذله من جهد في هذه العروض.

وماذا لو أراد أحد مودعي البنك إنهاء مضاربة له سهم فيها لحاجته للمال، بينما لم يرغب الآخرون في ذلك أو لم يصدر عنهم ما يدل على ذلك، وكان المال عروضاً، وهذا من حقه، فإن أراد ذلك… فيمكن معاملته بمثل ان يسترد رب المال جزءاً من رأس المال.

2- رده للمعيب:

لرب المال رد العرض المبيع بموافقة العامل، فإن اختلفا… عملا بما فيه المصلحة، أو يحكمان بينهما من يفصل في الأمر.

3- انتفاعه بعرض من مال المضاربة:

لا يحق لرب المال استعمال أو الاستفادة أو الانتفاع  بعروض المضاربة أو بمنافعها أو بما قد يستأجر بمالها، وليس له ان يجر إلى نفسه منفعة من وراء المضاربة مباشرة كانت أو غير مباشرة، وليس له أن يشترط أي من ذلك لأن فيه اشتراط زيادة قد تكون كل الربح. فإن كان أذن العامل ولم يكن في هذا تعطيل لمال أو لعمل المضاربة… وجب عليه دفع ما يدفعه الأجنبي من الأجر.

وليس للعامل أي شيء من ذلك إلا أن يدفع من ماله أجر المثل للمضاربة بإذن المالك، وبموافقة المالك على الأجر والمدة، والأغلب كراهة ذلك إذا كان العامل هو المنتفع لأنه هو يقرر إذا كان في هذا التأجير تعطيل للمضاربة وله رغبة في الاستئجار فتتعارض المصلحتان، ويننتفي هذا إذا أجر لأجنبي أو لرب المال.

4- إتلافه لشيء من مال المضاربة:

لو أتلف رب المال أو استهلك شيئاً من مال القراض… يخرج الهالك من القراض، ويكون ما تبقى من المال هو رأس مالها… فإن كان فيه ربح فللعامل حصته منه، وله حصة المثل مما هلك إن كان قد هلك بعد تصرفه في المال.

5- شراؤه من مال المضاربة:

لا يجوز لرب المال أن يشتري لنفسه شيئاً من مال المضاربة الا اذا كان شراؤه لاستهلاكه الشخصي وصح قصده بأنه لم يرد أن يأخذ شيئاً من الربح قبل المفاصلة؛ لانه ليس من حق أحدهما أن يأخذ شيئاً من الربح قبل القسمة.

وجاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص500): ”ولا يصح أن يشتري المالك من العامل شيئا من مال القراض ولا أن يأخذ منه بالشفعة“.

ويجوز أن يتصرف رب المال في عرض من عروض المضاربة كالبيع، بشرط أن يكون بمثل قيمة ما بيع من مثله أو أكثر، ويكون ذلك من قبيل المعاونة وبشرط موافقة العامل ورضاه.

6- طلبه الشفعة:

لا شفعة لرب المال، إذا باع المضارب داراً تعود للمضاربة.

7- إعطاء رب المال مال المضاربة إلى عاملين:

يجوز لرب المال إعطاء مال المضاربة إلى عاملين، ولا يشترط تساويهما في الربح، وليس لأحدهما أن يتصرف دون إذن صاحبه. 

8 – الإشراف والمتابعة:

من مفهوم المضاربة ان العامل هو من يملك الخبرة والقدرة على استثمار المال، ومن شروط صحتها التخلية، فيترك للعامل حرية التصرف فيما يراه الأنسب لبلوغ القصد منها وهو أفضل نماء لرأس المال، ولأنه له حقا في هذا النماء ولأن تنمية المال هي وظيفته في المضاربة؛ فقد منع الفقهاء رب المال من التدخل في العمل، إلا من قبيل المساعدة لا من قبيل الاشراف أو الإدارة، ولو اشترط رب المال العمل مع المضارب تفسد المضاربة عند أغلب الفقهاء، إلا أن يكون هذا من قبيل اعانة العامل ومساعدته بدون أجر منه أو من مال المضاربة، وللمالكية رأي فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب، فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً على العامل يحصي عليه تصرفاته.

وما قصده الفقهاء هو منع رب المال من القيام بأي عمل يكون من ِشأنه التأثير على نتائج المشروع لأن هذا ليس من اختصاصه ومن المفترض في المضاربة ان العامل أكثر منه قدرة وخبرة، ولو كان هذا الفرض خطأ في مضاربة ما… فكان رب المال أقدر من العامل؛ فإما ان يكون رب المال قد دفع ماله لانشغاله في اعمال أخرى وبهذا الانشغال… ينتفي تفاضل خبرته وقدرته لعدم توافرها متى احتيج اليها، أو كان بلا عملا اخر فيحالا إلى نوع أخر من الشركات التي وفرها لهما الاسلام. والإشراف والرقابة قد يؤثران بطريق غير مباشر على قدرة العامل على تركيز كل طاقاته على عمله في المضاربة، أو يشغلانه في أمور الحصول على موافقة الجهة المشرفة أو تفسير تصرفاته لها، عدا احتمال رفضها لبعض ما كان ينوي أو يعزم على عمل، فلا تتحقق له حرية التصرف في المال والذي هو شرط من شروط الصحة.

ولا ينكر أحد في هذا العصر أهمية الرقابة والاشراف والمتابعة، بل إن هذا الجهاز من الاجهزة المتواجدة في داخل المؤسسات التجارية والمالية، والذي دعا المؤسسة إلى إيجاد جهاز متابعة ورقابة منها وعليها، هو الفائدة المتوقعة مما يصدره هذا الجهاز من تقارير وتوصيات دورية، تعين أجهزة التنفيذ وتوفر لهم وضوح الرؤية فيما يفوت عليهم لانشغالهم في العمل، فهي تراجع نتائج المراحل التي تم تنفيذها وتخطط للمراحل القادمة، وتتأكد من جودة الانتاج أو المشترى ومطابقته للمواصفات التي يقبل عليها العملاء أو المشترون، وعليها التوصية بالتعديل أو التغيير في الوقت المناسب وقبل ان يفوت الأوان فتصبح تكاليف الإصلاح باهظة، وهذا بالطبع من صميم عمل الإدارة والتي هي من اختصاص العامل، ولكن العامل قد يكون مؤسسة كبيرة وقد يكون تاجراً بسيطاً وليس لديه مثل هذه الامكانيات.

والمقصود الحقيقي من الإشراف والرقابة عند رب المال المعاصر، هو التأكد من تصرف العامل وفقاً لقواعد الأمانة، وهناك أيضاً مقاصد أخرى كضمان التزام العامل بشروط المضاربة؛ إضافة إلى ماذكرناه من مراجعة.

والطريق إلى اطمئنان رب المال وقد يكون في تعيين عامل ثان، فقد ذهب الفقهاء إلى جواز إعطاء المال إلى عاملين، ويشترط تعيين حصة كل منهما في الربح ولا يشترط تساويهما فيه، وقال الأحناف ليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن صاحبه. والمفهوم من هذا أن العامل الثاني يعمل مع العامل الأول لا أن يراقبه، ولهذا… فله من الربح وفق الشرط، فلو كان العامل الثاني جهة متخصصة في أعمال الإدارة والمراجعة والتخطيط، وكان عملها هذا مفيداً للمضاربة، صح كونها طرفاً فيها، وصح اشتراط رب المال اعطاء ماله إلى عاملين، فلا ينفرد أحدهما بالتصرف دون صاحبه، بشرط ألا يكون العامل الثاني ملزماً أكثر من العامل الأول بتقديم تقارير أو بالرجوع إلى المالك، ويكون ولاء العاملين للمضاربة ولتحقيق الربح لا لرب المال؛ أي إن رب المال متى عين العامل الثاني يرفع يده ويمنع عن التدخل الا في الحدود الصحيحة، وإن نص العقد على تسلمه تقارير دورية أو معلومات عن سير العمل والتوقعات المستقبيلة يتسملها من إدارة المشروع أو منهما معاً وليس من أحدهما أو من المضارب الثاني.

ويجب التنوية هنا أن هذا الحق لرب المال، له أن يستخدمه مرة واحدة فقط وقت العقد ومتى استخدمه لا يعود له الحق في التدخل، فتتم التخلية الكاملة ويكون للعاملين حرية التصرف.

والعامل الثاني سيكون أحد المكاتب ذات السمعة الطيب والمتخصصة في مجالات الاستثمار أو التصميم والهندسة أو التجارة والتسويق وغيرهم، والتي بمرور الوقت… سوف تتخصص أكثر في مجالات معينة فيستفيد العامل ويضيف خبرتها إلى خبرته فينفذ المشروع على أفضل الاسس العملية والخبرات العملية وفق تخطيط ومراجعة وتعديل دوري بما يناسب بما بناسب الواقع، مما ينتج عنه فائدة لاطراف العقد.

<< previous page next page >>

الفصل الرابع – أحكام المضاربة

المقصود من أحكام المضاربة هنا: هو الآثار الأصلية المترتبة على العقد شرعاً، وتختلف هذه الآثار وفقا لكون المضاربة صحيحة أو غير صحيحة.

والمضاربة الصحيحة هي التي تتوفر فيها الأركان والشروط، وتترتب عليها آثارها من اقتسام أرباحها وفق الشرط، وأن العامل يصبح شريكاً بنصيبه من الربح، وعدم تضمين العامل لما قد يهلك من رأس المال.

أما المضاربة الغير الصحيحة.. فهي في رأي الأحناف إما باطلة؛ وهي ما فقدت ركناً من أركنها، وإما فاسدة وهي التي تخلف فيها شرط من شروط صحتها أو تخللها شرط مفسد للعقد. أما بقية المذاهب فقد اعتبرت العقد فاسداً سواء تخلف ركن من أركانه، أو شرط مما اشترطوه، ولم يفرقوا بين الباطل والفاسد كما فعل الأحناف.

الشروط المفسدة للعقد:

كل شرط يتعارض مع أحكام الشريعة، أو مع شروط صحة أركان العقد، أو مع مقتضى العقد؛ فإنه من الشروط الفاسدة، ومنها ما يفسد العقد، ومنها ما يبطُل فيه الشرط ويصح العقد، إذا كان هذا الشرط الفاسد لا يؤثر على بقية العقد أو نتائجه.

ومن الشروط المفسدة للعقد… شروط لا تلائم مقتضى العقد وتنتج عنها الجهالة في الربح أو رأس المال… فإن انتفت الجهالة ببطلان الشرط فالأغلب… يصح العقد ويبطل الشرط، وإن لم تنتف الجهالة ببطلان الشرط يفسد العقد.

ومنها:

شروط تتعارض مع الشروط الشرعية مثل: تضمين العامل، أو كسب بدون عوض كالفائدة الربوية، أو التجارة في محرم أو الغش وغيرها مما يؤدي إلى أكل الأموال بالباطل.

وشروط ينتج عنها ما يخالف المقصود من عقد المضاربة مثل: عدم التخلية، أو تدخل رب المال في قرارات وعمل العامل، أو اشتراط ربح تجارة معينة، أو اشتراط قدر معين من الربح لأحدهما.

وشروط تتعارض مع العرف وينتج عنها غبن لأحد الطرفين… كأن يشترط العامل لنفسه أجرأ أو نفقة أكثر مما يجوز له، أو أن يستأجر على ما يلزمه العقد أو العرف من مال المضاربة، أو يصرفه في غير الوجه المقصود به، أو يشترط عليه رب المال التجارة في سلعة نادرة.

وشروط تتعارض مع الرضى والعدل ويظهر فيها الاستغلال… كأن يشترط رب المال على العامل أن يقوم بعمل يخرج عن نطاق المضاربة، أو يوظف أحداً من خاصته في شركته.

وشروط تتعارض مع مفهوم عقد المضاربة… كطلب رب المال رهن لقاء رأس المال، أو وضع غرامة عليه إذا تجاوز العمل المدة التي حددت للمضاربة، أو أن يشترط عليه أن يراجعه قبل أي عمل يعمله ليحصل على موافقته، أو أن يدفع العامل بماله إلى مال المضاربة، أو أن يأخذ المال إذا كان عروضا في أي وقت يشاء ويبيعه كما يشاء سواء رضى العامل أو أبى.

وشروط يقصد بها واضعها التحايل بإلباس المحرم ثوب المحلل… كاشتراط رب المال الفائدة الربوية وتسميتها بأسماء أخرى، أو إلباس القرض الربوي ثوب عقد مضاربة أو مشاركة.

وشروط يظهر فيها الإكراه كتضمين العامل للتلف الحاصل دون تعدٍ، أو أي شرط مجحف لا يقبله إلا المضطر، وأي شرط أخر يتعارض مع ما قال به الفقهاء وأوجبوا معه الفساد أو البطلان بالإجماع.

وقد اختلف الفقهاء في الشروط التي قد تقيد العامل في التصرف أو تؤثر على قدرته، والتي اعتبرها بعضهم تفسد المضاربة، مثل اشتراط الأجل؛ فيكون هذا الشرط مفسداً للمضاربة عند الشافعية والمالكية، وغير مفسد لها عند الحنفية وبعض الحنابلة.

ويختلف تأثير الشرط الفاسد على العقد؛ تبعاً لتأثيره على الربح، جاء في كتاب فقه المضاربة للدكتور علي حسن عبد القادر صفحة23: ”والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في العقد أنه ينظر إن كان يؤدي إلى جهالة الربح يوجب فساد العقد لأن الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد. وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط وتصح المضاربة. وشرط الوضيعة عليها فاسد لأن الوضيعة جزء هالك من المال فلا يكون إلا علي رب المال، ولا يؤدي إلى جهالة الربح فلا يؤثر في المضاربة فيفسد به العقد“.

فإن فسدت المضاربة لجهالة الربح مثلا وبدون تعد من العامل؛ فالرأي الغالب أن يصبح العامل فيها أجيراً ويستحق أجر المثل عن عمله، على ألا يتجاوز نصيبه المفروض له في العقد، ويكون المال والربح كله لرب المال، وفي رأي المالكية يكون للعامل قراض المثل في بعض حالات فساد المضاربة.

ولو تعدى العامل- أو لو تعمد إفساد المضاربة- بمخالفته قيدا من قيودها، بأن يخالف شرطاً اشترطه رب المال في العقد، وكان من الشروط الصحيحة التي يحق لرب المال اشتراطه، فلرب المال أن ينظر إلى مخالفته فإن اجازها صح العقد، وإن رفض اجازتها يصبح العامل غاصباً ويضمن رأس المال وتكون الوضيعة عليه من ماله.

<< previous page next page >>

الفصل الثاني: أركان عقد المضاربة: ثانياً: شروط المحل أو المعقود عليه

المعقود عليه هو الربح، ويتعين الربح بما يبقي في المال بعد إعادة رأس المال إلي صاحبه، ولهذا… كان لرأس المال شروط يتعين بها فيعرف الربح وتنتفي عنه الجهالة أو الغرر.

شروط رأس المال:

1- أن يكون رأس المال نقداً رائجًا، والقصد هنا أن يكون رأس المال وإيراد المضاربة من نفس الجنس والنوع فيعرف الربح، وأن يكون رأس المال معلوماً بالقدر حتي يتميز رأس المال من الربح. ولهذا… لاتصح المضاربة بالعروض، إلا أن يكون إيراد المضاربة من نفس جنس العروض فيعرف الربح، ومن الصعب تخيل مضاربة يكون رأس المال فيها سلعة أو عرض وإيرادها من نفس السلعة أو العرض، وإن أمكن تخيلها فلا تطبيق لها في عصرنا، ولا حاجة لنا ببحثها.

2- إن دفع رب المال بالعروض إلى العامل فيجب أن يبيعها العامل أولاً، ثم يضارب بعد إعلام المالك بثمنها، والذي يصبح رأس مال المضاربة، وبيعه للعروض خارجاً عن نطاق أعمال المضاربة، وله الأجر عليه من مال رب المال وليس من مال المضاربة أو ربحها.

أما إذا كان للعامل ولرب المال قصد في المضاربة بالعروض، يجوز في بعض الحالات أن يكون رأس المال عروضاً بشرط أن يكون مالاً مثلياً: أي ما له مثل ونظير في الأسواق من غير تفاوتاً يُعتد به كل ما يقدر بالكيل أو الوزن أو العد أو القياس، فيصلح تثمينه بالنقد دون بيعه. فقد يكون هذا المال سلعاً مما ينتجه رب المال، فوجد لها العامل سوق أخرى أربح من سوق بلدتهما، فرغب العامل في أن يبيعها في بلد أخر، ثم يشتري بثمنها بضاعة أخرى يبيعها في سوق بلدته، فمتى تم تثمين هذا المال… يمكنه إما: بيع جزء منه في سوق بلدته لإنضاض بعضه لتوفير النقد الذي سيحتاجه للمصاريف الأخرى كالنقل وغيره، أو أن يدفع إليه رب المال رأس المال في جزئين جزء عروض مثمن بنقد، وجزء أخر نقداً.

ومن المنطق السليم أن المزارع المنشغل في زراعته، والصانع المنشغل في مصنعه، يمكنها دفع إنتاجهما أو الفائض منه عن أسواقهما إلى تاجر يضرب في الأرض، وليس من المصلحة أن يشترط عليهما أن يبيعاه حتى يصبح نقداً، فالتجارة قائمه علي هذه البضاعة، وقد وجد صاحب العمل بخبرته سوقاً أربح لها، وقد يجد في هذه السوق بضاعة يربح منها لو جلبها، ومتي تحقق الوضوح في ثمن السلعة، فالأولى أن تجوز المعاملة لفائدتها.

وتثمين السلعة بثمن مثلها في السوق، يكون كأن صاحب المال قد نقلها من مخازنه إلى السوق، وباعها بثمن يشتمل علي ربح المنتج والتاجر، فيكون المنتج قد ربح قبل أن تبدأ المضاربة، وهذا لا يتعارض مع المنطق الصحيح؛ فهذا الكسب لا علاقة له بالمضاربة ويعود إلي عمله السابق في التصنيع أو الزراعة، والمضارب لا علاقة له بهما، وإن لم تحدث المضاربة… فإن رب المال سيبيعها في السوق، وسيحصل علي ربحه فيها والناتج عن عمله هو وحده. والتاجر ان لم يضارب مع صاحب المال هذا، لضارب مع صاحب مال أخر، يدفع له مالا نقدا فيشتري به هذه السلعة من السوق بثمن المثل، ولهذا… فالبند الوحيد الذي يجب أن يتفقا على خصمه هو تكلفة النقل وتكلفة البيع، وهذه تخصم كلها أو بعضها من ثمن المثل، وفق ما يتفقان عليه، ويكون الصافي هو رأس المال. وبهذا.. يكون التاجر صاحب العمل قد أنتفع من المال العروض أكثر مما كان انتفع به لو كان المال نقداً، ويكون صاحب المال قد انتفع بخبرة التاجر وعمله.

3- أما المضاربة بالدين… فإذا كان الدين على شخص ثالث، فلا مانع إن قبض العامل المال وعمل به، وله الأجر على هذا العمل الخارج عن نطاق أعمال المضاربة؛ فإن لم يستطع اقتضاء الدين… فلن تكون هناك مضاربة. أما إذا كان الدين علي العامل، فإما: أن المال موجودًا فالأصلح أن يرده العامل إلى رب المال، والذي له أن يدفعه بمشيئته ورضاه مضاربة إلى العامل، أو يبقيه في ملكه، فينتفي عن المضاربة أن يكون العامل قد ماطل في الدين على أمل أن يبقيه رب المال معه مضاربة، أو تكون الزيادة ملبسة ثوب الربح تحايلاً لتقاضي الربا، أو لا يكون المال أو بعضه متوفراً عند العامل فيعمل بأقل منه.

4-   أما المنفعة فقد قال عنها الشافعية في تحفة المحتاج (جزء2ص417): ”بأنها لا تصح أن تكون رأس مال في المضاربة“.

والمنفعة لا تجوز أن تكون رأس مال مضاربة؛ لأنها تستهلك ، ولا يمكن إعادتها إلي صاحبها كما يعاد رأس المال فلا يعرف الربح، والذي يتبقى بعد سلامة رأس المال. والمنفعة لا يمكن تقييمها بأثمان وقت التعاقد لأنها معدومة آنذاك، وتقيم وفق استيفائها في عمل أو خلال مدة زمنية، وكلاهما مجهولان عند التعاقد.

5- يشترط أن يكون رأس المال معلوم المقدار والصفة والجنس، ومعيناً تعييناً ينفي الجَهالة به، كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه، والذي يملكه رب المال وحده، من الربح الذي يشتركان في ملكيته.

6- يشترط أن يكون رأس المال حاضراً وموجوداً عند التعاقد، ويتحقق الحضور والوجود إذا سلم رب المال إلى العامل الوثائق التي تثبت وجوده، وتعطي العامل الحق في التصرف فيه، كأن يكون المال مودعاً في حساب بنكياً يكون للعامل حق التصرف فيه وفقًا لشروط العقد، فإذا كان رب المال بنكاً فيكتفي بالحساب المفتوح الذي يمنح العامل حق السحب إلي حد إقصى هو قيمة رأس المال، ويشترط ألا يحدد للعامل جدولاً للسحب أو حدودا لقيم الدفعات، طالما قيد هذا السحب بالحد الأقصى.

7-   يصح إضافتها إلي زمن مستقبلي كأن يقول ضاربتك بهذا المال من أول الشهر القادم، وعندئذ… لايحق للعامل التصرف في المال قبل هذا التاريخ كأن يشتري نسيئة.

8- لا يجوز تعليقها على شرط مستقبلي؛ لعدم فائدة التعليق، والأولى الإنتظار حتى يتأكد الطرف الذي يود تعليقها من حدوث ما كان يريد تعليقها لأجله، فالمضاربة يجوز لأي من طرفيها فسخها قبل التصرف، فتكون فترة التأجيل والتعليق لا إلزام فيها ولا جدوى من الاتفاق غير المنجز، بل وقد يضر هذا أحد الطرفين إذا امتنع عن دخول مضاربات أخري لأجلها ثم فاجئه الطرف الأخر بفسخها والمال ناض أو لم يسلم بعد، وتسري نفس الأسباب على إضافتها إلى زمن مستقبلي بعيد، كأن يتجاوز الثلاثة أشهر مثلاً.

9-   أما عن التخلية… ففي حالة المضاربة المطلقة والمقصود بها هي مضاربة المودع والبنك؛ فيجب أن يسلم المودع المال إلي البنك ويفوضه، ويمكّنه من التصرف الكامل فيه وفق مشيئته وفي حدود مضمون العقد، أما عن مضاربة البنك كرب مال مع العامل الثاني، ومراعاة للسيولة البنكية، ولأن المضارب في المشاريع الحديثه يصرف المال تدريجياً وفق جداول تدفقات نقدية يمككن تقديرها وضبطها… فالأفضل أن يفتح حساب للمضاربة في البنك يصدر منه العامل دفعات أعمال بحد أقصى يعادل رأس المال.

وهذا يوافق الرأي عند الحنابلة والرأي الأخر عند الإمامية من أن المضاربة تصح ولو اشترط رب المال بقاء يده على المال يوفي منه ثمن ما يشتريه العامل، جاء في مطالب أولي النهي في الفقه الحنبلي (جزء3): ”ولا يعتبر لمضاربة قبض عامل رأس مال، فتصح وإن كان بيد ربه، لأن مورد العقد العمل“. بينما منع  هذا الأحناف والمالكية والشافعية والزيدية والإمامية في رأي لهم. وفي ما قاله الشافعية يبين السبب الذي لأجله اشترطوا تسليم المال إلى العامل، والا يشترط رب المال بقاء يده عليه، وذلك لاحتمال ألا يجده العامل عند الحاجة- ويمكننا الجزم بأن هذا من النادر حدوثه إذا كان رب المال بنكًا.

ولا يزال شرط التخلية سارياً في حالة فتح حساب للمضاربة في البنك يكون للمضارب حق التصرف فيه، والمضارب إن استلم المال فسوف يودعه في جهة ما حتي يتصرف فيه، ومن باب أولى أن تكون هذه الجهة نفس البنك.

وقد يستثمر البنك المال الفائض عن حاجة المضارب حتي يحتاجه، ويجب أن يتحمل البنك مسؤولية توفير المال للمضارب حين يحتاجه بغض النظر عن جدول تدفقات الدفعات النقدية الذي قدمه المضارب؛ فقد يجد المضارب الخير في تغيير ما كان قد خطط له، ولا يجوز لرب المال التدخل في قراره؛ فللمضارب حق في الربح يمنحه حق القرار، ولن يعجز البنك في الأغلب عن توفير هذا المال.

أما عما يستثمره البنك من المال المعطل حتي يحتاجه المضارب، فهو وإن كان مال المضاربة… فإن البنك بإلتزامه دفع مثله إلي العامل عندما يحتاجه، يكون قد وفره للعامل متى شاء، وليس للعامل شيئاً من ربحه إذا عمل فيه البنك في إستثمارات قصيرة الأجل وربح، فالعامل لا عمل ولا مال له فيه فلا يطيب له ربحه، ويكون الربح مما يرزق الله للبنك فيضيفه إلي نصيبه من ربح المضاربة الثانية، ويقتسم الكل مع المودع كيفما اتفقا، بشرط أن يتحمل المودع الخسارة التي قد تصيب المال في هذه الإستثمارات قصيرة الأجل، وأن ينص عليها في عقده مع البنك، وإن تصرف البنك في المال دون إذن المودع الصريح ضمن، وكان الإستثمار القصير الأجل للبنك له غنمه وعليه غرمه.

الرقـابة:

أما عن ترك حرية التصرف للعامل، فهذا من الأمور المهمة لمصلحة المضاربة ولمصلحة أطرافها، وقد منع الفقهاء تدخل رب المال، وذهب المالكية إلى منعه من الرقابة؛ ففي رأي لهم فيمن ينيب رب المال عنه ليعمل مع المضارب… فقد اشترطوا ألا يكون رقيباً علي العامل يحصي عليه تصرفاته. والرقابة تعني الحفظ والحراسة، ولكن قد يقصد منها أيضاَ العلم بما يحدث لأسباب متعددة منها التأكد من إلتزام المضارب بشروط العقد، ومنها أن يعرف رب المال علي وجه التقريب موقفه المالي؛ حتى يستطيع التخطيط لإستثماراته المستقبلية، وهذا المعنى هو ما نعنيه هنا، والمنحصر في نظام يوفر لرب المال الحصول على المعلومات والبيانات التي تبين سير العمل، والتغيرات التي تطرأ على وضع السوق، والتقديرات المستقبيلة لاحتياجات المشروع المالية ولأرباحه. وهناك رأي عند الأمامية يجيزون فيه أن يراجع العامل رب المال في التصرف، كما جاء في مفتاح الكرامة (جزء7ص446): ”أما لو شرط أن يكون مشاركا في اليد أو يراجعه في التصرف أو يراجع مشرفه فالأقرب الجواز، وهو والأصح كما جاء في الإيضاح“. وذهب ابن قدامة إلي جواز أن يشترك بدنان بمال أحدهما، فقال في المغني (جزء 5 ص 28):” وهو أن يكون المال من أحدهما والعمل منهما، مثل أن يخرج أحدهما ألفاً ويعملان فيه معاً والربح بينهما. فهذا جائز ونص عليه أحمد في رواية أبى الحارث، وتكون مضاربة. لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح بعمله في مال غيره. وهذه حقيقة المضاربة- ثم ذكر أن هذا الرأي يخالف الجمهور- وأضاف: وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي على أن رب المال عمل من غير إشتراط“.

ولا شك أن تدخل المالك الرقابي بمعنى المشرف الذي يمتلك حق الموافقة والرفض، لا يجوز إطلاقاً وقد يكون مضراً للمضاربة  ، خاصة وأننا افترضنا أن رب المال هذا منشغل وقليل الخبرة، وفي حالة أن المضارب يضارب مع غيره، وبالرغم من أن المضارب الذي أصبح رب مال في المضاربة الثانية يمتلك الخبرة… إلا أن الصحيح افتراض أن خبرته عامة، وأن خبرة المضارب الثاني أكثر من خبرته في المجال الذي يستثمر فيه المال، لأن افتراض عكس ذلك يدفع إلى التساؤل لماذا دفع إليه المال إذن؟ فإن كان قد دفعه لإنشغاله في أمور أخرى… فانشغاله هذا سيؤثر على قدرته، وسواء أكان أقل خبرة أو منشغلاً…ففي الحالتين، يكون المضارب الثاني أقدر منه على التصرف فلا يجوز لرب المال أو المضارب الأول أن يتدخل في صنع القرار. ولا يعني هذا أنه لو توفرت حالة يكون رب المال أقدر على صنع القرار من المضارب جاز له التدخل آنذاك، فهذا لا يصح مطلقاً؛ لأن العامل قد رضى المخاطرة بجهده وعمله لقاء ثقته بإدارته وخبرته هو، وله حق في الربح الذي يحققه فلا يجوز لرب المال إلا المساعدة تطوعاً وبشرط رضى العامل

والرقابة التي نعنيها – وإن كانت لا تسمح لرب المال بالتدخل في القرارات – إلا أن لها تأثيراً غير مباشر على القرارات ذاتها؛ فالمضارب يجد نفسه عند اتخاذ القرار يفكر في وقعه علي رب المال، كما يفكر في أهميته للعمل، فيصبح القرار وسطاً بين ما هو في مصلحة العمل وما هو مرضيا لرب المال؛ فالرقابة قد توجب عليه تفسير كل قرار وتقديم الحجج المقنعة والأسباب التي دعته لإتخاذ هذا القرار، التي قد تجد قبولاً وقد تجد عدم إستحسان. ورب المال وإن لم يكن له حق التدخل في القرار… إلا أن له الحق في فسخ العقد الغير لازم عند الجمهور عدا المالكية، وقد يقع الخلاف في وجهات النظر مما يؤثر على العلاقة بينهما، ومما قد يفضي برب المال إلى فسخ المضاربة عند ظهور أقل العلامات المشيرة إلى احتمال اللخسارة، وكل هذا يضع ضغوطاً على العامل قد تؤثر على كفاءته وإدارته، وهذا مخالف لطبيعة العمل الذي وكل فيه، ومخالف لشرط التخلية.

وحيث إن سبب منع رب المال من الرقابة، يعود إلى حرص الفقهاء على تحقيق التخلية وتحقيق الحرية للعامل لبلوغ القصد من المضاربة، لهذا… يجب تحقيق التوازن بين توفير المناخ المطلوب للإدارة؛ لتبلغ أعلى درجات الكفاءة والإبداع، وبين توفير الدرجة المعقولة من الطمئنينة لرب المال؛ لتشجيعه على الدخول في عقود المضاربة. لتحقيق هذا التوازن في ظروفنا المعاصرة… نجد أن رب المال المعاصر تتوافر لديه وسائل إستثمار أخرى غير المضاربة، منها: شراء أسهم الشركات القائمة، والمرابحة، والاجارة وغيرها. بل وفي هذه المرحلة الإنتقالية… يمكن القول إن لديه الإيداعات التي توفر العائد الربوي، فلو لم تتوفر له الطمأنينة… فلن يستثمر أمواله في المضاربة، فهو يخاطر بماله ولا يتوجب عليه أن يخاطر بأكثر من ذلك، ولهذا فالمنفعة التي تعود على العامل والمجتمع من جراء توفير الاطمئنان لرب المال، تفوق الضرر الناتج عن نقص كفاءة إدارة العامل، والذي قد يكون وهمياً إذا فرض عليه نوع من الرقابة المفيدة؛ خاصة إذا كان رب المال هذا هو العامل الأول، والذي يقدر ويعي ظروف ومشاكل العمل، ولن يصيبه القلق عند ظهور بوادر أية مصاعب، بل وقد يستطيع في حدود المعاونة تقديم المعلومات عن الوضع الاقتصادي العام و التنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية المستقبلية، التي قد تفيد العامل المنشغل في الجزئيات فلا يتسنى له الإطلاع على الصورة العامة.

وبالرغم من رأي الفقهاء في هذا الأمر… إلا أننا نجد أنهم أجازوا لرب المال رد المعيب مما قد يكون العامل قد اشتراه، وهذا لايمكن حدوثه إذا لم يكن رب المال على علم بما يحدث في المضاربة، بل وأباحوا له في هذه الحالة التدخل والرفض، وذكروا الرأي فيما يتعلق بإنتفاعه بعرض من عروض المضاربة، وشرائه منها وطلبه الشفعة، وذكروا أيضا رجوع المضارب إلى رب المال بطلب الأذن فيما قد لم يشمله العقد، مثل: الشراء بأجل بأكثر من رأس المال و الإستدانة وغيرها؛ مما يدل على أن العقد قابل للتعديل والإضافة إثناء التنفيذ، وهذا كله يوحى بعدم الممانعة عند الفقهاء، بأن يكون المالك على علم بما يحدث في المضاربة، ولهذا… فإن الأغلب أن المنع المقصود  عندهم هو الرقابة التي تشغل العامل عن عمله، وتكون بمثابة المحاسبة والتدخل في القرار والتي تعطي رب المال حق القبول والرفض، وحيث أن الواجب يقتضى الموازنة بين المصلحة والضرر؛ فالمصلحة تكون في السماح بجواز النص في العقد على نظام يقدم العامل بموجبه وبصورة دورية المعلومات الوافية عن سير العمل والتكاليف والتخطيط المستقبلي، على أن تكون هذه المعلومات غير ملزمة له فيما يتعلق بالتخيطيط والتقديرات المستقبلية، وله أن يعدل عنها، ويغير ما يشاء وفقا لما يراه الأصلح.

أما عن الإشراف، الذي يعطي رب المال حق وسلطة الموافقة والرفض، فهذا لا يجوز قطعياً بإجماع الفقهاء… إلا أن رب المال يستطيع إعطاء المال إلى عاملين، لكل منهما نصيب من الربح فلا يتصرف أحدهما دون الأخر، كما سيأتي تفصيله في بند الإشراف فيما بعد.

ويجب التنويه هنا مرة أخرى إلى ما جاء في المغني (جزء5 ص28-29) عن عمل رب المال مع العامل: ”أن يشترك بدنان بمال أحدهما. وهو أن يكون المال من أحدهما والعمل منهما. مثل أن يخرج أحدهما ألفاً ويعملان فيه معاً والربح بينهما، فهذا جائز. ونص عليه أحمد في رواية أبى الحارث، لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح بعمله في مال غيره. وهذه حقيقيه المضاربة، وقال أبو عبد الله بن حامد والقاضي وأبو الخطاب: إذا شرط أن يعمل معه رب المال لم يصح. وهذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأبى ثور وابن المنذر قال: لا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويخلي بينه وبينه، لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب. فإذا شرط عليه العمل فلم يسلمه لأن يده عليه فيخالف موضوعها، وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي على أن رب المال عمل من غير إشراط“.

شروط الربح:

الربح هو ما يتبقى عند انتهاء المشروع، بعد إعادة رأس المال إلى رب المال؛ وهو نماء المال فيتقسماه بينهما وفق ما اتفقا عليه.

ويشترط في العقد أن يتفق صاحب المال وصاحب العمل على نصيب كل منهما من الربح كجزء منه، كالنصف أو الثلث أو الربع، ولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه قدراً معيناً من الربح، لأنه لو اشترط هذا فقد لا يكون الربح سوى هذا القدر، فيأخذه من اشترط له فلا ينال الآخر شيئاً، وهذا يخالف المقصود من العقد الذي يراد به نفع كلا من المتعاقدين.

وما قاله الزيدية عن صحة الاتفاق إن قال أحدهما إن لي عشرة إن ربحنا أكثر منها، أو مما يزيد عليها يخالف شرط العقد يأن الربح شائع بينهما، فلو قلنا إن لرب المال العشرة إن ربحوا أكثر منهما، فهذا له وجهان، إما أن يكون للعامل فقط في كل مازاد عن العشرة، فتفسد المضاربة إن ربحا أقل منهما، وهذا مالم يقولون به، وإما أن يقتسما بالشرط أن ربحا أقل منهما… فإن ربحا أقل منهما فشرط العشرة لا فائدة منه. وإن ربحا أكثر فلرب المال العشرة، وما زاد بالشرط بينهما، فإن وجد العامل أنه سيربح أحد عشر، يجد أن نصيبه منهما أقل من نصيبه لو ربح تسعة واقتسما بالشرط، فتكون مصلحته أن يربح تسعة، لا أن يربح إحدى عشر، وواجبه أن يجتهد في زيادة الربح وهو إن فعل ضرً نفسه فيؤدي هذا التقسيم إلى تضاد بين مصلحة المضاربة ومصلحته، والشرط الذي يناقض مقتضى العقد شرط فاسد.

1- النسبة التنازلية أو التصاعدية:

من الأغلب عدم جواز الاتفاق على نسب تناقصية مع زيادة الربح، أي أن تختلف النسبة التي تطبق على الربح كله بقدر أجزاء هذا الربح، يقول رب المال  للعامل خذ الألف ولك نصف كل الربح إن ربحنا مثل خُمسها، أي خُمس الألف- أو أقل، ولك ثلث كل الربح إن ربحنا أكثر من خمسها، لما يؤدي هذا إلى تضاد المصالح إذا تجاوز الربح خمس رأس المال بمقدار يسير. ويجوز الإتفاق على أن للعامل نصف الربح المماثل لخمس المال، وثلث مازاد عن ذلك، وإن كان مكروها.

ويجوز الإتفاق على نسبة تصاعدية للعامل، كأن يقول له: لك ثلث الربح إن ربحنا مثل أو أقل من خمس رأس المال، ولك نصف ما نربح أكثر من ذلك. فيكون للعامل ثلث الربح المماثل لخمس المال، ونصف ما زاد عن ذلك؛ وهذا ما يؤدي إلى زيادة الحافز عند العامل ليحقق الربح الأكثر.

2- إيراد المضاربة:

ذكر أن إيراد المضاربة حتى تستوفى قيمة رأس المال، يجب أن يكون نقداً من نفس جنس رأس المال؛ فإن أستوفى رأس المال فلهما الاتفاق في العقد على اقتسام المال العروض بينهما؛ بشرط أن يكون من نفس الجنس والنوع والمواصفات، وأن يكون مما يكال أو يقاس، أو أن يستمرا في البيع حتى يصبح الربح كله نقداً فيقتسماه، أو أن يكون جزء من الربح نقداً، والجزء الآخر عروضاً وفق ما يتفقان عليه . وذلك بهدف أن ينتفع المتعاقدون بما ينتج عن المضاربة، فقد يكون أحدهما أو كلاهما في حاجه إلى هذه السلعة لإستعماله الخاص أو لأعماله… فإن اشترط بيعها قد يضطر لشرائها مرة أخرى، وربما بثمن أو تكلفة أكثر مما باعها به (فرق الثمن قد يكون فرق ما نسميه بيع الجملة والمفرق، أو الربح التاجر الذي اشتراها، والتكلفة الزائدة هي إعادة نقلها وخلافه).

3- ولا يجوز اشتراط جزء من الربح لطرف ثالث أجنبي عن العقد، إلا أن يشترط قيامه بعمل من أعمال المضاربة، فيكون بمثابة ما لو دفع رب المال ماله إلى عاملين. أما المالكية… فقد قالوا إن المضاربة صحيحة والشرط صحيح؛ لأن طرفي المضاربة لهما أن يهبا مالهما، والوهب ليس من مقصود المضاربة، ويستطيعان أن يهبا بعد القسمة أو قبلها، إلا أن هذا لا علاقة له بالمضاربة.

4- ولا يجوز أن يشترط أحدهما ربح صنف أو مبلغ أو سفر أو عملية معينة، كأن يتفقان على المضاربة في عمليتين ربح الأولى لرب المال والثانية للعامل؛ لأن شرط صحة المضاربة هو أن يكون نصيبهما من الربح شائعاً فيه.

5- ولا نصيب لرب المال إلا من الربح فقط، ولانصيب للمضارب إلا من الربح فقط، فلو شرط له شيءمن رأس المال، أو منه ومن الربح… فسدت المضاربة، إلا أن تكون نفقة سفر أو حضر. ولا يجوز للعامل أن يأخذ شيئا من ربحه إلا بحضرة رب المال، وإن أخذ شيئاً فهو له ضامن حتى يتحاسبا فيستوفي صاحب المال رأس ماله ثم يتقاسمان الربح على ما شرطا.

6- يجب ألا يربح أحدهما إلا بماله أو بعمله أو بما ضمن، ولا يجوز أن يربح مما ليس له فيه مال أو عمل أو ضمان، ولايجوز لأحدهما أن يربح من المضاربة إلا من الجزء المخصص له من نماء رأس المال، سواء كان ذلك التخصيص للعمل أو للمال أو للضمان؛ فلا يبيع أو يشتري، أو يؤجر أو يستأجر من أو إلى مال المضاربة بربح له من إحدى هذه المعاملات أو غيرها مع شركة المضاربة.

7- إذا كان رأس المال عروضاً… يشترط فيه أن يكون المقصود من دفعه كرأس مال أن يباع وينضض، فلايصح في المضاربة دفع مال نقداً، ومعه دار أو ألة يستخدمهما المضارب في العمل، على أن تحتسب الأجرة مع النقد كرأس مال المضاربة؛ لأن الذي يستهلك في المضاربة من الدار والآلة هو المنفعة وليس العين، ولا يمكن تقدير قيمة المنفعة وقت التعاقد لعدم معرفة مدة المضاربة، وإن حددت مدة المضاربة… لا يعرف المدة التي ستستخدم فيها المنفعة، ولا يعرف هل ستستوفى أو يصيبها ما يقيد أو يمنع استيفاءها، ولهذا… لا يجوز أن تكون رأس مال مضاربة، حتى لا يجهل رأس المال فلا يعرف الربح فتفسد المضاربة، إلا أن يكون دفعها من قبيل الإعانة والتطوع، ولهذا .. كان دفع رب المال عامله ليساعد المضارب من قبيل الإعانة، فلم يحسب أجر هذا المساعد كرأس مال؛ إضافة إلى أنها استئجار ماله بماله.

أما المشاركات التي قال بها الحنابلة، والتي تصح أن دفع الرجل دابته إلى اخر ليعمل عليها والربح بينهما… فهي مشاركة منافع، وليس فيها رأس مال لا نقدي ولا عروض، ولهذا… لا يمكن القول بأنها مضاربة، وإنما هي نوع أخر من المشاركات، وإن شابه المضاربة التي هي من هذه المشاركات أيضاً، فيشارك هذا بمنفعة دابته ذاك بمنفعة عمله، ويقتسمان الرزق؛ أي إن هذه المشاركة تقوم على تساوي مجهولين معدومين وقت التعاقد، أو تفاضلهما بنسب يمكن معرفتها، فمنفعة الدابة يمكن تحديدها إذا علم العمل والمدة، وكذلك منفعة عمل عامل المشاركة، والعمل والمدة وإن لم يعرفا عند التعاقد… إلا أنهما نفس العمل والمدة للمنفعتين، فيمكن تحديد نسب التفاضل بينهما، وتكون هي نسب توزيع الرزق، أما الخسارة فهي من إستهلاك هذه المنافع خلال مدة المشاركة.

وحيث إن الوضيعة محدودة بالمنافع، ولا تمتد إلى العين… فإن هذه المشاركة أبسط من المضاربة، وقد لا تحتاج إلى الشروط التي تشترط في عقد المضاربة، مع إمكان توقيت هذه المشاركات، ومنع الإستدانة فيها إلا بتفاضل أو تساوي الضمان بنفس النسب التي سبق الإتفاق عليها، فإن اتفقا على أن يشتري العامل بضاعة بالأجل ليحملها على دابة صاحبه ويبيعها في السوق… كان ضمان الثمن المؤجل بينهما بنسب المشاركة في الرزق، والتي حسبت على أساس تفاضل المنافع، وليس بضمان أحدهما فقط لكل الثمن، أو تفاضلهما بالضمان بنسبة أخرى، لتعسر فصل ربح العمل عن ربح الضمان، وإحتمال جبران ربح العمل خسارة المال أو العكس ؛ فتوجب استمرارها بنفس نسب المشاركة إلا إذا أمكن حساب وفصل ربح العمل عن ربح المال.

وعليه… فإن رأس مال المضاربة لا يجوز أن يكون منفعة أو منفعة وأموال عينية، ولا يكون إلا نقداً أو عروضا كما بين الفقهاء أو نقداً وعروض مثلية، يمكن تقييمها بدقة، ويشترط أن يتحول رأس المال كله من نقد إلى عروض إلى نقد، أو من عروض مثلية إلى نقد ثم إلى عروض ثم إلى نقد. أما في المشاركات.. فيجوز المشاركة في الرزق الحاصل من استخدام أو إستهلاك هذه المنافع.

والمنع هنا هو الخلط بين النقد أو العروض المثلية مع المنافع المقيمة بمال، لجهالة الأخيرة وقت العقد، وإن قدرت بمال… وجب رد قيمتها مع رأس المال، فإن نما المال بهذا القدر فقط، أخذه كله رب المال عوضا عن ماله ومنفعة العين، في حين أن هذه القيمة هي ثمن منفعة، لم تقصد لذاتها، وإنما قصدت لأثرها في إنما المال، وهي مثل عمل العامل والذي يستحق عوضه عنه بجزء من النماء، وله في نماء المال حق المنفعة، فتعامل هذه بالمثل، ويكون العوض عليها لربها بالقدر الذي ساهمت به في نماء المال، فيتوزع النماء على المال والعامل والدار مثلاً

وقد يقول رب المال إن الدار لها قيمة الأجرة التي يتقاضاها من الغير لو لم يدفعها إلى المضاربة، وكذلك يمكن أن يقول العامل عن أجرة عمله، وهما بإختيارهما المضاربة آملين تحقيق ربح أعلى… وجب عليهما المخاطرة بإحتمال حدوث الأقل، حتى يجوز لهما الأكثر ان تحقق.

أو يقول رب المال إن العامل كان ليستأجر الدار من الغير، وإن هذا المال الذي كان سيدفعه إلى الغير قد توفر له ليستثمره، وهذا صحيح… ولهذا فله كل كسب هذا المال إذا حدث، ولهذا يدفع بها إلى المضاربة بكسبها، فإن إراد تأجيرها لشركة المضاربة أجرتها، وأن شاء استأجر غيرها ولا يجبر عليهما، فان استأجرها دفع إليه بقدر المدة واستوفى المنفعة فتحدد الأجر، ومتى إنتهى منها أعادها إليه فينقطع الأجر، وهذا لا يمكن تحديده وقت التعاقد ولا يصح أن يكون كرأس مال مضاف إلي النقد، لاحتمالات تغيره فيما يتعلق باستيفاء المنفعة والمدة.

وهو إن استأجر من رب المال، فالأجرة فيها ربح، فإن أخذ رب المال الأجرة يكون قد ربح من المضاربة قبل توزيع الأرباح، ويكون قد اشترط لنفسه درهماً لا يجوز معه القراض، فإن لم يشترط وكان للعامل فيها حاجة لمصلحة المضاربة، فإما تكون الأجرة بدون ربح لرب المال وهذا يصعب تحديده؛ فالأجر يتكون من عناصر عديدة منها في حالة الآلة الإستهلاك والصيانة والتشغيل والإدارة والربح، فيصعب الفصل بينهم، أو أن يدفعها بأثرها على إنماء المال فيكون لها جزء من نماء المال. فالعين التي لها منفعة مطلوبة في أحد مراحل المضاربة، تساهم بهذه المنفعة لتنمية رأس المال النقدي، كما يساهم العامل بمنفعة فكره وعمله، فإن نما المال… كانت لهذه المساهمة قيمة هي جزءاً من هذا النماء، وإن لم ينم المال فليست لها قيمة.

وقد منع الفقهاء رب المال أن يتقاضى أجر غلامه الذي يعمل مع المضارب، فإن كان له – أي للغلام – جزءاً من الربح … اشترطوا ألا يعود ربحه إلى رب المال، وهذا يعني أن رب المال لا يجب أن يكون له ربح غير نصيبه المتفق عليه، وهذا صحيح لو اشترط رب المال عمل غلامه، أما لو لم يشترط هذا، وكان العامل هو الراغب، فلا يوجد سبب يدعو إلى المنع، بفرض أن نصيب الغلام يقاس بجزء النماء المتحصل من منفعة عمله.

ولحساب نسبة نصيب هذه الدار من النماء – وهذا في حالة وجود دراسة جدوى اقتصادية- يقدر الأجر الذي كان سيستأجر به العامل مثل هذه الدار من الغير، وتحسب المضاربة مرة على أن الدار استؤجرت من الغير، ومرة أخرى على أنها دفعت من قبل رب المال، والفرق بينهما هو نصيب الدار فيحدد منه نسبة نصيبها من الربح؛ فإن حدث النماء المقدر يعود لرب المال عوضه عنها، وإن لم يحدث تساويا في الربح والخسارة.

ولنقرب هذا… نعرض المثال الآتي؛ رب مال يدفع 1000 دينار مضاربة إلى عامل، على أن له نصف الربح، ويملك داراً يرغب في أن يدفع بها إلى المضارب، والعامل يرغب فيها ويحتاجها لخزن المشترى، ولأنه إن لم تكن من رب المال فسيستأجر مثلها من الغير، فتكون الدراسة لو استؤجرت من الغير كما يلي:

 

ثمن شراء السلعة شاملاً كل المصاريف والتحميل والنقل          900

أجرة الدار من الغير                                                      100

إجمالي المصروف = رأس المال                                      1000

ثمن البيع (بفرض ربح 50 % على ثمن الشراء)                   1350

ربح المضاربة الموزع                                                   350

نصيب رب المال = نصيب العامل = نصف الربح                 175

 

أما لو دفع رب المال بداره إلى العامل فتكون كما يلي:

ثمن شراء السلعة شاملاً كل المصاريف والتحميل والنقل           1000 

إجمالي المصروف = رأس المال                                       1000

ثمن البيع (بفرض ربح 50% على ثمن الشراء)                     1500

ربح المضاربة الموزع                                                   500

نصيب رب المال = نصيب العامل                                     175

نصيب الدار                                                                150

 

فيكون نصيب رب المال = نصيب الدار (150 ÷ 500) + نصيب المال (175 ÷ 500) =65% من الربح الموزع

ويكون نصيب العامـل = نصيب العمل (175 ÷ 500)         = 35% من الربح الموزع

 

وتقدير الأجر لمعرفة نسبة نصيب الدار من النماء ليس كتقدير الأجر، وجعله كرأس مال يستحق إعادته إلى صاحبه، والإتفاق المبني على التقدير هو ما يعمل به لتحديد نصيب كل من العامل ورب المال من ربح المضاربة. وقد ذكر الفقهاء أن هذا يعود إليهما بالتراضي؛ فإن اختارا أن يبنى على أسس معينة فلا بأس.

ويمكن أن نستنتج مما سبق أن أعيان رب المال التي يدفعها إلى المضاربة، لا يصح أن تكون رأس المال فيها، ويمكن-تجاوزاً- السماح لرب المال أن يؤجر إلى عامل المضاربة داره أو ألته أو غيرهما من الأعيان، بمثل ما يستأجر العامل من الغير، ودون شرط عليه، والأغلب كراهة ذلك لأن لرب المال ربحاً في الأجر- وأخيراً وهو ما كان يجب أن يكون أولاً- أن الإجارة من عقود المبادلة، التي لا تنعقد إلا بتوافق إرادتين، ولا يجوز تعاقد الشخص مع نفسه أو مع وكليه ليشتري ماله بماله، والإجارة بيع منافع. والأجدر برب المال أن يدفعها إلى المضاربة، ويكون له كل نماء مال المضاربة الحاصل نتيجة عملها؛ فإن كانت آلة وأصابها ما يعيبها… عليه أن يبدلها أو يستأجر مثلها من ماله وليس من مال المضاربة، وعليه توفير من يشغلها حتى يجوز له كل نصيبها.

وقد كره وربما منع الفقهاء أن يؤجر رب المال دابته أو داره للمضاربة، وقالو يدفع بهما مع ماله من قبيل الإعانة، والإعانة توفر المال للكسب فيناله منها زيادة في الربح.

جاء في الصنائع (جزء5 ص85): ”روى المعلى عن أبى يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب كان جائزاً“.

وجاء في المغني (جزء5 ص29): ”وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وقول أكثر أصحابه. ومنعه بعضهم، وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده. وقال أبو الخطاب: فيه وجهان، أحدهما الجواز، لأن عمل الغلام مال سيده، فصح ضمه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل عليها“.

وفي كلام المغني صحة أن يدفع البهيمة منضمة إلى المال، ولما لم يكن له أن يضيفها إلى رأس المال؛ لأنها مال منفعة، وليس له أجر عليها… فقد يكون اما يدفعها متطوعاً معيناً، أو يدفعها بأثرها على النماء، والأخيرة أطيب لهما فلا يكسب المضارب مما لا مال له فيه ولا عمل.

8- وإذا تلف أو هلك جزء من رأس المال… فإنه يحسب من الربح، لأن الربح وقاية رأس المال، ولأن الربح تبع ورأس المال أصل، فإذا تجاوز التالف الربح، وسرى إلى رأس المال … كانت الوضيعة على رب المال؛ مالم يتعد العامل.

9- المضاربة التي تكون التجارة فيها عدة عمليات شراء وبيع متتالية متلاحقة:

الأغلب ألا يصح في المضاربة أن يدفع الرجل ماله إلى العامل فيشتري ويبيع ثم يشتري ويبيع عدة مرات، وإن كان هذا برضاهما أو لم يقل له: راجعني متى نض المال بعد البيع الأول، ولإن كان هذا غررا يمكن التوقي منه، ولا ضرورة أو حاجة تستدعي أن يباح لأجلها في الظروف الإعتيادية. ولهذا… يجب الإتفاق على القسمة كلما أمكن بعد كل بيع وشراء فينال العامل حقه، وإلا جبر ربح الأولى خسارة الثانية على حساب العامل؛ لأن له في الربح وليس عليه في الوضيعه. ولا يصح التقسيم إلا عندما يكون كل المال ناضا؛ فإن كان المال بعضه عروضا وبعضه نقداً يستمر الشراء والبيع؛ حتى يصبح كل المال نقداً فيتوجب عندئذ الحساب والقسمة.

أما إذا كان من طبيعة الشراء والبيع أن يتم كل يوم أو كل أسبوع، وكان عملاً متماثلاً متكرراً، فتجوز آنذاك التجارة المتلاحقة؛ بشرط أن تكون في نفس الجنس والنوع وفي نفس السوق، ولاحاجة للقسمة بعد كل بيع إن كان هذا ما رغب فيه العامل ودون اشتراط من رب المال، كأن يدفع رجلا ماله مضاربة إلى تاجر فاكهة اعتاد شراء الفاكهة من تاجر الجملة في الصباح فيبيعها للناس خلال النهار، فهذا يضارب معه ولا حاجة لإنهاء المضاربة عند كل إنضاض للمال؛ بشرط أن يكون هذا ما يريده التاجر مع علمه بما قد  يتسببه هذا من جبران خسارة يوم من ربحه في يوم أخر، وله أن يقتسم مع صاحبه في أي يوم يشاء، والسبب في الترخيص بهذه الحالة، هو أن النتائج ستكون في الأغلب متقاربة في معظم الأيام، ولا يتوقع حدوث خسارة في يوم ما قد تنجبر من ربح يوم أخر، ولأن الاختيار عائد للعامل، وفي القسمة اليومية مشقة وعمل إضافي هو في غنى عنهما بعد السعي والكد طول النهار.

 إلا أن هناك أثراً آخر لهذه المضاربة، وهو أن المال متى ربح في اليوم الأول، واشترى فاكهة في اليوم التالي بالمال وربحه؛ فإن هذا الشراء فيه مال للمضارب هو نصيبه من الربح في اليوم السابق، فيصبح العامل التاجر شريكاً بعد أول بيع بالأضافة إلى كونه مضارباً، ويتكرر هذا كل يوم فيزداد ماله المشارك به، ولهذا وجب الحساب إذا كانت المضاربة في يد مضارب قادر على الحساب اليومي، فإن كان تاجراً بسيطاً كتاجر الفاكهة الذي ذكرناه، فيشترط أن يقتسما كلما بلغ المال قدر رأس المال وعشره، أي عندما يصل الربح إلى عشر رأس المال إذا كان له نصفه، أو أن يبلغ ربح المضارب نصف العشر من رأس المال أياً كانت نسبته من الربح؛ لأن الغرر الناتج عن تأثير الربح المشارك به يكون يسيراً حتى هذا الحد، وما زاد عن ذلك يكون الأفضل معة القسمة.

ولا تجوز المضاربة المتكررة في التجارة التي تطول المدة فيها بين الشراء والبيع، أو تختلف أنواع البضاعة أو طبيعة العمل، فإذا اشترى ملابس في الصيف ليبيعها في الشتاء تجب القسمة متى أصبح المال ناضا، ولا يجوز أن يشتري بالمال ثياباً أخرى؛ لأنه إن كان قد ربح… فله حق في الربح، فإن أبقاه يصبح مشاركا به، وإن كان قد خسر لا يجبر ربحه المستقبلي هذه الخسارة السابقة؛ فهو ليس عليه شيئاً من الخسارة.

وتجوز المضاربة في البيوع المتلاحقة إذا تعذرت القسمة، وكان العامل يرغب فيها بمحض إختياره مع علمه بكافة الإحتمالات؛ لأنها جازت في حالات السفر البعيد في مضاربات العهد الإسلامي الأول، والتي كان الرجل يدفع ماله إلى من يشتري به بضاعة يرحل بها مع القافلة إلى الشام مثلاً فيبيعها، ثم يشتري من الشام بضاعة يعود بها ويبيعها في مكة، فكانت تجارة الذهاب وتجارة الإياب تعتبران مضاربة واحدة لإستحالة القسمة لبعد المسافة، فاقتضت المصلحة جوازها، فالمعروف أن الفقهاء أجازوها بالإجماع، ولم يشترطوا ظروفاً معينة لا تجوز لغيرها، فنجد العامل يتاجر أكثر من مرة في المال دون قسمة، وهذا – في أغلب الظن – يعود إستحالة الاتصال بينهما متى سافر المضارب، ولأن الرأي والإختيار له. إلا أن الوضع قد اختلف في عصرنا هذا؛ فانتفت الأسباب التي دعت إلى جوازها. والأولى أن يقتسما متى نض المال فيعود من السفر بمضاربة جديدة، إن كان هذا ما سيتفقان عليه عبر قنوات الاتصال الحديثة، إلا أن تكون طبيعة التجارة تستوجب ذلك لظروف خاصة، قد تظهر مع الممارسة، فيكون الرأي عندئذ للعامل فتجوز إن شاء ذلك ودون شرط عليه. والسبب الثاني الذي قد يكون قد دعا الفقهاء إلى إجازتها هو ان طلب القسمة في يد العامل كما هو في يد رب المال، والعامل هو من قد يصيبه الضرر وله أن يوازن بين مصلحته في إستلام الربح أو إبقاء المال في يده، فقد تكون رغبته في إبقاء المال في يده خوفاً من ألا يدفعه رب المال إليه في مضاربة ثانية.

<< previous page next page >>

الباب الثالث: مجالات الاستثمار من خلال عقد المضاربة

الباب الثالث

مجالات الاستثمار

من خلال عقد المضاربة

 

 الفصل الأول

طبيعة المضاربة

ذهب الأحناف والشافعية إلى أن المضاربة من جنس المعاوضة كالإجارة، وإنها واردة على خلاف القياس لجهالة العمل وجهالة الأجر، والأصل فيها إنها لا تجوز، وقد رخصها الشارع استثناءً من الأصل وتحقيقاً للمصالح وتيسيراً على الناس وتلبية لحاجاتهم ورفقاً بهم.

بينما ذهب الحنابلة إلى أن المضاربة من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فالمضاربة مثل المساقاة والمزارعة، أصلاً يقاس عليه.

جاء في القياس لابن تيمية من أن عقد المضاربة من جنس المشاركة لا من جنس المعاوضة الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركة جنس غير جنس المعاوضة، والمضاربة ما لا يقصد فيه العمل بل المقصود المال، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل، ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئاً لم يكن له شيء. بل المضاربة مشاركة فالعامل بنفع بدنه وصاحب المال بنفع ماله وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة، وإذا شرط شيئاً مقدرا في المضاربة لم يجز لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين.

وجاء في كتاب موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة للدكتور عبد الله عبد الحميد العبادي (صفحة 211، 212):

”ذهب الأحناف إلى أن القياس في عقد المضاربة لا يجوز، وعللوا لذلك أنه استئجار بأجر مجهول بل بأجر معدوم، والعمل مجهولاً لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع. (بدائع الصنائع جزء 8)

وجاء في تحفة المحتاج في الفقه الشافعي (جزء 5 ص220): ”وهو – أي القراض – رخصة لخروجها عن قياس الإجارات كما أنها كذلك لخروجها عن بيع ما لم يخلق“.

أما الحنابلة فإنهم اتجهوا اتجاهاً آخر فيه يسر وسعة، حيث إنهم الحقوا المضاربات بعقود الشركات: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في القواعد النورانية: من قال إجارة بالمعنى العام فقد صدق، ومن قال إجارة بالمعنى الخاص فقد أخطأ. ثم يضيف في مكان لاحق: ولهذا جوز أحمد سائر أنواع الشركات التي تشبه المساقاة والمزراعة، مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرها إلى من يعمل عليها، والأجرة بينهما.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: فالذين قالوا المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس، ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة، لأنها عمل بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، فلما رأوا أن العمل والربح في هذه العقود غير معلومين قالوا هي على خلاف القياس، وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوض، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها شوب المعاوضة (إعلام الموقعين 2/4). ثم نوع العمل إلى ثلاثة أنواع:

1-     أن يكون العمل مقصوداً، معلوماً مقداره، مقدوراً على تسليمه، فهذه الإجارة  اللازمة.

2-     أن يكون العمل مقصوداً، لكنه مجهول أو غرر، فهذه الجعالة وهي عقد جائز ليس بلازم.

3-     مالا يقصد فيه العمل، بل المقصود منه المال وهو المضاربة“.

وجاء في مجموع فتاوي ابن تيمية (جزء 29 ص 98) في موضوع المساقاة والمزارعة: ”أن هذه المعاملة مشاركة، ليست مثل المؤاجرة المطلقة، فإن النماء يحصل من منفعة أصلين، منفعة العين التي لهذا، كبدنه وبقره. ومنفعة العين التي لهذا، كأرضه وشجره. كما تحصل المغانم بمنفعة أبدان الغانمين وخيلهم، وكما يحصل مال الفيء بمنفعة أبدان المسلمين من قوتهم ونصرهم. بخلاف الإجارة فإن المقصود فيها هو العمل أو المنفعة. فمن استؤجر لبناء أو لخياطة أو شق الأرض أو بذرها أو حصاد، فإذا وفّاه ذلك العمل فقد استوفى المستأجر مقصوده بالعقد واستحق الأجير أجره. ولذلك يشترط في الإجارة اللازمة: أن يكون العمل مضبوطاً كما يشترط ذلك في المبيع. وهنا منفعة بدن العامل وبدن بقره وحديده، هو مثل منفعة أرض المالك وشجره، ليس مقصود واحد منهما استيفاء منفعة الآخر إنما مقصودهما جميعاً ما يتولد من اجتماع المنفعتين، فإن حصل نماء اشتركا فيه، وإن لم يحصل نماء ذهب على كل منهما منفعته، فيشتركان في المغنم وفي المغرم، كسائر المشتركين فيما يحدث من نماء الأوص التي لهم، وهذا جنس من التصرفات يخالف في حقيقته ومقصوده وحكمه الإجارة المحضة، وما فيه من شوب المعاوضة من جنس ما في الشركة من شوب المعاوضة“.

ويضيف ابن تيمية في صحفة 99: ”فمعلوم قطعاً أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حُرم بيعه في المعاوضة لأنه أكل مال بالباطل، وهنا لا يأكل أحدهما مال الآخر. لأنه إن لم ينبت الزرع فإن رب الأرض لم يأخذ منفعة الآخر، إذ هو لم يستوفها ولا ملكها بالعقد، ولا هي مقصودة، بل ذهبت منفعة بدنه، كما ذهبت منفعة هذا، ورب الأرض لم يحصل له شئ حتى يكون قد أخذه والآخر لم يأخذ شيئاً، بخلاف بيوع الغرر وإجارة الغرر، فإن أحد المتعاوضين يأخذ شيئاً، والآخر يبقى تحت الخطر، فيفضي إلى ندم أحدهما وخصومتهما، وهذا المعنى منتف في هذه المشاركات التي مبناها على المعادلة المحضة التي ليس فيها ظلم البتة، لا في غرر ولا في غير غرر.

يضيف: من جهة أنهم اعتقدوا هذا إجارة على عمل مجهول، لما فيه من عمل بعوض. وليس كل من عمل لينتفع بعمله يكون أجيراً، كعمل الشريكين في المال المشترك، وعمل الشريكين في شركة الأبدان، وكاشتراك الغانمين في المغنم، ونحو ذلك مما لا يعد ولا يحصى، نعم! لو كان أحدهما يعمل بمال يضمنه له الآخر لا يتولد من عمله، كان هذا اجارة.

ويضيف في صفحة 101 في موضوع المضاربة: انا نعلم بالاضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع منفعة بدن العامل ومنفعة رأس المال، ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح، كما أن العامل يبقى بنفسه التي هي نظير الدراهم. وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا“.

<< previous page next page >>